الجمعة، فما زال يحدثنا حتى خرج الإمام، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال لي: جاء رجل يتخطى رقاب الناس ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له: "اجلس فقد آذيت وآنيت".
- النهي عن أن يقيم الرجل الرجل من مقعده:
١٨٠١ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا".
١٨٠٢ - * روى الشيخان عن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: "نهى رسول الله ﷺ أن يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه، قيل لنافع: في الجمعة؟ قال: في الجمعة وغيرها".
- النهي عن الاحتباء:
١٨٠٣ - * روى أبو داود عن معاذ بن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ "نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب".
قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، ورخص في ذلك بعضهم، منهم عبد الله بن عمر وغيره، وبه يقول أحمد وإسحاق، لا يريان بالحبوة والإمام يخطب بأساً، وحديث معاذ بن أنس يؤيد من قال بكراهته.
أقول: من لم ير بالحبوة بأساً حمل النص الذي مر معنا على الاحتباء الذي يرافقه انكشاف عورة.
стр. 1087
- النهي عن الحلق:
١٨٠٤ - * روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة".
أقول: إذا دخل الإنسان المسجد لصلاة الجمعة فحق الجمعة عليه أن يتفرغ للصلاة والذكر وتلاوة القرآن؛ وتحلق الناس قبل الجمعة يستدعي الأحاديث، والحديث يجر بعضه بعضاً، وقد يؤدي التحلق إلى اللغو أو الغيبة وهذا يتنافى مع مقاصد الذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة، ومما اعتاده الناس في بعض المساجد في عصرنا أن يقيموا درساً عاماً قبل صلاة الجمعة يكسبون فيه اجتماع الناس لإيصال المعاني لأن همم الناس انصرفت عن طلب العلم والاشتغال به، ولم ير كثير من العلماء في ذلك بأساً بل حبذوه ولم يعتبروه من باب التحلق المنهي عنه.
القراءة في صلاة الجمعة:
١٨٠٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن أبي رافع قال: "استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة فقرأ- بعد الحمد لله- (سورة الجمعة) في الأولى، و (إذا جاءك المنافقون) في الثانية، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة، قال أبو هريرة: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما".
١٨٠٦ - * روى مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قال: "لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً سنتين- أو سنة وبعض سنة- ما أخذت (ق، والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس" وفي رواية (١) "أخذت (ق، والقرآن المجيد) من في رسول الله ﷺ ، يقرأ بها على
стр. 1088
المنبر في كل جمعة".
١٨٠٧ - * روى الشيخان عن يعلى بن أمية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر (ونادوا يا مالك) (١).
١٨٠٨ - * روى أبو داود عن سمرة بن جندب ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
١٨٠٩ - * روى مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله: "أي شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة، سوى (سورة الجمعة)؟ فقال: كان يقرأ (هل أتاك) ". وفي رواية قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين".
١٨١٠ - * روى عبد الله بن أحمد عن أُبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة براءة وهو قائم يذكر بأيام الله.
стр. 1089
الفقرة الرابعة: راتبة الجمعة
١٨١١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً".
وفي رواية (١) قال: "من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً".
وفي أخرى (٢) "من كان منكم مصلياً ... الحديث".
وفي أخرى (٣) "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً".
وزاد في رواية (٤): قال سهيل: "فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت".
١٨١٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن في سفر ولا حضر: نوم على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين بعد الجمعة، ثم إن أبا هريرة جعل بعد ركعتين بعد الجمعة ركعتي الضحى.
أقول: الظاهر أن رسول الله ﷺ أوصاه مرة بالضحى وأوصاه مرة بسنة الجمعة البعدية، فكان يحدث عن هذا تارة وعن هذا تارة فمجموع الوصايا أربع.
١٨١٣ - * روى أبو داود عن نافع مولى ابن عمر ﵃ "أن ابن عمر رأى رجلاً يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعاً؟! قال: وكان عبد الله يصلي يوم الجمعة ركعتين في بيته، ويقول: هكذا فعل رسول الله ﷺ ".
стр. 1090
وفي رواية (١) "أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين".
وفي أخرى (٢) "كان ابن عمر إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ويحدِّث: أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك".
وفي أخرى (٣) "أن ابن عمر كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، فإذا صلى الجمعة ... وذكر الحديث".
وفي أخرى (٤) "أن رسول الله ﷺ كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين".
أقول: الأصل في النوافل أن تكون في البيت ولكن ليس هذا بمحتم، وفعل أبي هريرة يدل عليه، ومن كلام ابن عمر نعرف أنه كان يخشى من صلاة ركعتين بعد الصلاة في المسجد أن يظن ظان أن هذا إكمال لفريضة الجمعة. وفعل ابن عمر في إطالة الصلاة قبل فريضة الجمعة واستمراره في الصلاة كما مر معنا من قبل حتى يصعد الخطيب إلى المنبر دليل على أنه لا حرج في الصلاة قبل فريضة الجمعة، والنصوص كثيرة في الندب إلى الصلاة قبل أن يخرج الإمام للخطبة، ولهذا كله وللنصوص التي ستمر معنا وقياساً للجمعة على الظهر اعتبر العلماء أن لصلاة الجمعة سنة قبلية كسنة الظهر القبلية، وقد درج العامة والخاصة على أن يصلوا سنة الجمعة القبلية بين الآذان الأول والآذان الثاني، وليس للإنكار على من فعل ذلك محل، ثم إنه جرت عادة أكثر الناس أن يصلوا سنة الجمعة البعدية في المسجد دون نكير وقد سكت العلماء على ذلك لأن التخوف لم يعد له كبير محل ولأنهم رأوا أن أكثر الناس إذا لم يصلوا السنة في المسجد لم يفعلوها في بيوتهم، فلضعف همة الناس سكتوا عن كثير مما هو
стр. 1091
أفضل لخوفهم من أن يضيع الفاضل والأفضل معاً.
وقد ورد بالنسبة للسنة القبلية يوم الجمعة نصوص خاصة بها وفيها كلام ومنها:
١٨١٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس (كان رسول الله ﷺ يركع قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً)، وعلق عليه المنذري في فيض القدير (٥/ ٢١٦) فقال: فيه أمور: الأول: أن الذي لابن ماجة إنما هو بدون لفظ وبعدها أربعاً وإنما هذه الزيادة للطبراني كما ذكره ابن حجر وغيره، الثاني: سكت عليه فأوهم سلامته من العلل وليس كما أوهم فإن ابن ماجة رواه عن مبشر بن عبيد عن حجاج بن أرطأة عن عطية العوفي عن الحبر قال الزيلعي: ومبشر معدود من الوضاعين وحجاج وعطية ضعيفان اهـ. وقال النووي في الخلاصة: هذا حديث باطل اجتمع هؤلاء الأربعة فيه وهم ضعفاء وبشر وضاع صاحب أباطيل وقال الحافظ العراقي: ثم ابن حجر سنده ضعيف جداً وقال الهيثمي: رواه الطبراني بلفظ كان يركع قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً لا يفصل بينهن ورواه ابن ماجة باقتصار الأربع بعدها وفيه الحجاج بن أرطاة وعطية العوفي وكلاهما ضعيف إلى هنا كلامه، الثالث: أنه قد أساء التصرف حيث عدل لهذا الطريق المعلول واقتصر عليه مع وروده من طريق مقبول فقد رواه الخلعي في فوائده من حديث علي كرم الله وجهه قال الحافظ الزين العراقي: وإسناده جيد اهـ.
وإنما أوردنا الحديث في كتابنا لرواية الخلعي هذه. وسننقل بعد قليل فتوى الشيخ محمد يوسف الدجوي في سنة الجمعة القبلية.
١٨١٥ - * روى أبو داود عن عطاء بن أبي رباح "أن ابن عمر ﵄ كان إذا
стр. 1092
صلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين، ثم يتقدم فيصلي أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ولم يصل في المسجد، فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعله".
وفي رواية (١): قال [عطاء]: "رأيت ابن عمر يصلي بعد الجمعة، فينماز عن مصلاه الذي صلى الجمعة فيه قليلاً غير كثير، قال: فيركع ركعتين قال: ثم يمشي أنفس من ذلك، فيركع أربع ركعات، قال ابن جريج: قلت لعطاء: كم رأيت ابن عمر يصنع ذلك؟ قال: مراراً".
واختصره الترمذي قال: "رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعاً".
أقول: هذا دليل على أن السنة الأغلبية لابن عمر أن يصلي سنة الجمعة البعدية في البيت، وصلاته أربع ركعات بعد الركعتين دليل على النفل المطلق في غير الأوقات الخمسة التي ورد فيها نهي- جائز- وانتقال ابن عمر من محل صلاة الفريضة إلى غيره لصلاة النافلة ثم انتقاله من مكان الصلاة الراتبة إلى مكان آخر أصل من الأصول التي بنى عليها العلماء في أنه يسن للإمام إذا أراد أن ينتفل بعد الفريضة أن يتحول قليلاً عن مكانه ويسن للمأمومين أني كسروا الصفوف بتقديم أو تأخر لكي لا يشتبه على الداخل أنهم في صلاة جماعة، وسنرى بعض ما يدل على ذلك في الفوائد والمسائل.
