الفقرة الأولى
في
صلاة الاستخارة
تقديم:
شرع للمسلم أن يتبع الأمر ويترك النهي، وفي الأمور المباحة التي تتردد المصلحة فيها حاضراً أو مستقبلاً أن يستخير وأن يستشير، فالاستخارة لله والاستشارة لأهل الله ممن اجتمع لهم إمامة ومعرفة وخبرة في الأمور التي يستشارون بها، تجعلان المسلم أقرب إلى الإصابة وأجدر بالصواب فهو بالاستخارة يعرض نفسه لرحمات الله ومعونته، وبالاستشارة تجتمع له قوة إلى قوة في الرأي.
والاستخارة شرعت بالسنة النبوية، وهي البديل المحكم لما كان عليه أهل الجاهلية من تطيير الطيور فإذا تيامنت أقدموا وإذا تياسرت أحجموا، كما أنها البديل المحكم لما يفعله الجهلة، إذ يستأنسون للإقدام والإحجام بأعمال غير معقولة ولا مشروعة، فشرع لنا رسول الله ﷺ الاستخارة. وأي شيء أعظم من أن تلقي أمرك لله وتطلب من الله أن يختار لك.
والاستخارة صلاة ركعتين فدعاء كما سنرى، ثم بعد ذلك ينتظر المسلم ما ينشرح له صدره، فالعبرة في الاستخارة لانشراح الصدر والتيسير.
وقد يحس الإنسان بالانشراح بعد الاستخارة مباشرة، وقد يرى بعد الاستخارة رؤيا يستأنس بها عن المراد. ففي الحديث الثابت: "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، الرؤيا الصالحة للرجل الصالح يراها أو ترى له".
وإذا لم يتبين للإنسان شيء من الاستخارة الأولى يكرر الاستخارة، وقد استحب بعض الفقهاء تكرارها إلى سبع، وبنوا ذلك على رواية ذكرها ابن السني، ثم إن السبعة عدد مبارك فالسموات سبع، والأرضون سبع والطواف سبع ورمي الجمار سبع وأيام الأسبوع
стр. 1367
سبعة، ثم إن السبعة تعبر عن الكثرة عند العرب فمن كرر الاستخارة سبعاً فقد أتى بالكثير الطيب.
عرف الحنفية الاستخارة بأنها طلب ما فيه الخير، وذكروا أنها تكون في الأمور المباحة التي لا يعرف وجه الصواب فيها وهي: ركعتان يدعو بعدهما بالدعاء المأثور كما سنراه، ويستحب افتتاح هذا الدعاء وختمه بالحمد لله والصلاة على النبي ﷺ ، ويقرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية (الإخلاص) بعد الفاتحة في الركعتين.
ونص على قراءة هاتين السورتين في صلاة الاستخارة المالكية والشافعية وهي مندوبة في المذاهب الأربعة قال الحنفية ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء.
وإليك هذين النصين في صلاة الاستخارة:
٢١٨٤ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، وقادر لي الخير حيث كان، ثم رضني به". قال:
стр. 1368
"ويسمي حاجته".
٢١٨٥ - * روى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أمراً فليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كان كذا وكذا في الذي يريد خيراً لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري وإلا فاصرفه عني واصرفني عنه ثم قدر لي الخير أينما كان لا حول ولا قوة إلا بالله".
стр. 1369
الفقرة الثانية
في: صلاة الحاجة ، وصلاة التوبة، وصلاة من قدم للقتل
- صلاة الحاجة:
٢١٨٦ - * روى الطبراني في الصغير عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك على ربي فيقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ورُح إلي حين أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة وقال ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف قال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي: "أو تصبر" فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له النبي ﷺ : "ائت الميضأة" فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الكلمات فقال عثمان بن حنيف فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل عليه الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.
أقول: فحديث صححه الطبراني ووافقه الهيثمي وقال (الحاكم ١/ ٥٢٦) فيه بعد أن ساق الحديث من رواية عون بن عمارة- وليس فيها صاحب الحاجة-: تابعه شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم- يقصد هذه التي هنا- بزيادات في المتن والإسناد والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون ووثقه ابن المديني والدارقطني وقال أبو زرعة لا بأس به،
стр. 1370
(تهذيب ٤/ ٣٠٧).
فحديث هذا شأنه هل يلتفت إلى تضعيف من ضعفه؟!.
وكون ابن عدي قال في (كامله ٤/ ١٣٤٦) ابن وهب يحدث عن شبيب بالمناكير لا يعني أن كل حديث من طريقه منكر فلم يصحح هؤلاء الأئمة هذه الرواية إلا وعندهم ما رجح التصحيح.
٢١٨٧ - * روى ابن ماجه عن عثمان بن حنيف، أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني، فقال: "إن شئت أخرت لك وهو خير وإن شئت دعوت" فقال ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في.
٢١٨٨ - * روى الترمذي عن عثمان بن حنيف ﵁ أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ ، فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد: نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في.
صلاة التوبة:
٢١٨٩ - * روى الترمذي عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله
стр. 1371
عليه وسلم يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له"، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ...﴾ (١) إلى آخر الآية.
أقول: ويشهد لصلاة التوبة شواهد كثيرة منها ما ذكره صاحب الترغيب والترهيب مما يزيد هذا المعنى الذي ذكره النص قوة.
٢١٩٠ - * روى البيهقي عن الحسن البصري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أذنب عبد ذنباً، ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى براز من الأرض فصلى فيه ركعتين، واستغفر الله من ذلك الذنب إلا غفره الله له".
٢١٩١ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن بريدة ﵁ عن أبيه قال: أصبح رسول الله ﷺ يوماً، فدعا بلالاً، فقال: "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ إني دخلت الجنة البارحة، فسمعت خشخشتك أمامي"، فقال: يا رسول الله ما أذنبت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها، وصليت ركعتين.
وفي رواية: ما أذنت، والله أعلم.
الصلاة ركعتين لمن قدم للقتل:
٢١٩٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال "بعث رسول الله ﷺ عشرة عيناً وأمَّرَ عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه،
стр. 1372
فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم. فلما حس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحداً. فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر. ثم قال: اللهم أخبر عنا نبيك ﷺ . فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة- يريد القتلى- فجرروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم. فانطلق بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً- وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر- فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده. قالت ففزعت فزعة عرفها خبيب. فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بين جزع لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. ثم أنشأ يقول:
فلست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله. وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبراً الصلاة.
وأخبر- يعني النبي ﷺ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم. وبعث ناس من قريش إلى عاصم ابن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يأتوا بشيء منه يعرف- وكان قتل رجلاً عظيماً من عظمائهم- فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً".
стр. 1373
أقول: هذه رواية البخاري والشاهد فيها أن خبيباً سن لمن قدم للقتل أن يصلي ركعتين.
