الموضوع، فمنهم من اعتبر خطبته سنة دائمة ومنهم من اعتبرها خاصة بتلك الصلاة، ولاحظنا أن بعض الروايات تذكر رؤية الرسول ﷺ للجنة والنار وقد قربتا منه ولم يرهما أصحابه فدل ذلك على أن الجنة والنار مغيبتان عنا وإذا كانت الجنة فوق السماء السابعة الآن فهذا دليل على أن ما ذهبنا إليه من أن السماوات السبع والكرسي والعرش كلها من أمر الغيب.
ويمكننا إجمال فوائد الأحاديث بما يلي:
١ - دل الحديث على مشروعية صلاة الكسوف وأن تؤدى بجماعة في المسجد، وقد اتفق العلماء على أنها سنة مؤكدة؛ لفعل الرسول ﷺ إياها، وجمعه الناس عليها، وهذه أمارات التأكيد.
٢ - دل حديث عائشة على أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، وقد اتفقوا على عدد الركعات أنه اثنتان، لكن اختلفوا في عدد الركوع:
فذهب الحنفية إلى أنها تصلى بركوع واحد في كل ركعة.
وأجاب الحنفية عن أحاديث تعدد الركوع بأجوبة اختار منها الكمال بن الهمام، القول بالاضطراب، لأن الرواة اختلفوا، فتارة قالوا ركوعين، وتارة قالوا ثلاثة ركوعات، وتارة قالوا أربعة ركوعات، وقالوا غير ذلك. فوجب أن يصلي ما هو المعهود في الصلاة وهو ركعتان بركوع واحد للركعة. فرجعوا بهذه الدلالة العمل برواية الركوع الواحد.
وذهب المالكية والشافعية: إلى أنه يركع في كل ركعة ركوعين عملاً بحديث عائشة وغيرها، وقالوا إنه أصح الروايات وأشهرها فيعمل به، ويكون راجحاً على الروايات الأخرى. وهؤلاء سلكوا أيضاً طريق الترجيح بين الروايات.
أما الحنبلية فقالوا: الأفضل ما ورد في حديث عائشة، ولا مانع من الزيادة في الركوع عملاً بالروايات الأخرى. وهذا المسلك ذهب إلى الجمع بين الروايات والعمل بها جميعها.
стр. 1402
- الشمس والقمر آيتان لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته:
٢٢١٨ - * روى احمد عن محمود بن لبيد قال كسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقالوا كسفت الشمس لموت إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ألا وإنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما كذلك فافزعوا إلى المساجد" ثم قام فقرأ بعض الذاريات ثم ركع ثم اعتدل ثم سجد سجدتين ثم قام ففعل كما فعل في الأولى.
أقول: هذه الرواية تدل على أن ما فعله ابن الزبير كما مر معنا في إحدى الروايات السابقة كانت سنة، وهو الذي أخذ به فقهاء الحنفية وهذا النص يشهد لذلك.
٢٢١٩ - * روى أبو داود عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "بينما أنا وغلام من الأنصار نرمي غرضين لنا، حتى إذا كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق، اسودت حتى آضت كأنها تنومة، فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فوالله ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حدثاً، قال: فدفعنا فإذا هو بارز، فاستقدم فصلى، فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتاً، قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتاً، قال: ثم سجد كأطول ما سجد بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتاً، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، قال: فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، ثم سلم فحمد الله وأثنى عليه،
стр. 1403
وشهد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله ... ثم ساق ابن يونس خطبة النبي ﷺ ".
وأخرجه النسائي، ولم يذكر "حتى آضت كأنها تنومة" وقال فيه: "فدفعنا إلى المسجد، قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين خرج إلى الناس، قال: فاستقدم" والباقي مثله.
وله في أخرى (١): "أن النبي ﷺ خطب حين انكسفت الشمس، فقال: أما بعد .. ".
وله (٢) وللترمذي (٣) "أن رسول الله ﷺ صلى بنا في كسوف لا نسمع له صوتاً".
قال محقق الجامع: وفي سنده ثعلبة بن عباد العبدي وهو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، قال الترمذي: حديث سمرة، حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عائشة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ولعل ذلك لشواهده، فقد جاء عن ابن عباس قال: كنت إلى جنب النبي ﷺ في صلاة الكسوف، فما سمعت منه حرفاً، رواه أحمد وأبو يعلى والبيهقي من حديث عكرمة عنه، وزاد في آخره: حرفاً من القرآن، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف، وللطبراني من طريق موسى بن عبد العزيز عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ولفظه: صليت إلى جنب النبي ﷺ يوم كسفت الشمس فلم أسمع له قراءة، وقد ذكر هذه الروايات الحافظ في التلخيص، وقال الترمذي: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، يعني الإسرار بالقراءة في صلاة الكسوف، وهو قول الشافعي. أقول: وقد قال بذلك كثير من الفقهاء، وفي الصحيحين، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة فيها. قال أبو بكر بن العربي: والجهر عندي أولى لأنها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب، فأشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم. وقال الحافظ في "الفتح" بعد ما ذكر أحاديث الإسرار في قراءته: وعلى تقدير صحتها، فمثبت
стр. 1404
الجهر معه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد، فيكون فعل ذلك لبيان الجواز. اهـ.
ما عرض على رسول الله ﷺ من أمر الجنة والنار في صلاة الخسوف:
٢٢٢٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما كسفت لموت إبراهيم، فقام النبي ﷺ ، فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات، ثم بدأ فكبَّر، ثم قرأ فأطال القراءة، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، فقرأ قراءة دون القراءة الأولى، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، فقرأ قراءة دون القراءة الثانية، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، ثم انحدر بالسجود، فسجد سجدتين، ثم قام أيضاً، فركع ثلاث ركعات ليس منها ركعة إلا التي قبلها أطول من التي بعدها، وركوعه نحو من سجوده، ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه، حتى انتهينا إلى النساء، ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه، فانصرف حين انصرف وقد آضت الشمس، فقال: "يا أيها الناس، إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا حتى تنجلي، ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، ولقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت، مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلق المحجن، وإن غفل عنه ذهب به، وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً، ثم جيء
стр. 1405
بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي، فأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه".
وفي أخرى (١) قال: "كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في يوم شديد الحر، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه، فأطال القيام، حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم سجد سجدتين ثم قام فصنع نحواً من ذلك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات، ثم قال: "إنه عرض علي كل شيء تولجونه، فعرضت علي الجنة، حتى لو تناولت منها قطفاً لأخذته"- أو قال: "تناولت منها قطفاً، فقصرت يدي عنه- وعرضت علي النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وإنهم كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله يريكموهما، فإذا خسفا فصلوا حتى تنجلي".
وفي أخرى (٢) نحوه، إلا أنه قال: "ورأيت في النار امرأة حميرية سوداء طويلة" ولم يقل "من بني إسرائيل".
- صلاة الرجال مع النساء في الكسوف:
٢٢٢١ - * روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "أتيت عائشة ﵂ وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء، فإذا النسا قيام، قالت: سبحان الله، قلت: آية؟ فأشارت برأسها: أي نعم، فقمت حتى تجلاني الغشي، فجعلت أصب على رأسي الماء، فحمد الله النبي ﷺ وأثنى عليه، قال: "ما من
стр. 1406
تفتنون في قبوركم مثل، أو قريباً- لا أدري أي ذلك قالت أسماء؟ - من فتنة المسيح الدجال. يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن، أو الموقن- لا أدري أيهما قالت أسماء؟ - فيقول: هو محمد، وهو رسول الله ﷺ ، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد- ثلاثاً- فيقال: نم صالحاً، قد علما إن كنت لموقناً به، وأما المنافق، أو المرتاب؛ - لا أدري أي ذلك قالت أسماء؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته".
وفي حديث (١) زائدة "لقد أمر رسول الله ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس".
قال البخاري: قالت أسماء: "فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فحمد الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: ".