١٨١٦ - * روى الطبراني عن علقمة بن قيس أن ابن مسعود صلى يوم الجمعة بعد ما سلم الإمام أربع ركعات.
стр. 1093
١٨١٧ - * روى ابن خزيمة عن أيوب، قال: قلت لنافع: أكان ابن عمر يصلي قبل الجمعة؟ فقال: قد كان يطيل الصلاة قبلها، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدِّث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك.
قال ابن خزيمة: باب إباحة ما أراد المصلي من الصلاة قبل الجمعة من غير حظر أن يصلي ما شاء وأراد من عدد الركعات والدليل على أن كل ما صلى قبل الجمعة فتطوع لا فرض منها. قال ابن خزيمة في خبر أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي ﷺ : "وصلى ما كتب له". وفي خبر سلمان: "ما قدر له"، وفي خبر أبي أيوب "فيركع إن بدا له".
١٨١٨ - * روى مسلم عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار ﵀ "أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة. فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك: أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج".
وفي رواية (١): "فلما سلم" ولم يذكر الإمام، وقال أبو داود: "فلما سلمت قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما صنعت" وقال: فإن نبي الله ﷺ أمر بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى يتكلم أو يخرج".
أقول: لا يشترط في الفاصل بين صلاة الفريضة والنافلة الكلام الدنيوي، بل يكفي الذكر ولو كان قليلاً، وعند الحنفية يكفي أن يفصل بين الفريضة والنافلة بقوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
стр. 1094
تحقيق في سنة الجمعة القبلية:
قال الشوكاني في (النيل ٣/ ٣١٢): وقد اختلف العلماء هل للجمعة سنة قبلها أو لا؟ فأنكر جماعة أن لها سنة قبلها وبالغوا في ذلك، قالوا: لأن النبي ﷺ لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه ولم يكن يصليها وكذلك الصحابة لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة ... اهـ. وبعد أن ذكر حديث ابن عمر السابق ذكره، إنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، وإسناده صحيح.
١٨١٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام".
قال (الشوكاني ٣/ ٣١٣): والحديثان يدلان على مشروعية الصلاة قبل الجمعة ولم يتمسك المانع من ذلك إلا بحديث النهي عن الصلاة وقت الزوال وهو مع كون عمومه مخصصاً بيوم الجمعة كما تقدم ليس فيه ما يدل على المنع من الصلاة قبل الجمعة على الإطلاق، وغاية ما فيه المنع في وقت الزوال وهو غير محل النزاع، والحاصل أن الصلاة قبل الجمعة مرغب فيها عموماً وخصوصاً، فالدليل على مدعي الكراهة على الإطلاق اهـ، وانظر (المغني ٢/ ٣٦٦) (وإعلاء السنن ٧/ ٧ - ١٠).
وقد سئل الشيخ محمد يوسف الدجوي عن سنة الجمعة القبلية فأفتى ﵀ في مجلة الأزهر (ج ١٠/ مجلد ٤/ سنة ١٣٥٢) بما يلي:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه، وبعد: قبل أن نخوض بك في غمرات البحث والاستدلال يجب أن تعرف أن هنا شيئاً ينبغي التنبيه له، وهو أن المسائل الاجتهادية الفرعية يكفي فيها الظن ولا ينبغي فيها التنازع.
وكل من طلب فيها الدليل القطعي فهو جاهل لا ينبغي أن يكون في عداد
стр. 1095
العلماء، ولو عقلوا لعرفوا أن الناس لا يتركون أئمتهم المشهود لهم بالخير والدين والعلم والتبريز في كل فضيلة، ويتبعوا هؤلاء المشهود لهم بما لا نطيل القول فيه، وهو غني عن البيان وأي شيء يريدون بعد أن عرَّفنا ﷺ أن "المخطئ له أجر والمصيب له أجران" فلم يكتف برفع الوزر عن المخطئ بل جعل له أجراً. وقد عرف ذلك العلماء من أئمة الهدى، حتى ذهب كثير منهم إلى أن الحق يتعدد تبعاً لظن المجتهد، فإن الله لم يكلفه إلا بما أداه إليه اجتهاده، فكأن الحق بالنسبة إليه هو ما اعتقده، وليس المقصود من التكليف إلا تحقيق العبودية، وعدم الخروج على الله ورسوله، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وقد قالوا: إن المجتهد يجب عليه اتباع ظنه، ويحرم عليه التقليد. فأي شيء بقي بعد ذلك؟ ولكنهم ملبسون يريدون التهويش حباً في الظهور، أو جاهلون لا يمكنهم التعمق في البحث ولا الوقوف على منازع الأئمة، ولا ما أصله العلماء في ذلك.
وإن من أكبر بلايانا التي نئن منها ولا ندري منتهاها وجود طائفة بيننا لا تفهم ولا تقلد من يفهم ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). ولو كان عندهم أدنى شفقة على المسلمين أو إخلاص لهم لعرفوا أن الدين النصيحة، وأنه ليس من الدين ولا من العقل أن نعرض العامة للخوض في الأدلة والموازنة بين المجتهدين، فذلك ليس من شأنهم ولا هو في متناول قدرتهم، ولا نتيجة له إلا ضعف الثقة بأئمتهم وتشكيكهم في دينهم وعقيدتهم والآن نذكر لك مما استدل به الشافعي- ﵁ على سنة الجمعة ما يكفي بعضه للاجتهاد المعقول المقبول.
ولا نزال نكرر أن الظن كاف في هذا الباب ولا يطلب غيره، وأنه متى وصل إليه المجتهد وجب عليه اتباعه والقول به. وهاك قليلاً من كثير.
فمن ذلك:
стр. 1096
١٨٢٠ - * روى عبد الله بن الزبير عن ابن حبان في صحيحه والدارقطني والطبراني قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان".
١٨٢١ - * روى الطبراني في الأوسط "أن النبي ﷺ كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً" ذكره العيني في (عمدة القارئ) ولم يعلق عليه، وقد ساقه للاستدلال.
وقال في الفتح: روى الطبراني في الأوسط عن علي "أن النبي ﷺ كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً" وعلق عليه بقوله: وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، وهو ضعيف عند البخاري وغيره. ولكن هذا الطعن الذي ذكره الفتح لا يمنع الاستدلال به، لا لأن الجرح غير مفسر كما قال بعضهم، بل لأن الطعن غير متفق عليه، فإن البخاري ضعفه، ولكن إماماً آخر من أئمة الحديث وثقه وهو ابن عدي، فيصح أن نقول: إن هذا مثل عكرمة الذي وثقه البخاري واحتج به، وضعفه غيره، ومثل سويد بن سعيد الذي احتج به مسلم وقد اشتهر الطعن فيه. وبالجملة فحديثنا هذا غير متفق على تجريح رواته، فيصح الاحتجاج به عند من لا يرى تجريح محمد بن عبد الرحمن السهمي المذكور.
١٨٢٢ - * روى أبو داود عن ابن عمر أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين، ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك.
стр. 1097
١٨٢٣ - * روى الترمذي: "من صلى في يوم وليلة ثنتى عشرة ركعة بني له بيت في الجنة: أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر".
١٨٢٤ - * روى مسلم عن أم حبيبة نحوه غير أنه لم يذكر هذا التفصيل. وفي رواية (١) عن أم حبيبة بنت أبي سفيان: "ما من عبد مسلم توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بني له بيت في الجنة".
أفترى أن ذلك مطلوب كل يوم إلا يوم الجمعة الذي تتأكد فيه الطاعة، ويزداد فيه الحرص على العبادة وعمل الخير؟!
وقد صرح الحديث بالتعميم فقال: كل يوم، كما سمعت. وفصل الترمذي في روايته المتقدمة هذه الركعات غاية التفصيل. ورواية الترمذي وإن لم يذكر فيها لفظ كل يوم ففيها ذكر النكرة في سياق الشرط وهو يفيد العموم، ولا معنى لإخراج يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام وأولاها بالصلاة والعبادة.
١٨٢٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدِّر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى"، وجاء في بعض الروايات (٢) عند الإمام أحمد بلفظ: "فإن لم يجد الإمام خرج، صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج، جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته" الحديث.
стр. 1098
فجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلا بعد الزوال. وقال أبو عيسى الترمذي: إن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. وإليه ذهب سفيان الثوري وابن المبارك. وروى الشافعي عن ثعلبة بن أبي مالك عن عامة الصحابة أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة. إلى غير ذلك وهو كثير. وبعض هذا كاف للاستدلال على ما ذهب إليه الشافعي ﵁.
وهنا روايات ضعيفة لا بأس أن نسمعك شيئاً منها وليس التعويل عليها، فإن عندنا غيرها على ما سمعت. ولا شك أن كثرة الروايات تفيد قوة الظن ويؤكد بعضها بعضاً. ولا داعي لأن نقول إن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، فالأمر هنا أعظم من ذلك، ولو لم يكن للشافعي إلا قياس الجمعة على الظهر. وما روى ابن حبان في صحيحه وغيره عنه قوله ﷺ : "بين يدي كل فريضة". وغيره لكفى وشقى على تلك الجعجعة الحمقاء.
وهاك بعض الروايات الضعيفة التي وردت في الموضوع.
