ويندب الذهاب إلى المصلى من طريق، والرجوع من أخرى، ويندب أن يأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، ويندب أن يكون المأكول تمرات وتراً، ويؤخر في الأضحى الأكل حتى يرجع من الصلاة، ويؤدي صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة ولا بأس بإهدائها قبل العيد بأيام، وتندب التوسعة على الأهل وكثرة الصدقة بحسب الطاقة في العيدين وإظهار البشاشة في وجه من يلقاه من المؤمنين، وتندب زيارة الأرحام والأحباب والأصحاب وأهل الفضل والعلم، والأفضل عند الحنفية أن يصلي الصبح في مسجده والأفضل عند الجمهور أن يصلي الصبح في المصلى إن أراد الصلاة فيه، والجمهور على أنه لا يصلي قبل صلاة العيد ولا بعدها، ولا يرى الشافعية حرجاً في الصلاة بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام كما أنه لا حرج في الصلاة بعدها. والتنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة مكروه قبل صلاة العيد أو بعدها، إلا أن الحنفية لم يكرهوا التنفل بعدها في البيت.
ويظهر الخلاف في تحية المسجد، فالشافعية يجيزونها قبل الصلاة، كما أنهم يجيزونها لمن دخل والخطيب يخطب إذا كانت صلاة العيد في المسجد أما في الصحراء فلا مسجد أصلاً.
انظر: (الدر المختار، حاشية ابن عابدين ١/ ٥٥٥ - ٥٦٥)، (الشرح الصغير ١/ ٥٢٣ - ٥٣١)، (المهذب ١/ ١١٨ - ١٢٢)، (المغني ١/ ٣٦٧ - ٤٠٠)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٣٦٢ فما بعدها).
وإلى نصوص هذه الفقرة:
стр. 1262
نصوص في صلاتي العيدين
- تشريع يومي العيد وفضلهما:
٢٠٥١ - * روى أبو داود عن- أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، قال: "ما هذان اليومان؟ " قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، قال رسول الله ﷺ : "قد أبدلكم الله خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر".
قال في (عون المعبود ١/ ٤٤٠) بعد أن بين أن اليومين المنهي عنهما يوما النيروز والمهرجان:
ونهى عن اللعب والسرور فيهما- أي في النيروز والمهرجان- وفيه نهاية من اللطف وأمر بالعبادة لأن السرور الحقيقي فيها قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ قال المظهر فيه دليل على أن تعظيم النيروز والمهرجان وغيرهما- أي من أعياد الكفار- منهي عنه قال أبو حفص الكبير الحنفي من أهدى في النيروز بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالى وأحبط أعماله وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفي: من اشترى فيه شيئاً لم يكن يشتريه في غيره أو أهدى فيه هدية إلى غيره فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر وإن أراد بالشراء التنعم والتنزه وبالإهداء التحاب جرياً على العادة لم يكن كفراً لكنه مكروه كراهة التشبه بالكفرة حينئذ فيحترز عنه. قاله علي القاري ا. هـ.
٢٠٥٢ - * روى الشيخان عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة".
قال الترمذي: قال أحمد: معنى هذا الحديث: لا ينقصان معاً في سنة واحدة، أن
стр. 1263
نقص أحدهما تم الآخر، قال: وقال إسحاق: معناه: إن يكن تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان.
أقول: قوله ﵇: "شهرا عيد لا ينقصان" يحتمل أكثر من فهم فهو يحتمل أنه إذا نقص أحدهما عن الثلاثين كان الثاني تسعة وعشرين، ولا يجتمع أن يكون كل منهما تسعة وعشرين ويحتمل أن يراد بالأخبار النهي عن التعبير بكلمة النقص عن هذين الشهرين، ويحتمل أن يكون أجر كل من الشهرين كاملاً ولو كان الشهر أنقص من ثلاثين، فإذا ثبت من خلال الاستقراء الوجه الأول فلا يعدل عنه إلى غيره وإلا عدل عنه إلى غيره مما يحتمله النص كالوجهين الأخيرين الذين ذكرناهما.
قال ابن الأثير: (شهرا عيد لا ينقصان) قال الخطابي: اختلف الناس في معنى قوله شهرا عيد لا ينقصان، فقال بعضهم: معناه: أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وُجدا ناقصين في عدد الحساب، وقال بعضهم: معناه: أنهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان، إن كان أحدهما تسعة وعشرين كان الآخر ثلاثين. قال الخطابي: قلت: وهذا القول لا يعتمد عليه، لأن الواقع يخالفه، إلا أن يحمل الأمر على الغالب والأكثر. وقال بعضهم: إنما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة، فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان.
وقال في (الفيض ٤/ ١٦٥): يعني لا يكاد يتفق نقصانهما جميعاً في سنة واحدة غالباً وغلا فلو حمل الكلام على عمومه اختل ضرورة لأن اجتماعهما ناقصين في سنة واحدة قد وجد بل قال الطحاوي: وجدناهما ينقصان معاً في أعوام وقيل لا ينقصان في ثواب العمل فيهما وإنما خصهما لتعلق حكم الصوم والحج بهما فكل ما ورد من الفضائل والأحكام حاصل سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعاً وعشرين وسواء صادف الوقوف التاسع أو غيره قال النووي: وهذا هو الصواب وقال الطيبي: المراد رفع الحرج عما يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعقدين وجواز الخطأ فيهما ا. هـ.
٢٠٥٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن قرط ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن
стр. 1264
أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر"- قال ثور: وهو اليوم الثاني- قال: وقرِّب لرسول الله ﷺ بدنات خمس، أو ست، فطفقن يزدلفن إليه، بأيتهن يبدأ؟ قال: فلما وجبت جنوبها- قال: فتكلم بكلمة خفيفة لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: "من شاء اقتطع".
- الاغتسال والتجمل والتزين يوم العيد:
٢٠٥٤ - * روى مالك عن مالك بن أنس ﵀ [عن نافع]: "أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى".
٢٠٥٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يلبس يوم العيد بردة حمراء.
- من آداب صلاة يوم العيد:
٢٠٥٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً.
في رواية (١) الترمذي: أن النبي ﷺ كان يفطر على تمرات يوم الفطر، قبل أن يخرج إلى المصلى.
стр. 1265
٢٠٥٧ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يَطعم يوم الأضحى حتى يصلي".
٢٠٥٨ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً، وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج".
٢٠٥٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره".
٢٠٦٠ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق".
أقول: إن في مخالفة طريق الذهاب والإياب حكماً كثيرة في يوم العيد منها كثرة الخطا وشهادة الأرض ورؤية أكبر قدر من الناس ومنها الجانب الأمني وخاصة لمن يمكن أن يتعرضوا لخطر لو أنهم عادوا من الطريق نفسه، والأصل في المسلم في حالة الخوف أن يكون حذراً قال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١). وهناك جانب آخر تظهر حكمته في عصرنا حيث السيارات والباصات وهو ألا يصطدم الذاهب بالآيب.
стр. 1266
- وقت صلاة العيدين:
٢٠٦١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ : خرج مع الناس في يوم فطر- أو أضحى- فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح".
