فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام يصلي ولم يتوضأ، وكان في دعائه: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراًن وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً وخلفي نوراً، واجعل لي نوراً".
قال كريب: وسبعاً في التابوت، فلقيت رجلاً من ولد العباس فحدثني بهن، فذكر: "عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري، وذكر خصلتين".
وزاد في رواية (١) "وأعظم لي نوراً" بدل قوله: "واجعل لي نوراً" وفيه كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له".
وفي رواية (٢) أخرى قال: "بت في بيت خالتي ميمونة "فبقيت- وفي رواية (٣): فرقبت- كيف يصلي النبي ﷺ ؟ وذكر نحوه ... إلى أن قال: ثم نام حتى نفخ، وكنا نعرفه إذا نام بنفخه، ثم خرج إلى الصلاة فصلى، فجعل يقول في صلاته- أو في سجوده-: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وخلفي نوراً، وفوقي نوراً وتحتي نوراً، واجعل لي نوراً- أو قال: اجعلني نوراً-" ولم يذكر "فلقيت بعض ولد العباس" وفي رواية (٤) قال: "اجعلني نوراً" ولم يشك.
وفي أخرى (٥) "فدعا رسول الله ﷺ ليلتئذ بتسع عشرة كلمة، قال سلمة: حدثنيها كريب، فحفظت منها ثنتي عشرة، ونسيت ما بقي، قال رسول الله ﷺ : "اللهم اجعل لي في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن
стр. 1192
شمالي نوراً، ومن بين يدي نوراً، ومن خلفي نوراً، واجعل لي في نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً".
وفي أخرى (١) "بت عند خالتي ميمونة ... فاقتص الحديث، ولم يذكر غسل الوجه والكفين، غير أنه قال: أتى القربة، فحل شناقها فتوضأ وضوءاً بين الوضوء، ثم أتى فراشه فنام، ثم قام قومة أخرى، فأتى القربة فحل شناقها، ثم توضأ وضوءاً هو الوضوء" وقال فيه: "أعظم لي نوراً" ولم يذكر "واجعلني نوراً".
قوله: (وسبعاً في التابوت).
قال النووي في "شرح مسلم": قال العلماء: معناه: وذكر في الدعاء سبعاً، أي سبع كلمات نسيتها، قالوا: والمراد بالتابوت: الأضلاع وما يحويه من القلب وغيره، تشبيهاً بالتابوت الذي هو كالصندوق يحرز فيه المتاع، أي: وسبعاً في قلبي، ولكن نسيتها. والقائل: "لقيت بعض ولد العباس". هو سلمة بن كهيل- يعني الراوي عن كريب مولى ابن عباس.
أقول: رأينا تعليل سفيان لكون رسول الله ﷺ صلى بعد ما نام دون أن يتوضأ، وهو أنه خاص برسول الله ﷺ ، بأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه ويمكن أن يعلل بأنه أوحي إليه بأنه لم ينتقض وضوؤه، لأن النوم نفسه ليس ناقضاً، وإنما الناقض احتمال خروج شيء من الإنسان إذا نام غير متمكن.
١٩٨٤ - * روى مسلم عن سعد بن هشام ﵁ "أراد أن يغزو في سبيل الله، فقدم المدينة، وأراد أن يبيع عقاراً بها، فيجعله في السلاح والكراع، ويجاهد
стр. 1193
الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة لقي أناساً من أهل المدينة، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطاً ستة أرادوا ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، فنهاهم رسول الله ﷺ ، وقال: أليس لكم في أسوة؟ فلما حدثوه بذلك راجع امرأته- وقد كان طلقها- وأشهد على رجعتها فأتى ابن عباس، فسأله عن وتر رسول الله ﷺ ؟ فقال ابن عباس: ألا أدلك على من هو أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: من؟ قال: عائشة، فائتها فسلها، ثم ائتني فأخبرني بردها عليك. قال: فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بقاربها، لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً، فأبت إلا مضيا، قال: فأقسمت عليه فجاء، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنا عليها، فأذنت لنا، فدخلنا عليها، فقالت: حكيم؟ فعرفته، فقال: نعم، فقالت: من معط؟ قال: سعد بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. فترحمت عليه، وقالت خيراً- قال قتادة: وكان أصيب يوم أحد- فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن قال: فهممت أن أقوم، ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموت، ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ (يا أيها المزمل)؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة، قال: قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت، كنا نعد له سواكه، وطهوره، فيبعثه الله متى شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده (١)
стр. 1194
ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله ﷺ ، وأخذه اللحم، أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني، وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير شهر رمضان، قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال: صدقت، ولو كنت أقربها، أو أدخل عليها، لأتيتها حتى تشافهني به، قال: قلت: لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها".
وفي أخرى (١) لأبي داود قال: "إن عائشة سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ في جوف الليل؟ فقالت: كان يصلي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه ينام، وطهوره مغطى عند رأسه، وسواكه موضوع، حتى يبعثه الله ساعته التي يبعثه من الليل، فيتسوك ويسبغ الوضوء، ثم يقوم إلى مصلاه، فيصلي ثماني ركعات، يقرأ فيهن بأم القرآن وسورة من القرآن، وما شاء الله، ولا يقعد في شيء منها حتى يقعد في الثامنة ولا يسلم، ويقرأ في التاسعة حتى يقعد، فيدعو بما شاء الله أن يدعو، ويسأله، ويسلم تسليمة واحدة شديدة، يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه، ثم يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب، ويركع وهو قاعد، ثم يقرأ في الثانية، فيركع ويسجد وهو قاعد، ثم يدعو بما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم وينصرف، فلم تزل تلك صلاة رسول الله ﷺ حتى بدن، فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الست والسبع والركعتين وهو قاعد، حتى قُبض على ذلك".
وفي أخرى (٢) بهذا الحديث قال: "يصلي العشاء، ثم يأوي إلى فراشه" ولم يذكر الأربع ركعات. وقال فيه: "فيصلي ثماني ركعات، يسوي بينهن بالقراءة والركوع
стр. 1195
والسجود" وقال: "لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة، فإنه كان يجلس، ثم يقوم ولا يسلم، فيصلي ركعة يوتر بها، ثم يسلم تسليمة يرفع بها صوته، حتى يوقظنا ... وساق معناه".
وفي أخرى (١) بمعناه ونحوه، وفيه "كان يخيل إلي أنه سوى بينهن في القراءة والركوع والسجود "ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يضع جنبه، فربما جاء بلال فآذنه بالصلاة: ثم يغفي، وربما شككت: أغفى، أولاً؟ حتى يؤذنه بالصلاة، فكانت تلك صلاته حتى أسن ولحم، فذكرت من لحمه ما شاء الله ... وساق الحديث".
وفي رواية (٢) للنسائي: ثم يضع جنبه، فربما جاء بلال فآذنه بالصلاة قبل أن يغفي، وربما شككت: أغفى، أو لم يغف؟ حتى يؤذنه بالصلاة، فكانت تلك صلاة رسول الله ﷺ ، حتى أسن ولحم- فذكرت من لحمه ما شاء الله.
