جنبه، مستقبلاً القبلة بوجهه ومقدم بدنه. والجنب الأيمن أفضل للاضطجاع عليه من الأيسر، والأيسر بلا عذر مكروه.
فإن لم يقدر على الاضطجاع استلقى، ويرفع وجوباً رأسه بشيء كوسادة ليتوجه إلى القبلة بوجهه ومقدم بدنه.
ويركع ويسجد بقدر إمكانه، فيومئ برأسه للركوع والسجود، وإيماؤه للسجود أكثر، قدر إمكانه.
فإن لم يقدر، أومأ بطرفه (أي بصره) إلى أفعال الصلاة.
فإن لم يقدر، أجرى الأركان على قلبه، مع السنن، بأن يمثل نفسه قائماً وراكعاً، وهكذا؛ لأنه الممكن.
فإن اعتقل لسانه، أجرى القراءة وغيرها على قلبه كذلك.
ولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله ثابتاً، لوجود مناط التكليف.
ومتى قدر على مرتبة من المراتب السابقة في أثناء الصلاة، لزمه الإتيان بها.
وللقادر على القيام: أن يتنفل قاعداً، أو مضطجعاً في الأصح، لا مستلقياً، ويقعد للركوع والسجود ولا يومئ بهما إن اضطجع، لعدم وروده في السنة.
والخلاصة: أن المريض يصلي كيف أمكنه ولو مومياً ولا يعيد، والغريق والمحبوس يصليان موميين ويعيدان. انظر (المهذب ١/ ١٠١)، (الفقه الإسلامي ١/ ٦٤٢).
وقال الحنابلة: إن لم يستطع المريض القيم أو شق عليه مشقة شديدة لضرر من زيادة مرض، أو تأخر برء ونحوه، فإنه يصلي قاعداً، متربعاً ندباً كمتنفل وكيف قعد جاز كالمتنفل، ويثني رجليه في ركوع وسجود، كمتنفل. انظر (المغني ٢/ ١٤٣ - ١٤٩).
والخلاصة: أن أقصى حالات التيسير للمريض هو الإيماء بالرأس عند الحنفية، والإيماء بالطرف (البصر أو العين) أو مجرد النية عند المالكية، وإجراء الأركان على القلب عند الشافعية والحنابلة.
стр. 1332
واتفق الكل على أنه لا تسقط الصلاة عن المرء ما دام في عقله.
انظر (الفقه الإسلامي ١/ ٦٤٤ - ٦٤٥).
وهذه نصوص تتعلق بصلاة المريض:
стр. 1333
نصوص في صلاة المريض
٢١٥٨ - * روى البخاري عن عمران بن حصين ﵁ قال: "كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" وفي رواية (١) "أنه سأل النبي ﷺ عن صلاة الرجل قاعداً؟ قال: إن صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد"، إلا أنه لم يذكر البواسير، وقال: "سألته عن صلاة المريض؟ ".
ولأبي داود في أخرى (٢) "أنه سأل النبي ﷺ عن صلاة الرجل قاعداً؟ قال: صلاته قائماً أفضل من صلاته قاعداً، وصلاته قاعداً على النصف من صلاته قائماً، وصلاته نائماً على النصف من صلاته قاعداً"، وله في أخرى (٣) قال: "كان بي الناصور، فسألت النبي ﷺ ؟ وذكر مثل الرواية الأولى".
وللبخاري (٤) عن عمران بن حصين- وكان مبسوراً "سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قائماً؟ .. الحديث" وأخرج النسائي (٥) الرواية الثانية.
وأخرج ابن خزيمة (٦) الرواية الأولى.
стр. 1334
قال ابن خزيمة: قد كنت أعلمت قبل أن العرب توقع اسم النائم على المضطجع وعلى النائم الزائل العقل بالنوم، وإنما أراد المصطفى ﷺ بقوله: وصلاة النائم: المضطجع لا زائل العقل بالنوم، إذ زائل العقل بالنوم لا يعقل الصلاة في وقت زوال العقل.
أقول: لا تجوز صلاة الفريضة إلا بقيام إلا إذا كان هناك عذر يجيز القعود فما سواه، كالمرض مثلاً وما ذكر في النص عن أن صلاة القاعد على النصف من أجر القائم فذلك محمول على التنفل، وللمتنفل أن يصلي قاعداً أو مضطجعاً أو على دابة وفي صلاته مضطجعاً خلاف وما ذكر في الحديث مما يفهم منه أن من كان معه بواسير جاز له أن يصلي قاعداً فذلك محمول على صورتين: الأولى أن تصيبه بسبب القيام آلام شديدة، والصورة الثانية: أن ينزف دماً حال القيام ويقل أو ينعدم نزيفه حال القعود، ومن صلى قاعداً أو غير ذلك بسبب المرض فله أجره كما لو صلى قائماً. انظر (فتح الباري ٢/ ٥٨٥).
٢١٥٩ - * روى البخاري عن الزهري سمع أنس بن مالك- وهذا حديث عبد الجبار- قال: "سقط رسول الله ﷺ من فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا نعوده فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعداً".
٢١٦٠ - * روى الشيخان عن عائشة قالت: لما مرض رسول الله ﷺ مرضه الذي مات فيه، جاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال: "مروا أبا بكر، فليصل بالناس". قلنا: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، ومتى ما يقوم مقامك يبكي، فلا يستطيع، فلو أمرت عمر أن يصلي بالناس قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس- ثلاث مرات-
стр. 1335
"فإنكن صواحبات يوسف". قالت: فأرسلنا إلى أبي بكر، فصلى بالناس، فوجد النبي ﷺ خفة، فخرج يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض. فلما أحس به أبو بكر، ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ : أن مكانك. قال: فجاء النبي ﷺ ، فجلس إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ والناس يأتمون بأبي بكر رضوان الله عليه. هذا حديث وكيع وقال في حديث أبي معاوية: وكان رسول الله ﷺ قاعداًن وأبو بكر قائماً.
قال ابن خزيمة: قال قوم من أهل الحديث إذا صلى الإمام المريض جالساً، صلى من خلفه قياماً إذا قدروا على القيام، وقالوا: خبر الأسود وعروة عن عائشة ناسخ للأخبار التي تقدم ذكرنا لها في أمر النبي ﷺ أصحابه بالجلوس إذا صلى الإمام جالساً. قالوا: لأن تلك الأخبار عند سقوط النبي ﷺ من الفرس، وهذا الخبر في مرضه الذي توفي فيه: قالوا: والفعل الآخر ناسخ لما تقدم من فعله وقوله.
٢١٦١ - * روى البزار عن جابر بن عبد الله قال: عاد رسول الله ﷺ مريضاً وأنا معه فرآه يصلي ويسجد على وسادة فنهاه وقال: "إن استطعت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأومئ إيماءً واجعل السجود أخفض من الركوع".
٢١٦٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع منكم أن يسجد فليسجد ومن لم يستطع فلا يرفع إلى جبهته شيئاً يسجد عليه ولكن ركوعه وسجوده يومئ إيماءً".