قال البخاري (٢) في رواية وذكر نحو ما قدمنا، وفيه قالت: "فأطال رسول الله ﷺ جداً، حتى تجلاني الغشي، وإلى جنبي قرية فيها ماء، ففتحتها فجعلت أصب منها على رأسي، فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد"- ولغط نسوة من الأنصار، فانكفأت إليهن لأسكتهن- فقلت لعائشة: ما قال؟ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من شيء لم أكن رأيته إلا رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، ولقد أوحي إلي: أنكم تفتنون في القبور مثل- أو قريباً- من فتنة الدجال" ثم ذكر نحو ما تقدم ... إلى قوله: "سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته" قال هشام: وقد قالت لي فاطمة فأوعيته، غير أنها ذكرت ما يغلَّظ عليه.
وللبخاري (٣) أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الكسوف، فقام فأطال القيام، ثم ركع
стр. 1407
فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع، فسجد فأطال السجود، ثم رفع، فسجد فأطال السجود، ثم انصرف، فقال: "قد دنت مني الجنة، حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، ودنت مني النار، حتى قلت: أي رب، وأنا معهم؟ وإذا امرأة- حسبت أنه قال: تخدشها هرة- قلت: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعاً، لا هي أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل"- قال نافع: حسبت أنه قال: من خشيش الأرض- أو خشاش- قال أبو بكر الإسماعيلي: والصحيح "أو أنا معهم؟ " قال: وقد يستخف إسقاط ألف الاستفهام في مواضع.
- إطالة القيام والركوع والسجود في الكسوف والركعة الأولى في الكسوف أطول:
٢٢٢٢ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله"، قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت؟ قال:
стр. 1408
"إني رأيت الجنة، فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن". قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط".
ولمسلم (١) في أخرى قال: صلى رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات. وقال: عن علي مثل ذلك.
- الفزع إلى الدعاء والذكر والاستغفار عند كسوف الشمس:
٢٢٢٣ - * روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "خسفت الشمس في زمان رسول الله ﷺ ، فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد، فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: إن هذه الآيات التي يرسلها الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوِّف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره".
٢٢٢٤ - * روى أحمد عن علي قال: كسفت الشمس فصلى علي فقرأ يس أو نحوها ثم ركع نحواً من قدر السورة ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ثم قام قدر السورة يدعو ويكبر ثم ركع قدر قراءته أيضاً ثم قال سمع الله لمن حمده ثم قام أيضاً قدر السورة ثم ركع قدر ذلك أيضاً حتى صلى أربع ركعات ثم قال سمع الله لمن حمده ثم سجد ثم قام إلى الركعة الثانية ففعل كفعله في الركعة الأولى ثم جلس يدعو ويرغِّب حتى انجلت الشمس ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ كذلك فعل.
стр. 1409
٢٢٢٥ - * روى البزار عن علي قال انكسفت الشمس فقام علي فركع خمس ركعات وسجدتين ثم قام في الركعة الثانية مثل ذلك ثم قال ما صلاها بعد رسول الله ﷺ أحد غيري.
أقول: رأينا أن مذهب الحنابلة أدخل في صيغ صلاة الكسوف أن يركع في الركعة الواحدة أربعة ركوعات أو خمسة وهاتان الروايتان عن علي تشهد لهاتين الصيغتين، وعلى هذا فهناك خمس كيفيات لصلاة الكسوف كل منها مشروع.
قال الخطابي في "معالم السنن" يشبه أن يكون اختلاف الروايات في صلاة الكسوف، في عدد ركعاتها: أن النبي ﷺ قد صلاها دفعات، فكانت إذا طالت مدة الكسوف مد في صلاته، وإذا لم تطل لم يطل.
قال ابن خزيمة:
فجائز للمرء أن يصلي في الكسوف كيف أحب وشاء مما فعل النبي ﷺ من عدد الركوع، إن أحب ركع في كل ركعة ركوعين، وإن أحب ركع في كل ركعة ثلاث ركعات وإن أحب ركع في كل ركعة أربع ركعات، لأن جميع هذه الأخبار صحاح عن النبي ﷺ وهذه الأخبار دالة على أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس مرات لا مرة واحدة.
стр. 1410
الفقرة الخامسة
في
صلاة الجنازة وأحكام الشهداء
مقدمة وعرض إجمالي:
إذا تأملت في النصوص التي تتحدث عن الزواج وفي الأحكام التي تتعلق بالنكاح، وإذا تأملت الأحكام المتعلقة ببعض الحدود كحد الزنا والقذف فإنك تجد الرعاية للذرية تبدأ بالنسبة للإنسان قبل الولادة فإذا عرفت أن الإسلام خص الطفل والمرأة والشيوخ بمزيد الوصايا والرعاية عرفت أن من خواص هذا الدين الرحمة بالمستضعفين والعاجزين، وإذا عرفت أن للطفل أول ما يولد أحكاماً وأن للإنسان إذا مات حقوقاً عرفت مظهراً من مظاهر شمولية هذا الدين لكل حالات الإنسان، وهذا مظهر من مظاهر أن هذا الدين دين الله.
وحقوق الإنسان عند الوفاة كثيرة، وحقوقه إذا مرض كثيرة، فمن حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض ويتبع جنازته إذا مات، ونحن في كتابنا هذا سنخص أدب التعامل مع الموت بجزء خاص في القسم الرابع من أقسام هذا الكتاب كما سنخصص للكلام عن الطب والمرض جزءاً خاصاً في القسم الرابع كذلك، وها هنا نكتفي بذكر حق من حقوق الميت المسلم سواء كان رجلاً أو امرأة وطفلاً بالذكر وهو حقه أن يصلى عليه، وإذا كان للشهيد أحكام خاصة به ومنها ما له علاقة في الصلاة عليه واختلاف الفقهاء في بعض صور ذلك، ولكون الصلاة على الميت ألصق ببحث الصلاة، فقد ذكرنا هذه الفقرة هنا، وها نحن نستخلص لك خلاصة من كتب الفقه في أحكام الصلاة.
- الصلاة على المسلم الميت غير الشهيد سواء كان ذكراً أو أنثى فرض كفاية على الأحياء بالإجماع إذا فعلها البعض ولو واحد سقط الإثم عن الباقين، وإذا أريدت الصلاة نودي: الصلاة على الميت يرحمكم الله ولا تجوز الصلاة على كافر أو منافق، وهي عند الحنفية: حق لكل مسلم مات إلا البغاة وقطاع الطريق إذا قتلوا في الحرب، وأهل العصبية والمكابر في
стр. 1411
مصر ليلاً بسلاح. أو من تكرر منه الخنق في المصر، ولا يصلى عندهم على قاتل أحد أبويه إهانة له إذا قتله الإمام قصاصاً، أما إن مات حتف أنفه فإنه يصلى عليه والمراد بأهل العصبية هم الذين يتعاونون على الظلم، ويتعصبون لقوم أو قبيلة ويقتلون بسبب ذلك وهم ظالمون، ومن قتل نفسه عمداً يغسل ويصلى عليه على المفتى به عند الحنفية، ورأى قوم كأبي يوسف أنه لا يصلى عليه، وقال المالكية ولا يصلي الإمام على من قتله في حد أو قصاص، ويصلي عليه غيره، وقال المالكية وينبغي لأهل الفضل أن يجتنبوا الصلاة على المبتدعة ومظهري الكبائر، واستثنى الحنابلة من فرضية صلاة الجنازة الشهيد والمقتول ظلماً، والجمهور غير الحنفية على أن الشهيد لا يصلى عليه، ولم يصلِّ رسول الله ﷺ على من غل من الغنيمة أي أخذ شيئاً من الغنيمة دون إذن الإمام.
والأحق بالصلاة عند الحنفية على الميت السلطان إذا حضر أو نائبه إذا غاب، أو القاضي في حال غياب الاثنين، ثم إمام الحي، ثم الولي الذكر المكلف بترتيب عصوبة أو أولياء نكاح والأب يقدم على الابن ويقدم الأقرب فالأقرب، كترتيبهم في ولاية الزواج ولمن له حق التقدم أن يأذن لغيره ومن له ولاية التقدم أحق ممن أوصى له الميت بالصلاة عليه على المفتى به.
