رسول الله ﷺ وأكثر أصحابه من تقليل العمل.
فمن وجدت فيه هذه الشروط فالتشدد في العبادة أحق له؛ وأصحاب الرياضات السابقين كانوا جامعين لهذه الشروط فجاز لهم ذلك، ولم ينكر عليهم أحد ذلك. ومن فات له شرط منها فالاقتصاد في العمل والتوسط أليق له. هذا هو الطريق الوسط الذي يرتضيه كل منصف، لا إفراط فيه ولا تفريط مما يذهب إليه كل متعسف. ولعل هذا التحقيق الأنيق مما لم يقرع سمعك به أحد من السابقين! فخذه بقوة وكن من الشاكرين. اهـ.
مقتطفاً من كتاب الإمام اللكنوي بتحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة.
стр. 1227
الفقرة الثامنة:
في صلاة التسابيح
٢٠٣٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس وأبي رافع ﵃ أن النبي ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: "يا عباس، يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أجيزك، ألا أفعل بك؟ عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك: أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته! عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم، قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر- خمس عشرة مرة- ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي كل عمرك مرة".
ولأبي داود في أخرى (١) عن أبي الجوزاء: حدثني رجل كانت له صحبة- يرون
стр. 1228
أنه عبد الله بن عمرو- قال: "ائتني غداً أحبوك، وأثيبك، وأعطيك، حتى ظننت أنه يعطيني عطية، قال: "إذا زال النهار فقم فصل أربع ركعات" ... فذكر نحوه، قال: ثم ترفع رأسك- يعني: من السجود- وفي نسخة من السجدة الثانية- فاستو جالساً ولا تقم حتى تسبح عشراً، وتهلل عشراً وتحمد عشراً، وتكبر عشراً، ثم تصنع ذلك في الأربع ركعات، قال: فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنباً غفر لك بذلك، قلت: فإن لم أستطع أن أصليها تلك الساعة؟ قال: صلها من الليل والنهار".
قال أبو داود: رواه أبو الجوزاء عن عبد الله بن عمرو موقوفاً.
وفي رواية الأنصاري (١) "أن رسول الله ﷺ قال لجعفر بهذا ... الحديث، فذكر نحوه- قال: في السجدة الثانية من الركعة الأولى".
وأخرجه الترمذي (٢) عن أبي رافع قال: قال النبي ﷺ للعباس: يا عم، ألا أصلك ألا أحبوك، ألا أنفعك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: يا عم، صل أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا انقضت القراءة فقل: الله أكبر، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، خمس عشرة مرة قبل أن تركع ... وذكر مثله، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، وهي ثلاثمائة في أربع ركعات، فلو كانت ذنوبك مثل رمل عالج غفرها الله لك، قال: يا رسول الله، ومن لم يستطع أن يقولها في يوم؟ قال: إن لم تستطع أن تقولها في يوم فقلها في جمعة، فإن لم تستطع أن تقولها في جمعة فقلها في شهر، فلم يزل يقول له حتى قال: فقلها في سنة".
أقول: وقد نمي إلي أثناء عملي في الكتاب أن بعض فضلاء عصرنا ضعف هذا
стр. 1229
الحديث لوجوه منها أن الحديث لا يتفق والبلاغة النبوية، قلت: وهذا باب واسع- أي التضعيف بسبب البلاغة- والخوض فيه ذو مزالق ... وليس من عبث أن يورد الإمام أبو داود للحديث ثلاث طرق كل طريق بمفردها لا تنزل عن درجة الحسن فكيف إذا اجتمعت ... فإذا أضفنا إليها طريق الترمذي وطرقه الأخرى عرفنا صحة الحديث وممن صحح الحديث من المعاصرين العلامة أحمد شاكر (السنن للترمذي ٢/ ٣٥١ - ٢٥٢) وانظر ما نقله عن ابن المبارك والحاكم والذهبي والمنذري والآجري والمقدسي ومسلم بن الحجاج ... وغيرهم.
стр. 1230
الباب السابع
في الصلوات السنوية
وفيه مقدمة وفقرات
الفقرة الأولى: صلاة التراويح وقيام رمضان وتهجده.
وفيها نصوص ومسائل وفوائد.
الفقرة الثانية: في صلاة العيدين.
وفيها عرض إجمالي ونصوص.
стр. 1231
مقدمة
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، وقد بعث الله الرسل وأنزل الوحي من أجل التوحيد لله وإقامة العبودية له، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢).
وأنواع العبادات كثيرة ومظاهر العبودية لله كثيرة، ولا تعرف العبادة والعبودية إلا بدراسة شاملة لنصوص الكتاب والسنة، فمن العبادات: العبادات البدنية، ومنها العبادات المالية ومنها العبادات المالية والبدنية، ومظاهر العبودية كثيرة في الموت والحياة، وفي دوائر الأسرة والجوار والمجتمع وفي التعامل والمعاملات، وفي العقود والعهود إلى غير ذلك مما سنرى.
والركن الأصيل في العبادة الذي هو تحقيق للعقيدة، والذي هو معين على تحقيق بقية العبادات وإقامة العبودية هو الصلاة.
وكما أن هناك صلوات يومية فهناك صلاة أسبوعية هي الجمعة، وهناك صلوات سنوية هي صلاتا العيدين التي تختص ببعض الأحكام، وقيام رمضان جماعة في المسجد وهي التي تسمى صلاة التراويح.
ولو أننا تأملنا في صلاة الجماعة والجمعة والعيدين لوجدنا أن هذه الصلوات لها حكمها الكثير، والتي من جملتها: صهر المسلمين مع بعضهم في إطار التوحيد والوحدة على أساس من العبادة والعبودية لله تعالى.
وفي صلاة الجماعة اليومية يلتقي أهل المسجد الواحد يومياً خمس مرات ليقيموا الصلوات الخمس ومن فاتته صلاة الجماعة يومياً فإنه يجتمع مع إخوانه المسلمين يوم الجمعة اجتماعاً أشمل وأكبر، والأصل أن يكون اجتماع الجمعة في مسجد جامع كبير يضم أهل البلد جميعاً، لكنه لتعذر وجود الجامع الواحد الذي يضم أهل البلد بعد توسع العمران تسوهل في تعدد الجمع
стр. 1232
حيث ما ألجأت الضرورة لذلك، أما صلاة العيدين فالأصل فيها أن يجتمع سكان البلد جميعاً رجالاً ونساء دون اختلاط، فيستشعر المسلمون والمسلمات في البلد الواحد أخوتهم ووحدتهم على التوحيد والعبادة والعبودية.
فالصلوات اليومية والأسبوعية والسنوية تكمل بعضها في تحقيق التوحيد والعبادة والعبودية كما أنها تتكامل في تحقيق التوحيد والوحدة، وقد جعل الله للمسلمين موسمين عظيمين في السنة للعبادة، موسم رمضان وموسم الحج وجعل لكل موسم عيداً وجعل لكل عيد صلاة، فأعياد المسلمين أفراح بفضل الله، وتعبير عن التعظيم لله والشكر له فإذا كانت أعياد غير المسلمين فرحاً بدنياً تعبيراً عن الالتصاق في الدنيا، فإن أفراح المسلمين تعبير عن الشكر لله على ما آتاهم في الدنيا وبما يحققون به شعارهم أنهم طلاب آخرة، ورمز ذلك كله صلاتا العيدين وربطهما بموسمين للعبادة موسم رمضان وموسم الحج.