стр. 1336
٢١٦٣ - * روى أحمد عن المختار قال سألت أنساً عن صلاة المريض فقال: يركع ويسجد قاعداً في المكتوبة.
٢١٦٤ - * روى الطبراني عن ابن مسعود أنه دخل على أخيه عتبة وهو يصلي على سواك يرفعه إلى وجهه فأخذه فرمى به ثم قال: أوم إيماءً ولتكن ركعتك أرفع من سجدتك.
стр. 1337
الفقرة الثالثة
في صلاة الخوف
مقدمة
من معجزات هذا الدين انسجام تكاليفه مع بعضها ومن معجزاته شمولية بعض النصوص بحيث تسع الزمان والمكان، ومن معجزاته أن كانت بعض نصوصه قابلة لتعدد الفهم مما أدى إلى اختلاف أئمة الاجتهاد بما يسع الزمان والمكان كذلك، ومما تظهر به هذه القضايا مجتمعة صلاة الخوف.
فالمكلف في الإسلام مكلف بالعبادة والعبودية والإيمان بالقدر والتوكل والأخذ بالأسباب، فمن عبادات الإسلام الصلاة والجهاد، والمسلم يقاتل متوكلاً على الله راضياً بقضائه، آخذاً بالأسباب ومن أهم مبادئ القتال التي ينبغي أن يراعيها المقاتل مبدأ المفاجأة، فهو من ناحية عليه أن يعمل الحيلة ليفاجئ خصمه وعليه أن يكون في غاية الحذر كي لا يفاجئه خصمه.
وصلاة الخوف تجتمع فيه مراعاة كل ما مر.
فالمسلم وهو يقاتل لا يغفل عن أداء الصلاة، وقد شرعت له صلاة الخوف ليستطيع أن يصلي في أي ظرف قتالي يواجهه، وكي لا يباغت المسلم من قبل الخصم شرعت صلاة الخوف بما يحقق الحذر من المفاجأة والمباغتة، وتعددت صورها في النصوص بما يسع الزمان والمكان، وذلك من مظاهر معجزات هذا الدين، فانسجام تكاليفه ومراعاته كل مصالح الإنسان الروحية والمادية، وإذا تأملت أقوال العلماء فيما ورد في صلاة الخوف تجد معجزة أخرى من معجزات الإسلام، وذلك أن القرآن الكريم تحدث في مقامين عن صلاة الخوف:
المقام الأول: في سورة النساء وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ
стр. 1338
كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (١).
ولقد أعطى الرسول ﷺ لصلاة الخوف سبع صيغ تحقق مقاصدها وقد أخذ بها جميعاً فقهاء الحنابلة لأنها بمجموعها تراعي الظروف التي يمكن أن تواجه المقاتل في عصر النبوة والعصور التي تشابهه في طرق القتال ووسائله.
والمقام الآخر: الذي تحدث عنه القرآن عن صلاة الخوف هو ما ذكره في سورة البقرة، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢) أي صلوا مترجلين أو راكبين بالقدر الذي تستطيعون.
ومن تأمل وسائل الحرب في عصرنا وجد أن تطبيق آية البقرة هو الذي يتلاءم مع ظروف الحرب في عصرنا. فالطيران والمدفعية والصواريخ لا تعطي مجالاً في عصرنا لصلاة الخوف كما وردت في سورة النساء، فإذا علمت أن أبا يوسف من فقهاء الحنفية قال: إن صلاة الخوف مشروعة في سورة النساء خاصة بعصر النبوة لأن الخطاب فيها لرسول الله ﷺ ، فهي خاصة به ولأن للصلاة وراء رسول الله ﷺ ميزة وفضلاً وأجراً لا ينالها الإنسان إلا بالصلاة وراءه، أما في غير عصر النبوة وما لم تكن الصلاة وراء رسول الله ﷺ بالإمكان أني صلي المسلمون جماعات متعددة، ولم يوافق على اتجاه أبي يوسف بقية الأئمة ولكنا في عصرنا ندرك أهمية هذا القول حيث لا يمكن أن تتحقق صلاة الخوف كما وردت في سورة النساء على أرض الواقع.
فوجود صيغة أخرى لصلاة الخوف في القرآن تسع زماننا، وشمولية النصوص بحيث راعت كل صورة محتملة تواجهها الأمة الإسلامية، واختلاف الأئمة بحيث رأى بعضهم كأبي يوسف خصوصية آيات سورة النساء في عصر النبوة، ووجود بعض الفقهاء الذين قالوا باستمرارية الأحكام التي وردت في سورة النساء بحيث طبقها المسلمون خلال عصور طويلة، حيث كانت وسائل القتال تشبه وسائل القتال في عصر النبوة حتى إذا جاء عصرنا الذي
стр. 1339
أصبح انتشار الجندي فيه أثناء القتال قانوناً من قوانين الحرب الحديثة رأينا نص سورة البقرة الذي يسع هذا الوضع ورأينا كلام أبي يوسف في آيات سورة النساء، وذلك كله من معجزات هذا الدين الذي يسع الزمان والمكان، والتي كانت بعض نصوصه تؤدي إلى اختلاف أئمة الاجتهاد بما يسع الزمان والمكان، ومن ههنا تدرك ضيق أفق الذين يضيقون ذرعاً باختلاف أئمة الاجتهاد، فيجعلون ما هو ميزة لهذا الدين وكأنه وصمة عار على المقلدين للأئمة المجتهدين وها نحن بعد هذه المقدمة نستخلص لك عرضاً إجمالياً لصلاة الخوف.
стр. 1340
عرض إجمالي
ثبتت صلاة الخوف في الكتاب والسنة، وصح أنه ﷺ صلاها في أربعة مواضع في غزوة ذات الرقاع وبطن نخل وذي قرد وعسفان، وقد صلاها النبي ﷺ أربعاً وعشرين مرة، وصلاها الصحابة من بعده ﵊.
وجمهور الفقهاء على أن الكيفيات التي صلى بها رسول الله ﷺ تطبيقاً لآيات سورة النساء مشروعة بعده ﵊ إلا ما كان من أبي يوسف كما رأينا.
صلاة الخوف التي وردت في سورة النساء وتطبيقاتها في حياة رسول الله ﷺ سببها الخوف من هجوم العدو وذلك لا يتحقق إلا في حالة حضور العدو.
وصلاة الخوف كما وردت في سورة البقرة لا تختص بحالة القتال بل تجوز في كل خوف: كهرب من سيل أو حريق أو سبع أو جمل أو كلب ضار أو صائل أو لص أو حية ونحو ذلك ولم يجد معدلاً عنه سواء في ذلك السفر والحضر والبحر والبر، ومع أن أكثر الفقهاء على جواز صلاة الخوف كما وردت في سورة النساء وعلى جواز صلاتها بالكيفيات التي صلاها رسول الله ﷺ فقد اتفقوا على أنه يجوز للجيش أن يصلوا بإمامين، كل طائفة بإمام بدلاً من صلاة الخوف بإمام واحد كما ورد في آيات النساء، واتفق الفقهاء على أنه في اشتداد الخوف وتعذر الجماعة يجوز للجنود تطبيقاً لآية البقرة أن يصلوا فرادى وركباناً وراجلين، في مواقعهم وخنادقهم يومئون إيماء بالركوع والسجود إلى أي جهة فرضها عليهم القتال إلى القبلة أو إلى غيرها، وإن قدروا أن يبدؤوا بتكبيرة الإحرام وهم متوجهون إلى القبلة ثم يتوجهون حيث فرض عليهم القتال أن يتوجهوا يكون أحسن.