وله في أخرى (٣)، قالت: "كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلي على نبيه، ويدعو بينهن، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، ويقعد، يذكر كلمة نحوها، ويحمد الله ويصلي على نبيه، ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد- زاد في أخرى (٤): فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني- فلما أسن رسول الله ﷺ ، وأخذ اللحم، أوتر بسبع، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك تسع أي بني. وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها".
الشيعتان هنا: شيعة علي من جهة وشيعة طلحة والزبير من جهة أخرى.
стр. 1196
أقول: الظاهر من هذه الروايات عن عائشة أنها قيلت بعد مقتل عثمان إذ حدثت الفتنة وتنافرت القلوب، والصيغة التي ذكرتها ها هنا عن قيام رسول الله ﷺ هي إحدى الصيغ المأثورة عن قيامه وتهجده ﵊، والأمر في تهجده وقيامه واسع لكثرة الصيغ فيه، وروايتها أنه كان يصلي ركعتين بعد الوتر دليل على جواز التنفل المطلق في الليل بعد الوتر، وأن من تنفل بعد الوتر لا يوتر مرة أخرى.
١٩٨٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين".
وزاد أبو داود في رواية (١) "ثم ليطول بعد ما شاء الله".
١٩٨٦ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة".
١٩٨٧ - * روى أبو يعلى عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت ما رأيت رسول الله ﷺ نائماً قبل العشاء ولا لاغياً بعدها إما ذاكراً فيغنم وإما نائماً فيسلم: قالت عائشة زوج النبي ﷺ قالت السمر لثلاثة لعروس أو مسافر أو متهجد بالليل".
أقول: والسهر جائز لعلم وموعظة وتدارس شؤون المسلمين وعمل دنيوي يكسب فيه الإنسان مالاً حلالاً، ومسألة السهر بعد العشاء والحديث بعده منوطة بالمصالح الدينية والدنيوية المباحة، وللفتوى من أهلها محل في بعض صورها.
стр. 1197
١٩٨٨ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل، فترك قيام الليل".
١٩٨٩ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر".
وفي أخرى (٣) قالت: "كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يجيء المؤذن فيؤذنه".
وفي أخرى (٤) "أن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته- تعني: بالليل- فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة".
وفي أخرى (٥) "أنه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين".
وفي أخرى (٦) قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة
стр. 1198
العشاء- وهي التي يدعو الناس العتمة- إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن: قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة".
وفي أخرى (١) قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها".
وفي أخرى (٢) قالت: "كان [النبي ﷺ ] يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين".
وفي أخرى (٣) عن أبي سلمة "أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي".
وللبخاري (٤) قالت: صلى النبي ﷺ العشاء، ثم صلى ثماني ركعات، وركعتين جالساً، وركعتين بعد النداءين، ولم يكن يدعهما أبداً".
وفي أخرى (٥) له عن مسروق [بن الأجدع] قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة ركعة، سوى ركعتي الفجر".
стр. 1199
ولمسلم (١): "أن رسول الله ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر".
١٩٩٠ - * روى أبو داود عن الفل بن العباس ﵄ قال: "بت ليلة عند رسول الله ﷺ ، لأنظر كيف يصلي من الليل، فقام فتوضأ وصلى ركعتين؛ قيامه مثل ركوعه، وركوعه مثل سجوده، ثم نام، ثم استيقظ فتوضأ، واستنثر، ثم قرأ بخمس آيات من آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ فلم يزل يفعل هكذا حتى صلى عشر ركعات، ثم قام فصلى سجدة واحدة فأوتر بها، ونادى المنادي عند ذلك، فقام رسول الله ﷺ بعد ما سكت المؤذن، فصلى سجدتين خفيفتين، ثم جلس حتى صلى الصبح".
١٩٩١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن أبي قيس قال: قالت عائشة ﵂: "لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله ﷺ كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً".
١٩٩٢ - * روى الطبراني عن الحجاج بن غزنة صاحب رسول الله ﷺ قال: يحسب أحدكم إذا قام من الليل يصلي حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد: المرء يصلي الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة وتلك كانت صلاة رسول الله ﷺ .
١٩٩٣ - * روى أحمد عن ربيعة الجرشي قال: "سألت عائشة ما كان رسول الله ﷺ يقول إذا قام من الليل وبما كان يستفتح؟ فقالت كان يكبر عشراً ويحمد عشراً ويسبح عشراً ويهلل عشراً ويستغفر عشراً ويقول: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني عشراً،
стр. 1200
ويقول اللهم إني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب عشراً".
١٩٩٤ - * روى أحمد عن علي قال: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ست عشرة ركعة سوى المكتوبة.
أقول: هذا يدل على أن كل من علم عن قيام رسول الله ﷺ شيئاً تحدث به وبعضهم ظن أن ما علمه هو الصيغة الوحيدة عن رسول الله ﷺ ، والأمر ليس كذلك، فهذه الرواية تذكر ست عشرة ركعة بعد المكتوبة ولا تذكر الوتر، وراتبة العشاء المؤكدة ركعتان فقط مما يدل على أن قيام رسول الله ﷺ كان يزيد وينقص، وفي ذلك دليل لمن رأى أن قيام الليل لا يتقيد بعدد، وإذا تقيد بعدد فإن باب النفل المطلق مفتوح في الليل والنهار في غير أوقات الكراهة، وفي معنى بعض ما قلنا:
١٩٩٥ - * قال ابن خزيمة: قد كان النبي ﷺ يصلي في بعض الليالي أكثر مما يصلي في بعضن فكل من أخبر من أصحاب النبي ﷺ أو من أزواجه أو غيرهن من النساء أن النبي ﷺ صلى من الليل عدداً من الصلاة، أو صلى بصفة فقد صلى النبي ﷺ تلك الصلاة في بعض الليالي بذلك العدد وبتلك الصفة، وهذا الاختلاف من جنس المباح، فجائز للمرء أن يصلي أي عدد أحب من الصلاة مما روي عن النبي ﷺ أنه صلاهن، وعلى الصفة التي رويت عن النبي ﷺ أنه صلاها لا حظر على أحد في شيء منها.
ما يقول إذا قام يتهجد من الليل:
١٩٩٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان
стр. 1201
النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت" وفي رواية (١): "وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك" وفي رواية (٢): "اللهم لك الحمد، رب السموات والأرض ومن فيهن".
١٩٩٧ - * روى مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵀ قال: سألت عائشة ﵂: بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
١٩٩٨ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 1202
قام من الليل كبر، ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم يقول: "الله أكبر كبيراً"، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه".
وزاد أبو داود (١) بعد قوله: "غيرك" ثم يقول: "لا إله إلا الله" ثلاثاً. وفي آخر الحديث: "ثم يقرأ". وفي رواية (٢) النسائي مثل رواية الترمذي، وله في أخرى مثله.