ولرمضان أحكامه، وللصوم محله في عبادات الإسلام، وسيأتي الكلام عن هذا في جزء مستقل إلا أن مما يتميز به رمضان في موضوع الصلاة قيام رمضان في جماعة في المسجد هي صلاة التراويح لذلك اقتضى ذكرها في جزء الصلاة وجعلناها في هذا الباب لأنها من العبادات السنوية، وجعلنا صلاة العيدين في هذا الباب لأنهما صلاتان سنويتان وجعلناهما في جزء الصلاة حتى يأخذ المسلم تصوراً كاملاً عن عبادة الصلاة في جزء واحد من هذا الكتاب.
وإذا كانت صلاة عيد الأضحى قد ارتبطت بموسم الحج، وكان للحج بحثه المنفرد في قسم العبادات فسنشير إليها هناك إشارة ولكن محل تفصيلها هنا، وليوم عيد الفطر واجبات أخرى كصدقة الفطر، وليوم عيد الأضحى واجباته الأخرى كالأضحية، لغير الحاج وواجباته للحاج فسنقتصر ههنا على إشارات ونؤخر الكلام تفصيلاً إلى مباحث الصوم والحج اكتفاء بذكر ما هو الألصق بموضوعات هذا الجزء.
ويسبق عيد الفطر شهر رمضان بما فيه من إلزامات والتزامات وفضائل وبركات وتأتي صلاة العيد متوجة لموسم رمضان، وقد جعل الله صلاة عيد الأضحى في أيام موسم الحج وزيادة على ذلك فقد جعلها واقعة في جزء من الأيام المعلومات وقبل الأيام
стр. 1233
المعدودات وهي أيام ذكرها القرآن وتحدثت السنة عن فضلها وفضيلتها.
فالأيام العشر من ذي الحجة هي الأيام المعلومات ولها فضلها الكبير، وصلاة العيد تكون في اليوم العاشر منها، وتعقبها الأيام المعدودات وهي أيام التشريق التي يكمل فيها الحجاج إقامة مناسكهم، فصلاة عيد الأضحى تأتي في قلب أيام ذات فضل كبير.
ولكون صلاة التراويح وصلاتي العيدين لها صفة التكرر السنوي فقد جعلناها في باب واحد.
стр. 1234
الفقرة الأولى
صلاة التراويح وقيام رمضان وتهجده
٢٠٣٤ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر.
في رواية (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لرمضان: "من قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
في رواية (٢) قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
قال النووي (٦/ ٣٩ - ٤٠):
قوله ﷺ : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً" معنى إيماناً: تصديقاً بأنه حق مقتصده فضيلته ومعنى احتساباً: أن يريد الله تعالى وحده لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص والمراد بقيام رمضان صلاة التراويح واتفق العلماء على استحبابها واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفرداً في بيته أم في جماعة في المسجد فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﵃ واستمر عمل المسلمين عليه لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت لقوله ﷺ : "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". قوله ﷺ : "غفر له
стр. 1235
ما تقدم من ذنبه": المعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر دون الكبائر قال بعضهم: ويجوز أن يخفق من الكبائر ما لم يصادف صغيرة.
قوله: (من غير أن يأمرهم بعزيمة) معناه: لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم بل أمر ندب وترغيب ثم فسره بقوله: فيقول: "من قام رمضان" وهذه الصيغة تقتضي الترغيب والندب دون الإيجاب واجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب بل هو مندوب. قوله: (فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر) معناه استمر الأمر هذه المدة على أن كل واحد يقوم رمضان في بيته منفرداً حتى انقضى صدر من خلافة عمر ثم جمعهم عمر على أبي بن كعب فصلى بهم جماعة واستمر العمل على فعلها جماعة، وقد جاءت هذه الزيادة في صحيح البخاري في كتاب الصيام. اهـ.
٢٠٣٥ - * روى النسائي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ "أن النبي ﷺ ذكر رمضان، ففضله على الشهور، فقال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
وفي أخرى (١) - فذكر مثله- وقال: "من صامه وقامه إيماناً واحتساباً".
وفي أخرى (٢) قال: "إن الله فرض صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
٢٠٣٦ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر".
стр. 1236
ولمسلم (١) قالت: كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره.
قال النووي (٨/ ٧١): (ففي هذا الحديث أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان واستحباب إحياء لياليه بالعبادات).
٢٠٣٧ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ "أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان".
٢٠٣٨ - * روى الشيخان عن زيد بن ثابت ﵁ قال: احتجر رسول الله ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير- قال عفان: في المسجد، وقال عبد الأعلى: في رمضان- فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها، قال: فتتبع إليه رجال، وجاؤوا يصلون بصلاته، قال: ثم جاؤوا ليلة، فحضروا، وأبطأ برسول الله ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضباً، فقال لهم: "ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيُكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".
وفي حديث عفان "ولو كتب عليكم ما قمتم به"، وفيه "فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
стр. 1237
وفي رواية (١) النسائي "أن رسول الله ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله ﷺ فيها ليالي، فاجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج، فلم يخرج، فلما خرج للصبح قال: "ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يُكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
قال التهانوي: (في الحديث دلالة على كون النوافل في البيت أفضل منها في المسجد وعلى كون الجماعة مختصة بالمكتوبة، وأما النوافل فالأصل فيها الإخفاء) وقال: (ومقتضى هذا الدليل أن تكره الجماعة في النفل والوتر مطلقاً إلا أنا قيدناه بالتداعي وهو أن يدعو بعضهم بعضاً، وفسره الفقهاء بالكثرة لما ورد عنه ﷺ التنفل بالجماعة أحياناً من غير تداع منه).
ثم قال: (وتفسير التداعي بالاهتمام والمواظبة أولى من تفسيرها بالعدد والكثرة كما لا يخفى. واستثنى العلماء صلاة التطوع في ليالي رمضان جماعة لما سيرد من الأدلة).
قال في الخلاصة: (ولا يصلى التطوع بجماعة إلا في رمضان) ا. هـ (إعلاء السنن ٧/ ٧٧ - ٨١).
لكن ذكر النووي (٦/ ٤١) استدلالاً بالحديث التالي جواز النافلة جماعة وقال:
ولكن الاختيار فيها الانفراد إلا في نوافل مخصوصة وهي العيد والكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح عند الجمهور. ا. هـ.
وجاء في رد المحتار على الدر المختار أثناء حديثه عن الجماعة في التطوع والوتر:
ويمكن أن يقال: الظاهر أن الجماعة فيه- أي في الوتر- غير مستحبة، ثم إن كان
стр. 1238
أحياناً كان مباحاً غير مكروه وإن كان على سبيل المواظبة كان بدعة مكروهة لأنه خلاف المتوارث. ا. هـ.
قال التهانوي: ويؤيده ما في البدائع: (إن الجماعة في التطوع ليست بسنة إلا في قيام رمضان) فإن نفي السنية لا يستلزم الكراهة. ا. هـ.
٢٠٣٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: إن النبي ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان".
وفي رواية (١) قالت: كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزعاً، فأمرني رسول الله ﷺ فضربت له حصيراً، فصلى عليه ... بهذه القصة، قالت فيه: قال: تعني النبي ﷺ : "أيها الناس، أما والله ما بت ليلتي هذه بحمد الله غافلاً، ولا خفي علي مكانكم".
وفي رواية البخاري (٢) ومسلم (٣) "أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد فقال: "أما بعد، فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت
стр. 1239
أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها".