стр. 1374
الفقرة الثالثة
صلاة الاستسقاء
العرض الإجمالي
الاستسقاء: طلب السقي من الله تعالى بمطر عند حاجة العباد إليه بصلاة وخطبة واستغفار وحمد وثناء وقال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، وإذا صلى الناس فرادى أو وحداناً جاز من غير كراهة لأنها نفل مطلق، وإنما الاستسقاء دعاء واستغفار، فلا يحتاج الاستسقاء إلى جماعة ولا خطبة ولا قلب رداء، ولا ينبغي أن يحضر كافر. وقال جمهور الفقهاء ومنهم أبو يوسف ومحمد من الحنفية. صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة حضراً وسفراً وتكرر في أيام ثانياً وثالثاً وأكثر حتى يسقيهم الله تعالى وإذا تأهبوا للصلاة فأمطروا قبلها صلوها عند المالكية، واجتمعوا عند الشافعية: للشكر والدعاء ويصلون صلاة الاستسقاء شكراً، ويخطب بهم الإمام على القول الأصح، وقال الحنابلة لا يخرج الناس حينئذ للصلاة، ويشكرون الله ، ويسألونه المزيد، إن خرجوا فأمطروا قبل أن يصلوا، صلوا شكراً لله تعالى وحمدوه ودعوه.
وقد اتفق الجمهور غير أبي حنيفة على أن صلاة الاستسقاء ركعتان بجماعة في المصلى بالصحراء خارج البلد بلا أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها الصلاة جامعة.
ويجهر فيهما بالقراءة كصلاة العيد، بتكبيرات عند الشافعية والحنابلة بعد الافتتاح قبل التعوذ سبعاً في الركعة الأولى وخمساً في الثانية مع رفع يديه حذو منكبيه ووقوفه بين كل تكبيرتين كآية معتدلة، ويجعل عند المالكية والصاحبين من الحنفية الاستغفار بدلاً من التكبير.
وإذا قرأ سورة (الأعلى والغاشية) فحسن عند الحنابلة والصاحبين، والأفضل عند المالكية سورة (الأعلى) وسورة (الشمس)، وعند الشافعية سورة (ق) وسورة (القمر) وإذا قرأ ما شاء فلا حرج وكما تصلى صلاة الاستسقاء جماعة وهو الأفضل فإنها تصلى فرادى والأفضل أن تصلى في مكة والمدينة وبيت المقدس في مساجدها المقدسة وإذا خرج الناس لصلاة الاستسقاء فالأفضل أن يخرجوا مشاة وأن يلبسوا ثياباً متواضعة، وأن يظهر عليهم
стр. 1375
التذلل والتواضع والخشوع لله تعالى وأن يجددوا التوبة، ويستسقون بالضعفة والشيوخ والعجائز والأطفال، وينبغي أن يقدموا الصدقة في كل يوم يخرجون فيه. ولا يشترط عند أبي حنيفة إذن الإمام لدعاء الاستسقاء ويشترط ذلك عند الشافعية لصلاة الاستسقاء. ولا تختص بوقت، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي عن الصلاة بغير خلاف. إلا أن الإمام يعلم الناس عن ميقاتها ليجتمعوا لها. والأفضل فعلها أول النهار كصلاة العيد، وإن استسقى الناس عقب صلواتهم أو في خطبة الجمعة أو في الركعة الأخيرة جاز وأصابوا، ولا يؤمر بها عند المالكية النساء والصبيان غير المميزين، وقال الشافعية والحنابلة: يندب خروج الأطفال والشيوخ والعجائز ومن لا هيئة لها من النساء، ولا يستحب عند المالكية إخراج البهائم ويستحب إخراجها مع أولادها عند الحنفية والشافعية على الأصح ويباح عند الحنابلة.
ويستحب التوسل بذوي الصلاح. وقال أبو حنيفة: لا خطبة للاستسقاء. وقال محمد: يخطب بعد الصلاة خطبتين بينهما جلسة كالعيد وقال أبو يوسف: يخطب خطبة واحدة ويكون معظم الخطبة الاستغفار ويستقبل القبلة بالدعاء. وقال المالكية والشافعية: يخطب الإمام للاستسقاء بعد الصلاة خطبتين كصلاة العيد، وقال الحنابلة: يخطب خطبة واحدة، وتجوز عند الشافعية الخطبة قبل الصلاة. والجميع يستحبون الإكثار من الخطبة في صلاة الاستسقاء، ولا حد للاستغفار عند المالكية ويستغفر الخطيب في الخطبة الأولى عند الشافعية تسعاً وفي الثانية سبعاً، ويبدأ الخطيب عند الحنابلة بالتكبير تسعاً نسقاً، ويكثر فيها عندهم من الصلاة على النبي ﷺ ومن الاستغفار. ويدعو الخطيب بالمأثور ما أمكن وإلا فبما يحقق المقصود ويؤمن المأمومون على دعائه سراً إن أسر وجهراً إن جهر.
ويستحب عند الصاحبين استقبال القبلة أثناء الدعاء وقال المالكية: يستقبل القبلة بوجهه قائماً بعد الفراغ من الخطبة، ولا يخص أحداً من الناس بدعاء وقال الشافعية: يستقبل الإمام القبلة بعد حوالي ثلث الخطبة الثانية ثم يدعو سراً وجهراً ثم يستقبل الناس بوجهه ويحثهم على الطاعة ويصلي على النبي ﷺ ويقرأ آية وآيتين ويدعو للمؤمنين
стр. 1376
والمؤمنات ويختم بقوله: أستغفر الله لي ولكم.
وقال الحنابلة: يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء للخطيب على خلاف خطبة الجمعة، ويرفع الناس أيديهم وقال أبو يوسف ومحمد: يقلب الإمام رداءه عند الدعاء، وصفة القلب إن كان مربعاً جعل أعلاه أسفله وإن كان مدوراً كالجبة جعل الجانب الأيمن على الأيسر ولا يقلب القوم أرديتهم ولا يسن القلب عند أبي حنيفة وقال الجمهور كقول الصاحبين إلا أنهم قالوا: يحول الذكور أرديتهم مثل الإمام وهم جلوس. ولا يستحب المالكية والحنفية تنكيس الرداء بل يكتفون بجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، واستحب الشافعية في الجديد تنكيس الرداء وجعل أسفله أعلاه. قال الحنابلة: ويظل الرداء محولاً حتى ينزع بعد الوصول إلى المنزل. وحكمة تحويل الرداء التفاؤل بتحويل الحال، إظهاراً بحسن الظن بالله تعالى.
