هذا أصل في فكرة الاجتهاد الجماعي وأن يتذاكر أهل العلم والعبادة في المسائل الجديدة قال الكوثري في إحدى مقالاته عن أبي حنيفة وكان يرأس هناك مجمعاً فقهياً عظمياً كيانه من نحو أربعين عالماً من أفذاذ أصحابه، يتدارسون فيه الفقه ويحاكمون بين أدلة المسائل إلى أن يستبين الصواب ككوكب الصبح فتدون المسائل الممحصة في الكتاب، وهذه كانت طريقة بديعة جداً في التفقيه، وبها ارتفع شأن العراق في الفقه في جميع البيئات العلمية.
قال الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ١٤ - ٢٤٧) بسنده إلى ابن كرامة قال: كنا عند وكيع يوماً فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع كيف يقدر أبو حنيفة يخطئ ومعه مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما ومثل يحيى بن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل في حفظهم الحديث، والقاسم بن معن في معرفته باللغة العربية، وداود الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما. ومن كان هؤلاء جلساءه لم يكد يخطئ لأنه إن أخطأ ردوه. ا. هـ.
ولقد كان شيخنا محمد الحامد ﵀ يكثر من الاستشارة إذا واجهته مسألة، وفي ذكر العُبَّاد مع العلماء إشارة إلى ضرورة اجتماع العلم مع الورع لتكون الفتوى أكثر انسجاماً مع الشريعة.
١٥٣ - * روى البغوي عن ابن سيرين قال: سئل حذيفة عن شيءٍ، فقال: إنما يُفتى أحدُ ثلاثةٍ: من عرف الناسخ والمنسوخ، قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال: عمر. أو رجلٌ ولي سلطاناً فلا يجد بُدا، أو مُتكلِّفٌ.
١٥٤ - * روى أحمد عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقُصُّ إلا أميرٌ أو مأمورٌ أو مختالٌ".
حكى عن ابن شريح أنه قال هذا في الخطبة.
وكان الأمراء يلون الخطبة يعظون فيها الناس. والمأمور: من يقيمه الإمام خطيباً،
стр. 107
والمختال: من نصب نفسه لذلك اختيالاً وتكبراً، وطلباً للرياسة من غير أن يُؤمر به. شرح السنة ١/ ٣٠٣.
أقول: بعد أن زالت الخلافة الراشدة استبدل العلماء بأمر الأمير الإجازة من أهلها لأهلها.
١٢ - في فرضية تحصيل العلوم الضرورية:
١٥٥ - * روى البخار يعن زيد بن ثابت ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ ، فتعلمتُ له كتاب يهود - وفي رواية: بالسريانية - وقال: إني والله، ما آمنُ يهود على كتابي، فما مر بي نصفُ شهرٍ حتى تعلمته وحذفته، فكنت أكتب له إليهم، وأقرأ له كتبهم.
أقول: هذا الحديث أصل في أن كل علم احتاجه المسلمون لإقامة دينهم ودنياهم أو احتاجته دولتهم أو تعاملهم مع الآخرين فإن عليهم أن يحصّلوه، وهذه القضية متجددة متوسعة على مدى العصور، فما يطالب به أهل الجيل اللاحق أكثر مما يطالب به الجيل السابق على حسب المستجدات والاحتياجات وضرورات الحياة وضرورات الصراع الإسلامي مع كل ما سوى الإسلام، وهو كذلك دليل من أدلة فكرة فروض الكفاية، وعلى العلماء والأمراء أن يلحظوا ذلك في التربية والتخطيط.
١٣ - الأدب في تغير اجتهاد العالم:
١٥٦ - * روى الدارمي عن الحكم بن مسعودٍ أتينا عمر في المشتركة فلم يُشرِّك ثم أتيناه العام المقبل فشرَّك فقلنا له فقال تلك على ما قضينا وهذه على ما قضيناه.
стр. 108
(المسألة المشتركة)، مثل: ماتت زوجة وتركت زوجاً وأماً وإخوة لأم وإخوة لأبوين، فالنصف للزوج والسدس للأم والثلث للإخوة لأمٍّ ولا يشاركهم الأخوة لأبوين به أخذ أبو بكر وأخذ عمر ﵄ به أولاً، ثم قال بقول عثمان، وهو إشراك الإخوة لأبوين مع الإخوة لأم وتسمى مشتركةٌ وعثمانية. عن مجمع الأنهر ٢/ ٧٥٦.
هذا الأثر أصل في أن الظروف من ناحية وتغير الأحوال قد يترتب عليه تغير الاجتهاد وقد يتغير الاجتهاد كأثر عن زيادة العلم، ومن ههنا تتغير الأحكام بتغير الأزمان وتتجدد أقضية لتجدد اجتهاد أو لتجدد حوادث. ومن ههنا فإن عملية التقنين في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية علمية تحتاج إلى إعادة نظر مستمرة ولا يدخل في دائرة النظر ما فيه نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت فلا اجتهاد في مورد النص ولا اجتهاد إلا من أهله في محله.
١٤ - في اجتناب أهل الهوى والابتداع:
١٥٧ - * روى الطبراني عن عوف بن مالك رفعه: "تفترقُ أُمتي على بضعٍ وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال".
أقول: هذا نموذج على من يفتون بلا علم كأثر من تحكيم عقل أو هوى لا كما توهَّم بعضهم أنه في القياس الشرعي من أهله.
١٥٨ - * روى الحاكم عن أبي عامرٍ عبد الله بن يحيى قال حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة أخبر بقاصٍّ يقصُّ على أهل مكة مولى لبني فروخ فأرسل إليه معاوية فقال أمرت بهذه القصص؟ قال: لا، قال (١): فما حملك على أن تقص بغير إذن: قال: ننشئ علماً علمناه الله فقال معاوية لو كنت تقدمت إليك لقطعت منك
стр. 109
طائفة، ثم قام حين صلى الظهر بمكة فقال: قال النبي ﵌: "إن أهل الكتاب تفرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة ويخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد صلى الله ليه وآله وسلم لغير ذلك أحرى أن لا تقوموا به.