وفي رواية (١) بنحوه ومعناه مختصراً، قال: "وذلك في رمضان".
زاد في أخرى (٢) "فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك".
٢٠٤٠ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام ناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا، فقام رسول الله ﷺ الثانية يصلي، فقام ناس يصلون بصلاته، فصنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثاً، حتى إذا كان بعد ذلك جلس النبي ﷺ ولم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك له الناس، فقال: "إني خفت أن تكتب عليكم صلاة الليل". قال: قالت: "صلى رسول الله ﷺ في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة".
بعد أن ناقش ابن حجر ﵀ أسباب الخشية من أن تفرض الصلاة في الليل، قال (٣/ ١٤):
(... لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي ﷺ لذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب). ا. هـ.
قال السيوطي في شرحه على سنن النسائي (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣):
قال المحب الطبري: يحتمل أن يكون الله أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم بترك المواظبة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه ما اتفق في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت. وسئل الشيخ عز الدين بن عبد
стр. 1240
السلام عن هذا الحديث أنه يدل على أن المداومة على ما ليس بواجب تصيره واجباً، والمداومة لم تعهد في الشرع مغيرة لأحكام الأفعال، فكيف خشي ﵊ أن يغير بالمداومة حكم القيام؟ فأجاب بأنه ﷺ منه تتلقى الأحكام والأسباب فإن أخبر أن ههنا مناسبة اعتقدنا ذلك واقتصرنا بهذا الحكم على مورده.
٢٠٤١ - * روى النسائي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: "قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين، حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمونه السحور".
٢٠٤٢ - * روى الترمذي عن جبير بن نفير، عن أبي ذر، قال: "صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يصل به حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام به في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلت: يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال: "إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلث من الشهر وصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح قلت له وما الفلاح؟ قال: السحور.
قال التهانوي (٧/ ٥٩): دلالته على ثبوت التراويح بالجماعة عن النبي ﷺ ظاهرة، وفيه أيضاً: أنه صلاها بجماعة بالتداعي لما فيه أنه دعا أهله ونساءه، فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح، وهذا دليل من قال بسنية الجماعة لها مع مواظبة الصحابة على أدائها في جماعة، ولم يرو صريحاً أنه ﷺ تهجد في هذه الليالي مستقلاً أم لا، وهل كانتا صلاتين أو صلاة واحدة؟ لكن الظاهر تغاير التراويح والتهجد، كما يدل عليه تغاير عنواني أحاديث الترغيب في قيام الليل، وفي قيام رمضان. وكذلك يدل عليه افتراض صوم رمضان بالمدينة بآية البقرة، وقد شرع التهجد قبل ذلك بمكة حين نزلت سورة المزمل، فدل ظاهراً على تغايرهما.
стр. 1241
ولكن يعكر عليه ما رواه البخاري في باب فضل من قام رمضان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة". الحديث، وفي "فتح الباري" (٣/ ٢١٧): ذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأعرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. ا. هـ.
ثم قال التهانوي: قال بعض الناس: فالصحيح عندي عدم التغابر إلا أن التهجد في رمضان آكد، فافهم وتأمل، وحمل الحديث على التهجد فقط في رمضان بعيد. ا. هـ.
أقول: حمل التهانوي حديث عائشة على تهجد رسول الله ﷺ ، وأن ذلك لا يتنافى مع كونه ﷺ كان يقوم من الليل أكثر من إحدى عشرة ركعة، واستدل على ذلك ببعض الروايات الضعيفة التي حسنها لغيرها. انظر (الإعلاء ٧/ ٦٩ - ٧٣).
٢٠٤٣ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقوم في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل فقام أيضاً، حتى كنا رهطاً، فلما أحس النبي ﷺ أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله، فصلى صلاة لا يصليها عندنا. قال: فقلنا له حين أصبحنا: فطنت لنا الليلة؟ قال: نعم، ذاك الذي حملني على ما صنعت، قال: فأخذ يواصل رسول الله ﷺ ، وذلك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال النبي ﷺ : "ما بال رجال يواصلون؟ إنكم لستم مثلي، أما والله لو تمادى بي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم".
٢٠٤٤ - * روى البيهقي عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي ﵁، قال: "خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة في رمضان، فرأى ناساً في ناحية المسجد يصلون، فقال:
стр. 1242
"ما يصنع هؤلاء؟ " قال قائل: يا رسول الله: هؤلاء ناس ليس معهم القرآن وأبي بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته، قال: "قد أحسنوا وقد أصابوا" ولم يكره ذلك لهم.
قال التهانوي: دلالته على تقرير التراويح بالجماعة من النبي ﷺ ظاهرة، فكان سنة التقرير والرضا.
٢٠٤٥ - * روى مالك عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم على أُبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون- يريد: آخر الليل- وكان الناس يقومون أوله.
قال ابن الأثير: وأما قول عمر ﵁: "نعمت البدعة هذه" فإنه يريد بها صلاة التراويح، فإنه في حيز المدح، لأنه فعل من أفعال الخير، وحرص على الجماعة المندوب إليها، وإن كانت لم تكن في عهد أبي بكر ﵁، فقد صلاها رسول الله ﷺ ، وإنما قطعها إشفاقاً من أن تفرض على أمته، وكان عمر ممن نبه عليها وسنها على الدوام، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وقد قال في آخر الحديث: "والتي تنامون عنها أفضل". تنبيهاً منه على أن صلاة آخر الليل أفضل، قال: وقد أخذ بذلك أهل مكة، فإنهم يصلون التراويح بعد أن يناموا.
٢٠٤٦ - * روى ابن خزيمة عن عروة بن الزبير: أن عبد الرحمن بن عبد القاري- وكان في عهد عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال- أن مر خرج ليلة في رمضان فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القاري فطاف بالمسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون،
стр. 1243
يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم عمر على ذلك، وأمر أُبي بن كعب أن يقوم لهم في رمضان. فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعم البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون- يريد آخر الليل- فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، والق عليهم رجزك وعذابك إله الحق، ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ثم يستغفر للمؤمنين، قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي، واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق، ثم يكبر ويهوي ساجداً".
أقول: إن أهل الحرمين في عصرنا يصلون التراويح عشرين ركعة بعد فريضة العشاء وراتبتها مباشرة، ويصلون بعدها الوتر ويقرؤون في التراويح جزءاً من القرآن في كل ليلة، وبعد النصف من رمضان يصلون التهجد بعد منتصف الليل فيقرؤون في تهجدهم كل ليلة جزئين من القرآن. وظاهر من النصين اللذين مرا معنا أن أهل الحرمين يراعون ما جاء فيهما من الإشارة إلى التهجد في النص الأول، ومن ذك النصف في النص الثاني، وفي النص الثاني إشارة إلى صيغة القنوت التي كانوا يقنتون بها في الوتر وهي قريبة من الصيغة التي يقنت بها الحنفية والمالكية في الوتر، وقد علق البغوي في شرح السنة على حديث عبد الرحمن بن عبد القاري بما يلي:
قوله: (أوزاع) أي: جماعات متفرقة لا واحد لها من لفظها، يقال: وزعت الشيء بينهم، أي: فرقته وقسمته.
