أبيض، وخيطاً أسود، قال: "إنَّ وسادك لعريضٌ، أن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادك".
وفي أخرى له (١) قال: قلتُ: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود: أهما الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا، أن أبْصرت الخيطين" ثم قال: "لا، بل هما سواد الليل وبياضُ النهار".
٢٥٢٥ - * روى الشيخان عن البراء أن النبي ﷺ كان أول ما قدِمَ المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قِبلَ بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شراً، وكان يعجبه أن تكون قبلتُه قبل البيت، وأنه صلى أول صلاةٍ صلاها صلاة العصر، وصلى معه قومٌ فخرج رجلٌ ممن صلى معه فمر على أهل مسجدٍ وهم راكعون، فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قِبلَ الكعبة، فداروا كما هم قِبلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولَّى وجهه قِبلَ البيت أنكروا ذلك.
أقول: قوله: وأهل الكتاب أي أنهم كان يعجبهم ما يعجب اليهود من الصلاة إلى بيت المقدس.
وفي رواية (٢): أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
وفي أخرى (٣): وكان ﷺ يحب أن يُوجَّه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى:
стр. 1682
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، فقال السفهاء وهم اليهود ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
أقول: عُبِّرَ بلفظ الإيمان في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ عن الصلاة وذلك دليل على أن الصلاة هي المظهر الأول للإيمان ولأنها تذكر بأركان الإيمان، ولأنها تجديد للإيمان وبها حياة الإيمان وحيويته.
٢٥٢٦ - *روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: لما وُجِّه النبي ﷺ إلى الكعبة، قالوا: يا رسول الله ﷺ ، كيف بإخواننا الين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيت المقدسِ؟ فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية.
٢٥٢٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كانت عُكاظُ ومجنَّةُ، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية؛ فلمَّا كان الإسلام، فكأنهم تأثَّموا أنْ يتجِرُوا في المواسم، فنزلت: (ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربِّكُمْ في مواسم الحجِّ) قرأها ابن عباس هكذا (١) وفي رواية (٢): (أنْ تبتغوا في مواسم الحج فضلاً من ربكم).
وفي رواية (٣) أبي داود، أنه قرأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا لا يتَّجِرُون بمنىً، فأُمِروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات.
وفي أخرى (٤) له قال: إنَّ الناس في أوَّل الحج كانوا يتبايعونَ بمنىً وعرفة وسُوقِ ذي
стр. 1683
المجاز وهي مواسمُ الحجِّ، فخافوا البيع وهم حُرمٌ، فأنزل الله : (لا جُناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج) قال عطاء بن أبي رباحٍ: فحدثني عُبيد بن عميرٍ أنه كان يقرؤها في المصحف.
٢٥٢٨ - * روى أبو داود عن أبي أمامة التيميِّ ﵀ قال: كنتُ رجلاً أكْري في هذا الوجه، وكان الناس يقولون لي: إنه ليس لك حجٌّ، فلقيتُ ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناساً يقولون: إنه ليس لك حجٌّ، فقال ابن عمر: أليس تُحرمُ وتُلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قلت: بلى، قال: فإن لك حجًّا، جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني، فسكت رسول الله فلم يُجِبْه حتى نزلت الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، وقرأها عليه، وقال: "لك حجٌّ".
٢٥٢٩ - * روى البخار يعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان يطوفُ الرجل بالبيت ما كان حلالاً، حتى يُهِلَّ بالحج، فإذا ركب إلى عرفة، فمن تيسر له هديه من الإبل، أو البقر، أو الغنم، ما تيسر له من ذلك، أيُّ ذلك شاء، غير أنْ لم يتيسرْ له، فعليه ثلاثةُ أيامٍ في الحجِّ، وذلك قبل يوم عرفة، فإن كان آخر يومٍ من الأيام الثلاثة يوم عرفة، فلا جُناح عليه، ثم لينطلقْ حتى يقف بعرفاتٍ من صلاة العصر، إلى أن يكون الظلام، ثم ليدفعُوا من عرفاتٍ، فإذا أفاضوا منها، حتى يبلغوا جمعاً (١)، الذي يتَبَرَّزُ
стр. 1684
فيه، ثم ليذْكُروا الله كثيراً، ويُكثِرُوا من التكبير والتهليل، قبل أن يصبحوا (ثم أفيضوا) فإن الناس كانوا يفيضون، وقال الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) حتى يرموا الجمْرَة.
أقول: بد النص بالإشارة إلى ما يفعله المتمتع بالحج من ذبح، فإن لم يتسر له الذبح صام ثلاثة أيام لا يتجاوز بآخرهن يوم عرفة، ويصوم إذا رجع إلى أهله تتمة العشرة ثم تحدث النص عما ذكره الله بعد ذلك من آيات في سورة البقرة عن إفاضة من عرفات إلى المزدلفة ثم يفيضون من مزدلفة إلى منى وهناك يرمون جمرة العقبة فيذبحون ويحلقون ثم يطوفون بالبيت.
٢٥٣٠ - * روى أبو يعلي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال على الإسلام كلهم.
أقول: في هذه الآية مذهبان: أن الناس بعد آدم ﵇ كانوا على الإسلام فاختلفوا فبعث الله الرسل ﵈، وهذا الذي ذكره ابن عباس، والمذهب الثاني أن الناس جميعاً كفروا بعد إذ كانوا مسلمين على دين آدم ﵇ فبعث الله إليهم الرسل.
٢٥٣١ - * روى الترمذي عن أم سلمة ﵂ "أن رسول الله ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "في صِمامٍ واحدٍ" ويروى: "في سمام واحد" بالسين".
стр. 1685
٢٥٣٢ - * روى الشيخان عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحوَلَ، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وأخرجه الترمذي قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأةً في قُبُلِها من دُبُرها ... وذكر الحديث وهو في الجماع من الخلف في الفرج.