وإذا أريد الاستسقاء أمر الإمام الناس بالتوبة من المعاصي والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر والخروج من المظالم وأداء الحقوق ويأمر بصيام ثلاثة أيام قبل صلاة الاستسقاء ويخرج الناس في آخر أيام الصيام أو في اليوم الرابع إلى الصحراء، وقال الشافعية: يلزم الناس امتثال أمر الإمام، وقال الحنابلة: لا يلزم. ويستحب للاستسقاء التنظف لا التطيب ويستحب لأهل الخصب أن يدعو لأهل الجدب، وأجاز المالكية التنفل قبل صلاة الاستسقاء وبعدها، والدعاء يطون ببطن الكف إذا كان لطلب شيء وتحصيله وبظهر الكف إلى السماء إذا أريد به رفع البلاء.
انظر: (حاشية ابن عابدين على الدر ١/ ٥٦٧)، (اللباب ١/ ١٢١)، (والشرح الصغير ١/ ٥٣٧ - ٥٤١)، (والمهذب ١/ ١٢٣)، (والمغني ٢/ ٤٣٠ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي وأدلته ٢/ ٤١٥ فما بعدها).
أقول: إن من معجزات الرسول ﷺ حوادث الاستسقاء في حياته ﵊ بل إنه ما يكاد ينتهي من دعائه والناس في حالة يأس وإبلاس- وليس ما يدل على أن هناك احتمالات مطر- حتى يكرم الله رسوله ﷺ فينزل المطر بشكل معجز مدهش واستمر
стр. 1377
هذا الحال في أمته معجزة له ﷺ وكرامة لهذه الأمة. إن من تتبع حوادث الاستسقاء في تاريخ الأمة الإسلامية وجد عجباً، فكم من مرة خرج المسلمون للاستسقاء فلم يرجعوا إلا والمطر يتنزل، وإني لأرجو أن يقوم طالب علم بتتبع حوادث الاستسقاء في تاريخ الأمة الإسلامية وفي واقعها، فإنه سيجد الكثير الذي يدل على معجزات لرسول الله ﷺ مستمرة وأن ما وعدنا به صدق وحق، والأمر بيد الله وله فيما يفعل حكمة، وكنا قد تحدثنا في كتابنا/ الله ﷻ / أن من الظواهر الكبرى التي تعرفنا عليه ظاهرة الاستجابة، وهي ظاهرة مستمرة في حياة الإنسانية ومن أبرز مظاهرها حوادث السقي بعد الاستسقاء ولقد شهدت مرة في بلدنا خروج الناس للاستسقاء ثلاثة أيام متوالية، فما كاد الناس ينتهون من دعائهم في اليوم الثالث حتى صبت السماء بركاتها بشكل عجيب، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب. وإلى نصوص هذه الفقرة:
стр. 1378
- الدعاء والصلاة وقلب الرداء في الاستسقاء:
٢١٩٣ - * روى أبو داود عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال: "أرسلني الوليد بن عقبة- وهو أمير المدينة- إلى ابن عباس يسأله عن استسقاء رسول الله ﷺ ؟ فأتيته فقال: خرج رسول الله ﷺ متبذلاً متواضعاً متضرعاً، حتى أتى المصلى فرقي المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد".
وزاد في رواية (١) "متخشعاً".
وأخرجه النسائي قال: "أرسلني فلان إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء؟ فقال: خرج رسول الله ﷺ متضرعاً متواضعاً متبذلاً، فلم يخطب نحو خطبتكم هذه، فصلى ركعتين".
وله في أخرى (٢) قال: "أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس: أسأله عن الاستسقاء؟ فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متذللاً متخشعاً متضرعاً، فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين، ولم يخطب خطبتكم هذه" وأخرج الرواية (٣) الأولى، وأول حديثه قال: "سألت ابن عباس" وإسناده حسن.
стр. 1379
استنبط من قوله كصلاة العيد أنه يكبر في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً كما في العيدين وبه قال الشافعي وأحمد في قول: وقال مالك والصاحبان وأحمد في قول لا يزيد على تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال. (منهاج الطالبين ١/ ٣١٥)، (الكافي ١/ ٣١٩).
وفي "النيل": تأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد، والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة (٤/ ٣١) قال التهانوي (٨/ ١٥٤): ولا يراد التشبيه في كونها مشتملة على التكبيرات كالعيدين، قاله الشيخ. وأما ما أخرجه الحاكم في "المستدرك"، والدارقطني، ثم البيهقي في "السنن" عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن طلحة قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: "سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين، إلا أن رسول الله ﷺ قلب رداءه، فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه. وصلى ركعتين، كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ (بسبح اسم ربك الأعلى) وقرأ في الثانية (هل أتاك حديث الغاشية) وكبر فيها خمس تكبيرات" انتهى. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" كما في الزيلعي (٢/ ٢٤٠).
فالجواب عنه ما أفاده الزيلعي: من وجهين، أحدهما ضعف الحديث، فإن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث". وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم". وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: "يروي عن الثقات المعضلات، وينفرد بالطامات عن الأثبات، حتى سقط الاحتجاج به" انتهى ... والثاني أنه معارض بحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط ... عن أنس بن مالك، "أن رسول الله ﷺ استسقى، فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم نزل، فصلى ركعتين، ولم يكبر فيهما إلا تكبيرة". انتهى.
٢١٩٤ - * روى الشيخان عن عبد الله بن زيد المازني ﵁ قال: "خرج النبي ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي، فدعا واستسقى، ثم استقبل القبلة، فقلب رداءه".
стр. 1380
زاد في رواية (١) "ثم صلى ركعتين".
قال البخاري: كان ابن عيينة يقول: هو صاحب الأذان، ولكنه وهم، لأن هذا عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، مازن الأنصار.
وفي رواية أبي داود (٢) "أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، وحوَّل رداءه، فدعا واستسقى واستقبل".
وله في أخرى (٣) قال: "خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي، فحول، إلى الناس ظهره يدعو الله- قال سليمان: واستقبل القبلة وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، قال ابن أبي ذئب: وقرأ فيهما- زاد ابن السرح: يريد الجهر. وفي أخرى (٤) بهذا الحديث- ولم يذكر الصلاة- قال: وحول رداءه، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله".
وفي أخرى (٥) قال: "استسقى رسول الله ﷺ ، وعليه خميصة له سوداء، فأراد رسول الله ﷺ أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه".
وللنسائي (٦): "أنه رأى النبي ﷺ في الاستسقاء استقبل القبلة، وقلب الرداء، ورفع يديه".
وقت التحويل عند استقبال القبلة للدعاء والحكمة في تحويل الرداء إظهار التذلل والافتقار إلى الله تعالى والتفاؤل بأنه سيتحول حال الضيق والقحط إلى حال الغيث والخصب بفضل الله تعالى.
стр. 1381
٢١٩٥ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: رأيت رسول الله ﷺ ماداً يديه، حتى رأيت بياض إبطيه.