أما صلاة الخوف كما وردت في سورة النساء فقد جاءت الأخبار بأنها على ستة عشر نوعاً، في صحيح مسلم بعضها ومعظمها في سنن أبي داود وفي صحيح ابن حبان منها تسعة، ففي كل مرة كان ﷺ يفعل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، والمشهور من ذلك سبع كيفيات واختار الجمهور منها أقواها وأصحها لديهم وأجازها كلها الإمام أحمد.
وإذ كانت هذه الكيفيات في حروب عصرنا غير عملية في الغالب فسنكتفي أثناء عرض
стр. 1341
النصوص بذكر بعضها.
ويسن للمصلي في الحرب ألا يتخلى عن سلاحه احتياطاً، والرخصة في وضع السلاح كائنة إذا كان ذلك لا يتنافى مع الحذر المطلوب.
وأهم شيء في عصرنا بالنسبة لصلاة الخوف أن نعرف ما قاله الأئمة في التطبيقات العملية لآية البقرة في صلاة الخوف.
قال الدكتور الزحيلي في كتاب "الفقه الإسلامي" وأدلته ما يلي عارضاً أقوال المذاهب الأربعة في صلاة الخوف حال شدة القتال وهي الصورة التي ذكرتها سورة البقرة.
قال الحنفية: إن اشتد خوف العسكر بحيث لا يدعهم العدو يصلون وعجزوا عن النزول، صلوا ركباناً فرادى، لأنه لا يصح الاقتداء لاختلاف المكان بين الإمام والمأمومين، ويومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وسقط التوجه للقبلة للضرورة، كما سقطت أركان الصلاة.
والسابح في البحر: إن أمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة صلى بالإيماء، وإلا لا تصح صلاته، كصلاة الماشي والسائف، وهو يضرب بالسيف، فلا يصلي أحد حال المسايفة.
وقال الجمهور: تجوز الصلاة إيماءً عند اشتداد الخوف وفي حال التحام القتال، وهي صلاة المسايفة.
وعبارة المالكية: تجوز الصلاة عند اشتداد الخوف، وفي حال المسايفة أو مناشبة الحرب، في آخر الوقت المختار، إيماء بالركوع والسجود إن لم يمكنا، ويخفض للسجود أكثر من الركوع، فرادى (وحدانا)، بقدر الطاقة، مشاة وركباناً، وقوفاً أو ركضاً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
فيحل للمصلي صلاة الالتحام للضرورة مشي وهرولة وجري وركض، وضرب وطعن للعدو، وكلام من تحذير وإغراء، وأمر ونهين وعدم توجه للقبلة، ومسك سلاح ملطخ
стр. 1342
بالدم. فإن أمنوا في صلاة الالتحام أتموا صلاة أمن بركوع وسجود.
وعبارة الشافعية: إذا التحم القتال أو اشتد الخوف يصلي كل واحد كيف أمكن راكباً وماشياً، ويومئ للركوع والسجود، إن عجز عنهما، والسجود أخفض. ويعذر في ترك القبلة، وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح، ولا يعذر في الصياح بل تبطل به الصلاة، ويلقي السلاح إذا دمي دماً لا يعفى عنه، حذراً من بطلان الصلاة، فإن احتاج إلى إمساكه بأن لم يكن له منه بد، أمسكه للحاجة. ولا قضاء للصلاة حينئذ في الأظهر.
وله أن يصلي هذه الصلاة (أي شدة الخوف) حضراً وسفراً، في كل قتال وهزيمة مباحين وهرب من حريق وسيل وسبع وغريم عند الإعسار، وخوف حبسه.
وعبارة الحنابلة: إذا كان الخوف شديداً، وهم في حال المسايفة، صلوا رجالاً وركباناً، إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون إيماء بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم كالمريض، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا أو إلى غيرها. ويتقدمون ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها.
ويصح أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة، بل تجب، رجالاً وركباناً، بشرط إمكان المتابعة، فإن لم تمكن لم تجب الجماعة ولا تنعقد.
ولا يضر تأخر الإمام عن المأموم في شدة الخوف، للحاجة إليه.
ولا يضر تلويث سلاحه بدم ولو كان كثيراً، وتبطل الصلاة بالصياح والكلام لعدم الحاجة إليه.
وتجوز هذه الصلاة لمن هرب من عدوه هرباً مباحاً كخوف قتل أو أسر محرم بأن يكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين، أو هرب من سيل أو سبع ونحوه، كنار أو غريم ظالم، أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله من شيء مما سبق.
(الفقه الإسلامي ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٤).
стр. 1343
أقول: ومن ههنا نعرف أنه في حالة قيام المعركة يصلي الطيار والمقاتلون في الدبابات والمركبات والمشاة حيث أمكنهم بأي صورة قدروا عليها وإذا لم يكونوا على وضوء تيمموا وصلوا وفي الحرب الحديثة لا يستغني المقاتلون عن الاتصال بقياداتهم وخاصة الطيارون وقادة الدبابات ولا يستغنون عن الرد في أي لحظة يأتيهم خطاب، وبعض المقاتلين لا يستطيعون تأخير الكلام ولو لحظة كالقائمين على شؤون الرصد والرادارات وأمثال ذلك.
وقد رأينا أن مذهب المالكية يجيز الكلام أثناء الصلاة لصالح المعركة.
ومما مر نعرف أن النصوص التي ستمر معنا سيكون الكثير منها في التطبيقات العملية لآيات سورة النساء.
وإلى نصوص هذه الفقرة:
стр. 1344
نصوص في صلاة الخوف
٢١٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن أبي حثمة ﵁ "أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه في الخوف، فصفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدموا، وتأخر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم.
وفي رواية (١) عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم"، وفي رواية الموطأ (٢) عن صالح "أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن صلاة الخوف: أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعة، ويسجد بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائماً ثبت، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون وينصرفون والإمام قائم، فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا، فيكبرون وراء الإمام، فيركع بهم ويسجد، ثم يسلم، فيقومون ويركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون".
وفي رواية (٣) الترمذي نحوه، وزاد في آخره، فهي له ثنتان، ولهم واحدة، وأخرج أبو داود (٤) الأولى من روايتي البخاري ومسلم، ورواية الموطأ، وأخرج هو (٥) والموطأ (٦)
стр. 1345
والنسائي (١) الرواية الثانية من روايتهما، وفي رواية للنسائي (٢) قال: "يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة قبل العدو، وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم، ويسجدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك، فيركع بهم ويسجد سجدتين، فهي له ثنتان، ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين" وله في أخرى (٣) مختصرة "أن رسول الله ﷺ صلى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة".