أقول: الأفضل في سنة الضحى أن تكون بعد ارتفاع الشمس وظهور تأثير حرها على الأرض في أوقات عادية لا غيم فيها ولا برد، والأصل في صلاة العيد أن تكون قبل ذلك ليتفرغ الناس لشؤون العيد ولكن الأفضل أن يبكر في صلاة الأضحى فتقع بعد انتهاء الوقت المنهي عنه وأن تؤخر صلاة الفطر يوم العيد قليلاً من أجل الأضحية في الأولى ومن أجل صدقة الفطر في الثانية.
قال التهانوي في (الإعلاء ٨/ ٩٩ - ١٠٠):
دل الحديث على أن صلاة العيد ينبغي أن تصلى قبل صلاة الضحى، ففيه بيان الوقت المستحب حيث أنكر الصحابي، ولم يبطل الصلاة، وليس فيه بيان أوله وآخره.
وفي فتح الباري (٢/ ٣٨٠): قال ابن بطال: أجمع الفقهاء على أن العيد لا تصلى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها، وإنما تجوز عند جواز النافلة ويعكر عليه إطلاق من أطلق أن أول وقتها عند طلوع الشمس. واختلفوا هل يمتد وقتها إلى الزوال أو لا؟ اهـ. قلت: مراد من أطلق هو مراد من قيد، فلا تعارض.
وفي الدر المختار: (وقتها من الارتفاع) قدر رمح، فلا تصح قبله، بل تكون نفلاً محرماً (إلى الزوال) بإسقاط الغاية اهـ. وفي رد المحتار: (قدر رمح) هو اثنا عشر شبراً والمراد به حل النافلة (١/ ٨٧٠). وهذا التحديد قالوا به لأنه وقت جواز النافلة، والعيد منها، فاحفظه. ا. هـ.
стр. 1267
- صلاة العيد من غير أذان ولا إقامة
٢٠٦٢ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين، غير مرة ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة".
٢٠٦٣ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله ﵃ قالا: "لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى".
قال ابن جريج: ثم سألته- يعني: عطاء- بعد حين عن ذلك؟ فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة.
وأخرجه النسائي (١) عن جابر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في عيد قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة.
وأخرجه أبو داود (٢) عن ابن عباس وحده أن رسول الله ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة، وأن أبا بكر، وعمر أو عثمان، شك أحد رواته.
أقول: اتفق العلماء على أنه لا أذان ولا إقامة في صلاة العيدين، ولكن استحب بعضهم أن ينبه المصلون ليقوموا إلى الصلاة وليشعروا أن الإمام قد تهيأ لافتتاحها بأن يقال: الصلاة جامعة.
стр. 1268
- عدد ركعات صلاة العيد:
٢٠٦٤ - * روى ابن خزيمة عن عمر: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم وقد خاب من افترى".
- تكبيرات صلاة العيد:
٢٠٦٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : "كان يكبِّر في الفطر والأضحى، في الأولى: سبع تكبيرات، وفي الثانية: خمس تكبيرات".
زاد في رواية (١) سوى تكبيرتي الركوع.
٢٠٦٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "التكبير في الفطر: سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما".
وفي أخرى (٢) أن النبي ﷺ كان يكبِّر في الفطر في الأولى سبعاً، ثم يقرأ، ثم يكبِّرُ، ثم يقوم فيكبِّر أربعاً، ثم يقرأ، ثم يركع.
٢٠٦٧ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبَّر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الأخرى خمس تكبيرات قبل القراءة.
стр. 1269
٢٠٦٨ - * روى الترمذي عن كثير بن عبد الله ﵀ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة.
أقول: الخلاف بين الفقهاء في تكبيرات الزوائد خلاف في الأفضلية فقط، ولكل دليله، والأمر واسع، فالحنفية يرون أنه في الركعة الأولى يكبر ثلاثاً بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، ويكبر في الركعة الثانية ثلاثاً قبل تكبيرة الركوع التي هي واجبة عندهم في صلاة العيد بعد القراءة وبعض المذاهب يكبر سبعاً في الأولى عدا تكبيرة الإحرام قبل القراءة وستاً في الثانية عدا تكبيرة القيام من السجود وبعضهم يكبر ستاً في الأولى فيكون المجموع مع تكبيرة الإحرام سبعاً قبل القراءة ويكبر خمساً قبل القراءة في الركعة الثانية فيكون المجموع مع تكبيرة الرفع من السجود ستاً والأمر كما قلنا واسع لأن الخلاف في الأفضلية والأفضل أن يتابع المؤتم إمامه لو خالفه في المذهب إلا إذا كان مسبوقاً، فله أن يلتزم بمذهبه فيما يقضي.
قال النووي (٦/ ١٧٩):
قال القاضي: التكبير في العيدين أربعة مواطن في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإمام، والتكبير في الصلاة وفي الخطبة وبعد الصلاة، أما الأول فاختلفوا فيه فاستحبه جماعة من الصحابة والسلف فكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى يرفعون أصواتهم وقال الأوزاعي ومالك والشافعي: وزاد استحبابه ليلة العيدين وقال أبو حنيفة يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر وخالفه أصحابه فقالوا بقول الجمهور وأما التكبير بتكبير الإمام في الخطبة فمالك يراه، وغيره يأباه، وأما التكبير المشروع في أول صلاة العيد فقال الشافعي: هو سبع في الأولى غير تكبيرة الإحرام وخمس في الثانية غير تكبيرة القيام وقال مالك وأحمد وأبو ثور: كذلك لكن سبع في الأولى إحداهن تكبيرة الإحرام وقال الثوري وأبو حنيفة: خمس في الأولى وأربع في الثانية بتكبيرة الإحرام والقيام وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة وقال عطاء والشافعي وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى وروي هذا أيضاً عن ابن مسعود ﵁ وأما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى
стр. 1270
فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه على نحو عشرة مذاهب. ا. هـ وسبق أن ذكرنا شيئاً منها.
٢٠٦٩ - * روى الطبراني عن كردوس قال: "كان عبد الله بن مسعود يكبِّر في الأضحى والفطر تسعاً تسعاً يبدأ فيكبر أربعاً ثم يقرأ ثم يكبر واحدة فيركع بها ثم يقوم في الركعة الآخرة فيبدأ فيقرأ ثم يكبر أربعاً يركع بإحداهن.
- القراءة في صلاة العيد:
٢٠٧٠ - * روى مسلم عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود: "أن مر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ قال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال عمر: صدقت".
وفي أخرى (١) "قال أبو واقد الليثي: قد سألني مر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله ﷺ في يوم العيد؟ فلت: بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ".
وأخرج الموطأ (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) الرواية الأولى.
أقول: ترد سورة (ق) في ترتيب القرآن قبل سورة القمر، والرواية الأولى تذكر (ق) قبل القمر في القراءة ولا تعارض بينها وبين الرواية التي تذكر القمر قبل (ق) لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب وبعد استقرار ترتيب المصحف على ما هو عليه وهو
стр. 1271
ترتيب توقيفي فإنه يسن أن يقرأ القرآن في الصلاة مرتباً فلا يقرأ بسورة أو بآية متأخرة ثم يقرأ بسورة سابقة، وما ورد على خلاف ذلك محمول على أنه كان قبل استقرار القرآن على الترتيب الحالي الذي كان على آخر عرضة للقرآن من رسول الله ﷺ على جبريل كما هو في القول الراجح لدى العلماء.