١٩٩٩ - * روى أبو داود عن عاصم بن حميد ﵀ قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح قيام الليل؟ فقالت: سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبر عشراً، وحمد الله عشراً، وسبح الله عشراً، وهلل عشراً، واستغفر عشراً، وقال: "اللهم اغفر لي واهدني، وارزقني وعافني، كان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة".
٢٠٠٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله، سمعت دعاءك الليلة، وكل الذي وصل إلي منه أنك تقول: "اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي فيما رزقتني". قال: فهل
стр. 1203
تراهن تركن شيئاً؟ ".
- الصلاة في الليل لرفع الفتن:
٢٠٠١ - * روى مالك عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ استيقظ ليلة فزعاً، وهو يقول: "لا إله إلا الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ ماذا أنزل من الخزائن؟ "- وفي رواية (٢): "ماذا فتح من الخزائن-؟ من يوقظ صواحب الحجرات"- يريد: أزواجه- "فيصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة".
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): واختلف في المراد بقوله: كاسية وعارية على أوجه، أحدها: كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب، لعدم العمل في الدنيا، ثانيها: كاسية بالثياب، لكنها شفافة لا تستر عورتها، فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء على ذلك. ثالثها: كاسية من نعم الله، عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب، رابعها: كاسية جسدها، لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها فتصير عارية فتعاقب في الآخرة، خامسها: كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، كما قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، ذكر هذا الأخير الطيبي، ورجحه لمناسبة المقام، واللفظة وإن وردت في أزواج النبي ﷺ ، لكن العبرة بعموم اللفظ، وقد سبق لنحوه الداودي، فقال: كاسية للشرف في الدنيا، لكونها أهل التشريف، وعارية يوم القيامة، قال: ويحتمل أن يراد: عارية في
стр. 1204
النار، قال ابن بطال: في هذا الحديث أن الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال، بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه، وأن يبخل به فيمنع الحق أو يبطر صاحبه فيسرف، فأراد ﷺ تحذير أزواجه من ذلك كله، وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك، وفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة، ولاسيما في الليل لرجاء وقت الإجابة لتكشف أو يسلم الداعي ومن دعا له، وبالله التوفيق.
- الاقتصاد في القيام:
٢٠٠٢ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: كان لنا حصير نبسطه بالنهار ويتحجره رسول الله ﷺ بالليل فيصلي فيه، فتتبع له ناس من المسلمين يصلون بصلاته فعلم بهم، فقال: "إكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". وكان أحب الأعمال إليه ما ديم عليه وغن قل، وكان إذا صلى صلاة أثبتها هذا حديث عبد الجبار.
وقال سعيد بن عبد الرحمن: فسمع به ناس (١٧١ ب) فصلوا بصلاته، وزاد وقال رسول الله ﷺ : "إني خشيت أن أؤمر فيكم بأمر لا تطيقونه".
٢٠٠٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد قال: جاء جبرائيل إلى النبي ﷺ فقال: "يا محمد عش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس".
٢٠٠٤ - * روى أبو يعلى عن ابن عباس قال: تذكرت قيام الليل فقال بعضهم:
стр. 1205
إن رسول الله ﷺ قال: "نصفه ثلثه ربعه فواق حلب ناقة فواق حلب شاة".
٢٠٠٥ - * روى ابن خزيمة عن علي بن أبي طالب قال: دخل رسول الله ﷺ علي وعلى فاطمة من الليل، فقال لنا: "قوما فصليا"، ثم رجع إلى بيته، فلما مضى هوي من الليل، رجع فلم يسمع لنا حساً، فقال: "قوما فصليا"، قال: فقمت وأنا أعرك عيني، فقلت: يا رسول الله والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله إذا شاء يبعثنا بعثنا، فولى رسول الله ﷺ وهو يضرب بيده على فخذه، وهو يقول: "ما نصلي إلا ما كتب الله لنا! "، " ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ " (١).
٢٠٠٦ - * روى أبو يعلى عن علي بن أبي طالب قال: "كان النبي ﷺ يصلي من الليل التطوع: ثماني ركعات وبالنهار اثنتي عشرة ركعة".
٢٠٠٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: "لا تغالبوا هذا الليل فإنكم لن تطيقوه فإذا نعس أحدكم فلينصرف إلى فراشه فإنه أسلم له".
стр. 1206
الفقرة السادسة:
في نوافل تتكرر يومياً ولها سبب
- تحية المسجد:
٢٠٠٨ - * روى الجماعة عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
وعند أبي داود "فليصل سجدتين".
وله في أخرى (١) زيادة "ثم ليقعد بعد إن شاء، أو ليذهب لحاجته".
وفي أخرى للبخاري (٢) ومسلم (٣) قال: "دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قال: فقلت: يا رسول الله، رأيتك جالساً والناس جلوس، قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين".
٢٠٠٩ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان لي على النبي ﷺ دين، فقضاني وزادني، فدخلت عليه المسجد، فقال: صل ركعتين".
стр. 1207
٢٠١٠ - * روى ابن خزيمة عن ابن لاس الخزاعي قال: دخل عمار بن ياسر المسجد فركع فيه ركعتين أخفهما، وأتمهما، قال: ثم جلس فقمنا إليه فجلسنا عنده ثم قلنا له: لقد خففت ركعتيك هاتين جداً با أبا اليقظان، فقال: فقال: إني بادرت بهما الشيطان أن يدخل علي فيهما.
- سنة الوضوء:
٢٠١١ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال نبي الله ﷺ لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك منفعة في الإسلام، فإني قد سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة". فقال: ما عملت يا رسول الله في الإسلام عندي عملاً أرجى منفعة من أني لم أتطهر طهوراً تاماً قط في ساعة من ليل. أو نهار إلا صليت بذلك الطهور لربي ما كتب لي أن أصلي.
٢٠١٢ - * روى أبو داود عن زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما، غفر له ما تقدم من ذنبه".
٢٠١٣ - * روى مسلم عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنة".
стр. 1208
٢٠١٤ - * روى أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قبض فيه، فقال: يا ابن أخي ما أعملك إلى هذا البلد أو ما جاء بك؟ قال: قلت: لا إلا صلة ما كان بينك وبين والدي عبد الله بن سلام. فقال: بئس ساعة الكذب هذه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام فصلى ركعتين أو أربعاً- شك سهل- يحسن فيهما الركوع والخشوع ثم استغفر الله غفر له".
- صلاة دخول المنزل والخروج منه:
٢٠١٥ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا دخلت منزلك فصل ركعتين تمنعانك مدخل السوء وإذا خرجت من منزلك فصل ركعتين تمنعانك مخرج السوء".
стр. 1209
مسائل وفوائد
ذكر فقهاء المالكية الصلوات ذوات السبب فأوصلوها كما ذكر صاحب (الفقه الإسلامي وأدلته) إلى ثنتي عشرة قال: (ماله سبب: وهي عشرة: الصلاة عند الخروج إلى السفر، وعند الرجوع منه، وعند دخول المنزل، وعند الخروج منه، وصلاة الاستخارة: ركعتان، وصلاة الحاجة: ركعتان، وصلاة التسبيح: أربع ركعات، وركعتان بين الأذان والإقامة، وأربع ركعات بعد الزوال، وركعتان عند التوبة، وزاد بعض المالكية: ركعتين عند الدعاء، وركعتين لمن قدم للقتل اقتداء بخبيب بن عدي ﵁.
