النصوص
- في عرضة جبريل الأخيرة على رسول الله ﷺ :
٢٤٧٤ - * روى البزار عن سمُرَة عن النبي ﷺ قال عُرِضَ القرآنُ على رسول الله ﷺ ثلاث عرضاتٍ، قال: فيرون أن قراءتنا هي الأخيرةُ، فلا أدري في هذا الحديث أو غيره- يعني فيرون أن قراءتنا.
أقول: في هذا النص دلالة على أن ترتيب القرآن توقيفي عن رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇ عن الله وقد ذكرنا في كتابنا (الأساس في التفسير) من أسرار ترتيب القرآن ما يعتبر وحده من المعجزات العظمى في هذا القرآن ولهذا الدين.
٢٤٧٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريلُ، وكان يلقاه جبريلُ في كل ليلةٍ من رمضان، فيُدارسُه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الريح المرسلة".
وفي رواية (١) نحوه قال: "وكان جبريل يلقاه كل ليلةٍ من رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن".
٢٤٧٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان يُعْرَضُ على النبي ﷺ القرآنُ كلَّ عامٍ مرةً، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه".
قوله يُعْرَضُ على النبي ﷺ القرآن: فيها روايتان: بضم أوله على البناء للمجهول،
стр. 1647
وبفتح أوله بحذف الفاعل، والمحذوف هو جبريل كما في بعض الروايات ... (فتح الباري ٩/ ٤٦).
أقول: إن مدارسة القرآن من قبل جبريل لرسول الله ﷺ وعرض جبريل القرآن على النبي ﷺ ، كل ذلك مما يستأنس به على أن ترتيب القرآن توقيفي، لأن المدارسة والعرض يقتضيان ترتيباً.
- في جمع القرآن:
٢٤٧٧ - * روى البخاري عن زيد بن ثابتٍ ﵁ قال: أرسل إليَّ أبو بكر، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني، فقال: إن القتل قد استحَرَّ يوم اليمامة بقُرَّاء القرآن، وإنِّي أخشى أن يستحِرَّ القتل بالقُراء في كل المواطن، فيذهب من القرآن كثيرٌ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قال: قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خيرٌ، فلم يزل يُراجعني في ذلك، حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمُك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيدٌ: فوالله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن، قال: قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خيرٌ، قال: فلم يزل أبو بكر يُراجعني - وفي أخرى: فلم يزل عمر يراجعني - حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، قال: فتتبعتُ القرآن أجمعه من الرقاع والعُسُب، واللخافِ، وصدور الرِّجال (١)،
стр. 1648
حتى وجدت آخِرَ سورةِ التوبة مع خُزيمة - أو أبي خزيمة الأنصاري- لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) خاتمة براءة، قال: فكانت الصُّحُفُ عند أبي بكر، حتى توفاه الله، ثم عند عمر، حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.
قال بعض الرواة فيه: اللخافُ: يعني: الخَزَفَ.
٢٤٧٨ - * روى ابن خزيمة عن علقمة، قال: "جاء رجل إلى عمر وهو يعرفه، فقال: يا أمير المؤمنين، جئتُ من الكوفة وتركتُ بها رجلاً يُملي المصاحف عن ظهر قلبه. قال: فغضب عمر انتفخ حتى كاد يملأُ ما بين شُعبتي الرحل، فقال: من هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود. قال: فما زال يُسرَّى عنه الغضب ويُطفأُ حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك ما أعلم بقي أحدٌ أحقُ بذلك منه. وسأحدثُك عن ذلك. كان رسول الله ﷺ لا يزال يسمُرُ عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين، وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله ﷺ يمشي وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله ﷺ يسمعُ قراءته، فلما كدنا أن نعرف الرجل، قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أُنزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبدٍ". قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "سل تُعْطَهْ"، مرتين. قال: فقال عمر: فقلت: والله لأغدون إليه فلأبشرنه، قال: فغدوتُ إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشره، ولا والله ما سابقته إلى خير قطُّ إلا سبقني. هذا حديث أبي موسى. غير أنه لم يقل وانتفخ.
стр. 1649
وقال سلم بن جنادة: فما زال يُسرَّى عنه، وقال: واقف بعرفة، ولم يقل: لا يزال، وقال: يستمع قراءته، وقال: فقال عمر: والله لأغدونَّ إليه".
أقول: هاتان الروايتان تؤكدان أن الجمع للقرآن كان جمعاً لما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لأن إظهار عمر الغضب ممن يملي القرآن من حفظه ليكتبه الناس دليل على ذلك ولم يخفف عن عمر إلا معرفته بإتقان المملي.
- جمع عثمان الناس على رسم واحد:
٢٤٧٩ - * روى البخاري عن محمد بن شهاب الزُّهريِّ ﵀ عن أنسٍ، أن حُذيفة ابن اليمان قدم على عثمان - وكان يُغازي أهل الشام في فتح إرْمينيَّة وأذربيجان مع أهل العراق - فأفزع حُذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نرُدُّها إليك، فأرسلتْ بها إليه، فأمر زيد بن ثابتٍ وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوُها في المصاحف، وال عثمان للرهْطِ القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابتٍ في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفقٍ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرقَ.
قال ابن شهابٍ: وأخبرني خارجة بن زيدٍ بن ثابت: أنه سمع زيد بن ثابت يقول: فقدتُ آيةً من سورة الأحزاب - حين نسختُ الصحف- قد كنتُ أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١) فألحقناها في سورتها من المصحف.
قال في رواية (٢) أبي اليمان: خُزيمة بن ثابتٍ الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين.
стр. 1650
زاد في رواية أخرى (١): قال ابن شهابٍ: اختلفوا يومئذ في (التابوت) فقال زيد: (التابوهُ) وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص (التابوت) فرُفع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه (التابوت) فإنه بلسان قُريش.
أقول: قوله: (اختلفوا يومئذ في التابوت فقال زيد: التابوه):
هذا نموذج على حرف من الأحرف السبعة التي كان يُقرئ بها رسول الله ﷺ ملاحظاً لغات العرب ولهجاتها وقد قدم الصحابة مصلحة اجتماع الأمة على رسم واحد للقرآن على أي مصلحة أخرى وتفرع عن هذا التصرف أن بنى فقهاء المسلمين على ذلك فروعاً منها: أن لإمام المسلمين أن يفرض على الأمة حكماً متخيراً من أقوال أئمة الاجتهاد لوحدة القضاء.
٢٤٨٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر: أُبيُّ أقرأنا وإنا لندعُ من لحن أُبي، وأبيٌّ يقول: أخذتُ من فيِّ رسول الله ﷺ ، فلا أتركُه لشيءٍ، وقال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٢).
стр. 1651
قال الحافظ: وكان أبي بن كعب لا يرجع عما حفظه من القرآن الذي تلقاه عن رسول الله ﷺ ولو أخبره غيره أن تلاوته نسخت، لأنه إذا سمع ذلك من رسول الله ﷺ حصل عنده القطع به، فلا يزول عنه بإخبار غيره أن تلاوته نسخت، وقد استدل عليه عمر بالآية الدالة على النسخ، وهو من أوضح الاستدلال في ذلك.
