← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

المذكر والمؤنث في النطق. ونقل الحريري أن الكسكسة لبكر لا لربيعة ومضر، وهي فيما نقله زيادة سين بعد كاف الخطاب في المؤنث لا في المذكر. وروى صاحب القاموس أنها لتميم لا لبكر، وفسرها كما فسر الحريري. (٣) الشنشنة في لغة اليمين: يجعلون الكاف شيناً مطلقاً، فيقولون في لبيك اللهم لبيك، لبيش اللهم لبيش. (٤) العنعنة في لغة تميم وقيس: يجعلون الهمزة المبدوءة بها عيناً، فيقولون في إنك: عِنك، وفي أسلم: عَسْلم، وفي إذن: عِذَن، وهلم جرا. (٥) الفحفحة في لغة هذيل: يجعلون الحاء عيناً، فيقولون في مثل حلت الحياة لكل حي: علت العياة لكل عيّ. (٦) العجعجة في لغة قضاعة: يجعلون الياء المشددة جيماً فيقولون في تميمي "تميمج"؛ وكذا يجعلون الياء الواقعة بعد عين، فيقولون في الراعي: الراعج، وهكذا - وسيأتي في النوع الثاني عكس هذه اللغة - وكانت قضاعة إذا تكلموا غمغموا فلا تكاد تظهر حروفهم، وقد سمى العلماء ذلك منهم "غمغمة قضاعة". (٧) الوتم في لغة اليمن أيضاً: يجعلون السين تاء: فيقولون في الناس: النات، وهكذا. (٨) الوكم في لغة ربيعة، وهم قوم من كلب يكسرون كاف الخطاب في الجمع متى كان قبلها ياء أو كسرة، فيقولون في عليك وبكم: عليكِمِ وبكِمِ. (٩) الوهم في لغة كلب: يكسرون هاء الغيبة متى وليتها ميم الجمع مطلقاً "والفصيح أنها لا تكسر إلا إذا كان قبلها ياء أو كسرة نحو عليهم وبهم" فيقولون في منهم وعنهم وبينهم؛ منهمِ وعنهِم وبينهِم. (١٠) الاستنطاء في لغة سعد بن بكر وهذيل والأزد وقيس والأنصار يجعلون العين

стр. 1612

للساكنة نوناً إذا جاورت الطاء، فيقولون في أعطى: أنطى وعلى لغتهم قرئ شذوذاً: "إنا أنطيناك الكوثر". (١١) التلتلة في بهراء، وهم بطن من تميم، وذلك أنهم يكسرون أحرف المضارعة مطلقاً، وقد ذكر سيبويه في الجزء الثاني من كتابه مواضع يكون فيها كسر أوائل الأفعال المضارعة عاماً في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز وذلك في نحو مضارع "فعل" إذا كانت لامه أو عينه ياءً أو واواً، نحو وجِلَ وخشَى، مثلاً، فيقولون: نيجل ونخشى؛ وهكذا، فراجعه في الكتاب فإن فيه تعليلاً حسناً. وقال في آخر هاذ الفصل: إن بني تميم يخالفون العرب ويتفقون مع أهل الحجاز في فتح ياء المضارعة فقط (١٢) القُطعة في لغة طيء: وهي قطع اللفظ قبل تمامه، فيقولون في مثل يا أبا الحكم يا أبا الحكا. وهي غير الترخيم المعروف في كتب النحو، لأن هذا مقصور على حذف آخر الاسم المنادى، أما القطعة فتتناول سائر أبنية الكلام. (١٣) اللخلخلانية: وهي تعرض في لغة أعراب الشحّر وعُمان، فيحذفون بعض الحروف اللينة، ويقولون في نحو ما شاء الله: مشاالله. ومن لغات الشحر المرغوب عنها ما نقله صاحب المخصص من أن بعضهم يقول في السيف: شَلقَى. (١٤) الطُّمطُمانية في لغة حِمْير: يبدلون لام التعريف ميماً، وعليها جاء الحديث في مخاطبة بعضهم: "ليس من امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسفر": أي ليس من البر الصيام في السفر. النوع الثاني: لغاتُ منسوبة غير ملقبة عند العلماء، ومن أمثلته: (١) في لغة فُقيم [دارم] يبدلون الياء جيماً، ولغتهم في ذلك أعمُّ من لغة قضاعة التي مرت في النوع الأول؛ لأنها غير مقيدة، فيقولون في بختي وعليّ؛ بختجٌّ وعلجٌّ. (٢) في لغة مازن يبدلون الميم باءً والباء ميماً، فيقولون في بكر: مكر، وفي اطمئن: اطبئن.

стр. 1613

ومما يريدونه: أن الخليفة الواثق المتوفى سنة ٢٣٢ لما قدم عليه أبو عثمان المازني سأله: ممن الرجل؟ فقال: من بني مازن. قال: أي الموازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟ قال: من مازن ربيعة فكلمه الواثق بكلام قومه وقال: (باسْبُك)؟ يريد: ما اسمك؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً، قال المازني: فكرهت أن أحبيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر- لأن اسمه بكر - فقلت: بكر يا أمير المؤمنين! فأعجبه ذلك وقال لي: اجلس فاطبئن. يريد: اطمئن ... (٣) في لغة طيء يبدلون تاء الجمع هاء إذا وقفوا عليها، إلحاقاً لها بتاء المفرد؛ وقد سمع من بعضهم. "دفن البناه، من المكرماه" يريد: البنات، والمكرمات؛ وحكى قطرب قول بعضهم: كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة والأخواه؟ وسيأتي في النوع الرابع عكس هذه اللغة. (٤) في لغة طيء أيضاً يقلبون الياء ألفاً بعد إبدال الكسرة التي قبلها فتحة، وذلك من كل ماضٍ ثلاثي مكسور العين، ولو كانت الكسرة عارضة كما لو كان الفعل مبنياً للمجهول، فيقولون في رضي وهُدي رضا وهدى؛ بل ينطِقون بها قول العرب: "فرسٌ حظية بظية" فيقولون. حظاة بظاة، وكذلك يقولون: النصاة، في الناصية. ومن لغتهم أنهم يحذفون الياء من الفعل المعتل بها إذا أُكِّد بالنون، فيقولون في: اخْشينَّ وارمينَّ ... إلخ. اخْشَنَّ وارِمِنَّ. وجاء من ذلك في الحديث الشريف على لغتهم: "لتُؤدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء تنطحها" تنسب هذه اللغة إلى فزارة أيضاً كما تنسب إلى طيئ. (٥) في لغة طيئ على ما رواه ابن السكيت أنهم يبدلون في الهمزة في بعض المواضع هاء، فيقولون هِنْ فعلتُ، يريدون: إن فعلت. (٦) في لغة تميم يجيئون باسم المفعول من الفعل الثلاثي إذا كانت عينه ياءً على أصل الوزن بدون حذف، فيقولون في نحو مبيع مبيوع؛ ولكنهم لا يفعلون ذلك إذا كانت عين الفعل واواً إلا ما ندر، بل يتبعون فيه لغة الحجازيين، نحو: مَقُول ومصوغ؛ وهكذا.

стр. 1614

(٧) في لغة هذيل لا يبقون ألف المقصور على حالها عند الإضافة إلى ياء المتكلم، بل يقلبونها ياءً ثم يدغمونها، توصلاً إلى كسر ما قبل الياء، فيقولون في عصاي وهواي: عصيّ وهويّ. ولا يفعلون ذلك إلا إذا كانت الألف في آخر الاسم للتثنية، كما في نحو "فتياي" بل يوافقون الجمهور في إبقائها دون قلب، كأنهم كرهوا أن يزيلوا دلالتها على المعنى الذي أُلحقت بالكلمة له. (٨) في لغة فزارة وبعض قيس يقلبون الألف في الوقف ياءً، فيقولون: الهُويْ وأفعي وحُبليْ. ومن تميم من يقلب هذه الألف واواً فيقول: "الهُدوْ وأفعوا وحبلو" ومنهم من يقلبها همزة فيقولك الهُدأ وأفعأ وحُبلأ". وقريب من قلب الألف واواً ما رواه ابن قتيبة عن ابن عباس: "لا بأس بلبس الحِذَوْ للمحرم": أي الحذاء وهو دليل على أن من بعض لغاتهم قلب الألف مطلقاً واواً. (٩) في لغة خثعم وزبيد يحذفون نون "مِنْ" الجارة إذا وليها ساكن، قال شاعرهم: لقد ظفر الزوار أقفية العدا بما جاوز الآمال مِ الأسر والقتلِ وقد شاعت هذه اللغة في الشعر واستخفها كثير من الشعراء فتعاوروها. (١٠) في لغة بلحرث يحذفون الألف من "على" الجارة واللام الساكنة التي تليها، فيقولون في على الأرض، علأرضِ، وهكذا. (١١) في لغة قيس وربيعة وأسد أهل نجد من بني تميم، يقصرون "أولاء" التي يشار بها للجمع ويلحقون بها "لاماً" فيقولون: "أُولالك. (١٢) في لغات أسماء الموصول: بلحرث بن كعب وبعض ربيعة يحذفون نون اللذين واللتين في حالة الفعل، وعلى لغتهم قول الفرزدق:

стр. 1615

أبني كليب، إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلال وقول الأخطل: هما اللتا لو ولودت تميمُ ... لقيل، فخْر لهمُ صميمُ وتميم وقيس يثبتون هذه النون ولكنهم يشددونها، فيقولون: اللذان، واللتان؛ وذلك في أحوال الإعراب الثلاثة، وللنحاة في حكمة هذا التشديد أقوال ليست من غرضنا. وطيء تقول في الذي ذو، وفي التي ذات. ولا يغيرونهما في أحوال الإعراب الثلاثة رفعاً ونصباً وجراً. وقال أبو حاتم: إن "ذو" الطائية للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإعرابها بالواو في كل موضع. وسيأتي في النوع الرابع بعض لغات غير منسوبة في أسماء الموصول. (١٣) في لغة ربيعة يقفون على الاسم المنون بالسكون في كل أحوال الإعراب، فيقولون: رأيت خالدْ، ومررت بخالدْ، وهذا خالدْ؛ وغيرهم يشاركهم إلا في النصب. وفي لغة الأزد يبدلون التنوين في الوقف من جنس حركة آخر الكلمة فيقولون جاء خالدو، ومررت بخالدي. وفي لغة سعد يضعفون الحرف الأخير من الكلمة الموقوف عليها إلا إذا كان هذا الحرف همزة أو كان ما قبله ساكناً، فيقولون: هذا خالدّ، ولا يضعفون في مثل رشأ وبكر. (١٤) في لغة بلحرث وخثعم وكنانة يقلبون الياء بعد الفتحة ألفاً، فيقولون في إليك وعليك ولديه: "إلاك، وعلاك، ولداهُ". ومن لغتهم أيضاً إعراب المثنى بالألف مطلقاً، رفعاً ونصباً وجراً؛ وذلك لقلبهم كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفاً؛ فيقولون: جاء الرجلان، ورأيت الرجلان، ومررت بالرجلان؛ وأنشد ابن فارس في فقه اللغة لبعضهم: تزود منا بين أذناه ضربةً ... دعته إلى هابي التراب عقيم

стр. 1616

غير أنه خص هذه اللغة ببني الحارث بن كعب. قال ابن جني في "سر الصناعة": إن من العرب من يقلب في بعض الأحوال الواو والياء. الساكنتين ألفين للفتحة قبلهما، وذلك نحو قولهم في الحيرة: حاري؛ وفي طييء: طائي. (١٥) ذكر المبرد في "الكامل" أن بني سعد بن زيد مناة، ولخم من قاربها، يبدلون الحاء هاء لقرب المخرج، فيقولون في مدحته. مدهتُه؛ وعليه قول رؤبة: * لله در الغانيات المدّه * أي المدّح؛ وفي هذه الأرجوزة: * برَّاق أصلاد الجبين الأجله * أي الأجلح. وقال في موضع آخر: العرب تقول: هودج، وبنو سعد بن زيد مناة ومن وليهم يقولون: فودج؛ فيبدلون من الهاء فاءً. وفي أمالي ثعلب: أزد شنوءة تقول: تفكهون، وتميم يقولون تفكنون، بمعنى تعجبون. وأمثلة الاختلاف من هذا الضرب غير قليلة. (١٦) في أمالي القالي عن أبي زيد أن الكلابيين يلحقون علامة الإنكار في آخر الكلمة، وذلك في الاستفهام إذا أنكروا أن يكون رأي المتكلم على ما ذكر في كلامه أو أن يكون على خلاف ما ذكر. فإذا قلت: رأيتُ زيداً، وأنكر السامع أن تكون رأيته قال: زيداً إنيه! بقطع الألف وتبيين النون، وبعضهم يقول: زيدنِّيه! كأنه ينكر أن يكون رأيك على ما ذكرت. وهذه الزيادة تجري في لغة غيرهم على النحو الذي تسمعه في لغة العامة من مصر، فإنك إذا قلت لأحدهم: رأيتُ الأسد، يقول: أسد إيه! فالعرب تحرّك آخر الكلمة إذا كان ساكناً وتلحق به الزيادة، فإذا قال رجل: رأيت زيداً، قالا: أزَيْدنيه! ويقول: قدم

стр. 1617

زيدٌ فتقول: أزيْدُنيه! أما إذا كان آخر الكلمة مفتوحاً فإنهم يجعلون الزيادة ألفاً، ويجعلونها واواً إذا كان مضموماً، وياءً إذا كان مكسوراً، فإن قال: رأيت عثمان، قلت: أعثماناه! ويقول: أتاني عمر، فتقول: أعمروه! وهكذا. فإن كان الاسم معطوفاً عليه أو موصوفاً، جعلوا الزيادة في آخر الكلام؛ يقال: رأيت زيداً وعمراً، فتقول: أزيداً وعمرنيه! ويقال: ضربت زيداً الطويل، فتقول: أزيداً الطويلاه! وذكر سيبويه أنه سمع رجلاً من أهل البادية وقيل له: أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: أنا إنيه! وإنما أنكر أن يكون رأيه على خلاف الخروج وسيأتي وصف لغة أخرى للحجازيين في النوع التالي: النوع الثالث: وهو من تغيير الحركات في الكلمة الواحدة حسب اختلاف اللهجات؛ ومن أمثلته: (١) "هلُمَّ" في لغة أهل الحجاز تلزم حالة واحدة "بمنزلة رُوَيدَ"، على اختلاف ما تسند إليه مفرداً أو مثنى أو جمعاً، مذكراً أو مؤنثاً؛ وتلزم في كل ذلك الفتح؛ وفي لغة نجد من بني تميم تتغير بحسب الإسناد؛ فيقولون هَلُمَّ يا رجل، وهَلُمِّي، وهلُمُّوا، وهلْمُمن؛ وإذا أسندت لمفرد لا يكسرونها كما قال سيبويه، فلا يقولون: هلِمّ يا رجل، ولكنها تُكسَر في لغة كعب وغني. (٢) في لغة تميم يكسرون أول فعِيل وفَعِل إذا كان ثانيهما حرفاً من حروف الحلق الستة، فيقولون في لئيم ونحيف ورغيف وبخيل: لئيم، ونحيف .. إلخ، بكسر الأول، ويقولون: هذا رجلٌ لِعبٌ، ورجلٌ محِكٌ وهذا ماضغٌ لهِمٌ "كثير البلع" وهذا رجل وغِلٌ "طفيلي على الشراب"، وفِخِد، ونحوها كل ذلك في لغتهم بالكسر وغيرهم بفتحه؛ وقد نقل صاحب المخصص في ذلك تعليلاً حسناً يرجع إلى الأسباب اللسانية. (٣) في لغة خزاعة يكسرون لام الجر مطلقاً مع الظاهر والضمير، وغيرهم يكسرها مع الظاهر ويفتحها مع الضمير غير ياء المتكلم؛ فيقولون: المال لِك ولِهُ. ونقل اللحياني ذلك عن خزاعة أيضاً.

стр. 1618

وفي "سر الصناعة" لابن جني عن أبي عبيدة والأحمر ويونس، أنهم سمعوا العرب تفتح اللام الجار مع المظْهَر، وقال أبو زيد: سمعت من يقول: وما كان الله ليعذبهم؛ وفي لغة هؤلاء يقولون: المال للرجل؛ ومثل هذه اللغة في عامية الشام. ولكن العرب إجماعاً "ومنهم خزاعة" على كسر اللام إذا اتصلت بياء المتكلم فلا يفتحها منهم أحد. (٤) هاء الغائب مضمومة في لغة أهل الحجاز مطلقاً إذا وقعت بعد ياء ساكنة، فيقولون: لديه وعليه؛ ولغة غيرهم كسرها، وعلى منطق أهل الحجاز قرأ حفص حمزة: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ و ﴿عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ وهي القراءة المتبعة أما غيرهم من القراء فيكسر الهاء. (٥) في لغة بني مالك من بني أسد يضمون هاء التنبيه؛ فيقولون في يا أيها الناس، يا أيُّهُ الناسُ ويا أيُّهُ الرجلُ؛ إلا إذا تلاها اسم إشارة، نحو: أيُّهذا، فإنهم يوافقون فيها الجمهور. (٦) في لغة بني يربوع- وهم من بني تميم - يكسرون ياء المتكلم إذا أضيف إليها جمع المذكر السالم فيقولون في نحو ضاربيَّ ضاربيِّ، وهكذا. (٧) في لغة الحجازيين يحكون الاسم المعرفة في الاستفهام إذا كان علماً كما نطق به؛ فإذا قيل: جاء زيد، ورأيت زيداً، ومررت بزيد، يقولون: من زيدٌ ومن زيداً؟ أما إذا كان غير علم: كجاءني الرجل، أو كان علماً موصوفاً: كزيد الفاضل، فلا يستفهمون إلا بالرفع، يقولون: من الرجلُ؟ ومن زيدٌ الفاضلُ؟ في الأحوال الثلاث. وإذا استفهموا عن النكرة المُعربة ووقفوا على أداة الاستفهام، جاءوا في السؤال بلفظة (من)، ولكنهم في حالة الرفع يُلحقون بها واواً لمجانسة الضمة في النكرة المُستفهم عنها، ويلحقون بها ألفاً في حالة النصب، وياءً في حالة الجر؛ فإذا قلت: جاءني رجل، ونظرت رجلاً، ومررت برجل؛ يقولون في الاستفهام عنه: (مَنو؟ ومضنا؟ ومني؟). وكذلك يلحقون بها علامة التأنيث والتثنية والجمع، فيقولون: (مَنَه)؟ في الاستفهام عن

стр. 1619

المؤنثة، منان ومنَيْن؟ للمثنى المذكر، ومنتان؟ ومنتين؟ للمثنى المؤنث، ومنون؟ ومنين؟ للجمع المذكر، ومنات؟ للجمع المؤنث؛ وهكذا كله إذا كان المستفهم واقفاً؛ فإذا وصل أداة الاستفهام جرَّدَها عن العلامة، فيقول: من يا فتى؟ في كل الأحوال. وبعض الحجازيين لا يفرق بين المفرد وغيره في الاستفهام، فيقول: مَنُو، ومنا، ومنِي، إفراداً وتثنية وجمعاً، في التذكير والتأنيث. (٨) من لغة الحجازيين أيضاً أنهم يعاقبون بين الواو والياء فيجعلون إحداهما مكان الأخرى؛ والمعاقبة إما أن تكون لغةً عند القبيلة الواحدة، أو تكون لافتراق القبيلتين في اللغتين، وليست بمطردة في لغة أهل الحجاز بين كل واو وياء، ولكنها محفوظة عنهم، فيقولون في الصواغ: الصيَّاغ؛ وقد دَوُخوا الرجل، ودَيَّخوه. وسمع الكسائي بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني ذلك ولا يضورُني أي يَضِيرُني- وقوم يقولون في سريع الأوبة: سريع الأيْبَة؛ ومنهم من يقول في المصايب: مصاوب، ويقول بعضهم: حكوُت الكلام، أي حكيته؛ وأهل العالية يقولون: القصْوَى، ويقول فيها أهل نجد القُصْيا. وقد وردت أفعال ثلاثية تحكي لاماتها بالواو والياء، مثل: عزوت وعزيْت، وكنوت وكنيْت، وهي قريب من مائة لفظة نظمها ابن مالك النحوي في قصيدة مشهورة. (٩) في لغة بكر بن وائل وأناس كثير من بني تميم، يسكنون المتحرك استخفافاً، فيقولون في فخذ، والرَّجُل، وكرُم، وعلم: فخْد، وكرم، والرَّجْل، وعلْم. وهذه اللغة كثيرة أيضاً في تغلب، وهو أخو بكر بن وائل. ثم إذا تناسبت الضمتان أو الكسرتان في كلمة خففوا أيضاً فيقولون في العنُق والإبل. العنْق، والإبْل. (١٠) في "الخصائص" لابن جني عن أبي الحسن الأخفش: أن من لغة أزد السراة تسكين ضمير النصب المتصل. (١١) لغات في كلمات: تميم من أهل نجد يقولون: نِهْيٌ، للغدير، وغيرهم يفتحها.