روى الشافعي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة" ولكن في إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهما ضعيفان. ورواه البيهقي من طريق أبي خالد الأحمر عن عبد الله- شيخ من أهل المدينة- عن سعيد بن أبي هريرة ﵁. ورواه الأثرم بسند فيه الواقدي وهو متروك. ورواه البيهقي أيضاً بسند فيه عطاء بن عجلان وهو متروك أيضاً. وفي بعض الروايات أنه ﷺ كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال: "إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة". وفيها ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. ومن ذلك حديث ابن ماجة الذي فيه بقية بن الوليد وغيره من الضعاف. فهذه الروايات الكثيرة يقوي بعضها بعضاً وإن كان فيها مقال. وقد تقدم لك ما يصح الاعتماد عليه من غير هذه الروايات.
стр. 1099
والخلاصة أن الصلاة قبل الجمعة مرغب فيها عموماً وخصوصاً. وقد قال بعض العلماء: لم يتمسك المانع من الصلاة قبل الجمعة إلا بحديث النهي عن الصلاة وقت الزوال، وهو مع كون عمومه مخصصاً بيوم الجمعة ليس فيه ما يدل على المنع من الصلاة قبل الجمعة على الإطلاق، فإن غاية ما فيه المنع في وقت الزوال وهو غير محل النزاع.
وعلى كل حال فما تقدم كاف للمنصف، ولا حاجة للإطالة فيه.
وبعد: فهؤلاء الناس إنما يقصدون التلبيس على المسلمين وإيقاع الشقاق فيما بينهم بتفريق كلمتهم وفصم عرى وحدتهم، وحباً في الظهور. فعلى ولاة الأمر أن يردعوهم عن ذلك بالزجر البليغ والتأديب الشديد، كما كان يفعله الحكام في العصور الأولى، وكما تفعله الحقانية الآن مع من يحكم برأيه ويقضي بمذهبه الخاص.
فعلى الوعاظ وأئمة المساجد ألا يتعرضوا لمن يقلد إماماً من الأئمة الأربعة، ويدعوه وما اختار لنفسه من تلك المذاهب التي تلقاها المسلمون بالقبول، وقامت البراهين على أنها مستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله.
وإني مالكي والمالكية لا يرون سنة الجمعة. ولكني لا أحب الخروج على أئمة الهدى وورثة الرسول ﷺ ، والمسائل الاجتهادية يكفي فيها هذا وأقل من هذا على ما شرحنا لك. وما من أمة لا تعظم أئمتها ولا تحترم علماءها وعظماءها إلا ذهب ريحها وحق القول عليها.
نسأل الله أن يقينا شر مضلات الفتن، ومزالق الأهواء بمنه وكرمه.
يوسف الدجوي
عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف
стр. 1100
وإنما أطلنا في هذا لأن بعض الناس يتشددون في النهي عن الصلاة قبل الجمعة ويحدثون بلبلة بين المسلمين، حتى إن احدهم صعد المنبر قبل الأذان ثم أمر المؤذن أن يؤذن وبعد انتهاء الأذان بدأ الخطبة وبدأ الناس بالصلاة، فأي مفسدة هذه التي يحدثها أمثال هؤلاء، وليس في السنة نهي عن الصلاة قبلها ولا دليل لهم سوى أن رسول الله لم يفعلها وقد قال علماء الأصول: إن هذا ليس دليلاً على البدعية.
стр. 1101
مسائل وفوائد
- من كلام الحنفية في صلاة الجمعة نبدأ بنقل شيء من متن "نور الإيضاح" وبعض شروحه ونثني بنقل من "تنوير الأبصار" وشرحه وحاشية ابن عابدين عليه.
قال في نور الإيضاح: صلاة الجمعة فرض عين على من اجتمع فيه سبعة شرائط: الذكورة، والحرية، والإقامة بمصر أو فيما هو داخل في حد الإقامة بها في الأصح (قوله: أي بمصر وهو المكان الذي من فارقه بنية السفر يصير مسافراً أو من وصل إليه يصير مقيماً في الأصح كربض المصر وفنائه الذي لم ينفصل عنه بحوالي ١٨٥ م، ولا تجب على من كان خارجه، وذكر بعض الحنفية أنا لعبرة لمن كان في فناء المصر بسماعه النداء فعلاً أو حكماً بأن تصور مؤذناً يؤذن في طرف البلد فإنه يسمعه، وعند المالكية يعتبر في دائرة المصر من كان بينه وبين أطراف المصر حوالي ٥٥٠ م). والصحة، والأمن من ظالم، وسلامة العينين وسلامة الرجلين، ويشترط لصحتها ستة أشياء: المصر أو فناؤه، والسلطان أو نائبه (المسلمان أو من أذن له بطريق ذلك وفي حال فقد السلطان المسلم فإن إذن وزارات الأوقاف أو إذن العلماء أو إذن أعلم العلماء في القطر يكفي لإقامة الجمعة) ووقت الظهر، فلا تصح قبله وتبطل بخروجه والخطبة قبلها بقصدها في وقتها وحضور أحد لسماعها ممن تنعقد بهم الجمعة ولو واحداً في الصحيح، والإذن العام (أي بأن يكون مكان إقامة الجمعة مسموحاً بالدخول به لكل إنسان) والجماعة وهم ثلاثة رجال غير الإمام ولو كانوا عبيداً أو مسافرين أو مرضى، والشرط بقاؤهم مع الإمام حتى يسجد فإن نفروا بعد سجوده أتمها وحده جمعة وإن نفروا قبل سجوده بطلت، ولا تصح بامرأة أو صبي مع رجلين، وجاز للعبد وللمسافر والمريض أن يؤم فيها، والمصر: كل موضع له مفت وأمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود (وإذا كان المفتي هو الأمير والقاضي واحداً يعتبر المكان مصراً وبعض الحنفية عرف المصر بأنه: الذي لا يسع أكبر مساجده أهله، فاعتبروا كثرة العدد في مكان إقامة كالقرية الواسعة ولا يعتبرون الخيام والصحراء مكاناً لإقامة الجمعة).
وقال في "تنوير الأبصار" وشرحه "الدار المختار وحاشية ابن عابدين" عليه ما يلي:
(وشرط لافتراضها) تسعة تختص بها: (قوله تختص بها) إنما وصف التسعة
стр. 1102
بالاختصاص لأن المذكور في المتن أحد عشر لكن العقل والبلوغ منها ليسا خاصين كما نبه عليه الشارح اهـ ح.
١ - (إقامة بمصر) وأما المنفصل عنه فإن كان يسمع النداء تجب عليه عند محمد وبه يفتي كذا في "الملتقى" وقدمناه عن "الولوالجية" تقديره بفرسخ، ورجح في "البحر" اعتبار عوده لبيته بلا كلفة. (قوله إقامة) خرج به المسافر لقوله بمصر أخرج الإقامة في غيره إلا ما استثنى بقوله فإن كان يسمع النداء. ح. (قوله يسمع النداء) أي من المنابر بأعلى صوت كما في "القهستاني" (قوله وقدّمنا إلخ) فيه أن ما مر عن الولوالجية في حد الفناء الذي تصح إقامة الجمعة فيه والكلام هنا في حد المكان الذي من كان فيه يلزمه الحضور إلى المصر ليصليها فيه؛ نعم. في "التتارخانية" عن "الذخيرة" أن من بينه وبين المصر فرسخ يلزمه حضور الجمعة وهو المختار للفتوى. (قوله ورجح في البحر إلخ) هو استحسنه في "البدائع" وصحح في مواهب الرحمن" قول أبي يوسف بوجوبها على من كان دخل حد الإقامة أي الذي من فارقه يصير مسافراً وإذا وصل إليه يصير مقيماً وعلله في شرحه المسمى "بالبرهان": بأن وجوبها مختص بأهل المصر والخارج عن هذا الحد ليس أهله. اهـ. قلت: وهو ظاهر المتون وفي "المعراج" أنه أصح ما قيل وفي "الخانية" المقيم في موضع من أطراف المصر إن كان بينه وبين عمران المصر فرجه من مزارع لا جمعة عليه وإن بلغه النداء، وتقدير البعد بغلوة أو ميل بشيء، هكذا رواه أبو جعفر بن الإمامين وهو اختيار الحلواني، وفي "التتارخانية": ثم ظاهر رواية أصحابنا لا تجب إلا على من يسكن المصر أو ما يتصل به، فلا تجب على أهل السواد ولو قريباً وهذا أصح ما قيل فيه. اهـ. وبه جزم في "التجنيس" قال في "الأمداد": تنبيه قد علمت بنص الحديث والأثر والروايات عن أئمتنا الثلاثة واختيار المحققين من أهل الترجيح أنه لا عبرة ببلوغ النداء ولا بالغلوة والأميال فلا عليك من مخالفة غيره وإن صحح اهـ. أقول وينبغي تقييد ما في "الخانية" "والتتارخانية" بما إذا لم يكن في فناء المصر لما مر أنها تصح إقامتها في الفناء ولو منفصلاً بمزارع فإذا صحت في الفناء لأنه ملحق بالمصر يجب على من كان فيه أن يصليها لأنه من أهل المصر كما يعلم من تعليل "البرهان" والله الموفق.
стр. 1103
٢ - (وصحة) وألحق بالمريض الممرض والشيخ الفاني.