١٥٩ - * روى أبو داود عن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل ﵁ قال: كان لا يجلس مجلساً للذكر، إلا قال حين يجلس: الله حكمٌ قسطٌ، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوماً: إن وراءكم فتناً يكثرُ فيها المال، ويُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والعبد والحرُّ، والصغير والكبير، فيوشك قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآنظ؟ وما هم بمُتِّبِعيَّ حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنما ابتدع ضلالةً، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان لحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنبْ من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله يُراجع، وتلقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً.
وفي رواية (١): ولا يُنبئنك ذلك عنه وفيها "بالمشتبهات" عوض "المشتهرات".
وفي أخرى (٢) قال: بلى، ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟
стр. 110
أقول: هذا نموذج على صنفٍ من الناس يحمله حب الرئاسة على ركوب متن الابتداع والعياذ بالله تعالى.
١٥ - الاغتباط في العلم والحكمة من الأدب:
قال الله (وقل رب زدني علما) (١).
١٦٠ - * روى البخار يعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في حق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويُعلمها".
قال البغوي: المراد من الحسد المذكور في الحديث هو الغبطةُ، فإن الغبطة هي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زوالها عن أخيه.
والحسد المذموم أن يرى الرجل لأخيه نعمة يتمناها لنفسه وزوالها عن أخيه.
قال ابن الأعرابي: الحسد مأخوذ عن الحسدل، وهو القُراد، والحسد يقشِرُ القلب، كما يقشرُ القرادُ الجلد، فيمصُّ الدم.
ومعنى الحديث: التحريض والترغيب في التصدق بالمال، وتعلُّمِ العلم.
وقيل: إن فيه تخصيصاً لإباحة نوع من الحسد، وإن كانت جملتُه محظورةً، كقوله ﷺ : "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: الرجل يكذبُ في الحرب، ويُصلحُ بين اثنين، ويُحدثُ أهلهُ".
وقيل: لا حسد إلا في اثنين، أي: لا يضر الحسد إلا في اثنين، وهو أن يتمنى زوالها عن أخيه، فيضره، والأول أولى. شرح السنة ١/ ٢٢٩.
стр. 111
١٦ - من آداب طالب العلم إتقان علوم اللسان:
١٦١ - * روى مسلم عن ابن أبي عتيق قال: تحدثتُ أنا والقاسم عند عائشة حديثاً - وكان القاسم رجلاً لحاناً - وكان لأم ولدٍ، فقالت عائشة: مالك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا؟ أما إني [قد] علمتُ من أين أُتيت؟ هذا أدبتْهُ أمه، وأنت أدبتْكَ أمُّكَ، قال: فغضب القاسم وأضبَّ عليها، فلما رأى مائدة عائشة قد أُتي بها قام، قالت: أين؟ قال: أصلي، قالت: اجلس، قال: غني أصلي، قالت: اجلس غُدَرُ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان".
أقول: كلام عائشة ﵂ يدل على أن من آداب طالب العلم أن يتقن علوم اللسان، وألا يلحن في كلامه (١).
* * *
стр. 112
الفصل الثاني عشر
في رفع العلم وذهاب العلماء
قال الله : (١).
قال البغوي: قِيلَ هو موتُ العلماء.
١٦٢ - * روى الشيخان عن أنس عن رسول الله ﷺ : "إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلمُ، ويكثر الجهلُ".
١٦٣ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يقبضُ العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس - وفي رواية: من العباد - ولكن يقبضُ العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً: اتخذ الناس رؤوساً جُهالاً، فسئلُوا، فأفتوا بغير علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا".
زاد في رواية (٢)، قال عروة: "ثم لقيتُ عبد الله بن عمرو على رأس الحوْل، فسألته؟ فردَّ عليَّ الحديث كما حدث، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول".
١٦٤ - * وللبخاري عن عروة: "حجَّ علينا عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا ينزعُ العلم بعد أن أعطاهموه [انتزاعاً]، ولكن ينتزعهُ منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جُهَّال، فيُستفتون، فيفتون برأيهم، فيَضِلُّون ويُضِلُّون". فحدثتُ عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم إن عبد الله بن عمرو حجَّ بعدُ، فقالت: يا ابن أختي، انطلقْ إلى عبد الله بن عمرو
стр. 113
فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه، فجئته. فسألته، فحدثني به بنحو ما حدثني، فأتيت عائشة فأخبرتها، فعجبت، وقالت: والله، لقد حفظ عبد الله بن عمرو".
١٦٥ - * روى مسلم عن أبي الأسود، عن عروة قال: "قالت لي عائشة: يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج، فألقهُ، فسائله، فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علماً كثيراً، قال: فلقيته، فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ ، قال عروة: فكان فيما ذكر: أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا ينتزعُ العلم من الناس انتزاعاً، ولكن يقبض العلماء، فيرفعُ العلم معهم، ويُبقي في الناس رؤوساً جُهالاً" - وفي أخرى (١) "ويبقى في الناس رؤوسٌ جُهالٌ- يُفْتُونهم بغير علم. فيضلون ويُضِلون". قال عروة: فلما حدثتُ عائشة بذلك أعظمتْ ذلك وأنكرته، وقالت: أحدثك أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا؟ قال عروة: حتى إذا كان قابلٌ قالت له: إن ابن عمرو قد قَدِم فألقه، ثم فاتحْهُ حتى نسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم، قال: فلقيته فسألته، فذكره على نحو ما حدثني به في مرَّته الأولى، قال عروة: فلما أخبرتها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أراهُ لم يزدْ فيه شيئاً ولم ينقُص.
وله في رواية (٢) عمر بن الحكم عن عبد الله بن عمرو، بمثل حديث هشام بن عروة.
١٦٦ - * روى الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ، فشخَصَ ببصره إلى السماء، ثم قال: "هذا أوانٌ يُختلسُ العلم م الناس حتى لا يقدروا منه على شيءٍ"، فقال زيادُ بن لبيد الأنصاري: كيف يُختلسُ منا وقد قرأنا
стр. 114
القرآن؟ فوالله لنقرأنه، ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا، فقال رسول الله ﷺ : "ثكلتك أمك زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تُغني عنهم؟ " قال جُبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، فقال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنَّك بأوَّلِ علم يُرفعُ، أول علم يرفع من الناس: الخشوعُ، يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً".