стр. 1620

والوُتر في العدد حجازية، والوتر - بالكسر - في الذحل: الثار. وتميم تكسرها جميعاً، وأهل العالية يفتحون في العدد فقط. اللَّحد واللّحد: للذي يحفر في جانب القبر، والرَّفع والرُّفع: لأصول الفخذين، فالفتح لتميم، والضم لأهل العالية. يقال: وتِد، ووتد. وأهل نجد يُدغمونها فيقولون: وَدّ. وفي لغة بعض الكلابيين يقولون: الدِّواء، وغيرهم يفتحها. والعرب يقولون: شواظ من نار، والكلابيون يكسرون الشين. ويقولون: رُفقة، للجماعة، ولغة قيس كسر الراء. وقالوا: وجنة ووُجنة، وبالكسر لغة أهل اليمامة. أهل الحجاز يقولون: خمس عشرة، وتميم يقولون: خمس عشرة، ومنهم مني فتح الشين. والحجازيون يقولون: لعَمْري، وتميم تقول: رعَمْلي، وتحكي عنهم رعَمْري أيضاً. واللص في لغة طيئ، وغيرهم يقول: اللِّصْت. (١٢) لغات في الإعراب: في لغة هذيل يستعملون "متى" بمعنى "مِن"، ويجرُّون بها؛ سُمِع من بعضهم: أخرجا متى كُمِّه: أي من كُمه؛ ويروون من ذلك البيت المشهور: شَربْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعتْ ... متى لججٍ خضْرٍ لهُنَّ نئيجُ وفي لغة تميم ينصبون تمييز "كم" الخبرية مفرداً، ولغةُ غيرهم وجوبُ جره وجوازُ إفراده وجمعِه، فيقال: كم درهمٍ عندك، وكم عبيدٍ ملكتَ! وتميم يقولون: كم درهماً، وكم عبداً! في لغة الحجازيين ينصب الخبر بعد "ما" النافية نحو: ما هذا بشراً، وتميم يرفعونه. في لغة أهل العالية ينصبون الخبر بعد "إن" النافية، سُمِع من بعضهم: إنْ أحدٌ خيراً

стр. 1621

من أحدٍ إلا بالعافية. الحجازيون ينصبون خبر ليس مطلقاً، وبنو تميم يرفعونه إذا اقترن بإلا؛ فيقول الحجازيون: ليس الطيبُ إلا المسك، وبنو تميم: إلا المسكُ. في لغة بني أسد يصرفون ما لا ينصرف فيما عِلةُ منْعِه الوصفيَّة وزيادة النون، فيقولون: لست بسكرانٍ، ويلحقون مؤنثه التاء، فيقولون: سكرانة. في لغة ربيعة وغنمٍ، يبنون "مع" الظرفية على السكون، فيقولون: ذهبتُ معه، وإذا وليها ساكن يكسرونها للتخلص من التقاء الساكنين، فيقولون: ذهبتُ مع الرجل، وغنْمٌ: حي من تغلب بن وائل. في لغة بني قيس بن ثعلبة يعربون "لدُن" الظرفية، وعلى لغتهم قرئ: "من لدُنِه علماً". الحجازيون يبنون الأعلام التي على وزن فعال: كحزام، وقطام، على الكسر في كل حالات الإعراب؛ وتميم تعربها ما لم يكن آخرها راءً وتمنعها من الصرف للعلمية والعدل؛ فإذا كان آخرها راءً كوبار "قبيلة" وظفار "مدينة" فهم فيها كالحجازيين. في لغة هذيل أو "عقيل" يعربون "الذين" من أسماء الموصول إعرابَ جمع المذكر السالم، قال شاعرهم: نحن الَّذونَ صبَّحوا الصباحا ... يوم النُّخَيل غارةً ملْحاحاً ومن لغة هذيل أيضاً فتح الياء والواو في مثل: بيضات، وهيآت، وعورات، فيقولون: بيضات، وهيآت، وعورات، والجمهور على إسكانها. النوع الرابع: وهو يشمل اللغات التي ذكرها العلماء ولم ينسبوها وتكون في جملتها راجعة إلى تباين المنطق واختلاف اللهجات، وهذا القسم هو اللغة أو أكثرها: لأن الذين دونها جمعوا كل لغات العرب وجعلوها لغة جنسية فلم يميزوا منطقاً من منطق، ولا أفردوا لغة عن لغة؛ إذ

стр. 1622

كان ذلك من سبيل خدمة التاريخ اللغوي، وهم إنما أرادوا بصنيعهم خدمة القرآن وعلومه، فلولاه لمضت لغة العرب في سبيل ما تقدمها، ولماتت مع أهلها، وكان من يظفر اليوم بحرف منها فقد أحيا شيئاً من التاريخ. ولو أردنا استغراق هذا النوع لخرجنا بالكتاب عن معناه إلى أن يكون مُعحماً من معاجم اللغة: ولكنا نأتي شيء من نادره ونقتصر على القليل من غريبه مما يجانس ما قدمناه ويتحقق به نوعٌ من أنواع الاختلاف اللساني في العرب، ومن أمثلة ذلك: (١) إبدالهم أواخر بعض الكلمات المجرورة ياء، كقولهم في الثعالب والأرانب والضفادع: الثعالي، والأراني، والضفادي. وفي الصحاح: قد يبدلون بعض الحروف ياء كقولهم: في أمَّا: أيْما وفي سادس: سادي، وفي خامس: خامي. وجاءت لغات الإبدال وكلها غير منسوبة ولا مُسماة، وهي كثيرة؛ ومنها نوع طريف يعدّ من "لغات اللغويين" لأنهم جمعوه ورتبوه؛ وهو في الألفاظ التي يُنطق فيها بلغتين بحيث يؤم التصحيف: كالتي تنطق بالياء والتاء والباء والثاء؛ ونحوها مما يقع في حروفه التصحيف، وهذه الحروف هي: ب ... ت ... ث ... ج ... ح ... خ ... د ... ذ ر ... ز ... س ... ش ... ص ... ض ... ط ... ظ ع ... غ ... ف ... ق ... ك ... ل ... ن ... وفالنون تشتبه بالتاء والثاء، والواو تشتبه بالراء؛ أما سائر الحروف فالاشتباه فيها ظاهر. وعلى أن هذا مما يرجع إلى الخط ويبعد أن يكون العرب أرادوه، ولكن اللغويين وفقوا في عده من لغات الإبدال، ومن أمثلته: الثَّرى والبرى: بمعنى التراب، وثجَّ الجريح ونجَّ: سال دمُه، وفاح الطيب وفاخ وهلمَّ جراً ... (٢) من العرب من يجعل الكاف جيماص، فيقول مثلاً: الجعبة، في "الكعبة" وبعضهم ينطق بالتاء طاء: كأفْلِطني، في "أفلتني" قال الخليل: وهي لغة تميمية قبيحة.

стр. 1623

(٣) نقل صاحب المخصص في "باب ما يجيء مقولاً بحرفين وليس بدلاً "أن بعض العرب يقول: أردت عن تفعل كذا، وبعضهم يقول. لألني في "لعلني" وقال في موضع آخر: وفي "لعل" لغات يقولها بعض العرب دون بعض، وهي: لعلِّي، لعلني، علِّي، علَّني، لعنِي لغنِّي؛ وأنشد للفرزدق: هل أنتم عائجون بنا لعنَّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام وتروى في "لعل" لغة بكسر اللام- لِعلّ-؛ و .... لغة عقيل الجر بلعل وهو مما عزاه إليهم أبو زيد، وغيره يقول إن ذلك في لغة بعض العرب. ومما أورده في هذا الباب: قرأ فما تلعثم، وبعضهم يقول: تلعْزَم. وتضَيَّفَت الشمسُ للغروب، وتضيفت، قال: ومنه اشتقاق الصيف. (٤) وفي المخصص أيضاً عن السِّكِّيت في "لغات: عند" تقول: هو عِندي، وعُندي، وعَندي؛ ومنه أيضاً "لدن" فيه ثماني لغات، وهي: لدُن، ولُدُن، ولدّى، ولدُ، ولدْن، ولُدْن، ولَدْ، ولدىً؛ ومنه أيضاً في "الذي" لغات: الذي بإثبات الياء، واللذِ، واللّذْ، واللذيُّ؛ وفي التثنية اللذانِ، واللذانِّ، واللذا؛ وفي الجمع: الذي والذون واللاؤون، واللاءوا، واللائي- بإثبات الياء في كل حال - والأولى؛ وللمؤنث؛ اللائي، واللاء، واللاتي، واللتِ، واللاتْ، واللتان، واللتا، واللتانِّ؛ وجمع التي: اللاتي، واللات، واللواتي، واللوات، واللوا، واللاءِ، واللآتِ. ومن لغات "هو وهي": هُوْ -بالسكون- وهُوّ، وهِيّ، قال بعضهم: وتُحكى فيها لغةً رابعة، وهي أن تحذف الواو والياء وتبقى الهاء متحركة فتقول: هُـ، هِـ. ومن لغات "لا جَرَمَ" على ما رواه الكوفيون: لا جَرَ، ولا ذا جرم، ولا ذا جر، ولا إن ذا جرم؛ ولا عِنّ ذا جرم.