وقوله: (نعمت البدعة هذه) إنما دعاه بدعة، لأن النبي ﷺ لم يسنها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وأثنى عليها بقوله: (نعم) ليدل على فضلها، ولئلا يمنع هذا اللقب من فعلها، ويقال: (نعم) كلمة تجمع المحاسن كلها، (وبئس) كلمة تجمع المساوئ كلها.
стр. 1244
وقيام شهر رمضان جماعة سُنة غير بدعة، لقوله ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" [جزء من حديث رواه أصحاب السنن عن أبي نجيح بسند صحيح]. اهـ.
قال ابن حجر في (الفتح ٤/ ٢٥٣): والبدعة أصلها: ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق: أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة. اهـ.
٢٠٤٧ - * روى مالك عن يزيد بن رومان قال: "كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة".
٢٠٤٨ - * روى مالك عن السائب بن يزيد قال: أمر عمر أبي بن كعب وتميماً الداري: أن يقوما للناس في رمضان بإحدى عشرة ركعة، فكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، فما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر.
قال الشيخ شعيب في شرح السنة (١/ ١٢٠).
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١١٥) في الصلاة في رمضان: باب ما جاء في قيام رمضان، وإسناده صحيح، وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٥٣): ورواه الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف، فقال: إحدى وعشرين.
أقول: ومحمد بن يوسف بن عبد الله الكندي المدني، ثقة ثبت، كذا في التقريب.
ومن كلام البغوي في شرح السنة: اختلف أهل العلم في قيام شهر رمضان، فذكر حديث السائب بن يزيد وحديث يزيد بن رومان ثم قال: ورأى بعضهم أن يصلي إحدى
стр. 1247
وأربعين ركعة مع الوتر، وهو قول أهل المدينة، والعمل على هذا عندهم، وهو اختيار إسحاق وأما أكثر أهل العلم، فعلى عشرين ركعة يروى ذلك عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ ، وهو قول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأصحاب الرأي، قال الشافعي: وهكذا أدركت ببلدنا بمكة يصلون عشرين ركعة.
ولم يقض أحمد فيه بشيء.
واختار ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، الصلاة مع الإمام في شهر رمضان، واختار الشافعي أن يصلي وحده إذا كان قارئاً.
ولعل أهل الحرمين الآن يجمعون عملياً بين الروايتين بفعلهم وهناك اتجاهات أخرى في الجمع بين الروايتين، قال ابن حجر (٤/ ٢٥٣): (الجمع) ممكن باختلاف الأحوال ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.
أقول: والذي يظهر لي أن الجمع بين روايتي السائب بن يزيد ورواية يزيد بن رومان أن رواية السائب بن يزيد في التهجد بدليل ذكره أنهم كانوا يصلون فيها إلى قُرَيب الفجر وأما رواية يزيد بن رومان فهي في التراويح.
قال التهانوي (٧/ ٧٣):
لا يقال: إن عمر ﵁ لم يجمع الناس على عشرين ركعة حتماً، بل جمعهم على قيام رمضان موسعاً بين إحدى عشرة ركعة، وثلاث وعشرين ركعة، لما روى مالك، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، أنه قال: "أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب وتميم الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. وكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام" كذا في [آثار السنن (٢/ ٥٢)] لأن هذا أثر مضطرب المتن، اختلف فيه على محمد بن يوسف، فروى عنه مالك في الموطأ، ويحيى القطان عند ابن أبي شيبة، وعبد العزيز بن محمد عند سعيد بن منصور هكذا إحدى عشرة ركعة. ورواه محمد بن نصر في قيام الليل من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن
стр. 1248
يوسف، فقال: ثلاث عشرة. ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف، فقال: إحدى وعشرين. قاله الحافظ في [الفتح (٤ - ٢١٩)]، وهذا اختلاف يسقط الاحتجاج بالأثر. قال ابن عبد البر: روى غير مالك في هذا الحديث إحدى وعشرين، وهو الصحيح، ولا أعلم أحداً قال فيه إحدى عشرة إلا مالكاً، إلى أن قال: الأغلب عندي أن قوله: "إحدى عشرة" وهم، كذا في "التعليق الحسن" نقلاً عن الزرقاني في [شرح الموطأ (٢ - ٥٢)].
قلت- أي التهانوي-: لم يهم فيه مالك لمتابعة اثنين له في ذلك عن محمد بن يوسف، بل الوهم عندي فيه من محمد بن يوسف، فإنه قال مرة: "إحدى وعشرين"، ومرة: "إحدى عشرة"، وتارة: "ثلاث عشرة". والجمع بينهما بالحمل على اختلاف الأحوال ونحوه كما قال الحافظ وغيره بعيد مستغنى عنه، فإن المخرج واحد، فكيف يصح حمله على اختلاف الأحوال؟ والمحفوظ ما رواه يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد، قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة. كما ذكرناه في المتن. أخرجه البيهقي وسنده صحيح، وعزاه الحافظ في ["الفتح" (٤ - ٢١٩)] إلى مالك أيضاً فإن له شواهد كثيرة صحيحة. ا. هـ.
٢٠٤٩ - * روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر [بن محمد بن عمرو بن حزم] قال: سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام، فنستعجل الخدم بالطعام، مخافة فوت السحور.
وفي أخرى "مخافة الفجر".
أقول: هذا كذلك محمول على التهجد.
стр. 1249
٢٠٥٠ - * روى مالك عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج سمع يقول: ما أدركنا الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، قال: وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في ثنتي عشرة ركعة رأى النسا أن قد خفف.
стр. 1250
مسائل وفوائد
جاء في "المدونة" (١/ ١٩٣) للإمام مالك رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم: قال مالك: بعث إلى الأمير، وأراد أن ينقص من قيام رمضان الذي كان يقوم الناس بالمدينة- قال ابن القاسم: وهو تسعة وثلاثون ركعة بالوتر، ست وثلاثون ركعة، والوتر ثلاث- قال مالك: فنهيته أن ينقص من ذلك شيئاً، وقلت له: هذا ما أدركت الناس عليه، وهذا الأمر القديم الذي لم يزل الناس عليه.
أقول: الظاهر أن المراد بالقيام هنا مجموع صلاة التراويح والتهجد والوتر بآن واحد، وقد مرت معنا روايات تذكر أن أهل المدينة توارثوا صلاة التراويح عشرين ركعة، ولكن الظاهر أنهم حافظوا على العشرين وأحيوا سنة التهجد بعد النوم، فكان مجموع قيامهم ما ذكر في المدونة، وعلى ذلك نحمل كل رأي يزيد عن العشرين ركعة في قيام رمضان جماعة، لأن الذي استقرت عليه فتاوى المذاهب الأربعة كما سنرى هو أن صلاة التراويح عشرون ركعة وعليه العمل في مساجد المسلمين.
- جاء في فتاوى ابن تيمية ﵀ (٢/ ٤٠١) أن قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عدداً معيناً، بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان، ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه، فقد أحسن، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه، فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها، جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك،
стр. 1251
وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة، كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه، ولا ينقص منه، فقد أخطأ.
- لقد ذكرنا أن الذي استقرت عليه الفتوى في المذاهب الأربعة واستقر عليه العمل أن تصلى التراويح عشرين ركعة في رمضان وأن يوتر بعدها بثلاث جماعة لمن ليس في نيته أن يتهجد، فيوتر بعد تهجده، وها نحن نستخلص لك مع شيء من التصرف الذي لا يخل بالمعنى فتاوي المذاهب الأربعة في صلاة التراويح مع مقدمة تمهد لهذا الموضوع.