٢٠٧١ - * روى الجماعة إلا البخاري عن النعمان بن بشير ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين والجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما.
- الخطبة وبعض آدابها وموقعها:
٢٠٧٢ - * روى الشيخان عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ أن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة".
٢٠٧٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يبدؤون بالصلاة قبل الخطبة في العيد".
٢٠٧٤ - * روى أحمد عن وهب بن كيسان قال: "سمعت عبد الله بن الزبير يوم العيد
стр. 1272
يقول: حين صلى قبل الخُطبة ثم قام يخطب الناس أيها الناس كل سنة الله وسنة رسوله".
أقول: أي كل من الصلاة في محلها والخطبة بعدها سنة رسول الله ﷺ .
٢٠٧٥ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة".
في رواية (١) "أن النبي ﷺ قام فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناس، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة، قلت لعطاء: أترى حقاً على الإمام أن يأتي النساء، فيذكرهن؟ قال: إن ذلك لحق عليهم، وما لهم أن لا يفعلوا؟ ".
وفي أخرى (٢) قال: "شهدت مع النبي ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال: "تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم"، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ فقال طلأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير". قال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتيمهن.
أقول: من هذه الحادثة أخذ بعض العلماء أنه يستحب للإمام أن يذكر من يحتمل أنه لم
стр. 1273
يسمع خطبته بأن يمر على أمثال هؤلاء ويذكرهم.
٢٠٧٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، فنزل ﷺ ، وكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال، فقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ، وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (١). حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة واحدة، لم يجبه غيرها منهن: نعم يا رسول الله- لا يدري الحسن [بن مسلم] من هي؟ قال: "فتصدقن" فبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال.
في رواية (٢) فبسط بلال ثوبه، وقال: هلم فدى لكن أبي وأمي، فيلقين الفتخ والخواتيم.
قال: عبد الرازق: الفتخ: الخواتيم العظام كانت في الجاهلية. ا. هـ. وهي تستعمل في أصابع الأيدي والأرجل بدون فص.
وفي أخرى (٣) أنه قال: أشهد على رسول الله ﷺ خرج، وقال عطاء: أشهد على ابن عباس- أن النبي ﷺ خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع النساء، فوعظهن وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم، والشيء، وبلال يأخذ في طرف ثوبه.
وفي أخرى (٤): أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير- أول ما بويع له-: إنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر، فلا تؤذن لها، قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه، وأرسل
стр. 1274
إليه مع ذلك: إنما الخطبة بعد الصلاة، وإن ذلك قد كان يفعل، قال: فصلى ابن الزبير قبل الخطبة.
ولأبي داود (١) قال: "فجعل بلال يجعله في كسائه، قال: فقسمه على فقراء المسلمين".
وله في أخرى (٢) عن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس قال له رجل: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر، فأتى رسول الله ﷺ العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى، ثم خطب- ولم يذكر أذاناً ولا إقامة- قال: ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن، فأمر بلالاً فأتاهن. ثم رجع إلى النبي ﷺ ".
وأخرج النسائي (٣) رواية أبي داود الآخرة إلى قوله: "ثم خطب، وقال: فأتى النساء فوعظهن وذكرهن، وأمرهن أن يتصدقن، فجعلت المرأة تهوي بيدها إلى حلقها تلقي في ثوب بلال".
أقول: يستفاد من هذه الحادثة الاستفادة من المناسبات التي يجتمع فيها الناس بأن يحض الناس فيها على ما فيه فائدة للفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات وأن يتولى ذلك الخطيب نفسه.
٢٠٧٧ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس- والناس جلوس على صفوفهم- فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثاً أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف، وقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على
стр. 1275
ذلك، حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة في أضحى- أو فطر- فلما أتينا المصلى إذا منبر قد بناه كثير بن الصلت، فإذا هو يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني وارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد، ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة.
في رواية (١) قال: إن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم، فإن كانت له حاجة ببعث ذكره للناس، أو حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا، فكان أكثر من يتصدق النساء، ثم انصرف، فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجت مخاصراً مروان حتى أتينا المصلى، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبراً من طين ولبن، فإذا مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ قال: لا، يا أبا سعيد، قد ترك ما تعلم، قلت: كلا، والذي نفسي بيده، لا تأتون بخير مما أعلم- ثلاث مرات- ثم انصرف.
وفي أخرى (٢) قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى- أو فطر- إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: "يا معشر النساء، تصدقن، فإني أريتكن أكثر أهل النار"، فقلن: لم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"، قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة منكن مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: بلى؟ قال: "فذلك من نقصان عقلها" قال: "أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟ " قلن بلى، قال: "وذلك من نقصان دينها".
стр. 1276
وأخرج النسائي (١) رواية مسلم إلى قوله: أكثر من يتصدق النساء.
أقول: إن إنكار أبي سعيد على مروان الخطبة قبل الصلاة مع وجود النصوص التي تبين فعل الرسول ﷺ أن الصلاة قبل الخطبة دليل على بدعية ما فعله مروان، واقتطاع البعوث وإرسالها يوم العيد وهو اليوم الذي يجتمع فيه أكبر قدر من الناس يفيد أن من السنة الاستفادة من الاجتماع يوم العيد وغيره مما يجتمع له المسلمون في إرسال بعوث الجهاد، ومن الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، فحبذا لو أحييت هذه السنة بأن انتدب الناس للخروج جماعات لزيارة البيوت وغيرها والقرى والأرياف والخيام للدعوة إلى الله، وقد دأب بعض العاملين للإسلام في عصرنا على إحياء هذه السنة فجزاهم الله خيراً وسدد خطاهم ورزقنا وإياهم حسن النية.
- حكم الاستماع لخطبة العيد:
٢٠٧٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة العيد يوم الفطر، فكبَّر تكبير العيد، فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب".
في رواية (٢) النسائي: أن النبي ﷺ صلى العيد، فقال: "من أحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن يقيم للخطبة فليقم".
أقول: ولهذا النص وما يشهد له اعتبر الفقهاء أن سماع الخطبة في العيدين مستحب وليس من باب الفرائض والواجبات إلا أنني أريد أن أنبه إلى أن كثيرين من الناس بدلاً من أن يحرصوا على فعل السنة والمستحب والأدب وما يدخل في المروءات طلباً للكمالات،
стр. 1277
رق دينهم فإذا ما سمعوا أن هذا سنة أو مستحب أو مروءة لا يبالون به، أما أصحاب الأعذار والمبتدئون فهؤلاء لهم حكمهم.
- إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات الرجال:
٢٠٧٩ - * روى الشيخان عن أم عطية ﵂ قالت: أُمِرْنا- في رواية أمَرنا- تعني: النبي ﷺ أن نخرج في العيدين: العواتق وذوات الخدور، وأمر الحُيَّضَ أن يعتزلن مصلى المسلمين.
وفي أخرى (١) أمرنا أن نخرج، ونُخرج الحُيَّضَ العواتق وذوات الخدور قال بن عون: أو العواتق ذوات الخدور- فأما الحُيَّض فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزلن مصلاهم.
قال البخاري عن ابن سيرين: قالت أم عطية: سمعت رسول الله ﷺ .