أقول: إذا كان لأُبيِّ وأمثاله من الصحابة عذر بسبب ما ذكره الحافظ فإنه لا حجة لأحد بعدهم أن يخالف رسم المصحف لقراءة شاذة عن ذلك لمخالفة المتواتر والإجماع. وفي هذا النص توضيح لما ذكر من قبل أن المصحف العثماني خلا مما نسخت تلاوته.
- في وقوع النسخ في القرآن:
٢٤٨١ - * روى الترمذي عن أبي رفعه: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ عليه لم يكن الذين كفروا، وقرأ فيها، إن الدين عند الله الحنيفيةُ المسلمة لا اليهوديةُ ولا النصرانية ولا المجوسية، ومن يعمل خيراً فلن يُكفرهُ، وقرأ فيها، لو أن لابن آدم وادياً من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو أن له ثانياً لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".
٢٤٨٢ - * روى أحمد: أن أُبياً قرأ لم يكن حتى بلغ ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، ثم قرأ: (إن الدين عند الله الحنيفية) إلى آخر الزيادة، فقال: ثم ختم ما بقي من السورة.
أقول: ما ورد في هذه الرواية من باب المنسوخ التلاوة ولذلك لم يدخل في المصحف الإمام، وفي هذه الرواية تفصيل لما كان يحافظ عليه أبي بسبب ما ذكرناه.
٢٤٨٣ - * (١) روى مسلم عن أبي الأسود الدؤلي ﵀ قال: بعث أبو مُوسى إلى قُرَّاء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجلٍ قد قرؤوا القرآن، فقال: أنت خيارُ أهل البصرةِ
стр. 1652
وقراؤهم، فاتلُوهُ، ولا يطولنَّ عليكم الأمدُ، فتقسُو قلوبكم، كما قستْ قلوبُ من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتُها، غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المُسبِّحات فأنسيتُها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا، لم تقولن ما لا تفعلون؟ فتكتبُ شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة.
أقول: في النص توضيح وتعريف على بعض منسوخ التلاوة من القرآن الكريم، وهو مما جرد من القرآن في المصحف الذي نسخ في عهد أبي بكر وفي نسخ المصاحف العثمانية، ومن المعروف أن أبا موسى قد أرسله عثمان مع نسخة من نسخ المصاحف العثمانية إلى أهل البصرة ليجمع الناس على الرسم العثماني للمصحف. وفي كلام أبي موسى توضيح لقُرَّاء البصرة أن هناك من القرآن ما هو منسوخ التلاوة وأن هذا المنسوخ لا يعتبر قرآنا، وفي ذلك إشارة إلى أن المصاحف العثمانية قد جردت من منسوخ التلاوة.
وقد تعدد الروايات التي تشير إلى وقوع النسخ في التلاوة وهي صحيحة كما ترى.
وبعض العلماء يرى أن نسخ التلاوة غير موجود وأن هذه الروايات إما خطأ من الصحابة بحيث ظن ما ليس بقرآن أصلاً أنه كان قرآناً ثم نسخ، أو أن الروايات معلولة. وبعضهم رأى أنه حتى نثبت وقوع نسخ التلاوة لابد من التواتر .. والرم في ظننا لا يحتاج إلى تواتر ما دام أنها قد نسخت. أما ما يقال إن هذه النماذج التي عرضت ليس فيها أسلوب القرآن فلا دليل على أنها كانت قرآناً ثم نسخت، فيجاب أن هذا طبيعي لأن الآية نسخ فلم يعد فيها سر القرآن ولا روحه ولا إعجازه، ثم إنه ربما تكون قد رويت بالمعنى وتصرف فيها الرواة فلا حجة في ذلك .. واحتج الذين قالوا إنه لا نسخ تلاوة وأن ما ورد على أنه منسوخ تلاوة سببه ظن خاطيء من بعض الصحابة بروايات عدة منها:
٢٤٨٤ - * روى البخاري: قال ابن عباس سمعت رسول الله ﷺ يقول: (١) "لو أن
стр. 1653
لابن آدم ملء وادٍ مالاً لأحبَّ أن له إليه مثله؛ ولا يملأُ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". قال ابن عباس: فلا أدري من القرآن هو أم لا. قال: وسمعت ابن الزبير يقول ذلك على المنبر.
وهذه الروايات نفسها وردت مصرح فيها أنها من لفظ رسول الله ﷺ .
٢٤٨٥ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً، ولا يملأُ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".
٢٤٨٦ - * روى البخاري عن عباس بن سهل بن سعد قال: "سمعت ابن الزبير على المنبر بمكة في خطبته يقول: يا أيها الناس، إن النبي ﷺ كان يقول: "لو أن ابن آدم أُعطي وادياً ملآن من ذهب أحبَّ إليه ثانياً، ولو أعطي ثانياً أحب إليه ثالثاً، ولا يسدُّ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب".
٢٤٨٧ - * روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان؛ ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".
وقالوا: كيف نستطيع أن نفهم حديث عائشة الذي رواه مسلم إن كان من منسوخ التلاوة، وليس من خطأ الصحابة وهو:
٢٤٨٨ - * روى الجماعة إلا البخاري عن عائشة ﵂ قالت (١): "كان فيما
стр. 1654
أنزل من القرآن: عشرُ رضعات معلومات تُحرِّمن، ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتوفِّي رسول الله صلى الله لعيه وسلم وهن فيما يقرأُ من القرآن".
مع أن العلماء قالوا فيه:
معناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله حتى إنه ﷺ تُوفِّي وبعض الناس يقرأ خمس رضعاتٍ ويجعلها قرآناً متلواً لكونه لم يبلغه النسخ، لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ رجعوا عن تلاوته وأجمعوا على أن هذا لا يتلى [جامع الأصول ١١/ ٤٨٢].
هذا وكثير من الفقهاء لم يحتج بهذا الحديث لأسباب لا مجال لذكرها .. وقال نافو نسخ التلاوة: إذا كان قول عمر فيما رواه عنه سعيد بن المسيب: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) أخرجه مالك في الموطأ ... قرآناً منسوخاً مع بقاء حكمهما، فكيف نعرف حد الشيخ من غير الشيخ ... وإن كلمة البتة لم ترد في القرآن البتة ... هذه بعض وجهات النظر في منسوخ التلاوة، ونرى أن فيها رواية أبي موسى الأشعري السابقة. وغيرها ما يدل على وقوع منسوخ التلاوة ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١) فقوله ننسها يدل على نسخ التلاوة أما قول القائل إن معنى ننسها ننسى الناس حكمها أو نحو ذلك فلا دليل عليه والله أعلم.
- في مصحف حفصة:
٢٤٨٩ - * روى الطبراني عن سالم بن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألُها عن المصحف الذي نُسخ منه القرآن فتأبى حفصةُ أن تعطيهُ إياه فلما دفنَّا حفصة أرسل مروانُ إلى ابن عمر: أرسل إليَّ بذلك المصحف، فأرسله إليه.