٢٥٣٣ - * روى أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: "وما أهلكك؟ " قال: حوَّلْتُ رحْلي الليلة، قال: فلم يرُدَّ عليه شيئاً، قال: فأوحي إلى النبي ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أقبلْ وأدْبرْ، واتَّقِ الدُّبُرَ والحيضة.
٢٥٣٤ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: إن ابن عمر - والله يغفرُ (١)
стр. 1686
له- أوْهَمَ: إنما كان هذا الحي من الأنصار - وهم أهلُ وثنٍ- مع هذا الحيّ من يهود - وهم أهل كتابٍ - فكانوا يروْن أنَّ لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب: أن لا يأتوا النساء إلا على حرفٍ، وذلك أسترُ ما تكون المرأةُ، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النساء شرحاً مُنكراً، ويتلذذون منهن مُقبلاتٍ، ومدبراتٍ، ومستلقيات. فلما قدِم المهاجرون المدينة: تزوَّج رجلٌ منهن امرأةً من الأنصار، فذهب يصنعُ بها ذلك، فأنكرتْهُ عليه، وقالت: إنا كُنَّا نُؤتَى على حرفٍ، فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، حتى شري أمرهُما، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أي: مُقبلاتٍ، ومُدبراتٍ، ومستلقياتٍ، يعني بذلك موضع الولد.
٢٥٣٥ - * روى مالك عن عائشة ﵂ قالت: "نزل قوله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) في قول الرجل: لا والله، وبلى والله".
وفي رواية (٢) أبي داود قال عطاء في اللغو في اليمين، قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "هو قولُ الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله" ورواه أيضاً عنها موقوفاً.
٢٥٣٦ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: في قوله تعالى:
стр. 1687
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته، فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، فنُسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢).
٢٥٣٧ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "كان الناسُ والرجلُ يُطلِّقُ امرأته ما شاء أن يُطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرةٍ أو أكثر، حتى قال رجلٌ لامرأته: والله لا أطلقك، فتبينين مني، ولا آويك أبداً، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلِّقُكِ، فكلما همتْ عدتُك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة، حتى جاء النبي ﷺ ، فأخبرته، فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) قالت عائشة: فاستأنف النساُ الطلاق مستقبلاً: من كان طلق، ومن لم يكن طلق".
٢٥٣٨ - * روى البخاري عن معقل بن يسار ﵁ قال: كانت لي أختٌ تُخطبُ إليَّ، فأتاني ابن عم لي، فأنكحتُها إياه، ثم طلقها طلاقاً له رجعةٌ، ثم تركها حتى انقضت عدتُها، فلم خُطبت إليَّ أتاني يخطبها فقلت له: والله لا أنكحتُكها أبداً، قال: ففي نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٤) الآية فكفرتُ عن يميني، وأنكحتُها إياه.
وفي أخرى (٥) للبخاري فيها: فحَمِيَ معقلٌ من ذلك أنفاً وقال: خلا عنها، وهو
стр. 1688
يقدرُ عليها، ثم يخطبها، فحال بينه وبينها، فأنزل الله هذه الآية، فدعاه النبي ﷺ ، فقرأ عليه فترك الحَمِيَّة، واستقاد لأمر الله .
أقول: الطلقة غير البائنة تعتبر طلقة رجعية أي يجوز للزوج أن يُراجع مطلقته ما دامت في العدة، فإذا انقضت العدة ولم يراجعها أصبح الطلاق بائناً بينونة صغرى، فلا تحل له إلا بعقد جديد ومهر جديد عن تراضٍ، وكان معقل متألماً من زوج أخته لأنه كان باستطاعته أن يراجعها خلال العدة فلم يفعل وجاء بعد ذلك يطلبها، والظاهر أنها كانت راضية، فأراد أخوها منعها من الزواج بزوجها الأول، فأنزل الله ما أنزل.
٢٥٣٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: في قوله تعالى: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١) هو أن يقول: إني أُريدُ التزوج ولوددت أن تُيسر لي امرأةٌ صالحةٌ.
أقول: ما دامت المرأة في العدة لا يجوز لأحدٍ أن يخطبها أو يواعدها سراً على الزواج بعد لعدة ولكن يجوز له التعريض بالنكاح كما ذكر ذلك ابن عباس.
٢٥٤٠ - * روى الستة إلا مالكاً عن عليٍّ أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس".
стр. 1689
وفي رواية (١): "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر".
وفي أخرى (٢): ثم صلاها بين المغرب والعشاء.
٢٥٤١ - * روى مسلم عن ابن مسعودٍ: حبس المشركون النبي ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرتْ، فقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً أو حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً".
٢٥٤٢ - * روى مالك في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ عن عمرو بن رافعٍ مولى عمر بن الخطاب حدث أنه كان يكتب المصاحف في عهد أزواج النبي ﷺ قال فاستكتبتني حفصةُ مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني بها فأمليها عليك كما حفظتُها من رسول الله ﷺ . قال فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتُبها فيها فقالت اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين).
٢٥٤٣ - * روى الستة إلا البخاري عن أبي يُونس مولى عائشة أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً، وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليَّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) قالت: سمعتها من رسول الله صلى الله علي وسلم.
стр. 1690
أقول: يحتمل أن يكون ذكر صلاة العصر بعد الصلاة الوسطى من المنسوخ التلاوة كما يحتمل أن يكون تفسيراً توهم من سمعه أنه قرآن، ويدل على النسخ النص اللاحق.
٢٥٤٤ - * روى مسلم عن البراء: نزلت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وصلاة العصر﴾ فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال رجل: فهي إذاً صلاة العصر، فقال البراء: قد أخبرتُك كيف نزلتُْ، وكيف نسخها الله، والله أعلم.
٢٥٤٥ - * روى أبو داود عن زيد بن ثابتٍ كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يُصلي صلاةً أشدَّ على أصحابه منها فنزلتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.
أقول: هذا وجه آخر لتفسير الصلاة الوسطى وهو وجه ضعيف بالنسبة للوجه الأول، ومن النص نفسه نستشعر احتمال الخطأ، فالعصر هي التي تسبقُها صلاتان ويأتي بعدها صلاتان.