فإن صلى عليه غير الوالي والسلطان ونائبه فللولي إعادة الصلاة ولو على قبره إن شاء وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي عليه بعده، فإذا دفن ولم يصل عليه صلى على قبره ما لم يغب على الظن تفسخه، وقال المالكية والحنابلة أحق الناس بالصلاة على الميت من أوصى الميت أن يصلي عليه ثم الوالي أو الأمير ثم الأولياء والعصبات على ترتيب ولايتهم في النكاح، لكن يقدم الأخ وابنه عند المالكية على الجد، ويصلي النساء عند المالكية حال عدم الرجال فرادى دفعة واحدة، ويقدم عند الحنابلة الأحق بالإمامة في المكتوبات، وقال الشافعية:
الولي أولى بالإمامة من الوالي ولو أوصى الميت لغير الولي، ويقدم الأب ثم الجد وإن علا ثم الابن وإن سفل ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب ... فإذا لم يوجد عصبات قدم الأقرب فالأقرب من ذوي الأرحام فإن استوى الأولياء في الدرجة وكلهم صالح للإمامة فالأسن ولو
стр. 1412
كان غيره أفقه منه، واتفقت المذاهب الأربعة على جواز الصلاة على الجنائز المتعددة دفعة واحدة وعلى أن إفراد كل جنازة بصلاة أفضل ويقدم الأفضل فالأفضل. وفي حال اجتماع الجنائز: قال الحنفية تصف صفاً عريضاً ويقوم الإمام عند أفضلهم أو تصف صفاً طويلاً مما يلي القبلة بحيث يكون صدر كل واحد منهم قدام الإمام محاذياً له.
ولصلاة الجنازة عند الحنفية ركنان: التكبيرات الأربع والقيام، والسلام مرتين بعد التكبيرة الرابعة واجب عندهم، والنية شرط ولا تجوز الصلاة عندهم على الجنازة راكباً ولا قاعداً بغير عذر، وسنن الصلاة عندهم: التحميد والثناء والدعاء والصلاة على النبي ﷺ . وأركان الصلاة عند المالكية:
النية والتكبيرات الأربع والدعاء للميت بما تيسر وتسليمة واحدة والقيام للقادر عليه. وعند الشافعية والحنابلة: قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى ركن، وكيفية الصلاة عند الحنفية: أن ينوي المصلي الصلاة لله تعالى والدعاء لهذا الميت ثم يرفع يديه في التكبيرة الأولى فقط ويدعو بدعاء الثناء وهو (سبحانك اللهم ...) ثم يكبر التكبيرة الثانية ويصلي على النبي ﷺ ثم يكبر التكبيرة الثالثة ويدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين ثم يكبر الرابعة ويسلم، وجاز عندهم أن تقرأ الفاتحة بعد الثناء على نية الثناء لا على نية التلاوة، ويندب أن يدعو بالمأثورات، وإلا فما تيسر، ولو كبر الإمام خمساً لم يتبع، فيمكث المؤتم حتى يسلم مع الإمام إذا سلم، ولا يستغفر لصبي ومجنون، ولكن يدعو لهم بالمأثور كما سنراه.
وأفضل الصلاة على رسول الله ﷺ في الجنازة وغيرها هي الصلاة الإبراهيمية، وكما رأينا فإنه لا يرفع يديه إلا عند التكبيرة الأولى فقط ويضع بعد ذلك يده اليمنى على اليسرى تحت سرته حتى ينهي الصلاة. وصلاة الجنازة متقاربة في المذاهب.
стр. 1413
وخلاصة الأمر هي ما يلي:
أن صلاة الجنازة تبدأ بالنية وتشتمل على أربع تكبيرات ودعاء للميت حال القيام، وصلاة على النبي ﷺ وفاتحة وسلام إلا أن النية شرط لا ركن عند الحنفية والحنابلة، ومحل الدعاء عند الجمهور بعد التكبيرة الثالثة، وعقب كل تكبيرة حتى الرابعة على المعتمد عند المالكية، والصلاة على النبي مسنونة عند الحنفية، مندوبة عند المالكية، ركن عند الآخرين، والسلام واجب عند الحنفية ركن عند الجمهور، وقراءة الفاتحة مكروهة تحريماً بنية التلاوة جائزة بنية الدعاء عند الحنفية، ومكروهة تنزيهاً عند المالكية وركن عند الآخرين. ولو زاد الإمام عن أربع تكبيرات لا يتابعه المقتدي في الزيادة، وإنما ينتظره ليسلم معه عند الحنفية والشافعية، ويسلم عند المالكية، ويتابعه إلى سبع تكبيرات عند الحنابلة.
وقال الحنفية: يندب أن يقوم الإمام بحذاء الصدر مطلقاً للرجل والمرأة، وقال المالكية: يقف الإمام عند وسط الرجل وعند منكبي المرأة وقال الشافعية:
يندب أن يقف المصلي إماماً أو منفرداً عند رأس الرجل وعند عجز الأنثى.
وقال الحنابلة: يقوم الإمام عند صدر الرجل ووسط المرأة.
والمسبوق يتابع الإمام فيما لحق ويتم ما فاته، وقال الحنفية وآخرون إذا كبر الإمام الرابعة فقد فاتت الصلاة.
وأجاز الحنفية لمن لم يكن على طهارة وحضرت صلاة الجنازة وخاف إن توضأ أن لا يدركها جاز له التيمم، وقال الحنفية، يكره تحريماً الصلاة على الجنازة في الأوقات الخمسة التي ورد النهي عن الصلاة فيها. وقال المالكية والحنابلة: تحرم الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وغروبها وزوالها، وتجوز بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس والعصر إلى الغروب، وقال الشافعية:
يجوز فعل الصلاة في جميع الأوقات ويكره عند الحنفية والمالكية تكرار الصلاة على الجنازة إن صلى عليها جماعة فإذا لم تكن صلي عليها جماعة أعيدت ندباً بجماعة قبل الدفن.
стр. 1414
وأجاز الشافعية والحنابلة تكرار الصلاة على الجنازة مرة أخرى لمن لم يصل عليها أولاً ولو بعد الدفن، بينما يسن ذلك عند الشافعية، واتفق الفقهاء على جواز الصلاة على الميت بعد الدفن إذا لم يكن صلي عليها على تفصيلات الأئمة في هذا الشأن فمثلاً إذا غلب الظن أن الميت قد تفسخ في قبره فإنه لا يصلى عليه عند الحنفية، وأجاز الشافعية والحنابلة جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد وإن قربت المسافة ولم يكن في جهة القبلة لكن المصلي يستقبل القبلة وتتوقت الصلاة على الغائب عند الحنابلة بشهر كالصلاة على قبر، ولا تجوز الصلاة على الغائب عند الحنفية والمالكية، وقالوا إن صلاة النبي ﷺ على النجاشي خصوصية، ويصلى على المولود أو السقط عند الحنابلة إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر ويغسل أيضاً، والسقط هو ما وضعته المرأة ميتاً أو بغير تمام.
واتفق الفقهاء على أن السقط إذا خرج حياً واستهل بأن سمع له صوت بكاء عند الولادة، ووجد منه ما يدل على حياته بعد خروج أكثره فإنه يغسل ويصلى عليه.
ولا يصلى عند الحنفية على السقط إذا لم يستهل لكنه يغسل ويدرج في خرقة ويدفن، والشافعية كالحنفية في عدم الصلاة على السقط إذا لم يستهل، واستثنوا من ذلك إذا بلغ تمام أشهره فإنه يغسل ويصلى عليه، ويكره عند المالكية أن يغسل السقط أو يصلى عليه إذا لم يستهل صارخاً أو تتحقق حياته غلا أنه يغسل عنه دمه ويلف بخرقة ويوارى، والأصل أني صلى على الميت في المصلى وأما الصلاة في المقبرة على الجنازة فهي مكروهة عند الحنفية والشافعية وأجاز المالكية والحنابلة الصلاة على الجنازة في المقبرة، ويكره عند الحنفية والمالكية أن يصلى عليها في المسجد وأجاز ذلك الشافعية والحنابلة، والذين أجازوها في المسجد قيدوا ذلك فيما إذا لم يخش تلويثه.