أقول: كانت حفصة ﵂ مؤتمنة على المصحف بعد وفاة والدها وأقر ذلك عثمان ﵁، ولذلك أرجعه إليها بعد ما نسخ عثمان عنه فلما آل الأمر إلى بني أمية لم تر
стр. 1655
أن تتنازل عن هذه الصحف التي ائتمنها عليها خليفة راشد بعد أن آلت الإمرة إلى أن أصبحت أثراً عن ملك عضوض، وهذا يفيد إلى أن الطاعة تختلف باختلاف نوع الإمرة، وفعل ابن عمر في التسليم يفيد أن من حق الدولة المسلمة أن تضع يدها على ما يعتبر تراثاً للأمة مما لاحق شخصياً لأحد فيه.
- في أول ما نزل وآخر ما نزل:
٢٤٩٠ - * روى الطبراني عن أبي رجاءٍ العُطارديِّ قال كان أبو موسى يُقْرِئُنا يُجلسنا حلَقاً حِلَقاً، عليه ثوبان أبيضان فإذا قرأ هذه السورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال: هذه الآيةُ أول سورة أُنزلتْ على محمد ﷺ .
٢٤٩١ - * روى البخاري عن عائشة: إنما نزل أول ما نزل سورةٌ من المصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناسُ إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيءٍ لا تشربوا الخمر قالوا: لا ندعُ أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندعُ الزنا أبداً.
أقول: تشير السيدة عائشة ﵂ إلى حكمة كبيرة من حكم تنزل القرآن منجماً وهي ملاحظة حال المخاطبين الأول واستعداداتهم، وبعد أن استقر التشريع أصبح الإنسان مكلفاً بالقرآن كله، ولكن أدب الدعوة الإسلامية لا زال ملحوظاً فيه البدء بالدعوة إلى الاعتقاد ثم العمل. فلابس خاتم الذهب الكافر لا تبدأ بدعوته إلى خلع الخاتم بل تبدأ بدعوته إلى الإسلام اعتقاداً، ثم إلى العمل بالإسلام.
٢٤٩٢ - * روى الشيخان عن البراء: آخرُ سورةٍ نزلت تامةً التوبةُ، وآخر آيةٍ نزلت آيةُ الكلالة.
٢٤٩٣ - * روى مسلم عن ابن عباس: إن آخر سورةٍ نزلتْ جميعاً ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ (١).
стр. 1656
٢٤٩٤ - * روى الترمذي ع عمرو بن العاص: آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح.
٢٤٩٥ - * روى البخاري عن ابن عباس: آخر آية نزلت آية الربا.
قوله: (وآخر آية نزلت آية الكلالة) هذه الآخرية نسبية فهي آخرية بالنسبة لأحكام المواريث، وسورة براءة آخريتها نسبية، فهي ليست آخر سورة نزلت كما سنرى بل هي من أواخر ما نزل.
وآخر سورة نزلت كسورة هي سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ولا ينفي ذلك أن تكون نزلت بعدها آيات كما سنرى.
أقول: كان الصحابة يركزون على أن سورة المائدة نزلت متأخرة للتأكيد على أنها ليست منسوخة الأحكام. ولا شك أن قسماً منها كان من أواخر ما نزل، وإذا كان المراد بسورة الفتح ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فالكلام هنا على إطلاقه في أنها آخر سورة نزلت، وإن كان المراد بسورة الفتح ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فالآخرية هنا تفيد أنها من أواخر ما نزل لأن سورة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ نزلت بعد الحديبية.
٢٤٩٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ أنها آخرُ آيةٍ نزلت على رسول الله ﷺ .
أقول: لتحقيق أن هذه الآية هي آخر الآيات نزولاً وهي تأتي مباشرة بعد آيات الربا في سورة البقرة، فهذا القول لا ينقض رواية ابن عباس السابقة بل هو تفصيل لبعض ما يدخل فيه (١).
* * *
стр. 1657
الفصل الثالثُ
في بعض المأثور من التفسير وبعض
أسباب النزول والناسخ والمنسوخ
راجع هذا الفصل ودققه
فضيلة الشيخ/ عبد الحميد الأحدب
стр. 1658
مقدمة:
وضعنا هذا الفصل والفلين قبله ولهما علاقة بالتفسير بعد باب التلاوة، لأن التلاوة تحتاج إلى تدبر، والتدبر يقتضي فهماً ويعمق فهماً، وقد جرت عادة المؤلفين في الحديث الشريف أن يجعلوا التلاوة والتفسير المأثور متلاصقين، أو في مبحث واحد.
والمراد بالتفسير هنا: التفسير الذي اعتاد المحدثون أن يذكروه في كتب الحديث وبعض المأثور عن رسول الله ﷺ ، والصحابة والتابعين. ونحن نرى فارقاً كبيراً بين حجم ما يذكره المحدثون تحت باب التفسير، وأحجام الكتب المؤلفة فيما بعد في التفسير، وهذا يدل على أن الصحابة رضوان الله عنهم لم يكونوا يحتاجون إلى إفاضة في التفسير لقوة فهمهم عن الله ، ولإدراكهم معاني القرآن الكريم.
فكلما ابتعدنا عن جيل الصحابة أصبح الناس بحاجة إلى جديد لفهم القرآن الكريم.
غير أنه إذا كان حجم باب التفسير في كتب الحديث قليلاً نسبياً، فذلك يعود إلى شيء آخر، وهو أن الأصل أن السنة كلها بما في ذلك السيرة، هي شرح للقرآن الكريم وتفسير، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١). فالرسول صلى الله لعي وسلم مهمته البيان القولي والفعلي لكتاب الله ، ولذلك فإن بالإمكان أن نعتبر كل ما ورد في السنة شرحاً للقرآن الكريم وتفسيراً، ولذلك ندر ما تجد باباً في السنة إلا ويمكن أن تصدره ببعض آيات القرآن الكريم، وفي كثير من الأبواب نجد أحاديث هي من باب الناسخ والمنسوخ، أو من أسباب النزول، وذلك كله تفسير في الحقيقة.
إلا أنه لوجود بعض المأثور الذي قد لا يدخل في أبواب أخرى، خص المحدثون التفسير بباب مستقل، ونحن نقتدي بهم فنذكر هذا الفصل ههنا، وهو ليس بعيداً عن موضوعات هذا القسم فتدبر القرآن عبادة، وهذا الفصل يعين على العبادة، وهذا الفصل علم بكتاب الله، وقد جعلنا العلم أحد أجزاء هذا القسم، وقارئ كتاب الله يهمه أن يعرف بعض ما ورد من مأثور التفسير، ولهذا جعلنا فصول هذا الباب مع باب التلاوة في جزء واحد.