стр. 1624

ومن لغات "نعم، حرف الإيجاب": نَعِم، ونِعِم، ونَحَم، بإبدال العين حاءً كما أبدلت الحاء من "حتى" عيناً في فحفحة هذيل فقيل: عَتّى، كما مر في موضعه. (٥) بعض العرب يبدل هاء التأنيث تاءً في الوقف، فيقول: هذه أمَتْ، "في أمَهْ" وسُمع بعضهم يقول: يا أهل سورةِ البقرَتْ، فقال مُجيب: ما أحفظ منها ولا آيَتْ! ويؤخذ مما ذكره ابن فارس في فقه اللغة أن هذه اللهجة كانت من اللغات المسماة المنسوبة إلى أصحابها في القرن الرابع، ولكنا لم نقف على نسبتها. النوع الخامس: وهو ما يروونه على أنه لغة في الكلام أو لثغة من المتكلم، كالألفاظ التي وردت بالراء والغين، أو بالراء واللام، أو بالزاي والذال، أو بالسين والثاء، أو بالشين والسين؛ فكل ذلك مما يشك فيه الرواة، لا يجزمون بأنه لغة فرد أو لغة قبيلة، وقد قال الأنباري في شرح المقامات يذكر أنواع اللثغة في منطقهم: اللغثة تكون في السين، والقاف، والكاف، واللام، والراء؛ وقد تكون في الشين. فاللثغة في السين أن تبدل ثاءً، وفي القاف أن تبدل طاءً، وربما أُبدلت كافاً، وفي الكاف أن تبدل همزة، وفي اللام أن تبدل ياءً وربما جعلها بعضهم كافاً؛ وأما اللثغة في الراء فإنها تكون في ستة أحرف: "ع غ ي د ل ط"، وذكر أبو حاتم أنها تكون في الهمزة. ا. هـ. قلنا: وليس ما ذكره أبو حاتم بغريب، فقد رأينا في "بغية الوعاة" في ترجمة ركن الدين بن القوابع النحوي المتوفى سنة ٧٣٨ أنه كان يلثغ بالراء همزة. وبعضهم يلثغ في اللام فيجعلها تاءً، ويسمونه الأرَتّ؛ أما النطق بالحاء هاء فيسمونه ههَّة، كقول صاحب الصحاح: اللَّهْمسُ لغةٌ في اللَّحْس، أو ههّة. (١/ ١٤٠/١٦١).

стр. 1625

الفصل الثاني في ترتيب القرآن وجمعه وجمع الناس على رسم واحد وفي حكم تنزيله منجماً وفي أول ما نزل وآخر ما نزل وفيه عرض إجمال ونصوص

стр. 1626

عرض إجمالي إن مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله أنه نزل خلال ثلاثة وعشرين عاماً، وهو مع كونه نزل مفرقاً فإن ترتيب آياته في السورة الواحدة وترتيب سورة على غاية من الكمال هي وحدها معجزة، فنزول القرآن مفرقاً وكونه على هذا الكمال في الترتيب ذلك وحده معجزة. وهذه إحدى حكم نزول القرآن منجماً، وهناك حكم أخرى سنرى بعضها في هذه الفقرة، وقد فصلنا في كتابنا (الأساس في التفسير) المعجزة الكبرى في ترتيب القرآن على ما هو عليه في المصحف العثماني مما يدهش الألباب وذلك يقطع كل لبس في أن ترتيب القرآن كان توقيفياً من الله والأدلة على ذلك كثيرة، ولقد اجتمع لهذا القرآن كل لوازم الحفظ تحقيقاً للمعجزة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فقد اجتمع له أن حفظته الصدور والسطور من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وإلى ما يشاء الله . فلقد كان رسول الله ﷺ يأمر بكتابة ما يوحى إليه من القرآن كما كان يلقن هذا القرآن لأصحابه تلقيناً ليْحَفظوه ويُحفِّظوه، ولقد توفي رسول الله ﷺ والقرآن مكتوب وإن كان غير مجموع. وكما كان مكتوباً فإنه كان محفوظاً في الصدور، وكان من توفيق الله لأبي بكر ﵁ أنه جمع القرآن في مصحف واحد، ثم جاء عثمان ﵁ فجمع النسا على رسم واحد أجمعت عليه الأمة، ولا زال هذا الرسم هو الذي ترسم به كلمات المصحف مع مزيد عناية فيما يخدم إتقان التلاوة. وفي هذه الأمور كلها نصوص وعلوم يتعرض لها العلماء بمناسباتها في كتبهم ومما ذكره صاحب مناهل العرفان حول هذه الشؤون ما يلي: قال صاحب مناهل العرفان في الحكم والأسرار في تنجيم القرآن: (لتنجيم نزول القرآن الكريم [أي في نزوله مفرقاً] أسرارٌ عدةَّ وحِكَمٌ كثيرة، نستطيع أن نُجمِلَها في أرْبع حِكَمٍ رئيسية:

стр. 1627

الحكمة الأولى تثبيت فؤاد النبي ﷺ ، وتقوية قلبه، وذلك من وجوه خمسة: الوجه الأول: أن في تجدُّد الوحي وتكرار نزول الملك به من جانب الحق إلى رسوله ﷺ ، سروراً يملأُ قلب الرسول، وغبطة تشرح صدره. الوجه الثاني: أن في التنجيم تيسيراً عليه من الله في حفظه وفهمه ومعرفة أحكامه وحكمه. الوجه الثالث: أن في كل نوبة من نوبات هذا النزول المنجَّم معجزةً جديدة غالباً حيث تحداهم كل مرة أن يأتوا بمثل نوبة من نُوب التنزيل، فظهر عجزهم عن المعارضة. الوجه الرابع: أن في تأييد حقه ودحض باطل عدوه - المرة بعد الأخرى - تكراراً للذة فوزه وفلجه بالحق والصواب. الوجه الخامس: تعهُّد الله إياه عند اشتداد الخصام بينه وبين أعدائه بما يُهَوِّن عليه هذه الشدائد. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (١). الحكمة الثانية التدرُّج في تربية هذه الأمة الناشئة علماً وعملاً. وينضوي تحت هذا الإجمال أمور خمسة أيضاً: أولها: تيسير حفظ القرآن على الأمة. ثانيها: تسهيل فهمه عليهم كذلك. ثالثها: التهميد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة، وعباداتهم الفاسدة، وعاداتهم المرذولة. وذلك بأن يُراضوا على هذا التخلِّي شيئاً فشيئاً، بسبب نزول القرآن عليهم

стр. 1628

كذلك شيئاً فشيئاً. رابعها: التمهيد لكمال تحليهم بالعقائد الحقة، والعبادات الصحيحة، والأخلاق الفضالة، بمثل تلك السياسة. خامسها: تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين، بسبب ما كان يقصه القرآن عليهم الفيْنة بعد الفَيْنة والحين بعد الحين، من قصص الأنبياء والمرسلين وما كان لهم ولأتباعهم مع الأعداء والمخالفين، وما وعد الله به عباده الصالحين، من النصر والأجر والتأييد والتمكين. ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (١). الحكمة الثالثة مُسايرةُ الحوادث والطواريء في تجدُّدها وتفرقها، فكلما جدَّ منهم جديد، نزل من القرآن ما يناسبه، وفصَّل الله لهم من أحكامه ما يوافقه. وتنتظم هذه الحكمة أموراً أربعة: أولها: إجابة السائلين على أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول ﷺ . ثانيها: مُجاراة الأقضية والوقائع في حينها ببيان حُكم الله فيها عند حدوثها ووقوعها. ثالثها: لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم التي يخطئون فيها، وإرشادهم إلى شاكلة الصواب في الوقت نفسه. رابعها: كشف حال أعداء الله المنافقين، وهَتْك أستارهم وسرائرهم للنبي والمسلمين. الحكمة الرابعة الإرشاد إلى مصدر القرآن، وأنه كلام الله وحده، وأنه لا يمكن أن يكون كلام [النبي] ﷺ ولا كلام مخلوق سواه.