- روى الطحاوي بسند لا بأس به عن مجاهد، قال: "قال رجل لابن عمر ﵁: أصلي خلف الإمام في رمضان، فقال: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم! قال: في بيتك". ا. هـ (١ - ٢٠٧). وفي "المغني" للحافظ ابن قدامة: والمختار عند أبي عبد الله (أحمد) فعلها في الجماعة، وإن كان رجل يقتدى به فصلاها في بيته مخافة أن يقتدي الناس به، وقد جاء عن النبي ﷺ : "اقتدوا بالخلفاء"، وقد جاء عن عمر أنه كان يصلي في الجماعة، وبهذا قال المزني، وابن عبد الحكم، وجماعة من أصحاب أبي حنيفة. قال أحمد: كان جابر، وعلي وعبد الله، يصلونها في جماعة، قال الطحاوي: كل من اختار التفرد ينبغي أن يكون ذلك على أن لا يقطع معه القيام في المساجد، فأما التفرد الذي يقطع معه القيام في المساجد فلا، ويروى نحو هذا عن الليث بن سعد. وقال مالك والشافعي: قيام رمضان لمن قوي في البيت أحب إلينا، لما روى زيد بن ثابت في قصة صلاة الناس بصلاة رسول الله ﷺ في بعض ليالي رمضان، ثم جاؤوا ليلة فأبطأ رسول الله ﷺ عنهم ولم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضباً، فقال: "ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة". رواه مسلم. ولنا إجماع الصحابة على ذلك، وجمع النبي ﷺ أصحابه وأهله في حديث أبي ذر، (رواه الترمذي وصححه وقد تقدم في المتن) وقوله: "إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة"، عام وهذا خاص في قيام رمضان، فيقدم على عموم ما احتجوا به، وقول النبي ﷺ ذلك لهم معلل بخشية فرضه عليهم، ولذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1252
القيام بهم معلاً بذلك أيضاً. وقد أمن أن يفعل بعده. أ. هـ (الإعلاء السنن ٧/ ٦٢).
أقول: صلى الرسول ﷺ ببعض أصحابه جماعة في رمضان أياماً ثم خشي أن تفرض صلاة القيام في رمضان جماعة على المسلمين لرغبتهم وحرصهم، وهو يعلم من سنة الله ما لا نعلم فيعلم من سنة الله أن عباده إذا شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم، ولذلك فقد ترك الخروج حتى لا تفرض صلاة قيام الليل في رمضان على المسلمين جماعة في المسجد، إلا أن المسلمين فهموا من عدم النهي عن صلاة الجماعة في قيام رمضان جوازها، فكانوا يصلونها جماعات متفرقة، وبقي الأمر على ذلك حتى عهد عمر ﵁، فرأى عمر بثاقب بصره أن العلة التي جعلت رسول الله ﷺ لا يتابع إمامة الناس في قيام رمضان وهي الخشية من الفرضية قد انتهت بوفاة رسول الله ﷺ وانقطاع الوحي، فجمع الناس على إمام واحد وعلى عدد من الركعات محدد، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة الجمع أو العدد، فكان ذلك إجماعاً منهم على جواز ما فعل، وإذ كان بإجماع أهل السنة والجماعة من الخلفاء الراشدين وإذا كانت النصوص تخصه بمزيد شهادة على أن الله أجرى الحق على لسانه، وقد اعتبر علماء المسلمين أن الاقتداء بما فعل على سلامة القلب من الزيغ واعتبروا أن من لا يرى جواز ما فعل مبتدع، فالأصل أن يرى المسلم جواز صلاة التراويح بالعدد الذي جمع عمر المسلمين عليه وهو عشرون ركعة والأصل أن تصلى التراويح في المساجد عشرين ركعة والمسلم بالخيار أن يصلي ما شاء منها مع الإمام، فلو صلى ركعتين أو أكثر أو لو لم يصل شيئاً- على ألا تعطل التراويح في أي مسجد- فلا حرج عليه، ولو صلاها كلها وأخر الوتر وذهب إلى بيته وصلى ما شاء فلا حرج عليه، المهم ألا ينكر على من فعلها فيخالف بذلك إجماعاً ويدخل في دائرة البدعة والمبتدعة الذين يسيئون لأنفسهم ولغيرهم، ويضلون أنفسهم ويضلون غيرهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولنا عودة على قيام رمضان وصلاة التراويح إن شاء الله تعالى في جزء الصوم، أما ههنا فنكتفي بذكر أقوال المذاهب الأربعة في هذا الشأن.
قال الحنفية: التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء، ويسن فيها الجماعة، ووقتها في رمضان بعد صلاة العشاء إلى الفجر قبل الوتر وبعده، وتصلى في أي جزء من الليل ويستحب ألا تؤخر عن نصف الليل، ولا تقضى عندهم إذا فاتت، ومن أراد أن يعوض عما فاته فإنه يصلي بعد ارتفاع الشمس نفلاً مطلقاً، والجماعة فيها في المسجد سنة على الكفاية،
стр. 1253
فلو تركها أهل مسجد أثموا، وتؤدى أيضاً فرادى أو جماعة في البيوت، وإذا كان عند المسلمين همة فالأفضل أن يختم فيها القرآن مرة في شهر رمضان وإلا روعي حال المصلين، فيصلي بهم الإمام بقدر طاقتهم، على أن تؤدى أركان الصلاة وواجباتها وسننها وآدابها كاملة، وعدد ركعاتها عشرون ركعة، تؤدى ركعتين ركعتين بعشر تسليمات ثم يوتر بعدها بجماعة وقراءة جهرية وقنوت سري قبل الركوع في الركعة الثالثة، ويراعي الإمام حال المأمومين فيجلس بعد كل أربع ركعات جلسة خفيفة يستريح بها الناس قليلاً، فمن أراد أن يشرب مثلاً يتاح له ذلك، وقد جرت عادة الناس في كثير من مساجد المسلمين أن يقرؤوا في كل جلسة استراحة بعد كل أربع ركعات سورة الإخلاص ثلاث مرات يقرؤها ثلاثة كل يقرؤها مرة واحدة وذلك يفعلونه تعويضاً عن إطالة القراءة في الصلاة، ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى.
انظر: (اللباب ١/ ١٢٢)، و (الدار المختار، حاشية ابن عابدين ١/ ٤٧٢ - ٤٧٥).
وقال المالكية: التراويح عشرون ركعة وهي سنة مؤكدة يسلم في نهاية كل ركعتين، ومن صلاها في بيته منفرداً فله أجره على ألا تعطل المساجد، ويندب لمن هم محل القدوة أن يصلوها في المساجد، وإذا كان عند القوم همة فإنه يندب للإمام أن يختم بهم القرآن ختمة فيها، ثم بعد العشرين ركعة تصلى الوتر. (انظر الشرح الصغير ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
وقال الشافعية: صلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات، ثم يصلى الوتر بعدها جماعة. (انظر المهذب ١/ ٨٤).
وقال الحنابلة: صلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات يوتر بعدها إن لم يكن له تهجد، ولا يكره الدعاء بعدها لقوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) (١) ومن كان له تهجد جاز له أن يصليه جماعة، لذلك فإن أهل الحرمين يتهجدون بعد النصف الأخير من رمضان جماعة ويقرؤون في تهجدهم كل يوم جزئين من القرآن فيختمون القرآن مرتين، مرة في التراويح ومرة في التهجد، ونقل الحنابلة عن أهل
стр. 1254
مكة قديماً أنهم كانوا يطوفون بعد كل أربع ركعات حول الكعبة سبع مرات ولم يذكروا ذلك في معرض الإنكار، وقد نقل الحنابلة الإجماع على أن صلاة التراويح عشرون ركعة. (انظر المغني ٢/ ١٦٥ - ١٧٠)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٧٢).