وهذه الصلوات ذوات السبب منها ما يتكرر يومياً ومنه ما هو مرتبط بمناسبة: ولما كان قد خصصنا هذا الباب للصلوات التي تتكرر يومياً فقد اخترنا من هذه الصلوات ما هو ألصق بذلك لكنا أدخلنا ما اخترناه في أكثر من فقرة من فقرات هذا الباب، فصلاة التسبيح جعلناها في فقرة مستقلة ستأتي معنا لأنه يجوز للإنسان أن يصليها يومياً كما يجوز له أن يصليها أسبوعياً أو شهرياً أو سنوياً أو عمرياً فخصصناها بفقرة، وقد مرت معنا بمناسبة الكلام عن السنن الرواتب الصلاة بين الأذانين والصلاة بعد الزوال وخصصنا هذه الفقرة التي مرت معنا بذكر سنتي دخول البيت والخروج منه، ولما كان الفقهاء ومنهم المالكية يذكرون من السنن ذوات السبب والتي تتجدد يومياً سنة تحية المسجد وسنة الوضوء فقد أدخلناهما في هذه الفقرة وإن لم يذكرا مع هذه الاثنتي عشرة صلاة، وستمر معنا في أبواب لاحقة بقية الصلوات التي لها سبب بمناسباتها الألصق بها.
لا تصلى عند الحنفية النوافل ذوات السبب كتحية المسجد وسنة الوضوء ولا غيرها من النوافل في أوقات النهي الخمسة وهي: ما بعد فريضة الصبح وما بعدها فريضة العصر وعند طلوع الشمس وقبيل زوالها وعند غروبها، ويجوز عند الشافعية قضاء النوافل في أي وقت كما تجوز صلاة النوافل ذوات السبب غير المتأخر والمقارن في أي وقت: كالكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة وركعتي الطواف، وكتحية
стр. 1210
المسجد وسنة الوضوء وسجدة الشكر، وأما الصلاة ذات السبب المتأخر كركعتي الاستخارة والإحرام فإنها لا تنعقد في الأوقات المنهي عنها.
стр. 1211
الفقرة السابعة:
في النفل المطلق
٢٠١٦ - * روى ابن خزيمة عن عمرو بن عنبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ في أول ما بعث وهو بمكة، وهو حينئذ مستخف، فقلت: ما أنت؟ قال: "أنا نبي". قلت: وما النبي؟ قال: "رسول الله". قال: آالله أرسلك؟ قال: "نعم". قلت: بم أرسلك؟ قال: "بأن نعبد الله، ونكسر الأوثان، ودار الأوثان، ونوصل الأرحام". قلت: نعم ما أرسلك به. قلت: فمن تبعك على هذا؟ قال: "عبد وحر" يعني أبا بكر وبلالاً. فكان عمرو يقول: رأيتني وأنا ربع الإسلام- أو رابع الإسلام- قال فأسلمت. قالت: أتبعك يا رسول الله؟ قال: "لا. ولكن الحق بقومك، فإذا أخبرت إني قد خرجت فاتبعني". قال: فلحقت بقومي، وجعلت أتوقع خبره، وخروجه، حتى أقبلت رفقة من يثرب، فلقيتهم فسألتهم عن الخبر. فقالوا: قد خرج رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، فقلت: وقد أتاها؟ قالوا: نعم. أنت الرجل الذي أتاني بمكة". فجعلت أتحين خلوته، فلما خلا قلت: يا رسول الله علمني مما علمك الله وأجهل. قال: "سل عما شئت" قلت: أي الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر فصل ما شئت" فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلي الصبح، ثم أقصر حتى تطلع الشمس، فترتفع قيد رمح أو رمحين، فإنها تطلع بين قرني الشيطان وتصلي لها الكفار. ثم صل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله، ثم اقصر فإن جهنم تسجر وتفتح أبوابها، فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلي العصر، ثم اقصر حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين
стр. 1212
قرني الشيطان وتصلي لها الكفار. وإذا توضأت فاغسل يديك، فإنك إذا غسلت يديك خرجت خطاياك من أطراف أناملك. ثم إذا غسلت وجهك خرجت خطاياك من وجهك. ثم إذا مضمضت واستنثرت خرجت خطاياك من مناخرك، ثم إذا غسلت يديك خرجت خطاياك من ذراعيك، ثم إذا مسحت برأسك خرجت خطاياك من أطراف شعرك، ثم إذا غسلت رجليك خرجت خطاياك من رجليك، فإن ثبت في مجلسك كان ذلك حظك من وضوئك، وإن قمت فذكرت ربك، وحمدت، وركعت ركعتين مقبلاً عليهما بقلبك، كنت من خطاياك كيوم ولدتك أمك".
قال: قلت يا عمرو: اعلم ما تقول، فإنك تقول أمراً عظيماً. قال: والله لقد كبرت سني، ودنى أجلي، وإني لغني عن الكذب، ولو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين ما حدثته، ولكني قد سمعته أكثر من ذلك.
هكذا حدثني أبو سلام عن أبي أمامة إلا أن أخطئ شيئاً لا أريده، فأستغفر الله وأتوب إليه.
أقول: يلاحظ في هذا النص ورود أقواله ﵊ الآتية: أي الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر فصل ما شئت". وبعد ارتفاع الشمس قال رسول الله ﷺ : (ثم صل ما شئت) ثم قوله ﵊: (فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت)، نلاحظ في هذه الأوقات الثلاثة أن الرسول ﷺ أطلق للصحابي أن يصلي ما شاء بدون تقيد بعدد، وقد مر معنا من قبل أن حذيفة صلى في المسجد بعد المغرب حتى دخل وقت العشاء، ذلك كله يفيد أن النفل المطلق جائز في غير الأوقات المنهي عنها، وهو الذي ذهب إليه أئمة الاجتهاد، والمذاهب الأربعة على ذلك.
وقد مرت معنا بمناسبات متعددة أدلة تدل على ذلك، وههنا نقتصر على ذكر بعض أدلة ذلك ومنها النص الذي مر معنا.
стр. 1213
٢٠١٧ - * روى أبو داود عن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة زوج النبي ﷺ عن قراءة النبي ﷺ وصلاته؟ فقالت: وما لكم وصلاته؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى، حتى يصبح، ثم نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً".
وفي أخرى (١) للنسائي "أنه سألها عن صلاة النبي ﷺ ؟ فقالت: كان يصلي العتمة، ثم يسبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك، فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح".
أقول: الملاحظ أن أم سلمة ﵂ لم تقيد صلاة رسول الله ﷺ في الليل بعدد في هذه الرواية مما يدل على أن الأمر واسع، وإلا لو كان في الأمر تضييق لذكرت العدد لأنه يناسب السؤال.