стр. 1629

وبيان ذلك أن القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو مُحْكَمُ السرد دقيق السبْك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذٌ بعضُه برقاب بعض في سوره وآياته وجُمله [هذا مع نزوله منجماً]. وفي جمع القرآن وتدوينه قال الزرقاني: "فها هو ذا رسول الله ﷺ ، قد اتَّخذَ كُتَّاباً للوحي، كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته، مبالغةً في تسجيله وتقييده. وزيادةً في التوثُّقِ والضبط والاحتياط في كتاب الله تعالى، حتى تُظاهر الكتابةُ الحفظ ويُعاضِد النقشُ اللفظ. وكان هؤلاء الكُتاب من خيرة الصحابة، فيهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاوية، أبان بن سعيد، وخالد بن الوليد، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وثابت بن قيس، وغيرهم. وكان ﷺ يدلهم على موضع المكتوب من سورته، ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله ﷺ مرتباً حسب إرشاد النبي ﷺ وكان هذا الترتيب بتوقيف من جبريل ﵇، فقد ورد أن جبريل ﵇ كان يقول "ضعُوا كذا في موضع كذا" ولا ريب أن جبري لكان لا يصدر في ذلك إلا عن أمر الله . أما الصحابة- رضوان الله عليهم- فقد كان منهم من يكتبون القرآن، بالمقدار الذي يبلغ الواحد عن رسول الله ﷺ . ولم يلتزموا توالي السور وترتيبها، وذلك لأن أحدهم كان إذا حفظ سورةً أنزلت على رسول الله ﷺ أو كتبها، ثم خرج في سَرِيةٍ مثلاً فنزلت في وقت غيابه سورة، فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ثم يستدرك ما كان قد فاته في غيابه، فيجمعه ويتتَّبعه على حسب ما يسهل له، فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير بسبب ذلك. وقد كان من الصحابة من يعتمد على حفظه فلا يكتب جرياً على عادة العرب في حفظ أنسابها، واستظهار مفاخرها وأشعارها من غير كتابة. [ثم] ألقت الخلافة قيادها إلى أبي بكر ﵁ وواجهتْ أبا بكر في خلافته هذه أحداثٌ شِدادٌ ومشاكل صعاب. منها موقعة اليمامة سنة ١٢ اثنتي عشرة للهجرة. وفيها دارت رحى الحرب بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مُسَيْلمة الكذاب، وكانت معركة حامية

стр. 1630

الوطيس استُشهد فيه كثيرٌ من قُرَّاء الصحابة وحفظتهم للقرآن، ينتهي عددهم إلى السبعين، وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة، من أجَلِّهم سالم مولى أبي حذيفة. ولقد هالَ ذلك المسلمين، وعز الأمر على عمر، فدخل على أبي بكر وأخبره الخبر واقترح عليه أن يجمع القرآن، خشية الضياع بموت الحفاظ وقتل القراء. فتردد أبو بكر أول الأمر لأنه كان وقافاً عند حدود ما كان عليه الرسول ﷺ يخاف أن يجرَّه التجديد إلى التبديل، أو يسوقه الإنشاء والاختراع، إلى الوقوع في مهاوي الخروج والابتداع. ولكنه بعد مفاوضة بينه وبين عمر تجلَّى له وجهُ المصلحة فاقتنع بصواب الفكرة وشرح الله لها صدره، وعلم أن ذلك الجمع الذي يشير به عمر ما هو إلا وسيلة من أعظم الوسائل النافعة إلى حفظ الكتاب الشريف، والمحافظة عليه من الضياع والتحريف، وأنه ليس من محدثات الأمور الخارجة، ولا من البدع والإضافات الفاسقة. بل هو مُستمدٌّ من القواعد التي وضعها الرسول بتشريع كتابة القرآن، واتخاذ كُتَّاب للوحي، وجمع ما كتبوه عنده حتى مات صلوات الله وسلام عليه قال الإمام أبو عبد الله المحاسبي في كتاب فهم السنن ما نصُّه: "كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مُفرقاً في الرقاع، والأكتاف، والعسُب، فإنما أمر الصديق بنسخها من مكانٍ إلى مكان مجتمعاً، وكان ذلك بمنزلة أوراقٍ وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشراً، فجمعها جامع وربطها بخيط، حتى لا يضيع منها شيء" ا. هـ. اهتم أبو بكر بتحقيق هذه الرغبة، ورأى بنور الله أن يندب لتحقيقها رجلاً من خيرة رجالات الصحابة هو زيد بن ثابت ﵁، لأنه اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفَّاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وشهد العَرْضَة الأخيرة للقرآن في ختام حياته ﷺ . وكان فوق ذلك معروفاً بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه. فاستشار أبو بكر عمر في هذا فوافقه. وجاء زيدٌ فعرض أبو بكر عليه الفكرة، ورغَّب إليه أن يقوم بتنفيذها فتردد زيدٌ أول الأمر ولكن أبا بكرٍ ما زال به يعالج شكوكه، ويبين له وجه المصلحة، حتى اطمأن واقتنع بصواب ما نُدب إليه، وشرع يجمع، وأبو بكر وعمر

стр. 1631

وكبار الصحابة يشرفون عليه، ويعاونونه في هذا المشروع الجلل، حتى تمَّ لهم ما أرادوا ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. دستور أبي بكر في كتابة الصحف: وانتهج زيد في القرآن طريقةً دقيقة مُحكمة وضعها له أبو بكر وعمر، فيها ضمان لحياطة كتاب الله بما يليق به من تثبت بالغ وحذر دقيق، وتحريات شاملة، فلم يكتف بما حفظ قلبه، ولا بما كتب بيده، ولا بما سمع بأذنه. بل جعل يتتبَّع ويستقصي آخذاً على نفسه أن يعتمد في جمعه على مصدرين اثنين: أحدهما: ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ والثاني: ما كان محفوظاً في صدور الرجال. وبلغ من مبالغته في الحيطة والحذر أنه لم يقبل شيئاً من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدْلان أنه كُتب بين يدي رسول الله ﷺ . وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيدٌ بما تستحقُّ من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر عنده. ثم حفظها عمر بعده. ثم حفظتها أمُّ المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة عمر حتى طلبها منها خليفة المسلمين عثمان ﵁، حيث اعتمد عليها في استنساخ مصاحف القرآن. ثم ردّها إليها كما يأتيك بيانه إن شاء الله. مزايا هذه الصُّحف: وامتازت هذه الصحف. أولاً: بأنها جمعت القرآن على أدقِّ وجوه البحث والتحرِّي، وأسلم أُصول التثبُّت العلمي، كما سبق شرحه لك في الدستور السابق. ثانياً: أنه اقْتُصِرَ فيها على ما لم تُنسخ تلاوته. ثالثاً: أنها ظفرت بإجماع الأمة ليها، وتواتُر ما فيها. ولا يطعن في ذلك التواتر ما مرَّ عليك من أن آخر سورة براءة لم يوجد إلا عند أبو خزيمة، فإن المراد أنه لم يوجد مكتوباً إلا عنده، وذلك لا ينافي أنه وُجد محفوظاً عند كثرة غامرة من الصحابة بلغت حدَّ التواتر، وقد قلنا غير مرة: إن المعوَّل عليه وقتئذ كان هو الحفظ والاستظهار. وإنما اعتمد على

стр. 1632

الكتابة كمصدر من المصادر، زيادة في الاحتياط ومبالغة في الدقَّة والحذر (ولا يعزُبَنَّ عن بالك أن هذا الجمع كان شاملاً للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن تيسيراً على الأمة الإسلامية كما كانت الأحرف السبعة في الرقاع كذلك). جمع القرآن على عهد عثمان ﵁ اتسعت الفتوحات في زمن عثمان، واستبحر العمران، وتفرَّق المسلمون في الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن. وطال عهد الناس بالرسول والوحي والتنزيل. وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام، يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبيِّ بن كعب، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري. فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة، بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف بل كان هذا الشقاق أشد؛ لبعد عهد هؤلاء بالنبوة، وعدم وجود الرسول بينهم يطمئنون إلى حكمه، ويصدرون جميعاً عن رأيه. وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع أو التقوا على جهاد أعدائهم، يعجبون من ذلك. وكانوا يُمعنون في التعجب والإنكار، كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن. وتأدى بهم التعجب إلى الشكِّ والمداجاة، ثم إلى التأثيم والملاحاة وتيقظت الفتنة. أضف إلى ذلك أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار، ولم يكن من السهل عليهم أن يعرفوها كلها، حتى يتحاكموا إليها فيما يختلفون. إنما كان كل صحابي في إقليم يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن. ولم يكن بين أيديهم مصحف جامع يرجعون إليه فيما شجر بينهم من هذا الخلاف والشقاق البعيد. لهذه الأسباب والأحداث، رأى عثمان بثاقب رأيه، وصادق نظره، أن يتدارك الخرْق

стр. 1633

قبل أن يتسع على الراقع، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم، وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، ووضْع حدٍّ لذلك الاختلاف، وحسم مادة هذا النزاع، فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يرسل منها إلى الأمصار، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها، وألا يعتمدوا سواها وبذلك يرأبُ الصدع، ويجبر الكسر، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية نورهم الهادي في ظلام هذا الاختلاف، ومصباحهم الكشاف في ليل تلك الفتنة، وحكمهم العدل في ذاك النزاع والمراء، وشفاءهم الناجع من مصيبة ذلك الداء. تنفيذ عثمان لقرار الجمع: وشرع عثمان في تنفيذ هذا القرار الحكيم حوالي أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين من الهجرة، فعهد في نسخ المصاحف إلى أربعة من خيرة الصحابة وثقات الحفاظ، وهم زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهؤلاء الثلاثة الأخيرون من قريش. وأرسل عثمان إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر، فبعثت إليه بالصحف التي عندها، وهي الصحف التي جمع القرآن فيها على عهد أبي بكر ﵁، وأخذت لجنة الأربعة هؤلاء في نسخها، وجاء في بعض الروايات أن الذين ندبوا لنسخ المصاحف كانوا اثني عشر رجلاً وما كانوا يكتبون شيئاً إلا بعد أن يعرض على الصحابة ويقرُّوا أن رسول الله ﷺ قرأ على هذا النحو الذي نجده الآن في المصاحف. دستور عثمان في كتابة المصاحف: ومما تواضع عليه هؤلاء الصحابة أنهم كانوا لا يكتبون في هذه المصاحف إلا ما تحققوا أنه قرآن، وعلموا أنه قد استقر في العرضة الأخيرة، وما أيقنوا صحته عن النبي ﷺ مما لم يُنسخ. وإنما كتبوا مصاحف متعدِّدة، لأن عثمان ﵁ قصد إرسال ما وقع الإجماع عليه إلى أقطار بلاد المسلمين، وهي الأخرى متعددة.