والشهيد عند الحنفية يكفن بثيابه ويصلى عليه ولا يغسل إذا استشهد وهو مكلف طاهر، أما الجنب والحائض والنفساء إذا استشهدوا يغسلون عند أبي حنيفة كما يغسل الصبي والمجنون، وقال الصاحبان لا يغسلان ولا يغسل عن الشهيد دمه ولا ينزع عنه ثيابه لكن ينزع عنه الفرو والحشو والخف والسلاح مما لا يصلح للكفن وقال الجمهور: لا يغسل الشهيد ولا يكفن ولا يصلى عليه ولكن تزال النجاسة الحاصلة من غير الدم، ويدفن
стр. 1415
الشهيد بثيابه بعد تنحية الجلود والسلاح عنه ويستحب دفن الشهيد في مكان مصرعه، والبالغ وغيره سواء عند الجمهور، ولا يغسل الجنب ونحوه عند المالكية وهذا كله فيمن ينطبق عليه تعريف شهيد الدنيا والآخرة، وأما شهيد الآخرة فقط كالمرأة تموت في ولادتها والمبطون فهؤلاء يعاملون معاملة الموتى العاديين وعلى هذا لابد من تعريف من ينطبق عليه وصف شهداء الدنيا والآخرة الذين لهم أحكام خاصة قال الحنفية في التعريف بهذا النوع من الشهداء.
الشهيد من قتله أهل الحرب، أو أهل البغي، أو قطاع الطريق، أو اللصوص في منزله ليلاً أو نهاراً بأي آلة: مثقل أو محدد، أو وجد في المعركة وبه أثر كجرح وكسر وحرق وخروج دم من أذن أو عين، أو قتله مسلم ظلماً عمداً بمحدد، وكان مسلماً مكلفاً (بالغاً عاقلاً) طاهراً (خالياً من حيض أو نفاس أو جنابة)، ولم يرتث بعد انقضاء الحرب أي لا يموت عقب الإصابة.
والارتثاث: أن يأكل أو يشرب أو يداوى، أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل، أو ينقل من المعركة حياً، أي وهو يعقل.
أما المقتول حداً أو قصاصاً، فإنه يغسل ويصلى عليه، لأنه لم يقتل ظلماً، وإنما قتل بحق، وأما من قتل من البغاة أو قطاع الطرق فلا يغسل ولا يصلى عليه.
وبه يتبين أن شروط تحقيق الشهادة عندهم: هي الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحدث الأكبر، وأن يموت عقب الإصابة.
وأن كل مقتول في المعركة مع العدو، أو قتل ظلماً، أو دفاعاً عن النفس أو المال فهو شهيد. أما من خرج حياً من المعركة، أو كان جنباً فلا تطبق عليه أحكام الشهيد.
وقال المالكية: الشهيد: من مات في معترك المشركين، ومن أخرج من المعركة في حكم الأموات وهو من رفع من المعركة حياً منفوذ المقاتل، أو مغموراً (أي يعاني غمرات الموت: وهي شدائده): وهو من لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم إلى أن مات، فإن قتل في غير المعركة ظلماً، أو أخرج من المعترك حياً، ولم تنفذ مقاتله، ثم مات، غسل وصلي عليه في
стр. 1416
المشهور، كما أن من قتل في المعترك في قتال المسلمين غسل وصلي عليه، ويغسل الجنب.
وقال الشافعية: الشهيد: هو من مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب، كأن قتله كافر، أو اصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاحه، أو تردى في بئر أو وهدة، أو رفسته دابته فمات، أو قتله مسلم باغ استعان به أهل الحرب.
فإن مات لا بسبب القتال، أو بعد انقضاء المعركة، أو في حال قتال البغاة، فغير شهيد في الأظهر.
ولا تشترط الطهارة من الحدث الأكبر عند المالكية والشافعية، فمن مات جنباً فإنه لا يغسل.
وقال الحنابلة: الشهيد: هو من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال، أو هو المقتول بأيدي العدو من الكفار، أو البغاة، أو المقتول ظلماً، ولو كان غير مكلف رجلاً أو امرأة. أو كان غالاً (خائناً): كتم من الغنيمة شيئاً. ومن عاد إليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو، لكن تشترط الطهارة من الحدث الأكبر كالحنفية، فمن قتل جنباً غسل. كذلك يغسل ويصلى عليه من حمل وبه رمق أي حياة مستقرة، وإن كان شهيداً.
انظر: (حاشية ابن عابدين والدر: ١/ ٥٨٢ - ٥٩٧، ١/ ٦٠٧ - ٦١٠)، (والهدية العلائية: ١٦٠ - ١٦٥)، (والشرح الصغير: ١/ ٥٤٢ - ٥٤٣، ١/ ٥٥٣ - ٥٦٠، ١/ ٥٧٥ - ٥٧٧)، (والمهذب: ١/ ١٣٢ - ١٣٥)، (وكشف القناع: ٢/ ١٢٧، ٢/ ١١٣)، (والفقه الإسلامي: ٢/ ٤٨٣ - ٥٠٨، ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٦).
وإلى نصوص هذه الفقرة:
стр. 1417
- أجر من صلى على جنازة وتبعها:
٢٢٢٦ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين".
زاد في رواية (١): قال ابن شهاب قال سالم بن عبد الله: وكان ابن عمر يصلي عليها، ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة قال: "لقد ضيعنا قراريط كثيرة".
وللبخاري (٢) قال: "من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط".
ولمسلم (٣) قال: "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: أصغرهما مثل أُحُد".
وفي أخرى (٤): قال: قلت لأبي هريرة "وما القيراط؟ قال: مثل أُحُد".
وفي أخرى (٥): عن عامر بن سعد بن أبي وقاص "أنه كان قاعداً عند ابن عمر، إذ طلع خباب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى
стр. 1418
عليها، واتبعها حتى تدفن، كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أُحُد"، فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
٢٢٢٧ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى على جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط مثل أُحُد".
وفي رواية (١): "سئل النبي ﷺ عن القيراط؟ فقال: "مثل أُحُد".
٢٢٢٨ - * روى النسائي عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تبع جنازة حتى يصلى عليها كان له من الأجر قيراط، ومن مشى مع الجنازة حتى تدفن، كان له من الأجر قيراطان، والقيراط مثل أُحُد".
قال النووي في (شرح مسلم: ٧/ ١٣ - ١٤): فيحصل بالصلاة قيراط وبالاتباع مع حضور الدفن قيراط آخر فيكون الجميع قيراطين تبينه رواية البخاري في أول صحيحه في كتاب الإيمان من شهد جنازة وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها رجع من الأجر بقيراطين فهذا صريح في أن المجموع بالصلاة والاتباع وحضور الدفن قيراطان ... وقال بعض أصحابنا يحصل القيراط الثاني إذا ستر الميت في القبر باللبن وإن لم يلق عليه التراب والصواب الأول وقد يستدل بلفظ الاتباع في هذا الحديث وغيره من يقول المشي وراء الجنازة أفضل من أمامها وهو قول علي بن أبي طالب ومذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وقال جمهور الصحابة والتابعين ومالك والشافعي وجماهير العلماء المشي قدامها أفضل وقال الثوري
стр. 1419
وطائفة هما سواء قال القاضي وفي إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف عن اتباع الجنازة بعد دفنها إلى استئذان وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو المشهور عن مالك وحكى ابن عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلا بإذن وهو قول جماعة من الصحابة.
- الصلاة على الغائب:
٢٢٢٩ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبَّر عليه أربع تكبيرات".