وفي رواية (٢) قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نُخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحُيَّض فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.
وفي أخرى (٣): كنا نؤمر بالخروج في العيدين، والمخبأة، والبكر قالت: والحُيَّض يخرجن، فيكن خلف الناس، يكبِّرن مع الناس.
وفي أخرى (٤) عن حفصة بنت سيرين قالت: كنا نمنع جوارينا- وفي رواية عواتقنا-
стр. 1278
أن يخرجن يوم العيد، فجاءت امرأة، فنزلت قصر بني خلف، فأتيتها فحدَّثت أن زوج أختها غزا مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة، فكانت أختها معه في ست غزوات، قالت: فكنا نقوم على المرضى ونداوي الكلمى، فقالت: يا رسول الله، على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج- تعني في العيد-؟ قال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها، ويشهدن الخير ودعوة المؤمنين". قالت حفصة: فلما قدمت أم عطية أتيتها، فسألتها: أسمعت في كذا [وكذا]؟ قالت: نعم بأبي- وقلما ذكرت النبي ﷺ إلا قالت: بأبي- قال: "لتخرج العواتق وذوات الخدور" أو قال: "العواتق ذوات الخدور"، شك أيوب- والحُيَّضُ، فتعتزل الحائض المصلى، ولتشهد الخير ودعوة المؤمنين، قالت: فقلت لها: الحُيَّضُ؟ قالت: نعم، أليس الحائض تشهد عرفات، وتشهد كذا وتشهد كذا؟.
وفي أخرى (١) قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور، فأما الحيض، فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: "لتلبسها أختها من جلبابها".
في رواية الترمذي (٢): أن رسول الله ﷺ كان يخرج الأبكار، والعواتق، وذوات الخدور، والحيَّض في العيدين، فأما الحُيَّضُ فيعتزلن المصلى، ويشهدن دعوة المسلمين، قالت إحداهن: يا رسول الله إن لم يكن لها جلباب؟ قال: "فلتعرها أختها من جلابيبها".
ولأبي داود (٣) قالت: والحيض يكن خلف الناس، فيكبرن مع الناس.
стр. 1279
وله في أخرى (١) أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، فأرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم علينا، فرددنا ﵇، ثم قال: "أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكن، وأمرنا بالعيدين أن نخرج فيهما الحُيَّض والعُتَّق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز".
أقول: يشهد النساء صلاة العيد إذا كانت في المصلى بدليل أن الحائض لا يحل لها أن تدخل المسجد والمرأة تكبر يوم العيد سراً، وإذا خرجن إلى المصلى لا يخرجن بزينة ولا طيب ولا أبهة ولا تكشف، ومع ذلك فإن بعض الفقهاء تحرجوا من خروج المرأة يوم العيد لما رأوا في بعض الأزمنة والأمكنة من كثرة الفساد، والأصل أن تخرج المرأة إلى المصلى، وأهل الفتوى إذا وجدوا وضعاً استثنائياً أو إذا رأت المرأة نفسها فساد نية أو احتمال فتنة، فلا يعتبر عدم الخروج في هذه الحالات مخالفة للسنة، وقد رأينا أن أكثر الفقهاء على أن صلاة العيد سنة في حق من تجب عليه الجمعة، والمرأة في الأصل لا تجب عليها الجمعة، فخروجها إذا لم يكن ثمة فساد يخشى منه هو من باب المندوبات أو الآداب، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح فكيف إذا كان هناك مفسدة، فلا شك أن تعطيل الآداب والمندوبات أولى.
- الخطبة على الراحلة واتخاذ عصاً:
٢٠٨٠ - * روى النسائي عن أبي كاهل الأحمسي ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يخطب على ناقته وحبشي يأخذ بخطام الناقة.
أقول: والظاهر أن الخطبة على الراحلة يوم العيد كانت في الحج والله أعلم.
٢٠٨١ - * روى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ خطب يوم العيد على راحلته.
стр. 1280
٢٠٨٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ خطب يوم عيد على راحلته. وقال- أي بن خزيمة-: قال أبو بكر: هذه اللفظة تحتمل معنيين، أحدهما أنه خطب قائماً لا جالساً، والثاني أنه خطب على الأرض. كإنكار أبي سعيد على مروان لما أخرج المنبر، فقال: لم يكن يخرج المنبر.
أقول: إذا كانت صلاة العيد في المسجد فالأصل أن يخطب على المنبر أما إذا كانت الصلاة في المصلى، فإن كان في المصلى منبر خطب عليه الخطيب وإن لم يكن فيه منبر فلا يتكلف إخراج منبر له وإنما يخطب الخطيب واقفاً على الأرض، وهناك حالة يحسن أن تكون خطبة العيد على مكان مرتفع لكثرة الناس وحتى يرى الناس خطيبهم، وعلى هذا تحمل خطبة الرسول ﷺ على الناقة على أحد الوجوه التي حملت عليها هذه الروايات والظاهر أن ذلك كان في الحج.
٢٠٨٣ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ نوول يوم العيد قوساً يخطب عليه.
- نصب الحربة للإمام يوم العيد:
٢٠٨٤ - * روى النسائي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يخرج العنزة يوم الفطر ويوم الأضحى، يركزها فيصلي إليها.
- حكم التنفل قبل وبعد صلاة العيد:
٢٠٨٥ - * روى الجماعة عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج
стр. 1281
يوم عيد، فصلى ركعتين، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها ثم أتى النساء وبلال معه، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تصدَّق بخرصها وسخابها.
في رواية (١) خرج في يوم أضحى، أو فطر.
وفي أخرى (٢) أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين. الحديث.
٢٠٨٦ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ أن عبد الله بن عمر لم يكن يصلي يوم الفطر قبل الصلاة ولا بعدها.
وعند الترمذي: أن ابن عمر خرج يوم عيد، ولم يصل قبلها ولا بعدها، وذكر أن النبي ﷺ فعله.
٢٠٨٧ - * روى أبو يعلى عن أيوب قال: رأيت أنس بن مالك والحسن يصليان يوم
стр. 1282
العيد قبل أن يخرج الإمام قال: ورأيت محمد بن سيرين جاء فجلس ولم يصل.
أقول: الخلاف في الصلاة قبل العيدين وبعدها موجود منذ زمن الصحابة، وقد استمر الخلاف في هذا الموضوع، فالمذاهب الثلاثة غير الشافعية لا يرون الصلاة قبل صلاة العيدين، والشافعية يرون جوازها قبل وبعد، والحنفية أجازوا التنفل بعدها في البيت، والأمر واسع، وترجيح ما عليه الجمهور أولى.
٢٠٨٨ - * روى الطبراني عن أبي مسعود ليس من السنة الصلاة قبل خروج الإمام يوم العيد.
٢٠٨٩ - * روى الطبراني عن ابن سيرين أن ابن مسعود وحذيفة كانا ينهيان الناس أو قال: يجلسان من يريانه يصلي قبل خروج الإمام.
٢٠٩٠ - * روى الطبراني عن ابن سيرين وقتادة أن ابن مسعود كان يصلي بعدها أربع ركعات أو ثمان وكان لا يصلي قبلها.