قال سليمان: ظننته يدعو في الاستسقاء.
٢١٩٦ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى، فقلب رداءه وصلى ركعتين.
قال المسعودي عن أبي بكر، عن عباد بن تميم، قلت له: أخبرنا جعل أعلاه أسفله، أو أسفله أعلاه، أم كيف جعله؟ قال: لا، بل جعل اليمين الشمال والشمال اليمين.
٢١٩٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن ابن الزبير خرج يستسقي بالناس فخطب ثم صلى بغير أذان ولا إقامة وفي الناس يومئذ البراء بن عازب وزيد بن أرقم.
٢١٩٨ - * روى الشيخان عن أبي إسحاق السبيعي قال: "خرج عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري، وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم فاستسقوا، فقام زيد فاستسقى، فقام لهم على رجليه على غير منبر، فاستغفر، ثم صلى ركعتين، يجهر بالقراءة، ولم يؤذن ولم يقم".
- من معجزات الرسول ﷺ في الاستسقاء والاستسقاء في صلاة الجمعة:
٢١٩٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
стр. 1382
وفي رواية (١) أخرجها البخاري معلقة:
عن ابن عمر: (ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
٢٢٠٠ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده، ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت السحاب يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي- أو قال: غيره- فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فا يشير بيده على ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال وادي قناة شهراً، ولم يأت أحد من ناحية إلا حدَّث بالجود".
وفي أخرى (٢) "أن رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً، ثم قال: يا رسول الله،
стр. 1383
هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: وطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال: فلا والله، ما رأينا الشمس سبتا. قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: "اللهم حوالينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر"، قال: فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري".
وفي أخرى (١) قال: "كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام الناس، فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله، قحط المطر، واحمرت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، فقال: "اللهم اسقنا"- مرتين- وايم الله، ما نرى في السماء قزعة من سحاب، فنشأت سحابة فأمطرت، ونزل عن المنبر فصلى بنا، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام رسول الله ﷺ يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنا، فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا
стр. 1384
علينا"، وتكشطت المدينة، فجعلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت على المدينة، وإنها لفي مثل الإكليل".
وللبخاري (١) قال: "أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فقال، يا رسول الله، هلكت المواشي، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بشق المسافر، ومنع الطريق".
ولأبي داود (٢): قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه حذاء وجهه، فقال: "اللهم اسقنا".
قال التهانوي (٨/ ١٤٧): وفي عمدة القاري: فهذه الأحاديث والآثار كلها تشهد لأبي حنيفة أن الاستسقاء استغفار ودعاء. وأجيب عن الأحاديث التي فيها الصلاة أنه ﷺ فعلها مرة، وتركها أخرى. وهذا لا يدل على السنية، وإنما يدل على الجواز اهـ. قلت التهانوي فيكون كل من الصلاة والدعاء مستحباً. لأنه ﷺ لم يواظب على أحد منهما، ولكن الصلاة أحب، لاشتمالها على الدعاء وغيره اهـ.
وعبارات البخاري تشير إلى إمكانية طي صلاة الاستسقاء بصلاة الجمعة فلقد ترجم البخاري في كتابه ٢/ ٥٠٧ هذه الترجمة:
(الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة) كما ترجمه في مكان آخر (٢/ ٥٠١) بقوله:
стр. 1385
(الاستسقاء في المسجد الجامع).
قال ابن حجر: أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج إلى المصلى ليس بشرط في الاستسقاء لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس وذلك حاصل في المسجد الأعظم بناءً على المعهود في ذلك الزمان من عدم تعدد الجامع بخلاف ما حدث في هذه الأعصار في بلاد مصر والشام اهـ كما ترجم البخاري أيضاً (٢/ ٥٠٨): (من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء).
قال ابن حجر (٢/ ٥٠١): فأشار بذلك إلى أنه إن اتفق وقوع ذلك يوم الجمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة وقال (٢/ ٥٠٨): وفيه تعقب على من استدل به لمن يقول لا تشرع الصلاة للاستسقاء لأن الظاهر ما تضمنته الترجمة. اهـ أي الاكتفاء بصلاة الجمعة.
٢٢٠١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين". ثم رفع يده، فلم يترك الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب- أو حول- رداءه، وهو رافع يده، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله".
стр. 1386
يظهر من النصوص السابقة أن للاستسقاء صوراً ثلاثاً.
١ - أن يخرج الإمام بالناس إلى ظاهر البلد فيعظ الناس ويذكرهم ويدعو الله تعالى ويصلي ركعتين كما في حديث عائشة.
٢ - أن يصلي ويدعو دون خطبة كما في حديث ابن عباس.
٣ - الدعاء على المنبر يوم الجمعة كما في حديث أنس، وهذا موضع اتفاق. أما الصورة الأولى والثانية فقال بها الجمهور وقال الإمام أبو حنيفة ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة ولا خطبة فإن صلوا وحداناً جاز وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار وذلك لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١) والذي تدل عليه الأحاديث جواز الصور كلها وأنه يحصل بها المقصود فيتخير الإمام ما يراه أصلح لحال الناس. انظر هدي النبي ﷺ في الصلوات الخاصة (١٥٥ - ١٥٦).
- إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط:
٢٢٠٢ - * روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إن قريشاً أبطأوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ﷺ ، فأخذتهم سنة، حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان، فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك هلكوا، فادع الله لهم، فقرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢) ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ (٣) يوم بدر.
زاد في رواية (٤): فدعا رسول الله ﷺ ، فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعاً، وشكا
стр. 1387
الناس كثرة المطر، قال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس حولهم".
وفي رواية (١): أن النبي ﷺ لما رأى من الناس إدباراً قال: "اللهم سبعاً كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف ... وذكر الحديث.
- رفع الأيدي بدعاء الاستسقاء:
٢٢٠٣ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك- ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع حتى يرى بياض إبطيه".
وفي رواية (٢): لمسلم أن النبي ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
٢٢٠٤ - * روى أبو داود عن عمير مولى آبي اللحم ﵁ "أنه رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء، قائماً يدعو، يستسقي، رافعاً يديه قبل وجهه، لا يجاوز بهما رأسه".
وأخرجه الترمذي عن عمير مولى آبي اللحم، وقال: كذا قال قتيبة في هذا الحديث عن آبي اللحم، قال: [ولا يعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث الواحد]، وعمير مولى أبي اللحم قد روى عن النبي ﷺ أحاديث، وله صحبة.
стр. 1388
ولفظ الترمذي أنه رأى النبي ﷺ عند أحجار الزيت يستسقي وهو مقنع بكفيه يدعو.
وأخرجه النسائي مثل الترمذي رواية ولفظاً.