٢٥٤٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: "كانوا يتكلمون في الصلاة يجيءُ خادمُ الرجل إليه وهو في الصلاة فيكلمه بحاجته فنهوا عن الكلام" (١).
стр. 1691
٢٥٤٧ - * روى البخاري عن ابن الزبير ﵄ قال: قلت لعثمان: هذه الآية التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا -إلى قوله- غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلِمَ نكتُبها أو تدعُها؟ قال: يا ابن أخي لا أغيرُ شيئاً منه من مكانه.
أقول: قوله تدعها: أي تكتبها متروكة فهو شك من الراوي هل قال تكتبها أو تدعها وفي رواية فلم تكتبها قال أبو عثمان: تدعها يا ابن أخي أي اتركها مكتوبة.
وتتمة الآية ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ والآية هذه نموذج على ما نسخ حُكْمُه ولم تنسخ تلاوته.
٢٥٤٨ - * روى البخاري عن مجاهد بن جبرٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (١) قال: كانتْ هذه العدةُ، تعتدُّ عند أهل زوجها واجبٌ، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ (٢).
قال: "فجعل الله لها تمام السنة سبعة أشهرٍ وعشرين ليلةً وصيةً، إن شاءتْ سكنت في وصيتها، إنْ شاءتْ خرجتْ، وهو قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فالعدةُ كما هي واجبٌ عليها" زعم ذلك ابن أبي نُجيحٍ عنْ مجاهدٍ، قال ابن أبي نجيحٍ: وقال عطاء: قال ابن عباس: "نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله : (غير إخراج) " قال عطاء: "إن شاءت اعتدتْ عند أهلها، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاءٌ: ثم جاء الميراث، فنسخ السُّكنى، فتعتدُّ حيث شاءت، ولا سكنى لها".
стр. 1692
وفي رواية (١) أبي داود مختصراً، قال ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ "فنسخ ذلك بآية الميراث ما فرض الله لهن من الرُّبُع والثُّمُن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهرٍ وعشراً.
وفي أخرى (٢) له قال ابن عباسٍ: "نسختْ هذه الآيةُ عِدَّتَها عند أهلها، فتعتدُّ حيث شاءت، وهو قول الله : (غير إخراج)، قال عطاء: إن شاءت اعتدتْ عند أهله، وسكنت في وصيتها، وإن شاءتْ خرجتْ، لقول الله ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراثُ فنسخ السكنى، تعتدُ حيث شاءتْ". وأخرج النسائي روايتي أبي داود.
٢٥٤٩ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: نزل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ في الأنصار، كانت تكونُ المرأةُ مِقلاةً فتجْعَلُ على نفسها: إن عاش لها ولدٌ أن تُهوِّدَهُ، فلما أجْلِيَتْ بنو النضير، كان فيهم كثير من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندعُ أبناءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
٢٥٥٠ - * روى أبو يعلي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قال: لم يتغيرْ.
стр. 1693
٢٥٥١ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحنُ أحقُّ بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ويرحمُ الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد، ولو لبثتُ في السجن طول ما لبث يوسفُ، لأجبتُ الداعي".
وفي رواية (١) الترمذي، قال: قال رسول اله ﷺ : "إنَّ الكريم بْنَ الكريم بن الكريم بن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ولو لبثت في السجن ما لبث، ثم جاءني الرسول: أجبتُ"، ثم قرأ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (٢) قال: "ورحمةُ الله على لوطٍ، إن كان ليأوي إلى ركنٍ شديد فما بعث الله من بعده نبياً إلا في ثروةٍ من قومه".
أقول: قوله ﵊: "ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي" من باب الترخيص والرحمة بأمته ﵊ ليبين لهم أن ما فعله يوسف ﵇ في المراجعة لإثبات براءته قبل الخروج من السجن ليس مطلوباً من آحاد هذه الأمة، وهذا يدل على أن السجن نوع من العذاب الشديد.
стр. 1694
٢٥٥٢ - * روى البخاري عن عُبيد بن عُمير ﵀ قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب رسول الله ﷺ : فيم تروْنَ هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قالوا: الله أعلمُ، فغضب عمر فقال: قولوا: نعلمُ، أو لا نعلمُ، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضُربتْ مثلاً لعمل، قال عمر: أيُّ عملٍ؟ قال ابن عباس، لعملٍ، قال عمر: لرجل غنيٍّ يعملُ بطاعة الله، ثم بعث له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله".
وتمام الآية ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
٢٥٥٣ - * روى الترمذي عن البراء بن عازب ﵁ قال: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢) "نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخلٍ، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصُّفة ليس لهم طعامٌ، فكان أحدهم إذا
стр. 1695
جاع، أتى القِنْوَ، فضربه بعصاه، فسقط البُسْرُ والتمر، فيأكل، وكان ناسٌ ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشيصُ والحشفُ، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو أن أحدكم أُهدي إليه مثل ما أعطى، لم يأخذه إلا على إغماض أو حياءٍ، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدُنا بصالح ما عنده".
٢٥٥٤ - * روى الترمذي عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للشيطان لمةً بابن آدم، وللملكِ لمَّة، فأما لمةُ الشيطان، فإيعادٌ بالشرِّ، وتكذيبٌ بالحق، وأما لمةُ الملكِ، فإيعادٌ بالخير، وتصديقٌ بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فيحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ (١).
أقول: هذا النص أصل فيما يذكره أهل القلوب مما يرد على القلب، فيقسمون ذلك أربعة أقسام، وسوسة الشيطان، ووارد الملك، وهاجس النفس، والإلهام الرباني، ولكل علاماته عند أهل القلوب ومن كان قلبه سليماً وطعامه حلالاً سهُلَ عليه أن يميز ما يلقى في قلبه.