стр. 1659
عرض إجمالي لموضوع التفسير:
إن كلمة تفسير القرآن كان لها من الهيبة والجلال والإجلال عند السلف الصالح ما ليس لها في عصرنا، لجرأة الناس على الإقدام على التفسير في مواعظهم وخطبهم وكتبهم دون أن يستشعروا خطورة الأمر الذي يقدمون عليه ودون أن يملكوا أدوات التفسير، وكما أن الناس في عصرنا تجرؤوا على مالا تنبغي الجرأة فيه، فإن كثيراً من المفسرين فيما مضى أدخلوا على أنواع من التفاسير طاماتٍ ما كان ينبغي لهم أن يجرؤوا عليها فعلم التفسير هو العلم الذي تخدمه كل العلوم: من علوم اللغة العربية إلى علوم القرآن والحديث إلى العلوم الكونية والاجتماعية والسياسية، وأول ذلك العلم المحيط بالسنة والعلم باتجاهات الراسخين في العلم من أئمة الهدى من أهل السنة والجماعة إنْ في العقائد أو في الفقه أو في دقائق علم القلب والأخلاق والسلوك وتزكية الأنفس، ولذلك كان العلماء قديماً لا يجيزون في التفسير إلا من أحاط علماً بهذه الأمور وغيرها. لقد وجدت علوم اللغة العربية وتوسعت من نحو إلى صرف إلى علوم البلاغة إلى فقه اللغة إلى صفات الحروف إلى غير ذلك، وكل ذلك لا يستغني عنه المفسر، وكان الصحابة أعرف الناس بأسباب النزول، وبعلم الناسخ والمنسوخ، وبالأحرف السبعة، وورثت الأمة هذه العلوم كما ورثت علم فضائل القرآن وآدابه وأحكامه، وفقه آيات أحكام ومحل السنة بالنسبة له، ووجد المختصون بعلم أصول الفقه وعلم أصول العقائد ليضعوا كل شيء في محله، والمفسر لا يستغني عن ذلك كله ليستطيع أن يضع كل نص في محله بالنسبة لمجموع النصوص القرآنية، ويستطيع أن يعرف دقائق المعاني، وليكون قادراً في النهاية على إبراز ما في هذا القرآن من إعجاز ومعجزات وخصائص وصفات.
ومن المؤسف العجيب أنه وجد في عصرنا من لا يعطي من توافرت فيه هذه الشروط ثقته واحترامه، ويعطي لمن لم تتوافر فيه هذه الشروط ثقته واحترامه، وما ذلك إلا لعدم الرسوخ في العلم.
لقد رأينا مثلاً أناساً لا يعتبرون لعلوم البلاغة محلاً في فهم القرآن، وكأن القرآن لم ينزل على أساليب العرب في الخطاب، وكأن علوم البلاغة ليست كعلوم النحو والصرف اللذين
стр. 1660
لابد منهما لضبط النطق والفهم، كما أن علوم البلاغة لابد منها لضبط الفهم للنصوص.
إن أمثال هؤلاء جعلهم بعض الناس أئمة في فهم القرآن الكريم، وحكماً على الراسخين في العلم ممن توافرت فيهم شروط المفسر الكامل، فالمفسر الكامل أصبح ضالاً عند أمثال هؤلاء.
والذي ينكر أن يكون في اللغة العربية مجاز واستعارة وكناية وحذف مما يعتبر بدهيات عند أدنى طالب للعلم، أمثال هؤلاء جُعلوا مرجعاً وحكماً على الأولين، والذين يخالفون الإجماع في أصول عقدية أصبح بعضهم يعتبرهم حكاماً على المفسرين الذين اجتمع لهم فيما اجتمع من الرسوخ في العلم الرسوخ في علم الأصوليين.
وذلك كله من غلبة الجهل والهوى وعدم معرفة الفضل لأهل الفضل. وهذا اقتضانا أن نخصص كتاباً سميناه الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص، لنرجع لمن يستأهل الثقة الجديرة به، ولنعرف أهل العصر على الزيف المخلوط بالدعاوى الكاذبة والممزوج في الوقت نفسه بكثير من الحق الذي يجعل الأمر ملتبساً، ولنعد إلى أصل الموضوع.
وهذه خلاصات نستخلصها من كتابي الإتقان ومناهل العرفان في شروط المفسر للقرآن.
أولاً: أن يحيط الإنسان بالقرآن الكريم وأن يكون دقيق الفهم له، فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً.
ثانياً: أن يحيط بالسنة والسيرة لأنهما شارحتان للقرآن موضحتان له.
ثالثاً: أن يعرف أقوال الصحابة في التفسير إذا كان لهم قول لأنهم أدرى بأسباب النزول وبفهم القرآن.
رابعاً: أن يكون المفسر صحيح الاعتقاد، صحيح العمل، فمن كان صاحب بدعة أو هوى أو من فرقة ضالة كافرة أو مخالفاً للإجماع فإنه لا يؤتمن في الإخبار عن أبرار الله تعالى، وأن يكون من أهل الاجتهاد والمجاهدة والتقوى فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١).
стр. 1661
خامساً: أن يكون قادراً على أن يعرض القرآن عرضاً لا تتناقض به نصوص مع بعضها أو مع السنة الثابتة أو عمل الخلفاء الراشدين، أو يتناقض مع القطعيات العقلية.
سادساً: أن يكون قادراً على الترجيح لأصوله الصحيحة فيما تعارضت فيه الأدلة.
سابعاً: أن يكون ممتلئاً من علوم اللغة العربية، نحواً وصرفاً وبلاغة وفقه لغة ومعرفة بوجوه الإعراب ومفردات اللغة.
ثامناً: قدرته على التمييز بين ما يمكن أخذه من كتب أهل الكتاب وما يجب رفضه، وقل مثل ذلك في التمييز بين ما أوصلت إليه الحفريات، وبعض العلماء يرى وجوب غلق باب الأخذ عن الإسرائيليات لما رأوا من طامات لا يحتملها العقل والشرع تدخل في كتب التفسير.
تاسعاً: أن يعرف المتشابه والمحكم وأن يكون قادراً على حمل المتشابه على المحكم.
عاشراً: أن يعرف أقوال أئمة الهدى من الراسخين في العلم في أصول الفقه، وأصول العقائد، والعقائد والفقه، والسلوك.
حادي عشر: أن يعرف علوم القرآن وأن يعرف التحقيق في مفرداتها وخاصة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما يدخل في هذه العلوم ومما قاله صاحب مناهل العرفان في العلوم التي يحتاج إليها المفسر ناقلاً وملخصاً ما يلي:
وقد بيَّن العلماء أنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر فقالوا: هي اللغة والنحو؛ والصرف، وعلوم البلاغة، وعلم أصول الفقه، وعلم التوحيد ومعرفة أسباب النزول، والقصص، والناسخ، والمنسوخ، والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ولا يناله من في قلبه بدعة أو كبر أو حبُّ دنيا أو ميل إلى المعاصي. قال الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وقال الإمام الشافعي:
شكوتُ إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
стр. 1662
وأخبرني بأن العِلْمَ نُورٌ ... ونور الله لا يُهْدى لعاصي
هذه الشروط التي ذكرناها، وهذه العلوم كلها، إنما هي لتحقيق أعلى مراتب التفسير مع إضافة الاعتبارات المبهمة المنظورة في الكلمات القيمة الآتية:
أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعَها القرآن، بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيراً من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعانٍ، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد.
فعلى المحقِّق المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزله والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه، بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه، وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملته من الآية! فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه. وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضاً، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.
ثانيها: الأساليب، فينبغي أن يكون عنده من علهما ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطُّن لنكته ومحاسنه، والوقوف على مُراد المتكلم منه. نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مُراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام. ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب. وعلم الأساليب (المعاني والبيان). ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب. ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مُسدَّدِين في النطق، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع أتحسبون أن ذلك كان طبيعياً لهم؟ كلا. وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، لذلك صار أبناء العرب أشدَّ عجمةً من العجم عندما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعياً ذاتياً لهم، لما فقدوه في مدة خمسي سنة من بعد الهجرة.