فها أنت ترى أن المذاهب الأربعة والمسلمين جميعاً مجمعون على أن صلاة التراويح عشرون ركعة وسيأتيك في جزء الصوم مزيد بيان.
стр. 1255
الفقرة الثانية
في صلاة العيدين
عرض إجمالي
سمي العيد عيداً لأنه يعود ويتكرر كل عام، ولأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان، فهو ﷻ يتفضل بأنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام، منها الفطر بعد المنع عن الطعام، وصدقة الفطر، وعوده تعالى بالمغفرة على عباده، ومنها إتمام الحج بطواف الزيارة ولحوم الأضاحي، والمن على عباده بما شرع لهم بما يخرجون به من آثامهم كالحجاج ومن دعا له الحاج، وقد شرعت لعيد الفطر ولعيد الأضحى صلاة العيد، وقد انعقد على ذلك إجماع المسلمين، وقد جاء في صلاة الأضحى قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١)، والمشهور أن المراد بذلك صلاة عيد الأضحى وذبح الأضحية بعده، ونصوص السنة كثيرة في مشروعية صلاتي العيدين.
وحكم هذه الصلاة عند الحنابلة: أنها فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقي، فإن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر قاتلهم الإمام، كالأذان.
وقال الحنفية: إن صلاتي العيدين واجبة على من تجب عليه الجمعة بشرائطها المتقدمة سوى الخطبة، فإنها سنة بعدها.
وقال المالكية والشافعية: إن كلاً من صلاتي العيد سنة مؤكدة لمن تجب عليه الجمعة، ولا يشترط عند الشافعية أن تتوافر في صلاة العيد شروط الجمعة لصحتها، (انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ١٧١). وقال الحنفية والمالكية: لا يرخص للشابات من النساء بالخروج إلى الجمعة والعيدين وشيء من الصلاة، وقال الشافعية والحنابلة: لا بأس بحضور النساء مصلى العيد إذا كن غير متطيبات ولا لابسات ثياب الزينة والشهرة، ويعتزلن الرجال، وتحضر الحيض المصلى فيسمعن الذكر والخطبة ويعتزلن المكان الذي تصلي فيه النساء، واتفق الفقهاء على أن وقت صلاة العيد يبدأ بعد حوالي نصف ساعة من طلوع
стр. 1256
الشمس، وينتهي وقتها قبيل الزوال، فوقتها وقت صلاة الضحى، ويسن تعجيل صلاة الأضحى في أول وقتها من أجل التفرغ لطبخ الأضاحي ويسن تأخير صلاة الفطر لأداء صدقة الفطر، ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام لا يقضيها عند الحنفية والمالكية، وإنما يصلي إن شاء تطوعاً دون أن ينوي صلاة العيد، قال الشافعية والحنابلة: من فاتته صلاة العيد مع الإمام سن له قضاؤها على صفتها وله قضاؤها متى شاء في العيد وما بعده والأفضل قضاؤها في بقية يومه.
وتجوز صلاة العيد للمنفرد والعبد والمسافر والمرأة ومذهب الشافعية والحنابلة: أن من حضر والإمام يخطب صلى تحية المسجد ثم جلس فسمع الخطبة ثم صلى العيد متى شاء، ومن أدرك الإمام في التشهد جلس معه، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يأتي فيهما بالتكبير وعلى ذلك جماهير العلماء.
والأصل في صلاة العيد أن تكون خارج البلد أو في مكان يخصص لذلك بحيث يسع أهل البلد، ولا تصلى عند الحنابلة في المسجد إلا من ضرورة أو من عذر وتكره في المسجد إذا لم يكن ضرورة أو عذر إلا في مكة، فالأفضل فعلها في المسجد الحرام، وقال الشافعية: صلاة العيد في المسجد أفضل إلا إذا كان مسجد البلد ضيقاً فالسنة أن تصلى في المصلى، وإذا خرج الناس إلى المصلى سن للإمام أن يستخلف في مسجد البلد من يصلي بالضعفاء.
وعلى هذا فالأمر واسع أن يصليها الناس في مساجدهم أو في المصلى.
وصلاة كل من العيدين ركعتان بالاتفاق، وهي تشتمل بعد الإحرام على تكبيرات ثلاث عند الحنفية في كل من الركعتين، وست في الأولى، وخمس في الثانية عند المالكية والحنابلة، وسبع في الأولى وخمس في الثانية عند الشافعية.
والحنفية يكبرون في الثانية بعد القراءة وقبل الركوع، ولا يؤذن لها ولا يقام، وإنما ينادى (الصلاة جامعة) وينوي من يصليها أنه يصلي صلاة العيد لله تعالى.
والتكبيرات عند الحنفية تكون بعد دعاء الثناء في الركعة الأولى ويرفع يديه عند كل تكبيرة ويرسلهما فلا يضعهما تحت سرته ولا يسن عندهم ذكر بين تكبيرتين ولو قال بينهما
стр. 1257
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فلا بأس، وتكبيرة الركوع في الركعة الثانية بعد تكبيرات الزوائد واجبة وبعد تكبيرات الزوائد في الركعة الأولى يتعوذ الإمام ويسمي سراً ثم يقرأ، والقراءة في الأولى والثانية تكون جهرية، وتكون بالفاتحة وشيء من القرآن معها، فإذا قدم التكبيرات في الثانية على القراءة جاز، وكذا إذا زاد على التكبيرات الثلاث في كل ركعة إلى ست عشرة تكبيرة، فإذا زاد على ذلك لا تبطل الصلاة ولا يلزم المؤتم أن يتابعه، وعلى هذا فالخلف بينهم وبين بقية المذاهب خلاف في الأفضلية فقط بالنسبة للتكبيرات ومحلها، وإذا نسي الإمام التكبيرات وركع قام فكبر ولا يعيد القراءة لكنه يعيد الركوع، ومن أدرك الإمام بعد التكبيرات كبر تكبيرة الإحرام ثم أتى بتكبيرات الزوائد في نفسه، وإن أدرك الإمام في الركوع فإن لم يخف فوت الركعة مع الإمام يكبر للافتتاح قائماً ويأتي بالزوائد ثم يتابع الإمام في الركوع وإذا خاف أن تفوته الركعة ركع وأتى بتكبيرات الزوائد في ركوعه عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف لا يكبر وتسقط عنه تكبيرات الزوائد.
ومتابعة الإمام على مذهبه في تكبيرات الزوائد لا حرج فيها وإن خالفت مذهب المأموم، لكن المسبوق إذا قام لقضاء ما فاته يعمل بمذهبه.
وتقدم صلاة العيد على صلاة الجنازة إذا اجتمعتا، وتقدم صلاة الجنازة على الخطبة.
وقال المالكية: فإن أخر التكبير على القراءة صح وخالف المندوب ولا يتبع المؤتم الإمام في التأخير عن القراءة ولا في الزيادة على العدد المسنون عندهم وهو ست في الأولى وخمس في الثانية سوى تكبيرتي الإحرام في الأولى وفي القيام في الثانية ويندب عندهم موالاة التكبير إلا للإمام، فيندب له الانتظار بعد كل تكبيرة حتى يكبر المقتدون به ولا يرفع يديه إلا مع تكبيرة الإحرام ويكره أن يقول شيئاً بين التكبيرات، والتكبيرات عندهم سنة مؤكدة.