стр. 1696
٢٥٥٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية (١) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم بركوا على الرُّكَبِ، فقالوا: أيْ رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيقُ، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نُطيقُها. قال رسول الله ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بلْ قولوا: سمعنا وأطعنا، غُفرانك ربنا وإليك المصير" قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القومُ، وذَلَّتْ بها ألسنتُهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك: نسخها الله تعالى، فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم.
٢٥٥٦ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلتْ هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ دخل قلوبهم منها شيءٌ، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا وسلَّمْنَا"، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلتُ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ قال: فعلتُ.
стр. 1697
وفي رواية (١) الترمذي مثله، وقال: فأنزل الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية، وزاد فيه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ... الحديث.
قال النووي:
في الحديث إشفاق الصحابة من عدم قدرتهم القيام بما كلفتهم به ظاهر الآية.
وقولهم (لا نطيقها) لكونهم اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التي لا تكتسب. وقد اتجه العلماء في هذه الآية اتجاهين.
الأولى: أن الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ناسخة للأولى (وإن تبدوا).
الثاني: أن الآيتين محكمتان ولا نسخ وأن الآية (وإن تبدوا) عموم يصح أن يشتمل على ما يُمْلَكُ من الخواطر دون ما لا يُملكُ فتكون الآية الأخرى مخصصةً، قال النووي فيما نقله عن الواحدي: والمحققون يختارون أن الآية محكمة غير منسوخة.
وقال القاضي عياض لا وجه لإبعاد النسخ فإن راويها قد روى فيها النسخ.
لكن اختلف في قول الصحابي نسخ كذا بكذا هل يكون حجة يثبت بها النسخ؟ والمحققون على أنه قد يكون قوله عن اجتهاد وتأويل فلا يكون نسخاً حتى ينقل عن رسول الله (باختصار وتصرف انظر شرح النووي على مسلم ٢/ ١٤٩ - ١٥١).
٢٥٥٧ - * روى الستة إلا مالكاً عن أبي هريرة رفعه: "إن الله تجاوز لأمتي مالم تكَلَّمْ به أو تعمل به وما حدَّثَتْ به أنفُسها".
стр. 1698
سورة آل عمران
٢٥٥٨ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت تلا رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) فقال: "فإذا رأيْتُم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأُولئك الذين سمَّى الله فاحذَرُوهُم".
وفي رواية (٢) الترمذي، قالت: سُئل رسول الله ﷺ وفيها: "فإذا رأيتمُوهم فاعرفوهم" قالها مرتين، أو ثلاثاً.
قال الشيخ حسنين محمد مخلوف عند قوله تعالى وابتغاء تأويله: "وطلب تأويل الكتاب وتحريفه، التأويل الباطل الذي يشتهونه والتحريف السقيم الذي يقصدونه زاعمين أنه الغاية المرادة منه، وذلك شأن أهل البدع والأهواء والملاحدة في كل عصر. وتبعهم في ذلك الذين سموا أنفسهم مبشرين في هذا العصر". اهـ صفوة البيان لمعاني القرآن.
أقول: الفرق الضالة عن الإسلام وهي اثنتان وسبعون فرقة لم ترفض القرآن وإنما لجأت إلى هذا الأسلوب من التأويل الفاسد وتحكيم الهوى حتى خرج بعضها من الإسلام خروجاً تاماً وبعضها ضلت ولم تكفر، ومن دراسة لتاريخ الفرق التي أجمع أهل السنة والجماعة على ضلالها نتعرف على أنواع من المتشابه ضلت به هذه الفرق فما من فرقة إلا وقد ضلت بمتشابه بالنسبة لها أخذت به وأولته وتركت المحكم، ولا شك أن مما يدخل في الآيات المتشابهات آيات لها صلة بقضايا عقدية، فالنص يدل على ذلك قال تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ فمن ذهب إلى أن كل ما ورد في باب الاعتقاد لا يدخل في باب المتشابه،
стр. 1699
فقد خالف النص مخالفة صريحة، وللعلماء اتجاهات في الوقف، فبعضهم يقف عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وبعضهم يقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.
فعلى الوقف الثاني: فإن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد وصفت الآيات نفسها الراسخين في العلم فقالت: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وفي أواخر سورة آل عمران وصف أولو الألباب بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) فالراسخون في العلم هم من اجتمع لهم ذكر وفكر وتسليم وهداية ورسوخ في العلم، فهؤلاء إذا أوَّلوا فإنه يسلم لهم تأويله، وعندك علامة تفرق بها بين أئمة الهدى وأئمة الضلال.
أما أئمة الهدى لا يخالفون إجماعاً، وقد ظهر بعض الناس قديماً وحديثاً يتابعون من خالف الإجماع ويحكمون على أئمة الهدى بالضلال، فهؤلاء يدخلون في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
٢٥٥٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: تفسير قول المرأةِ الصالحةِ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ (٢) أي: خالصاً للمسجد يخدمُهُ.
٢٥٦٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ (٣)، اقترعوا فجرتْ أقلامُهُمْ مع الجرية، فعال قلَمُ زكريا الجرْيَة.
стр. 1700
٢٥٦١ - * روى الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكلِّ نبيٌّ وُلاةً من النبيين وإن وليِّي أبي وخليلُ ربي إبراهيم، ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
٢٥٦٢ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (٢). قال: حُلماءُ فقهاء عُلماءُ.
٢٥٦٣ - * روى النسائي عن ابن عباس ﵁ قال: كان رجلٌ من الأنصار أسلم، ثم ارتدَّ، ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله ﷺ : هلْ لي من توبةٍ؟ فجاء قومه إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: هل له من توبةٍ؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) فأُرسل إليه فأسلم.
٢٥٦٤ - * روى أحمد عن أنس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا
стр. 1701
الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١) قال: أي رسول الله ﷺ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٢). قال أبو طلحة: يا رسول الله حائطي الذي في كذا وكذا هو لله ولو استطعت أسرَّهُ لم أعلنه، فقال: "اجعله في فقراء أهلك أدنى أهل بيتك".