ثالثها: علم أحوال البشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبين فيه ما لم يبينه في غيره، وبين فيه كثيراً من أحوال الخلق وطبائعه وسننه الإلهية في البشر، وقصَّ
стр. 1663
علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها. فلابدَّ للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشيء اختلاف أحوالهم، من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل وإيمان وكفر. ومن العلم بأحوال العالم الكبير علويه وسفليه. ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة؛ من أهمها التاريخ بأنواعه.
أجمل القرآن الكلام عن الأمم، وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السماوات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمالٌ صادرٌ عمن أحاط بكل شيء علماً. وأمرنا بالنظر والتفكير والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالاً ولو اكتفينا من علم المكون بنظرة في ظاهره، لكنَّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا مما حواه من علم وحكمة.
رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوَّة من العرب وغيرهم لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي ﷺ بعث به لهدايتهم وإسعادهم، وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفاً بأحوالهم وما كانوا عليه. يروى عن عمر ﵁ أنه قال: "تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". والمراد أن من نشأ في الإسلام، ولم يعرف حال الناس قبله، يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيراً لأحوال البشر، ومخرجاً لهم من الظلمات إلى النور.
خامسها: العلم بسيرة النبي ﷺ وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها. اهـ. من مناهل العرفان.
إذا عرفت ما ينبغي أن يتوفر في المفسر الكامل عرفت أن المفسر الكامل، إذا أراد أن يراعي كل أدوات التفسير فإنه يمكن أن يصل تفسيره إلى عشرات المجلدات، ولذلك فإن المفسرين كانوا على طبقات فمنهم من جمع مختصراً، ومنهم من جمع متوسعاً، ومنهم من اقتصر على أن يركز على علوم بعينها، وقد كثرت التفاسير، فلمع في كل عصر مفسرون كبار خدموا كتاب الله الخدمة التي رأوا أن عصرهم يحتاجها، فوجد عندنا مالا
стр. 1664
يحصى من التفاسير، ولابد للمسلم أن يميز بين نوعين من التفاسير، تفاسير أهل السنة والجماعة، وتفاسير الفرق الضالة، أو تفاسير أهل الشذوذ الذين خالفوا الإجماع، وغير المتمكن في العلوم لا ينبغي له أن يطالع إلا في تفاسير أهل السنة والجماعة ومع ذلك، فإن تفاسير أهل السنة والجماعة تأثر بعضها بثقافات خاطئة كانت محل اعتبار في عصورهم، ومن هاهنا فإن من المناسب للمسلم المعاصر أن يقرأ كتاباً موثقاً لمفسر معاصر، وقد كتبنا كتابنا الأساس في التفسير محاولين فيه أن نتجنب مثل هذه الأخطاء.
وهناك كتب أطلق عليه اسم التفاسير وهي ليست في شيء من التفسير، وهي ما اصطلح عليه بالتفسير الإشاري وهذا النوع وجد في كتب خاصة ووجد في بعض التفاسير كجزء منها، وهو كما قلنا ليس من التفسير وإنما هو من باب تسجيل خواطر تقع في القلب عند تلاوة آية، فمن اعتقد أن مثل هذه الخواطر تفسير للقرآن عندما تتناقض مع ما قاله المفسرون الأثبات فإنه يكفر بذلك، فلابد من الانتباه إلى مثل هذا.
ويقسم بعض المؤلفين التفسير إلى نوعين: تفسير بالمأثور، وتفسير بالرأي، وهو تقسيم مدرسي لا نعترض عليه لكنا نقول لا فارق في باب الهداية بين هذين النوعين من التفاسير ما دام أصحابه من أئمة الهدى الراسخين في العلم.
ومن المناسب للمسلم المعاصر أن تكون له مطالعاته في كتب التفسير الموثقة حتى إذا أراد معرفة إعراب أو نكتة بلاغية عرف كيف يراجعها، ومن المناسب لأتباع كل مذهب فقهي من المذاهب الأربعة أن يرجعوا إلى تفسير لإمام من أئمة مذهبهم ليعرفوا وجهة نظر مذهبهم الفقهي من فهم الآيات كأحكام القرآن للجصاص، وكتفسير أبي السعود مثلاً من فقهاء الحنفية، هذا مع محاولة التعرف على مفردات القرآن في كتاب يجمعها ككتاب المفردات في غريب القرآن للراغب الأصبهاني فإنه قيم جداً، ومحاولة قراءة لتفسير معاصر شامل وموثق.
ونحن في هذا الفصل سنقتصر على ذكر ما اعتاد المحدثون أن يذكروه في كتبهم تحت عنوان التفسير، وسنرى بذلك نموذجاً على التفسير المأثور بحق، كما سنرى أن اهتمامات
стр. 1665
المحدثين في باب التفسير تنصب إلى حد كبير على أسباب النزول وعلى الناسخ والمنسوخ هذا وإننا لم نذكر كل ما أدخلته أصول هذا الكتاب (١) في هذا الفصل لأن بعضاً منها ذكر في سياقات أخر ففي قسم السيرة وقسم العقائد وفي بية أقسام هذا الكتاب وردت أشياء في سياقاتها الألصق بها، إذ كان بالإمكان إدخالها في فصل التفسير، ثم إن بعضاً منها ليس له أسانيد متصلة، وبعضها منقول عما بعد جيل التابعين وهذا لا يدخل في أصل موضوع هذا الكتاب، فلم نذكره وهناك أحاديث لصيقة بكتب التفسير عند المحدثين إلا أنها وردت عندنا في سياقات أخرى فكثير منها لم نذكره حتى لا يتكرر ما أمكننا ذلك وإلى نصوص هذا الفصل.
стр. 1666
من تفسير سورة الفاتحة
قال البخاري: وسميت أم الكتاب، أنه يُبدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة، والدين الجزاء في الخير والشر، كما تدين تدان، وقال مجاهد بالدين بالحساب، مدينين محاسبين "الفتح ٨/ ١٥٥ - ١٥٦".
٢٤٩٧ - * روى الترمذي عن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "المغضوب عليهم: اليهود، والضالين: النصارى".
أقول: لقد أمرنا أن ندعو الله في الفاتحة بأن يجنبنا صراط اليهود والنصارى فإذا كان الأمر كذلك، وهؤلاء أهل كتاب بيقين، فمن باب أولى أن نتجنب صراط غيرهم، ومن وَصْفِ اليهود بالمغضوب عليهم، والنصارى بالضالين نعرف سبب الأمر بتجنب صراطهم مع أن موسى وعيسى رسولان عليهما الصلاة والسلام، ولكن أتباع موسى استقروا على ما يغضب الله، وأتباع عيسى استقروا على الضلال، والمنهاج الصحيح لموسى وعيسى ﵉ هو الإسلام ونحن وارثوه، ولكن صراطهم الذي أوصلهم للغضب والضلال هو الذي نهينا أن نسير فيه.
٢٤٩٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" (١).
стр. 1667
سورة البقرة
٢٤٩٩ - *روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال إن رسول الله ﷺ قال: "قِيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ فبدَّلوا، فدخلوا بزحفون على أستاههم فبدلوا، وقالوا: حِطَّة حبَّةٌ في شعرةٍ".
وفي رواية (١) الترمذي في قول الله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: "دخلوا متزحفين على أوراكهم: أي مُنحرفين".