وقال الشافعية: يرفع اليدين في جميع تكبيرات الزوائد ويقول بين كل تكبيرتين: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويضع يمناه على يسراه بين التكبيرتين، وإذا ترك الإمام التكبير تابعه المأموم في تركه، وعند الحنابلة يرفع يديه مع كل تكبيرة ويرفع يديه في التكبير ويقول بين كل تكبيرتين زائدتين: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان
стр. 1258
الله بكرة وأصيلاً وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً.
وتسن عند الجمهور، وتندب عند المالكية خطبتان للعيد كخطبتي الجمعة في الأركان والشروط والسنن والمكروهات بعد صلاة العيد بلا خلاف بين المسلمين في أنها بعد الصلاة فيحسن للخطيب أن ينبه المسلمين في الجمعة التي تسبق عيد الفطر على أحكام زكاة الفطر وسنن العيد، وفي خطبة الجمعة التي تسبق عيد الأضحى ينبههم على أحكام الأضحية وتكبيرات التشريق ووقوف الناس بعرفة ويعلم الحجاج أحكام الحج، فإن لم يفعل في الجمعة فكر بما يخص كلاً من العيدين في خطبة العيد، وإذا صعد الخطيب على المنبر في خطبة العيد لا يجلس عند الحنفية ويجلس عند الحنابلة والمالكية والشافعية، ويبدأ الخطيب خطبته بالتكبير كما يكبر في أثنائها من غير تحديد عند المالكية ويكبر عند الجمهور في الخطبة الأولى تسع تكبيرات متوالية ويكبر في الثانية بسبع متوالية ويستحب عند الحنفية أن يكبر الإمام قبل نزوله من المنبر أربع عشرة مرة وتختلف خطبة العيد عن خطبة الجمعة في أن خطبة العيد تكون بعد الصلاة، ومنها أن خطبة العيد تبدأ بالتكبير بينما خطبة الجمعة تبدأ بالحمد لله، ومنها أن خطبة العيدين سنة بينما خطبة الجمعة ركن، ويسن عند الحنفية والحنابلة والمالكية أن يكبر المأموم سراً عند تكبير الخطيب بينما لا يصح عند الجمهور أي كلام أثناء خطبة الجمعة ولو كان ذكراً، وإذا أحدث الخطيب عند المالكية أثناء الخطبة تابع خطبته بخلاف خطبة الجمعة فإنه يستخلف غيره، وعند الشافية لا يشترط في خطبة العيد ما يشترط في خطبة الجمعة من قيام وطهارة وجلوس بين الخطبتين وإنما يسن ذلك فقط.
واتفق الفقهاء على مشروعية التكبير في العيدين في الغدو إلى الصلاة، وقال الحنفية: يندب التكبير سراً في عيد الفطر في الخروج إلى المصلى وقال الصاحبان يكبر جهراً ويقطع التكبير في رواية إذا قيم إلى الصلاة، واتفق فقهاء الحنفية على التكبير جهراً في عيد الأضحى في الطريق، وقال الجمهور يكبر في المنازل والمساجد والأسواق والطرق عند الغدو إلى صلاتي العيدين جهراً إلى أن تبدأ الصلاة، وعند الحنابلة هو في الفطر آكد من تكبير الأضحى لقوله تعالى في سياق الكلام عن رمضان: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى
стр. 1259
مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، ويندب التكبير المطلق ما أمكن عند الشافعية من غروب الشمس ليلتي العيدين لا ما قبلها.
وأما التكبير في أدبار الصلوات أيام الحج في عيد الأضحى وهي ما يسمى بتكبيرات التشريق فإنها تجب على الرجال والنساء مرة في الأصح وإن زاد عليها فلا حرج في القول الأصح عقب كل فرض عيني بلا فصل يمنع البناء على الصلاة، ويؤدى بجماعة أو منفرداً ولو قضاء، ويكون التكبير للرجال جهراً وتخافت المرأة في التكبير، ومدته عند أبي حنيفة من فجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الأول من العيد، فالتكبير عنده يكون في ثمان صلوات. وعند الصاحبين يمتد إلى آخر أيام التشريق أي إلى صلاة العصر في رابع أيام العيد، فالتكبير عندهما يكون في ثلاث وعشرين صلاة وهو واجب على كل مصل، ولو تركه الإمام كبر المقتدي.
وعند المالكية يندب للجماعة والفرد التكبير إثر كل صلاة من الصلوات المكتوبات من ظهر يوم النحر إلى صبح اليوم الرابع، وإن نسي التكبير كبر إذا تذكر إن قرب الزمن.
والشافعية كالمالكية في عدد الصلوات التي يكبر فيها، ولهم قول كقول الصاحبين إلا أن الحاج عندهم يشتغل بالتلبية ليلة اليوم الأول من عيد الأضحى، والأظهر عند الشافعية أنه يكبر بعد كل صلاة في هذه الأوقات فريضة أو غير فريضة، ولا يكبر عند الحنابلة من صلى وحده، ويأتي الإمام عندهم بالتكبير مستقبلاً الناس ويكبر غير الإمام مستقبلاً القبلة ويجزئه التكبير مرة واحدة إن كرره فحسن، ويكبر عندهم عقب صلاة العيد ويستحب التكبير عندهم في أيام العشر من ذي الحجة لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢) كما يستحب في أيام التشريق لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣).
وصيغة التكبير عند الحنفية والحنابلة شفعاً في التكبير وهي: الله أكبر والله أكبر لا إله
стр. 1260
إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ويستحب عند الشافعية بعد تكرار هذه الصيغة ثلاثاً أن يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، ويسن أن يزيد على هذا: لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر، ويختمها بقوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أصحاب محمد وعلى أزواج محمد وسلم تسليماً كثيراً، ويقتصر في تكبيرات التشريق بعد الصلوات على الصيغة الأولى أو الثانية دون هذه الزيادات.
ويستحب في الأيام العشر من ذي الحجة أن يكثر من الاجتهاد في عمل الخير: من ذكر الله تعالى والصدقة وسائر أعمال البر والصيام إلا عيد الأضحى فإنه لا يصومه، ويتأكد صوم اليوم التاسع لغير الحاج، ويندب الامتناع عن تقليم الأظفار وحلق الرأس في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي، ويندب إحياء ليلتي العيدين بطاعة الله تعالى من ذكر وصلاة وقراءة قرآن وصلاة العشاء والصبح جماعة.
قال الحنفية: ويندب إحياء ليالي العيدين وليالي العشر الأخيرة من رمضان لإحياء ليلة القدر، وليالي العشر من ذي الحجة وليلة النصف من شعبان ويكثر من الاستغفار في هذه الليالي لكنهم قالوا: يكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد وغيرها، وقد تساهل بعض العلماء في الاجتماع على مثل هذا لضعف همة الناس إذا انفردوا، والأصل أن ما كان من اجتماع مباح في غير هذه الأيام ألا يدخل في الكراهة.