٢٥٦٥ - * روى ابن خزيمة عن أنس بن مالك: قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. أتى أبو طلحة رسول الله ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، ليس لي أرض أحبَّ إلي من أرضي بيرحي. فقال النبي ﷺ : "بيرحي خير رايح أو خير رابح" يشك الشيخ - فقال أبو طلحة: وإني أتقربُ بها إلى الله. فقال: "اجعلْها في قرابتك". فقسَّمها بينهم حدائق.
أقول: في رواية البخاري: وفيه: بخ ذلك مال رايح ذلك مال رايح (بالياء في المرتين) وفي رواية (رابح) (بالباء).
وفي رواية أحمد عن أنس: بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح. وسمى البستان بيرحاء.
٢٥٦٦ - * روى ابن خزيمة عن أنس، قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: أرى ربنا يسألنا أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت أرضي بيرحي لله. فقال رسول الله ﷺ : "اجعلها في قرابتك" قال: فجعلها في حسان بن ثابت وأُبي بن كعبٍ.
٢٥٦٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُشكر فلا يكفر وأن يُذْكر فلا يُنْسى.
стр. 1702
٢٥٦٨ - * روى الطبري عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ قال: القرآن.
٢٥٦٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخُلوا في الإسلام".
٢٥٧٠ - *روى أحمد عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده رفعهُ في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرُها وأكرمُها على الله".
٢٥٧١ - * روى أحمد عن ابن عباسٍ في قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع محمدٍ ﷺ .
٢٥٧٢ - * روى الطبراني عن ابن عباس لما أسلم عبدُ الله بن سلامٍ وثعلبةُ بن سعية وأسدُ بن عبيد ومن أسلم من يهود، قالت أحبارُهم. ما آمن بمحمدٍ إلا شرارُنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله (١) ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ
стр. 1703
آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
٢٥٧٣ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: فينا نزلت ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (١) قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة، وبنو سلمة، وما يسرُّني أنها لم تنزل، لقول الله ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
٢٥٧٤ - * روى البخاري عن (ابن عمر) كان النبي ﷺ يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمروٍ والحارث بن هشامٍ، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وأخرجها بسنده أن ابن عمر سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً" بعدما يقول "سمع الله لمن حَمِده ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
وفي رواية (٢) عن ابن عمر: قال النبي ﷺ : "اللهم العنْ أبا سفيان، اللهم العنْ صفوان بن أمية"، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾، فتاب عليهم، فأسلموا فحسُن إسلامهُم.
٢٥٧٥ - * روى البزار عن (أبي هريرة) جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ قال: أرأيت قوله
стр. 1704
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النارُ؟ قال أرأيت الليل فالتبس كلُّ شيء فأين النهار؟ قال: "حيثُ شاء الله"، قال "فكذلك النارُ حيثُ شاء الله".
أقول: الجنة فوق السماء السابعة، وسطح كل محيط أعظم من قطره، فلا غرابة أن يكون عرض الجنة عرض السماوات والأرض، وإذا كانت الجنة فوق السماء السابعة فكيف يستبعد أن يكون هناك فراغ للنار في قلب هذا المحيط الهائل.
٢٥٧٦ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: إن في كتاب الله لآيتين ما أذنب عبد ذنباً فقرأهما واستغفر الله إلا غفر له ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
٢٥٧٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال بعث النبي ﷺ جيشاً فرُدَّتْ رايتُه ثم بعث فرُدَّتْ ثم بعث فردت بغلول رأس غزالٍ من ذهبٍ فنزلت ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.
أقول: رد الرايات إشارة إلى عدم النصر وذلك بسبب ذنب الغلول الذي هو السرقة من الغنيمة.
٢٥٧٨ - * روى البزار عن ابن عباس قال في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قال ما كان لنبي أن يتَّهِمه قوْمُهُ.
أقول: في هذا النص دليل على عصمة الرسل عليهم الصلاة والسلام فلا يجوز لمسلم أن يتهم نبياً بأي ذنب، والنص يشير إلى استحالة الغلول من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أعظم من أن تتطلع أعينهم إلى شيء من الدنيا فضلاً عن أن يأخذوا شيئاً من الغنائم خفية مما لا يحل لهم (١).
стр. 1705
٢٥٧٩ - *روى مسلم عن مسروقٍ. قال: سألنا عبد الله (هو ابن مسعودٍ) عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١) قال: "أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال "أرواحُهُمْ في جوفِ طيرٍ خُضرٍ. لها قناديل معلقةٌ بالعرش. تسرَحُ من الجنة حيثُ شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً. فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرحُ من الجنة حيث شئنا. ففعل ذلك بهم ثلاث مراتٍ. فلما رأوا أنهم لن يُتْرَكُوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربِّ نُريد أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لم حاجةٌ تُركوا".
٢٥٨٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢) قالها إبراهيم حين أُلْقِي في النَّار، وقالها محمدٌ حين قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾.
أقول: وذلك كان بعد غزوة أحد إذ عبأ الرسول ﷺ المسلمين وخرج لحمراء الأسد.
٢٥٨١ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود في قوله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال يطوق شجاعاً أقرع له زبيبتان ينْقُرُ رأسه فيقول: مالي ولك فيقول أنا مالك الذي بخِلْتَ به، وفي رواية (٣) عن عبد الله أيضاً قال: من كان له مال لم يؤدِّ زكاته طوِّقه يوم القيامة شجاعاً أقرع ينقُرُ رأسه فيقول: أنا مالك الذي كنت تبْخَلُ به ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
стр. 1706
٢٥٨٢ - * روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحُوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ ، فإذا قَدِمَ رسول الله ﷺ اعتذروا إليه، وحلفُوا له وأحبُّوا أن يُحمدُوا بما لم يفعلُوا، فنزلتْ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (١) الآية.
٢٥٨٣ - * روى الشيخان عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف ﵄ أن مروان قال لبوابه: اذهَبْ يا رافعُ إلى ابن عباس، فقُلْ: لئن كان كلُّ امريءٍ منا فرح بما أتى، وأحبَّ أن يُحمد بما لم يفعل مُعذباً لنُعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيءٍ، فكتمُوه إيَّاهُ، وأخبرُوه بغيره، فأروْهُ أن قد استحمِدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحُوا بما أتوا من كتمانهم إياهُ ما سألهم عنه.