٢٠١٨ - * روى البزار عن ابن عباس قال: كانت مولاة للنبي ﷺ تصوم النهار وتقوم الليل فقيل له إنها تصوم النهار وتقوم الليل. فقال رسول الله ﷺ : "إن لكل عمل شرة والشرة إلى فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل".
أقول: تبيان رسول الله ﷺ أنه تمر على الإنسان حالات ينشط فيها للعمل ثم تعقبها فترة، وعلى الإنسان في هذه الحالة أن تكون فترته إلى سُنة،
стр. 1214
يدل على أنه لا حرج لمن كان عنده نشاط أن يقبل على الله بما شاء من النوافل المطلقة، وإن لم تكن من دأب رسول الله ﷺ .
٢٠١٩ - * روى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر".
٢٠٢٠ - * روى أحمد عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : "الصلاة خير موضوع، من شاء أقل ومن شاء أكثر".
أقول: يلاحظ أن النص الوارد عن أبي هريرة ذكر عن رسول الله ﷺ قوله عن الصلاة: "فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر" وأن رواية أبي ذر: (من شاء أقل ومن شاء أكثر) فهذان الإطلاقان أخذ منهما الأئمة جواز النفل المطلق في غير أوقات النهي بلا عدد محدد.
٢٠٢١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله تعالى: من عادى لي ولياً، فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذ بي أعذته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن نف المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته".
أقول: في قوله ﵊ عن الله في هذا الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل" ما يفيد الإطلاق، ومن ههنا وغيره أجاز الفقهاء النفل المطلق في الصلاة إلا في الأوقات المنهي عنها، كما أجازوا الإكثار من الذكر وتلاوة القرآن بقدر نشاط الإنسان، وقل مثل ذلك في كل نافلة لم يرد فيها
стр. 1215
نهي يخصص إطلاقها.
٢٠٢٢ - * روى ابن خزيمة عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب إن كان إليكم من الأمر شيء فلا أعرفن ما منعتم أحداً يصلي عند هذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار".
هذا لفظ حديث ابن جريج، غير أن أحمد بن المقدام قال:
إن كان لكم من الأمر شيء، وقال: أي ساعة من ليل أو نهار.
أقول: هذا النص وإن كان وارداً في الصلاة في المسجد الحرام إلا أن فيه إطلاق الصلاة دون تقييد للبحث عن العدد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ مدة مكثه بمكة في حجه وعمراته بعد الهجرة، مما يستأنس به لجواز النفل المطلق، ولكن لورود النهي في غير هذا المقام عن الصلاة في الأوقات الخمسة ولذلك قيدنا جواز النفل المطلق لئلا تقع في هذه الأوقات.
٢٠٢٣ - * روى ابن خزيمة عن محمود بن الربيع الأنصاري قال: قال لي عتبان بن مالك:
فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: "أين تحب أن أصلي في بيتك"؟ قال: فأشرت له إلى ناحية البيت، فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين، ثم سلم.
أقول: يحتمل أن يراد بهذه الصلاة سنة الضحى أو سنة دخول البيت كما تحتمل النفل المطلق وفي النص دلالة على أن الصحابة كانوا يتبركون بأن يصلوا حيث صلى رسول الله ﷺ ، والمهم أن الأمر بالإقبال على الله بالنوافل واسع لا كما يريد بعض الناس أني ضيقه، فذلك نوع من المنع عن الخير إذا لم يرد نص يدل على
стр. 1216
المنع عن شيء بخصوصه.
٢٠٢٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: إنك ما كنت في صلاة فإنك تقرع باب الملك ومن يكثر قرع باب الملك يوشك أن يفتح له.
أقول: يلاحظ أن عبد الله بن مسعود ذكر الإكثار من قرع باب الله بالصلاة دون تقييد بعدد مما يدل على جواز النفل المطلق.
٢٠٢٥ - * روى الطبراني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مر بقبر فقال: من صاحب هذا القبر؟ فقالوا: فلان، فقال: "ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم".
٢٠٢٦ - * روى مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وبحاجته، فقال لي: اسألني، فقلت: إني أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك، قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود".
٢٠٢٧ - * روى مسلم عن معدان بن أبي طلحة قال: "لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الجنة- أو قلت: بأحب الأعمال إلى الله- فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة. قال معدان: ثم أتيت أبا
стр. 1217
الدرداء فسألته، فقال مثل ما قال لي ثوبان.
أقول: في النصين الأخيرين ندب إلى كثرة السجود بإطلاق دون تقييد بعدد وذلك من أدلة جواز النفل المطلق عند العلماء.
فائدة: الإكثار من التعبد ليس ببدعة.
من أهم الكتب التي ألفت في موضوع جواز النفل المطلق والإكثار من التعبد وأكثرها فوائد وأغرزها علماً وتحقيقاً كتاب (إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة) للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله، وسبب تأليف الكتاب كما ذكر المؤلف في المقدمة أنه سمع قائلاً يقول: الاجتهاد في التعبد كإحياء الليل كله وقراءة القرآن في ركعة وأداء ألف ركعة ونحو ذلك مما نقل عن الأئمة: بدعة وكل بدعة ضلالة.
فجاء الكتاب في أصلين ومقصدين وخاتمة، ولغزارة فوائد هذا الكتاب ودقة تحقيقه وشموله فإننا سنقتطف أجزاء من كلامه تفي بالمقصود وتعطي القارئ تصوراً عاماً عنه ومن أراد المزيد فعليه بالكتاب فإنه مهم.
وقد خصص المؤلف الأصل الأول للحديث عن البدعة وحكم الصحابة والتابعين ومما قاله ﵀ عن ذلك: (... البدعة: ما لم يكن في القرون الثلاثة، ولا يوجد له أصل من الأصول الأربعة): أي القرآن والسنة والإجماع والقياس، ونقل عن المحقق التفتازاني كلاماً منه (البدعة المذمومة هو المحدث في الدين، من غير أن يكون في عهد الصحابة والتابعين، ولا دل عليه الدليل الشرعي. ومن الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في زمن الصحابة بدعة مذمومة وإن لم يقم دليل على قبحه، تمسكاً بقوله ﵇: "إياكم ومحدثات الأمور". ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل في الدين ما ليس منه).
ونقل عن كتاب "مجالس الأبرار": البدعة لها معنيان، أحدهما لغوي عام، وهو: المحدث مطلقاً، سواء كان من العادات أو العبادات. والثاني شرعي خاص، وهو: الزيادة في الدين أو النقصان منه بعد الصحابة، بغير إذن الشارع لا قولاً ولا
стр. 1218
فعلاً ولا صريحاً ولا إشارة. وعمومها في الحديث بحسب معناها الشرعي. انتهى ملخصاً.
وقال أيضاً: وفي "حواشي الطريقة المحمدية" لخواجه زادة: قوله: بعد الصحابة ... أما الحادث في زمن الخلفاء الراشدين فليس ببدعة، لأن سنتهم كسنة الرسول، بدليل الأمر بالتمسك بسنتهم.