١٦٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تكثرُ الفتنُ ويكثرُ الهرجُ ويُرفع العلم" فلما سمع عمر أبا هريرة يقول يرفع العلم قال عمر: أما إنه ليس يُنزعُ من صدور الرجال ولكن تذهبُ العلماء.
أقول: إن على العلماء أن يورثوا العلم وأن يخرجوا ورّاثاً كاملين لرسول الله ﷺ ، حتى إذا ذهب عالم وُجد من يسد مسده، والملاحظ أن تلاميذ ابن مسعود كانوا يدركون أن إظهار الإسلام بالعلم والعمل والدعوة عامل من عوامل تجديد الإسلام، وإبقائه، لذلك فإن على أهل العلم أن يتحركوا ويحركوا قضايا العلم والعمل والدعوة.
قال البغوي: وقال عبد الله بن مسعود: لا تقومُ الساعة حتى يُرفع القرآنُ، ثم يُفيضون في الشعر.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا تقومُ الساعة حتى يرجع القرآنُ من حيث نزل، له دويٌّ حول العرش، كدويِّ النحل يقول الرب: مالك؟ فيقول: يا رب أُتلى، ولا يُعملُ بي.
قال عمر بن الخطاب: من سَوَّده قومه على الفقه، كان حياةً له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه، كان هلاكاً له ولهم.
стр. 115
وعن زياد بن جُبير، قال: قال عمر، هل تدري ما يهدمُ الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحُكْمُ الأئمة المضلين.
وقال ابن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يُقبَضَ، وقبضهُ: ذهابُ أهله، وعليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدري متى يُفتقر إليه، وعليكم بالعلم وإياكم والتنطُّعَ والتعمُّقَ، وعليكم بالعتيق.
وقال عقبة بن عامر: تعلموا قبل الظانين: يعني الذين يتكلمون بالظن.
وقال ابن مسعود: لا يزالُ الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلمُ من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم، هلكُوا.
وقال سليمان: لا يزال النسا بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخرُ، فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس.
وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك علماؤهم.
وقال الحسن: قال عبد الله بن مسعود: مواتُ العالِم ثُلْمةٌ في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار.
وقال سفيان بن عيينة: وأي عقوبةٍ أشدُّ على أهل الجهل أن يذهب أهل العلم.
قال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيءٌ من العلم أن يُضيع نفسه.
قال سفيان: تعوَّذوا بالله من فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتونٍ.
قال الشعبي: ما جاء من أصحاب محمد ﷺ فخُذْهُ، ودعْ ما يقول هؤلاء الصعافقةُ. قيل: الصعافقة: الذين يدخلون السوق بلا رأس مال، وقيل: هم رُذالةُ الناس، أراد الذين لا علم لهم، فهُم بمنزلة التجار الذين ليس لهم رأس مال.
стр. 116
وقال مالك بن أنس: لا تأخذ العلم من أربعةٍ، وخذه مما سوى ذلك: من مُعلن للسفه وإن كان أروى الناس، ولا من كذاب يكذب في حديث الناس وإن كنت لا تتهمُه بكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من صاحب هوى يدعو إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرفُ ما يُحدثُ به. اهـ.
стр. 117
الفصل الثالث عشر
في كتابة الحديث ونسخ النهي عن ذلك
١٦٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂ قال: كنتُ أكتبُ كل شيء سمعته من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريشُ، وقالوا: تكتبُ كل شيءٍ ورسول الله ﷺ بشرٌ يتكلم في الغضب والرضى؟ قال: فأمسكتُ عن الكتاب، حتى ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: "اكتبْ، فوالذي نفسي بيده، ما يُخرجُ منه إلا حقاً".
١٦٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ خطب - فذكر قصةً في الحديث - فقال أبو شاهٍ: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله لعيه وسلم: "اكتبوا لأبي شاهٍ" وفي الحديث قصة.
١٧٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثرُ حديثاً عنه مني، إلا ما كان من ابن عمرو، فإنه كان يكتبُ، ولا أكتبُ".
١٧١ - * روى البخاري عن يزيد بن شريك بن طارقٍ التيمي ﵀ قال: رأيتُ علياً على المنبر يخطبُ، فسمعتُه يقولك لا والله، ما عندنا من كتابٍ نقرؤهُ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فنشرها فإذا فيها أسنانُ الإبل وأشياء من الجراحات، وفيها: قال رسول الله ﷺ : "المدينةُ حرمٌ، ما بين عيرٍ إلى ثورٍ (١)، فمن أحدث فيها حدثاً أو
стр. 118
آوى مُحدثاً، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبلُ الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً، ذمةُ المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبلُ الله منه يوم القيامة عدلاً ولا صرفاً، ومن والى قوماً بغير إذن مواليه - وفي رواية (١): ومن ادَّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه - فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً".
١٧٢ - * روى البخاري عن أبي جُحيفة - وهب بن عبد الله السوائي- قال: قلت لعليٍّ: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبَّة، وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقلُ، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتلَ مسلمٌ بكافرٍ.
١٧٣ - * روى مسلم عن أبي الطفيل عن علي: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي هذا، وأخرج صحيفة مكتوبٌ فيها: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن
стр. 119
الله من آوى محدثاً".
١٧٤ - * روى النسائي عن أبي حسان قال: قال علي: ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ شيئاً دون الناس، إلا صحيفة في قرابِ سيفي، فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة، فإذا فيها: "المؤمنون تتكافأُ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم، ولا يُقتل مؤمن بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده".
قال الحافظ في "الفتح" ١/ ١٨٢: والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوباً فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه.
(عير إلى ثور) عير جبل بالمدينة معروف فأما "ثور" فجبيل صغير خلف أحدٍ وقد رد الجمال المطري في تاريخه على من أنكر وجود ثور وقال إنه خلف أحد شماليه صغير مدور يعرفه أهل المدينة خلفاً وسلفاً.
أقول: عند الحنفية المراد بالكافر في الحديث: الكافر الحربي.
١٧٥ - * روى مسلم عن أبي سعيدٍ الخُدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني غير القرآن، وفي رواية (١) قال: لا تكتبوا عني ومن
стр. 120
كتب عني غير القرآن فليمْحُه - وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ [قال همام: أحسبه قال]: متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار".
١٧٦ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: استأذنا النبي ﷺ في الكتابة، فلم يأذن لنا.