٢٥٨٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ قال: والذي لا إله إلا هو ما من نفس حيةٍ إلا الموتُ خيرٌ لها إن كان براً فإن الله يقول ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ وإن كان فاجراً فإن الله يقول: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾.
стр. 1707
سورة النساء
٢٥٨٥ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: إن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها، وكان له عذْقُ نخلٍ، فكانت شريكته فيه وفي ماله، فكان يمسكُها عليه، ولم يكن له من نفسه شيءٌ، فنزلت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١).
وفي رواية (٢): أن عُروة سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا - إلى قوله- أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمةُ تكون في حِجْر وليِّها، فيرغبُ في جمالها ومالها، ويريد أن ينْتَقِصَ صداقها، فنُهُوا عن نكاحهن، إلا أن يُقْسِطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمِرُوا بنكاح من سواهن، قالت عائشة: فاستفتى الناس رسول الله ﷺ بعد ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٣) فبين الله لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبُوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوباً عنها في قلة المال والجمال، تركوها، والتمسوا غيرها من النساء، قالت: فكما يتركونها حين يرغبُون عنها، فليس لهم أنْ ينكحوها إذا رغِبُوا فيها، إلا أن يُقسِطُوا لها، ويُعْطُها حقها الأوفى من الصداق.
وفي رواية (٤) نحوه، وفيه قالتْ: يا ابن أختي، هي اليتيمةُ تكون في حِجْر وليها، تشاركُه في ماله، فيعجِبُه مالُها وجمالثها، ويريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهُوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن، ويبلُغوا بهن
стр. 1708
أعلى سُنَّتِهِنَّ من الصداق.
وفيه: قالت عائشة، والذي ذكر الله: أنهُ ﴿يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية الأولى، التي قال فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ قالت: وقول الله في الآية الآخرة ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: رغبة أحدهم عن يتيمته التي في حِجْره حين تكون قليلة المال، فنُهُوا أنْ ينْكِحُوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن.
زاد في رواية (١) آخرة: من أجل رغبتهم عنهن، إذا كُنَّ قليلات المال والجمال.
وفي أخرى (٢) عنها في قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى آخر الآية، قال: هي اليتيمة تكون في حِجْر الرجل، قد شرِكَتْهُ في ماله، فيرغبُ عنها أنْ يتزوجها، ويكره أن يُزوِّجها غيره، فيُدْخِلُ عليه في ماله، فيحْبِسُها، فنهاهم الله عن ذلك.
وزاد أبو داود (٣): قال يونسُ، وقال ربيعة في قول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قال: يقول: اتركُوهُنَّ إن خفتم، فقد أحلَلْتُ لكم أربعاً.
٢٥٨٦ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)، إنما نزلتْ في والي اليتيم إذا
стр. 1709
كان فقيراً: أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروفٍ.
وفي رواية (١): أن يُصيب من ماله إذا كان محتاجاً بقدر ماله بالمعروف.
٢٥٨٧ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٢) قال: هي مُحْكَمَةٌ، وليست بمنسوخة.
وفي رواية (٣) قال: إنَّ ناساً يزعُمونَ أن هذه الآية نُسختْ، ولا والله ما نُسخت، ولكنها مما تهاون الناسُ بها، هما واليان: والٍ يرثُ، وذلك الذي يُرْزَقُ، ووالٍ لا يرثُ، وذلك الذي يقول بالمعروف، ويقول: لا أملك لك أن أعْطيكَ.
أقول: من المسْتَحسَنِ على هذا القول للورثة إذا كانوا بالغين أن يهدوا لمن لا يرث من الأقارب إذا رضي الورثة بذلك، أما الوارث غير البالغ فليس لأحد أن يتصدق بشيء من ميراثه.
٢٥٨٨ - * روى البزار عن ابن عباس ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ قال: كن يُحْبَسْن في البيوت حتى يمُتْنَ فلما نزلَتْ سورةُ النور ونزلت الحدود نسختْها.
٢٥٨٩ - * روى أحمد عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبيُّ الله ﷺ إذا أنْزِلَ عليه كُرب لذلك وتَرَبَّدَ وجْهُه، قال: فأُنزِلَ عليه ذات يومٍ، فلُقيَ كذلك، فلما
стр. 1710
سُرِّيَ عنه، قال: خُذوا عنِّي، خُذوا عني، فقد جعل الله لهنَّ سبيلا البِكْر بالبِكْر، جلدُ مائةٍ، ونفيُ سنةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، جلدُ مائةٍ والرجمُ.
٢٥٩٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (١) كانوا إذا مات الرجلُ، كان أولياؤه أحقَّ بامرأته، إن شاء بعضهُم تزوجها، وإن شاؤوا زَوَّجوها، وإن شاؤوا لم يزوِّجوها، فهم أحقُّ بها من أهلها، فنزلتْ هذه الآية في ذلك.
وفي أخرى (٢) لأبي داود، قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وذلك أنَّ الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضِلُها حتى تموت، أو تَرُدَّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك أي نهي عن ذلك.
стр. 1711
٢٥٩١ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١).
فكان الرجل يحْرَجُ أنْ يأكل عند أحدٍ من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنُسِخَ ذلك بالآية الأخرى التي في النور، فقال: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (٢) فكان الرجلُ الغنيُّ يدعو الرجل من أهله إلى طعام، فيقول: إني لأجنحُ أن آكل منه - والتجنُّحُ: الحرجُ- ويقول: المسكين أحق به مني: فأُحِلَّ في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وأحل طعام أهل الكتاب.
٢٥٩٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ قال إنها محكمة ما نسخت.
٢٥٩٣ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سُئِلَ عن الكبائر قال: ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين.