ويستحب للعيدين الغسل والتطيب والاستياك ولبس الرجال أحسن الثياب، ويدخل وقت الغسل عند الشافعية بنصف الليل وعند المالكية بالسدس الأخير من الليل، ويندب كونه بعد صلاة الصبح عند الحنفية والحنابلة، ويندب إزالة الظفر وما يتنافى مع حسن الهيئة وطيب الرائحة ويتأكد هذا في حق الإمام، وإذا استطاع الإنسان أن يذهب إلى الصلاة ماشياً مع التكبير والسكينة والوقار فإن ذلك أفضل، والإمام يتحين الوصول وقت الصلاة.
وقال الحنفية لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين والمشي أفضل في حق من يقدر عليه
стр. 1261
ويندب الذهاب إلى المصلى من طريق، والرجوع من أخرى، ويندب أن يأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، ويندب أن يكون المأكول تمرات وتراً، ويؤخر في الأضحى الأكل حتى يرجع من الصلاة، ويؤدي صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة ولا بأس بإهدائها قبل العيد بأيام، وتندب التوسعة على الأهل وكثرة الصدقة بحسب الطاقة في العيدين وإظهار البشاشة في وجه من يلقاه من المؤمنين، وتندب زيارة الأرحام والأحباب والأصحاب وأهل الفضل والعلم، والأفضل عند الحنفية أن يصلي الصبح في مسجده والأفضل عند الجمهور أن يصلي الصبح في المصلى إن أراد الصلاة فيه، والجمهور على أنه لا يصلي قبل صلاة العيد ولا بعدها، ولا يرى الشافعية حرجاً في الصلاة بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام كما أنه لا حرج في الصلاة بعدها. والتنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة مكروه قبل صلاة العيد أو بعدها، إلا أن الحنفية لم يكرهوا التنفل بعدها في البيت.
ويظهر الخلاف في تحية المسجد، فالشافعية يجيزونها قبل الصلاة، كما أنهم يجيزونها لمن دخل والخطيب يخطب إذا كانت صلاة العيد في المسجد أما في الصحراء فلا مسجد أصلاً.
انظر: (الدر المختار، حاشية ابن عابدين ١/ ٥٥٥ - ٥٦٥)، (الشرح الصغير ١/ ٥٢٣ - ٥٣١)، (المهذب ١/ ١١٨ - ١٢٢)، (المغني ١/ ٣٦٧ - ٤٠٠)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٣٦٢ فما بعدها).
وإلى نصوص هذه الفقرة:
стр. 1262
نصوص في صلاتي العيدين
- تشريع يومي العيد وفضلهما:
٢٠٥١ - * روى أبو داود عن- أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، قال: "ما هذان اليومان؟ " قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، قال رسول الله ﷺ : "قد أبدلكم الله خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر".
قال في (عون المعبود ١/ ٤٤٠) بعد أن بين أن اليومين المنهي عنهما يوما النيروز والمهرجان:
ونهى عن اللعب والسرور فيهما- أي في النيروز والمهرجان- وفيه نهاية من اللطف وأمر بالعبادة لأن السرور الحقيقي فيها قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ قال المظهر فيه دليل على أن تعظيم النيروز والمهرجان وغيرهما- أي من أعياد الكفار- منهي عنه قال أبو حفص الكبير الحنفي من أهدى في النيروز بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالى وأحبط أعماله وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفي: من اشترى فيه شيئاً لم يكن يشتريه في غيره أو أهدى فيه هدية إلى غيره فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر وإن أراد بالشراء التنعم والتنزه وبالإهداء التحاب جرياً على العادة لم يكن كفراً لكنه مكروه كراهة التشبه بالكفرة حينئذ فيحترز عنه. قاله علي القاري ا. هـ.
٢٠٥٢ - * روى الشيخان عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة".
قال الترمذي: قال أحمد: معنى هذا الحديث: لا ينقصان معاً في سنة واحدة، أن
стр. 1263
نقص أحدهما تم الآخر، قال: وقال إسحاق: معناه: إن يكن تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان.
أقول: قوله ﵇: "شهرا عيد لا ينقصان" يحتمل أكثر من فهم فهو يحتمل أنه إذا نقص أحدهما عن الثلاثين كان الثاني تسعة وعشرين، ولا يجتمع أن يكون كل منهما تسعة وعشرين ويحتمل أن يراد بالأخبار النهي عن التعبير بكلمة النقص عن هذين الشهرين، ويحتمل أن يكون أجر كل من الشهرين كاملاً ولو كان الشهر أنقص من ثلاثين، فإذا ثبت من خلال الاستقراء الوجه الأول فلا يعدل عنه إلى غيره وإلا عدل عنه إلى غيره مما يحتمله النص كالوجهين الأخيرين الذين ذكرناهما.
قال ابن الأثير: (شهرا عيد لا ينقصان) قال الخطابي: اختلف الناس في معنى قوله شهرا عيد لا ينقصان، فقال بعضهم: معناه: أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وُجدا ناقصين في عدد الحساب، وقال بعضهم: معناه: أنهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان، إن كان أحدهما تسعة وعشرين كان الآخر ثلاثين. قال الخطابي: قلت: وهذا القول لا يعتمد عليه، لأن الواقع يخالفه، إلا أن يحمل الأمر على الغالب والأكثر. وقال بعضهم: إنما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة، فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان.
وقال في (الفيض ٤/ ١٦٥): يعني لا يكاد يتفق نقصانهما جميعاً في سنة واحدة غالباً وغلا فلو حمل الكلام على عمومه اختل ضرورة لأن اجتماعهما ناقصين في سنة واحدة قد وجد بل قال الطحاوي: وجدناهما ينقصان معاً في أعوام وقيل لا ينقصان في ثواب العمل فيهما وإنما خصهما لتعلق حكم الصوم والحج بهما فكل ما ورد من الفضائل والأحكام حاصل سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعاً وعشرين وسواء صادف الوقوف التاسع أو غيره قال النووي: وهذا هو الصواب وقال الطيبي: المراد رفع الحرج عما يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعقدين وجواز الخطأ فيهما ا. هـ.
٢٠٥٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن قرط ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن
стр. 1264
أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر"- قال ثور: وهو اليوم الثاني- قال: وقرِّب لرسول الله ﷺ بدنات خمس، أو ست، فطفقن يزدلفن إليه، بأيتهن يبدأ؟ قال: فلما وجبت جنوبها- قال: فتكلم بكلمة خفيفة لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: "من شاء اقتطع".
- الاغتسال والتجمل والتزين يوم العيد:
٢٠٥٤ - * روى مالك عن مالك بن أنس ﵀ [عن نافع]: "أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى".
٢٠٥٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يلبس يوم العيد بردة حمراء.
- من آداب صلاة يوم العيد:
٢٠٥٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً.
في رواية (١) الترمذي: أن النبي ﷺ كان يفطر على تمرات يوم الفطر، قبل أن يخرج إلى المصلى.
стр. 1265
٢٠٥٧ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يَطعم يوم الأضحى حتى يصلي".
٢٠٥٨ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً، وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج".
٢٠٥٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره".
٢٠٦٠ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق".
أقول: إن في مخالفة طريق الذهاب والإياب حكماً كثيرة في يوم العيد منها كثرة الخطا وشهادة الأرض ورؤية أكبر قدر من الناس ومنها الجانب الأمني وخاصة لمن يمكن أن يتعرضوا لخطر لو أنهم عادوا من الطريق نفسه، والأصل في المسلم في حالة الخوف أن يكون حذراً قال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١). وهناك جانب آخر تظهر حكمته في عصرنا حيث السيارات والباصات وهو ألا يصطدم الذاهب بالآيب.