أقول: رأينا مذهب الحنفية الذي هو امتداد لاجتهادات ابن مسعود أن الحنفية يجيزون التنفل في البيوت بعد صلاة العيد ويشهد لذلك هذا النص:
٢٠٩١ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد، قال:
كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم العيد حتى يطعم، فإذا خرج صلى للناس ركعتين،
стр. 1283
فإذا رجع صلى في بيته ركعتين، وكان لا يصلي قبل الصلاة شيئاً.
- اجتماع العيد والجمعة:
٢٠٩٢ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون".
٢٠٩٣ - * روى أبو داود عن عطاء بن أبي رباح قال: "صلى بنا ابن الزبير يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا، فصلينا وحداناً، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السُّنة".
وفي رواية (١) قال: "اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعاً، فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر".
وفي رواية النسائي (٢) قال: "اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب، فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى، ولم يصل الناس يومئذ الجمعة، فذكر ذلك لابن عباس، فقال: أصاب السنة".
٢٠٩٤ - * روى ابن خزيمة عن وهب بن كيسان، قال: شهدت ابن الزبير بمكة وهو أمير فوافق يوم فطر- أو أضحى- يوم الجمعة، فأخر الخروج حتى ارتفع النهار، فخرج وصعد المنبر، فخطب وأطال، ثم صلى ركعتين ولم يصل الجمعة. فعاب عليه ناس من بني
стр. 1284
أمية بن عبد شمس، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: أصاب ابن الزبير السنة وبلغ ابن الزبير، فقال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا. هذا لفظ حديث أحمد بن عبدة.
وقال- أي بن خزيمة-: قول ابن عباس: أصاب ابن الزبير السنة، يحتمل أن يكون أراد سنة النبي ﷺ ، وجائز أن يكون أراد سنة أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي. ولا أخال أنه أراد به أصاب السنة في تقديمه الخطبة قبل صلاة العيد، لأن هذا الفعل خلاف سنة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وإنما أراد تركه أن يجمع بهم بعد ما قد صلى بهم صلاة العيد فقط، دون تقديم الخطبة قبل صلاة العيد.
٢٠٩٥ - * روى مالك عن أبي عبيد سعد بن عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد مع عثمان وكان يوم جمعة فقال لأهل العوالي: من أحب أن ينتظر الجمعة فليفعل ومن أحب أن يرجع إلى أهله فقد أذنا له.
أقول: رخص الحنابلة أن تصلى الجمعة قبل الزوال كما رخصوا إذا اجتمعت جمعة وعيد للعامة ألا يصلوا الجمعة وأوجبوها على الإمام ودليلهم ما ورد في بعض هذه النصوص ولم يوافقهم جماهير العلماء على ذلك وحملوا الروايات التي ترخص بترك الجمعة لمن صلى العيد على أنه ترخيص لمن يحضر العيد من مكان بعيد فهذا في الأصل لا تجب عليه الجمعة أصلاً كما أنهم لم يروا أن النصوص الواردة في تقديم الجمعة على الزوال قطعية الثبوت أو قطعية الدلالة، وعلى كل فالقضيتان خلافيتان منذ زمن الصحابة واستمر الخلاف فيهما بين أئمة المذاهب، ورأي الجمهور أحوط والأمر واسع، وقد تعرضنا لتفصيل هذا في مبحث الجمعة السابق.
- قضاء صلاة العيد وصلاتها في اليوم الثاني لعذر .
٢٠٩٦ - * روى أبو داود عن أبي عمير بن أنس عن عمومة من أصحاب النبي ﷺ "أن
стр. 1285
ركباً جاؤوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم".
أقول: الجمهور على أنه إذا تأخر وصول الشهود على هلال شوال، إلى ما بعد الزوال في الأول من شوال فإن صلاة عيد الفطر تؤدى في اليوم التالي وكذلك إذا غم في مكان وثبت في مكان آخر ولم يصل الخبر إلا في اليوم الثاني بعد الزوال أفطروا وصلوا العيد في اليوم التالي، وذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر كذلك فيما لو حصل عذر في يوم العيد كمطر شديد فإنها تؤدى في اليوم التالي لعيد الفطر وإن استمر العذر سقطت، وفي عيد الأضحى يمكن أن تؤخر لثلاثة أيام، فإذا استمر العذر سقطت.
قال في (الإعلاء ٨/ ١٠٠):
فيه دلالة على أن صلاة العيد لا تصلى بعد زوال الشمس لأن الركب شهدوا عند النبي ﷺ بعد زوال الشمس أنهم رأوا الهلال، فأمر الناس بالفطر، ولم يصل العيد تلك الساعة، بل أخرها إلى الغد، فدل على عدم جوازها بعد الزوال، وإلا لما أخرها إلى الغد. وقد عرفت إجماع الفقهاء على أن صلاة العيد لا تصلى قبل طلوع الشمس. والحديث يدل على عدم صحتها بعد الزوال، فكان وقتها من الطلوع إلى الزوال.
أقول: لابد من ملاحظة وقتي الكراهة فلا تصليان فيهما.
- الصلاة لمن فاته العيد
٢٠٩٧ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ "أمر مولاه ابن أبي
стр. 1286
عتبة- وكان في الزاوية- فجمع أهله وبنيه، وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم".
أقول: لم يشترط بعض الفقهاء ومنهم الشافعية لإقامة صلاة العيد ما يشترط في صلاة الجمعة ويشهد له فعل أنس ﵁، وقد اشترط بعض الفقهاء كالحنفية بجواز إقامة العيد بنفس الشروط التي تشترط لإقامة الجمعة. فالقضية خلافية والأمر فيها أوسع من الأمر في صلاة الجمعة.
٢٠٩٨ - * روى الطبراني عن الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود: "من فاتته العيد فليصل أربعاً".
وقال في عمدة القاري تحت ما بوب البخاري (إذا فاته العيد يصلي ركعتين) ما نصه: وقالت طائفة يصليها إن شاء أربعاً روي ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال الثوري وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل فإن شاء صلى أربعاً وإن شاء ركعتين، وفي "الدر المختار" فإن عجز صلى أربعاً كالضحى، وفي "رد المحتار": أي استحباباً، وقوله كالضحى معناه أنه لا يكبر فيها للزوائد مثل العيد. فهي صلاة نافلة تقوم مقام العيد اهـ (الإعلاء).
وقد مر معنا رأي المذاهب فيمن فاتته صلاة العيد فعند المالكية والحنفية: لا تقضى وعند الحنابلة والشافعية: تقضى كصفتها لفعل أنس ﵁.
- النحر يوم الأضحى:
٢٠٩٩ - * روى الجماعة عن البراء بن عازب ﵁ قال: "خرج رسول الله يوم
стр. 1287
الأضحى إلى البقيع، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه، وخطب، وقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا: أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدَّمه لأهله، ليس من النسك في شيء.
- الرخصة في اللعب واللهو يوم العيد:
٢١٠٠ - * روى ابن ماجة عن قيس بن سعد؛ قال: ما كان شيء على عهد رسول الله ﷺ إلا وقد رأيته إلا شيء واحد. فإن رسول الله ﷺ كان يقلس له يوم الفطر.
٢١٠١ - * روى الشيخان عن عائشة قالت "دخل على رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ! فأقبل عليه رسول الله ﵇ فقال: دعهما. فلما غفل غمزتهما فخرجتا".