أقول: لقد رأينا أن المنع من كتابة الحديث كان أولاً ثم نسخ إلا أن هذا المنع يجعلنا أن نفهم أن لكتاب الله أولوية وخصوصية تقدمه على سنة رسول الله ﷺ وإن كانت السنة وحياً كذلك.
قال النووي: قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث اكتبوا لأبي شاه وحديث صحيفة علي ﵁ وحديث كتاب عمرو بعث به أبو بكر ﵁ أنساً ﵁ حين وجهه إلى البحرين وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب وغير ذلك من الأحاديث وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما آمن ذلك أذن في الكتابة وقيل إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة والله أعلم ا. هـ.
١٧٧ - * روى البخاري عن عمر بن عبد العزيز ﵀ "كتب إلى أبي بكر بن حزمٍ: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفتُ دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا يُقبل إلا حديث النبي ﷺ ، وليُفشوا العلم (١)، وليجلسوا حتى يُعلَّمَ من لا
стр. 121
يعْلَمُ، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً.
قال العيني في شرح البخاري: لم يقع وصل هذا التعليق عند الكشميهني ولا كريمة ولا ابن عساكر، ووقع وصله للبخاري عند غيرهم، وهو بقوله في بعض النسخ: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار بذلك، يعني حديث مر بن عبد العزيز، ولكن إلى قوله: ذهاب العلماء، قال الحافظ في "الفتح": وهو محتمل لأن يكون ما بعده ليس من كلام عمر أو من كلامه، ولم يدخل في هذه الرواية، والأول أظهر، وبه صرح أبو نعيم في "المستخرج"، ولم أجده في مواضع كثيرة إلا كذلك، وعلى هذا فبقيته من كلام المصنف أورده تلو كلام عمر ثم بين أن ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 122
الباب الثاني
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وفي النصيحة والدعوة إلى الخير
وفيه مقدمة وفصول
* المقدمة.
стр. 123
المقدمة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ميزان الإيمان:
١٧٨ - * روى مسلم عن النبي ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإنْ لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
١٧٩ - * روى مسلم عن النبي ﷺ قال في الحض على مجاهدة خلف السوء: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
وأصحاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم المؤهلون للتجارة إذا نزل العذاب ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١) ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ (٢) وقد علق الله الفلاح في الدنيا والآخرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وجعل الخيرية لهذه الأمة على غيرها بأوصاف ثلاثة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤)، كما جعل التواصي بالحق والتواصي بالصبر من أركان النجاة: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥).
وعرف الرسول ﷺ الدين بأنه النصيحة وذلك لتبيان أهميتها في دين الله قال ﵊:
стр. 124
١٨٠ - * فيما رواه مسلم: "الدينُ النصيحةُ قالوا: لمن يا رسول الله قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
ومن ثم كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والنصيحة لخلق الله المكان العظيم في دين الله.
ويدخل في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبواب كثيرة: فالنصح والنصيحة أمر بمعروف ودعوة إلى خير، والوصايا والتناصح كذلك والوعظ أياً كانت صفته فردياً أو جماعياً أمر بمعروف ودعوة إلى خير، والخطب والمحاضرات وتعليم الناس الخير، وأمرهم باجتناب الشر دعوة للخير وأمر ضمني بالمعروف ونهي ضمني عن المنكر، ودوائر الدعوة إلى الخير والمعروف كثيرة، دائرة النفس، ودائرة الأسرة، ودائرة الجوار، ودائرة العمل، ودائرة العامة والخاصة، ودائرة الشعب والحكم، وكلك النهي عن المنكر، ثم وسائل الدعوة كثيرة: الكلمة الطيبة، والكلمة المباشرة والكلمة غير المباشرة، والكلمة المكتوبة والكلمة المسموعة، وكذلك النهي عن المنكر، ثم الدعوة إلى الخير والمعروف والنهي عن المنكر لابد فيه من الجهد الفردي العفوي، ولابد فيه من العمل المنظم فلا هذا يغني عن مبادرة الفرد ولا مبادرة الأفراد تغني عن الترتيب، ثم لابد من جهد الدولة ولابد من جهد الأفراد والمؤسسات والهيئات والجماعات والمجموعات على المستوى المحلي والعالمي.
* * *
إن تعميق الإسلام في نفس الفرد وتطبيقه في حياة الأمة وتعميمه في العالم كله متوقف على النشاط في العلم والتعليم والدعوة إلى الخير والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك جاءت نصوص الكتاب مؤكدة على هذه المعاني تأكيداً كبيراً فأوجبت الخيرية لمن فعل ذلك وأوجبت اللعنة على من ترك ذلك (١).
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ ٹ
стр. 125
بِاللَّهِ﴾ (١).
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٢).
وذكرت الآيات من أخلاق المرسلين النصيحة: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ (٣).
"وأمرت الآيات بالدعوة". ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٤).
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٥).
ولقد كتبت في رسالة أخلاقيات وسلوكيات تتأكد في القرن الخامس عشر الهجري:
"إن شعار هذا القرن وشعار كل قرن ينبغي أن يكون: كل مسلم داعية إلى الله، كل مسلم معلم للخير، كل مسلم مرب للنفس البشرية، فذلك يدخل في الاقتداء الذي يطالب به كل مسلم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٦).
فلقد دعا رسول الله ﷺ إلى الله على بصيرة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٧) ولقد كان رسول الله ﷺ معلماً: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٨). ولقد كان رسول الله ﷺ مربياً: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ (٩).
ولابد للمسلم أن يأخذ حظه من ذلك، فهو كذلك مع أهله وجيرانه وأرحامه وأقربائه وأصحابه ومعارفه ومع الناس جميعاً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ا. هـ".
إن المسلم ينبغي أن تكون عنده ثلاث توجيهات، توجه نحو ذاته بالعكوف على إصلاحها وتزكيتها وتعليمها وتثقيفها والارتقاء بها من خلال العلم والذكر والعبادة وطاعة
стр. 126
أهل الفقه والصلح، وتوجه نحو الخارج بالتعليم والدعوة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهذه قضايا يجب أن ينطلق المسلم فيها بمبادرة ذاتية منه وينبغي أن تكون خلقاً له تنبع من ذاته، وألا يعلقها على شيءٍ، والتوجه الثالث أن يكون على انسجام مع مسيرة الصف الإسلامي في توجهه نحو تحقيق الأهداف وإقامة دين الله وبذلك يؤدي المسلم حق الله وينال مرضاته.