٢١٦٦ - * روى مسلم عن جابر ﵁ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصففنا صفين خلف رسول الله ﷺ ، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ ، وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدرا لصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، فقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود، والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً- قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم وفي أخرى (٤) له قال: غزونا مع رسول الله ﷺ قوماً مع جهينة، فقاتلونا قتالاً شديداً، فلما صلينا الظهر، قالوا: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل ﵇ رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ ، قال: وقالوا: إنهم ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت
стр. 1346
العصر صففنا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة- ثم ذكره- إلى أن قال: كما يصلي أمراؤكم هؤلاء".
وفي رواية النسائي (١) "أن رسول الله ﷺ صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه، صلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي ﷺ ركعتان، ولهم ركعة ركعة".
وله في أخرى (٢) بنحو رواية مسلم الأول من أفراده، وله في أخرى (٣) "أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بأخرى ركعتين، ثم سلم" وله في أخرى (٤) "أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف، فصلت طائفة معه، وطائفة وجوههم قبل العدو، فصلى بهم ركعتين، ثم قاموا مقام الآخرين، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، ثم سلم".
(كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم): يفهم من هذا أن حراس الأمراء في زمن بني أمية كانوا يصلون الجماعة وراء أمرائهم إلا أنهم كانوا يؤدونها على صورة من صور الخوف.
٢١٦٧ - * روى أبو داود عن أبي عباس الزرقي ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة؟ فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة، والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله ﷺ صف، وصُف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ ، وركعوا جميعاً، وسجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء
стр. 1347
السجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه، ثم قام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه، سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً، فسلم عليهم جميعاً".
وللنسائي (١) فقال المشركون: لقد أصبنا منهم غفلة، فنزلت صلاة الخوف ما بين الظهر والعصر، فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، ففرقنا فرقتين: فرقة تصلي مع النبي ﷺ ، وفرقة يحرسونهم، ثم ركع وركع هؤلاء وأولئك، ثم سجد الذين يلونه، وتأخر هؤلاء الذين يلونه، وتقدم الآخرون فسجدوا، ثم قام فركع بهم جميعاً الثانية بالذين يلونه والذين يحرسونهم، ثم سجد بالذين يلونه، ثم تأخروا، وقاموا في مصاف أصحابهم، وتقدم الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، فكانت لكلهم ركعتان ركعتان مع إمامهم".
٢١٦٨ - * روى مسلم عن- عبد الله بن عباس ﵄ قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة".
أقول: هذه صورة من صور صلاة الخوف أخذ بها الإمام أحمد ومنعها بقية الأئمة وتأولوها على غير ظاهرها، فهي على ظاهرها تفيد أن الإمام يصلي ركعتين وكل طائفة تصلي ركعة واحدة مع الإمام ثم تسلم، قال (النووي ٥/ ١٩٧): هذا الحديث قد عمل بظاهره طائفة من السلف منهم الحسن والضحاك وإسحق بن راهويه وقال الشافعي ومالك والجمهور إن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات فإن كانت في الحضر وجب أربع ركعات وإن كانت في السفر وجب ركعتان ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها
стр. 1348
منفرداً كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي ﷺ وأصحابه في الخوف وهذا التأويل لابد منه للجمع بين الأدلة والله أعلم.
٢١٦٩ - * روى الشيخان عن- عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف: بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة" وفي رواية (١) قال: "صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة قال: وقال ابن عمر: إذا كان الخوف أكثر من ذلك صلى راكباً وقائماً يومئ إيماءً". وللبخاري (٢) عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر نحواً من قول مجاهد: "إذا اختلطوا قياماً" كذا قال، وزاد عن ابن عمر عن النبي ﷺ "وإن كانوا أكثر من ذلك صلوا قياماً وركباناً" وللبخاري (٣) أن ابن عمر "كان إذا سئل عن صلاة الخوف؟ قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعة، وتقوم طائفة منهم بينه وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا، ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلوا ركعتين، فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً: قياماً على أقدامهم وركباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها" قال مالك: قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي.
стр. 1349
٢١٧٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قام النبي ﷺ ، وقام الناس معه "فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس معه، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضاً"، وفي أخرى (١) للنسائي قال: "ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين، كصلاة حراسكم هؤلاء اليوم خلف أئمتكم هؤلاء، إلا أنها كانت عقباً، قامت طائفة منهم وهم جميعاً مع رسول الله ﷺ ، وسجدت معه طائفة، ثم قام رسول الله ﷺ وقاموا معه جميعاً، ثم ركع وركعوا معه، ثم سجد فسجدوا معه الذين كانوا قياماً أول مرة، فلما جلس رسول الله ﷺ والذين سجدوا معه في آخر صلاتهم، سجد الذين كانوا قياماً لأنفسهم، ثم جلسوا، فجمعهم رسول الله ﷺ بالتسليم" وله في أخرى (٢) "أن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد، فصف الناس خلفه صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا".
٢١٧١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة، وأن جبريل أتى النبي ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم فتكون
стр. 1350
لهم ركعة ركعة، ولرسول الله ﷺ ركعتان". وفي رواية (١) أبي داود عن عروة بن الزبير "أن مروان سأل أبا هريرة قال: هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، فقال مروان: متى؟ قال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﷺ إلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابلو العدو، ظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله ﷺ وكبروا جميعاً: الذين معه، والذين مقابلو العدو، ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو، ثم قام رسول الله ﷺ وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا على العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا، فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثم كان السلام، فسلم رسول الله ﷺ ، وسلموا جميعاً، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعة" وفي أخرى (٢) له قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد، حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل لقي جمعاً من غطفان ... فذكر معناه.
وأخرج النسائي (٣) رواية أبي داود، وقال في آخره: "ولكل واحدة من الطائفتين ركعتان ركعتان".
أقول: المذاهب الثلاثة ما عدا الحنابلة تفهم النصوص التي ذكرت الركعة الواحدة على أنها ركعة مع الإمام وركعة أخرى صلتها منفردة، فالصلاة لم تنقص عن ركعتين وهي صلاة المسافر إلا في المغرب فإنها ثلاث.
стр. 1351
٢١٧٢ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂، قالت: كبر رسول الله ﷺ وكبرت الطائفة الذين صفوا معه، ثم ركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا، ثم رفع فرفعوا، ثم مكث رسول الله ﷺ جالساً، ثم سجد هؤلاء لأنفسهم الثانية، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقرى، حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى، فقاموا فكبروا، ثم ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله ﷺ فسجدوا معه، ثم قام رسول الله ﷺ وسجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعاً فصلوا مع رسول الله ﷺ ، فركع وركعوا، ثم سجد فسجدوا جميعاً، ثم عاد فسجد الثانية، فسجدوا معه سريعاً كأسرع الأسراع جاهداً، لا يألون سراعاً، ثم سلم رسول الله ﷺ وقد شاركه الناس في الصلاة كلها".