وفي رواية لمسلم (١) تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين ...
قال النووي (٦/ ١٨٢ - ١٨٣): اختلف العلماء في الغناء فأباحه جماعة من أهل الحجاز وهي رواية عن مالك وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق ومذهب الشافعي كراهته وهو المشهور من مذهب مالك واحتج المجوزون بهذا الحديث وأجاب الآخرون بأن هذا الغناء إنما كان في الشجاعة والقتل والحذق في القتال ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر ويحملها على البطالة والقبيح قال القاضي: إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار
стр. 1288
الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة وهذا لا يهيج الجواري على شر ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد ولهذا قالت وليستا بمغنيتين أي ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس ويبعث الهوى والغزل كما قيل الغنا فيه الزنا، وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير وعمل يحرك الساكن ويبعث الكامن ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبا والعرب تسمي الإنشاد غناء وليس هو من الغناء المختلف فيه بل هو مباح وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاء والترنم وأجازوا الحداء وفعلوه بحضرة النبي ﷺ وفي هذا كله إباحة مثل هذا وما في معناه وهذا ومثله ليس بحرام ا. هـ.
٢١٠٢ - * روى البخاري عن عائشة قالت: "وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي ﷺ وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة. حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم. قال: فاذهبي".
قال ابن حجر (٢/ ٤٤٣) ك هذا حديث آخر وقد جمعهما بعض الرواة وأفردهما بعضهم، وقد تقدم هذا الحديث الثاني من وجه آخر عن الزهري عن عروة في أبواب المساجد، ووقع عند الجوزقي في حديث الباب هنا "وقالت- أي عائشة- كان يوم عيد" فتبين أنه موصول كالأول.
...
стр. 1289
الباب الثامن
في الصلوات في الأحوال العارضة
وفيه مقدمة وفقرات
الفقرة الأولى: في صلاة المسافر.
الفقرة الثانية: في صلاة المريض.
الفقرة الثالثة: في صلاة الخوف.
стр. 1290
المقدمة
من رحمة الله تعالى بهذه الإنسانية أن جعل الدين الذي كلفها به هو الإسلام الذي بعث به محمداً ﷺ كاملاً، ومن كماله أنه رفع فيه الحرج وجعل فيه اليسر، ومن كماله أنه جعله مراعياً لفطرة الإنسان بحيث أعطى لهذه الفطرة ما يمكن أن تتطلع إليه من تطلعات صحيحة سليمة، ومن كماله أنه دين واقعي جعل للأوضاع الأصلية أحكامها وللأوضاع الاستثنائية أحكامها، وراعى الحالات الطارئة التي يمكن أن تطرأ على الإنسان فأعطاها أحكاماً تناسبها دون أن يخل ذلك بما أراده الله لهذا الإنسان بهذا الدين من عبادة وعبودية واستسلام لله وتسليم، وأبرز ما تظهر فيه هذه المعاني جميعها في موضوع الصلاة ما نجده في فقرات هذا الباب.
فمما يعرض للإنسان: المرض قد يلازمه أحياناً، وهناك نوع من الأمراض يتعذر على الإنسان فيها أن يقيم الصلاة كما يقيمها في الأوضاع العادية، فراعى الشارع ذلك، وخفف على الإنسان بعض الأحكام، ومما يطرأ على حياة الإنسان السفر وبعض الناس يضطرون للأسفار الطويلة، فالسفر فيه مشقة، وقد لا يتاح للإنسان فيه ما يتاح له وهو مقيم، ولذلك كان للسفر أحكامه، وتمر على الإنسان حالات يدخل بها في دائرة الخطر، كأن يدخل في قتال أو يكون معرضاً في بعض الصور من الاحتياج لو أنه أدى الصلاة المعهودة ما هي، ولذلك فقد جعل الله لحالات الخوف أحكاماً خاصة، ولذلك عقدنا هذا الباب الذي نتحدث فيه عن صلاة المسافر وصلاة المريض وصلاة الخوف، وقد مرت معنا بمناسبات أخرى بعض الأحكام التي ترتبط بمثل هذه الشؤون، ففي أبحاث الطهارة كلام عما يؤثر على الأحكام الأصلية بسبب سفر أو مرض أو خوف، وفي بحث أوقات الصلاة مر معنا بعض الأحكام الاستثنائية المتعلقة بهذه الأوضاع الطارئة، وها هنا نكمل الحديث عن هذه الأشياء وما تتأثر به الصلاة بسببها، وبين صلاة الخوف والسفر ارتباط يظهر ذلك في أن الحديث عنهما جاء في سياق واحد في سورة النساء، كما أن بعض النصوص ربطت بين السفر والمرض بأن ذكرتهما في سياق واحد، ولذلك جعلنا فقرات هذا الباب مع بعضها، مع أن هناك أوضاعاً طارئة أخرى تؤثر على الأحكام العادية للصلاة،
стр. 1291
ولكنها مرت معنا بسياقات مناسبة أخرى.
انظر إلى الربط بين صلاة المسافر وصلاة الخوف في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (١).
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٢).
وانظر مجيء المرض والسفر في سياق واحد في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣).
ولذلك جعلنا صلاة المسافر والمريض وصلاة الخوف في باب واحد، وها نحن نبدأ بعرض الفقرة الأولى:
стр. 1292
الفقرة الأولى
في صلاة المسافر
عرض إجمالي
للسفر أحكام خاصة وآداب، وبعض آداب السفر سنذكرها في جزء مستقل في القسم الرابع من هذا الكتاب، قسم العاديات والحياتيات، وهناك أحكام خاصة بصلاة المسافر موضعها جزء الصلاة عامة وههنا نذكر بعضاً منها.
فمن آداب المسافر إذا أراد الخروج للسفر أن يصلي ركعتين، وإذا عاد من سفره أن يصلي ركعتين، وفيما بين الذهاب والإياب فإن لصلاة المسافر أحكاماً منها ما هو محل خلاف كجواز الجمع بين الصلاتين في السفر، فالحنفية لا يرون ذلك إلا في عرفة ومزدلفة فالجمع تقديماً بين الظهر والعصر في عرفة والجمع تأخيراً بين المغرب والعشاء في مزدلفة، وقد رأينا الخلاف في ذلك.
ومن الأحكام المتفق عليها بين الفقهاء مشروعية القصر في الصلاة الرباعية للمسافر على خلاف كثير في بعض التفصيلات:
إن قصر الصلاة الرباعية جائز في القرآن والسنة والإجماع، وقد ربط القرآن بين القصر والخوف، ربطاً اتفاقياً لأنه كان هناك تلازم في الأغلب بين السفر والخوف في أول الإسلام، ولكن الرسول ﷺ بين أن صلاة السفر مطلقاً تقصر وأن الربط بين صلاة السفر والخوف في القرآن كان اتفاقياً إذ لم تكن مشروعية القصر في السفر مرتبطة ارتباطاً دائماً بالخوف، والقصر هو اختصار الصلاة الرباعية إلى ركعتين فلا قصر في الفجر والمغرب.