وفي رواية (٢): نعى لنا رسول الله ﷺ النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: "استغفروا لأخيكم"، لم يزد على هذا.
٢٢٣٠ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن رسول الله ﷺ صلى على أصحمة النجاشي، فكبَّر عليه أربعاً".
٢٢٣١ - * روى مسلم عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخاً لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه- يعني: النجاشي-".
وفي رواية الترمذي (٥): "إن أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه"،
стр. 1420
فقمنا فصففنا كما يصف على الميت، وصلينا معه كما يصلى على الميت".
قال النووي: فيه إثبات الصلاة على الميت وأجمعوا على أنها فرض كفاية والصحيح عند أصحابنا أن فرضها يسقط بصلاة رجل واحد وقيل يشترط اثنان وقيل ثلاثة وقيل أربعة وفيه أن تكبيرات الجنازة أربع وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه دليل للشافعي وموافقيه في الصلاة على الميت الغائب وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ لإعلامه بموت النجاشي وهو في الحبشة في اليوم الذي مات فيه وفيه استحباب الإعلام بالميت لا على صورة نعي الجاهلية بل مجرد إعلام الصلاة عليه وتشييعه وقضاء حقه في ذلك والذي جاء من النهي عن النعي ليس المراد به هذا وإنما المراد نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وغيرها وقد يحتج أبو حنيفة في أن صلاة الجنازة لا تفعل في المسجد بقوله خرج إلى المصلى ومذهبنا ومذهب الجمهور جوازها فيه ويحتج بحديث سهل بن بيضاء ويتأول هذا على أن الخروج إلى المصلى أبلغ في إظهار أمره المشتمل على هذه المعجزة- أي إبلاغهم بوفاة النجاشي. شرح مسلم (٧/ ٢١).
أقول: استدل من يقول بجواز الصلاة على الغائب بالصلاة على النجاشي ﵀، ومن ذهب إلى عدم جوازها اعتبر هذه الصلاة خاصة بالنجاشي.
وفي الصلاة على النجاشي ﵀ شهادة منه ﷺ بإسلام النجاشي، وهذا أصل عظيم من أصول النظام السياسي في الإسلام، فالنجاشي مسلم كان يحكم شعباً غير مسلم بغير الإسلام فهذا يدل على أن المشاركة في الحكم على أي مستوى يمكن أن تكون جائزة في بعض الصور بل قد تكون مفروضة ولو كانت المشاركة في نظام كفري، وفي قصة يوسف ﵇ ما يدل على ذلك لقوله تعالى: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) (١)، فدل ذلك على أن شريعة المصريين حينذاك غير شريعة يوسف ﵇، ومع ذلك فقد طلب هو بنفسه أن يتولى الولاية التي وليها فيما بعد.
стр. 1421
- التكبيرات في صلاة الجنازة:
٢٢٣٢ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان زيد بن أرقم يكبِّر على جنائزنا أربعاً، وإنه كبَّر على جنازة خمساً، فسألناه فقال: كان رسول الله ﷺ يكبِّرُها".
وفي رواية النسائي (١): "أن زيد بن أرقم صلى على جنازة، فكبَّر عليها خمساً، وقال: كبَّرها رسول الله ﷺ ".
٢٢٣٣ - * روى الشيخان عن الشعبي قال: "أخبرني من شهد النبي ﷺ أتى على قبر منبوذ فصفهم وكبر أربعاً قلت: من حدثك؟ قال ابن عباس ﵄".
٢٢٣٤ - * روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ "صلى على سهل بن حنيف، فكبَّر، وقال: إنه شهد بدراً".
قال الحافظ في "الفتح": كذا في الأصول لم يذكر عد التكبير، وقد أورده أبو نعيم في المستخرج من طريق البخاري بهذا الإسناد، فقال فيه: "كبر خمساً" وأخرجه البغوي في معجم الصحابة عن محمد بن عباد بهذا الإسناد والإسماعيلي والبرقاني والحاكم من طريقه فقال: "ستاً"، وكذا أورده البخاري في التاريخ عن محمد بن عباد، وكذا أخرجه سعيد ابن منصور عن ابن عيينة، وأورده بلفظ "خمساً"، زاد في رواية الحاكم: التفت إلينا فقال: إنه من أهل بدر، اهـ وهو عند الطبراني في الكبير وذكر ستاً.
أقول: التكبيرات في صلاة الجنازة أربع في المذاهب الأربعة، ويرى الحنفية أنه إذا زاد الإمام على أربع فإنه لا يتابع، ويرى آخرون جواز المتابعة كما سيدل عليه نص لاحق عن
стр. 1422
عبد الله بن مسعود، والظاهر من فعل الإمام علي ﵁ أن أهل الفضل يمكن أن يخصوا بمزيد فضل، والتقيد بالأربع أفضل.
قال النووي نقلاً عن القاضي عياض: واختلف الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع وروي عن علي ﵁ أنه كان يكبر على أهل بدر ستاً وعلى سائر الصحابة خمساً وعلى غيرهم أربعاً قال ابن عبد البر وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما جاء في الأحاديث الصحاح وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه قال ولا نعلم أحداً من فقهاء الأمصار يخمس إلا ابن أبي ليلى ولم يذكر في روايات مسلم السلام وقد ذكره الدارقطني في سننه وأجمع العلماء عليه ثم قال جمهورهم يسلم تسليمة واحدة وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وجماعة من السلف تسليمتين واختلفوا هل يجهر الإمام بالتسليم أم يسر؟ وأبو حنيفة والشافعي يقولان يجهر وعن مالك روايتان واختلفوا في رفع الأيدي في هذه التكبيرات ومذهب الشافعي الرفع في جميعها وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء وسالم بن عبد الله وقيس بن أبي حازم والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق واختاره ابن المنذر وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحاب الرأي لا يرفع إلا في التكبيرة الأولى وعن مالك ثلاث روايات الرفع في الجميع وفي الأولى فقط وعدمه في كلها. (شرح مسلم ٧/ ٢٣ - ٢٤).
٢٢٣٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال لم يؤقت لنا في الصلاة على الميت قراءة ولا قول، كبِّر ما كبَّر الإمام وأكثر من طيب الكلام.
٢٢٣٦ - * روى الطبرني عن عمر بن أبي عطاء قال شهدت محمد بن الحنفية حين مات ابن عباس بالطائف فوليه محمد بن الحنفية وكبَّر عليه أربعاً وأخذه من قبل القبلة حتى أدخله القبر وضرب عليه فسطاطاً ثلاثة أيام.
٢٢٣٧ - * روى البخاري عن حميد بن عبد الرحمن قال: "صلى بنا أنس، فكبَّر ثلاثاً،
стр. 1423
وسلم، فقيل له، فاستقبل القبلة، وكبَّر الرابعة، ثم سلم".
قال الحافظ في "الفتح": لم أره موصولاً من طريق حميد، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس أنه كبر على جنازة ثلاثاً ثم انصرف ناسياً، فقالوا: يا أبا حمزة إنك كبرت ثلاثاً، فقال: صفُّوا، فصفوا، فكبَّر الرابعة.
- ما يقرأ في صلاة الجنازة والدعاء للميت:
٢٢٣٨ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر ﵃ "أن عبد الله بن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة".
٢٢٣٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن نبي الله ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب".
وفي رواية (١) عن طلحة بن عبد الله بن عوف أن ابن عباس صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، فقلت له، فقال: إنه من السنة- أو تمام السُّنَّة.
وأخرج البخاري (٢) قال: "صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها سُنَّة".
وفي رواية (٣) النسائي قال: "صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده، فسألته؟ فقال: سُنَّة وحق".
قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
стр. 1424
أقول: جمع الحنفية بين فعل ابن عمر وفعل ابن عباس بأن قالوا بأن الأصل بعد التكبيرة الأولى قراءة الثناء، فإذا جمع إليها المصلي الفاتحة على نية الثناء فلا حرج، وذهب بعضهم كالشافعية والحنابلة إلى أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الأولى ركن، انظر لمزيد بيان (إعلاء السنن ٨/ ٢١٣ - ٢١٤).
قال ابن بطال في شرح البخاري: اختلف في قراءة الفاتحة على الجنازة، فقرأ بها قوم على ظاهر حديث ابن عباس؛ وبه قال الشافعي. وكان عمر، وابنه وعلي، وأبو هريرة ينكرونه وبه قال أبو حنيفة، ومالك. وقال الطحاوي: من قرأها من الصحابة يحتمل أن يكون على وجه الدعاء لا التلاوة الخ اهـ.
٢٢٤٠ - * روى النسائي عن أبي أمامة ﵁ قال: السُّنة في الصلاة على الجنازة: أن تقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم تكبر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة. وعن الضحاك بن قيس بنحو ذلك.
٢٢٤١ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال أبو سعيد المقبري: إنه سأل أبا هريرة: كيف يصلى على الجنازة؟ فقال أبو هريرة: أنا لعمر الله أخبرك: أتبعها من عند أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله، وصليت على نبيه، ثم قال: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به مني، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
أقول: كيفية صلاة الجنازة عند الحنفية أن ينوي الصلاة لله تعالى والدعاء لهذا الميت ثم يكبر التكبيرة الأولى، ثم يقرأ دعاء الثناء (سبحانك اللهم ...) وهو واضع يده اليمنى على اليسرى تحت سرته ولا يرفعها إلا في التكبيرة الأولى ثم يكبر الثانية فيصلي على النبي ﷺ
стр. 1425
ثم يكبر الثالثة فيدعو لنفسه وللميت وللمسلمين وللمسلمات ثم يكبر الرابعة ويسلم بعدمها يميناً وشمالاً، ويرى العلماء أنه يدعو بعد الثالثة للميت، وبعد الرابعة لنفسه ثم يسلم.
قال الزرقاني فيه (أي في قوله: حمدت وصليت): إنه (أي أبا هريرة) لم يكن يرى القراءة في صلاتها. وفي المدونة الكبرى: قلت: لابن القاسم: أي شيء يقال على الميت في قول مالك؟ قال: الدعاء للميت. قلت: فهل يقرأ على الجنازة في قول مالك؟ قال: "لا! " قال ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وفضالة بن عبيد، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وواثلة ابن الأسقع، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وابن المسيب، وربيعة، وعطاء بن أبي رباح، ويحيى بن سعيد أنهم لم يكونوا يقرؤون في الصلاة على الميت. قال ابن وهب: وقال مالك: ليس ذلك بمعمول به في بلدنا، إنما هو الدعاء. أدركت أهل بلدنا على ذلك ا. هـ (١ - ١٥٨، ١٥٩).
٢٢٤٢ - * روى مسلم عن عوف بن مالك ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظنا من دعائه: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من القبر، أو من عذاب النار" قال عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.
زاد في رواية (١) لدعاء رسول الله ﷺ له وفيها "بماء وثلج وبرد".
٢٢٤٣ - * روى أبو داود عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: "اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك- زاد
стр. 1426
في رواية: وحبل جوارك- فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم".
٢٢٤٤ - * روى الترمذي عن أبي إبراهيم الأشهلي قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة قال: "اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا".
وزاد (٢) فيه "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
٢٢٤٥ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على جناز، فقال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده".
٢٢٤٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا صلى على الميت: قال "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا ولأنثانا وذكورنا من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم عفوك عفوك".
стр. 1427
٢٢٤٧ - * روى أبو داود عن علي بن شماخ قال: شهدت مروان يسأل أبا هريرة: كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة؟ قال: أمع الذي قلت؟ قال: نعم- قال: كلام كان بينهما قبل ذلك- قال أبو هريرة: سمعته يقول "اللهم أنت ربُّها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها إلى الإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر لها".
٢٢٤٨ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء".
٢٢٤٩ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب قال: صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: "اللهم أعذه من عذاب القبر".
أقول: الطفل غير مكلف، ولذلك لا يستغفر له كما سنرى، فالدعاء المأثور وإعاذته من عذاب القبر لعل المراد به ضمته.
٢٢٥٠ - * روى البخاري عن الحسن قال: يقرأ على الطفل فاتحة الكتاب، ويقول: "اللهم اجعله سلفاً وفرطا وذخراً وأجراً".
قال الحافظ في "الفتح": وصله عبد الوهاب بن عطاء في كتاب الجنائز له عن سعيد بن أبي عروبة، أنه سئل عن الصلاة على الصبي، فأخبرهم عن قتادة عن الحسن أنه كان يكبر، ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقول: اللهم اجعله لنا سلفاً، وفرطاً، وأجراً.
أقول: إذا ولد الطفل ميتاً لتمام حمله صلي عليه عند الشافعية أما إذا جاء قبل تمام أشهره فإن استهل صارخاً أو ظهر به علامة حياة قبل موته فإنهي صلى عليه عند الحنفية والمالكية والشافعية.
стр. 1428
- الصلاة على الصغير:
٢٢٥١ - * روى الطبراني عن عبد الله بن أبي طلحة أن أبا طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي فأتاهم رسول الله ﷺ فصلى عليه في منزله فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم.
٢٢٥٢ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يصلى على السقط، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة".
٢٢٥٣ - * روى أحمد من حديث المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي ﷺ : قال: "الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريباً عن يمينها أو عن يسارها والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة".
٢٢٥٤ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "مات إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهراً، فلم يصل عليه رسول الله ﷺ ". وذلك لا ينفي مشروعية الصلاة على الطفل، وإنما يدل على أن الصلاة عليه ليست للوجوب.
- أين يقف الإمام من الرجل والمرأة:
٢٢٥٥ - * روى أبو داود عن نافع أبي غالب قال: كنت في سكة المربد فمرت جنازة ومعها ناس كثير، قالوا: جنازة عبد الله بن عمير، فتبعتها، فإذا أنا برجل عليه كساء
стр. 1429
رقيق على بريذينة، وعلى رأسه خرقة تقيه من الشمس، فقلت: من هذا الدهقان؟ فقيل: هذا أنس بن مالك، فلما وضعت الجنازة قام أنس فصلى عليها، وأنا خلفه، لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، وكبَّر أربع تكبيرات، لم يطل ولم يسرع، ثم ذهب فقعد، فقيل: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية فقربوها وعليها نعش أخضر فقام عند عجيزتها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل، ثم جلس، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، أهكذا كان رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة كصلاتك هذه: يكبر عليها أربعاً، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم، قال: يا أبا حمزة، غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غزوت معه حنيناً، فخرج المشركون، فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل يحمل علينا، فيذقنا ويحطمنا، فهزمهم الله، وجعل يجاء بهم، فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ : إن علي نذراً إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه، فسكت رسول الله ﷺ ، وجيء بالرجل، فلما رأى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله تبت إلى الله، فأمسك رسول الله ﷺ عنه لا يبايعه، ليفي الآخر بنذره، قال: فجعل الرجل يتصدى لرسول الله ﷺ ليأمره بقتله، وجعل يهاب رسول الله ﷺ أن يقتله، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه لا يصنع شيئاً، بايعه، فقال الرجل: يا رسول الله، نذري، فقال: إني لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي بنذرك، قال: يا رسول الله، ألا أومضت إلي؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه ليس لنبي أن يومض"، قال أبو غالب: ثم سألت عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها؟ فحدثوني: أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش، فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها، يسترها من القوم".
٢٢٥٦ - * روى الشيخان عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "لقد كنت على
стр. 1430
عهد رسول الله ﷺ غلاماً، فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالاً هم أسن مني، وقد صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة عند وسطها". وبهذا أخذ الحنابلة.
وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: (الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها).
قال الزين بن المنير وغيره: المقصود بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة بخلاف شهيد المعركة (الفتح ٣/ ٢٠١).