وفيما يلي فصول في موضوعات هذا الباب:
стр. 127
الفصل الأول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الفصل الثاني: في الدعوة إلى الخير قولاً وعملاً وفي التضحية.
الفصل الثالث: من سنته ﵊ في الدعوة والنصح والموعظة.
стр. 128
الفقرة الأولى في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
١٨١ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقبله، وذلك أضعفُ الإيمان".
قال محمد بن علان الصديقي: ولا فرق في وجوب الإنكار بين أن يكون الآمر ممتثلاً ما أمر به مجتنباً ما نهى عنه أو لا، ولا بين كون كلامه مؤثراً أو لا، وظاهر كلام المصنف الإجماع على ذلك. فقول البعض بسقوط الوجوب عند العلم بعدم التأثير أخذاً من أحاديث تصرح بذلك ليس في محله، ولا بين كون الآمر ولياً أو غيره إجماعاً أخذاً بعموم "من" الشامل لذلك جميعه. نعم إن خشي من ترك استئذان الإمام مفسدة راجحة أو مساوية من انحرافه عليه بأنه افتيات عليه لم يبعد وجوب استئذانه حينئذ. ويشترط لجواز الإنكار ألا يؤدي إلى شهر سلاح، فإن أدى إلى ذلك فلا يكون للعامة بل يرتبط بالسلطان، وشرط وجوبه تارة وجوازه أخرى ألا يخاف على نفس ونحو عضو ومال له أو لغيره وإن قل مفسدة فوق مفسدة المنكر الواقع، وإيجاب بعض العلماء الإنكار بكل حال وإن فعل المنكر وقُبل منه غلوٌ مخالف لظاهر هذا الحديث وغيره ولا حجة له فيما احتج به. وإذا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الخوف أو الإكراه كما في الآية، فليجز ترك الإنكار لذلك بالأولى، لأن الترك دون الفعل ف القبح، وألا يغلب على ظنه أن المنهي يزيد فيما هو فيه عناداً، وأن يكون المنكر مجمعاً عليه أو يعتقد فاعله حرمته أو حله، ولا ينافي ما تقرر من الوجوب قوله تعالى: عليكم أنفسكم لا ضركم من ضل إذا اهتديتم - لأنه ﷺ سئل عنها، فقال "ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأيٍّ برأيه فعليك بنفسك" الحديث (١). ففيه تصريح بأن الآية محمولة على ما إذا عجز المنكرُ، ولا شك في سقوط الوجوب حينئذ، على أن معناها عند
стр. 129
المحققين أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم، ومما كلفنا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يمتثلها المخالف فلا عتب حينئذ لأن الواجب الأمر والنهي لا القبول. دليل الفالحين ١/ ٤٦٥ (١).
١٨٢ - * روى مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل".
قال النووي في شرح مسلم ٢/ ٢٨: وأما الحواريون المذكورون فاختلف فيهم، فقال الأزهري وغيره: هم خلصان الأنبياء وأصفياؤهم، والخلصان الذين نُقوا من كل عيب، وقال غيرهم: هم أنصارهم وقيل: المجاهدون، وقيل: الذين يصلحون للخلافة بعدهم.
قال النووي: الضمير في "إنها" هو الذي يسميه النحويون: ضمير القصة والشأن، ومعنى "تخلف": تحدث، وهو بضم اللام، وأما "الخلوف" فبضم الخاء، وهو جمع خلف بإسكان اللام وهو الخالف بشرٍّ، وأما بفتح اللام فهو الخالف بخير، هذا هو الأشهر، وقال جماعة من أهل اللغة، منهم أبو زيد: يقال كل واحد منهما بالفتح والإسكان، ومنهم من جوَّز الفتح في الشر، ولم يجوِّز الإسكان في الخير.
١٨٣ - * روى الشيخان عن أبي الوليد عُبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العُسر واليسر، والمنشط والمكره وعلى أثرةٍ علينا،
стр. 130
وعلى أن لا تُنازع الأمر أهلهُ، إلا أن تروْا كفراً بواحاً، عندكم من الله تعالى فيه بُرهان، وعلى أن تقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم".
١٨٤ - * روى البخاري عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهمُوا على سفينةٍ، صار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا!!! فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً".
١٨٥ - * روى مسلم عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أُمية عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه يُستعمل عليكم أمراءُ فتعرفُون وتُنكرون، فمن كره فقد بريء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع!!! " قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهُمْ؟ قال: "لا. ما أقاموا فيكم الصلاة".
معناه من كَرَه بقلبه ولم يستطعْ إنكاراً بيدٍ ولا لسانٍ فقد برئ من الإثم وأدَّى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية ومن رضي بفعلهم وتابعهُم فهو العاصي. [الرياض].
١٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين أم الحكمِ زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعاً يقول: "لا إله إلا الله!!! ويلٌ للعرب من شر! ٍ قد اقترب؛ فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه" (١) وحلَّق بأصبعيه الإبهام
стр. 131
والتي تليها فقلت: يا رسول الله أنهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثُر الخبث".
١٨٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخُدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس في الطرقات"، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُد؛ نتحدَّثُ فيها، فقال رسول الله ﷺ : "فإذا أبيتُم إلا المجلس فأعطُوا الطريق حقه"، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: "غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهيُّ عن المنكر".
قال العلقمي: زاد أبو داود (١) في الخصال المطلوبة لمن جلس على الطرق إرشاد ابن السبيل، وتشميت العاطس إذا حمد. زاد سعيد بن منصور: وإغاثة الملهوف. زاد البزار (٢): وأعينوا على الحمولة. زاد الطبراني (٣): وأعينوا المظلوم واذكروا الله كثيراً وفي حديث أبي طلحة: وحُسن الكلام وعند الترمذي (٤) وأفشوا السلام وعند الطبراني وأهدوا الأغنياء فالمجموع أربعة عشر ا. هـ دليل الفالحين ١/ ٤٧٦.
١٨٨ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجلٍ فنزعه فطرحه وقال: "يعمدُ أحدُكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلُهَا في يده؟ " فقيل للرَّجلِ بعد ما ذهب رسول الله ﷺ : خُذْ خاتمك انتفعْ به، قال: لا والله لا آخذهُ أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ .
стр. 132
١٨٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد الحسنِ البصريِّ أن عائذ بن عمرو ﵁ دخل على عُبيد الله بن زياد فقال: أي بُنيِّ!! إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن شر الرعاء الحُطمةُ"، فإياك أن تكون منهم!! فقال له: اجلس؛ فإنما أنت نُخالةُ أصحاب محمد ﷺ ، فقال: وهل كانت لهم نُخالةٌ؟ إنما كانت النخالة بعدهُم وفي غيرهم.
١٩٠ - * روى الترمذي عن حُذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليُوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم".
روى أبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أوَّل ما دخل النقصُ على بني إسرائيل كان الرجلُ يَلْقَى الرجل فيقول: يا هذا!! اتق الله ودع ماتصنع؛ فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعضٍ، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى قوله .. ﴿فَاسِقُونَ﴾ (١).
ثم قال: "كلَاّ والله لتأمُرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرُنَّه على الحق أطراً، ولتقصرنَّهُ على الحق قصراً أو ليضربنَّ الله
стр. 133
بقلوب بعضكم على بعضٍ، ثم ليلعننكم كما لعنهم". ولفظ الترمذي: قال رسول الله ﷺ "لما وقعتْ بنو إسرائيل في المعاصي نهتهُم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعضٍ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" -فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً - فقال: "لا والذي نفسي بيده حتى تأطِرُوهم على الحق أطراً".
قال محقق (الجامع) وأخرجه الطبري ١٠/ ٤٩٣، من حديث سفيان الثوري، حدثنا علي ابن بذيمة عن أبي عبيدة أظنه عن مسروق، عن عبد الله قال ... فذكره. وقد علق عليه لعلامة أحمد شاكر ﵀ بقوله: وطريق سفيان عن علي بن بذيمة يأتي مرسلاً عن أبي عبيدة، حيث قال: قال رسول الله ﷺ ليس فيه ذكر عبد الله بن مسعود وهو المعروف من رواية سفيان.
وروى الترمذي في السنن في التفسير.
قال عبد الله بن عبد الرحمن: قال يزيد بن هارون: وكان سفيان الثوري لا يقول فيه عبد الله يعني أنه مرسل من خبر أبي عبيدة، فأفادنا الطبراني هنا أن سفيان الثوري رواه مرة أخرى عن أبي عبيدة بقوله: أظنه عن مسروق عن عبد الله فلم يذكر "عبد الله" فحسب، بل شك في أن أبا عبيدة رواه عن مسروق عن عبد الله، فإذا صح ظن سفيان هذا، فإنه حديث صحيح الإسناد غير منقطع ولا مرسل ا. هـ.
وإن لم يصح، فهو حديث ضعيف وقد جزم بعض العلماء بضعفه لانقطاع السند.
فائدة إملائية: بمناسبة ذكر حرف الألف في كلمة ابن من قوله تعالى: ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
إن العلم المذكر إذا جاء بعده (ابن) وبعده علم مؤنث: أثبتت ألف (ابن) انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي ﵀. وهو كذا في رسم المصاحف.
وأخرج مسدد والبيهقي وصححه عن علي قال: "الجهاد ثلاثةٌ: جهادٌ بيد، وجهادٌ
стр. 134
بلسان، وجهادٌ بقلب: فأول ما يُغلبُ عليه من الجهاد: جهادُ اليد، ثم جهادُ اللسان ثم جهادُ القلب، فإذا كان القلب لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً نُكسَ وجُعل أعلاه أسفله".
١٩١ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: "جاهدوا المنافقين بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهِرُّوا في وجوههم فاكفهرُّوا في وجوههم"!
١٩٢ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكرُ الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكُم تعنُون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك يُكفرُها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر التي تموجُ موجَ البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت لله أبوك، قال حذيفة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيُّ قلب أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ، ما دامت السماوات والأرض، والآخر: أسود مُرباداً، كالكوز مُجَخِّياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواهُ".
стр. 135
-* روى الطبراني عن طارق بن شهاب قال: جاء عتريسُ بن عرقوبٍ الشيباني إلى عبد الله فقال: هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر فقال بل هلك من لم يعرف قلبه المعروف وينكر المنكر.
١٩٤ - * روى أحمد عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إنكم منصورُون ومصيبون ومفتوحٌ عليكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأْ مقعدهُ من النار".
١٩٥ - * روى أحمد عن أبي بكرٍ الصديق ﵁ قال: يا أيها الناس: إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوْشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه".
١٩٦ - * روى أبو داود عن أبي أمامة الشعباني قال: سألتُ أبا ثعلبة الخُشْنيَّ ﵁ قال: قلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ قال: أما والله لقد سألتُ عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله علي وسلم، فقال: "ائتمرُوا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شُحاً مطاعاً، وهوى مُتبعاً ودُنيا
стр. 136
مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودعْ عنك العوامَّ، فإن من ورائكم أيام الصبْرِ، الصبرُ فيهن مثلُ القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم" وزاد أبو داود (١) في حديث: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسين رجلاً منَّا، أو منهم؟ قال: بل أجرُ خمسين رجلاً منكم".
الآية محمولة على ما إذا عجز المنكرُ ومعناها عند المحققين أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم. انظر دليل الفالحين ١/ ٤٦٥.
١٩٧ - * روى أبو يعلي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون بعدي خُلفاء يعملون بما يعلمون ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون بعدي خلفاءُ يعملون بما لا يعلمون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر عليهم بريء، ومن أمسك يده، سلم ولكن من رضي وتابع".
١٩٨ - * روى الطبراني عن عبد الله يعني ابن مسعودٍ قال: إنَّ من أكبر الذنب أنْ يقول الرجل لأخيه اتق الله، فيقول: عليك نفسك أنت تأمرني؟
стр. 137
الفقرة الثانية: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
١٩٩ - * روى أبو داود عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أفضلُ الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطانٍ جائرٍ".
٢٠٠ - * روى النسائي عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجليِّ الأحمسي ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ وقد وضع رِجْلَه في الغرز - أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطانٍ جائرٍ".