٢١٧٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فقاموا صفين: قام صف خلف النبي ﷺ وصف مستقبل العدو، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم، واستقبل هؤلاء، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا".
وفي رواية (٣) بمعناه قال: "فكبر نبي الله ﷺ وكبر الصفان جميعاً".
قال أبو داود (٤) "وصلى عبد الرحمن بن سمرة هكذا، إلا أن الطائفة التي صلى بهم ركعة ثم سلم، مضوا إلى مقام أصحابهم، وجاء هؤلاء فصلوا لنفسهم ركعة، ثم رجعوا إلى مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا قال أبو داود: حدثنا بذلك مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الصمد بن حبيب قال:
стр. 1352
أخبرني أبي أنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة كابل فصلى بنا صلاة الخوف".
٢١٧٤ - * روى أبو داود عن أبي بكرة ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ في خوف الظهر، فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى ركعتين، ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعاً، ولأصحابه ركعتين ركعتين" وبذلك كان يفتي الحسن. قال أبو داود: وكذلك في المغرب يكون للإمام ست ركعات، وللقوم ثلاث. قال أبو داود: وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، وفي أخرى (١) للنسائي "أن رسول الله ﷺ صلى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين، ثم سلم، فصلى النبي ﷺ أربعاً".
٢١٧٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، قال: اذهب فاقتله، فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي، أومئ إيماءً نحوه، فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، قال: فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد".
أقول: لقد صلى عبد الله بن أنيس هذه الصلاة لأنه لو صلى الصلاة العادية لكشف أمره وحيل بينه وبين تنفيذ المهمة التي كلفه بها رسول الله ﷺ إذ يأخذ العدو منه حذره، فتفوت عليه المفاجأة، وفي ذلك محل تأمل للذين يفتون في عصرنا للبحث عن تطبيقات مماثلة قد يضطر إليها المسلمون في صراعهم الحالي في عالم معقد.
стр. 1353
٢١٧٦ - * روى أبو داود عن ثعلبة بن زهدم قال: "كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا". قال أبو داود: وروى بعضهم "أنهم قضوا ركعة أخرى". وفي رواية النسائي (١) "فقال حذيفة: أنا، فوصف فقال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بطائفة ركعة، صف خلفه، وطائفة أخرى بينه وبين العدو، وصلى بالطائفة التي تليه ركعة، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة" وفي أخرى له "فقال حذيفة: أنا، فقام حذيفة وصف الناس خلفه صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازي العدو، فصلى بالذي خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا".
(طبرستان) ينسب إلى هذا الموضع الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري، صاحب التفسير المشهور، وطبرستان بلدان كثيرة واسعة يشملها هذا الاسم، خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم والأدب والفقه، والغالب على هذه النواحي الجبال، فمن أعيان بلدانها: دهستان، وجرجان، واسترباذ، وآمل، والإمام الطبراني نسبة إلى طبرية: من أعمال الأردن.
٢١٧٧ - * روى الطبراني عن أبي العالية الرياحي أن أبا موسى كان بالدار من أصبهان وما بهم يومئذ كبير خوف ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسُنَّة نبيهم فجعلهم صفين طائفة معها السلاح مقبلة على عدوها وطائفة من ورائها فصلى بالذين يلونه ركعة ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام الآخرين يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة ركعة ثم سلم بعضهم على بعض فتمت للإمام ركعتين وللناس ركعة ركعة.
وننقل لك فيما يلي تلخيصاً إجمالياً من كلام الإمام النووي ﵀ إذ يقول في باب
стр. 1354
صلاة الخوف في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٢٤ - ١٢٦):
ذكر مسلم ﵀ في الباب أربعة أحاديث أحدها حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ صلى بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة للعدو ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم سلم فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة" وبهذا الحديث أخذ الأوزاعي وأشهب مالكي وهو جائز عند الشافعي ثم قيل إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معاً وقيل متفرقين وهو الصحيح. الثاني حديث ابن أبي حثمة بنحوه إلا أن النبي ﷺ صلى بالطائفة ركعة وثبت قائماً فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم ثبت جالساً حتى أتموا ركعتهم ثم سلم بهم وبهذا أخذ مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم وذكر عنه أبو داود في سننه صفة أخرى أنه صفهم صفين فصلى بمن يليه ركعة ثم ثبت قائماً حتى صلى الذين خلفه ركعة ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم. وفي رواية سلم بهم جميعاً. الحديث الثالث حديث جابر "أن النبي ﷺ صفهم صفين خلفه والعدو بينهم وبين القبلة وركع بالجميع وسجد معه الصف المؤخر وقاموا ثم تقدموا وتأخر الذي يليه وقام المؤخر في نحر العدو فلما قضى السجود سجد الصف المقدم وذكر في الركعة الثانية نحوه وحديث ابن عباس نحو حديث جابر لكن ليس فيه تقدم الصف وتأخر الآخر وبهذا الحديث قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف: إذا كان العدو في جهة القبلة ويجوز عند الشافعي تقدم الصف الثاني وتأخر الأول كما في رواية جابر ويجوز بقائهما على حالهما كما هو ظاهر حديث ابن عباس. الحديث الرابع حديث جابر "أن النبي ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين" وفي سنن أبي داود وغيره من رواية أبي بكرة أنه صلى بكل طائفة ركعتين وسلم فكانت الطائفة الثانية مفترضين خلف متنفل وبهذا قال الشافعي وحكوه عن الحسن البصري وادعى الطحاوي أنه منسوخ ولا تقبل دعواه إذ لا دليل لنسخه فهذه ستة أوجه في صلاة الخوف وروى ابن مسعود وأبو هريرة وجهاً سابعاً أن النبي ﷺ صلى بطائفة ركعة وانصرفوا ولم يسلموا ووقفوا بإزاء العدو وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم سلم فقضى هؤلاء ركعتهم ثم سلموا وذهبوا فقاموا مقام أولئك ورجع أولئك فصلوا لنفسهم ركعة ثم سلم وبهذا أخذ أبو حنيفة وقد روى أبو داود وغيره وجوهاً
стр. 1355
أخرى في صلاة الخوف بحيث يبلغ مجموعها ستة عشر وجهاً وذكر ابن القصار المالكي أن النبي ﷺ صلاها في عشرة مواطن والمختار أن هذه الأوجه كلها جائزة بحسب مواطنها وفيها تفصيل وتفريع مشهور في كتب الفقه قال الخطابي صلاة الخوف أنواع صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى ثم مذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت إلا أبا يوسف والمزني فقالا: لا تشرع بعد النبي ﷺ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ واحتج الجمهور بأن الصحابة لم يزالوا على فعلها بعد النبي ﷺ وليس المراد بالآية تخصيصه ﷺ وقد ثبت قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". ا. هـ.