قال: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ قال: "قالوا: حبَّةٌ في شعرةٍ".
٢٥٠٠ - * روى البزار عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ قال أبو جهل لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأنَّ على عنقِهِ. فقيل: هو ذاك. قال: ما أراهُ. فقال رسول الله ﷺ : لو فعل لأخذتْه الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا".
٢٥٠١ - * روى الشيخان عن انس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب رضي
стр. 1668
الله عنه قال: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقامِ. فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١).
٢٥٠٢ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ كان إبراهيم احتجرها دون الناس، فأنزل الله: ومن كفر أيضاً فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أمتعُهم قليلاً ثم اضطرهم إلى عذاب النار، ثم قرأ ابن عباس ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾.
٢٥٠٣ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فمر رجلٌ من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، قد صلوا ركعةً، فنادى: ألا إنَّ القِبلة قد حُوِّلت، فمالوا كما هم نحو القبلة. وأخرجه أبو داود، وقال: فيه نزلت الآية، فمر رجلٌ من بني سلمة، وهم ركوعٌ في صلاة الفجر، نحو بيت المقدس، فقال: ألا إن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة - مرتين - قال: فمالوا كما هم ركوعاً إلى الكعبة.
٢٥٠٤ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 1669
صلى الله عليه وسلم: "يجيءُ نوح وأمتُه، فيقول الله: هل بلغت؟ فيقول: نعم، أي ربِّ، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبيٍّ، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فنشهد أنه قد بلغ"، وهو قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١).
إلا أن في رواية الترمذي، فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد- وذكر الآية إلى آخرها- ثم قال: والوسطُ، العدل.
واختصره الترمذي عن النبي ﷺ في قوله: (وكذلك جعلناكم أمةً وسطا) قال: عدلاً.
٢٥٠٥ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال عدلاً.
أقول: العدل، مفرد العدول، وهم الذين اتصفوا بصفة العدالة، فهم غير متهمين بضلال أو فسوق أو انخرام مروءة.
٢٥٠٦ - * روى الشيخان عن عروة بن الزبير ﵄ قال: سألت عائشة ﵂، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ
стр. 1670
حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١) فوالله ما على أحدٍ جُناحٌ أنْ لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها: كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلُّون لمناةَ الطاغية، التي كانوا يعبدونها عن المُشلَّلِ، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أنْ نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الطواف بينهما، فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما.
قال الزهري: فأخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا العِلْم ما كنتُ سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة ممن كان يُهِلُّ لمناة - كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، فهل علينا من حرجٍ أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ﴾ الآية ... قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بين الصفا والمروة، والذين كانوا يطوفون ثم ترجوا أن يطوَّفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت.
وفي رواية (٢): أن الأنصار كانوا قبل أن يُسْلِموا - هم وغسان يُهِلُّون لمناة - فتحرَّجوا
стр. 1671
أن يطوَّفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سُنَّةً في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطفْ بين الصفا والمروة، وإنهم سألوا النبي ﷺ عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وذكر إلى آخر الآية.
٢٥٠٧ - * روى الشيخان عن عاصم بن سليمان الأحول ﵀ قال: قلت لأنسٍ: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وفي رواية (١): كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلامُ، أمسكنا عنهما، فأنزل الله ، وذكر الآية.
وفي رواية (٢) قال: كانت الأنصارُ يكرهون أن يطوَّفوا بين الصفا والمروة، حتى
стр. 1672
نزلت: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
٢٥٠٨ - * روى البخاري عن مجاهد ﵀ قال: سمعتُ ابن عباس يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الديَةُ، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فالعفو: أن يقْبل الرجل الدية في العمد، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: أن يطلب هذا بمعروفٍ، ويؤدي هذا بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كُتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قتل بعد قبول الدية.
٢٥٠٩ - * روى البخاري عن عطاءٍ ﵀ أنه سمع ابن عباس يقرأ: (وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكينٍ) قال ابن عباس: ليست بمنسوخةٍ هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيُطعمان مكان كل يومٍ مسكيناً.
وفي رواية أبي داود (١) قال: ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى، وتم له صومُه، فقال الله ﵎: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وفي أخرى (٢) له: أثبتتْ للحُبلى والمرضعِ، يعني الفدية والإفطار.
وفي أخرى (٣) له: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت رُخصةً
стр. 1673
للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة - وهما يُطيقان الصيام - أن يُفطرا، ويُطعمَا مكان كل يومٍ مسكيناً، والحُبلى والمرضع: إذا خافتا - يعني على أولادهما - أفطرتا وأطعمتا.
وأخرجه النسائي (١) قال: في قول الله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يُطيقونه: يُكلَّفونه، فديةٌ طعامُ مسكين واحد، فمن تطوع: فزاد على مسكين آخر، ليست بمنسوخة، فهو خير له، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لا يرخص في هذا إلا للذي ل يطيق الصيام أو مريضٍ لا يُشفى.
أقول: قراءة يُطوَّقونه: قراءة شاذة لأنها تخالف الرسم العثماني للمصحف، وهي كالتفسير لوجه من الأوجه التي تحتملها الآية.
٢٥١٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قرأ ﴿فِدْيَةٌ طعامِ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخة.
هذه القراءة بإضافة فدية إلى طعام وبجمع كلمة مساكين قراءة نافع وابن ذكوان ومراد الراوي بالنسخ، نسخ الحكم لا نسخ التلاوة لأن هذه القراءة من القراءات السبع المتواترة وقراءة حفص كما هو المعلوم ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ بتنوين فدية وإفراد مسكين، أما قراءة هشام أحد الرواة عن ابن عامر وهو من القراء السبعة فإضافة فدية وإفراد مسكين فتكون قراءته ﴿فِدْيَةٌ طعامِ مِسْكِينٍ﴾.
والخلاصة أن هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فيها ثلاثة آراء:
стр. 1674
الأول: الذي يقول إن هاهنا حرفاً محذوفاً والتقدير وعلى الذين لا يطيقونه ونرى أن هذا لا يليق بجلال القرآن وإعجاز نظمه ولو كان مراداً لقيل: وعلى الذين لا يطيقونه.
الثاني: أن هذه الآية في الذين يتحملونه بصعوبة كما ذهب إلى ذلك ابن عباس ومعناها أن الذين يجدون مشقة في الصوم كالحامل والمرضع والشيخ الهرم والمريض يمكنهم الفطر وعليهم فدية لكن الصوم أفضل ويبدو أن هذا لا يتفق مع يسر الشريعة وقول الله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾.
والرأي الثالث: وهو ما ذهب إليه ابن عمر ورجحه كثير من العلماء أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فقد كان أولاً يجوز لمن يستطيع الصيام ولم يرد أن يصوم أن يفطر ويخرج فدية فمن تطوع خيراً أي زاد على هذه الفدية فذلك خير ولكن مع التخيير يبقى الصوم أفضل ثم نسخ هذا وهو من حكمة التشريع في التدرج وأثبت الصوم على كل مستطيع دون تخيير وفي النصوص التالية ما يؤكد ذلك.