(قوله وصحة) قال في "النهر": فلا تجب على مريض ساء مزاجه وأمكن في الأغلب علاجه فخرج المقعد والأعمى ولذا عطفهما عليه فلا تكرار في كلامه كما توهمه في "البحر" اهـ. فلو وجد المريض ما يركبه ففي القنية هو كالأعمى على الخلاف إذا وجد قائداً وقيل: لا يجب عليه اتفاقاً كالمقعد وقيل: هو كالقادر على المشي فتجب في قولهم، وتعقبه السروجي بأنه ينبغي تصحيح عدمه لأن في التزامه الركوب والحضور زيادة المرض. قلت: فينبغي تصحيح عدم الوجوب إن كان الأمر في حقه كذلك. حلية (قوله والحق بالمريض الممرض) أي من يعول المريض وهذا إن بقي المريض ضائعاً بخروجه في الأصح. (حلية وجوهرة).
٣ - (وحرية) والأصح وجوبها على مكاتب ومبعض وأجير ويسقط من الأجر بحسابه لو بعيداً وإلا لا؛ ولو أذن له مولاه وجبت وقيل يخير "جوهرة" ورجح في "البحر" التخيير. (قوله والأصح إلخ) ذكره في "السراج" قال في "البحر" ولا يخفى ما فيه. اهـ. أي لوجود الرق فيهما والمراد بالمبعض من أعتق بعضه وصار يسعى كما في "الخانية" (قوله واجير) مفاده أنه ليس للمستأجر منعه وهو أحد قولين، وظاهر المتون يشهد له كما في "البحر" (قوله بحسابه لو بعيداً) فإن كان قدر ربع النهار حط عنه ربع الأجرة وليس للأجير أن يطالبه من الربع المحطوط بمقدار اشتغاله بالصلاة، "تاترخانية" (قوله ولو أذن له مولاه) أي بالصلاة وليس المراد المأذون بالتجارة فإنه لا يجب عليه اتفاقاً كما يعلم من عبارة "البحر". ح (قوله ورجح في البحر التخيير) أي بأنه جزم به في الظهيرية وبأنه أليق بالقواعد. اهـ. قلت ويؤيده أنه في (الجوهرة) أعاد المسألة في الباب الآتي وجزم بعدم وجوبها عليه حيث ذكر أن من لا تجب عليه الجمعة لا تجب عليه العيد إلا المملوك فإنها تجب عليه إذا أذن له مولاه لا الجمعة لأن لها بدلاً يقوم مقامها في حقه وهو الظهر بخلاف العيد ثم قال: وينبغي أن لا تجب عليه كالجمعة لأن منافعه لا تصير مملوكة له بالإذن فحاله بعده كحاله قبله ألا ترى أنه لو حج بالإذن لا تسقط عنه حجة الإسلام. اهـ. ولا يخفى أنه إذا لم تجب عليه يخير لأنه فرع عدم الوجوب وفي "البحر" أيضاً، وهل يحل له الخروج إليها أو إلى العيدين بلا إذن مولاه ففي "التجنيس" إن علم رضاه أو رآه فسكت حل وكذا إذا كان يمسك دابة المولى عند الجامع ولا يخل بحقه في الإمساك له ذلك في الأصح.
стр. 1104
٤ - (وذكورة) محققة. (قوله محققة) ذكره في "النهر" بحثاً لإخراج الخنثى المشكل، ونقله الشيخ إسماعيل عن البرجندي: قيل: معاملته بالأضر تقتضي وجوبها عليه أقول: فيه نظر بل تقتضي عدم خروجه إلى مجامع الرجال ولذا لا تجب على المرأة فافهم.
٥، ٦ - (وبلوغ وعقل) ذكره الزيلعي وغيره وليسا خاصين.
(قوله وليسا خاصين) أي بالجمعة بل هما شرطا التكليف بالعبادات كلها كالإسلام على أن المجنون يخرج بقيد الصحة لأنه مرض بل قال الشاعر: وأصعب أمراض النفوس جنونها.
٧ - (ووجود بصر) فتجب على الأعور (قوله تجب على الأعور) وكذا ضعيف البصر فيما يظهر أما الأعمى فلا وإن قدر على قائد متبرع أو بأجرة وعندهما: إن قدر على ذلك تجب وتوقف في "البحر" فيما لو أقيمت وهو حاضر في المسجد وأجاب بعض العلماء بأنه إن كان متطهراً فالظاهر الوجوب لأن العلة الحرج وهو منتف وأقول: بل يظهر لي وجوبها على بعض العميان الذي يمشي في الأسواق ويعرف الطرق بلا قائد ولا كلفة ويعرف أي مسجد أراده بلا سؤال أحد لأنه حينئذ كالمريض القادر على الخروج بنفسه بل ربما تلحقه مشقة أكثر من هذا فتأمل.
٨ - (وقدرته على المشي) جزم في "البحر": بأن سلامة أحدهما له كاف في الوجوب لكن قال الشمني وغيره: لا تجب على مفلوج الرجل ومقطوعها.
(قوله وقدرته على المشي) فلا تجب على المقعد وإن وجد حاملاً اتفاقاً (خانية) لأنه غير قادر على السعي أصلاً فلا يجري فيه الخلاف في الأعمى كما نبه عليه القهستاني. (قوله أحدهما) أي أحد الرجلين ح والمناسب إحداهما (قوله لكن إلخ) أجاب السيد أبو السعود بحمل ما في "البحر" على العرج غير المانع من المشي وما هنا على المانع منه).
٩ - (وعدم حبس). (وقوله عدم حبس) ينبغي تقييده بكونه مظلوماً كمديون معسر فلو موسراً قادراً على الأداء حالاً وجبت.
١٠ - (وعدم خوف) (قوله وعدم خوف) أي من سلطان أو لص "منح" قال في "الأمداد": ويلحق به المفلس إذا خاف الحبس كما جاز له التيمم به.
стр. 1105
١١ - (وعدم مطر شديد) ووحل وثلج ونحوهما. (قوله ووحل وثلج) أي شديدين (قوله ونحوهما) أي كبرد شديد.
(وفاقدها) أي هذه الشروط أو بعضها (إن) اختار العزيمة و (صلاها وهو مكلف) بالغ عقل (وقعت فرضاً) عن الوقت لئلا يعود على موضوعه بالنقض وفي "البحر": هي أفضل إلا للمرأة. (قوله أي هذه الشروط) أي شروط الافتراض (قوله إن اختار العزيمة) أي صلاة الجمعة لأنه رخص له في تركها إلى الظهر فصارت الظهر في حقه رخصة والجمعة عزيمة كالفطر للمسافر وهو رخصة له والصوم عزيمة في حقه لأنه أشق فافهم. (قوله بالغ عاقل) تفسير للمكلف وخرج به الصبي فإنها تقع منه نفلاً والمجنون فإنه لا صلاة له أصلاً (بحر عن البدائع). (قوله لئلا يعود على موضوع بالنقض) يعني لو لم نقل بوقوعها فرضاً بل ألزمناه بصلاة الظهر لعاد على موضوعه بالنقض وذلك لأن صلاة الظهر في حقه رخصة فإذا أتى بالعزيمة وتحمل المشقة صح ولو ألزمناه بالظهر بعدها لحملناه مشقة ونقضنا الموضوع في حقه وهو التسهيل. اهـ ح. قلت: فالمراد بالموضوع الأصل الذي بني عليه سقوط الجمعة هنا وهو التسهيل والترخيص الذي استدعاه العذر ومنه النظر للمولى في جانب العبد قال في "البحر": لأنا لو لم نجوزها وقد تعطلت منافعه على المولى لوجب عليه الظهر فتتعطل عليه منافعه ثانياً فينقلب النظر ضرراً (قوله وفي البحر إلخ) أخذه في "البحر" من ظاهر قولهم إن الظهر لهم رخصة فدل على أن الجمعة عزيمة وهي أفضل إلا للمرأة لأن صلاتها في بيتها أفضل وأقره في "النهر" ومقتضى التعليل أنه لو كان بيتها لصيق جدار المسجد بلا مانع من صحة الاقتداء تكون أفضل لها أيضاً (ويصلح للإمامة فيها من صلح لغيرها فجازت لمسافر وعبد ومريض وتنعقد) الجمعة (بهم) أي بحضورهم بالطريق الأولى (قوله من صلح لغيرها) أي لإمامة غير الجمعة فهو على تقدير مضاف والمراد الإمامة للرجال فخرج الصبي لأنه مسلوب الأهلية والمرأة لأنها لا تصلح إماماً للرجال (قوله تنعقد بهم) أشار به إلى خلاف الشافعي ﵀ حيث قال بصحة إمامتهم وعدم الاعتداد بهم في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة وذلك لأنهم لما صلحوا للإمامة فلأن يصلحوا للاقتداء أولى عناية (وكره) تحريماً (لمعذور ومسجون) ومسافر (أداء ظهر بجماعة في مصر) قبل الجمعة وبعدها لتقليل الجماعة وصورة المعارضة وأفاد أن المساجد تغلق يوم الجمعة إلا الجامع (وكذا أهل مصر فاتتهم الجمعة) فإنهم يصلون
стр. 1106