فائدة:
من خاف من عدو بحيث إذا قام رآه العدو صلى قاعداً ولا إعادة عليه، وهذا ينطبق على حالة الحرب وعلى حالات تقتضيها الحرب كحالة الكمين، وحالات الاستخفاء في الخنادق، ومن الصور التي ذكرها الحنابلة التي تجيز الصلاة قاعداً قصر سقف لعاجز عن خروج، ومن مظاهر ذلك في الحرب أن يكون الإنسان في ملجأ بسبب قصف صاروخي أو مدفعي وكان سقف الملجأ منخفضاً.
стр. 1356
وصل: في ما حدث من جمع الصلوات
يوم الخندق وقريظة وما يمكن أن يبنى عليه
لقد جمع رسول الله ﷺ بين صلاتين يوم الخندق على رواية وبين أكثر من صلاتين في روايات أخرى، والاتجاه الأقوى عند العلماء أن الجمع بين عدة صلوات بسبب الحرب منسوخ بصلاة الخوف في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١) ووجد من يقول بعدم النسخ ثم إنه في المسير إلى بني قريظة جمع بعض الصحابة في روايات صحيحة بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء مما استفاد منه بعضهم أنه كما يجمع بسبب القتال المباشر بين عدة صلوات فإنه يجمع بسبب ما تتطلبه مصلحة الحرب من سرعة حركة وانتقال ومباغتة بين عدة صلوات، فما تقتضيه مصلحة الحرب له حكم الحرب.
وفي عصرنا فإن لهذا الموضوع أهمية خاصة، ولذلك فإننا ننقل ما ورد في الجمع بين الصلاة يوم الأحزاب وتعليق صاحب نيل الأوطار عليه ثم ننقل بعض روايات البخاري لحادثة جمع الصلاة بسبب المسير إلى بني قريظة وتعليق ابن حجر عليه ثم نعلق على الحادثتين ملاحظين وضع المسلمين في عصرنا.
أولاً: حادثة الخندق:
٢١٧٨ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله "أن عمر جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله: ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال النبي ﵌ "والله ما صليتها" فتوضأ وتوضأنا فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب".
قال الشوكاني في نيل الأوطار: والحديث يدل على وجوب قضاء الصلاة المتروكة لعذر
стр. 1357
الاشتغال بالقتال وقد وقع الخلاف في سبب ترك النبي ﵌ وأصحابه لهذه الصلاة فقيل تركوها نسياناً وقيل شغلوا فلم يتمكنوا وهو الأقرب كما قال الحافظ: وفي سنن النسائي عن أبي سعيد أن ذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وقد استدل بهذا الحديث على وجوب الترتيب بين الفوائت المقضية والمؤداة فأبو حنيفة ومالك والليث والزهري والنخعي وربيعة قالوا بوجوب تقديم الفائتة على خلاف بينهم وقال الشافعي والهادي والقاسم لا يجب ولا ينتهض استدلال الموجبين بالحديث للمطلوب لأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب قال الحافظ إلا أن يستدل بعموم قوله ﵌ "صلوا كما رأيتموني أصلي" فيقوى قال وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذه انتهى.
٢١٧٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد قال "حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب يهوي من الليل كفينا وذلك قول الله ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (١) قال فدعا رسول الله ﷺ بلالاً فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك قال وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ".
٢١٨٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود بلفظ "أن المشركين شغلوا رسول الله
стр. 1358
صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق" وساقا نحو الحديث.
قال صاحب نيل الأوطار: قوله "يهوي" الهوي بفتح الهاء وكسر الواو وبياء مشددة السقوط والمراد بعد دخول طائفة من الليل والحديث يدل على وجوب قضاء الصلاة المتروكة لعذر الاشتغال بحرب الكفار ونحوهم لكن إنما كان هذا قبل شرعية صلاة الخوف كما في آخر الحديث والواجب بعد شرعيتها على من حبس بحرب العدو أن يفعلها: وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا منسوخ بصلاة الخوف وذهب مكحول وغيره من الشاميين إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يتمكن من أدائها والصحيح الأول لما في آخر هذا الحديث، والحديث مصرح بأنها فائتة صلاة الظهر والعصر وحديث جابر المتقدم مصرح بأنها العصر وحديث عبد الله ابن مسعود مصرح بأنها أربع صلوات فمن الناس من اعتمد الجمع فقال إن وقعة الخندق بقيت أياماً فكان في بعض الأيام الفائت العصر فقط وفي بعضها الفائت العصر والظهر وفي بعضها الفائت أربع صلوات ذكره النووي وغيره: ومن الناس من اعتمد الترجيح فقال إن الصلاة التي شغل عنها رسول الله ﵌ واحدة وهي العصر ترجيحاً لما في الصحيحين على ما في غيرهما ذكره أبو بكر بن العربي قال ابن سيد الناس والجمع أرجح لأن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال وهذا إسناد صحيح جليل انتهى.
ثانياً: حادثة بني قريظة:
٢١٨١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت "لما رجع النبي من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل ﵇ فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال: فإلى أين؟ قال: ها هنا. وأشار إلى قريظة، فخرج النبي ﷺ غليهم".
стр. 1359
٢١٨٢ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال "كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ بني قريظة".
٢١٨٣ - * روى البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال "قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحداً منهم".
قال الحافظ في "الفتح":
(لا يصلين أحد العصر) كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم "الظهر" مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلماً أبو يعلى وآخرون، وكذلك أخرجه ابن سعد عن أبي عتبان مالك بن إسماعيل عن جويرية بلفظ "الظهر" وابن حبان من طريق أبي عتبان كذلك.
قال السهيلي وغيره: في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه. وفيه أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب، قال السهيلي: ولا يستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان وخطأ في حق غيره وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، قال: والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان قال: فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل فهو مصيب انتهى. والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد، وخالف الجاحظ والعنبري. وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضاً: المصيب واحد وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره، ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده، وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد.