٢٥١١ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀ عن أصحاب محمد ﷺ قالوا: نزل شهر رمضان، فشقَّ عليه، فكان من أطعم كل يومٍ مسكيناً ترك الصوم، ممن يُطيقه، ورُخص لهم في ذلك، فنسختها ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأمروا بالصوم.
٢٥١٢ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١) كان من أراد أن يُفطر
стр. 1675
ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وفي رواية (١): حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
٢٥١٣ - * روي البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما نزل صومُ رمضان، كانوا لا يقربُون النساء رمضان كُلَّه، وكان رجالٌ يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (٢).
٢٥١٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) قال: وكان الناس على عهد رسول الله ﷺ إذا صلوا العتمة حرُمَ عليهم الطعامُ والشرابُ والنساءُ، وصاموا إلى القابلة، فاختان رجلٌ نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يُفطِرْ، فأراد الله أن يجعل ذلك يسراً لمن بقي ورخصة ومنفعةً، فقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية فكان هذا مما نفع الله به الناس، ورخص لهم ويسرَ.
٢٥١٥ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان أصحابُ محمد ﷺ ، إذا كان الرجلُ صائماً، فحضر الإفطارُ، فنام قبل أن يفطر، لم يأكلْ ليلتَهُ ولا يومَهُ، حتى يُمسي، وإن قيس بن صِرْمَةَ الأنصاري كان صائماً فلما حضر الإفطار، أتى امرأتهُ، فقال: أعندَكِ طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أنطَلِقُ فأطلبُ لك، وكان يومَهُ
стр. 1676
يعملُ، فغلبتْهُ عينُهُ، فجاءت امرأتُهُ، فلما رأتْهُ، قالتْ: خيبةً لك، فلما انتصف النهار، غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ففرحوا فرحاً شديداً، ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
٢٥١٦ - * روى الشيخان عن البراء بن عازب ﵁ قال: نزلتْ هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجَّوا فجاؤوا، لم يدْخلوا من قِبَلِ أبواب البيوت، فجاء رجلٌ من الأنصار، فدخل من قِبَلِ بابه، فكأنه عُيِّرَ بذلك فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (١).
وفي رواية (٢) قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
٢٥١٧ - * روى البخار يعن حُذيفة بن اليمان ﵁ قال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (٣).
٢٥١٨ - * روى الترمذي عن أسلم أبي عمران ﵀ قال: كُنا بمدينة الرُّوم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلُهم أو أكثرُ، وعلى أهل مصر: عُقبةُ بن عامرٍ، وعلى الشَّامٍ: فضالةُ بن عبيدٍ، فحمل رجل من المسلمين على صفِّ
стр. 1677
الروم، حتى دخل فيهم، فصاح الناسُ، وقالوا: سُبحان الله! يُلقِي بيديه إلى التهلكة؟! فقام أبو أيُّوبٍ الأنصاريُّ، فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤوِّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلتْ هذه الآية فينا معشر الأنصار: لما أعز الله الإسلام، وكثُر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً - دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعتْ، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصْلَحْنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيه، يردُّ علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وكانت التهلكة: الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوبٍ شاخصاً في سبيل الله، حتى دُفِنَ بأرض الروم.
وفي رواية صحيحة (١) عند أبي داود قال: "غزونا من المدينة، نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبْدُ الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم مُلْصقُوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس، مه مه، لا إله إلا الله يُلْقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوبٍ: إنما أُنزِلتْ هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيهُ، وأظهر الإسلام، قلنا: هلُمَّ نُقيمُ في أموالنا ونُصْلِحُها، فأنزل الله ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أنْ نقيم في أموالنا ونُصْلِحها، وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوبٍ يُجاهِدُ في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية".
فائدة: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد توفي سنة ٤٦ للهجرة وهذا يعني أن هذه الغزوة غير الغزوة المشهورة سنة ٥٢ التي توفي فيها أبو أيوب وكان على رأسها يزيد بن معاوية، أفاده العلامة أحمد شاكر ذكر ذلك محقق جامع الأصول -٢/ ٣٢.
٢٥١٩ - * روى الطبراني في الكبير والأوسط عن النعمان بن بشير ﵄ في
стр. 1678
قوله تعالى قال ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال كان الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر الله لي فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
٢٥٢٠ - * روى أحمد عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحملُ على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، لأن الله بعث محمداً ﷺ فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ إنما هو في النفقة.
أقول: لعل ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أوضح مثال على أن النص القرآني تأخذ منه معنى، وتأخذ من محله في سياقه القريب السابق معنى، ومن سياقه القريب اللاحق معنى، ومن سياقه العام معنى، فهذا النص جاء في سياق الأمر بالإنفاق، فأخذ بعضهم من ذلك معنى: أن ترك الإنفاق إلقاء بالنفس إلى التهلكة. وجاء بعده قوله تعالى: (وأحسنوا) فاخذ بعضهم من ذلك: أن القنوط من رحمة الله إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وجاء قبل هذه الآية آيات القتال فأخذ بعضهم منها، أن إلقاء النفس إلى التهلكة هو: ترك القتال في سبيل الله تعالى.
واستشهد عمرو بن العاص بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ عندما صلى بأصحاب دون اغتسال من الجنابة خوف الهلاك فأخذ بظاهر النص، وهكذا تجد من خلال ظاهر النص وسياقه القريب سواء كان سابقاً أو لاحقاً، ومن السياق العام تتولد معانٍ كثيرة، ولقد أبرزنا هذا الموضوع في تفسيرنا وأبرزنا أن لكل سورة سياقها الخاص بها على ضوء محورها، وأن للقرآن كله سياقه، وبذلك أوضحنا أنه بسبب ذلك تتولد معانٍ لا حصر لها من هذا القرآن العظيم وذلك من معجزات هذا القرآن.
قال ابن جرير الطبري ٢/ ١١٩ بعد ذكر عدة معانٍ للإلقاء بالتهلكة (١):
فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ولم يكن الله عز
стр. 1679
رجل خص منها شيئا دون شيء فالصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا والاستسلام للهلكة وهي العذاب بترك ما لزمنا من فرائضه فغير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه غير أن الأمر وإن كان كذلك فإن الأغلب من تأويل الآية وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي.
٢٥٢١ - * روى الشيخان عن عبد الله بن معقل ﵄ قال: "قعدْتُ إلى كعب بن عُجرة في هذا المسجد- يعني مسجد الكوفة - فسألته عن فدية من صيامٍ؟ فقال: حُملتُ إلى النبي ﷺ والقمْلُ يتناثرُ على وجهي، فقال: فقال: "ما كنتُ أُرى أنَّ الجهد بلغ بك هذا؟ أما تجدُ شاةً؟ " قلت: لا، قال: "صُمْ ثلاثة أيامٍ، واحلق رأسك"، فنزلت في خاصةً، وهي لكم عامة".
أقول: هذا النص يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فكعب بن عجرة يذكر أن به نزل هذا النص ولكنه عام، فخصوص السبب لا ينفي عموم اللفظ، وأقل النسك ذبح شاة، والصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة أصوُع من طعام على ستة مساكين.
٢٥٢٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان أهلُ اليمن يحجُّون، فلا يتزَوَّدُون، ويقولون: نحن المتوكِّلون، فإذا قَدِمُا مكة سألوا الناس، فأنزل الله : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١).