٢٢٠٥ - * روى أبو داود عن محمد بن إبراهيم التيمي ﵀ قال: أخبرني من رأى رسول الله ﷺ يدعو عند أحجار الزيت باسطاً كفيه".
- ما يقوله في دعاء الاستسقاء:
٢٢٠٦ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يواكي، فقال: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل، قال: فأطبقت عليهم السماء".
وفي رواية (١) ذكرها رزين قال: كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: "اللهم اسق بلادك، وارحم عبادك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثاً مريئاً مريعاً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير رائث"، قال: وكان إذا استسقى يمد يديه ويجعل بطونهما مما يلي الأرض، ويرفع حتى أرى بياض إبطيه.
٢٢٠٧ - * روى مالك عن عمرو بن شعيب ﵀ عن أبيه عن جده "أن رسول الله
стр. 1389
صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا استسقى: "اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت".
٢٢٠٨ - * روى الطبراني عن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو إذا استسقى اللهم أنزل في أرضنا بركتها وزينتها وسكنها، وفي رواية (١) وارزقنا وأنت خير الرازقين.
- ما يقول إذا رأى المطر:
٢٢٠٩ - * روى البخاري عن عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "اللهم اجعله صيباً نافعاً".
وأشار بقوله نافعاً إلى أنه قد يكون المطر ضاراً إذا صار سيولاً فهذا يتعوذ منه كما أنه ربما لا يكون له نفع في الإنبات والخصب كما في الحديث:
٢٢١٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليست السَّنَة أن لا تمطروا، ولكن السَّنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئاً".
وفي ذلك عبرة أن الرجاء للسقيا يتعلق بإغاثة إلهية وإلا فإن الماء قد يتوفر ولا يحصل النبات أو يحصل النبات وتسلط عليه الآفات وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب.
стр. 1390
- الإصابة من مطر السماء:
٢٢١١ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال "أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، فحسر رسول الله ﷺ ثوبه، حتى أصابه من المطر، قلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: "إنه حديث عهد بربه".
- تحريم الاستمطار بالأنواء والتحذير من الشرك بالله:
٢٢١٢ - * روى أحمد عن معاوية الليثي قال: قال رسول الله ﷺ "يكون الناس مجدبين فينزل الله ﵎ عليهم رزقاً من رزقه فيصبحون مشركين". فقيل له وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا.
أقول: الشرك هنا هو نسبة الأشياء إلى أسبابها وقطع صلة ذلك بالله تعالى، فمن أنكر الأسباب فقد كفر، ومن جعل لها تأثيراً فقد أشرك.
٢٢١٣ - * روى مالك عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب".
قال في (شرح السنة ٤/ ٤٢٠ - ٤٢١):
стр. 1391
قوله: "في أثر سماء" أي في أثر مطر، والعرب تسمي المطر سماء، لأنه ينزل من السماء.
والنوء للكواكب الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم منها في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله من المشرق من ساعته، فيكون انقضاء السنة مع انقضاء هذه الثمانية والعشرين.
وأصل النوء: هو النهوض، سمي نوءاً، لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءاً، وذلك النهوض، وقد يكون النوء للسقوط.
وكانت العرب تقول في الجاهلية: إذا سقط منها نجم، وطلع آخر، لابد من أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك على النجم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا.
وهذا التغليظ فيمن يرى ذلك من فعل النجم، فأما من قال: مطرنا بنوء كذا، وأراد: سقانا الله تعالى بفضله في هذا الوقت، فذلك جائز.
٢٢١٤ - * روى مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة".
٢٢١٥ - * روى أحمد عن سعد بن إبراهيم يعني ابن عبد الرحمن بن عوف ﵄ قال: كنت جالساً إلى جنب حميد بن عبد الرحمن، فمر شيخ جميل من بني غفار وفي أذنيه صمم- أو قال وقر- فأرسل إليه حميد فلما أقبل قال: يا ابن أخي أوسع له فيما بيني وبينك فإنه قد صحب رسول الله ﷺ فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه فقال له حميد: حدثني بالحديث الذي حدثتني به عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال الشيخ: سمعت
стр. 1392
رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك".
- التوسل بالصالحين:
٢٢١٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ "أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك ﷺ فاسقنا فيسقون".
قال الحافظ (٢/ ٤٩٧): وقد بين الزبير بن بكار في "الأنساب" صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الحبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس. وأخرج أيضاً من طريق داود، عن عطاء، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، فذكر الحديث ...
وقال الحافظ (٢/ ٤٩٥).
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري- وكان خازن عمر- قال:
"أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبل النبي ﷺ فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل له ائت عمر".
قال الحافظ: (وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال المزني أحد الصحابة).
стр. 1393
الفقرة الرابعة
في
الكسوف والخسوف
مقدمة وعرض إجمالي:
من معجزات رسولنا ﵊ الكبرى إخراج الظواهر الكونية من مجال الوهم والتوهم وإدخالها في دائرة العلم وفي دائرة التوصل إلى معرفة الحقيقة في شأنها من خلال البحث، وربط الأسباب المسببات لمعرفة خالقها، والقيام بحقوق العبادة والعبودية شكراً له ﷻ ، يظهر ذلك في نصوص كثيرة. ففي معرض السؤال عن الأهلة جاء الجواب: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (١) فمن مجيء الجملة الأخيرة في هذا السياق نفهم أن الظواهر الكونية ينبغي الوصول إليها من خلال الطرق المؤدية على ذلك.