стр. 1634

تحريق عثمان للمصاحف والصحف المخالفة: بعد أن أتم عثمان نسخ المصاحف عمل على إرسالها وإنفاذها إلى الأقطار، وأمر أن يحرق كل ما عداها مما يخالفها، سواء أكانت صحفاً أم مصاحف. وذلك ليقطع عرق النزاع من ناحية، وليحمل المسلمين على الجادَّة في كتاب الله من ناحية أخرى، فلا يأخذوا إلا بتلك المصاحف التي توافر فيها من المزايا ما لم يتوافر في غيرها. وهذه المزايا هي: (١) الاقتصار على ما ثبت بالتواتر، دون ما كانت روايته آحاداً. (٢) وإهمال ما نسخت تلاوته ولم يستقرَّ في العرضة الخيرة. (٣) وترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن. بخلاف صحف أبي بكر ﵁ فقد كانت مرتبة الآيات دون السور. (٤) وكتابتها بطريقة كانت تجمع وجوه القراءات المختلفة والأحرف التي نزل بها القرآن. (٥) وتجريدها من كل ما ليس قرآناً كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة شرحاً لمعنى، أو بياناً لناسخ ومنسوخ، أو نحو ذلك. وقد استجاب الصحابة لعثمان، فحرقوا مصاحفهم، واجتمعوا جميعاً على المصاحف العثمانية، حتى عبد الله بن مسعود الذي نقل عنه أنه أنكر أولاً مصاحف عثمان، وأنه أبى أن يحرق مصحفه، رجع وعاد إلى حظيرة الجماعة، حين ظهر له مزايا تلك المصاحف العثمانية، واجتماع الأمة عليها، وتوحيد الكلمة بها. ترتيب آيات القرآن انعقد إجماع الأمة على أن ترتيب آيات القرآن الكريم على هذا النمط الذي نراه اليوم بالمصاحف، كان بتوقيف من النبي ﷺ عن الله تعالى، وأنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه. بل كان جبريل ينزل بالآيات على الرسول ﷺ ويرشده إلى موضع كل آية من سورتها، ثم

стр. 1635

يقرؤها النبي ﷺ على أصحابه واستدل أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحدٌ. وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف، لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم. لكنهم لم يتمسكوا بها بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم، وعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعاً، ثم ساقوا روايات لمذهبهم كأدلة يستند إليها الإجماع. منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن حذيفة الثقفي قال: "كنت في الوفد الذي أسلموا من ثقيف: إلى أن جاء في هذه الرواية ما نصه: فقال لنا رسول الله ﷺ : طرأ عليَّ حزبٌ من القرآنِ فأردت ألا أخرج حتى أقضيه فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا نُحذِّبُه ثلاث سورٍ، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة، وحزب المفصَّل من "ق" حتى نختم قالوا: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ . واحتجوا لمذهبهم أيضاً بأن السور المتجانسة في القرآن لم يلتزم فيها الترتيب والولاء، ولو كان الأمر بالاجتهاد للوحظ مكانُ هذا التجانس والتماثل دائماً، لكن ذلك لم يكن، بدليل أن سور المسبحات لم ترتب على التوالي بينما هي متماثلة في افتتاح كل منها بتسبيح الله. بل فصل بين سورها بسورة "قد سمع" والممتحنة والمنافقين، وبدليل أن (طسم الشعراء وطسم القصص) لم يتعاقبا مع تماثلهما، بل فصل بينهما بسورة أقصر منهما وهي "طس". وقد أيد هذا المذهب أبو جعفر النحاس فقال: "المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث وائلة: أعطيتُ مكان التوراة السبع الطوال". وكذلك انتصر أبو بكر الأنباري لهذا المذهب فقال: "أنزل الله القرآن إلى سماء الدنيا ثم فرَّقه في بضع وعشرين سنة، فكانت السورة تنزل لأمرٍ يحدث والآية جواباً لمستخبر،

стр. 1636

ويقف جبريلُ النبي ﷺ على موضع السورة والآيات والحروف، كله من النبي ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها أفسد نظم القرآن". وأخرج ابن أشته في كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد أنزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما أنزلتا بالمدينة؟، فقال: قدمتا وأُلِّفَ القرآن على علم ممن ألَّفه به إلى أن قال: فهذا مما يُنْتَهى إليه ولا يُسأل عنه. أ. هـ. فوائد حول الرسم العثماني للمصحف: الفائدة الأولى: الدلالة في القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة بقدر الإمكان، وذلك أن قاعدة الرسم لوحظ فيها أن الكلمة إذا كان فيها قراءتان أو أكثر، كُتبت بصورة تحتمل هاتين القراءتين أو الأكثر. فإن كان الحرف الواحد لا يحتمل ذلك بأن كنت صورة الحرف تختلف باختلاف القراءات جاء الرسم على الحرف الذي هو خلاف الأصل، وذلك ليعلم جواز القراءة به وبالحرف الذي هو الأصل. وإذا لم يكن في الكلمة إلا قراءة واحدة بحرف الأصل رُسمت به. مثال الكلمة تكتب بصورة واحدة وتُقرأ بوجوه متعددة قوله تعالى ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ رسمت في المصحف العثماني هكذا: ﴿إن هدان لساحران﴾ من غير نقط ولا شكل ولا تشديد ولا تخفيف في نوني إن وهذان، ومن غير ألف ولا ياء بعد الذال من هذان. ومجيء الرسم كما ترى، كان صالحاً عندهم لأن يُقرأ بالوجوه الأربعة التي وردت كلها بأسانيد صحيحة. (أولها) قراءة نافع ومن معه إذ يشدِّدون نون "إن" ويخففون (هذان) بالألف. (ثانيها) قراءة ابن كثير وحده إذ يخفِّف النون في "إن" ويشدد النون في (هذان). (ثالثها) قراءة حفص إذ يخفف النون في "إن" و"هذان" بالألف.

стр. 1637

(رابعها) قراءة أبي عمرو بتشديد (إن) وبالياء وتخفيف النون في (هذين). الفائدة الثانية: إفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة، وذلك نحو قطع كلمة "أمْ" في قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ووصلها في قوله تعالى ﴿أمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إذ كتبت هكذا (أمن) بإدغام الميم الأولى في الثانية وكتابتهما ميماً واحدة مشددة، فقطع أمْ الأولى في الكتابة للدلالة على أنها أمْ المنقطعة التي بمعنى بل ووصل أمْ الثانية للدلالة على أنها ليست كتلك. الفائدة الثالثة: الدلالة على معنى خفيٍ دقيق كزيادة الياء في كتابة كلمة "أيدٍ" من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بأيدٍ﴾ إذ كتبت (بأييد) وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ومن هذا القبيل كتابة هذه الأفعال الأربعة بحذف الواو وهي: "ويَدْعُو الإنسانُ، ويمحُو الله الباطل، يوم يدْعُو الدَّاع، سندْعُوا الزبانية" فإنها كتبت في المصحف العثماني هكذا: "ويدْعُ الإنسانُ، ويمْحُ الله الباطل، يوم يدْعُ الداعِ، سندْعُ الزبانيةَ" ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع. قالوا: والسرُّ في حذفها من ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ هو للدلالة على أن هذا الدعاء سهل على الإنسان يسارع فيه كما يسارع إلى الخير بل إثبات الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير. والسرُّ في حذفها من ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ الإشارة إلى سرعة ذهابه واضمحلاله. والسرُّ في حذفها من ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ الإشارة إلى سرعة الدعاء وسرعة إجابة الداعين. والسر في حذفها من ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ الإشارة إلى سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش! ويجمع هذه الأسرار قول المراكشي:

стр. 1638

"والسرُّ في حذفها من هذه الأربعة سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود". ا. هـ. الفائدة الرابعة: الدلالة على أصل الحركة مثل كتابة الكسرة ياء في قوله سبحانه ﴿وإيتاء ... ذِي الْقُرْبَى﴾ إذ تكتب هكذا ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ومثل كتابة الضمة واواً في قوله سبحانه ﴿سأريكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ إذ كتبت هكذا ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ ومثل ذلك الدلالة على أصل الحرف في نحو الصلاة والزكاة إذ كتبا هكذا: "الصلوة، الزكوة" ليفهم أن الألف فيهما منقلبة عن واو من غير نقط ولا شكل. الفائدة الخامسة: إفادة بعض اللغات الفصيحة، مثل كتابة هاء التأنيث تاء مفتوحة دلالة على لغة طيئ ومثل قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يأْتِي لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ كتبت بحذف الياء هكذا (يأتِ) للدلالة على لغة هذيل. الفائدة السادسة: حملُ الناس على أن يتلقوا القرآن من صدور ثقات الرجال، ولا يتَّكلوا على هذا لرسم العثماني الذي جاء غير مطابق للنطق في الجملة وينضوي تحت هذه الفائدة مزيَّتان: (إحداهما): التوثق من ألفاظ القرآن وطريقة أدائه وحسن ترتيله وتجويده فإن ذلك لا يمكن أن يعرف على وجه اليقين من المصحف، مهما تكن قاعدة رسمه واصطلاح كتابته. فقد تخطيء المطبعة في الطبع، وقد يخفى على القارئ بعض أحكام تجويده، كالقلقلة والإظهار والإخفاء والإدغام والروم والإشمام ونحوها، فضلاً عن خفاء تطبيقها. ولهذا قرر العلماء أنه لا يجوز التعويل على المصاحف وحدها. بل لابدَّ من التثبُّت في الأداء والقراءة، بالأخذ عن حافظٍ ثقةٍ. وإن كنت في شكٍّ فقل لي بربك: هل يستطيع المصحف وحده بأيِّ رسم يكون، أن يدل قارئاً أيًّا كان على النطق الصحيح بفواتح السور