الظهر بغير أذان ولا إقامة ولا جماعة ويستحب للمريض تأخيرها إلى فراغ الإمام وكره إن لم يؤخر هو الصحيح. (قوله لمعذور) وكذا غيره بالأولى "نهر" (قوله ومسبحون) صرح به كالكنز وغيره مع دخوله في المعذور لرد ما قيل إنها تلزمه لأنه إن كان ظالماً قدر على إرضاء خصمه وإلا أمكنه الاستغاثة اهـ. قال الخير الرملي: وفي زماننا لا مغيث للمظلوم والغلبة للظالمين فمن عارضهم بحق أهلكوه (قوله تحريماً) ذكر في "البحر" أنه ظاهر كلامهم قلت بل صرح به القهستاني (قوله أداء ظهر بجماعة) مفهومه أن القضاء بالجماعة غير مكروه وفي "البحر" وقيد بالظهر لأن في غيرها لا بأس أني صلوا جماعة اهـ (قوله في مصر) بخلاف القرى لأنه لا جمعة عليهم فكان هذا اليوم في حقهم كغيره من الأيام "شرح المنية" وفي "المعراج" عن المجتبى من لا تجب عليهم الجمعة لبعد الموضع صلوا الظهر بجماعة (قوله لتقليل الجماعة) لأن المعذور قد يقتدي به غيره فيؤدي إلى تركها "بحر" وكذا إذا علم أنه يصلي بعدها بجماعة ربما يتركها ليصلي معه فافهم. (قوله وصورة المعارضة) لأن شعار المسلمين في هذا اليوم صلاة الجمعة وقصد المعارضة لهم يؤدي إلى أمر عظيم فكان في صورتها كراهة التحريم وحتى (قوله تغلق) لئلا تجتمع فيها جماعة "بحر" عن "السراج" (قوله إلا الجامع) أي الذي تقام فيه الجمعة فإن فتحه في وقت الظهر ضروري والظاهر أنه يغلق أيضاً بعد إقامة الجمعة لئلا يجتمع فيه أحد بعدها إلا أن يقال إن العادة الجارية هي اجتماع الناس في أول الوقت فيغلق ما سواه مما لا تقام فيه الجمعة ليضطروا إلى المجيء إليه وعلى هذا فيغلق غيره إلى الفراغ منها لكن لا داعي إلى فتحه بعدها فيبقى مغلوقاً إلى وقت العصر ثم كل هذا مبالغة في المنع عن صلاة غير الجمعة وإظهار لتأكدها (قوله وكذا أهل مصر إلخ) الظاهر أن الكراهة هنا تنزيهية لعدم التقليل والمعارضة المذكورين ويؤيده ما في "القهستاني" عن المضمرات يصلون وحدانا استحباباً (قوله بغير أذان ولا إقامة) قال في "الولوالجية" ولا يصلي يوم الجمعة جماعة بمصر ولا يؤذن ولا يقيم في سجن وغيره لصلاة الظهر اهـ قال في "النهر": وهذا أولى مما في "السراج" معزياً إلى جمع التفاريق من أن الأذان والإقامة غير مكروهين (قوله ويستحب للمريض) عبارة القسهتاني المعذور وهي أعم (قوله وكره) ظاهر قوله يستحب أن الكراهة تنزيهية "نهر" وعليه فما في "شرح الدرر" للشيخ إسماعيل عن "المحيط" من عدم الكراهة اتفاقاً محمول على نفي التحريمية.
стр. 1107
(ومن أدركها في تشهد أو سجود سهو) على القول به فيها (يتمها جمعة) خلافاً لمحمد (كما) يتم (في العيد) اتفاقاً كما في عيد الفتح لكن في "السراج": أنه عند محمد لم يصر مدركاً له (وينوي جمعة لا ظهراً) اتفاقاً فلو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه ثم الظاهر أنه لا فرق بين المسافر وغيره "نهر" بحثاً.
(قوله ومن أدركها) أي الجمعة (قوله أو سجود سهو) ولو في تشهده ط (قوله على القول به فيها) أي على القول بفعله في الجمعة والمختار عند المتأخرين أن لا يسجد للسهو في الجمعة والعيدين لتوهم الزيادة من الجهال كذا في "السراج" وغيره "بحر". وليس المراد عدم جوازه بل الأولى تركه كيلا يقع الناس في فتنة. "أبو السعود عن العزمية ومثله في الإيضاح لابن كمال" (قوله يتمها جمعة) وهو مخير في القراءة إن شاء جهر وإن شاء خافت "بحر". (قوله خلافاً لمحمد) حيث قال: إن أدرك معه ركوع الركعة الثانية بنى عليها الجمعة وإن أدرك فيما بعد ذلك بنى عليها الظهر لأنه جمعة من وجه وظهر من وجه لفوات بعض الشرائط في حقه فيصلي أربعاً اعتباراً للظهر ويقعد لا محالة على رأس الركعتين اعتباراً للجمعة ويقرأ في الأخريين لاحتمال النفلية، ولهما: أنه مدرك للجمعة في هذه الحالة حتى تشترط له نية الجمعة وهي ركعتان ولا وجه لما ذكر لأنهما مختلفان لا يبني أحدهما على تحريمه الآخر كذا في "الهداية". (قوله لكن في السراج إلخ) أقول: ما في "السراج" ذكره في عيد الظهيرية عن بعض المشايخ ثم ذكر عن بعضهم أنه يصير مدركاً بلا خلاف وقال: وهو الصحيح. (قوله اتفاقاً) لما علمت أنها عند محمد ليست ظهراً من كل وجه. (قوله ثم الظاهر الخ) ذكر في "الظهيرية" معزياً إلى "المنتقى" مسافراً أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد يصلي أربعاً بالتكبير الذي دخل فيه اهـ. قال في "البحر": وهو مخصص لما في المتون مقتض لحملها على ما إذا كانت الجمعة واجبة على المسبوق أما إذا لم تكن واجبة فإنه يتم ظهراً اهـ. وأجاب في "النهر" بأن الظاهر أن هذا مخرج على قول محمد غاية الأمر أن صاحب "المنتقى" جزم به لاختياره إياه والمسافر مثال لا قيد اهـ. قلت ويؤيده ما جاء عن "الهداية" من أنه لا وجه عندهما لبناء الظهر على الجمعة لأنهما مختلفان على أن المسافر لما التزم الجمعة صارت واجبة عليه ولذا صحت إمامته فيها وأيضاً المسافر إذا صلى الظهر قبلها ثم سعى إليها بطل ظهره وإن لم يدركها فكيف إذا أدركها لا يصليها بل يصليها ظهراً والظهر لا يبطل الظهر فالظاهر ما في "النهر" ووجه تخصيص المسافر بالذكر
стр. 1108
دفع توهم أنه يصليها ظهراً مقصورة على قول محمد لأن فرض إمامه ركعتان فنبه على أنه يتمها أربعاً عنده لأن جمعة إمامه قائمة مقام الظهر والله أعلم.
اهـ- (حاشية ابن عابدين ١/ ٥٤٦ - ٥٥٠).
- لا يشترط للجماعة بالإجماع أن تكون في مسجد، أما الجمعة فقد اشترط المالكية وحدهم أن تكون في مسجد جامع، واشترط الشافعي أن تكون في البنيان، واشترط الحنفية أن تكون في البنيان أو في فنائه ومذهب الحنابلة مثل مذهب الحنفية في هذا الموضوع.
- اتفقت المذاهب الأربعة على أنه لا تصح الجماعة من أهل الخيام ولو كان مكثهم طويلاً أو مستمراً واشترط الحنفية أن تكون الجمعة في بلد أو في قرية كبيرة لا يسع أكبر مساجدها المكلفين فيها، أو أن يكون للقرية أمير وقاض ومفت أي أن تكون فيها تمثيل إداري للدولة على مستوى معين ولم يشترط الحنابلة والشافعية والمالكية إلا وجود البناء المتجمع الذي يسمى به المكان قرية أو بلداً لكن الشافعية والحنابلة اشترطوا أن يكون المكان يضم أربعين مكلفاً مستوطناً مقيماً فأكثر، ولم يشترطوا للبناء شروطاً معينة إلا ما جرى به العرف في مكان ما أن تبنى به القرية.
واشترط المالكية لصحة الجمعة في قرية أن تستغني القرية بأهلها عادة بالأمن على أنفسهم والاكتفاء في معاشهم عن غيرهم ضمن ما تعورف عليه في أمن القرى واستغنائها، ولا يحدون بحد كمائة أو أقل أو أكثر ولكنهم اشترطوا لصحة الجمعة أن يكون أقل العدد اثني عشر مكلفاً من بدء الخطبة إلى نهاية الصلاة.
- لم يشترط غير الحنفية إذن الأمير أو نائبه لإقامة الجمعة ولا الإذن العام لكن اشترطوا أن تكون البوابة الموصلة إلى مكان الجمعة مفتوحة وعلى هذا يصح عند الأئمة الآخرين صلاة الجمعة بدون إذن وفي المكان المحصور إذا توافرت الشروط التي وضعها كل إمام لجواز صلاة الجمعة.