стр. 1360
ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحاً للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلوا العصر بعد ما غربت الشمس وذلك لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا أن يكون ذلك عاماً في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولا سيما والزمان زمان التشريع، والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة، وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه ﷺ لم يعنف أحداً من الطائفتين، فلو كان هناك إثم لعنف من أثم، واستدل به ابن حبان على أن تارك الصلاة حتى يخرج وقتها لا يكفر، وفيه نظر لا يخفى. واستدل به غيره على جواز الصلاة على الدواب في شدة الخوف، وفيه نظر قد أوضحته في باب صلاة الخوف. وعلى ان الذي يتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها يقضيها بعد ذلك لأن الذين لم يصلوا العصر صلوها بعد ذلك كما وقع عند ابن إسحق أنهم صلوها في وقت العشاء، وعند موسى بن عقبة أنهم صلوها بعد أن غابت الشمس، وكذا في حديث كعب بن مالك، وفيه نظر أيضاً لأنهم لم يؤخروها إلا لعذر تأولوه، والنزاع إنما هو فيمن أخر عمداً بغير تأويل، وأغرب ابن المنير فادعى أن الطائفة الذين صلوا العصر لما أدركتهم في الطريق إنما صلوها وهم على الدواب، واستند إلى أن النزول إلى الصلاة ينافي مقصود الإسراع في الوصول، قال: فإن الذين لم يصلوا عمدوا بالدليل الخاص وهو الأمر بالإسراع فترك عموم إيقاع العصر في وقتها إلى أن فات، والذين صلوا جمعوا بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإسراع فصلوا ركبانا، لأنهم لو صلوا نزولاً لكان مضادة لما أمروا به من الإسراع ولا يظن ذلك بهم مع ثقوب أفهامهم انتهى. وفيه نظر لأنه لم يصرح لهم بترك النزول، فلعلهم فهموا أن المراد بأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة المبالغة في الأمر بالإسراع فبادروا إلى امتثال أمره، وخصوا وقت الصلاة من ذلك لما تقرر عندهم من تأكيد أمرها، فلا يمتنع أن ينزلوا فيصلوا ولا يكون في ذلك مضادة لما أمروا به، ودعوى أنهم صلوا ركباناً يحتاج إلى دليل ولم أره صريحاً في شيء من طرق هذه القصة، وقد تقدم
стр. 1361
بحث ابن بطال في ذلك في "باب صلاة الخوف". وقال ابن القيم في الهدي ما حاصله: كل من الفريقين مأجور بقصده، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين: امتثال الأمر في الإسراع، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت ولا سيما ما في هذه الصلاة بعينها من الحث على المحافظة عليها وأن من فاتته حبط عمله، وإنما لم يعنف الذين أخروها لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، ولأنهم اجتهدوا فأخروا لامتثالهم الأمر. لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى. وأما من احتج لمن أخر بأن الصلاة حينئذ كانت تؤخر كما في الخندق وكان ذلك قبل صلاة الخوف، فليس بواضح، لاحتمال أن يكون التأخير في الخندق كان عن نسيان، وذلك بين في قوله ﷺ لعمر لما قال له ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال: والله ما صليتها. لأنه لو كان ذاكراً لها لبادر إليها كما صنع عمر. انتهى.
تعليقات:
أولاً: رأينا أنه مما ينبغي أن يدركه مسلمو عصرنا وهو شيء لا يفطن له الكثيرون، أنه متى دخلنا في السياسة دخلنا في الموازنات كأهون الشرين وأخف الضررين، ومتى دخلنا في الحرب والسياسة دخلنا في الفتوى الاستثنائية التي تلاحظ الزمان والمكان والأشخاص، على أن تكون هذه الفتوى صادرة من أهلها.
ثانياً: إنه وإن قال الجمهور أن ما حدث يوم الخندق منسوخ إلا أن لقول علماء الشام الذين ذكرهم الشوكاني وجهاً قوياً، فكل ما يفيده حديث أبي سعيد الخدري أن آية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ جاءت بعد حادثة الخندق وهذا قد يفيد النسخ، وقد يحمل كل من النصلين على أنه يطبق في بعض الحالات القتالية.
ثالثاً: هناك حالات في عصرنا تضطر المسلمين إلى فتاوى مناسبة ومكافئة، ولعل ما ورد في صلاة الخوف، وفي حادثة الجمع بين الصلوات في المسير إلى بني قريظة، ويوم الخندق مما يجعلنا نستأنس لهذه الفتاوى التي يحتاج إليها العصر، فالتدريب على أنواع الأسلحة، والمناورات العسكرية لرفع المستوى القتالي، والتنفلات العسكرية في جيوش غير إسلامية قد لا تعطي فرصاً لإقامة الصلاة في وقتها أو على هيئتها، فالمسلم في هذه الحاجات الحرجة
стр. 1362
بحاجة إلى فتوى تناسب الوضع الذي هو فيه، وعلى أئمة الفتوى أن يقدروا الظروف التي تحيط بالمسلم في مثل هذه الأحوال.
رابعاً: أصبح واضحاً في عصرنا أن الجيش في بلدان العالم الثالث له الكلمة الأخيرة في فرض الأنظمة السياسية، والأنظمة السياسية في عصرنا تتدخل في كل شيء، فإذا صارت في طريق معاد للإسلام فقد تنهي الإسلام في بعض الأقطار إنهاءً تاماً كما حدث في مرحلة من المراحل في ألبانيا مثلاً، ولذلك فإن كثيراً من القوى العالمية والمحلية تتخير للجيش وترصد كل فرد فيه، وبعض هذه الأنظمة معاد للإسلام ويريد استئصاله، وكل من شمت منه رائحة الإسلام سرح أو اغتيل أو اعتقل والمسلمون في هذه الحالة بين خيارين: الخيار الأول أن يدخلوا الجيش على أمل التغيير أو يتركوا الجيش ليبقى الكفر مسيطراً، فلو افترضنا أنه وجد مثل هذا الوضع فالأفضل للمسلمين أن يدخلوا الجيش وأن يتستروا على أنفسهم، وإذا كانت الضرورات تبيح المحظورات في حق الأفراد فمن باب أولى أنها تبيح المحظورات إذا ترتبت عليها مصلحة الإسلام والمسلمين.
وقد أجاز رسول الله ﷺ أن يقوم بعض المكلفين بمهمات قتالية أن يقولوا كلمة الكفر ليحققوا هدفاً كما أن بعض الصحابة صلوا وهم يمشون حتى لا ينكشف أمرهم لمن يريدون قتله وعلى هذا فإذا ما وجدت مثل هذه الظروف التي ذكرناها وهي موجودة في البلدان الإلحادية فإن على أئمة الفتوى أن يفتوا بما يلحظون به مصلحة الإسلام والمسلمين حاضراً ومستقبلاً، ثم إن هناك مهمات أخرى كمهمات التجسس على العدو والتي تقتضي أحياناً فتاوى استثنائية للنجاح فيها، إلا أن هذه الفتاوى الاستثنائية يجب أن تكون من أهلها، ويجب أن يكون أهلها مؤتمنين على أسرار من يستفتيهم، ومن حيث المبدأ نقول: إن هناك حالات تجيز للإنسان ي بعض الظروف أن يتيمم مكتفياً بمسح كفيه ووجهه دون أن يشرك الذراعين حتى لا ينكشف أمره وأن يجمع بين الصلوات الخمس قبل نومه وهو على فراشه يومئ بعينيه إيماءً، إلا أن هذه الفتوى وأمثالها في تكاليف إسلامية كثيرة لا يفتى بها إلا بعد موازنات دقيقة من أهلها، وفي ظروف نرجو أن لا توجد على الأرض الإسلامية، ولكنها في واقع الحال موجودة في بعض البلدان الإسلامية وغيرها.
стр. 1363
قال سفيان الثوري ﵀: (العلم رخصة من ثقة، وأما التشدد فيعرفه كل الناس).
ونحن في هذا المقام لا نفتي فتوى عامة لكن نقول: إن الفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً فكل فرد نفتيه على انفراد بحسب وضعه.
ومن أهم ما يحتاجه عصرنا أن يوجد فقهاء وأئمة في الفتوى يعرفون كيف يستخرجون الرخص ويضعونها في محلها، ولا شك أن هناك فارقاً كبيراً بين من يخرجون من الإسلام ويخرجون غيرهم بحجة التسهيل، وبين من يعرفون الرخصة الشرعية ويفتون بها لصالح الإسلام والمسلمين، وضمن مقتضيات الضرورة.