стр. 1639

الكريمة؟ مثل "كهيعص، حم عسق، طسم"؟؟؟ ومن هذا الباب الروم والإشمام في قوله سبحان ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ من كلمة "لا تأْمَنَّا"!. (المزية الثانية): اتصال السند برسول الله ﷺ ؛ وتلك خاصة من خواصِّ هذه الأمة الإسلامية امتازت بها على سائر الأمم. هل رسم المصحف توقيفي ؟ للعلماء في رسم المصحف آراء ثلاثة: (الرأي الأول): أنه توقيفي لا تجوز مخالفته. وذلك مذهب الجمهور، واستدلوا بأن النبي ﷺ كان له كُتَّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن فعلاً بهذا الرسم وأقرَّهم الرسول على كتابتهم، ومضى عهده ﷺ والقرآن على هذه الكَتْبَة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل. ثم جاء أبو بكر فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف، ثم حذا حَذْوَه عثمان في خلافته، فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف على تلك الكتبة وأقر أصحابُ النبي ﷺ عمل أبي بكر وعثمان ﵃ أجمعين، وانتهى المر بعد ذلك إلى التابعين وتابعي التابعين، فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم، ولم ينقل أن أحداً منهم فكَّر أن يستبدل به رسماً آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف، ونشاط التدوين، وتقدم العلوم. بل بقي الرسم العثماني محترماً متبعاً في كتابة المصاحف لا يُمسُّ استقلاله، ولا يُباح حِمَاه!. وأنت خبير بأن اتباع الرسول واجب فيما أمر به أو أقرَّ عليه لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ والاهتداء بهدي الصحابة واجب خصوصاً الخلفاء الراشدين، لحديث العِرْبَاض بن سارية وفيه يقول ﷺ : "فإنه من يعشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتي وسنَّة الخُلفاء الراشدين منْ بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ" ولا ريب أن إجماع الأمة في أي عصر واجب الاتباع، خصوصاً العصر الأول. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وانعقادُ الإجماع على تلك المصطلحات في رسم المصحف دليل على أنه لا يجوز العدول

стр. 1640

عنها إلى غيرها. (الرأي الثاني): أن رسم المصاحف اصطلاحي لا توقيفي، وعليه فتجوز مخالفته وممن جنح إلى هذا الرأي ابن خلدون في مقدمته. وممن تحمَّس له القاضي أبو بكر في "الانتصار". (الرأي الثالث): هو ما ذكره صاحب "التبيان" وهاك كلامه: وأما كتابته - أي المصحف- على ما أحدث الناس من الهجاء، فقد جرى عليه أهل المشرق، بناء على كونها أبعد من اللبس، وتحاماه أهل المغرب بناء على قول الإمام مالك وقد سئل. هل يكتب المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء؟ فقال: "لا: إلا على الكتبة الأولى". قال في البرهان: قلت: وهذا كان في الصدر الأول، والعلم حيٌّ غضٌّ. وأما الآن فقد يخشى الالتباس، ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "لا تجوز كتابة المصحف الآن إل على الرسم الأول باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير من الجهال. ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء قد أحكمته القدماء لا يترك مراعاةً لجهل الجاهلين. "ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة" ا. هـ. أقول: ينبغي أن يراعي في كتابة المصاحف الرسم العثماني لأن القراءات جميعها تحفظ به، ولأن المأثور عن رسول الله وصحبه وعليه أجمعت الأمة. أما في المكاتبات العادية وفي الكتب المؤلفة فلا حرج أن يكتب شيء من المصحف بالإملاء المتعارف عليه عند أهل عصر من العصور. عدد المصاحف: اختلفوا في عدد المصاحف التي استنسخها عثمان ﵁، فصوَّبَ ابن عاشر أنها ستة: المكي، والشامي، والبصري، والكوفي، والمدني العام الذي سيَّره عثمان ﵁ من محل نسخه إلى مقره، والمدني الخاص به الذي حبسه لنفسه وهو المسمى بالإمام. وذهب السيوطي وابن حجر إلى أنها خمسة. ولعلهما أرادا بالخمسة ما عدا المصحف الإمام

стр. 1641

فيكون الخلاف لفظياً بينه وبين سابقيه. وقيل إنها ثمانية: خمسة متفق عليها وهي الكوفي والبصري ولشامي والمدني العام والمدني الخاص، وثلاثة مختلف فيها وهي المكي، ومصحف البحرين، ومصحف اليمن وقيل إن عثمان ﵁ أنفذ إلى مصر مصحفاً. ولعل القول بأن عددها ستة، هو أولى الأقوال بالقبول. والمفهوم على كل حال أن عثمان ﵁، قد استنسخ عدداً من المصاحف يفي بحاجة الأمة وجمع كلمتها. كيف أنفذ عثمان المصاحف العثمانية ؟ كان الاعتماد في نقل القرآن - ولا يزال - على التلقي من صدور الرجال ثقةً عن ثقة وإماماً عن إمام إلى النبي ﷺ . لذلك اختار عثمان حُفَّاظاً يثق بهم وأنفذهم إلى الأقطار الإسلامية واعتبر هذه المصاحف أصولاً ثواني مبالغة في الأمر، وتوثيقاً للقرآن ولجمع كلمة المسلمين. فكان يرسل إلى كل إقليم مصحفه ما من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب، ثم نقل التابعون عن الصحابة فقرأ أهل كل مصر بما في مصحفهم تلقياً عن الصحابة الذين تلقوه من فم النبي ﷺ فقاموا في ذلك مقام الصحابة الذين تلقوه من فم النبي ﷺ . ثم تفرغ قوم للقراءة والأخذ والضبط، حتى صاروا في هذا الباب أئمة يرحل إليهم ويؤخذ عنهم، وأجمع أهل بلدهم على تلقي قراءتهم واعتماد روايتهم. ومن هنا نسبت القراءة إليهم، وأجمعت الأمة - وهي معصومة من الخطأ في إجماعها - على ما في هذه المصاحف، وعلى ترك كل ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال، لأنه لم يثبت عندهم ثبوتاً متواتراً أنه من القرآن. المصاحف في دور التجويد والتحسين: المعروف أن المصحف العثماني لم يكن منقوطاً، وهو بقاء الكلمة محتملة لأن تقرأ بكل ما يمكن من وجوه القراءات فيها. بيد أن المؤرخين يختلفون، فمنهم من يرى أن الإعجام كان معروفاً قبل الإسلام ولكن تركوه عمداً في المصاحف. ومنهم من يرى أن النقط لم يعرف إلا من بعدُ على يد أبي الأسود الدُّؤَلِيِّ.

стр. 1642

وسواء أكان هذا أم ذاك فإن إعجام المصاحف لم يحدث على المشهور إلا في عهد عبد الملك بن مروان إذ رأى أن رقعة الإسلام قد اتسعت، واختلط العرب بالعجم، وكادت العجمة تمسُّ سلامة اللغة، وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف يُلِحُّ بالناس، حتى ليشق على السوادِ منهم أن يهتدوا إلى التمييز بين حروف المصحف وكلماته وهي غير معجمة. هنالك رأى بثاقب نظره أن يتقدم للإنقاذ، فأمر الحجاج أن يُعنى بهذا الأمر الجلل، وندب الحجاجُ - طاعةً لأمير المؤمنين - رجلين جليلين يعالجان هذا المشكل، هما نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني. وكلاهما كفء قدير على ما نُدب له، إذ جمعا بين العلم والعمل، والصلاح والورع، والخبرة بأصول اللغة ووجوه قراءة القرآن وقد اشتركا أيضاً في التلمذة والأخذ عن أبي السود الدؤلي. ويرحم الله هذين الشيخين، فقد نجحا في هذه المحاولة، وأعجما المصحف الشريف لأول مرة، ونقطا جميع حروفه المتشابهة، والتزما ألا تزيد النقط في أيِّ حرف على ثلاث. وشاع ذلك في الناس بعد، فكان له أثره العظيم في إزالة الإشكال واللبس عن المصحف الشريف. وقيل: إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي، وإن ابن سيرين كان له مصحف منقوط، نقطه يحيى بن يعمر. ويمكن التوفيق بين هذه الأقوال بأن أبا الأسود أول من نقط المصحف ولكن بصفة فردية، ثم تبعه ابن سيرين، وأن عبد الملك أول منْ نقط المصحف، ولكن بصفة رسمية عامة، ذاعت وشاعت بين الناس، دفعاً للبس والإشكال عنهم في قراءة القرآن. واتفق المؤرخون على أن العرب في عهدهم الأول، لم يكونوا يعرفون شكل الحروف والكلمات فضلاً عن أن يشكلوها. ذلك لأن سلامة لغتهم، وصفاء سليقتهم وذلاقة ألسنتهم كل أولئك كان يغنيهم عن الشكل. ولكن حين دخلت الإسلام أمم جديدة؛ منهم العجم الذين لا يعرفون العربية، بدأت العجمة تحيف على لغة القرآن. بل قيل إن أبا الأسود الدؤلي سمع قارئاً يقرأ قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. فقرأها بجر اللام من كلمة ٠ رسوله). فأفزع هذا اللحنُ الشنيع أبا الأسود وقال: عزَّ وجه الله أن يبرأ

стр. 1643

من رسوله، ثم ذهب إلى زياد والي البصرة وقال له: وقد أجبتك إلى ما سألت. وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب الله، فتباطأ في الجواب حتى رعه هذا الحادث، وهنا جّدَّ جِدُّه، وانتهى به اجتهاده إلى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، وجعل علامة الكسر نقطة أسفله، وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف، وجعل علامة السكون نقطتين. طفق الناس ينهجون منهجه، ثم امتدَّ الزمان بهم فبدؤوا يزيدون ويبتكرون، حتى جعلوا للحرف المشدَّد علامة كالقوس، لألف الوصل جرَّة فوقها أو تحتها أو وسطها، على حسب ما قبلها من فتحة أو كسرة أو ضمة. ودامت الحال على هذا حتى جاء عبد الملك بن مروان، فرأى بنافذ بصيرته أن يميز ذوات الحروف من بعضها، وأن يتخذ سبيله إلى ذلك التمييز بالإعجام والنقط، وهنالك اضطرَّ أن يستبدل بالشكل الأول الذي هو النقط، شكلاً جديداً هو ما نعرفه اليوم من علامات الفتحة والكسرة والضمة والسكون. والذي اضطره إلى هذا الاستبدال، أنه لو أبقى العلامات الأولى على ما هي عليه نقطاً، ثم جاءت هذه الأخرى نقطاً كذلك لتشابها واشتبه الأمر. فميز بين الطائفتين بهذه الطريقة. ونِعمَّا فَعَلَ! حُكْمُ نقط المصحف وشكله: كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله، مبالغةً منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، وخوفاً من أن يؤدي ذلك إلى التغيير فيه. ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال: جرِّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء. وما روي عن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم إلى غير ذلك. ولكن الزمان تغيَّر- كما علمت - فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكل لنفس ذلك السبب أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، وخوفاً من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه. فمعقولٌ حينئذ أن يزول القول بكراهة ذينك الإعجام والشكل، ويحلَّ محلَّه القول بوجوب أو باستحباب الإعجام والشكل. لما هو مقرر من أن الحكم يدور مع علته وجوداً