ومما ذكره في كتابه: أن ما وقع في زمن الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ من الأمور المحدثة وأنكروه فهو بدعة ضلالة، وما لم ينكروه بل وجد منهم الرضى والتوافق فليس ببدعة شرعية، وإن أطلق عليه بدعة بالمعنى العام فيقيد بأنه بدعة حسنة وإنما أطلق عليه اسم البدعة بالمعنى اللغوي وهو المحدث مطلقاً لا الشرعي كما سبقت الإشارة إليه ... واعلم أن ما فعله الصحابة إما أن يكون موافقاً لنص من كتاب أو سنة فالأخذ به أولى وإن لم يعرف في العهد النبوي لظهور اندراجه في أصول الشرع وإما أن يكون مخالفاً لما ورد عن النبي ﷺ فيجمع بينهما حتى الوسع بحيث لا يخرج ما فعله الصحابي عن حيز الشرع فإن لم يكن ذلك فلا نأخذ به لورود النص المخالف ويعذر الصحابي بعدم علمه بذلك النص وإلا لم يقل بخلافه، وإن وجدنا قولاً أو فعلاً من صحابي ولم نجد في الكتاب والسنة ما يخالفه ولا يوافقه فالأخذ بفعل الصحابي أو قوله أولى من تركه. ثم قال:
فإن قلت: إذا اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أمر محدث فأولوية الأخذ به ظاهر، وأما إذا اختلفوا فيه فماذا يفعل؟
قلت: يتخير فيه الآخذ بأيهم اقتدى اهتدى، كما نص عليه الأصوليون في كتبهم.
وأما الحادث في زمان التابعين وتابعيهم فالتفصيل فيه: هو التفصيل المذكور سابقاً، فإن كان المحدث في أزمنتهم قد وقع النكير منهم عليه كان بدعة. وإلا فليس ببدعة.
[أقول: العبرة لنكير أئمة الاجتهاد وإجماعهم أما إذا لم يجمعوا فالأمر واسع].
وأما الحادث بعد الأزمنة الثلاثة: فيعرض على أدلة الشرع، فإن وجد نظيره في
стр. 1219
العهود الثلاثة أو دخل في قاعدة من قواعد الشرع: لم يكن بدعة، لأنها عبارة عما لا يوجد في القرون الثلاثة وليس له أصل من أصول الشرع، وإن أطلقت عليه: (البدعة) قيدته بـ (الحسنة). وإن لم يوجد له أصل من أصول الشرع صار بدعة ضلالة وإن ارتكبه من يعد من أرباب الفضيلة أو من يشتهر بالمشيخة، فإن أفعال العلماء والعُبَّاد ليست بحجة ما لم تكن مطابقة للشرع. اه. هـ هذا فيما يتعلق بالبدعة وأن ما فعله الصحابة أو الأئمة من التابعين وتبعهم وما فعل في زمانهم ن غير نكير منهم ليس ببدعة. ثم ذكر الأصل الثاني:
(في ذكر جماعة من الذين اجتهدوا في العبادة، وصرفوا تمام أعمارهم في الجهاد في الطاعة، على سبيل الاختصار، إذ الإحاطة بأحوال جميع المجاهدين مما يقصر عنه البشر، إنما هو شأن خالق القوى والقدر) فذكر ستاً من الصحابة هم: عثمان وعلي وتميم الداري وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وشداد بن أوس ﵃ وذكر من التابعين ثمانية عشر إماماً عرفوا بالاجتهاد والإكثار من العبادة منهم: أويس القرني ومسروق وابن المسيب وثابت البناني وسعيد بن جبير ومالك بن دينار، ثم ذكر أحد عشر رجلاً من بعد التابعين منهم: إبراهيم بن أدهم وشعبة بن الحجاج والشافعي وأحمد بن حنبل ووكيع، وأضاف المحقق- الشيخ عبد الفتاح أبو غدة- سبعة آخرين تمم بها بعض مقاصد الكتاب وفوائده ونقل تحقيقاً نافعاً عن الإمام النووي حول الإكثار من تلاوة القرآن ونحو ذلك فليراجع (ص ١٩٨).
ثم شرع الإمام اللكنوي ﵀ في بيان المقصد الأول وهو في إثبات أن مثل هذه الاجتهادات في العبادة ليست ببدعة وضلالة لوجوه: [ونقتطف من كلامه ما يلي]:
الأول: أنه قد وُجد الاجتهاد في العبادة حسب الطاقة من الصحابة والتابعين وتابع التابعين من غير إنكار أحد منهم، وكل ما كان كذلك: فهو ليس ببدعة.
الثاني: أنه قد وُجِد بعض ذلك من بعض الخلفاء، كعمر وعثمان كما مر في الأصل الثاني وكل ما وجد منهم من غير نكير: سُنَّة، فإن السنة ليست مختصة بما فعله النبي
стр. 1220
صلى الله عليه وسلم، بل تعمه وتعم ما فعله الخلفاء- كلهم أو بعضهم- وما شرعوا في الدين ورضوا به وإن لم يباشروا به.
الثالث: أنه قد وُجد ذلك من الأئمة المجتهدين وأجلة الفقهاء والمحدثين، فإن كان ذلك بدعة وضلالة: لزم كونهم مبتدعين ضالين، واللازم باطل بإجماع من يعتد به من المسلمين.
الرابع: أن أجلة المؤرخين الذين هم المعتمد عليهم بين المسلمين، وقد اشتهر ورعهم في الدين وتحرزهم عن الابتداع في الدين، قد أوردوا في تصانيفهم في تراجم العلماء ذكر اجتهادهم في العبادة وأدرجوا ذلك مدرج المدح والجلالة، وهذا أدل دليل على عدم اشتهارهم ببدعة عندهم، فإن المدح بما هو بدعة ليس من شأن العلماء.
الخامس: أنه قد ثبت ذلك من النبي ﷺ ، وكل ما ثبت منه ليس ببدعة.
٢٠٢٨ - * روى البخاري عن عائشة "كان النبي ﷺ ليقوم- أو ليصلي- حتى ترم قدماه، فيقال له؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ".
فإن قلت لم يثبت أنه ﷺ قام ليلة كلها أو قرأ القرآن في ركعة أو زاد على إحدى عشرة ركعة.
قلت: أولاً: إنه قد ثبت إحياء الليل من النبي ﷺ ، وهو سهر الليل كله للعبادة أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في "كتاب التفكر".
٢٠٢٩ - * روى ابن حبان في "صحيحه" وابن مردويه والأصبهاني في كتاب "الترغيب والترهيب" وابن عساكر، عن عطاء قال: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ ، قالت: وأي شأنه لم يكن عجباً؟ .. إنه أتاني ليلة فدخل معي لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي فقام فتوضأ ثم قام يصلي، فبكى حتى
стр. 1221
سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقلت: يا رسول الله، وما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم لا أفعل وقد أنزل الله علي هذه الليلة (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) (١) ... الآيات.