٢٠١ - * روى الترمذي عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تبَسُّمُك في وجه أخيك صدقةٌ، وأمرُك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغُك من دلوك في دلو أخيك صدقةٌ".
قال القاضي: يحتمل تسميتها صدقة أن لها أجراً كما للصدقة أجر، وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور، وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام وقيل معناها أنها صدقة على نفسه (شرح مسلم للنووي ٧/ ١١).
٢٠٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن فرُّوخ أنه سمع عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : "إنهُ خُلِق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصلٍ، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله (١)، وعزل حجراً
стр. 138
عن طريق الناس، أو شوكةً، أو عظماً، أو أمر بمعروفٍ، أو نهي عن منُكرٍ، عدد تلك الستين والثلاثمائة السُّلاميِّ، فإنه يُمسي يومئذٍ وقد زحزَح نفسه عن النار" وفي رواية (١) "يمشي".
٢٠٣ - * روى أحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسُ محمدٍ بيده إن المعروف والمنكر لخليقتان يُنصبان للناس يوم القيامة؛ فأما المعروفُ فيبشرُ أصحابه ويعدُهم الخير، وأما المنكر فيقول إليكم إليكم وما يستطيعون له إلا لزوماً".
٢٠٤ - * روى أبو داود عن عُرس بن عميرة الكندي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا عُملتِ الخطيئةُ في الأرض، كان من شهدها وكرهها - وفي رواية (٢) - فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها".
٢٠٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: "يذهب الصالحون أسلاخاً ويبقى أهل الريبِ من لا يعرف معروفاً ولا يُنكرُ منكراً".
٢٠٦ - * روى الطبراني عن عبد العزيز بن أبي بكرة أن أبا بكرة، تزوج امرأة من بني غُدانةَ، وأنها هلكتْ فحملها إلى المقابر فحال إخوتُها بينه وبين الصلاة فقال: لهم لا تفعلوا فإني أحق بالصلاة منكم قالوا صدق صاحبُ رسول الله ﷺ فصلى عليها، ثم إنه دخل القبر
стр. 139
فدفعوه دفعاً عنيفاً؛ فوقع فغُشي عليه؛ فحُمِلَ إلى أهله فصرخَ عليه يومئذ عشرون من ابن وبنت له، قال عبد العزيز وأنا يومئذ من أصغرهم فأفاق إفاقة فقال لا تصرخوا عليَّ فوالله ما من نفس تخرجُ أحبُّ إلي من نفس أبي بكرة، ففزعَ القومُ فقالوا لم يا أبانا؟ قال إني أخشى أن أدرك زماناً لا أستطيع أن آمُرَ بالمعروف ولا أنهى عن منكر ولا خير يومئذٍ.
стр. 140
الفقرة الثالثة: في الأخذ بالرخصة أو العزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر
٢٠٧ - * روى البزار عن ابن عمر سمعت الحجاج يخطب فذكر كلاماً أنكرته، فأردت أن غيره فذكرت قول النبي ﷺ : "لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسهُ"، قلتُ: يا رسول الله كيف يُذل نفسه؟ قال: "يتعرضُ من البلاء لما لا يُطيق".
٢٠٨ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسهُ"، قالوا: كيف يُذلُّ نفسه؟ قال: "يتعرَّض من البلاء لما لا يُطيقُ".
٢٠٩ - * روى أبو يعلي عن المعلي بن زيادٍ قال: لما هزم يزيدُ بن المُهَلَّب أهل البصرة قال المعلي: فخشيت أن أجلس في حلقة الحسن بن أبي الحسن فأُوجدُ فيها فأُعرَفُ، فأتيت الحسن في منزله فدخلت عليه فقلت يا أبا سعيد: كيف بهذه الآية من كتاب الله؟ قال أيَّةُ آيةٍ من كتاب الله؟ قلت: قول الله في هذه الآية ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال يا عبد الله إن القوم عرضوا عليّ السيفُ فحال السيفُ دون الكلام. قلت: يا أبا سعيد فهل تعرف لمتكلمٍ فضلاً؟ قال: لا. قال المعلى: ثم حدثني بحديثين قال ثنا أبو سعيد الخدر عن رسول الله ﷺ بحديث قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعَنَّ أحدكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو يذكرُ بعظيم فإنه لا يُقرِّبُ من أجلٍ ولا يُبعدُ من رزقٍ"، قال ثم حدث الحسن بحديثٍ آخر قال: قال رسول الله ﷺ : (١) "ليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه قيل وما إذلاله نفسه قال يتعرض من البلاء
стр. 141
ما لا يطيقُ" قلت يا أبا سعيد فيزيد الضبي وكلامه في الصلاة، قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم قال المعلى: فقمت من مجلس الحسن فأتيت يزيد فقلت: يا أبا مودودٍ بينما أنا والحسن نتذاكر إذ نصب أمرك نصباً فقال: مه يا أبا الحسن. قال: قلتُ: قد فعلتُ قال: فما قال؟: قلتُ: قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته. قال يزيد: ما ندمت على مقالتي وايمُ الله لقد قمت مقاماً أخطر فيه بنفسي قال يزيد: فأتيت الحسن قلت: يا أبا سعيد غُلبنا على كل شيء، نُغلبُ على صلاتنا؟ فقال: يا عبد الله إنك لم تصنع شيئاً، إنك تُعرضُ نفسك لهم، ثم أتيته فقال: مثل مقالته. قال فقمتُ يوم الجمعة في المسجد ولحكم بين أيوب يخطبُ فقلت رحمك الله الصلاة احتوشتني. فلما قلت ذلك قام الرجال يتعاوروني فأخذوا بلحيتي وتلبيبتي وجعلوا يجؤَوُن بطني بنعال سيوفهم، قال: ومضوا بي نحو المقصورة فما وصلتُ إليها حتى ظننتُ أنهم سيقتلوني دونها. قال: ففُتح لي بابُ المقصورة قال: فقمتُ بين يدي الحكم وهو ساكتٌ فقال: أمجنون أنت؟ وما كنا في صلاة فقلتُ: أصلح الله الأمير هل من كلام أفضل من كتاب الله، قال: لا. قلت: أصلح الله الأمير أرأيت لو أن رجلاً نشر مصحفاً يقرؤه غدوةً إلى الليل كان ذلك قاضياً عنه صلاته؟ قال: والله لأحسبك مجنوناً. قال وأنس بن مالك جالس تحت منبره ساكت فقلت يا أنس يا أبا حمزة أنشدُك الله فقدت خدمت رسول الله ﷺ وصحبته أبمعروفٍ قلت أم بمنكر؟ أبحقٍ قلت أم بباطلٍ؟ قال: فلا والله ما أجابني بكلمةٍ. قال له الحكم بن أيوب يا أنسُ قال: يقول لبيك أصلحك الله قال: وكان وقت الصلاة قد ذهب. قال: كان بقي من الشمس بقيه. قال: احبسوه قال يزيد: فأقسِمُ لك يا أبا الحسن يعني للمعلى لما لقيتُ من أصحابي كان أشدَّ عليَّ من مقالي قال بعضهم مُراءٍ، وقال بعضهم مجنون. قال: وكتب الحكم إلى الحجاج أن رجلاً من بني ضبة قام يوم الجمعة قال الصلاة وأنا أخطبُ وقد شهد الشهودُ العدول عندي أنه مجنونٌ فكتب إليه الحجاج (١): إن كانت قامت الشهود العدول أنه مجنونٌ