وقد قال الحنفية: إن القصر واجب على المسافر، ففرض المسافر في كل صلاة رباعية ركعتان ولا تجوز له الزيادة عليهما عمداً، ويجب سجود السهو إن زاد عليهما سهواً، فإن أتم الرباعية وصلى أربعاً وقد قعد في الثانية مقدار التشهد أجزأته الركعتان عن فرضه وكانت الركعتان الأخريان له نافلة ويكون مسيئاً وإن لم يقعد في الثانية مقدار التشهد بطلت صلاته عندهم.
стр. 1293
وقال بعض المالكية: القصر سنة مؤكدة، وقال الشافعية والحنابلة: القصر رخصة، والمسافر مخير بين الإتمام والقصر، والقصر عند الحنابلة أفضل، وعند الشافعية تفصيل في الأفضلية، والجمهور يرون أن المسافر سفر معصية لا يباح له القصر، وخالف في ذلك الحنفية فأجازوا القصر لكل مسافر.
وقد اختلف الفقهاء في تقدير المسافة التي إذا قصدها الإنسان أو قصد أكثر منها جاز له القصر، فعند الحنفية تقدر بحوالي ٨١ كيلو متراً وعند الحنابلة والشافعية تقدر بحوالي ٧٧ كيلو متراً، وعند المالكية تقدر بحوالي ٨٩ كيلو متراً.
والعبرة بالمسافة عند الجميع لا بالزمن الذي يقطع به هذه المسافة، وهذا كله إذا كان يقصد السفر.
قال الحنفية: من خرج دون أن يقصد السفر ثم انتقل من مكان إلى مكان لا بنية سفر لا يعتبر مسافراً.
ولا يضر عند الحنابلة نقصان المسافة حوالي ٥ كيلو متراً ونيف ولا يضر عند المالكية نقصان المسافة ٢١ كيلو متراً.
واستثنى المالكية خلافاً لغيرهم من هذه المسافات أهل مكة ومنى ومزدلفة والمحصب إذا خرجوا في الحج للوقوف في عرفة، فإنهم يقصرون ما داموا في الحج إلا في وطنهم، وقد ترخص بعضهم بأن أباح القصر لأدنى سفر وهو ليس بشيء، لأن الانتقال من موطن الإنسان إلى مكانه قريب منه لا يعتبر سفراً.
ولا تكفي نية السفر لقصر الصلاة قبل مباشرة السفر وتجاوز حدود البلد.
وقد اتفق الفقهاء على أن أول السفر الذي يجوز به القصر أن يجاوز العمران من الجانب الذي يخرج منه، فإذا عاد إلى بلده وجب عليه الإتمام متى دخل أول بيوت البلد.
ويصير المسافر مقيماً عند الحنفية ويمتنع عليه القصر إذا نوى الإقامة في بلد خمسة عشر يوماً فصاعداً، فإذا لم ينو الإقامة في بلد واحد هذه المدة فإنه يجب عليه القصر منذ مجاوزته حدود بلده حتى عودته، وإذا خرج بنية قضاء حاجة معينة ثم العود إذا قضاها ولم ينو
стр. 1294
إقامة وكان يترقب السفر بأن ينوي الخروج غداً أو بعد غد مثلاً فإنه يعتبر مسافراً ولو طال الزمن.
ومن كان تبعاً لغيره وليس أمره له فالعبرة بنية الغير والمقاتلون في حالة الحرب أو حالة الحصار يقصرون ولو نووا الإقامة خمسة عشر يوماً لأنه لا عبرة بهذه النية لأنه لا يعرف ماذا يجري في حالة الحرب والحصار، وقال المالكية والشافعية إذا نوى المسافر الإقامة أربعة أيام بموضع أتم صلاته ولم يحسب بعض المالكية والشافعية يومي الدخول والخروج، وقال الحنابلة: إذا نوى أكثر من أربعة أيام أو أكثر من عشرين صلاة أتم، ويحسب من المدة عند الحنابلة يوم الدخول والخروج، فإن كان ينتظر قضاء حاجة يتوقعها كل وقت، أو يرجو نجاحها أو جهاد عدو أو على أهبة السفر يوماً فيوماً جاز له القصر عند المالكية والحنابلة والحنفية مهما طالت المدة ما لم ينو الإقامة، وقال الشافعية له القصر ثمانية عشر يوماً غير يومي الدخول والخروج.
وهناك صورة يعرف الإنسان فيها بواقع الحال أو بالاستئناس إن كان أمره تبعاً لغيره كالسجين غير المحكوم أو الطالب في البلد البعيد، فمثل هذا يجب عليه الإتمام متى تيقن الإقامة أو غلب على ظنه أنه سيطيل البقاء أكثر من المدة التي يجب عليه فيها أن يقصر.
وإذا اقتدى مسافر بمقيم فعلى المسافر أن يتم صلاته ولو اقتدى به في التشهد الأخير، لكن الحنفية لم يجيزوا اقتداء المسافر بالمقيم إلا في الوقت، ولابد عند الشافعية والحنابلة أن ينوي القصر عند الإحرام بالصلاة، واكتفى المالكية بأن ينوي القصر في أول صلاة يقصرها في السفر، أما الحنفية فلا يحتاج قصر الصلاة للمسافر إلى نية القصر عندهم.
واشترط الشافعية أن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها فمثلاً لو انتهت به سفينته إلى محل إقامته أو شك هل نوى الإقامة أتم صلاته وإذا اقتدى المقيم بالمسافر فإنه يكمل صلاته بعد تسليم المسافر، ويستحب للمسافر الإمام أن يقول عقب التسليمتين أتموا صلاتكم فإني مسافر، ولو نبه المأمومين قبل الصلاة يكون حسناً، ومن أتم بعد تسليم إمامه المسافر يعتبر عند الحنفية وكأنه وراء الإمام فلا يقرأ شيئاً من القرآن في بقية صلاته بل يقف مقدار الفاتحة ثم يركع.
стр. 1295
ومن فاتته صلاة في سفر قضاها عند الحنفية والمالكية في الإقامة ركعتين كما أن من فاتته صلاة في الحضر قضاها في السفر كما وجبت عليه في الحضر، وقال الشافعية والحنابلة: صلاة الحضر تقضى في السفر كما وجبت في الحضر وفائتة السفر تقضى تامة دون قصر في حالة نية الإقامة.
قال النووي: اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة في السفر، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور، وقال الحنفية ويأتي المسافر بالسنن الرواتب حال الأمن والقرار، أي إذا كان نازلاً مستقراً، وإلا فإن كان في حال خوف أو فرار أو سير أو مع صحبة يتأذون بتطويل مكثه، فإنه يترك الرواتب والنفل والمطلق من باب أولى.
وقد مر معنا موضوع الجمع بين الصلاتين للمسافر في بحث أوقات الصلاة فليراجع هناك، وفي تعليقاتنا على النصوص وفي المسائل والفوائد سنستكمل ما يحتاج إليه القارئ في هذا الموضوع.
انظر (اللباب ١/ ١٠٦)، (رد المحتار، حاشية ابن عابدين ١/ ٥٢٥ - ٥٣٥)، (الشرح الصغير ١/ ٤٧٤ - ٤٨٦)، (والمهذب ١/ ١٠١ - ١٠٤)، (المغني ٢/ ٢٥٥ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٣٢٠ فما بعدها).
فإلى النصوص:
стр. 1296
نصوص في صلاة المسافر
- مسافة القصر:
٢١٠٣ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال يحيى بن يزيد الهنائي: "سألت أنساً عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ- شك شعبة- صلى ركعتين".