فدل ذلك على أن نفي عائشة قيام الليل كله محمول على غالب أوقاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكذلك خبر عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة محمول على ما هو الأغلب، وإلا فقد ثبت بروايات متعددة الزيادة على ذلك إلى خمس عشرة ركعة. كذا ذكره النووي في "شرح صحيح مسلم".
وثانياً: [وإن سلمنا] أنه ﷺ لم يقم ليلة كلها ولا قرأ القرآن في ليلة ولا زاد على إحدى عشرة ركعة- نقول: قد ثبت منه مثله وما يشبهه في التشدد، وهو قيامه حتى تورمت قدماه، وذلك كاف في ارتفاع اسم البدعة عن هذه الاجتهادات، فإن البدعة: ما لا يكون هو ولا مثله في العهد النبوي، وليس بشرط أن يثبت كل جزئي من جزئيات العبادة منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وثالثاً: أنه وإن لم [يتجشم] هذه الاجتهادات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شفقة على أمته، فقد تجشمه من أمرنا رسول الله بالاهتداء بسنتهم والسلوك على مسلكهم، فكيف يكون بدعة؟ كما مر ذكر ذلك.
السادس: أنه قد أجاز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العبادة على حسب الطاقة.
٢٠٣٠ - * روى أبو داود عن عائشة قالت: إن رسول الله قال: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله
стр. 1222
أدومه وإن قل، وكان إذا عمل عملاً أثبته".
٢٠٣١ - * وروى البخاري عنها مرفوعاً "عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل حتى تملوا".
وإذا ثبت جواز العمل حسب الطاقة إلى أن لا يحصل الإعياء والملل فنقول: طاقة الناس مختلفة، فكم من رجل يطيق شيئاً ولا يطيقه آخر؟ وكم من رجل يمل من شيء ولا يمل منه آخر؟ وكم من رجل أعطي السرعة في القراءة ولم ينلها الآخر.
فمن أطاق كثرة العبادة والقراءة وقيام الليل ونحو ذلك من دون حصول ملل يجوز له ذلك، بالأحاديث السابقة، ومن حصل له ملل أو عرض له خلل لزم له ترك ذلك. فالحكم بأن الزيادة على ما فعله رسول الله ﷺ مطلقاً غير جائزة: خطأ فاحش.
ثم شرع الإمام اللكنوي ﵀ في المقصد الثاني وهو في دفع الشبهات الواردة على المجاهدات وذكر عبارات العلماء في جواز التشدد، بالشروط العديدة فقال: "اعلم أنه قد ورد بعض الأخبار في المنع عن التشدد في العبادة، فظن منها الظانون أنه منهي عنه مطلقاً، ولم يتأملوا ما هو مورد النهي وما ليس بمورد النهي.
وساق عدداً من هذه الأخبار ثم أجاب عنها بما مضمونه:
- أن النبي ﷺ لم يمنع من كثرة الصلاة بل أجاز العمل بحسب الطاقة وإلى أن لا يسأم العامل فيترك العمل.
- أو أنه نهى من علم من حاله أنه لا يتمكن من الدوام على ما التزمه فهذه إلى سبيل الرخصة وعلله بأن لنفسه عليه حقاً، ولأهله عليه حقاً، وبأنه إذا فعل ذلك ضعفت عينه، ونهك بدنه (١)، فدل ذلك على أن الجهاد (٢) بحيث يورث ملال الخاطر وكسله، أو يخل بشيء من الحقوق الشرعية: ممنوع عنه (٣). ولا دلالة له على منعه مطلقاً.
стр. 1223
- أو أن هناك من التزم العبادة وترك الحقوق الواجبة كما حدث لأبي الدرداء حينما اعتزل زوجه فهذا يدل على أن التشدد بحيث يفضي إلى الفتور في الحقوق (هو المنهي عنه، لا مطلقاً).
وأما عن حديث رهط من الصحابة، فهو أنهم تقالوا عمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وظنوا أنه إنما لا يجتهد لكونه مغفوراً له، وأوجبوا على أنفسهم ما لم يوجبه الله، وأعرضوا عن الطريقة السهلة، فلذلك زجرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، وهداهم إلى طريقته، وقال: "من رغب عن سنتي". أي أعرض عنها غير معتقد حسن ما أنا عليه، كما ظنه ذلك النفر من الصحابة "فليس مني". أي ليس ممن يسلك مسلكي ويهتدي بهديي، ولا دلالة له على أنه إذا اجتهد رجل حسب طاقته غير موجب ما لم يوجبه الله وغير مفضل مسلكه على المسلك النبوي لا يجوز ذلك.
أو أن النهي ورد على قوم حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله، وأوجبوا على أنفسهم ما لم يوجبه الله، فنهوا عن ذلك، ولا دلالة له على نفي التشدد مطلقاً، بل على التزامه بحيث يورث إلى إبداع أمر في الشرع ليس منه.
ونقل عن البركلي تحقيقاً لدفع التعارض بين هذه الأحاديث وبين مجاهدات السلف ما مضمونه أن المنع عن التشديد في العبادة. إما أن يفضي إلى إهلاك النفس أو إضاعة الحق الواجب للغير أو ترك العبادة أو ترك مداومتها، وإما أن النبي ﷺ وكونه أرسل رحمة للعالمين. ومؤيد من عند الله فيقوى على ما لا يقوى عليه آحاد الأمة، وإنه أخشى الناس من الله وأتقاهم وأعلمهم بالله، فلا يتصور منه البخل وترك النصح، ولا التواني والتكاسل، ولا الجهل في أمر الدين، فلو كان في العبادة والقرب من الله طريق أفضل وأنفع غير ما هو عليه لفعل أو بيَّنه وحث عليه، فيجزم قطعاً أن ما هو عليه أفضل وأقرب إلى معرفة الله.
فيحمل ما روي عنهم على أنهم إنما فعلوا ذلك التشديد إما مداواة لأمراض
стр. 1224
القلوب، أو يكون العبادة عادة لهم وطبعاً كالغذاء للصحيح، فيتلذذون بها بلا إضاعة حق ولا ترك مداومة ولا اعتقاد أنه أفضل مما عليه أفضل البشر أو قاله.
وأما نبينا ﵌ فقد بلغ الدرجة العليا من الكمال، وهي أن لا يمنعه عن توجه القلب شيء، لا التكلم مع الخلق ولا الأكل ولا الشرب ولا النوم ولا ملامسة النساء. ويكون الخلطة والعزلة سواء، فاقتصاره على بعض العبادات الظاهرة لكونها أفضل له ولأمته. وتلذذه ﵇ دائم لا يختص بالعبادة الظاهر، ومما قاله اللكنوي في هذا المقام نقلاً عن كتاب "الحديقة الندية للنابلسي": فالحاصل: أن السلف الماضين اختاروا العزائم في أنفسهم لأنهم أهل الهمم والعزائم، وكانوا معترفين بصحة الرخص الشرعية يفتون بها للعامة، ويحرضونهم على فعلها. كما كان النبي ﷺ يفعل أحياناً: يأمر بالرخص ويفعل بالعزائم، كما أخبر في قضية صوم الوصال". انتهى كلامه ملخصاً.