- اشترط الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية عدداً لصحة الجمعة وقد اختلفوا في هذا العدد كما اختلفوا في بعض شروط الصحة أو الوجوب أو الصحة والوجوب معاً فأقل العدد
стр. 1109
عند الحنفية: ثلاثة وأقل العدد عند المالكية: اثنا عشر وأقل عدد عند الشافعية والحنابلة: أربعون واشترط الأربعة التكليف في العدد الذي تقام به الجمعة وزاد المالكية والشافعية والحنابلة مع التكليف الاستيطان والإقامة، فعند الشافعية مثلاً لابد أن يكون الأربعون مقيمين مستوطنين لا ينزح الواحد منهم من قريته أو بلده طوال العام إلا لحاجة ثم يرجع إليها، فمحل الجمعة أن يكون محل إقامة واستيطان بهذا الشرط ساعة إقامة الجمعة ولا يضر أن تتغير النية بعد ذلك في أن ينوي الإنسان استيطان بلد أخرى.
- لا تصح إقامة الجمعة في سجن أو ثكنة عسكرية أو مدرسة، فعلَّته عند الحنفية لعدم الإذن العام ولعدم توفر شروط أخرى عندهم، ولا تصح عند المالكية لعدم وجود المسجد وهو شرط عندهم فإذا وجد المسجد ووجد اثنا عشر مكلفاً مقيماً إقامة استيطان جازت الصلاة عندهم، ولابد عند الشافعية والحنابلة من أن يكون المكلفون مستوطنين مقيمين بشرط الاستيطان المذكور فيما مر معنا.
وهل السجين المحكوم عليه بالإقامة في مكان أو الجندي المكلف بالإقامة في مكان يعتبر من أهل المكان وبالتالي تصح به صلاة الجمعة إذا أكمل العدد؟ والظاهر أن الأمر كذلك إذا تحدد المكث في المكان سنة فأكثر أما إذا لم يتحدد فلا يعتبرون مقيمين مستوطنين وبالتالي فالحكم في استكمال العدد للمقيمين المستوطنين من أهل البلد التي فيها الثكنة أو المدرسة أو السجن فإذا رغب أهل الثكنة أو مدرسة أو قلعة أن يقيموا صلاة الجمعة دون أن تتوافر في إقامتها شروط مذهب ما فهم بين أمرين: إما أن يلفقوا بين أقوال العلماء وإما أن يجتمعوا على خطبة ثم يصلون الظهر مع ملاحظة أن الحنفية يكرهون لمن لا تجب عليه الجمعة من أهل الأعذار أن يصلوا الظهر جماعة فالأولى لمن حبسه حابس لعذر فيه عن إتيان الجمعة بشروطها المتعارف عليها عند الأئمة أني صلوا الظهر فرادى أو مجتمعين كل على حسب مذهبه وقد ترخص ناس في إقامة الجمعة في البيوت وفي أمكنة مغلقة غير مراعين توافر الشروط مع إمكانهم أني صلوا في المساجد التي تقام بها الجمعة إما لغلو وإما لتكاسل، وكل ذلك ينبغي الاحتياط فيه إلا إذا وجد من الأعذار ما أفتاهم بسببه المؤهلون للفتوى بجواز أن يفعلوا شيئاً من ذلك، وقد وجد قوم يفرون من مساجد البلدة إلى الصحراء المحيطة بالبلد لصلاة الجمعة
стр. 1110
فيها، فهؤلاء ما داموا في فناء البلد الملاصق له والذي يعتبر من مرافق البلد فصلاتهم جائزة على بعض المذاهب إذا توافرت الشروط التي اشترطها أئمة المذاهب وهي غير جائزة حتماً على مذهب المالكية الذين يشترطون المسجد.
- لا تجب صلاة الجمعة على مسافر وإذا صلاها أجزأته وجاز له عند بعض الأئمة أن يخطب الجمعة ويصلي بالناس إماماً ولا حرج في ذلك عليه ولا على المقتدين واشترط المالكية أن يكون الإمام مقيماً لتصح خطبته وإمامته في الجمعة.
- رأينا أن من شروط وجوب الجمعة الإقامة في بلد أو قرية على خلاف في حجم القرية كما مر معنا. والسؤال الآن: على من تجب صلاة الجمعة لمن كان خارج أبنية البلدة أو القرية أو ما هو البعد الذي تسقط عنه به صلاة الجمعة؟
قال المالكية: من كان يبعد عن أطراف القرية أو البلد مقدار (٥٥٤٤ م) تجب عليه، والعبرة عند الشافعية لمن سمع النداء بأن يفترض المؤذن في طرف البلد أو القرية والأصوات هادئة والريح ساكنة وهو مستمع فإذا كان بإمكانه أن يسمع النداء لو كان الأمر كذلك فإنه يجب عليه حضور الجمعة ولا عبرة بسماعه من خلال المكبرات، والعبرة أن يسمعه من منارة لا من داخل المسجد، والحنابلة كالمالكية في اعتبار الفرسخ (٥٥٤٤ م) غير بعيد عن طرق المكان الذي تجب فيه الجمعة، فمن كان يبعد مقدار فرسخ فأقل تجب عليه صلاة الجمعة.
وقد اختلف الحنفية اختلافاً كبيراً في تقدير المسافة التي تجب معها صلاة الجمعة لمن كان خارج البلد أو القرية التي تجب فيهما إقامة الصلاة فذهب بعضهم إلى أن من كان بعيداً عن طرف القرية أو البلد أربعمائة ذراع تجب عليه، فإن كان أكثر من ذلك لا تجب عليه وقيل: إن الميل فما دونه (١٨٤٨ م) هو الذي تجب به الجمعة، وذهب بعضهم إلى أن العبرة بسماع النداء من المنارة بأعلى صوت بأن افترض المؤذن في طرف القرية أو البلد وهذا الرأي رأي الشافعية كما ذكرنا، وذهب بعضهم إلى أنه إذا فصل بين الإنسان وبين القرية أو البلد مزارع ونحوها فإنه لا تجب عليه الصلاة ولو سمع النداء وأفتى بعضهم بأن الفرسخ هو الفيصل بين البعد والقرب فمن كان بعيداً عن أطراف المدينة فرسخاً فأقل وجبت عليه صلاة الجمعة، وإلا فإنها لا تجب وقد وافقهم بهذا القول المالكية والحنابلة، وذهب بعض الحنفية
стр. 1111
إلى أن من كان يستطيع أن يصلي الجمعة ثم يرجع إلى بيته قبل أن يدخل المساء فيجب عليه أن يصلي الجمعة.
والملاحظ أن بعض النصوص التي مرت معنا تندب من كان بعيداً عن المدينة لحضور صلاة الجمعة وأن بعض الصحابة كانوا يتكلفون الحضور من الأمكنة البعيدة للمدينة وهذا يجعلنا نشجع سكان الأطراف ولو بعدوا على حضور صلاة الجمعة إذا توافرت شروط الصحة في مكان، خاصة وأن كثيرين من الناس أصبحوا يملكون من الوسائل ما يستطيعون به أن يأتوا من المكان البعيد لصلاة الجمعة ثم يرجعون وهم في غاية الراحة فحضور الجمعة وإن لم يكن واجباً، له بركاته وتأثيراته على من حضر الجمعة، من غفران ذنب فيما بينه وبين الجمعة السابقة وكثرة أجر كلما كثرت الخطا وبعد المكان.
стр. 1112
الباب السادس
في صلوات الليل والنهار في الأحوال العادية عدا الصلوات الخمس
وفيه مقدمة وعرض إجمالي وفقرات ومسائل وفوائد
الفقرة الأولى: في أحاديث ومسائل متنوعة تتحدث عن النوافل.
الفقرة الثانية: في رواتب الصلوات الخمس.
الفقرة الثالثة: في صلاة الوتر.
الفقرة الرابعة: في صلاة الضحى.
الفقرة الخامسة: في قيام الليل.
الفقرة السادسة: في نوافل تتكرر يومياً ولها سبب: تحية المسجد، سنة الوضوء، صلاة دخول المنزل والخروج منه.
الفقرة السابعة: في النفل المطلق.
الفقرة الثامنة: في صلاة التسابيح.
стр. 1113
المقدمة
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (١) ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾: أي يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه. ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: لمن أراد أن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيقوم بحق الله عليه، وفي قراءة لحمزة والكسائي: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: أي من أجل أن يذكر الله . ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ أي أن يشكر الله على ما فيه من النعم باستعمال كل ما أعطاه الله في الأحب إلى الله .
فالمراد إذن: أن الليل والنهار يتعاقبان ليكونا وقتين للذاكرين والشاكرين، فمن فاته ورده في أحدهما تذكره في الآخر.
وأعلى درجات الذكر والتذكر والشكر هي الصلاة، ولذلك قال تعالى: (وأقم الصلاة لذكري) (٢) وقال ﵊ تعليلاً لقوة اشتغاله بقيام الله حتى تورمت قدماه: "أفلا أكون عبداً شكوراً".
وفي الصلاة يتذكر الإنسان كل ما ينبغي تذكره، فيجتمع له تذكر وأفعال وأقوال يقتضيها هذا التذكر من تنزيه وخضوع وتوحيد وصلاة على رسول الله ﷺ إلى غير ذلك.
وقد فرض الله الصلوات الخمس لتكون المرتكزات الأساسية للذكر والشكر وشرعت لنا صلوات أخرى تتكرر يومياً، وشرعت لنا صلوات مرتبطة بمناسبات أو بأحوال أو بأعمال، وتمر على الإنسان حالات طارئة كالسفر والمرض والخوف، فيصلي الصلوات الخمس نفسها بما يتفق مع المشروع للحالة الطارئة، وهناك سجدات مشروعة وصلاة مشروعة على الجنازة لها أحكام خاصة.