٢٥٩٤ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ورثة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) كان المهاجرون لما قدِمُوا المدينة يرثُ المهاجريُّ
стр. 1712
الأنصاريَّ، دون ذوي رحمه، للأخوَّةِ التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، نسختها ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصْر والرفادةِ والنصيحة، وقد ذهب الميراثُ، ويُوصي له.
وفي أخرى (١) لأبي داود قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان الرجلُ يحالف الرجل، ليس بينهما نسبٌ فيرثُ أحدهما الآخر، فنسخ ذلك الأنفال، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.
٢٥٩٥ - * روى مالك ﵁ بلغه، أنَّ عليَّ بن أبي طالب ﵁ قال في الحَكَمَيْنِ اللذين قال الله فيهما: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ إنَّ إليهما الفُرقة بينهما والاجتماع.
٢٥٩٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (٢) قال: قال رسول الله ﷺ إن الله لا يظلمُ
стр. 1713
مؤمناً حسنةً، يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطْعَمُ بحسناتِ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكُن له حسنةٌ يُجزى بها.
٢٥٩٧ - * روى البخاري عن سعيد بن جُبير ﵀ قال: قال رجل لابن عباس إني أجدُ في القرآن أشياء تختلفُ عليَّ، قال: ما هو؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣)، وقال: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٤)، وقد كتموا في هذه الآية، وفي ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٥) فذكر خلْقَ السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ -إلى قوله- طَائِعِينَ﴾ (٦) فذكر في خلْقَ الأرض قبل خلقِ السَّماء، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٧) وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٨) وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٩) فكأنه كان، ثُمَّ مضى، قال ابن عباسٍ ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة في الصور، فيُصْعَقُ مَنْ في السموات ومنْ في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك، ولا يتساءلون، ثم في النَّفْخةِ الآخرة: أقْبلَ بعضهم على بعض يتساءلون، وما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن الله يغفرُ لأهل الإخلاص ذنُوبَهُمْ، فيقول المُشْرِكُ: تعالوا نقولُ: ما كُنَّا مشركين، فيخْتِمُ الله على أفواههمْ، فتنطقُ جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عُرِفَ أن الله لا يكتمُ حديثاً، وعنده: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وخلق الأرض في
стр. 1714
يومين، ثم استوى إلى السماء فسواهُن سبع سموات في يومين آخرين، ثم دحى الأرض، أي: بسطها، وأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار، والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (١) فخُلقت الأرضُ وما فيها من شيءٍ في أربعة أيامٍ، وخُلِقَتِ السموات في يومين، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سمى نفسه ذلك، أي: لم يزلْ، ولا يزالُ كذلك. وإن الله لم يُرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، ويحكَ، فلا يختلفُ عليك القرآن، فإن كلاًّ من عند الله.
أقول: اعتمدنا في تفسيرنا قولاً غير القول الذي قاله ابن عباس هاهنا في أن الأرض خلقت بعد السماء، ومجمل ما اعتمدناه أن السماء بمجراتها خلقت قبل الأرض والسموات السبع خلقت بعد الأرض، وقد اعتمدنا هذا التفسير بانين على بعض أقوال العلماء القدماء، لأن خلق الأرض متأخر في الزمن على خلق مجرات هذا الكون وهو شيء تؤكده كثير من الأبحاث العلمية ويشهد له ظاهر النصوص.
٢٥٩٨ - * روى الترمذي عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قال: صنع لنا ابن عوفٍ طعاماً، فدعانا، فأكلنا، وسقانا خمراً قبل أن تُحرَّمَ، فأخذتْ منا، وحضرت الصلاةُ، فقدَّموني، فقرأت: قلْ: يا أيُّها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبدُ ما تعبدون، قال: فخلَّطْتُ، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢).
وأخرجه أبو داود (٣) أنَّ رجلاً من الأنصار دعاهْ وعبد الرحمن بن عوفٍ، فسقاهما قبل أن تحرَّم الخمرُ، فحضرت الصلاة، فأمَّهُمْ عليٌّ في المغرب، فقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فخلَّط فيها، فنزلتْ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
стр. 1715
٢٥٩٩ - *روى أبو داود عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢) نسختها التي في المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
٢٦٠٠ - * روى أبو يعلي عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نُمسكُ عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا رسول الله ﷺ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال إني ادخرت دعوتي شفاعةً لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعدُ ورجونا.
٢٦٠١ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: إن في سورة النساء لخمس آياتٍ ما يسُرُّني بها الدنيا وما فيها وقد علِمْتُ أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
٢٦٠٢ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن ابن عباس ﵄ قال: نزل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩] في عبد الله
стр. 1716
ابن حُذافة بن قيس بن عدي السهمي، إذ بعثه رسول الله ﷺ في سريَّة.
قال ابن حجر في الفتح ٨/ ٢٥٤.
قوله (نزلت في عبد الله بن حذافة) كذا ذكره مختصراً، والمعنى نزلت في قصة عبد الله ابن حذافة أي المقصود منها في قصته قوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، وقد غفل الداودي عن هذا المراد فقال: هذا وهم على ابن عباس، فإن عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب فأوقدوا ناراً وقال اقتحموها فامتنع بعض، وهم بعض أن يفعل. قال: فإن كانت الآية نزلت قبل فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره، وإن كانت نزلت بعد فإنما قيل لهم إنما الطاعة في المعروف، وما قي للهم لِمَ لم تطيعوه؟ انتهى. والحمل الذي قدمته يظهر المراد، وينتفي الإشكال الذي أبداه، لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به، وسببه أن الذين هموا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عدهم الفرارُ من النار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع وهو الرد إلى الله وإلى رسوله، أي إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه فارجعوا إلى الكتاب والسنة، والله أعلم. وقد روى الطبري أن هذه الآية نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد بن الوليد وكان خالدٌ أميراً فأجار عمار رجلاً بغير أمره فتخاصما فنزلت، فالله أعلم.