стр. 1364
الباب التاسع
صلاة المناسبات
وفيه مقدمة عن الصلوات عامة وفقرات
* الفقرة الأولى: في صلاة الاستخارة.
* الفقرة الثانية: في صلاة الحاجة وصلاة التوبة وصلاة من قُدِّمَ للقتل.
* الفقرة الثالثة: في صلاة الاستسقاء.
* الفقرة الرابعة: في صلاة الكسوف والخسوف.
* الفقرة الخامسة: في صلاة الجنازة وأحكام الشهداء.
стр. 1365
مقدمة
فرض الله علينا الصلوات الخمس، وشرع لنا رسول الله ﷺ بوحي من الله صلوات أخرى منها رواتب الصلوات الخمس، ومنها الوتر، ومنها قيام الليل والتهجد ومنها سنة الضحى، ومنها النفل المطلق، ومنها سنة دخول المنزل والخروج منه، ومنها سنة الوضوء وتحية المسجد، ومنها سنة الخروج للسفر وسنة العودة من السفر، ومنها سنة وداع المنزل في السفر ومنها صلاة التراويح وصلاتا العيدين وصلاة الأوابين وصلاة التسابيح وكل ذلك مر معنا بمناسباته، وبعض ما مر معنا يعتبر من صلوات المناسبات إلا أنا أدخلناه في الأبواب الأكثر لصوقاً به.
ومن صلوات المناسبات مما لم يمر معنا: صلاة الاستخارة وصلاة الحاجة وصلاة كسوف الشمس وخسوف القمر وصلاة الاستسقاء وركعتا الطواف وركعتا الإحرام بالحج، وصلاة التوبة وصلاة الدعاء عند المالكية وصلاة ركعتين لمن قدم للقتل.
وخصصنا هذا الباب لصلوات المناسبات التي لم تمر معنا من قبل ما عدا ركعتي الإحرام وركعتي الطواف اللواتي سنذكرها في جزء الحج.
стр. 1366
الفقرة الأولى
في
صلاة الاستخارة
تقديم:
شرع للمسلم أن يتبع الأمر ويترك النهي، وفي الأمور المباحة التي تتردد المصلحة فيها حاضراً أو مستقبلاً أن يستخير وأن يستشير، فالاستخارة لله والاستشارة لأهل الله ممن اجتمع لهم إمامة ومعرفة وخبرة في الأمور التي يستشارون بها، تجعلان المسلم أقرب إلى الإصابة وأجدر بالصواب فهو بالاستخارة يعرض نفسه لرحمات الله ومعونته، وبالاستشارة تجتمع له قوة إلى قوة في الرأي.
والاستخارة شرعت بالسنة النبوية، وهي البديل المحكم لما كان عليه أهل الجاهلية من تطيير الطيور فإذا تيامنت أقدموا وإذا تياسرت أحجموا، كما أنها البديل المحكم لما يفعله الجهلة، إذ يستأنسون للإقدام والإحجام بأعمال غير معقولة ولا مشروعة، فشرع لنا رسول الله ﷺ الاستخارة. وأي شيء أعظم من أن تلقي أمرك لله وتطلب من الله أن يختار لك.
والاستخارة صلاة ركعتين فدعاء كما سنرى، ثم بعد ذلك ينتظر المسلم ما ينشرح له صدره، فالعبرة في الاستخارة لانشراح الصدر والتيسير.
وقد يحس الإنسان بالانشراح بعد الاستخارة مباشرة، وقد يرى بعد الاستخارة رؤيا يستأنس بها عن المراد. ففي الحديث الثابت: "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، الرؤيا الصالحة للرجل الصالح يراها أو ترى له".
وإذا لم يتبين للإنسان شيء من الاستخارة الأولى يكرر الاستخارة، وقد استحب بعض الفقهاء تكرارها إلى سبع، وبنوا ذلك على رواية ذكرها ابن السني، ثم إن السبعة عدد مبارك فالسموات سبع، والأرضون سبع والطواف سبع ورمي الجمار سبع وأيام الأسبوع
стр. 1367
سبعة، ثم إن السبعة تعبر عن الكثرة عند العرب فمن كرر الاستخارة سبعاً فقد أتى بالكثير الطيب.
عرف الحنفية الاستخارة بأنها طلب ما فيه الخير، وذكروا أنها تكون في الأمور المباحة التي لا يعرف وجه الصواب فيها وهي: ركعتان يدعو بعدهما بالدعاء المأثور كما سنراه، ويستحب افتتاح هذا الدعاء وختمه بالحمد لله والصلاة على النبي ﷺ ، ويقرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية (الإخلاص) بعد الفاتحة في الركعتين.
ونص على قراءة هاتين السورتين في صلاة الاستخارة المالكية والشافعية وهي مندوبة في المذاهب الأربعة قال الحنفية ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء.
وإليك هذين النصين في صلاة الاستخارة:
٢١٨٤ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، وقادر لي الخير حيث كان، ثم رضني به". قال:
стр. 1368
"ويسمي حاجته".
٢١٨٥ - * روى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أمراً فليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كان كذا وكذا في الذي يريد خيراً لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري وإلا فاصرفه عني واصرفني عنه ثم قدر لي الخير أينما كان لا حول ولا قوة إلا بالله".
стр. 1369
الفقرة الثانية
في: صلاة الحاجة ، وصلاة التوبة، وصلاة من قدم للقتل
- صلاة الحاجة:
٢١٨٦ - * روى الطبراني في الصغير عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك على ربي فيقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ورُح إلي حين أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة وقال ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف قال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي: "أو تصبر" فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له النبي ﷺ : "ائت الميضأة" فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الكلمات فقال عثمان بن حنيف فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل عليه الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.
أقول: فحديث صححه الطبراني ووافقه الهيثمي وقال (الحاكم ١/ ٥٢٦) فيه بعد أن ساق الحديث من رواية عون بن عمارة- وليس فيها صاحب الحاجة-: تابعه شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم- يقصد هذه التي هنا- بزيادات في المتن والإسناد والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون ووثقه ابن المديني والدارقطني وقال أبو زرعة لا بأس به،
стр. 1370
(تهذيب ٤/ ٣٠٧).
فحديث هذا شأنه هل يلتفت إلى تضعيف من ضعفه؟!.
وكون ابن عدي قال في (كامله ٤/ ١٣٤٦) ابن وهب يحدث عن شبيب بالمناكير لا يعني أن كل حديث من طريقه منكر فلم يصحح هؤلاء الأئمة هذه الرواية إلا وعندهم ما رجح التصحيح.
٢١٨٧ - * روى ابن ماجه عن عثمان بن حنيف، أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني، فقال: "إن شئت أخرت لك وهو خير وإن شئت دعوت" فقال ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في.
٢١٨٨ - * روى الترمذي عن عثمان بن حنيف ﵁ أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ ، فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد: نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في.
صلاة التوبة:
٢١٨٩ - * روى الترمذي عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله