مقدمة
كانت للعرب لهجات مختلفة وطرائق للأداء، واختصت بعض القبائل بكلمات للتعبير عن معنى فبعض القبائل كانت تلفظ حتى (عتى) وبعض القبائل كانت تلفظ أعطيناك: (أنيطناك) وبعض القبائل كانت تلفظ التابوت (التابوه) ومن المعروف أن من اعتاد على طريقة في الأداء وألفها ومرن عليها يصعب عليه أن يغيرها، وكان من حكمة الله أنه أنزل القرآن على العرب بما يناسب ذلك تخفيفاً وتسهيلاً فتلقن الأصحاب ﵃ القرآن على هذه الأحرف السبعة بما وسع ما ألفوه وقتذاك من طرائق النطق في الأحرف والتعبير عن المعاني بكلماتهم التي اعتادوها، على أنه لا يعتبر قرآناً إلا ما تلقنوه من رسول الله ﷺ دون أن يكون لأحد حرية الأداء والتعبير، وكان رسول الله ﷺ ينهي ابتداءاً أن يكتب عنه غير القرآن ثم أذن، وفي حياة رسول الله ﷺ وهي مرحلة تأسيسية كان بعض الأحكام يتنزل مراعياً فيه تلك المرحلة، حتى إذا وجد الاستعداد للحكم الدائم تنزل الحكم الدائم ونسخ الأول، ومن هنا وجد المنسوخ من القرآن. وقد توفي رسول الله والقرآن كله مكتوب ولكنه لم يكن مجموعاً، وآخر عرضة للقرآن في المدارسة بين رسول الله صلى الله عليه سلم وبين جبريل كان يعرفها بعض الصحابة، ومن ههنا كان الترتيب التوقيفي للقرآن غير معروف لدى الجميع، وبقي بعض الصحابة يحفظ شيئاً مما نسخت تلاوته على أنه قرآن، وقام أبو بكر ﵁ بتكليف من يجمع القرآن كتابة بما يتفق مع العرضة الأخيرة، ولم يلحظ في هذه الكتابة جمع الناس على رسم واحد للمصحف، وإنما لحظ فيه أن تجتمع الكتابة بين يدي رسول الله ﷺ والحفظ المتواتر عنه ﵊، ثم قام عثمان ﵁ بتكليف عدد من الصحابة أن ينسخوا من هذا المصحف الإمام عدة نسخ ملاحظين في ذلك تواتر النقل وأن يجمعوا الناس على رسم واحد للمصحف يوافق لغة قريش وحدها، وأمر عثمان أن يحرق كل ما سوى ذلك فاستقر الأمر على رسم واحد وعلى ترتيب واحد واستقر الإجماع في المآل على هذا الرسم والترتيب، واستقرار الإجماع على ذلك يشير إلى أن الأمة اعتبرت أن ما سوى ذلك كان مرحلياً. وقد استقرت الأمة على اعتماد الرسم العثماني للمصحف واحتفظ القراء بما ورثوه من طرائق أداء ولهجات بما يتفق مع الرسم العثماني، ومن ههنا وجدت القراءات السبع والقراءات العشر، فهذه القراءات كلها متواترة عن رسول الله
стр. 1577
صلى الله عليه وسلم وكونها منسوبة إلى علم من أعلام القراء لا ينفي تواترها، لأن من كان يقرأ هذه القراءة تلقاها معه أعداد كثيرة، وتلقاها منه أعداد كثيرة أشهر من اشتهر بها هو من نسبت إليه، وهذه القراءات ليست هي الأحرف السبعة بل هي بقية من الأحرف السبعة مما يتفق مع الرسم العثماني للمصحف والقراءات المعتمدة كلها يجتمع فيها ثلاثة أوصاف:
أولاً: أنها متفقة مع الرسم العثماني للمصحف.
ثانياً: أنها منقولة تواتراً.
ثالثاً: أن كل كلمة فيها منسجمة مع قواعد اللغة العربية المستقرأة أو على وجه من أوجهها.
ونلحظ من خلال الروايات أن بعض الصحابة أصروا على أن يستمروا على ما تلقوه بأنفسهم من رسول الله ﷺ لأنه في حقهم قطعي، ولكن ذلك لم يكن متواتراً بالنسبة للأمة، لذلك فإن الأمة اعتبرت كل ما خالف الرسم العثماني شاذاً ولا يعتبر قرآنا لان سبيله سبيل روايات الآحاد، والتواتر حاكم عليه إلا أن هذا الشاذ يعطينا تصوراً عما نسخت تلاوته ويعطينا تصوراً نستأنس به للتعرف على نماذج نتعرف بها على فكرة الأحرف السبعة كما أن بعضه يمكن أن نستأنس به لبعض الأحكام أو لترجيح وجه من أوجه التفسير.
ولم يزل علم القراءات المتواترة من العلوم التي تهتم بها الأمة، واشتهر من هذه القراءات بعضها فغلب على غيره في بعض الأقطار وأياً ما قرأ القارئ من القراءات المتواترة فهو على خير وصواب.
والكلام عن القراءات وعن الرسم العثماني للمصحف يوصلنا إلى فكرة علوم القرآن التي ينبغي أن تدخل في ثقافة كل مسلم:
فهناك علم القراءات وعلم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم الرسم القرآني وعلم الترتيل وعلم الإعجاز وعلم المتشابه والمحكم وعلوم أخرى توضعت حول القرآن وهي مرتبطة به وهي تزداد سعة على مر الدهور، والإلمام بها منه ما هو فرض كفاية في حق الأمة ومنه ما هو فريضة عينية في حق أشخاص ومنه ما هو فريضة عينية في حق الجميع والمسلم
стр. 1578
يستكثر من الخير وسنقتصر على ذكر ما وردت به نصوص مما له علاقة في فصول هذا الباب.
ونحن في هذه المقدمة سنعطيك تصوراً عن كتابين في علوم القرآن كتاب متقدم قليلاً وكتاب متأخر تعرف من خلالهما الموضوعات الرئيسية التي تدخل في علوم القرآن.
الكتاب الأول: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي وهو كتاب قديم.
والكتاب الثاني: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني. وهو كتاب حديث.
وفي هذا الموضوع كتب كثيرة منها المختصر ومنها المطول بحيث يستطيع المسلم أن يتخير كتاباً من هذه الكتب يناسب وقته وحاله على أن يكون هذا الكتاب موثقاً إما بشهرة مؤلفه في أنه من الثقات أو بتوثيق أهل العلم لهذا الكتاب.
أ - تعرف بكتاب الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي ﵀ المتوفى سنة ٩١١ هـ، يتحدث السيوطي في مقدمة كتابه الإتقان في علوم القرآن عن عظمة هذا القرآن وما حوى وأنه كان يتعجب من المتقدمين إذ لم يُدَوِّنوا كتاباً في أنواع علوم القرآن، كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث، ثم عرف أن شيخه: محيي الدين الكافيجي كتب كتاباً في علوم التفسير، قال عنه السيوطي:
فإذا هو صغير الحجم جداً، وحاصل ما فيه بابان:
الأول: في ذكر معنى التفسير والتأويل والقرآن والسورة والآية. والثاني: في شروط القول فيه بالرأي.
وبعدهما خاتمة في آداب العالم المتعلم، فلم يشف لي ذلك غليلاً ولم يهدني إلى المقصود سبيلاً.
ثم ذكر أن شيخه البُلْقيني ذكر له أن لأخيه قاضي القضاة جلال الدين كتاباً سماه (مواقع العلوم من مواقع النجوم) وذكر السيوطي كلام المؤلف في مقدمته، وأما كتابه فسينحصر في أمور هي:
الأمر الأول: مواطن النزول وأوقاته ووقائعه، وفي ذلك اثنا عشر نوعاً: المكي، المدني،
стр. 1579
السفري، الحضري، الليلي، النهاري، الصيفي، الشتائي، الفراشي، أسباب النزول، أول ما نزل، آخر ما نزل.
الأمر الثاني: السند، وهو ستة أنواع: المتواتر، الآحاد، الشاذ، قراءات النبي ﷺ ، الرواة، الحفاظ.
الأمر الثالث: الأداء، وهو ستة أنواع: الوقف، الابتداء، الإمالة، المدّ، تخفيف الهمزة، الإدغام.
الأمر الرابع: الألفاظ، وهو سبعة أنواع: الغريب، المعرب، المجاز، المشترك، المترادف، الاستعارة، التشبيه.
الأمر الخامس: المعاني المتعلقة بالأحكام، وهو أربعة عشر نوعاً: العام الباقي على عمومه، العام المخصوص، العام الذي أريد به الخصوص، ما خص فيه الكتاب السنة، ما خصت فيه السنة الكتاب، المجمل، المبين، المؤول، المفهوم، المطلق، المقيد، الناسخ، المنسوخ، نوع من الناسخ والمنسوخ وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين.
الأمر السادس: المعاني المتعلقة بالألفاظ، وهو خمسة أنواع: الفصل، الوصل، الإيجاز، الإطناب، القصر. وبذلك تكملت الأنواع خمسين، ومن الأنواع ما لا يدخل تحت الحصر: الأسماء، الكنى، الألقاب، المبهمات، فهذا نهاية ما حصر من الأنواع.
ثم ذكر السيوطي أنه بعد ما قرأ كتاب القاضي جلال الدين البلقيني وجد أنه يحتاج إلى تحرير وتتمات وزوائد مهمات فكتب كتاباً سماه (التحبير في علوم التفسير) ضمنه ما ذكره البلقيني مع زيادات وإضافات وعدد أنواع العلوم التي تضمنها هذا الكتاب فبلغت ١٠٢ من العلوم، ثم ذكر أنه خطر له أن يستقصي في كتاب آخر كل ما يمكن أن يدخل في علوم القرآن، وإذا به يبلغه - وهو يشد الهمة لذلك - أن بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي أحد المتأخرين من فقهاء الشافعية أنه ألف كتاباً سماه (البرهان في علوم القرآن). وأنه ذكر فيه سبعة وأربعين علماً وختم الزركشي مقدمة الكتاب بقوله:
стр. 1580
"واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره ثم لم يحكم أمره ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله والرمز إلى بعض فصوله، فإن الصناعة طويلة والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير".
وبعد أن قرأ السيوطي هذا الكتاب قوي عزمه على إبراز ما قد نواه محاولاً الاستقصاء في علوم القرآن فألف كتابه الإتقان في علوم القرآن، فذكر ثمانين نوعاً فيه ثم قال: فهذه ثمانون نوعاً على سبيل الإدماج، ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت على الثلاثمائة وغالب هذه الأنواع فيها تصاريف مفردة وقفت على كثير منها، وذكر بعد ذلك المراجع التي رجع إليها في كتابه وسننقلها لك بعد أن نعطيك لمحة في أهم العلوم التي تعرض لها:
معرفة المكي والمدني: ماله علاقة في النزول وأمكنته وأزمنته وأنواعه وأسبابه إلى غير ذلك، ثم تحدث عن أسماء القرآن وسوره، وعن جمعه وترتيبه، ثم تحدث عن قراءات القرآن ورواته وحفاظه وما يتعلق بذلك، وبعض أحكام التلاوة ثم تحدث عن آداب التلاوة وعن غريب القرآن، وأتبع ذلك ببعض العلوم، ثم تحدث عن الأدوات والقواعد التي يحتاج إليها المفسر، ثم تحدث عن المحكم والمتشابه وعن المجمل والمتبين والناسخ والمنسوخ والمنطوق والمفهوم، والحقيقة والمجاز والكناية والتعريض ومباحث لغوية وبلاغية أخرى، ثم تحدث عن الآيات المتشابهات المشتبهات وعن إعجاز القرآن وعن العلوم المستنبطة من القرآن وبعد ذكره أنواعاً من علوم القرآن، تحدث عن فضائل القرآن ثم بعد ذكره أنواعاً أخرى تحث عن رسم القرآن وآداب كتابته ثم تحدث عن التفسير وشروط المفسر وختم الكتاب بالحديث عن طبقات المفسرين وكانت مراجعه التي رجع إليها في هذا الكتاب ما ذكره بقوله:
وهذه أسماء الكتب التي نظرتها على هذا الكتاب ولخصته منها، فمن الكتب النقلية: تفسير ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي الشيخ، وابن حبان، والفريابي، وعبد الرزاق، وابن المنذر، وسعيد بن منصور، وهو جزء من سننه، والحاكم وهو جزء من مستدركه، وتفسير الحافظ عماد الدين ابن كثير، و"فضائل القرآن" لأبي عبيد، و"فضائل القرآن" لابن الضريس، و"فضائل القرآن" لابن أبي شيبة، "المصاحف" لابن أبي داود، "المصاحف" لابن أشته، "الردّ على من خالف مصحف عثمان" لابن أبي بكر
стр. 1581
الأنباري، "أخلاق حملة القرآن" للآجري، "التبيان في آداب حملة القرآن" للنووي، "شرح البخاري لابن حجر"، ومن جوامع الحديث والمسانيد مال ايحصى، ومن كتب القراءات وتعلقات الأداء: "جمال القراء" للسخاوي، "النشر والتقريب" لابن الجزري، و"الكامل" للهذلي، "الإرشادات في القراءات العشر" للواسطي، "الشواذ" لابن غلبون"، "الوقف والابتداء" لابن الأنباري وللسجاوندي وللنحاس وللداني وللعماني ولابن النكزاوي، "قرة العين"، "الفتح والإمالة"، "وبين اللفظين" لابن القاصح، ومن كتب اللغات والغريب والعربية والإعراب: "مفردات القرآن" للراغب، "غريب القرآن" لابن قتيبة وللعزيزي، "الوجوه والنظائر" للنيسابوري، ولابن عبد الصمد الواحد "والجمع في القرآن"، ولأبي حسن الأخفش، "الأوسط الزاهر" ابن الأنباري، "شرح التسهيل والارتشاف" لأبي حيان، "المغني" لابن هشام الجني، "الداني في حروف المعاني" لابن أم قاسم، "إعراب القرآن" لأبي البقاء وللسمين وللسفاقسي ولمنتخب الدين، "المحتسب في توجيه الشواذ" لابن جني، "الخصائص" له، "الخاطريات" له، "ذا القد" له، "أمالي ابن الحاجب المعرب" للجواليقي، "مشكل القرآن" لابن قتيبة، "اللغات التي نزل بها القرآن" لأبي القاسم محمد بن عبد الله. ومن كتب الأحكام وتعلقاتها: "أحكام القرآن" لإسماعيل القاضي ولبكر بن العلاء ولأبي بكر الرازي وللكيا الهراسي، ولابن العربي ولابن اغرس ولابن خويز منداد، "الناسخ والمنسوخ" لمكي ولابن الحصار وللسعيدي ولأبي جعفر النحاس ولابن العربي ولأبي داود السجستاني ولأبي عبيد القاسم بن رسلان ولأبي منصور عبد القاهر بن طاهر التيمي. "الإمام في أدلة الأحكام" لشيخ عز الدين بن عبد السلام، ومن الكتب المتعلقة بالإعجاز وفنون البلاغة: "إعجاز القرآن" للخطابي والرماني ولابن سراقة والقاضي أبي بكر الباقلاني ولعبد القاهر الجرجاني وللإمام فخر الدين ولابن أبي الأصبع واسمه "البرهان" وللزملكاني واسمه "البرهان" أيضاً ومختصره له واسمه "المجيد". "مجاز القرآن" لابن عبد السلام، "الإيجاز في المجاز" لابن القيم. "نهاية التأميل في أسرار التنزيل" للزملكاني. "التبيان في البيان" له. "المنهج المفيد في أحكام التوكيد" له. "بدائع القرآن" لابن أبي الأصبع: "التحبير" له. "الخواطر السوانح في أسرار الفواتح" له. "أسرار التنزيل" للشرف البازري. "الأقصى القريب: للتنوخي. "منهاج البلغاء" لحازم "العمدة" لابن رشيق. "الصناعتين" للعسكري. "المصباح" لبدر الدين بن مالء. "التبيان" للطيبي. "الكنايات" للجرجاني.
стр. 1582
"الإغريض في الفرق بين الكتابة والتعريض" للشيخ تقي الدين السبكي له "الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص". "عروس الأفراح" لولده بهاء الدين. "روض الأفهام في أقسام الاستفهام" للشيخ شمس الدين بن الصائغ. "نشر العبير في إقامة الظاهر مقام الضمير" له "المقدمة في سر الألفاظ" المقدمة له. "أحكام الرأي في أحكام الآي" له. "مناسبات ترتيب السور" لأبي جعفر بن الزبير، "فواصل الآيات" للطوقي. "المثل السائر" لابن الأثير. "الفلك الدائر على المثل السائر". "كنز البراعة" لابن الأثير. "شرح بديع قدامة" للموفق عبد اللطيف. ومن الكتب فيما سوى ذلك من الأنواع: "البرهان في متشابه القرآن" للكرماني. "درة التنزيل وغرة التأويل في المتشابه" لأبي عبد الله الرازي، "كشف المعاني في المتشابه". "المثاني" للقاضي بدر الدين بن جماعة. "أمثال القرآن" للماوردي. "أقسام القرآن" لابن القيم. "جواهر القرآن" للغزالي. "التعريف والإعلام فيما وقع في القرآن من الأسماء والأعلام" للسهيلي. الذيل عليه لابن عساكر. "التبيان في مبهمات القرآن" للقاضي بدر الدين بن جماعة. "أسماء من نزل فيهم القرآن" لإسماعيل الضرير. "ذات الرشد" في عدد الآي وشرحها للموصلي. "شرح آيات الصفات" لابن اللبان. "الدر النظيم في منافع القرآن العظيم" لليافعي. ومن كتب الرسم: "المقنع للداني شرح الرائية" للسخاوي. شرحها لابن جباره. ومن الكتب الجامعة: "بدائع الفوائد" لابن القيم. "كنز الفوائد" للشيخ عز الدين بن عبد السلام. "الغرر والدرر" للشريف المرتضى. "تذكرة البدر بن الصاحب. "جامع الفنون" لابن شبيب الحنبلي. "النفيس" لابن الجوزي. "البستان" لأبي الليث السمرقندي. من تفاسير غير المحدثين: "الكشاف وحاشيته" للطيبي. تفسير الإمام فخر الدين. تفسير الأصبهاني، والحوفي، وأبي حيان، وابن عطية، والقشيري، والمرسي، وابن الجوزي، وابن عقيل، وابن رزين، والواحدي، والكواشي، والماوردي، وسليم الرازي، وإمام الحرمين، وابن برجان، وابن بريزة، وابن المنير. مالي الرافعي على الفاتحة. مقدمة تفسير ابن النقيب. "الغرائب والعجائب" للكرماني. "قواعد في التفسير" لابن تيمية.
- فهذه مصادر السيوطي في كتابه الإتقان.
ويلاحظ أن كتاب الإتقان يحتاج إلى تحرير ومراجعة وتحقيق وفيه مالا يرضاه العلماء
стр. 1583
المحققون إلا أنه جمع علوماً كثيرة وفيرة مفيدة بلا شك.
ب- تعريف بكتاب مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزرقاني وهو كتاب ظهر في الستينيات من القرن الرابع عشر الهجري، وفي الأربعينيات من القرن العشرين الميلادي.
يعتبر كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن من الكتب التي أدت دوراً كبيراً في تقريب هذا العلم وتوضيحه، وله ميزان اقتضتها حاجات التأليف في عصر المؤلف:
أولا: تبسيط هذا العلم مع قوة في التعبير وإشراق.
ثانيها: تتبع الشبهات التي طرحها الكافرون في هذا العصر والرد عليها بإحكام وإسهاب.
ثالثها: إظهار التآخي بين الإسلام والعلم في كل مناسبة.
رابعها: تجلية أسرار التشريع الإسلامي وحِكَمِهِ لقطع دابر فكرة فصل الدين عن الدولة.
خامسها: أن يكون بين يدي الدعاة كتاب ينزلون به إلى ميادين الدعوة والإرشاد وهم مؤهلون لذلك، وقد حاول المؤلف أن يستفيد مما كتب علماء الإسلام قديماً وحديثاً في القرآن الكريم وعلومه، والتفسير ومقدماته، وعلم التاريخ التشريعي، وعلمي أصول العقائد وأصول الفقه وعلوم اللغة العربية ومعاجمها، وراعي في التأليف أنه دخل في ساحة التأثير الفكري على الأمة الإسلامية وجود الفلسفة وما سمي بعلم الاجتماع وعلم النفس والأخلاق.
وتحدث في مقدمته كيف أن هذا العلم الذي أطلق عليه علم القرآن كان أثراً في الأصل عن وجود مصنفات متنوعة وموسوعات قيمة في علوم كثيرة كعلم القراءات، وعلم التجويد وعلم الرسم العثماني للمصحف وعلم التفسير وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم غريب القرآن وعلم إعجاز القرآن وعلم إعراب القرآن إلى علوم أخرى كثيرة، كل منها بحر لا ساحل له مما اقتضى أن يوجد علم جامع يجمع علوم القرآن كلها يجمع فيه مقاصدها وأغراضها وخصائصها
стр. 1584
وأسرارها ليكون العالم على بصيرة بهذه العلوم كلها، فيكون ذلك بمثابة المقدمة لمن أراد التخصص في واحد منها، ولكي لا يغيب عن طالب علم عِلْمٌ من العلوم التي خدمت هذا القرآن مما هو في نفسه حجة على الخلق أجمعين بأن هذا القرآن الكريم فيه ما لا يتناهى من العلوم، وهو حجة على خلق الله أجمعين وقد استطاع المؤلف أن يبرز ذلك كله مع إبراز كثرة ما خُدِم به هذا القرآن وعظمته.
وقد قسم كتابه إلى سبعة عشر مبحثاً، وقد جعل المبحث الأول في التعريف بالعلم عامة وعلوم القرآن خاصة، وبالتعريف على القرآن الكريم وأنواع العلماء الذين تخصصوا في خدمة هذا القرآن.
وجعل المبحث الثاني في تاريخ علوم القرآن وظهور اصطلاحاته والمراحل التي مر عليها هذا العلم حتى استقر كعلم خاص له اسم خاص وعرض لأهم الكتب التي ألفت فيه وأشار إلى شيء مهم وهو: أن هناك كتاباً ألف في القرن الخامس لإبراهيم بن سعيد الخوفي المتوفى سنة ٤٣٠ هجرية اسمه (البرهان في علوم القرآن) وهو يقع في ثلاثين مجلداً، يوجد منه الآن خمسة عشر مجلداً، وعلى هذا فنه يصحح التصور الذي أعطانا إياه السيوطي عن نشأة هذا العلم وأخذه اسمه المعروف في عهد مبكر.
وتحدث عن كتب ألفت في هذا العلم ووجدت تحت اسم علوم القرآن منها: ما ألفه ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هجرية في كتابيه: (الأفنان في علوم القرآن) و (المجتبي في علوم تتعلق بالقرآن) وكلاهما مخطوط بدار الكتب المصرية.
ثم تحدث عن تاريخ هذا العلم بقريب مما تحدث عنه السيوطي حتى وصل إلى كتاب السيوطي (الإتقان في علوم القرآن) وذكر أنه بعد السيوطي لم يظهر من أبداع في هذا العلم حتى جاء القرن الرابع عشر، فألف في هذا العلم عدد كبير من المؤلفين إما في علوم القرآن أو في علم من علوم القرآن أو فيما يخدم هذا القرآن ويرد الشبه عنه وقد حاول المؤلف أن يستفيد من القديم والحديث في مؤلفه، فتحدث في المبحث الثالث عن علم نزول القرآن، وأهم أبحاثه الجديدة أنه تحدث عن الِكَم والأسرار في نزول القرآن منجماً فذكر أربع حكم تحوي في طياتها خمس عشرة حكمة. وبهذه المناسبة ناقش منكري الوحي فأقام عليهم الحجة
стр. 1585
بستة أدلة، ثم ناقش شبهاتهم فذكر عشر شبه ورد على كل منها تفصيلاً.
وجاء بحثه الرابع مكملاً للبحث الثالث في أول ما نزل وآخر ما نزل في القرآن الكريم بنوع تفصيل ندر أن يوجد في مكان آخر مع ذكر مسائل وفوائد وتفصيلات وشبه وردود نفيسة. ثم تحدث في المبحث الخامس عن علم أسباب النزول، وفوائد هذا العلم والمسائل التي اعتاد المؤلفون أن يذكروها في سياق هذا العلم.
ثم جاء بحثه السادس في نزول القرآن على سبعة أحرف، والاختلاف الكثير بين العلماء في فهم هذا الموضوع وترجيحه للرأي الأقوى في هذا الشأن، ثم رد على أربع شبه يثيرها بعض الناس تتعلق بأصل هذا الموضوع.
ثم تحدث في مبحثه السابع عن علم المكي والمدني ورد شبهات يثيرها أعداء الإسلام فذكر ست شبهات وأجوبتها.
ثم تحدث في المبحث الثامن عن علم جمع القرآن وتدوينه وعن الرسم العثماني للمصحف ورد على ست شبه يثيرها أعداء الله حول هذا الموضوع ثم ذكر في هذا السياق مجموعة حجج أطنب فيها إطناباً كثيراً أثبت فيها أن هذا القرآن محفوظ بما جعل الأمر من الوضوح بحيث لا يماري فيه كافر، أما المؤمن فإن هذا الموضوع محسوم عنده أصلاً.
ثم تحدث في مبحثه التاسع عن ترتيب آيات القرآن وسوره.
ثم تحدث في مبحثه العاشر عن كتابة القرآن ورسمه وعن مزايا الرسم العثماني ووجوب الالتزام به، ورد على شبه كثيرة يثيرها المشوشون، وتحدث عن جوانب تاريخية في تطوير خدمة المصحف.
ثم تحدث في المبحث الحادي عشر عن القراءات والقراء وعن تواتر القراءات العشر وعن الأئمة الذين تنسب إليهم القراءات العشر، ورد خمس شبه في هذا المقام.
ثم تحدث في المبحث الثاني عشر عن التفسير والمفسرين، وذكر أنواع التفسير والجائز منه وغير الجائز، وناقش بهذه المناسبة اتجاهات ضالة أو خاطئة أو كافرة تتعلق بفهم القرآن الكريم.
стр. 1586
ثم تحدث في مبحثه الثالث عشر عن ترجمة القرآن الكريم وأحكامها وما يتعلق بذلك.
ثم تحدث في مبحثه الرابع عشر عن علم الناسخ والمنسوخ وناقش بإسهاب شبه الكافرين والضالين، وشُبَه النافين للنسخ وأسهب في الحديث عن النسخ إسهاباً كبيراً وذكر فيه تفصيلات مفيدة وختم بحثه بأن ذكر الآيات التي اشتهر بأنها منسوخة.
ثم تحدث في مبحثه الخامس عشر عن علم من أعظم علوم القرآن وهو علم محكم القرآن ومتشابهه وناقش نقاشاً طويلاً كل الآراء التي تطرح أو طرحت في ساحة هذا العلم قديماً وحديثاً.
ثم تحدث في مبحثه السادس عشر عن علم أسلوب القرآن الكريم فأتى فيه بالمعجب والمدهش وإن كان استفاد من غيره مبرهناً على تفرد أسلوب القرآن بما لا يشبهه أسلوب بشر.
وختم كتابه في الحديث عن علم إعجاز القرآن وما يتعلق به مبيناً أن في القرآن إعجازاً ومعجزات، فالإعجاز في نفسه حجة وكل معجزة من معجزات القرآن حجة وذكر ما يدل على الإعجاز والمعجزات، وفي هذا السياق ذكر أنواعاً من المعجزات، وذكر وجوهاً كثيرة تثبت أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إلا من عند الله العظيم.
ثم ناقش نقاشاً طويلاً الشبهات التي أثارها كثير من الناس حول إعجاز القرآن ومعجزاته عبر العصور عامة وفي عصرنا خاصة.
ولئن كان في بعض كلامه في هذا الكتاب مقال فنحن نعتقد أن العصمة للوحي، فما من كتاب صدر عن بشر عاديين (أي غير أنبياء) إلا ويمكن أن يكون فيه مقال، لكنه ما من شك أن من اجتمع له أن يقرأ كتاب الإتقان للسيوطي وكتاب مناهل العرفان للزرقاني فإنه يحصل من هذا العلم ما يعتبر عالماً فيه.
ومن تتبع مباحث هذا العلم وجد نصوصاً كثيرة فيه ونحن سنقتصر على ذكر بعض النصوص التي ترد في كتب السنة تحت عناوين تتعلق بهذا العلم مع العلم أن كثيراً مما يمكن أن يدخل في مباحث هذا العلم مبثوث في هذا الكتاب في سياقات متعددة، وكما قلنا من
стр. 1587
قبل إن إشاراتنا الفقهية لا تغني عن مطالعة كتب المذاهب الفقيية فإن إشاراتنا هاهنا إلى بعض التحقيقات في علوم القرآن لا يغني عن مطالعة الكتب التي تخصصت في علم من هذه العلوم أو في كل العلوم، وما لا يدرك كله لا يترك جُلُّه.
والمؤلفات في علم القرآن كثيرة ومنها المطول الذي يحتاج إلى صبر والعلم لا ينال إلا بصبر وها نحن ننقلك إلى ذكر بعض النصوص التي كانت أصلاً لبعض علوم القرآن.
стр. 1588
الفصل الأول
في نزول القرآن على سبعة أحرف وفي القراءات
عرض إجمالي:
اختلف العلماء في ماهية الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن على رسولنا ﵊ حتى بلغت الأقوال التي ذكرها العلماء أكثر من أربعين قولاً مما دعا بعض العلماء إلى أن يعتبر أن هذه الأحرف السبعة من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وقد رُدَّ هذا القول وإنما ذكرناه ليعلم مقدار الخلاف في هذه الأحرف السبعة والذي نحب أن نقرره ههنا أن الأحرف السبعة غير القراءات السبع وقد غلط الذين توهموا هذا التوهم، والذي نرجحه أن القراءات العشر المتواترة والمجمع على قرآنيتها عند القراء فيها بقايا من الأحرف السبعة ولا يدخل فيها كل الأحرف السبعة وإذا أردنا أن نستأنس لمعرفة الأحرف السبعة فإننا نعرف ذلك من خلال النظر في القراءات المتعددة ومن خلال الروايات الصحيحة التي تذكر ألفاظاً تخالف الرسم العثماني للمصحف فالرسم العثماني كان على لغة قريش فما خالفها من الأحرف السبعة أسقط وما وافقها مما تناقله القراء في طريقة الأداء فهو من الأحرف السبعة، ولا نرى أن نقف كثيراً عند ماهية الأحرف السبعة لأنها قضية لا يترتب عليها عمل الآن لأن الإجماع منعقد على قرآنية القراءات العشر الظاهر أن الصحابة أجمعوا على أن ما خالف لغة قريش كان مرحلياً ومن ههنا أجمعت الأمة على أن ما خالف الرسم العثماني لا يعتبر قرآنا لأنه لم ينقل إلينا بالتواتر على أنه قرآن وذلك شرط من شروط القبول بقرآنية الكلمة. ولذلك قلنا إننا نستأنس بهذه الروايات للتعرف على كنه الأحرف السبعة دون الجزم بحمل الأحرف السبعة على ما ذكرناه.
وإذا كان لابد من ذكر أهم الآراء في الأحرف السبعة فإننا نلاحظ أن هناك ثلاثة آراء كان لها نصيب كبير من القبول عند بعض العلماء:
стр. 1589
الأول: أن القرآن لا يخرج عن سبع لغات من لغات العرب وهي لغة قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن باعتبارها أفصح اللغات. وهناك آراء تتفرع عن هذا الرأي.
الثاني: أن المراد بالأحرف السبعة: أوجه من الألفاظ المختلفة في كلمة واحدة نحو هلم وأقبل وتعال وينسب إلى ابن جرير الطبري وربما فهم هذا الرأي على أنه سبع لغات من لغات العرب في الكلمات الواحدة.
الثالث: أنها سبعة حروف في الاختلاف إذ الكلام في رأيهم لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف وهي:
١ - اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع ...
٢ - اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر.
٣ - اختلاف وجوه الإعراب.
٤ - الاختلاف بالنقص والزيادة.
٥ - الاختلاف بالزيادة والتقديم والتأخير.
٦ - الاختلاف بالإبدال.
٧ - اختلاف اللهجات كالفتح والإمالة ... والترقيق والتفخيم ..
ونرى أن الخوض في ترجيح الراجح لا طائل وراءه لأنه لا يجوز أن يقرأ بأي قراءة سواء كانت من لغات العرب أو من الزيادة والتقديم إن صح وقوعها أو يغر ذلك إلا أن يكون ذلك منقولاً بالتواتر عن رسول الله ﷺ .
فيمكننا إذن القول إن الأحرف السبعة كيفيات أقرأ بها الرسول ﷺ الناس بحسب قدراتهم وما اعتادته ألسنتهم وهذه الكيفيات بلغت سبعة أوجه للتيسير على هذه الأمة، وجميع هذه الكيفيات وحي من الله لا يجةز لأحد أن يتصرف فيها بالتغيير والزيادة. ثم
стр. 1590
جمع عثمان الناس على رسم واحد بحسب لغة قريش وهذا الرسم يحتمل وجوهاً عدة من القراءات لكن لا يقرأ بشيء من هذه الوجوه إلا إذا كانت منقولة بالتواتر عن رسول الله ﷺ لأنها وحي. ومن ثم كانت القراءات العشر وهي غير الأحرف إذ قد تكون القراءة الواحدة مكونة من أكثر من حرف ... فالرسم العثماني الموجود، بنسخه المتعددة حفظ لنا أشياء من الأحرف السبعة لكن لا نستطيع القول إنه حفظ لنا الأحرف السبعة جميعها وإن كانت القراءات العشر محفوظة جميعها في الرسم العثماني وهذا يؤكد أن الأحرف غير القراءات وإن كانت القراءات أثراً عن الأحرف السبعة. والقراءات نوعان: قراءات شاذة، وقراءات معتمدة فالقراءات المعتمدة هي ما اجتمع فيها ثلاثة شروط: نقلها تواتراً وموافقتها للرسم العثماني وموافقتها لوجه من أوجه العربية وما لمي توافر فيه شروط من هذه الشروط الثلاثة. وما لم يجتمع فيه هذه الشروط الثلاثة فإنه الشاذ الذي لا يعتبر قرآناً على أنه إذا جاءت قراءة متواترة توافق الرسم لا يجوز أن يقال إن اللغة لا تؤيدها لأن القرآن هو الحاكم على اللغة لا العكس. والقراءات المعروفة التي توافرت فيها هذه الشروط عشر قراءات فما خالفها في شيء ما فإنه شاذ.
وههنا عدد من الأمور تحتاج إلى توضيح وإن كان مر معنا بعضها.
أولاً: إن هذه القراءات العشر هي التي وصلتنا وقد اجتمعت فيها الشروط وهناك قراءات قد اجتمعت فيها هذه الشروط ولم تصلنا لانقطاع أسانيدها بانعدام جود من يتحملها.
ثانياً: إن هذه القراءات العشر فيها بقية الأحرف السبعة مما وافق الرسم العثماني للمصحف.
ثالثاً: إن كلاً من هذه القراءات العشر منقول تواتراً إلا أن من نُسبت إليه من القراء كان أشهر فيها من غيره وأكثر إتقاناً فاشتهرت به مع أن كثيرين مثله قد أخذوا قراءته ومن ههنا نعطيها حكم التواتر.
رابعاً: يلاحظ أن كل إمام من أئمة القراءات العشر كان له أكثر من راوٍ وهناك
стр. 1591
اختلافات بسيطة بين رواية راوٍ وآخر والسر في ذلك يعود إلى أن الإمام نفسه قد تحمل أكثر من رواية لقراءته فخص أحد تلامذته برواية وخص تلميذاً آخر برواية ثانية.
خامساً: يلاحظ أن هناك اختلافات بسيطة في أحكام الأداء بين قراءة وقراءة كما أن هناك اختلافاً فيما يسمى بفرش الأحرف في بعض الكلمات بما يوافق الرسم العثماني للمصحف فبعض القراءات يكون حرف المضارعة فيها الياء وبعضها التاء وكل ذلك منقول تواتراً وقد حفظت هذه الأمة عن نبيها ﷺ كتاب ربها حفظاً منقطع النظير لوحظ فيه حقوق الحرف ومستحقاته إلى غير ذلك. وأما القراءات الصحيحة [التي لم تتواتر] الشاذة فهي لا تعتبر قرآناً ولكنها تخدم القرآن من حيث إنها تعتبر شارحة أو مفسرة أو مبينة لإجمال إلى غير ذلك.
سادساً: إن الاختلاف في الأحرف السبعة وكذا في القراءات اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد أو تناقض فقد يكون الاختلاف في اللفظ فحسب والمعنى واحد ككلمتي (الصراط) و (السراط) وقد يختلف المعنيان ولكن يمكن الجمع بينهما كقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ وقراءة ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينَ﴾.
فيكون لكل قراءة معنى خاص بها ويمكن الجمع بين المعنيين وقد تختلف القراءتان من حيث المعنى لكن ليس بين المعنيين تناقض أو تضاد من ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ ومعناها أن الشيطان أوقعهما بالزلة والخطيئة وفي قراءة ﴿فأزالهما الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ ومعناها أزاحهما وأبعدهما ... فهذان معنيان متغايران ولا يتناقضان بل يتكاملان ..
سابعاً: في فهم الأحرف السبعة يجب ملاحظة أمرين اثنين مهمين:
الأول: أن يكون في هذا الاختلاف تحقيق يسر ورخصة كما هو منطوق النصوص التي ستمر معنا.
الثاني: أن يكون هذا الاختلاف أياً كان شأنه قد نقل عن رسول الله ﷺ ...
فالذين قالوا إن من الأحرف السبعة الاختلاف في الزيادة والنقص ونحو ذلك ويضربون على ذلك الأمثلة. نقول إن قبول هذا متوقف على ورود النص المتواتر وإلا فلا
стр. 1592
يجوز ذلك .. وكذا ما يتعلق باللهجات واللغات فإن ورد النص الصحيح كان ذلك من الأحرف وإلا فلا.
وفي حكمة تنزل القرآن على سبعة أحرف وتعدد القراءات وفي حكمة وجود القراءات الشاذة قال صاحب مناهل العرفان ما نختصر لك بعضه:
إن الحكمة في نزول القرآن على الأحرف السبعة هو التيسير على الأمة الإسلامية كلها، خصوصاً الأمة العربية التي شوفهتْ بالقرآن، فإن كانت قبائل كثيرة، وكان بينها اختلاف في اللهجات ونبرات الأصوات، وطريقة الأداء وشهرة بعض الألفاظ في بعض المدلولات على رغم أنها كانت تجمعها العروبة، ويوحِّدُ بينها اللسان العربيُّ العام. فلو أخذتْ كلها بقراءة القرآن على حرف واحد، لشق ذلك عليها ...
قال المحقق ابن الجزري: "وأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة، وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها شرفاً لها، وتوسعة ورحمةً وخصوصيةً لفضلها، وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق ...
وكان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفةٌ وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغةٍ إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر. بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج، لا سيما الشيخ، والمرأة، ومن لم يقرأ كتاباً كما أشار إليه ﷺ ، فلو كُلِّفُوا العدول عن لغتهم، والانتقال عن ألسنتهم، لكان من التكليف بما لا يستطاع، وما عسى أن يتكلف المتكلفُ وتأبى الطباع" ا. هـ.
(ومن الحكم):
جمع الأمة الإسلامية الجديدة على لسانٍ واحدٍ يوحد بينها، وهو لسان قريش الذي نزل به القرآن الكريم، والذي انتظم كثيراً من مختارات ألسنة القبائل العربية التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحج وأسواق العرب المشهورة. فكان القرشيون يستملحون ما شاؤوا، ويصطفون ما راق لهم من ألفاظ الوفود العربية القادمة إليهم من كل صوْب وحدَب ثم يصقلونه ويهذبونه ويدخلونه في دائرة لغتهم المرنة، التي أذعن جميع العرب لها
стр. 1593
بالزعامة، وعقدوا لها راية الإمامة.
ومنها بيان حكم من الأحكام، كقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ قرأ سعد بن أبي وقاص "وله أخُ أو أخت من أمْ" بزيادة لفظ "من أمٍ" [وهذه قراءة شاذة لكنها تفسر نصاً] فتبين بها أن المراد بالإخوة في هذا الحكم الإخوة للأم دون الأشقاء ومن كانوا لأب، وهذا أمرٌ مجمع عليه.
ومثل ذلك قوله ذلك قوله سبحانه في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وجاء في قراءة: "أو تحْريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ" بزيادة لفظ "مؤمنةٍ" (وهي قراءة شاذة) فتبين بها اشتراطُ الإيمان في الرقيق الذي يعتق كفارة يمين. وهذا يؤيد مذهب الشافعي ومن نحا نحوه في وجوب توافر ذلك الشرط.
ومنها الجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين، كقوله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة "يطهرنَ" ولا ريب أن صيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض لأن زيادة المبنَى تدلُّ على زيادة المعنى، أما قراءة التخفيف فلا تفيد هذه المبالغة، ومجموع القراءتين يحكم بأمرين: أحدهما أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر، وذلك بانقطاع الحيض. وثانيهما أنها لا يقربها زوجها أيضاً إلا إن بالغت في الطهر وذلك بالاغتسال، فلابد من الطهرين كليهما في جواز قربان النساء. وهو مذهب الشافعي ومن وافقه أيضاً.
ومنها الدلالة على حكمين شرعيين ولكن في حالين مختلفين: كقوله تعالى في بيان الوضوء ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ بنصب لفظ "أرجلكم" وبجرها، فالنصب يفيد طلب غسلها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ "رؤوسكم" المنصوب، وهو مغسول. والجرُّ يفيد طلب مسحها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ "رؤوسكم" المنصوب، وهو مغسول. والجرٌّ يفيد طلب مسحها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ "رؤوسكم" المجرور وهو ممسوح. وقد بين الرسول ﷺ أن المسح يكون للابس الخف وأن الغسل يجب على من لم يلبس الخف.
стр. 1594
ومنها دفع توهم ما ليس مراداً كقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقرئ "فامضوا إلى ذكر الله". [وهي قراءة شاذة]. فالقراءة الأولى يتوهم منها وجوبُ السرعة في المشي إلى صلاة الجمعة، ولكن القراءة الثانية رفعت هذا التوهم لأن المضيَّ ليس من مدلوله السرعة.
ومنها بيان لفظ مبهم على البعض نحو قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وقرئ "كالصوف المنفوش" [وهي قراءة شاذة] فبينت القراءة الثانية أن العهن هو الصوف.
ومنها تجلية عقيدةٍ ضل فيها بعضُ الناس: نحو قوله تعالى في وصف الجنة وأهلها: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ جاءت القراءة بضم الميم وسكون اللام في لفظ (وملكاً كبيراً) وجاءت قراءة أخرى بفتح الميم وكسر اللام في هذا اللفظ نفسه فرفعت هذه القراءة الثانية نقاب الخفاء عن وجه الحق في عقيدة رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة، لأنه سبحانه هو الملك وحده في تلك الدار ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
والخلاصة: أن تنوع القراءات، يقومُ مقام تعدد الآيات. وذلك ضربٌ من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهي إلى كمال الإعجاز.
أضفْ إلى ذلك ما في تنوع القراءات من البراهين الساطعة، والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله، وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله ﷺ ، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد، ولا إلى تهافت وتخاذل، بل القرآن كله على تنوع قراءاته، يُصدِّق بعضه بعضاً، ويبينُ بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض، على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير، وهدفٍ واحدٍ من سموِّ الهداية والتعليم. وذلك- من غير شكٍ - يفيدُ تعدد الإعجاز بتعدد القراءات والحروف.
ومعنى هذا أن القرآن يعجزُ إذا قرئ بهذه القراءة، ويُعجزُ أيضاً إذا قُرئ بهذه القراءة الثانية، ويُعجز أيضاً إذا قُريء بهذه القراءة الثالثة، وهلم جرا. ومن هنا تتعدد المعجزات بتعدد تلك الووه والحروف!.
стр. 1595
ولا ريب أن ذلك أدل على صدق محمد صلى الله عليه وسل، لأنه أعظم في اشتمال القرآن على مناحٍ جمة في الإعجاز وفي البيان، على كل حرف ووجه، وبكل لهجة ولسان ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ا. هـ مناهل العرفان.
وإلى النصوص:
стр. 1596
النصوص
٢٤٤٧ - * روى الجماعة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعتُ هشام بن حكيم ابن حزامٍ يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعْت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرةٍ، لم يُقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدْتُ أُساورُهُ في الصلاة، فتربَّصْتُ حتى سلم، فلبَبْتُهُ بردائِه، فقلت: من أقرْرأك هذه السورة التي سمِعْتُك تقْرَؤها؟ قال: أقْرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقودُه إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعتُ هذا يقرأ سورة الفرقان على حروفٍ لم تُقْرِئنيها، فقال رسول الله ﷺ : "أرسله، اقرأْ يا هشامُ" فقرأ عليه لقراءة التي كنتُ سمعته يقرأن، فقال رسول الله ﷺ : "هكذا أُنْزِلتْ" ثم قال النبي ﷺ : اقرأْ يا عمرُ" فقرأتُ القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : "هكذا أنْزِلتْ، إنَّ هذا القرآن أُنْزِلَ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ما تيسر منهُ".
ولكن، نقول إن الكلمة الواحدة قد يقرها القرشي بلغته والهذلي بلغته.
أقول (١): قوله عله الصلاة والسلام في القراءتين (هكذا أنزلت) دليل على أن الأحرف
стр. 1597
السبعة كلها وحي رباني وأنها كلها مأخوذة من رسول الله ﷺ وليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا على ما تلقنه من رسول الله ﷺ ، وكلام ابن الأثير في تفسير الأحرف السبعة وجه من الوجوه التي فسرت بها الأحرف السبعة، والرسم العثماني جمع الناس على لغة قريش لأن القرآن نزل على قرشي وأجمع الصحابة على الرسم العثماني للمصحف فكان إجماعهم دليلاً على أن ما خالف الرسم العثماني روعيت فيه المرحلية في الخطاب، وما كان الصحابة ليجمعوا إلا على شيء قامت عليه الأدلة سواء عرفناها، أو لم نعرفها.
٢٤٤٨ - * روى مسلم عن أُبيٍّ بن كعب ﵁ قال: كنتُ في المسجد، فدخل رجل يُصلي، فقرأ قراءة أنكرتُها، ثم دخل آخر، فقرأ قراءةً سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ ، فقلت: إنَّ هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه: فدخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرأ، فحسَّنَ النبي ﷺ شأنهما، فسُقط في نفسي من التكذيب، ولا إذْ كنتُ في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله لعيه وسلم ما قد غشيني، ضرب في صدري، ففضْتُ عرقاً، وكأنما أنظرُ إلى الله فرقاً، فقال لي: "يا أبيُّ، أرسل إليَّ: أن اقرأ القرآن على حرفٍ، فرددْتُ إليه: أنْ هونْ على أمتي، فردَّ إليَّ الثانية: أن اقرأهُ على حرفين، فرددتُ إليه: أن هونْ على أمتي، فردَّ إليَّ الثالثة: أن اقرأهُ على سبعة أحرف، ولك بكلِّ ردةٍ رددْتُكهَا مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفرْ لأمتي، وأخرْتُ الثالثة ليومٍ يرغبُ إليَّ الخلقُ كلُّهُم حتى إبراهيمُ".
وفي رواية (١) أخرى قال: إن النبي صلى الله عليه سلم كان عند أضاة بني غفارٍ، فأتاه جبريلُ ﵇، فقال: إن الله يأمرُك أنْ تقرأ أُمَّتُك القرآن على حرفٍ، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنَّ أمتي لا تُطيقُ ذلك، ثم أتاه الثانية، فقال إن الله يأمُرك أنْ تقرأ أمتُك القرآن على حرفين، فقال: أسألُ الله معافاته ومغفرته، وإنَّ أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمَّتُك القرآن على ثلاثة
стр. 1598
أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنَّ أمتي لا تطيق ذلك: ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيُّما حرفٍ قرؤوا عليه فقد أصابُوا.
وفي رواية (١) لأبي داود عن أُبيِّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أُبيُّ، إني أُقْرِئتُ القرآن، فقيل لي: على حرفٍ أو حرفين؟ فقال الملكُ الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملكُ الذي معي: قل: على ثلاثة، قلت: على ثلاثةٍ، حتى بلغ سبعة أحرفٍ، ثم قال: ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت: سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تختِمْ آية عذابٍ برحمةٍ أو آية رحمةٍ بعذاب".
وفي رواية (٢) للنسائي عن أُبيِّ قال: ما حاك في صدري منذ أسلمتُ، إلا أني قرأتُ آيةً، وقرأها آخر غير قراءتي، فقلت، أقرأنيها رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فأتيتُ النبي ﷺ ، فقلتُ: يا رسول الله، أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: "نعم" وقال الآخرُ: ألمْ تُقْرِئني آية كذا وكذا؟ قال: "نعم، إنَّ جبريل وميكائيل، أتياني، فقعد جبريل عن يميني، وميكائيلُ عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرفٍ، وقال: ميكائيلُ استزدْهُ، حتى بلغ سبعة أحرفٍ، وكلُّ حرفٍ شافٍ كافٍ".
وأخرج الترمذي (٣) عن أبيِّ بن كعبٍ هذا المعنى بغير هذا اللفظ مُختصراً قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل، فقال: يا جبريل، بُعثْتُ إلى أمةٍ أُمِّيِّنَ، فيهم العجوز والشيخُ الكبير، والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قطُّ، فقال: يا محمدُ إنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرفٍ.
стр. 1599
أقول: وفي الرواية الثانية لمسلم أن أصل التكليف كان بحرف واحد والظاهر أنه كان بحرف قريش، وأن ما زاد على ذلك من الأحرف السبعة كان رخصة روعي فيها حال العرب وقت تنزل القرآن. ولعل هذا يصلح دليلاً للإجماع على رسم واحد للقرآن، وقوله: إن قلت سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً لا يعني هذا أن الإنسان مخير في أن يبدل كلمة بكلمة بل المراد إذا أقرأك رسول الله ﷺ أي حرف فهو قرآن، ويفهم من ذلك أن الأحرف السبعة قبل الرسم العثماني للمصحف تشمل هذه الصورة التي ذكرها رسول الله ﷺ أن بعض الآيات تختم بأكثر من خاتمة على أن يحافظ القاريء على ما تلقنه من رسول الله ﷺ وفي الحديث إشارة إلى ما لا يبطل الصلاة كما أن فيه نموذجاً عملياً على الحال الذي كان يحدث للصحابة حال اجتماعهم برسول الله ﷺ وفيه إشارة إلى ما يغلب القلب أحياناً من وساوس ليست محل مؤاخذة ما دام الإنسان يجاهدها.
٢٤٤٩ - * روى الشيخان عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرفٍ، فراجعتُه فزادني، فلم أزل أستزيده ويزيدُني، حتى انتهى إلى سبعة أحرفٍ" قال ابن شهابٍ: بلغني أن تلك السبعة الأحرف: إنما هي في الأمر الذي يكون واحداً، لا يختلفُ في حلال ولا حرام.
أقول: يفيد النص أن الأحرف السبعة لا تتناقض، ولو أن الأحرف السبعة وصلتنا لكان فيها مظهر من مظاهر الإعجاز (١)، ولوجدنا فيها علماً كثيراً حول طرائق العرب في الخطاب ولهجاتهم المختلفة وتعبيراتهم عن المعنى الواحد بألفاظ متعددة ولكن هذه المصالح
стр. 1600
أهدرها الصحابة أمام مصلحة توحيد الأمة على رسم واحد للمصحف، وفيما فعلوه كل الخير.
٢٤٥٠ - * روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سمع رجلاً يقرأ آية سمع رسول الله ﷺ يقرؤها على خلاف ذلك، قال: فأخذت بيده، فانطلقْتُ به إلى رسول الله ﷺ فذكرتُ ذلك له، فعرفْتُ في وجهه الكراهية وقال: "اقرأ، فكلاكُما مُحْسِن، ولا تختلفُوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكُوا".
أقول: هذا النص يفيد أن من قرأ شيئاً من القرآن على قراءة أقرأه إياها رسول الله ﷺ لا يصح لأحد أن ينكر عليه، ولكن بعدما أجمعت الأمة على الرسم العثماني للمصحف فلا يصح لأحد أن يعتب رما خالفه قرآنا لأن هذا الرسم مجمع عليه وغيره ليس كذلك، وهو منقول بروايات آحاد، أما القراءات المتواترة فليس لأحد أن ينكر على من قرأ بواحدة منها، وهي من بقايا الأحرف السبعة وليست هي الأحرف السبعة، إلا أنها توافق جميعها الرسم العثماني للمصحف، فإن القُرَّاء بعد أن أجمع الصحابة على الرسم العثماني للمصحف احتفظوا بما يوافقه من القراءات وتركوا ما سواه، فكل ما جاءنا من القراءات المتواترة متفق مع الرسم العثماني للمصحف، لكنه يختلف أحياناً في طرائق الأداء وأحياناً في فرش الحروف كما ذكرنا.
٢٤٥١ - * روى أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "نزل القرآنُ على سبعة أحرفٍ. المراءُ في القرآن كُفر، ثلاث مراتٍ، فما عَلِمْتُم فاعْمَلوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالِمه" وفي رواية (١) "أُنزِلَ القرآنُ على سبعة أحرف عليماً حليماً غفوراً رحيماً".
стр. 1601
٢٤٥٢ - * روى أحمد عن أبي الجهم أن رجلين اختلفا في آيةٍ من القرآن قال هذا تلقنتُها من رسول الله ﷺ فقال الآخر تلقنتُها من رسول الله ﷺ فسألا النبي ﷺ فقال: "القرآن يُقرأ على سبعة أحرف فلا تماروا في القرآن فإن مراء في القرآن كُفرٌ".
أقول (١): المراء في القرآن بغير علم قد يوقع المتجادلين بالكفر، وقد أطلق الرسول ﷺ التحذير ليكون جو الأخذ للقرآن سليماً.
* * *
стр. 1602
وصل في نماذج عن الأحرف والقراءات
٢٤٥٣ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمر - وأُراهُ قال: وعثمان - كانوا يقرؤون ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) بالألف.
وقراءة ملك متواترة كهذه القراءة والرسم العثماني يشملها.
٢٤٥٤ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٢).
٢٤٥٥ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣) زاد في نسخة بكسر الخاء.
٢٤٥٦ - * روى أبو داود عن زيد بن ثابتٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٤) زاد في نسخة، بنصب الراء.
٢٤٥٧ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (٥) [بالرفع في الأولى].
стр. 1603
٢٤٥٨ - * روى أبو داود عن أُبيِّ بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فلتَفْرَحُوا﴾ (١) بالتاء.
٢٤٥٩ - * روى البخاري عن ابن مسعود ﵁ قرأ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٢) وقال: إنما نقرأُ كما عُلمنا، وعنه: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (٣) يعني بالرفع.
وفي رواية (٤) أبي داود أنه قرأ (هيتَ لك) [فقال شقيق: إنا نقرؤها (هئتُ)] فقال: ابن مسعودٍ: أقرؤُها كما عُلِّمْتُ أحبُّ إليَّ.
وفي رواية (٥) له قال: قيل لعبد الله: إنَّ أُناساً يقرؤون هذه الآية (وقالت: هِئتُ لك)؟ فقال: إني أقرأ كما عُلِّمْتُ أحبُّ إليَّ، (وقالت: هَيْتَ لك).
стр. 1604
٢٤٦٠ - * روى الطبراني عن تميم بن حَذلمٍ قال قرأت على عبد الله القرآن فلم يأخذ عليَّ إلا حرفين قلتُ ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (١) قال: ﴿وكل آتُوه داخرين﴾ وقلت ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبوا﴾ (٢) قال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾.
قوله أتوْه بالقصر: قراءة حفص وحمزة، وقرأ الباقون (آتُوه) ممدودة الهمزة مضمومة التاء. وقوله (كذبوا) فيها قراءتان: بالتخفيف كُذبوا وهي قراءة الكوفيين: حمزة والكسائي وعاصم وكُذِّبوا مشددة الذال وهي قراءة الباقين.
٢٤٦١ - * روى الطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾.
٢٤٦٢ - * روى أبو داود عن أُبيِّ بن كعبٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ "قرأ: ﴿بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ (٣) مَُقَّلةً".
وفي أخرى (٤) له قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه، وقال: "رحمةُ الله علينا وعلى موسى، لو صبر لرأى مِنْ صاحبه العجَبَ، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، طوَّلها حمزَةُ الزَّيَّات.
стр. 1605
٢٤٦٣ - * روى أبو داود عن ابن عباس قال: أقرأني أُبيِّ كما أقرأهُ رسول الله ﷺ ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.
٢٤٦٤ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: نزل الوحيُ على رسول الله ﷺ ، فقرأ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾.
قال أبو داود: يعني مخففة الراء، حتى أتى على هذه الآيات.
٢٤٦٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها كانت تقرأ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ (١) وتقول: الوَلَقُ: الكذبُ.
قال ابن أبي مُليكة: وكانت أعلم بذلك من غيرها، لأنه نزل فيها.
لم أجد هذه القراءة في عدد من كتب القراءات السبع والعشر وذكرها المفسرون وذكروا
стр. 1606
فيها وجوهاً أخرى، والقراءة المشهورة. تلقَّوْنَه. والمعنى التلقي والتلقف بسرعة مع الإلقاء مباشرة دون تفكر وروية وقراءة تلِقُونَه: من ولْقَ الكلام الاستمرار في الكذب انظر [الآلوسي ١٨/ ١١٩].
٢٤٦٦ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: - وذكر حديث الوحي- قال: [فذلك] قوله جل ثناؤه ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (١).
٢٤٦٧ - * روى الشيخان عن يعْلي بن أمية ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقرأ ﴿وَنَادَوْا: يَامَالِكُ، لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (٢) قال سفيان: في قراءة عبد الله (ونادوا: يا مَالِ).
وفي رواية أبي داود (٣) والترمذي (٤): (يا ماَلِكُ). قال أبو داود: بِلا تَرْخيمٍ.
أقول: قراءة الترخيم شاذة لأنها لاتتفق مع الرسم العثماني للمصحف وروي أنه قيل لابن عباس أن ابن مسعود قرأ (ونادوا يا مالِ) فقال ما كان أشغل أهل النار عن الترخيم.
قال بعضهم: وهي وإن كانت شاذة إلا أن فيها فائدة بلاغية أنه من شدة العذاب يتقطعون الاسم (مالك) لضعفهم عن إتمامه (قطر الندى ٢١٤).
стр. 1607
٢٤٦٨ - * روى مالك عن ابن شهاب كان عمر يقرؤها (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله).
أقول: قراءة (فامضوا) شاذة لأنها تخالف الرسم العثماني للمصحف لكنها تصلح أن تكون تفسيراً لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾.
٢٤٦٩ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ (١).
٢٤٧٠ - * روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قرأت على رسول الله ﷺ (مُذِّكِر) فردَّها علي ﴿مُدَّكِرٍ﴾ (٢).
وفي أخرى (٣): سمعته يقول: (مُدَّكِر) دالاً.
وفي رواية (٤) أبي داود: [أن النبي ﷺ كان يقرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال أبو داود]: مضمومة الميم مفتوحة الدال مكسورة الكاف.
٢٤٧١ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ
стр. 1608
كَالْقَصْرِ﴾ (١) كنا نفعُ الخشبة للشتاء ثلاثة أذرعٍ أو أقلَّ، ونسميه، القصر ﴿كَالْقَصْرِ﴾ (٢) حبال السفن تُجمعُ، حتى تكون كأوساط الرجال.
أقول: القراءة المشهورة ﴿كَالْقَصْرِ﴾ أي كالقصر في العظم ليست كالشجر والجبال .. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير ﴿كالقَصَر﴾ وهي أصول النخل والشجر، ومنه الخشبة التي كانت ترفع للشتاء وطولها ثلاثة أذرع أو أقل من أجل المدفئة والإحراق أيام البرد فقد ذكر ابن عباس أنهم كانوا يسمونها القصر.
٢٤٧٢ - * روى أبو داود عن أبي قلابة عمن أقرأه النبي ﷺ : ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (٣).
هناك قراءتان سبعيتان متواترتان بقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ فقراءة حفص ومن وافقه على بناء يعذب ويوثق للمعلوم أي بكسر الذال والثاء. وقرأ الكسائي ووافقه يعقوب وآخرون بفتح الذال والثاء على البناء للمجهول فكانت قراءتهما لا يعذب عذابه أحد ولا يوثَقُ وثاقه أحد. انظر [الغاية في القراءات العشر: ٢٩٢].
وانظر كتاب [الإقناع في القراءات السبع (٢/ ١٨٠)].
وجاءت هذه الرواية تقرر قراءة الكسائي بفتح ذال يعذَّب وثاء يوثَق.
٢٤٧٣ - * روى الشيخان عن علقمة ﵀ قال: قدم أصحاب عبد الله بن مسعود على أبي الدرداء ﵄، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيُّكم يقرأ قراءة عبد الله؟ قالوا: كُلُّنا، قال: فأيُّكم أحفظُ؟ فأشاروا إلى علقمة، قال: كيف سمعته يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا
стр. 1609
يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ (١) قال: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ قال أبو الدرداء: والله لا أتابعهم، ثم قال أبو الدرداء: أنت سمعته مِنْ في صاحبك؟ قال: نعم، قال: وأنا سمعت من في رسول الله ﷺ ، وهؤلاء يأبون علينا.
وفي رواية (٢): أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدونني أن أقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ والله لا أتابعهم عليه.
ولمسلم (٣) قال: أتى علقمةُ الشام، فدخل مسجداً، فصلى فيه، ثم قام إلى حلقةٍ، فجلس فيها، قال: فجاء رجلٌ فعرفتُ فيه تحوُّشَ القوم وهيْئتَهُمْ، قال: فجلس إلى جنبي، ثم قال: أتحفظُ كما كان عبد الله يقرأ فذكر بمثله.
стр. 1610
مسائل وفوائد
- يجد القارئ لكتب اللغة والنحو كثيراً من الكلام عما اختصت به بعض القبائل من لغات أو نطق لبعض الحروف أو طرائق أداء، وهذا كله يمكن أن يستأنس به لمعرفة الأحرف السبعة دون الجزم بأي منها على أنها من الأحرف السبعة وقد توسع الرافعي في كتابه (تاريخ آداب العرب) في عرضه لهذه الموضوعات ومما ذكره في هذا الموضوع:
ورأينا أن نقسم أنواع الاختلاف التي جمعناها إلى خمسة أقسام:
(١) لغات منسوبة ملقبة.
(٢) لغات منسوبة غير ملقبة تجري في إبدال الحروف.
(٣) لغات من ذلك في تغير الحركات.
(٤) لغات غير منسوبة ولا ملقبة.
(٥) لغة أو لثغة في منطق العرب.
النوع الأول:
ومن أمثلته:
(١) الكشكشة: وهي في ربيعة ومضر: يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شيناً، فيقولون في رأيتك: رأيتكش، وبكش وعليكش؛ وهم في ذلك ثلاثة أقسام: قسم يثبت الشين حالة الوقف فقط، وهو الأشهر؛ وقسم يثبتها في الوصل أيضاً؛ وقسم يجعل الشين مكان الكاف ويكسرها في الوصل ويسكنها في الوقف، فيقولون في مررت بك اليوم: مررت بشِ اليوم، وفي مررت بِكْ- في الوقف - مررت بِشْ.
وقد تروى الكشكشة لأسد وهوازن، وقال ابن فارس في فقه اللغة: إنها في أسد.
(٢) الكسكسة: وهي في ربيعة ومضر أيضاً: يجعلون بعد الكاف أو مكانها في خطاب المذكر سيناً على ما تقدم؛ وقصدوا بالفرق بين الحرفين، السين والشين، تحقيق الفرق بين
стр. 1611
المذكر والمؤنث في النطق.
ونقل الحريري أن الكسكسة لبكر لا لربيعة ومضر، وهي فيما نقله زيادة سين بعد كاف الخطاب في المؤنث لا في المذكر.
وروى صاحب القاموس أنها لتميم لا لبكر، وفسرها كما فسر الحريري.
(٣) الشنشنة في لغة اليمين: يجعلون الكاف شيناً مطلقاً، فيقولون في لبيك اللهم لبيك، لبيش اللهم لبيش.
(٤) العنعنة في لغة تميم وقيس: يجعلون الهمزة المبدوءة بها عيناً، فيقولون في إنك: عِنك، وفي أسلم: عَسْلم، وفي إذن: عِذَن، وهلم جرا.
(٥) الفحفحة في لغة هذيل: يجعلون الحاء عيناً، فيقولون في مثل حلت الحياة لكل حي: علت العياة لكل عيّ.
(٦) العجعجة في لغة قضاعة: يجعلون الياء المشددة جيماً فيقولون في تميمي "تميمج"؛ وكذا يجعلون الياء الواقعة بعد عين، فيقولون في الراعي: الراعج، وهكذا - وسيأتي في النوع الثاني عكس هذه اللغة - وكانت قضاعة إذا تكلموا غمغموا فلا تكاد تظهر حروفهم، وقد سمى العلماء ذلك منهم "غمغمة قضاعة".
(٧) الوتم في لغة اليمن أيضاً: يجعلون السين تاء: فيقولون في الناس: النات، وهكذا.
(٨) الوكم في لغة ربيعة، وهم قوم من كلب يكسرون كاف الخطاب في الجمع متى كان قبلها ياء أو كسرة، فيقولون في عليك وبكم: عليكِمِ وبكِمِ.