وقد جاء في سورة العنكبوت: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (٢) فالآية طلب عن البحث في الأرض للوصول إلى معرفة البدايات الأولى للحياة، وهو ما يسمى الآن بعلم المستحاثات، ومن أعظم ما يظهر فيه مجموع ما قلناه: ما شرع لنا بمناسبتي الكسوف والخسوف وما قاله فيها رسول الله ﷺ ، لقد كان الناس تغلب عليهم الأوهام في أمر الكسوف والخسوف فيربطون ذلك بأحداث أرضية، وتغلب عليهم الغفلة عن الله الذي هو خالق كل شيء، ويغلب عليهم القيل والقال والتفسيرات والتخوفات فينشغلون بذلك عن عبادة الله ، فأزال الشارع هذه الأمور كلها، فبين رسول الله ﷺ ، أنه لا ارتباط للكسوف والخسوف بما يجري على الأرض وأن الكسوف والخسوف من آيات الله التي تدل عليه وإنه إذا حدث الكسوف والخسوف، فأدب المسلم أن يقبل على الله بالدعاء والصلاة، فيكون الكسوف والخسوف مذكرين للمسلم بما يجب عليه لله
стр. 1394
خالق كل شيء من القيام بشؤون العبادة والعبودية، وبعد هذه المقدمة التي ستأتي أدلتها نستخلص لك من كتب الفقه خلاصة عن هذا الموضوع:
غلب في اصطلاح الناس والفقهاء وعلماء الكون أن يخصص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر، فالكسوف: هو ذهاب ضوء الشمس أو بعضه في النهار بسبب وقوع ظل القمر بين الشمس والأرض، والخسوف: هو ذهاب ضوء القمر أوب عضه ليلاً لوقوع ظل الأرض بين الشمس والقمر. وقد شرعت لنا بمناسبة الكسوف والخسوف صلاة وهي: سنة مؤكدة باتفاق الفقهاء، وهي مشروعة حضراً وسفراً للرجال والنساء، أي للمكلفين ومن تطلب منه الصلاة، ويدخل في ذلك الصبيان ولهم وللعجائز حضورها جماعة، ويؤمر بها من تجب عليه الجمعة اتفاقاً، وتشرع بلا أذان ولا إقامة، وتصلى جماعة أو فرادى سراً أو جهراً، بخطبة أو بلا خطبة وفعلها في مسجد الجماعة والجمعة أفضل، ولا يشترط لها إذن الإمام، ويسن الغسل لها والخطبة عند الشافعية، والوعظ ندباً عند المالكية، وذهب الجمهور غير المالكية والحنابلة إلى شروع الصلاة لكل ظاهرة كونية مفزعة كالزلزلة والصواعق والريح الشديدة، لكن الأصل فيما سوى صلاة الكسوف والخسوف أن تصلى فرادى، والحنابلة يوافقون الجمهور في الصلاة للزلزلة ويرى الحنفية أن صلاة الكسوف والخسوف ركعتان كهيئة الصلوات الأخرى العادية ولا تختلف عنها، وقال الجمهور صلاة الكسوف والخسوف ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان والجميع والجميع متفقون على الندب في إطالة القراءة والركوع والسجود لينجلي الكسوف أو الخسوف.
وأجاز الحنابلة أن تؤدى صلاة الكسوف والخسوف على كل صفة وردت عن الشارع، فإن شاء أداها كما قال الحنفية وإن شاء أداها بركوعين في كل ركعة، وما يستتبع ذلك من رفع، وإن شاء أداها بثلاث ركوعات في كل ركعة أو خمس ركوعات في كل ركعة، لكن لا يزيد عندهم على خمس ركوعات في كل ركعة، ويخفي الإمام القراءة في صلاة الكسوف والخسوف عند أبي حنيفة وقال الصاحبان يجهر الإمام في صلاة الكسوف والخسوف، وقال المالكية والشافعية يسر الإمام في صلاة كسوف الشمس ويجهر في صلاة خسوف القمر وقال الحنابلة يجهر في صلاتي الكسوف والخسوف.
стр. 1395
والجمهور على أن الكسوف والخسوف إذا وقعا في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لا تصلى فيها وذهب الشافعية إلى أنها تصلى في الأوقات الخمسة المنهي عنها كما تصلى في غيرها.
ويندب عند المالكية تكرار صلاة الخسوف حتى ينجلي القمر أو يغيب في الأفق أو يطلع الفجر، ووقت صلاة الكسوف والخسوف من حين الكسوف والخسوف إلى حين التجلي، فإذا حدث التجلي أثناء الصلاة، أتمها خفيفة على صفة الصلاة كما نص عليه الحنابلة، وتفوت صلاة الكسوفين بالتجلي قبل الصلاة أو بغيبوبة الشمس كاسفة، أو بطلوع الشمس والقمر خاسف أو بطلوع الفجر والقمر خاسفاً ويقول الذين لا يرون صلاة الكسوف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها: إنه يشرع في هذه الحالة الدعاء والذكر، وإن فاتت صلاة الكسوف لفوات وقتها لم تقض، وقال الحنفية والحنابلة: لا خطبة لصلاة الكسوف، وقال المالكية: لا يشترط في هذه الصلاة خطبة وإنما يندب وعظ بعدها يثني فيه على الله ويصلي ويسلم على نبيه ﵊. وقال الشافعية: يسن أن يخطب الإمام لصلاة الكسوفين خطبتين بعد الصلاة كخطبة الجمعة والعيدين بأركانهما ويعلقون جواز الخطبة في بلد فيه وال على إذنه، واتفق الفقهاء على استحباب الذكر والدعاء والاستغفار والصدقة وفعل القربات بهذه المناسبات.
ففي الإسلام تكون هذه المناسبة مذكرة للناس بأن يقوموا بحقوق العبودية لله تعالى، ويدعو الإمام جالساً بعد الصلاة مستقبلاً القبلة إن شاء أو قائماً مستقبلاً الناس.
واتفق الفقهاء على أن صلاة الكسوف تسن جماعة في المسجد ويصلي بالناس الإمام الذي يصلي بهم الجمعة إن وجد، وأجاز الحنابلة والشافعية صلاتها فرادى، وقال الحنفية: إن لم يحضر إمام الجمعة صلاها الناس فرادى ركعتين أو أربعاً في منازلهم.
وأما صلاة خسوف القمر فإنها تصلى فرادى ويمكن عند الشافعية والحنابلة أن تصلى جماعة.
وقال الحنفية: تصلى صلاة الخسوف ركعتين أو أربعاً فرادى في المنازل، وقال المالكية:
стр. 1396
يندب لخسوف القمر ركعتان جهراً، وقال الشافعية والحنابلة: صلاة الخسوف كالكسوف بجماعة بركوعين وقيامين وقراءتين وسجدتين في كل ركعة، تؤدى جهراً لا سراً.
وإذا اجتمعت صلاتان كالكسوف مع غيرها من الجمعة أو فرض آخر أو العيد أو الجنازة أو الوتر، وإن لم يخف فوته يقدم الكسوف، وتكفي عند الشافعية خطبة الجمعة عن خطبة الكسوف. أما إذا اجتمع عيد أو كسوف مع صلاة جنازة قدمت الجنازة على الكسوف والعيد كما تقدم الجنازة على صلاة العيد إن لم يخف فوتها وتقدم صلاة الكسوف على صلاة العيد والمكتوبة إن أمن الفوت.
ويقدم الخسوف على الوتر عند الشافعية والحنابلة كما تقدم عند الشافعية على التراويح. وتقدم التراويح على الكسوف عند الحنابلة إذا تعذر فعلها.
(انظر الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١/ ٥٦٥ - ٥٦٦)، (الشرح الصغير: ١/ ٥٣٢ - ٥٣٦)، (المهذب: ١/ ١٢٢)، (المغني: ٢/ ٤٢٠ - ٤٢٩)، (الفقه الإسلامي: ٢/ ٣٩٨ - ٤١٠).