أقول: لا يفهم من النص أن مقصد الرسول ﷺ كان ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ بل المقصود ههنا أنه إذا جاوز العمران هذا القدر وحان وقت صلاة رباعية صلاها ركعتين، وللمسافر حق القصر بمجرد مجاوزة عمران البلد ومرافقها التابعة لها والملاصقة لها إذا كانت مسافة سفره تزيد عن ما ذكرناه من أقوال الفقهاء.
٢١٠٤ - * روى مالك عن مالك بن أنس بلغه أن ابن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة، قال مالك: أربعة برد.
أقول: والفرسخ يساوي ٥٥٤٤ م ولذلك قدر المالكية الأربعة برد بحوالي ٨٩ كيلو متراً، والبريد على القول بأنه ٤ فراسخ يعدل حوالي ٢٣ كم ويتساهل جماهير العلماء فيما لو نقص المكان المقصود في السفر عن أربعة برد شيئاً قليلاً ذكرناه في العرض الإجمالي، والمسافة بين
стр. 1297
مكة وجدة ومكة والطائف تنقص الآن قليلاً عن ثمانين كيلو متراً، ومن القول إن البريد فرسخان فقد نعرف أن هناك اتجاهاً عند العلماء لكنه ليس مفتى به أن مسافة السفر التي يجوز معها القصر حوالي ٤٥ كم.
٢١٠٥ - * روى مالك عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن أباه ركب إلى ريم أو ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك أربعة برد، وفي أخرى له (١) "أنه ركب إلى ذات النصب، فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد" وفي أخرى (٢) له "أن ابن عمر كان يقصر الصلاة في مسيره اليوم التام" وفي أخرى (٣) له عن نافع: "أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة" وفي أخرى (٤) عن نافع "أن ابن عمر كان يسافر من المدينة إلى خيبر فيقصر الصلاة".
أقول ما بين خيبر والمدينة المنورة حوالي ١٤٠ كم، وقد نصت إحدى الروايات على أنه لا يقصر إذا كان قصده مسيرة بريد، وهذا دليل للقول المفتى به في المذاهب الأربعة أن ليس كل سفر تقصر فيه الصلاة، وأما الرواية التي تذكر اليوم التام فهي دليل على ما ذكرناه من ناحية، وتحتمل السير المتواصل الجاد الذي يقطع به الراكب في يوم ما يقطعه الراكب في الأوضاع العادية بثلاثة أيام كما قدره الحنفية، أو يومين كما قدره الشافعية والحنابلة وعلى كل فالتقديرات في القول المفتى به في المذاهب الأربعة متقاربة كما رأينا لأن المقياس الذي قيس به السير مختلف، فلو قدره بعضهم بيومين وبعضهم بثلاثة فالمحصلة نتيجة الاختلاف في مقياس السير متقاربة.
٢١٠٦ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال "صليت الظهر مع رسول الله ﷺ بالمدينة أربعاً، وخرج يريد مكة، فصلى بذي الحليفة العصر ركعتين، وعند
стр. 1298
البخاري (١) أيضاً قال: "صلى النبي ﷺ بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب واستوت به: أهلَّ. وفي أخرى (٢) قال: وأحسبه بات بها حتى أصبح. وفي أخرى (٣) وسمعتهم يصرخون بهما جميعاً.
أقول: هذا دليل على أن المسافر لا يقصر حتى يتجاوز عمران البلد، فإذا تجاوزها قصر الصلاة الرباعية، ولعل هذا الحديث يفسر أول حديث ذكرناه في الفقرة وهو عن أنس أيضاً، فذكرنا هناك أن مقصد الرسول ﷺ كان بعيداً ولكن حانت أول صلاة على مسافة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ فصلاها ركعتين وذو الحليفة تبعد عن المدينة المنورة حوالي ٨ كم، فقد تكون هذه الرواية مفسرة للرواية الأولى التي ذكرناها عن أنس.
٢١٠٧ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر أن ابن عمر كان إذا خرج حاجاً أو معتمراً قصر الصلاة بذي الحليفة".
وهذا الأثر يؤكد فهمنا الذي ذكرناه آنفاً.
٢١٠٨ - * روى مسلم عن جبير بن نفير ﵁ قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر ميلاً- أو ثمانية عشر ميلاً- فصلى ركعتين، فقلت له: فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل. وفي رواية لمسلم (٦) قال بهذا الإسناد، وقال: عن ابن السمط، ولم يسم شرحبيل، وقال: إنه أتى أرضاً يقال لها: دومين من حمص، على رأس ثمانية عشر ميلاً.
стр. 1299
قال النووي في شرح مسلم (دومين بضم الدال وفتحها: وجهان مشهوران).
أقول: لا يعتبر ما ورد في هذا النص حجة في تقدير المسافة التي يجوز فيها القصر، لأن صلاة رسول الله ﷺ في ذي الحليفة قصراً كانت في سفر يقصد فيه مسافة بعيدة، والمفروض أن عمر ﵁ فعل ذلك وهو يقصد سفراً طويلاً فظن من ظن أن أدنى خروج من البلد يعتبر سفراً، وهذا خطأ فقد يخرج للنزهة فيبتعد عن العمران أكثر من ذي الحليفة من المدينة ولا يعتبر ذلك سفراً في عرف أحد، ولا يعتبر ضرباً في الأرض وهو الشيء الذي علق به قصر الصلاة في القرآن قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١).
- وجوب القصر في السفر:
٢١٠٩ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ أقام بمكة عشر ليال يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام، فيصليها بصلاته. وفي أخرى (٢) أنه كان يقول: أصلي صلاة المسافر ما لم أجمع مكثاً، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة".
٢١١٠ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر كان يصلي وراء الإمام أربعاً، فإذا صلى لنفسه صلى ركعتين.
٢١١١ - * روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال عبد الرحمن بن
стр. 1300
يزيد- وهو أخو الأسود النخعي-: "صلى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود، فقال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، فيا ليت حظي من أربع ركعات: ركعتان متقبلتان.
وفي أخرى (١) لأبي داود زيادة ومع عثمان صدراً من إمارته، ثم أتمها ... وذكر الحديث وفي رواية النسائي (٢) قال: صلى عثمان بمنى أربعاً، حتى بلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فقال: لقد صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وله في أخرى (٣) قال: صليت مع رسول الله ﷺ في السفر ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين.
أقول: مما عاب الناس على عثمان ﵁ أنه أتم الصلاة وهو مسافر ولم يكن لهم أن يعيبوه لأنه خليفة راشد يقتدى به لا شك أن له ملحظاً جعله يفعل ذلك وقد رأينا أن الشافعية والحنابلة يرون جواز الإتمام والقصر في السفر.
قال ابن القيم في زاد المعاد: إن عثمان قد أتم في آخر خلافته، وكان ذلك أحد الأسباب التي أنكرت عليه، وقد خرج لفعله تأويلات:
أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر، ورد هذا التأويل بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي ﷺ ، فكانوا حديثي العهد بالإسلام والعهد بالصلاة قريب، ومع هذا فلم يرجع بهم النبي ﷺ .
الثاني: أنه كان إماماً للناس والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته، فكأنه وطنه،