стр. 142
فخل سبيله، وإلا فاقطعْ يديه ورجليه واسمر عينيه واصلبه. قال: فشهدوا عند الحكم أني مجنون فخلى عني، قال المعلى عن يزيد الضبي: مات أخ لنا فتبعنا جنازته فصلنيا عليه فلما دفن تنحيت في عصابة فذكرنا الله وذكرنا معادنا فإنا كذلك إذ رأينا نواصيَ الخيل والحِرابَ فلما رآه أصحابي قاموا وتركوني وحدي فجاء الحكُم حتى وقف عليَّ فقال: ما كنتم تصنعون قلتُ: أصلح الله الأمير مات صاحبٌ لنا فصلينا عليه ودفناه وقعدنا نذكر ربنا ونذكر معادنا ونذكر ما صار إليه، قال: ما منعك أن تفِّرَ كما فروا. قلتُ: أصلح الله الأمير أنا أبرأُ من ذل من ذلك ساحة وآمنُ الأمير أن أفر! َ قال: فسكت الحكم، فقال عبد الملك بن المهلب وكان على شرطته تدري من هذا؟ قال من هذا؟ قال: هذا المتكلم يوم الجمعة قال: فغضب الحكم وقال: أما إنك لجريء خذاه، قال: فأخذت فضربني أربعمائة سوط فما دريتُ متى تركني من شدة ما ضربني قال: وبعثني إلى واسط فكنت في ديماس الحجاج حتى مات الحجاجُ.
أقول: في هذه القصة نموذج على ظلمٍ كان يستجيز معه أنس بن مالك والحسن البصري ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكما أن في هذه القصة نموذجاً على من يبذل نفسه ويتحمل الأذى لقوله حقٍّ حتى يقولها عند سلطان جائر وهو بذلك مأجور ومبرور، ولو قتل كان من سادة الشهداء فالأخذ بالعزيمة في ذا المقام هو الأرقى والأخذ بالرخصة جائز، وقد نص فقهاء الحنفية أن من أمر بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ فقُتل فهو شهيد مأجور، ولو لم يتغير المنكر أو يتحقق المعروف.
وينبغي أن يوجد بين المسلمين من يقوم بفرض الكفاية، حتى يسقط الإثم عن المسلمين وإذا تعين إنسان بذلك وجب عليه، وعلى المسلمين أن يفتشوا عن الطريق الأقوم لإقامة فروض الكفايات.
٢١٠ - * روى الطبراني عن أبي جعفر الخَطْميِّ أن جده عُمير بن حبيب بن حماشة وكان قد أدرك النبي ﷺ عند احتلامه، أوصى ولده فقال: يا بُنيَّ إياك ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم داءٌ، ومن يحلُمْ عن السفيه يُسَرَّ ومن يجبْه يندمْ ومن لا يرضى بالقليل مما يأتي به السفيهُ يرضى بالكثير (١)، وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر
стр. 143
فليوطِّنْ نفسه على الصبر على الأذى ويثق بالثواب من الله تعالى فإنه من وثق بالثواب من الله لم يضُره مسُّ الأذى.
٢١١ - * روى أحمد على ابن عباس رفعه: "ليس الخبرُ كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يُلقِ الألواحَ، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرتْ".
أقول: في هذا الأثر إشارة إلى أن حال المؤمن وهو يرى المنكر غير حاله وهو يسمعه فالمسلم إذا شاهد المنكر غضب وبذل جهداً فإنهائه ولقد كان رسول الله ﷺ لا يغضب لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات لله كان لا يقوم لغضبه شيء حتى ينتهي المنكر.
стр. 144
الفقرة الرابعة: في الغضب لله والشدة في النهي عن المنكر
٢١٢ - * روى الشيخان عن أبي مسعود عُقبة بن عامر البدريِّ ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصُّبح من أجل فلان مما يُطيل بنا، فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظةٍ قط أشد مما غضب يومئذ، فقال "يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فيُوجز فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة".
٢١٣ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله من سفر وقد سترت سهوةً بقرامٍ فيه تماثيلُ، فلما رآه رسول الله ﷺ هتكهُ وتلوَّن وجهه وقال: "يا عائشة إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يُضاهون بخلق الله".
٢١٤ - * روى الشيخان عنها: أن قريشاً أهمهمْ شأنُ المرأة المخزومية التي سرقتْ، فقالوا: من يكلمُ فيها رسول الله ﷺ فقالوا: من يجتريء عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله ﷺ فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ أتشفع في حدٍ من حدود الله تعالى؟!!! " ثم قام فخطب ثم قال: "إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قاموا عليه الحد، وايمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
стр. 145
٢١٥ - * روى الشيخان عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى نُخامةً في القِبلة فشقَّ ذلك عليه حتى رُؤي في وجهه، فقام فحكه بيده فقال: "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يُناجي ربه، وإن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزُقنَّ أحدكمْ قِبَلَ القبلة، ولكن عن يسره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم ردَّ بعضه على بعض فقال: "أو يفعل هكذا". قال النووي: والأمرُ بالبُصاقِ عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأمَّا في المسجد فلا يبْصق إلا في ثوبه.