- تقديم الرجال على النساء في صلاة الجنازة:
٢٢٥٧ - * روى أبو داود عن مالك بن أنس بلغه "أن عثمان بن عفان وأبا هريرة وابن عمر كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال والنساء، فيجعلون الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة".
٢٢٥٨ - * روى أبو داود عن مولى الحارث بن نوفل قال: "شهدت جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلي الإمام ... فأنكرت ذلك- وفي القوم ابن عباس وأبو قتادة وأبو سعيد وأبو هريرة، فكلهم قالوا: إن هذه السُّنة".
وفي رواية (١) النسائي قال: "حضرت جنازة صبي وامرأة، فقدم الصبي مما يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه، فصلي عليهما وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة، فسألتهم عن ذلك؟ فقالوا: السُّنَّة".
٢٢٥٩ - * روى النسائي عن نافع- مولى ابن عمر- ﵄ زعم "أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعاً، فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفهن
стр. 1431
صفاً واحداً، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب، وابن يقال له: زيد، وضعا جميعاً، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، فوضع الغلام مما يلي الإمام، فقال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السُّنَّة".
- وقت الصلاة على الجنازة:
٢٢٦٠ - * روى مالك عن محمد بن أبي حرملة مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب "أن زينب بنت أبي سلمة توفيت وطارق أمير المدينة، فأتي بجنازتها بعد صلاة الصبح، فوضعت بالبقيع، قال: وكان طارق يغلس بالصبح، قال ابن أبي حرمة: فسمعت عبد الله بن عمر يقول لأهلها: إما أن تصلوا على جنازتكم الآن، وإما أن تتركوها حتى ترتفع الشمس".
أقول: هذا النص يدل على أن مذهب ابن عمر أنه لا يصلى على الجنازة عند طلوع الشمس ويصلى عليها بعد طلوع الفجر، وقد رأينا أن للفقهاء ثلاثة اتجاهات، فمنهم من لا يرى الصلاة عليها في الأوقات الخمسة، ومنهم من لا يرى الصلاة عليها في الأوقات الثلاثة فقط، ومنهم من يرى جواز الصلاة عليها في كل الأوقات.
٢٢٦١ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ أن عبد الله بن عمر قال: "يصلى على الجنازة بعد الصبح، وبعد العصر، إذا صليتا لوقتهما".
وفي رواية (١) ذكرها البخاري في ترجمة باب بغير إسناد قال: "كان ابن عمر لا يصلي إلا طاهراً ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه".
قال الحافظ في "الفتح": وصله سعيد بن منصور من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سئل عن الجنازة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر يقول: ما صليتا
стр. 1432
لوقتهما. أقول: وقد وصله مالك وقد تقدم بإسناد صحيح. (م).
وأخرج الموطأ (١) أيضاً: أن ابن عمر كان يقول: لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر".
الصلاة على الجنازة في المسجد:
٢٢٦٢ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: "ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله، لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه".
وفي رواية (٢) فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس- وفي نسخة: ما أسرع الناس- ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد.
وفي رواية (٣) لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ : "أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، وأُخرج من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها في المسجد، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمروا بجنازته في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في جوف المسجد"، وقال: سهيل بن دعد- وهو ابن البيضاء- أمه بيضاء.
٢٢٦٣ - * روى أبو داود عن ابن أبي ذئب حدثني صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له".
قال النووي تعليقاً على حديث ابني بيضاء:
стр. 1433
قال العلماء: بنو بيضاء ثلاثة إخوة سهل وسهيل وصفوان وأمهم البيضاء اسمها دعد والبيضاء وصف وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري وكان سهيل قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وغيرها توفي سنة تسع من الهجرة ﵁ وفي هذا الحديث دليل للشافعي والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد وممن قال به أحمد وإسحاق قال ابن عبد البر ورواه المدنيون في الموطأ عن مالك وبه قال ابن حبيب المالكي وقال ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك على المشهور عنه لا تصح الصلاة عليه في المسجد بحديث في سنن أبي داود من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له ودليل الشافعي والجمهور حديث سهيل بن بيضاء وأجابوا عن حديث سنن أبي داود بأجوبة أحدها أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به قال أحمد بن حنبل هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف. والثاني أن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود ومن صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه ولا حجة لهم حينئذ فيه. الثالث أنه لو ثبت الحديث وثبت أنه قال فلا شيء لوجب تأويله على فلا شيء عليه ليجمع بين الروايتين وبين هذا الحديث وحديث سهيل بن بيضاء وقد جاء له بمعنى عليه كقوله تعالى (وإن أسأتم فلها) الرابع أنه محمول على نقص الأجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه والله أعلم وفي حديث سهيل هذا الدليل لطهارة الآدمي الميت وهو الصحيح في مذهبنا (شرح مسلم ٧/ ٣٩ - ٤٠).
لكن قال في الخلاصة بعد أن بين أن سبب ضعف صالح هو الاختلاط لكن قالوا: إن سماع ابن أبي ذئب منه كان قبل اختلاطه ا. هـ.
وكذا قال ابن القيم في زاد المعاد.
قال التهانوي (٨/ ٢٢٨): فالحديث سالم عن الجرح وأما لفظ فلا شيء عليه غير محفوظ ... ومما يدل على ما ذهب إليه الحنفية إنكار الصحابة على عائشة.
وأما ما ورد من الصلاة على الجنازة في المسجد في بعض الحالات فأجاب الحنفية:
أنها واقعات حال لا عموم لها فيمكن أن يكون ذلك لعذر وفي العذر لا نمنع من ذلك إنما
стр. 1434
تكره في المسجد بغير عذر وذكر الحنفية أن النهي محمول على كراهية التنزيه انظر (الإعلاء ٨/ ٢٢٩).
- الصلاة على القبر:
٢٢٦٤ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد/- أو شاباً- فقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها- أو عنه- فقالوا: مات، قال أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها- أو أمره- فقال: دلوني على قبره، فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم.
٢٢٦٥ - * روى مسلم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ "صلى على قبر".
٢٢٦٦ - * روى الشيخان عن عامر الشعبي ﵀ قال: "أخبرني من مر مع النبي ﷺ على قبر منبوذ، فأمهم وصفهم خلفه، وقال الشيباني: قلت للشعبي: من حدثك بهذا يا أبا عمرو؟ قال: ابن عباس".
وفي رواية (١) زائدة قال: "أتى رسول الله ﷺ قبراً منبوذاً، فقالوا: "هذا دفن"- أو "دفنت- البارحة"، قال ابن عباس: فصفنا خلفه، ثم صلى عليها"ومنهم من قال: "إنه ﷺ قال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا: دفناه في ظلمة الليل، وكرهنا أن نوقظك، فقام فصفنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليها".
стр. 1435
وفي أخرى (١) قال: "انتهى رسول الله ﷺ إلى قبر رطب، فصلى عليه وصفوا خلفه، وكبَّر أربعاً".
أقول: قال الحنفية: إذا دفن الميت ولم يصلَّ عليه صلي على قبره وإذا صلي عليه من غير الإمام أو السلطان أو نائبه فلوليه أن يصلي على قبره، وقد أخذوا ذلك من فعل رسول الله ﷺ ، فرسول الله ﷺ ولي من لا ولي له، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
٢٢٦٧ - * روى أحمد عن أنس أن أسود كان ينظف المسجد فمات فدفن ليلاً فأتى النبي ﷺ فأخبر فقال: انطلقوا إلى قبره فانطلقوا فقال إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتي عليها فأتى القبر فصلى عليه وقال رجل من الأنصار يا رسول الله إن أخي مات ولم تصل عليه قال فأين قبره فأخبره فانطلق النبي ﷺ مع الأنصاري.
٢٢٦٨ - * روى الترمذي عن سعيد بن المسيب ﵁ "أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر".