стр. 1680
٢٥٢٣ - * روى الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ قال: أُنزلتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل (من الفجر) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهُم في رجليه الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رئيهُما، فأنزل الله تعالى بعد (من الفجر) فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.
٢٥٢٤ - * روى الشيخان عن عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، عمدت إلى عِقالٍ أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتُهما تحت وسادتي، وجعلتُ أنظرُ من الليْل، فلا يستبينُ لي، فغدوتُ على رسول الله ﷺ ، فذكرتُ ذلك له فقال: "إنما ذلك سوادُ الليْل وبياضُ النهار".
واختصر النسائي: أن عدي بن حاتمٍ سأل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قال: "هو سوادُ الليل وبياض النهار".
وفي رواية للبخاري (١)، قال: أخذ عديٌّ عقالاً أبيض وعقالاً أسود، حتى كان بعض الليل، نظر، فلم يستبينان فلما أصبح قال لرسول الله ﷺ : جعلتُ تحت وسادتي خيطاً
стр. 1681
أبيض، وخيطاً أسود، قال: "إنَّ وسادك لعريضٌ، أن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادك".
وفي أخرى له (١) قال: قلتُ: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود: أهما الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا، أن أبْصرت الخيطين" ثم قال: "لا، بل هما سواد الليل وبياضُ النهار".
٢٥٢٥ - * روى الشيخان عن البراء أن النبي ﷺ كان أول ما قدِمَ المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قِبلَ بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شراً، وكان يعجبه أن تكون قبلتُه قبل البيت، وأنه صلى أول صلاةٍ صلاها صلاة العصر، وصلى معه قومٌ فخرج رجلٌ ممن صلى معه فمر على أهل مسجدٍ وهم راكعون، فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قِبلَ الكعبة، فداروا كما هم قِبلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولَّى وجهه قِبلَ البيت أنكروا ذلك.
أقول: قوله: وأهل الكتاب أي أنهم كان يعجبهم ما يعجب اليهود من الصلاة إلى بيت المقدس.
وفي رواية (٢): أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
وفي أخرى (٣): وكان ﷺ يحب أن يُوجَّه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى:
стр. 1682
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، فقال السفهاء وهم اليهود ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
أقول: عُبِّرَ بلفظ الإيمان في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ عن الصلاة وذلك دليل على أن الصلاة هي المظهر الأول للإيمان ولأنها تذكر بأركان الإيمان، ولأنها تجديد للإيمان وبها حياة الإيمان وحيويته.
٢٥٢٦ - *روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: لما وُجِّه النبي ﷺ إلى الكعبة، قالوا: يا رسول الله ﷺ ، كيف بإخواننا الين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيت المقدسِ؟ فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية.
٢٥٢٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كانت عُكاظُ ومجنَّةُ، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية؛ فلمَّا كان الإسلام، فكأنهم تأثَّموا أنْ يتجِرُوا في المواسم، فنزلت: (ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربِّكُمْ في مواسم الحجِّ) قرأها ابن عباس هكذا (١) وفي رواية (٢): (أنْ تبتغوا في مواسم الحج فضلاً من ربكم).
وفي رواية (٣) أبي داود، أنه قرأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا لا يتَّجِرُون بمنىً، فأُمِروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات.
وفي أخرى (٤) له قال: إنَّ الناس في أوَّل الحج كانوا يتبايعونَ بمنىً وعرفة وسُوقِ ذي
стр. 1683
المجاز وهي مواسمُ الحجِّ، فخافوا البيع وهم حُرمٌ، فأنزل الله : (لا جُناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج) قال عطاء بن أبي رباحٍ: فحدثني عُبيد بن عميرٍ أنه كان يقرؤها في المصحف.
٢٥٢٨ - * روى أبو داود عن أبي أمامة التيميِّ ﵀ قال: كنتُ رجلاً أكْري في هذا الوجه، وكان الناس يقولون لي: إنه ليس لك حجٌّ، فلقيتُ ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناساً يقولون: إنه ليس لك حجٌّ، فقال ابن عمر: أليس تُحرمُ وتُلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قلت: بلى، قال: فإن لك حجًّا، جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني، فسكت رسول الله فلم يُجِبْه حتى نزلت الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، وقرأها عليه، وقال: "لك حجٌّ".
٢٥٢٩ - * روى البخار يعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان يطوفُ الرجل بالبيت ما كان حلالاً، حتى يُهِلَّ بالحج، فإذا ركب إلى عرفة، فمن تيسر له هديه من الإبل، أو البقر، أو الغنم، ما تيسر له من ذلك، أيُّ ذلك شاء، غير أنْ لم يتيسرْ له، فعليه ثلاثةُ أيامٍ في الحجِّ، وذلك قبل يوم عرفة، فإن كان آخر يومٍ من الأيام الثلاثة يوم عرفة، فلا جُناح عليه، ثم لينطلقْ حتى يقف بعرفاتٍ من صلاة العصر، إلى أن يكون الظلام، ثم ليدفعُوا من عرفاتٍ، فإذا أفاضوا منها، حتى يبلغوا جمعاً (١)، الذي يتَبَرَّزُ
стр. 1684
فيه، ثم ليذْكُروا الله كثيراً، ويُكثِرُوا من التكبير والتهليل، قبل أن يصبحوا (ثم أفيضوا) فإن الناس كانوا يفيضون، وقال الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) حتى يرموا الجمْرَة.
أقول: بد النص بالإشارة إلى ما يفعله المتمتع بالحج من ذبح، فإن لم يتسر له الذبح صام ثلاثة أيام لا يتجاوز بآخرهن يوم عرفة، ويصوم إذا رجع إلى أهله تتمة العشرة ثم تحدث النص عما ذكره الله بعد ذلك من آيات في سورة البقرة عن إفاضة من عرفات إلى المزدلفة ثم يفيضون من مزدلفة إلى منى وهناك يرمون جمرة العقبة فيذبحون ويحلقون ثم يطوفون بالبيت.
٢٥٣٠ - * روى أبو يعلي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال على الإسلام كلهم.
أقول: في هذه الآية مذهبان: أن الناس بعد آدم ﵇ كانوا على الإسلام فاختلفوا فبعث الله الرسل ﵈، وهذا الذي ذكره ابن عباس، والمذهب الثاني أن الناس جميعاً كفروا بعد إذ كانوا مسلمين على دين آدم ﵇ فبعث الله إليهم الرسل.
٢٥٣١ - * روى الترمذي عن أم سلمة ﵂ "أن رسول الله ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "في صِمامٍ واحدٍ" ويروى: "في سمام واحد" بالسين".
стр. 1685
٢٥٣٢ - * روى الشيخان عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحوَلَ، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وأخرجه الترمذي قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأةً في قُبُلِها من دُبُرها ... وذكر الحديث وهو في الجماع من الخلف في الفرج.
٢٥٣٣ - * روى أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: "وما أهلكك؟ " قال: حوَّلْتُ رحْلي الليلة، قال: فلم يرُدَّ عليه شيئاً، قال: فأوحي إلى النبي ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أقبلْ وأدْبرْ، واتَّقِ الدُّبُرَ والحيضة.
٢٥٣٤ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: إن ابن عمر - والله يغفرُ (١)