(٩) الوهم في لغة كلب: يكسرون هاء الغيبة متى وليتها ميم الجمع مطلقاً "والفصيح أنها لا تكسر إلا إذا كان قبلها ياء أو كسرة نحو عليهم وبهم" فيقولون في منهم وعنهم وبينهم؛ منهمِ وعنهِم وبينهِم.
(١٠) الاستنطاء في لغة سعد بن بكر وهذيل والأزد وقيس والأنصار يجعلون العين
стр. 1612
للساكنة نوناً إذا جاورت الطاء، فيقولون في أعطى: أنطى وعلى لغتهم قرئ شذوذاً: "إنا أنطيناك الكوثر".
(١١) التلتلة في بهراء، وهم بطن من تميم، وذلك أنهم يكسرون أحرف المضارعة مطلقاً، وقد ذكر سيبويه في الجزء الثاني من كتابه مواضع يكون فيها كسر أوائل الأفعال المضارعة عاماً في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز وذلك في نحو مضارع "فعل" إذا كانت لامه أو عينه ياءً أو واواً، نحو وجِلَ وخشَى، مثلاً، فيقولون: نيجل ونخشى؛ وهكذا، فراجعه في الكتاب فإن فيه تعليلاً حسناً. وقال في آخر هاذ الفصل: إن بني تميم يخالفون العرب ويتفقون مع أهل الحجاز في فتح ياء المضارعة فقط
(١٢) القُطعة في لغة طيء: وهي قطع اللفظ قبل تمامه، فيقولون في مثل يا أبا الحكم يا أبا الحكا. وهي غير الترخيم المعروف في كتب النحو، لأن هذا مقصور على حذف آخر الاسم المنادى، أما القطعة فتتناول سائر أبنية الكلام.
(١٣) اللخلخلانية: وهي تعرض في لغة أعراب الشحّر وعُمان، فيحذفون بعض الحروف اللينة، ويقولون في نحو ما شاء الله: مشاالله. ومن لغات الشحر المرغوب عنها ما نقله صاحب المخصص من أن بعضهم يقول في السيف: شَلقَى.
(١٤) الطُّمطُمانية في لغة حِمْير: يبدلون لام التعريف ميماً، وعليها جاء الحديث في مخاطبة بعضهم: "ليس من امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسفر": أي ليس من البر الصيام في السفر.
النوع الثاني:
لغاتُ منسوبة غير ملقبة عند العلماء، ومن أمثلته:
(١) في لغة فُقيم [دارم] يبدلون الياء جيماً، ولغتهم في ذلك أعمُّ من لغة قضاعة التي مرت في النوع الأول؛ لأنها غير مقيدة، فيقولون في بختي وعليّ؛ بختجٌّ وعلجٌّ.
(٢) في لغة مازن يبدلون الميم باءً والباء ميماً، فيقولون في بكر: مكر، وفي اطمئن: اطبئن.
стр. 1613
ومما يريدونه: أن الخليفة الواثق المتوفى سنة ٢٣٢ لما قدم عليه أبو عثمان المازني سأله: ممن الرجل؟ فقال: من بني مازن. قال: أي الموازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟ قال: من مازن ربيعة فكلمه الواثق بكلام قومه وقال: (باسْبُك)؟ يريد: ما اسمك؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً، قال المازني: فكرهت أن أحبيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر- لأن اسمه بكر - فقلت: بكر يا أمير المؤمنين! فأعجبه ذلك وقال لي: اجلس فاطبئن. يريد: اطمئن ...
(٣) في لغة طيء يبدلون تاء الجمع هاء إذا وقفوا عليها، إلحاقاً لها بتاء المفرد؛ وقد سمع من بعضهم. "دفن البناه، من المكرماه" يريد: البنات، والمكرمات؛ وحكى قطرب قول بعضهم: كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة والأخواه؟ وسيأتي في النوع الرابع عكس هذه اللغة.
(٤) في لغة طيء أيضاً يقلبون الياء ألفاً بعد إبدال الكسرة التي قبلها فتحة، وذلك من كل ماضٍ ثلاثي مكسور العين، ولو كانت الكسرة عارضة كما لو كان الفعل مبنياً للمجهول، فيقولون في رضي وهُدي رضا وهدى؛ بل ينطِقون بها قول العرب: "فرسٌ حظية بظية" فيقولون. حظاة بظاة، وكذلك يقولون: النصاة، في الناصية.
ومن لغتهم أنهم يحذفون الياء من الفعل المعتل بها إذا أُكِّد بالنون، فيقولون في: اخْشينَّ وارمينَّ ... إلخ. اخْشَنَّ وارِمِنَّ. وجاء من ذلك في الحديث الشريف على لغتهم: "لتُؤدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء تنطحها" تنسب هذه اللغة إلى فزارة أيضاً كما تنسب إلى طيئ.
(٥) في لغة طيئ على ما رواه ابن السكيت أنهم يبدلون في الهمزة في بعض المواضع هاء، فيقولون هِنْ فعلتُ، يريدون: إن فعلت.
(٦) في لغة تميم يجيئون باسم المفعول من الفعل الثلاثي إذا كانت عينه ياءً على أصل الوزن بدون حذف، فيقولون في نحو مبيع مبيوع؛ ولكنهم لا يفعلون ذلك إذا كانت عين الفعل واواً إلا ما ندر، بل يتبعون فيه لغة الحجازيين، نحو: مَقُول ومصوغ؛ وهكذا.
стр. 1614
(٧) في لغة هذيل لا يبقون ألف المقصور على حالها عند الإضافة إلى ياء المتكلم، بل يقلبونها ياءً ثم يدغمونها، توصلاً إلى كسر ما قبل الياء، فيقولون في عصاي وهواي: عصيّ وهويّ.
ولا يفعلون ذلك إلا إذا كانت الألف في آخر الاسم للتثنية، كما في نحو "فتياي" بل يوافقون الجمهور في إبقائها دون قلب، كأنهم كرهوا أن يزيلوا دلالتها على المعنى الذي أُلحقت بالكلمة له.
(٨) في لغة فزارة وبعض قيس يقلبون الألف في الوقف ياءً، فيقولون: الهُويْ وأفعي وحُبليْ.
ومن تميم من يقلب هذه الألف واواً فيقول: "الهُدوْ وأفعوا وحبلو" ومنهم من يقلبها همزة فيقولك الهُدأ وأفعأ وحُبلأ".
وقريب من قلب الألف واواً ما رواه ابن قتيبة عن ابن عباس: "لا بأس بلبس الحِذَوْ للمحرم": أي الحذاء وهو دليل على أن من بعض لغاتهم قلب الألف مطلقاً واواً.
(٩) في لغة خثعم وزبيد يحذفون نون "مِنْ" الجارة إذا وليها ساكن، قال شاعرهم:
لقد ظفر الزوار أقفية العدا بما جاوز الآمال مِ الأسر والقتلِ
وقد شاعت هذه اللغة في الشعر واستخفها كثير من الشعراء فتعاوروها.
(١٠) في لغة بلحرث يحذفون الألف من "على" الجارة واللام الساكنة التي تليها، فيقولون في على الأرض، علأرضِ، وهكذا.
(١١) في لغة قيس وربيعة وأسد أهل نجد من بني تميم، يقصرون "أولاء" التي يشار بها للجمع ويلحقون بها "لاماً" فيقولون: "أُولالك.
(١٢) في لغات أسماء الموصول:
بلحرث بن كعب وبعض ربيعة يحذفون نون اللذين واللتين في حالة الفعل، وعلى لغتهم قول الفرزدق:
стр. 1615
أبني كليب، إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلال
وقول الأخطل:
هما اللتا لو ولودت تميمُ ... لقيل، فخْر لهمُ صميمُ
وتميم وقيس يثبتون هذه النون ولكنهم يشددونها، فيقولون: اللذان، واللتان؛ وذلك في أحوال الإعراب الثلاثة، وللنحاة في حكمة هذا التشديد أقوال ليست من غرضنا.
وطيء تقول في الذي ذو، وفي التي ذات. ولا يغيرونهما في أحوال الإعراب الثلاثة رفعاً ونصباً وجراً. وقال أبو حاتم: إن "ذو" الطائية للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإعرابها بالواو في كل موضع.
وسيأتي في النوع الرابع بعض لغات غير منسوبة في أسماء الموصول.
(١٣) في لغة ربيعة يقفون على الاسم المنون بالسكون في كل أحوال الإعراب، فيقولون: رأيت خالدْ، ومررت بخالدْ، وهذا خالدْ؛ وغيرهم يشاركهم إلا في النصب.
وفي لغة الأزد يبدلون التنوين في الوقف من جنس حركة آخر الكلمة فيقولون جاء خالدو، ومررت بخالدي.
وفي لغة سعد يضعفون الحرف الأخير من الكلمة الموقوف عليها إلا إذا كان هذا الحرف همزة أو كان ما قبله ساكناً، فيقولون: هذا خالدّ، ولا يضعفون في مثل رشأ وبكر.
(١٤) في لغة بلحرث وخثعم وكنانة يقلبون الياء بعد الفتحة ألفاً، فيقولون في إليك وعليك ولديه: "إلاك، وعلاك، ولداهُ".
ومن لغتهم أيضاً إعراب المثنى بالألف مطلقاً، رفعاً ونصباً وجراً؛ وذلك لقلبهم كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفاً؛ فيقولون: جاء الرجلان، ورأيت الرجلان، ومررت بالرجلان؛ وأنشد ابن فارس في فقه اللغة لبعضهم:
تزود منا بين أذناه ضربةً ... دعته إلى هابي التراب عقيم