ثم قال اللكنوي: وخلاصة المرام في هذا المقام- وهو الذي أختار تبعاً للعلماء الكرام:
أن قيام الليل كله، وقراءة القرآن في يوم وليلة مرة ومرات، وأداء ألف ركعة أو أزيد من ذلك، ونحو ذلك من المجاهدات والرياضات ليس ببدعة، وليس بمنهي عنه في الشرع، بل هو أمر حسن مرغوب إليه، لكن بشروط:
أحدها: أن لا يحصل من ذلك ملال الخاطر، يفوت به التذاذ العبادة وحضور القلب، يؤخذ ذلك من حديث: "ليصل أحدكم نشاطه". أي مدة نشاط خاطره وسرور طبيعته.
وثانيها: أن لا يتحمل بذلك على نفسه مشقة لا يمكن له تحملها بل يكون ذلك مطاقاً له، يؤخذ ذلك من حديث: "عليكم من الأعمال ما تطيقون".
وثالثها: أن لا يفوت بذلك ما هو أهم من ذلك، مثلاً إن كان قيامه بالليل
стр. 1225
يفوت صلاة الصبح لا يجوز له قيام الليل كله، فإن أداء الفرض أهم من أداء النوافل.
ورابعها: أن لا يفوت بذلك حق من الحقوق الشرعية، كحق الأهل والأولاد والضيف وغير ذلك، يؤخذ ذلك من قصة عبد الله بن عمرو وأبي الدرداء.
وخامسها: أن لا يكون فيه إبطال للرخص الشرعية بحيث يعد الترخيص الشرعي باطلاً والعامل بالرخص عاطلاً، يؤخذ ذلك من حديث الصحابة الذين تقالوا عمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وسادسها: أن لا يكون فيه إيجاب ما ليس بواجب في الشرع وتحريم ما لم يحرم في الشرع، يؤخذ من حديث عثمان بن مظعون.
وسابعها: أن يوفي أركان العبادات حظها، فلا يجوز أن يكثر من ركعات الصلاة ويؤديها كنقر الديك، أو يكثر قراءة القرآن من غير تدبر وترتيل ونحو ذلك، وعليه يحمل قوله ﵇: "لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث" ...
وثامنها: أن يدوم على ما يختار من العبادة لا يتركه إلا لعذر، يؤخذ ذلك:
٢٠٣٢ - * روى مسلم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".
وتاسعها: أن لا يكون اجتهاده مورثاً للملال إلى أحد من المسلمين، كأن يجتهد في قراءة السور الطوال أو تمام القرآن في صلاة الجماعة، فإن ذلك مما يورث ملال المقتدين. فإن فيهم الضعيف والسقيم وصاحب الحاجة ...
عاشرها: أن لا يكون اجتهاده مورثاً إلى اعتقاد أنه أفضل عملاً مما كان عليه
стр. 1226
رسول الله ﷺ وأكثر أصحابه من تقليل العمل.
فمن وجدت فيه هذه الشروط فالتشدد في العبادة أحق له؛ وأصحاب الرياضات السابقين كانوا جامعين لهذه الشروط فجاز لهم ذلك، ولم ينكر عليهم أحد ذلك. ومن فات له شرط منها فالاقتصاد في العمل والتوسط أليق له. هذا هو الطريق الوسط الذي يرتضيه كل منصف، لا إفراط فيه ولا تفريط مما يذهب إليه كل متعسف. ولعل هذا التحقيق الأنيق مما لم يقرع سمعك به أحد من السابقين! فخذه بقوة وكن من الشاكرين. اهـ.
مقتطفاً من كتاب الإمام اللكنوي بتحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة.
стр. 1227
الفقرة الثامنة:
في صلاة التسابيح
٢٠٣٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس وأبي رافع ﵃ أن النبي ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: "يا عباس، يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أجيزك، ألا أفعل بك؟ عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك: أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته! عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم، قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر- خمس عشرة مرة- ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي كل عمرك مرة".
ولأبي داود في أخرى (١) عن أبي الجوزاء: حدثني رجل كانت له صحبة- يرون
стр. 1228
أنه عبد الله بن عمرو- قال: "ائتني غداً أحبوك، وأثيبك، وأعطيك، حتى ظننت أنه يعطيني عطية، قال: "إذا زال النهار فقم فصل أربع ركعات" ... فذكر نحوه، قال: ثم ترفع رأسك- يعني: من السجود- وفي نسخة من السجدة الثانية- فاستو جالساً ولا تقم حتى تسبح عشراً، وتهلل عشراً وتحمد عشراً، وتكبر عشراً، ثم تصنع ذلك في الأربع ركعات، قال: فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنباً غفر لك بذلك، قلت: فإن لم أستطع أن أصليها تلك الساعة؟ قال: صلها من الليل والنهار".
قال أبو داود: رواه أبو الجوزاء عن عبد الله بن عمرو موقوفاً.
وفي رواية الأنصاري (١) "أن رسول الله ﷺ قال لجعفر بهذا ... الحديث، فذكر نحوه- قال: في السجدة الثانية من الركعة الأولى".
وأخرجه الترمذي (٢) عن أبي رافع قال: قال النبي ﷺ للعباس: يا عم، ألا أصلك ألا أحبوك، ألا أنفعك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: يا عم، صل أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا انقضت القراءة فقل: الله أكبر، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، خمس عشرة مرة قبل أن تركع ... وذكر مثله، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، وهي ثلاثمائة في أربع ركعات، فلو كانت ذنوبك مثل رمل عالج غفرها الله لك، قال: يا رسول الله، ومن لم يستطع أن يقولها في يوم؟ قال: إن لم تستطع أن تقولها في يوم فقلها في جمعة، فإن لم تستطع أن تقولها في جمعة فقلها في شهر، فلم يزل يقول له حتى قال: فقلها في سنة".
أقول: وقد نمي إلي أثناء عملي في الكتاب أن بعض فضلاء عصرنا ضعف هذا
стр. 1229
الحديث لوجوه منها أن الحديث لا يتفق والبلاغة النبوية، قلت: وهذا باب واسع- أي التضعيف بسبب البلاغة- والخوض فيه ذو مزالق ... وليس من عبث أن يورد الإمام أبو داود للحديث ثلاث طرق كل طريق بمفردها لا تنزل عن درجة الحسن فكيف إذا اجتمعت ... فإذا أضفنا إليها طريق الترمذي وطرقه الأخرى عرفنا صحة الحديث وممن صحح الحديث من المعاصرين العلامة أحمد شاكر (السنن للترمذي ٢/ ٣٥١ - ٢٥٢) وانظر ما نقله عن ابن المبارك والحاكم والذهبي والمنذري والآجري والمقدسي ومسلم بن الحجاج ... وغيرهم.
стр. 1230
الباب السابع
في الصلوات السنوية
وفيه مقدمة وفقرات
الفقرة الأولى: صلاة التراويح وقيام رمضان وتهجده.
وفيها نصوص ومسائل وفوائد.
الفقرة الثانية: في صلاة العيدين.
وفيها عرض إجمالي ونصوص.