واختلف في المراد بأولي الأمر في الآية، فعن أبي هريرة قال: هم الأمراء أخرجه الطبري بإسناد صحيح، وأخرج عن ميمون بن مهران وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصح منه عن مجاهد قال: هم الصحابة، وهذا أخص. وعن عكرمة قال: أبو بكر وعمر، وهذا أخص من الذي قبله، ورجح الشافعي الأول واحتج له بأن قريشاً كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير، فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر (١)، ولذلك قال ﷺ
стр. 1717
"من أطاع أميري فقد أطاعني" متفق عليه. واختار الطبري حملها على العموم وإن نزلت في سبب خاص، والله أعلم. اهـ.
٢٦٠٣ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (١) قال كنت أنا وأُمِّي من المستضعفين.
وفي رواية أخرجها (٢) الإسماعيلي: قال: تلا ابن عباس ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ فقال: كنت أنا وأمي ممن عَذَر الله، أنا من الولدان، وأمي من النساء.
٢٦٠٤ - * روى النسائي عن ابن عباس ﵄ أن عبد الرحمن بن عوفٍ وأصحاباً له أتوُا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنَّا في عِزٍّ، ونحن مُشركون، فلما آمنَّا صِرْنا أذِلَّةً، فقال: إني أُمرتُ بالعفو، فلا تُقاتلوا، فلما حوَّله الله إلى المدينة أُمر بالقتال فكفُّوا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣).
٢٦٠٥ - * روى الطبراني في الصغير عن عائشة ﵂ قالت جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحبُّ إليَّ من نفسي، وإنك لأحبُّ إليَّ من ولدي وإني
стр. 1718
لأكونُ في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتى فأنظر إليك وإذا ذكرتُ موتي وموتُكَ عرفْتُ أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيتُ أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئاً حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾.
٢٦٠٦ - * روى الشيخان عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قلت لابن عباس: ألِمَنْ قتل مُؤمناً متعمداً من توبةٍ؟ قال: لا، فتلوْتُ عليه هذه الآية التي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (١) قال: هذه آية مكيَّة، نسختْها آية مدنية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٢). وفي رواية (٣) قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن فرحلتُ فيه إلى ابن عباس فقال: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء.
وفي أخرى (٤) قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله ﴿مُهَانًا﴾ فقال المشركون: وما يُغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله، وقد قتلنا النفس التي حرَّم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل الله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥).
زاد في رواية (٦): فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له.
стр. 1719
وفي رواية للبخاري (١) ومسلم والنسائي قال سعيد: أمرني عبد الرحمن بن أبْزَى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين؟ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فسألته، فقال، لم ينسخها شيء، وعن هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال: نزلت في أهل الشرك.
وفي رواية (٢) لأبي داود عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس فقال: لم نزلت التي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرم الله ودعونا مع الله إلهاً آخر وأتينا الفواحش فأنزل الله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فهذه لأولئك، قال: وأما التي في النساء ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية، قال: الرجل إذا عرف شرائع الإسلام ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم لا توبة له، فذكرت هذا لمجاهد، فقال: إلا من نَدِمَ.
ابن عباس يرى أن القاتل العمد لا توبة له مستدلاً بآية النساء معتبراً آية الفرقان نزلت في أهل الشرك أي قبل أن يسلموا يفعلون ما يفعلون فإن أسلموا فإن التوبة حاصلة لهم وقد أنزل الله الآية رداً عليهم إذا قالوا قد قتلنا النفس إلخ ...
والجمهور على أن للقاتل توبة إذ أن في القتل ثلاثة حقوق حق الله وحق القتيل وحق أهل القتيل فحق أهل القتيل يسقط بالقصاص أو الدية، وحق الله تسقطه التوبة إن شاء الله أن يعفو، وحق القتيل يبقى في عنق القاتل فإن شاء الله أرضاه وأدخل القاتل الجنة وإلا فإن القاتل يعذب ما شاء الله أن يعذب ثم يخرج من النار في المآل إذا كان مؤمناً.
قال النووي تعليقاً على جواب ابن عباس أن لا توبة:
واحتج [ابن عباس] بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ هذا هو المشهور عن ابن عباس، وروي عنه: أن له توبة، وجواز المغفرة له،
стр. 1720
لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) فهذه الرواية الثانية: هي مذهب جميع أهل السنة والصحابة والتابعين ومن بعدهم، وما روي عن بعض السلف، مما يخالف هذا، فمحمول على التغليظ والتحذير من القتل، والتأكيد في المنع منه، وليس في هذه الآية التي احتج بها ابن عباس - تصريح بأنه يُخلد في النار، وإنما فيها جزاؤه، ولا يلزم منه أن يجازى. اهـ.
وقال ابن كثير ١/ ٥٣٧: قال أبو هريرة وجماعة من السلف هذا جزاؤه إن جازاه ...
ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه وكذا كل وعيد على ذنب ... لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه وعلى قول ابن عباس أنه لا توبة له وعلى قول الجمهور حيث لا عمل صالحاً ينجو به فليس بمخلد فيها بداً بل الخلود هو المكث الطويل وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ (أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان) ... اهـ.
٢٦٠٧ - * روى النسائي عن ابن عباس ﵄ سُئل عمنْ قتل مؤمناً متعمداً، ثم تاب وآمن، وعمل صالحاً، ثم اهتدى؟ فقال ابن عباس: فأنَّى له بالتوبة؟ سمعتُ نبيكمْ ﷺ يقول: "يجيءُ المقتول متعلقاً بالقاتل، تشخَبُ أوداجُهُ دماً، فيقول: أي رَبِّ، سل هذا فيم قتلني؟ " ثم قال: "والله لقد أنزلها الله، ثم ما نسخها".
وفي رواية (٢) له أيضاً وللترمذي: أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء المقتولُ بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجُهُ تشخَبُ دماً، يقول: يا ربِّ، قتلني هذا، حتى يدنيَهُ من العرش"، قال: فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قال: ما نُسختْ هذه الآيةُ، ولا بُدِّلَتْ، وأنَّى له التوبة؟!.