стр. 1644

وعدماً. قال النووي في كتابه التبيان ما نصه: قال العلماء: ويستحب نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة من اللحن فيه. وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط، فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفاً من التغيير فيه. وقد أُمن ذلك اليوم فلا يمنع من ذلك لكنه محدثاً، فإنه من المحدثات الحسنة، فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك. والله أعلم ا. هـ. تجزئة القرآن: كانت المصاحف العثمانية مجردة من التجزئة التي نذكرها، كما كانت مجردة من النقط والشكل. ولما امتدَّ الزمان بالناس جعلوا يَفْتَنُّونَ في المصاحف وتجزئتها عدة تجزئات مختلفة الاعتبارات. فمنهم من قسم القرآن ثلاثين سماً، وأطلقوا على كل قسم منها اسم الجزء بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره، حتى إذا قال قائل: قرأت جزءاً من القرآن تبادر إلى الذهن أنه قرأ جزءاً من الثلاثين جزءاً التي قسموا المصحف إليها. وجرى على ذلك أصحاب الربعات، إذ طبعوا كل جزء في نسخة مستقلة، ومجموع النسخ الجامعة للقرآن كله يسمونه (رَبْعة). ويوجد من هذا القبيل أجزاء مستقلة بالطبع بأيدي صغار التلاميذ في المدارس وغيرهم. ومن الناس من قسموا الجزء إلى حزبين، ومن قسموا الحزب إلى أربعة أجزاء سموا كل واحد منها رُبْعاً. ومن الناس من وضعوا كلمة خمس، عند نهاية كل خمس آيا تمن السورة، وكلمة عشر عند نهاية كل عشر آيات منها، فإذا انقضت خمس أخرى بعد العشر أعادوا كلمة خمس، فإذا صارت هذه الخمس عشراً أعادوا كلمة عشر وهكذا دواليك إلى آخر السورة. وبعضهم يكتب في موضع الأخماس رأس الخاء بدلاً من كلمة خمس، ويكتب في موضع الأعشار رأس العين بدلاً من كلمة عشر. وبعض الناس يرمز إلى رؤوس الآي برقْمِ عددها من السورة أو من غير رقم. وبعضهم يكتب فواتح للسور كعنوان يُنوِّه فيه باسم السورة وما فيها من الآيات المكية والمدنية إلى غير ذلك.

стр. 1645

وللعلماء في ذلك كلام طويل، بين الجواز بكراهة والجواز بلا كراهة، ولكن الخطب سهل على كل حال، مادام الغرض هو التيسير والتسهيل، وما دام الأمر بعيداً عن اللبس والتزيُّد والدخيل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.

стр. 1646

النصوص - في عرضة جبريل الأخيرة على رسول الله ﷺ : ٢٤٧٤ - * روى البزار عن سمُرَة عن النبي ﷺ قال عُرِضَ القرآنُ على رسول الله ﷺ ثلاث عرضاتٍ، قال: فيرون أن قراءتنا هي الأخيرةُ، فلا أدري في هذا الحديث أو غيره- يعني فيرون أن قراءتنا. أقول: في هذا النص دلالة على أن ترتيب القرآن توقيفي عن رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇ عن الله وقد ذكرنا في كتابنا (الأساس في التفسير) من أسرار ترتيب القرآن ما يعتبر وحده من المعجزات العظمى في هذا القرآن ولهذا الدين. ٢٤٧٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريلُ، وكان يلقاه جبريلُ في كل ليلةٍ من رمضان، فيُدارسُه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الريح المرسلة". وفي رواية (١) نحوه قال: "وكان جبريل يلقاه كل ليلةٍ من رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن". ٢٤٧٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان يُعْرَضُ على النبي ﷺ القرآنُ كلَّ عامٍ مرةً، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه". قوله يُعْرَضُ على النبي ﷺ القرآن: فيها روايتان: بضم أوله على البناء للمجهول،

стр. 1647

وبفتح أوله بحذف الفاعل، والمحذوف هو جبريل كما في بعض الروايات ... (فتح الباري ٩/ ٤٦). أقول: إن مدارسة القرآن من قبل جبريل لرسول الله ﷺ وعرض جبريل القرآن على النبي ﷺ ، كل ذلك مما يستأنس به على أن ترتيب القرآن توقيفي، لأن المدارسة والعرض يقتضيان ترتيباً. - في جمع القرآن: ٢٤٧٧ - * روى البخاري عن زيد بن ثابتٍ ﵁ قال: أرسل إليَّ أبو بكر، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني، فقال: إن القتل قد استحَرَّ يوم اليمامة بقُرَّاء القرآن، وإنِّي أخشى أن يستحِرَّ القتل بالقُراء في كل المواطن، فيذهب من القرآن كثيرٌ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قال: قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خيرٌ، فلم يزل يُراجعني في ذلك، حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمُك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيدٌ: فوالله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن، قال: قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خيرٌ، قال: فلم يزل أبو بكر يُراجعني - وفي أخرى: فلم يزل عمر يراجعني - حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، قال: فتتبعتُ القرآن أجمعه من الرقاع والعُسُب، واللخافِ، وصدور الرِّجال (١)،

стр. 1648

حتى وجدت آخِرَ سورةِ التوبة مع خُزيمة - أو أبي خزيمة الأنصاري- لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) خاتمة براءة، قال: فكانت الصُّحُفُ عند أبي بكر، حتى توفاه الله، ثم عند عمر، حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر. قال بعض الرواة فيه: اللخافُ: يعني: الخَزَفَ. ٢٤٧٨ - * روى ابن خزيمة عن علقمة، قال: "جاء رجل إلى عمر وهو يعرفه، فقال: يا أمير المؤمنين، جئتُ من الكوفة وتركتُ بها رجلاً يُملي المصاحف عن ظهر قلبه. قال: فغضب عمر انتفخ حتى كاد يملأُ ما بين شُعبتي الرحل، فقال: من هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود. قال: فما زال يُسرَّى عنه الغضب ويُطفأُ حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك ما أعلم بقي أحدٌ أحقُ بذلك منه. وسأحدثُك عن ذلك. كان رسول الله ﷺ لا يزال يسمُرُ عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين، وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله ﷺ يمشي وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله ﷺ يسمعُ قراءته، فلما كدنا أن نعرف الرجل، قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أُنزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبدٍ". قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "سل تُعْطَهْ"، مرتين. قال: فقال عمر: فقلت: والله لأغدون إليه فلأبشرنه، قال: فغدوتُ إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشره، ولا والله ما سابقته إلى خير قطُّ إلا سبقني. هذا حديث أبي موسى. غير أنه لم يقل وانتفخ.

стр. 1649

وقال سلم بن جنادة: فما زال يُسرَّى عنه، وقال: واقف بعرفة، ولم يقل: لا يزال، وقال: يستمع قراءته، وقال: فقال عمر: والله لأغدونَّ إليه". أقول: هاتان الروايتان تؤكدان أن الجمع للقرآن كان جمعاً لما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لأن إظهار عمر الغضب ممن يملي القرآن من حفظه ليكتبه الناس دليل على ذلك ولم يخفف عن عمر إلا معرفته بإتقان المملي. - جمع عثمان الناس على رسم واحد: ٢٤٧٩ - * روى البخاري عن محمد بن شهاب الزُّهريِّ ﵀ عن أنسٍ، أن حُذيفة ابن اليمان قدم على عثمان - وكان يُغازي أهل الشام في فتح إرْمينيَّة وأذربيجان مع أهل العراق - فأفزع حُذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نرُدُّها إليك، فأرسلتْ بها إليه، فأمر زيد بن ثابتٍ وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوُها في المصاحف، وال عثمان للرهْطِ القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابتٍ في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفقٍ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرقَ. قال ابن شهابٍ: وأخبرني خارجة بن زيدٍ بن ثابت: أنه سمع زيد بن ثابت يقول: فقدتُ آيةً من سورة الأحزاب - حين نسختُ الصحف- قد كنتُ أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١) فألحقناها في سورتها من المصحف. قال في رواية (٢) أبي اليمان: خُزيمة بن ثابتٍ الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين.

стр. 1650

زاد في رواية أخرى (١): قال ابن شهابٍ: اختلفوا يومئذ في (التابوت) فقال زيد: (التابوهُ) وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص (التابوت) فرُفع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه (التابوت) فإنه بلسان قُريش. أقول: قوله: (اختلفوا يومئذ في التابوت فقال زيد: التابوه): هذا نموذج على حرف من الأحرف السبعة التي كان يُقرئ بها رسول الله ﷺ ملاحظاً لغات العرب ولهجاتها وقد قدم الصحابة مصلحة اجتماع الأمة على رسم واحد للقرآن على أي مصلحة أخرى وتفرع عن هذا التصرف أن بنى فقهاء المسلمين على ذلك فروعاً منها: أن لإمام المسلمين أن يفرض على الأمة حكماً متخيراً من أقوال أئمة الاجتهاد لوحدة القضاء. ٢٤٨٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر: أُبيُّ أقرأنا وإنا لندعُ من لحن أُبي، وأبيٌّ يقول: أخذتُ من فيِّ رسول الله ﷺ ، فلا أتركُه لشيءٍ، وقال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٢).
следующие страницы →