стр. 1114
وهكذا من خلال الصلوات التي تتكرر أو يمكن أن تتكرر يومياً، ومن خلال صلوات المناسبات ومن خلال ما شرع لحالات طارئة، ومن خلال سجدات ونوع صلاة مع ما ندب إليه المسلم من تلاوة وأذكار يبقى المسلم في ذكر وشكر وتذكر يسهل عليه معه أن يؤدي ما طلب الله منه وأن ينتهي عما نهاه الله عنه.
والأساس المنظم لهذا كله هو الصلوات الخمس خاصة، والصلوات عامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١) وقد خصصنا هذا الباب للصلوات التي شرعت مع الصلوات الخمس التي تتكرر يومياً أو يمكن أن تكرر يومياً، وهاك عرضاً لهذه الصلوات، وسيأتي الكلام عما سوى ذلك من الصلوات في أبواب لاحقة.
стр. 1115
العرض الإجمالي
مما شرع لنا ركعتان بعد طلوع الفجر وقبل فريضتها، ثم لا صلاة حتى تطلع الشمس وترتفع مقدار رمح أو رمحين، ومن هذا الوقت إلى ما قبيل الزوال شرعت لنا سنة الضحى، كما جاز لمن أراد التنفل المطلق أن يتنفل في هذا الوقت، فإذا زالت الشمس ودخل وقت الظهر شرعت لنا راتبة الظهر القبلية وراتبة الظهر البعدية، فما قبل فريضة الظهر وما بعدها شرعت لنا صلاتان راتبتان، ثم ما بعد راتبة الظهر البعدية يجوز التنفل المطلق لمن شاء فإذا دخل وقت العصر شرعت لنا راتبة العصر القبلية فإذا صلى الإنسان العصر فلا صلاة حتى تغرب الشمس فإذا دخل وقت المغرب فقد اختلف الفقهاء هل هناك راتبة قبل فريضة المغرب أو لا؟، على قولين، واتفقوا على مشروعية الراتبة لصلاة المغرب، وهناك من يرى أنه بعد راتبة المغرب تندب صلاة الأوابين ثم ما بين المغرب والعشاء يجوز النفل المطلق، فإذا دخل وقت العشاء كانت هناك راتبة قبل الفريضة وراتبة بعد الفريضة.
وشرع لنا قيام الليل والتهجد، وبعضهم فرق بين التهجد وقيام الليل، فالتهجد ما كان بعد النوم، والقيام ما كان قبله، وشرع لنا أن نختم صلاة الليل بالوتر، وجاز النفل المطلق فيما بين العشاء والفجر، وقد شرع لنا تحية المسجد وهي في الأحوال العادية تتكرر من المسلم يومياً كما شرعت لنا سنة الوضوء وهي كذلك تتكرر في العادة يومياً وشرعت لنا سنة الدخول والخروج من البيت وإليه.
أما صلاة التسابيح فقد شرعت على التخيير فمن شاء صلاها يومياً، فهذه الصلوات في العادة تتكرر يومياً أو يمكن أن تتكرر وهي كلها نوافل ما عدا صلاة الوتر فالحنفية يرون أنها واجبة.
وما ذكرناه ها هنا هو محل العرض الإجمالي لهذا الباب:
١ - رواتب الصلوات الخمس: ركعتا الفجر وأربع ركعات قبل صلاة الظهر أو قبل صلاة الجمعة بتسليمة واحدة عند الحنفية وهي سنة مؤكدة عندهم، ويتأكد النفل عند المالكية
стр. 1116
قبل صلاة الظهر وأقل ما يحصل به ركعتان، والراتبة القبلية عند الشافعية: أربع ركعات وتسن أربع ركعات قبل الجمعة عندهم، والمؤكدة عندهم ركعتان قبل الظهر وقبل الجمعة.
وعند الحنابلة راتبة الظهر القبلية المؤكدة ركعتان، ركعتان غير مؤكدة قبل الظهر فالمذاهب الأربعة متفقة على أن: راتبة الظهر القبلية أربع ركعات ولكنه مختلفون في قوة الإلزام فبعضهم كالحنفية يعتبرون الأربع سنة مؤكدة والحنابلة والشافعية والمالكية يعتبرون ركعتين هما المؤكدتين، فإذا أضيفت إليهما ركعتان فإنهما سنة غير مؤكدة، وصلاة الجمعة عند الجميع كصلاة الظهر في راتبتها القبلية، وبعد صلاة الفريضة تؤدى ركعتان بعد الظهر وهما سنة مؤكدة عند الحنفية ويندب عندهم أن يضم لهما ركعتين، فالسنة الراتبة عندهم بعد الظهر والجمعة أربع: ثنتان مؤكدتان، وثنتان غير مؤكدتين، والشافعية والحنابلة والمالكية كالحنفية في راتبة الظهر البعدية أربع ركعات فهم متفقون على أنها أربع ركعات: اثنتان منها مؤكدة واثنتان غير مؤكدة.
وراتبة العصر عند الحنفية أربع ركعات قبل العصر بتسليمة واحدة وهي غير مؤكدة.
وتتأكد عند المالكية قبل صلاة العصر ركعتان والأولى الأربع، وراتبة العصر عند الشافعية: أربع تؤدى قبل الفريضة وهي سنة غير مؤكدة عندهم وكذلك هي عند الحنابلة.
وراتبة المغرب مؤكدة عند الحنفية ركعتان بعد صلاة المغرب ويكره عندهم أن يصلي قبل المغرب شيئاً، وتتأكد هاتان الركعتان بعد المغرب في المذاهب الثلاثة الأخرى، وتندب ركعتان قبل صلاة فريضة المغرب عند الشافعية والمالكية والحنابلة، وبعد راتبة المغرب المؤكدة تندب صلاة الأوابين وهي: أربع ركعات غير مؤكدة عند الحنفية والمالكية والحنابلة. وصلاة الأوابين عند الشافعية: عشرون ركعة بين الغرب والعشاء وأقلها ركعتان.
ومن السنن المؤكدة عند الحنفية: ركعتان بعد فرض العشاء، ومن السنن غير المؤكدة عندهم: أربع ركعات قبل صلاة العشاء وركعتان تضافان إلى السنة المؤكدة بعد فرض العشاء، فتصلى أربعاً بتسليمة واحدة، ومن صلى أربعاً بعد فريضة العشاء عند المالكية فهو أفضل، وركعتان تكفيان في تحصيل الفضيلة. وتندب ركعتان قبل فريضة العشاء، ويندب عند الشافعية ركعتان قبل العشاء وهما سنة غير مؤكدة، وعند الحنابلة: ركعتان بعد العشاء
стр. 1117
مؤكدتان، ويضاف إليهما ثنتان غير مؤكدتين، وركعتان غير مؤكدتين قبل العشاء.
٢ - الوتر: وهو سنة عند المالكية، وأقله: ركعة عندهم، وأكثره: إحدى عشرة ركعة، ووقته: بين صلاة العشاء وطلوع الفجر.
والوتر سنة مؤكدة عند الشافعية، وأقله عندهم ركعة وأكثره ثلاثة عشر ركعة، والأفضل عندهم: إذا أوتر بثلاث أن يفصل بين الركعتين الأوليين والركعة الأخيرة بسلام وجاز له أن لا يفصل، والوتر عند الحنابلة سنة مؤكدة أقله ركعة وإن أوتر بثلاث أو أكثر فذلك أكمل، والوتر عند صاحبي أبي حنيفة والمذاهب الثلاثة سنة مؤكدة، وهو عند أبي حنيفة واجب، والواجب عند الحنفية فوق السنة ودون الفريضة، ويسميه الحنفية فرضاً عملياً، ومقداره عند الحنفية ثلاث ركعات لا يفصل بينهما بسلام وسلامه في آخره كصلاة المغرب، ويجب أن يصليه بنية وتر الليلة التي هو فيها، ويقرأ الفاتحة وسورة في الركعات الثلاث ويتشهد تشهدين الأول والأخير، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح في الركعة الثالثة، ويكبر ويرفع يديه ثم يقنت قبل ركوع الثالثة، ومن وثق من استيقاظه في الليل فالأفضل أن يؤخر الوتر وإلا فالأفضل في حقه أن يوتر قبل أن ينام، وإذا أوتر ثم أراد أن يقوم الليل أو يتهجد فله ذلك، ولا يعيد وتره عند الجمهور، وجاز عند الحنابلة أن يوتر مرة أخرى بركعة، ولا يفصل بعض الفقهاء بين قيام الليل والتهجد والوتر، والحنفية يفرقون بين الوتر الذي هو واجب وبين ما سواه من قيام أو تهجد والذي هو نافلة.
٣ - وصلاة الضحى: سنة غير مؤكدة عند الحنفية وأقلها: ركعتان وأوسطها: أربع وأكثرها: ثمان، ووقتها: يبدأ بعد حوالي ثلث أو نصف ساعة بعد طلوع الشمس إلى ما قبيل الزوال.
وهي سنة مؤكدة عند المالكية أقلها: ركعتان، وأكثرها: ثمان، وعند الشافعية: أقل صلاة الضحى ركعتان وأكثرها اثنتا عشرة ركعة، وعند الحنابلة: مستحبة غير مؤكدة، وأكثرها ثمان وأقلها ثنتان وأفضل وقتها إذا علت الشمس واشتد حرها.