أقول: وحيث ما كان اختلاف للفقهاء في صلاة الكسوف والخسوف وصلاها الناس جماعة فإن الإمام هو الذي ينبغي أن يقتدى به، فالناس له تبع في هذه الحالة، وهو يختار الكيفية التي يراها إذا كان وراءه ناس من مذاهب مختلفة أما إذا كان في منطقة ليس فيها إلا مذهب واحد كتركيا مثلاً أو المغرب العربي حيث يغلب في الأولى المذهب الحنفي وفي الثانية المذهب المالكي فالأولى أن يراعي مذهب المنطقة.
وإلى نصوص هذه الفقرة:
стр. 1397
- الصلاة في كسوف الشمس وكيفيتها والتعوذ من عذاب القبر:
٢٢١٧ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "كسفت الشمس على عهد النبي ﷺ ، فقام النبي ﷺ ، فصلى بالناس، فأطال القراءة ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه، فأطال القراءة- وهي دون قراءته الأولى- ثم ركع فأطال الركوع، دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه، فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم قام فقال: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة".
وفي أخرى (١) نحوه، إلا أنه قال: "فسلم وقد تجلت الشمس، فخطب الناس ... " ثم ذكر الحديث.
وفي أخرى (٢) قال: "خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ ، فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه، فكبَّر ... " وذكر نحوه، إلا أنه قال: ثم قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم سجد" وفيه "وانجلت الشمس قبل أن ينصرف" ثم وصل به حديثاً عن كثير بن عباس عن ابن عباس "أن النبي ﷺ صلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات، ثم قال الزهري: فقلت لعروة: إن أخاك يوم كسفت الشمس بالمدينة- لم يزد على ركعتين مثل الصبح، قال: أجل، لأنه أخطأ السُّنة".
وفي أخرى (٣): "أنه ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبَّر
стр. 1398
فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات".
قال: وقال الأوزاعي وغيره عن الزهري عن عروة عن عائشة: "خسفت الشمس على عهد النبي ﷺ ، فبعث منادياً: الصلاة جامعة، فقام فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات".
قال البخاري: تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري في الجهر.
وفي رواية (١): وقال أيضاً "فصلوا حتى يفرَّج عنكم"، وقال رسول الله ﷺ : "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم- وفي رواية أتقدم- ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها ابن لحي، وهو الذي سيب السوائب".
وفي أخرى (٢) قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ فقام. ثم ذكر الأربع ركعات، وإطالته فيها، وأن القيام والركوع في كل منها دون ما قبله. وفيه ... ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا، وصلوا وتصدقوا"، ثم قال: "يا أمَّة محمد، والله ما من أحد أغير من الله: أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمَّة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً".
زاد في رواية (٣) "ألا هل بلغت؟ ".
стр. 1399
وفي أخرى (١) "ثم رفع يديه فقال: اللهم هل بلغت؟ ".
وفي أخرى (٢) قالت: "إن يهودية جاءت تسألها؟ فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ : أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "عائذاً بالله من ذلك"، ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركباً، فخسفت الشمس، فرجع ضحى، فمر رسول الله ﷺ بين ظهراني الحجر، ثم قام يصلي، وقام الناس وراءه .. ثم ذكر نحو ما تقدم في عدد الركوع، وطول القيام، وأن ما بعد كل من ذلك دون ما قبله ... وقال في آخره: ثم انصرف، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر".
وفي أخرى (٣) نحوه، وفي آخره فقال "إني قد رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال، قالت عمرة: فسمعت عائشة تقول: فكنت أسمع رسول الله ﷺ بعد ذلك يتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر".
ولمسلم (٤) أن رسول الله ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات. وفي أخرى (٥) "أن الشمس انكسفت على عهد رسول الله ﷺ ، فقام قياماً شديداً، يقوم قائماً، ثم يركع، ثم يقوم، ثم يركع ركعتين في ثلاث ركعات وأربع سجدات، فانصرف وقد تجلت الشمس، وكان إذا ركع قال: الله أكبر، ثم يركع، وإذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم كسوفاً، فاذكروا الله حتى ينجليا".
стр. 1400
أقول: استدل الشافعي وأحمد بهذه الرواية على مشروعية الخطبة بعد صلاة الكسوف وذهب الحنفية والمالكية إلى أن هذا التذكير كان عارضاً لتصحيح الاعتقاد فلا تسن خطبة للكسوف. وقد أخرج أبو داود (١) رواية ذكر فيها: "ثلاث ركعات، يركع الثالثة ثم يسجد، حتى إن رجالاً يومئذ ليغشى عليهم مما قام بهم، حتى إن سجال الماء لتصب عليهم، يقول إذا ركع: الله أكبر ... وذكر الحديث" وقال في آخره: "يخوِّف بهما عباده، فإذا كسفا فافزعوا إلى الصلاة".
وله في أخرى (٢) قال: كسفت الشمس على عهد النبي ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ فصلى بالناس، فقام، فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة ... وساق الحديث، ثم سجد سجدتين، ثم قام فأطال القراءة، فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران .. " وساق الحديث من لفظ أبي داود.
أقول: في الروايات التي مرت معنا رأينا ثلاث صيغ لصلاة الكسوف، صيغة ابن الزبير: التي قال عنها أخوه عروة أنه أخطأ السنة أي صلاها كصلاة الفجر، وابن الزبير خليفة راشد فاجتهاده عندنا أقوى من اجتهاد أخيه، فعمله يدل على أن صلاة الكسوف تصلى كما تصلى صلاة الفجر بركوع واحد وسجدتين في كل ركعة وهو الذي أخذ به الحنفية.
والصيغة الثانية: أن يركع في كل ركعة مرتين، وأن يقرأ قبل الركوع الأول وقبل الركوع الثاني ثم يسجد سجدتين كالعادة.
والصيغة الثالثة: أن يركع ثلاث ركوعات في الركعة الواحدة ويقرأ ثلاث مرات في كل ركعة ثم يسجد سجودين. وقد رأينا أن الحنابلة يجيزون أن يركع في الركعة الواحدة خمس ركوعات، قبل كل ركوع قراءة، ويعتبرون كلاً سنة والأمر واسع، وقد لاحظنا من الروايات أن الرسول ﷺ خطب بعد صلاة الكسوف، والفقهاء على رأيين في هذا
стр. 1401
الموضوع، فمنهم من اعتبر خطبته سنة دائمة ومنهم من اعتبرها خاصة بتلك الصلاة، ولاحظنا أن بعض الروايات تذكر رؤية الرسول ﷺ للجنة والنار وقد قربتا منه ولم يرهما أصحابه فدل ذلك على أن الجنة والنار مغيبتان عنا وإذا كانت الجنة فوق السماء السابعة الآن فهذا دليل على أن ما ذهبنا إليه من أن السماوات السبع والكرسي والعرش كلها من أمر الغيب.
ويمكننا إجمال فوائد الأحاديث بما يلي:
١ - دل الحديث على مشروعية صلاة الكسوف وأن تؤدى بجماعة في المسجد، وقد اتفق العلماء على أنها سنة مؤكدة؛ لفعل الرسول ﷺ إياها، وجمعه الناس عليها، وهذه أمارات التأكيد.
٢ - دل حديث عائشة على أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، وقد اتفقوا على عدد الركعات أنه اثنتان، لكن اختلفوا في عدد الركوع:
فذهب الحنفية إلى أنها تصلى بركوع واحد في كل ركعة.
وأجاب الحنفية عن أحاديث تعدد الركوع بأجوبة اختار منها الكمال بن الهمام، القول بالاضطراب، لأن الرواة اختلفوا، فتارة قالوا ركوعين، وتارة قالوا ثلاثة ركوعات، وتارة قالوا أربعة ركوعات، وقالوا غير ذلك. فوجب أن يصلي ما هو المعهود في الصلاة وهو ركعتان بركوع واحد للركعة. فرجعوا بهذه الدلالة العمل برواية الركوع الواحد.
وذهب المالكية والشافعية: إلى أنه يركع في كل ركعة ركوعين عملاً بحديث عائشة وغيرها، وقالوا إنه أصح الروايات وأشهرها فيعمل به، ويكون راجحاً على الروايات الأخرى. وهؤلاء سلكوا أيضاً طريق الترجيح بين الروايات.
أما الحنبلية فقالوا: الأفضل ما ورد في حديث عائشة، ولا مانع من الزيادة في الركوع عملاً بالروايات الأخرى. وهذا المسلك ذهب إلى الجمع بين الروايات والعمل بها جميعها.
стр. 1402
- الشمس والقمر آيتان لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته:
٢٢١٨ - * روى احمد عن محمود بن لبيد قال كسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقالوا كسفت الشمس لموت إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ألا وإنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما كذلك فافزعوا إلى المساجد" ثم قام فقرأ بعض الذاريات ثم ركع ثم اعتدل ثم سجد سجدتين ثم قام ففعل كما فعل في الأولى.
أقول: هذه الرواية تدل على أن ما فعله ابن الزبير كما مر معنا في إحدى الروايات السابقة كانت سنة، وهو الذي أخذ به فقهاء الحنفية وهذا النص يشهد لذلك.
٢٢١٩ - * روى أبو داود عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "بينما أنا وغلام من الأنصار نرمي غرضين لنا، حتى إذا كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق، اسودت حتى آضت كأنها تنومة، فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فوالله ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حدثاً، قال: فدفعنا فإذا هو بارز، فاستقدم فصلى، فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتاً، قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتاً، قال: ثم سجد كأطول ما سجد بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتاً، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، قال: فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، ثم سلم فحمد الله وأثنى عليه،
стр. 1403
وشهد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله ... ثم ساق ابن يونس خطبة النبي ﷺ ".
وأخرجه النسائي، ولم يذكر "حتى آضت كأنها تنومة" وقال فيه: "فدفعنا إلى المسجد، قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين خرج إلى الناس، قال: فاستقدم" والباقي مثله.
وله في أخرى (١): "أن النبي ﷺ خطب حين انكسفت الشمس، فقال: أما بعد .. ".
وله (٢) وللترمذي (٣) "أن رسول الله ﷺ صلى بنا في كسوف لا نسمع له صوتاً".
قال محقق الجامع: وفي سنده ثعلبة بن عباد العبدي وهو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، قال الترمذي: حديث سمرة، حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عائشة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ولعل ذلك لشواهده، فقد جاء عن ابن عباس قال: كنت إلى جنب النبي ﷺ في صلاة الكسوف، فما سمعت منه حرفاً، رواه أحمد وأبو يعلى والبيهقي من حديث عكرمة عنه، وزاد في آخره: حرفاً من القرآن، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف، وللطبراني من طريق موسى بن عبد العزيز عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ولفظه: صليت إلى جنب النبي ﷺ يوم كسفت الشمس فلم أسمع له قراءة، وقد ذكر هذه الروايات الحافظ في التلخيص، وقال الترمذي: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، يعني الإسرار بالقراءة في صلاة الكسوف، وهو قول الشافعي. أقول: وقد قال بذلك كثير من الفقهاء، وفي الصحيحين، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة فيها. قال أبو بكر بن العربي: والجهر عندي أولى لأنها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب، فأشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم. وقال الحافظ في "الفتح" بعد ما ذكر أحاديث الإسرار في قراءته: وعلى تقدير صحتها، فمثبت
стр. 1404
الجهر معه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد، فيكون فعل ذلك لبيان الجواز. اهـ.
ما عرض على رسول الله ﷺ من أمر الجنة والنار في صلاة الخسوف:
٢٢٢٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما كسفت لموت إبراهيم، فقام النبي ﷺ ، فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات، ثم بدأ فكبَّر، ثم قرأ فأطال القراءة، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، فقرأ قراءة دون القراءة الأولى، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، فقرأ قراءة دون القراءة الثانية، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، ثم انحدر بالسجود، فسجد سجدتين، ثم قام أيضاً، فركع ثلاث ركعات ليس منها ركعة إلا التي قبلها أطول من التي بعدها، وركوعه نحو من سجوده، ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه، حتى انتهينا إلى النساء، ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه، فانصرف حين انصرف وقد آضت الشمس، فقال: "يا أيها الناس، إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا حتى تنجلي، ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، ولقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت، مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلق المحجن، وإن غفل عنه ذهب به، وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً، ثم جيء
стр. 1405
بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي، فأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه".
وفي أخرى (١) قال: "كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في يوم شديد الحر، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه، فأطال القيام، حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم سجد سجدتين ثم قام فصنع نحواً من ذلك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات، ثم قال: "إنه عرض علي كل شيء تولجونه، فعرضت علي الجنة، حتى لو تناولت منها قطفاً لأخذته"- أو قال: "تناولت منها قطفاً، فقصرت يدي عنه- وعرضت علي النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وإنهم كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله يريكموهما، فإذا خسفا فصلوا حتى تنجلي".
وفي أخرى (٢) نحوه، إلا أنه قال: "ورأيت في النار امرأة حميرية سوداء طويلة" ولم يقل "من بني إسرائيل".
- صلاة الرجال مع النساء في الكسوف:
٢٢٢١ - * روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "أتيت عائشة ﵂ وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء، فإذا النسا قيام، قالت: سبحان الله، قلت: آية؟ فأشارت برأسها: أي نعم، فقمت حتى تجلاني الغشي، فجعلت أصب على رأسي الماء، فحمد الله النبي ﷺ وأثنى عليه، قال: "ما من