أقول: لم يقدر الفقهاء للصلاة على القبر في حالة جواز الصلاة عليه مدة لكن قيدوا ذلك بأن تكون الصلاة عليه قبل تفسخه، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، ففي أيام البرد والمناطق الباردة وبعض أنواع الأرضين يبطؤ التفسخ، والعبرة لغالب الظن.
٢٢٦٩ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ مر في بعض سكك المدينة فرأى رجلاً أسوداً ميتاً قد رموا به في الطريق فسأل بعض من ثم عنه فقال: "مملوك من هذا؟ " قالوا مملوك لآل فلان فقال: "أكنتم ترونه يصلي؟ ". قالوا: كنا نراه أحياناً
стр. 1436
يصلي وأحياناً لا يصلي فقالك "قوموا فاغسلوه وكفنوه" فقاموا فغسلوه وكفنوه وقام رسول الله ﷺ فصلى عليه فلما كبر قال: "سبحان الله" "سبحان الله" فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال له أصحابه يا رسول الله ﷺ سمعناك لما كبرت تقول سبحان الله سبحان الله فلم قلت سبحان الله سبحان الله قال: "كادت الملائكة أن تحول بيني وبينه من كثرة ما صلوا عليه".
٢٢٧٠ - * روى النسائي عن يزيد بن ثابت ﵁ قال: "إنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ ذات يوم، فرأى قبراً جديداً، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: هذه فلانة مولاة فلان، فعرفها رسول الله ﷺ ، ماتت ظهراً وأنت صائم قائل، فلم نحب أن نوقظك بها، فقام رسول الله ﷺ وصفَّ الناس خلفه، فكبَّر عليها أربعاً، ثم قال: "لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم، إلا- يعني: "آذنتموني به- فإن صلاتي له رحمة".
٢٢٧١ - * روى أبو داود عن عقبة بن عامر ﵁ "أن رسول الله ﷺ خرج يوماً، فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف".
وفي رواية (١) "أن النبي ﷺ صلى على قتلى أُحُد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات".
وللنسائي (٢) قال: "خرج رسول الله ﷺ يوماً، فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: "إني فرطكم، وغني شهيد عليكم".
أقول: صلاته ﷺ بعد سنين على شهداء أحد خصوصية له ﷺ ويصلح هذا الحديث دليلاً للحنفية الذين يرون الصلاة على الشهيد، والأصح أن رسول الله ﷺ لم يصل على
стр. 1437
شهداء أحد، فهذه الصلاة قد تكون بديلاً عن ذلك خاصة وقد ثبت أن من رؤيت جثته من شهداء أحد بعد فترة طويلة من دفنه وجدت كيوم دفنت تقريباً مما يدل على أنه بالإمكان أن تكون جثث شهداء أحد لم تأكلها الأرض، فلا تنافي بين ما قال بعض الفقهاء إنه لا يصلى على من دفن إذا تفسخ جسده، وبين صلاته ﵊ على شهداء أحد بعد هذه المدة الطويلة.
- الصلاة على من عليه حق للعباد:
٢٢٧٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدَّيْنُ، فيسأل: "هل ترك لدينه قضاء؟ " فإن حدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، قال: فلما فتح الله على رسوله كان يصلي ولا يسأل عن الدين، وكان يقول: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً أو كلاً أو ضياعاً، فعلي وإلي، ومن ترك مالاً فلورثته".
٢٢٧٣ - * روى البزار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أتي بجنازة فقام يصلي عليها قالوا: عليه دين فقال رسول الله ﷺ "انطلقوا بصاحبكم فصلوا عليه" فقال رجل علي دينه فصل عليه فقام رسول الله ﷺ فصلى عليه.
٢٢٧٤ - * روى أحمد عن جابر قال توفي رجل فغسَّلناه وكفَّناه وحنَّظناه ثم أتينا به
стр. 1438
رسول الله ﷺ يصلي عليه فقلنا تصلي عليه فخطا خطوة ثم قال "أعليه دين؟ " قلت: ديناران فانصرف فتحملها أبو قتادة فأتيناه فقال أبو قتادة الديناران علي فقال رسول الله ﷺ "قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منها الميت" قال: نعم فصلى عليه ثم قال بعد ذلك بيوم ما فعل الديناران قلت إنما مات من الأمس قال فعاد إليه من الغد قال قد قضيتهما فقال رسول الله ﷺ "الآن بردت عليه جلدته".
أقول: عدم صلاته ﵊ على من عليه دين فيه حض للمسلمين على أن يوفوا ديون أمواتهم فيقضوا بذلك حقوق الناس وترتفع عن الميت المؤاخذة وفي ذلك إشعار بأهمية حقوق العباد، ولو أن الإمام صلى على ميت دون أن يسأل عن ديونه، فذلك جائز، ولو أنه صلى عليه وهو يعلم أن عليه ديناً فذلك جائز، ولكن فعله ﵊ فيه تأديب للمسلمين في مراعاة حق الدائن.
- الصلاة على من قتل نفسه:
٢٢٧٥ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصلِّ عليه.
أقول: تجوز الصلاة على من قتل نفسه ولكن ما فعله رسول الله ﷺ محمول على الزجر حتى لا يقدم أحد على هذه الجريمة، وعلى هذا يحمل النص اللاحق بدليل أن الرسول ﷺ لم يصل على من سيذر في النص اللاحق وأجاز لأصحابه أن يصلوا عليه.
قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة
стр. 1439
والشافعي وجماهير العلماء يصلى عليه وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك النبي ﷺ الصلاة في أول الأمر على من علي دين زجراً لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائه وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال ﷺ صلوا على صاحبكم قال القاضي مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا وعن مالك وغيره أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجراً لهم وعن الزهيري لا يصلى على مرجوم ويصلى على المقتول في قصاص وقال أبو حنيفة: لا يصلى على محارب ولا على قتيل الفئة الباغية وقال قتادة: لا يصلى علي ولد الزنا وعن الحسن لا يصلى على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير واختلفوا في الصلاة علي السقط فقال بها فقهاء المحدثين وبعض السلف إذا مضى عليه أربعة أشهر، ومنعها جمهور الفقهاء حتى يستهل وتعرف حياته بغير ذلك وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار فقال مالك والشافعي والجمهور: لا يغسل ولا يصلى عليه وقال أبو حنيفة: يغسل ولا يصلى عليه وعن الحسن: يغسل ويصلى عليه والله أعلم. (شرح مسلم ٧/ ٤٧ - ٤٨).
٢٢٧٦ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال: توفي رجل على عهد رسول الله ﷺ فلم يوجد له كفن فأتي النبي ﷺ فقال "انظروا إلى داخلة إزاره" فأصيب دينار أو ديناران فقال: "كيتان صلوا على صاحبكم".
- فضل كثرة المصلين على الجنازة:
٢٢٧٧ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفِّعوا فيه".
стр. 1440
قال راويه- وهو عبد الله بن يزيد، رضيع عائشة-: فحدَّثت به شعيب بن الحبحاب، فقال: حدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ .
وأخرجه الترمذي والنسائي إلى قوله: "إلا شُفِّعوا فيه".
وقال في رواية (١) أخرى: "مائة فما فوقها".
٢٢٧٨ - * روى مسلم عن كريب مولى ابن عباس "أن ابن عباس مات له ابن بقديد- أو بعسفان- فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت، فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: قلت: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه".
٢٢٧٩ - * روى النسائي عن الحكم بن فروخ قال: "صلى بنا أبو المليح على جنازة، فظننا أنه قد كبَّر، فأقبل علينا بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، ولتحسن شفاعتكم، قال أبو المليح: حدثني عبد الله عن إحدى أمهات المؤمنين- وهي ميمونة زوج النبي ﷺ قال: ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس إلا شفِّعوا فيه، فسألت أبا المليح عن الأمة؟ فقال: أربعون".
٢٢٨٠ - * روى أبو داود عن مالك بن هبيرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يموت، فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب" فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف، لهذا الحديث.
وفي رواية (٥) الترمذي قال: "كان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة، فتقال الناس