٤ - قال الحنفية: تندب صلاة التهجد ليلاً وعدد ركعاتها من ركعتين إلى ثمان وطول القيام عندهم أفضل من كثرة السجود، وقيام الليل عند المالكية سنة مؤكدة وأفضله: أن
стр. 1118
يكون في الثلث الأخير وهو عشر ركعات غير الثلاث التي هي الشفع التي يسبق ركعة الوتر، وقيام الليل عند الشافعية والحنابلة غير الثلاث: عشر أو ثمان وأقله ركعتان.
٥ - ويندب عند الحنفية: ركعتا الوضوء وتحية المسجد وهما سنتان غير مؤكدتين عندهم ولا تؤدى هاتان السنتان في أوقات النهي الخمسة عندهم، والمسجد الحرام تحيته الطواف، وأداء الفرض أو غيره ينوب عن ركعتي الوضوء وتحية المسجد، ومن تكرر دخوله إلى المسجد لعذر تكفيه كل يوم مرة.
ومن النوافل عند المالكية: سنة دخول المنزل، وسنة الخروج منه، ومن السنن عنده ركعتان بعد الوضوء وركعتان تحية المسجد للداخل يريد الجلوس به لا المرور فيه وإن كان في وقت النهي وتتأدى بفريضة.
ومن السنن غير المؤكدة عند الشافعية: تحية المسجد ركعتين والأصح عندهم أنها تكرر بتكرر الدخول إلى المسجد مراراً، وتحصل التحية بفرض أو نفل آخر وإن لم ينو، ومن السنن غير المؤكدة عندهم: ركعتا الوضوء، ومن السنن غير المؤكدة عند الحنابلة: سنة الوضوء وسنة تحية المسجد.
٦ - والنفل المطلق جائز عند الحنفية في غير أوقات النهي، كما أن النفل المطلق جائز في غير الأوقات الخمسة المكروهة، وكذلك هو عند الشافعية، وتعريف النفل المطلق عند الشافعية: هو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب، أي لا حصر لعدده ولا ركعاته، وقال الحنابلة: شرعت النوافل المطلقة في الليل كله، وفي النهار فيما سوى أوقات النهي، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار.
وهكذا ترى أن التنفل المطلق في غير الأوقات المنهي عنها جائز في المذاهب الأربعة.
٧ - وصلاة التسابيح ليست مستحبة عند الإمام أحمد لكن إن فعلها إنسان ففعله جائز وهو مأجور. وعند الشافعية صلاة التسابيح سنة غير مؤكدة، ووصفها عندهم أن تكون أربع ركعات يقول في كل ركعة بعد القراءة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ويقول في كل من الركوع والرفع منه والسجدتين والجلوس بينهما وجلسة
стр. 1119
الاستراحة وما قبل التشهد عشراً فلذلك خمس وسبعون في كل ركعة.
ومن النوافل عند المالكية: صلاة التسبيح أربع ركعات، ومن السنن غير المؤكدة عند الحنفية: صلاة التسبيح ويفعلها المسلم في كل وقت لا كراهة فيه أو في كل يوم أو ليلة مرة وإلا ففي كل أسبوع أو شهر أو سنة أو في العمر كله مرة واحدة، وهي أربع ركعات يقرأ في كل منها بفاتحة الكتاب وسورة وتصح بتسليمة واحدة أو بتسليمتين ويقول فيها ثلاثمائة مرة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر في كل ركعة خمس وسبعون تسبيحة، فبعد الثناء خمس عشرة ثم بعد القراءة وفي الركوع والرفع منه وكل من السجدتين وفي الجلسة بينهما عشر تسبيحات.
وعلى هذا فإن العدد خمس عشرة تسبيحة لا يوجد إلا مرة واحدة بعد الثناء وما عدا ذلك فعشر عشر.
فصلاة التسبيح مشروعة في المذاهب الأربعة إلا أن الحنابلة اعتبروها صلاة جائزة.
انظر (حاشية ابن عابدين ١/ ٤٤٥ فما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ٤٠١ - ٤١٥)، (المهذب ١/ ٨٢ - ٨٥)، (الفقه على المذاهب الأربعة ١/ ٣٢٦ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي وأدلته ٢/ ٤١ - ٤٩ و ٢/ ٥٥ فما بعدها). وإلى فقرات هذا الباب:
стр. 1120
الفقرة الأولى
في أحاديث ومسائل متنوعة تتحدث عن النوافل
- الصلاة في البيوت:
١٨٢٧ - * روى أحمد عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة".
وأخرج الترمذي (١) أيضاً والموطأ (٢) موقوفاً على زيد قالا: قال زيد: "أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم، إلا المكتوبة".
١٨٢٨ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري: عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى أحدكم صلاته في المسجد، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً".
١٨٢٩ - * روى أحمد عن زيد بن خالد الجهني رفعه: "صلوا في بيوتكم ولا
стр. 1121
تتخذوها قبوراً".
١٨٣٠ - * روى الطبراني في الكبير عن مسروق قال كنا إذا قام عبد الله نجلس بعده فيثبت الناس في القراءة فإذا قمنا صلينا فبلغه ذلك فدخلنا عليه فقال أتحملون الناس ما لا يحملهم الله تصلون فيرون ذلك واجباً عليهم إن كنتم لابد فاعلين ففي بيوتكم.
١٨٣١ - * روى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه كان يؤمهم ثم يتطوع في مكانه قال: وكان إذا صلى المكتوبة سبح مكانه.
- الاقتصاد والمداومة في العبادة:
١٨٣٢ - * روى أبو يعلى عن عائشة أن رسول الله ﷺ قسم سورة البقرة في ركعتين.
١٨٣٣ - * روى الطبراني في الكبير عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "عليكم من العمل بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا".
١٨٣٤ - * روى ابن خزيمة عن عائشة كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر.
١٨٣٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: ذكر عند النبي صلى الله
стр. 1122
عليه وسلم قوم يجتهدون في العبادة اجتهاداً شديداً. فقال: "تلك ضرورة الإسلام وشرته ولكل عمل شرة، فمن كانت فترته إلى اقتصاد فنعم ما هو، ومن كانت فترته إلى المعاصي فأولئك هم الهالكون".
قال في النهاية (٣/ ٨٦): إن للإسلام ضراوة أي عادة ولهجاً به لا يصبر عنه.
١٨٣٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: "حلوه"، ثم قال: "ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليقعد".
١٨٣٧ - * روى البخاري عن عائشة قالت: كان أحب العمل إلى النبي ﷺ ما داوم وإن قل، وكان النبي ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها.
وقال أبو سلمة ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٣).
١٨٣٨ - * روى مسلم عن عائشة قالت: كان عندي امرأة من بني أسد فدخل رسول الله ﷺ ، فقال: "من هذه؟ " فقلت: فلانة تذكر من صلاتها، فقال النبي ﷺ : "مه، عليكم بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا". قالت: وكان أحب الدين إليه الذي يدوم عليه صاحبه.
стр. 1123
١٨٣٩ - * روى البخاري عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل رسول الله ﷺ ، هل كان يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع؟! هذا لفظ حديث أبي عمار.
وقال يوسف: قالت: لا، كان عمله ديمة.
- من هدي النبي ﷺ في صلاة النافلة:
١٨٤٠ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "صلاتان لم يكن رسول الله ﷺ يتركهما سراً وعلانية، في سفر ولا حضر: ركعتان قبل الصبح، وركعتان بعد العصر".
وفي رواية (٣) قالت: "كان رسول الله ﷺ لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة".
أقول: صلاة النافلة بعد فريضة العصر مكروهة لنصوص ثابتة، ولكن فاتت رسول الله ﷺ مرة راتبة الظهر البعدية فقضاها بعد صلاة العصر، وكان من عادته ﵊ أنه إذا فعل شيئاً أثبته وداوم عليه، ولذلك داوم على ركعتين بعد العصر فهي خصوصية له.
стр. 1124
١٨٤١ - * روى أبو داود عن طاووس قال: "سئل ابن عمر ﵄ عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت أحداً على عهد رسول الله ﷺ يصليهما، ورخص في الركعتين بعد العصر".
١٨٤٢ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يصلي في إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين، إلا الفجر والعصر".
١٨٤٣ - * روى الستة عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، قال في الثالثة: لمن شاء".
١٨٤٤ - * روى مالك عن حفصة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعداً، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها". وفي رواية نحوه (١)، إلا أنه قال: "بعام أو عامين".
стр. 1125
١٨٤٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: حُدِّثت: أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة"، قال: فأتيته فوجدته يصلي جالساً، فوضعت يدي على رأسه- وفي رواية: فوضعت يدي على رأسي- فقال: "مالك يا عبد الله بن عمرو؟ " قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت: "صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة"، وأنت تصلي قاعداً- وفي رواية: على النصف من صلاة القائم؟ - قال: "أجل، ولكني لست كأحد منكم".
وفي رواية (١) الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم". وفي أخرى (٢) له، قال: لما قدمنا المدينة نالنا وباء من وعكها شديد، فخرج رسول الله ﷺ وهم يصلون في سبحتهم قعوداً، فقال رسول الله ﷺ : "صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم".