ابن حُذافة بن قيس بن عدي السهمي، إذ بعثه رسول الله ﷺ في سريَّة.
قال ابن حجر في الفتح ٨/ ٢٥٤.
قوله (نزلت في عبد الله بن حذافة) كذا ذكره مختصراً، والمعنى نزلت في قصة عبد الله ابن حذافة أي المقصود منها في قصته قوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، وقد غفل الداودي عن هذا المراد فقال: هذا وهم على ابن عباس، فإن عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب فأوقدوا ناراً وقال اقتحموها فامتنع بعض، وهم بعض أن يفعل. قال: فإن كانت الآية نزلت قبل فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره، وإن كانت نزلت بعد فإنما قيل لهم إنما الطاعة في المعروف، وما قي للهم لِمَ لم تطيعوه؟ انتهى. والحمل الذي قدمته يظهر المراد، وينتفي الإشكال الذي أبداه، لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به، وسببه أن الذين هموا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عدهم الفرارُ من النار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع وهو الرد إلى الله وإلى رسوله، أي إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه فارجعوا إلى الكتاب والسنة، والله أعلم. وقد روى الطبري أن هذه الآية نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد بن الوليد وكان خالدٌ أميراً فأجار عمار رجلاً بغير أمره فتخاصما فنزلت، فالله أعلم.
واختلف في المراد بأولي الأمر في الآية، فعن أبي هريرة قال: هم الأمراء أخرجه الطبري بإسناد صحيح، وأخرج عن ميمون بن مهران وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصح منه عن مجاهد قال: هم الصحابة، وهذا أخص. وعن عكرمة قال: أبو بكر وعمر، وهذا أخص من الذي قبله، ورجح الشافعي الأول واحتج له بأن قريشاً كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير، فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر (١)، ولذلك قال ﷺ
стр. 1717
"من أطاع أميري فقد أطاعني" متفق عليه. واختار الطبري حملها على العموم وإن نزلت في سبب خاص، والله أعلم. اهـ.
٢٦٠٣ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (١) قال كنت أنا وأُمِّي من المستضعفين.
وفي رواية أخرجها (٢) الإسماعيلي: قال: تلا ابن عباس ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ فقال: كنت أنا وأمي ممن عَذَر الله، أنا من الولدان، وأمي من النساء.
٢٦٠٤ - * روى النسائي عن ابن عباس ﵄ أن عبد الرحمن بن عوفٍ وأصحاباً له أتوُا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنَّا في عِزٍّ، ونحن مُشركون، فلما آمنَّا صِرْنا أذِلَّةً، فقال: إني أُمرتُ بالعفو، فلا تُقاتلوا، فلما حوَّله الله إلى المدينة أُمر بالقتال فكفُّوا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣).
٢٦٠٥ - * روى الطبراني في الصغير عن عائشة ﵂ قالت جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحبُّ إليَّ من نفسي، وإنك لأحبُّ إليَّ من ولدي وإني
стр. 1718
لأكونُ في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتى فأنظر إليك وإذا ذكرتُ موتي وموتُكَ عرفْتُ أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيتُ أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئاً حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾.
٢٦٠٦ - * روى الشيخان عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قلت لابن عباس: ألِمَنْ قتل مُؤمناً متعمداً من توبةٍ؟ قال: لا، فتلوْتُ عليه هذه الآية التي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (١) قال: هذه آية مكيَّة، نسختْها آية مدنية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٢). وفي رواية (٣) قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن فرحلتُ فيه إلى ابن عباس فقال: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء.
وفي أخرى (٤) قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله ﴿مُهَانًا﴾ فقال المشركون: وما يُغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله، وقد قتلنا النفس التي حرَّم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل الله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥).
زاد في رواية (٦): فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له.
стр. 1719
وفي رواية للبخاري (١) ومسلم والنسائي قال سعيد: أمرني عبد الرحمن بن أبْزَى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين؟ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فسألته، فقال، لم ينسخها شيء، وعن هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال: نزلت في أهل الشرك.
وفي رواية (٢) لأبي داود عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس فقال: لم نزلت التي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرم الله ودعونا مع الله إلهاً آخر وأتينا الفواحش فأنزل الله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فهذه لأولئك، قال: وأما التي في النساء ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية، قال: الرجل إذا عرف شرائع الإسلام ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم لا توبة له، فذكرت هذا لمجاهد، فقال: إلا من نَدِمَ.
ابن عباس يرى أن القاتل العمد لا توبة له مستدلاً بآية النساء معتبراً آية الفرقان نزلت في أهل الشرك أي قبل أن يسلموا يفعلون ما يفعلون فإن أسلموا فإن التوبة حاصلة لهم وقد أنزل الله الآية رداً عليهم إذا قالوا قد قتلنا النفس إلخ ...
والجمهور على أن للقاتل توبة إذ أن في القتل ثلاثة حقوق حق الله وحق القتيل وحق أهل القتيل فحق أهل القتيل يسقط بالقصاص أو الدية، وحق الله تسقطه التوبة إن شاء الله أن يعفو، وحق القتيل يبقى في عنق القاتل فإن شاء الله أرضاه وأدخل القاتل الجنة وإلا فإن القاتل يعذب ما شاء الله أن يعذب ثم يخرج من النار في المآل إذا كان مؤمناً.
قال النووي تعليقاً على جواب ابن عباس أن لا توبة:
واحتج [ابن عباس] بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ هذا هو المشهور عن ابن عباس، وروي عنه: أن له توبة، وجواز المغفرة له،
стр. 1720
لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) فهذه الرواية الثانية: هي مذهب جميع أهل السنة والصحابة والتابعين ومن بعدهم، وما روي عن بعض السلف، مما يخالف هذا، فمحمول على التغليظ والتحذير من القتل، والتأكيد في المنع منه، وليس في هذه الآية التي احتج بها ابن عباس - تصريح بأنه يُخلد في النار، وإنما فيها جزاؤه، ولا يلزم منه أن يجازى. اهـ.
وقال ابن كثير ١/ ٥٣٧: قال أبو هريرة وجماعة من السلف هذا جزاؤه إن جازاه ...
ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه وكذا كل وعيد على ذنب ... لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه وعلى قول ابن عباس أنه لا توبة له وعلى قول الجمهور حيث لا عمل صالحاً ينجو به فليس بمخلد فيها بداً بل الخلود هو المكث الطويل وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ (أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان) ... اهـ.
٢٦٠٧ - * روى النسائي عن ابن عباس ﵄ سُئل عمنْ قتل مؤمناً متعمداً، ثم تاب وآمن، وعمل صالحاً، ثم اهتدى؟ فقال ابن عباس: فأنَّى له بالتوبة؟ سمعتُ نبيكمْ ﷺ يقول: "يجيءُ المقتول متعلقاً بالقاتل، تشخَبُ أوداجُهُ دماً، فيقول: أي رَبِّ، سل هذا فيم قتلني؟ " ثم قال: "والله لقد أنزلها الله، ثم ما نسخها".
وفي رواية (٢) له أيضاً وللترمذي: أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء المقتولُ بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجُهُ تشخَبُ دماً، يقول: يا ربِّ، قتلني هذا، حتى يدنيَهُ من العرش"، قال: فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قال: ما نُسختْ هذه الآيةُ، ولا بُدِّلَتْ، وأنَّى له التوبة؟!.
стр. 1721
بيّنا في التعليق السابق الفهم الذي يجمع بين الآيات دون القول بالنسخ في أي منهما ... وقد علق محقق الجامع فقال: ٢/ ٩٥.
إن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول فيه، وإذا كان الشرك - وهو أعظم الذنوب وأشدها - تمحوه التوبة إلى الله تعالى، ويقبل من صاحبه الخروج منه، والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتا القتل عمداً؟.
٢٦٠٨ - * روى أبو داود عن أبي مِجْلزٍ ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: هي جزاؤه، فإنْ شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعلَ.
بهذا الأثر استدل الجمهور على تفسير الآية وبغيره من عمومات الشريعة ومقاصدها ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ راجع تفسير ابن كثير (١/ ٥٣٧) وابن جرير ج ٥/ ١٣٦ - ١٣٩ قال ابن جرير ٥/ ١٣٩:
وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال معناه ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه - إن جزاه - جهنم خالداً فيها ولكنه يعفو أو يتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلاً في هذه الآية فقد يجب أن يكون المشرك داخلاً فيه لأن الشرك من الذنوب فإن الله عز ذكره قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ والقتل دون الشرك.
٢٦٠٩ - * روى الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: لَقِيَ ناسٌ من المسلمين رجلاً في غُنيمنةٍ له، فقال: السلام عليكم، فأخذوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغُنَيْمَ' (١)،
стр. 1722
فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وقرأها ابن عباس: السلام.
ولفظ الترمذي قال "مرَّ رجلٌ من بني سُليْم على نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ومعه غنمٌ له، فسلَّم عليهم، فقالوا: ما سَلَّمَ عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا فقتلوه، وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ ، فأنزل الله الآية.
أقول: وقراءة ابن عباس من القراءات المعتمدة وهذه قراءة حفص ومن وافقه أما قراءة نافع وابن عامر وحمزة فبفتح اللام وبحذف الألف (السَّلَمَ). فالقراءتان سبعيتان متواترتان.
٢٦١٠ - * روى أحمد عن عبد الله بن أبي حدْرَدٍ قال بعثنا رسول الله ﷺ إلى إِضَمٍ فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بنُ ربعي ومُحَلِّمُ بن جثامة بن قيسٍ فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مَرَّ بنا عامرُ بن الأضبط الأشجعيُّ على قعودٍ له معه متيع ووطْب من لبن فلم مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه مُحَلِّمُ بن جَثّامة فقتله بشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ [السَّلَامَ] لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
وقع عند ابن جرير الطبري ٥/ ١٤٠ (١).
стр. 1723
أن مُحَلِّماً هذا جاء فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له فقال له رسول الله ﷺ لا غفر لك الله فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت له سابعة حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ... إلخ فهذه رواية منكرة متناً وضعيفة سنداً وأحببنا ذكرها للإشارة إلى أنها منكرة.
٢٦١١ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) عن بدر والخارجون إليها.
٢٦١٢ - * روى الطبراني عن زيد بن أرْقم ﵁ قال لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاء ابنُ أمِّ مكتومٍ فقال يا رسول الله أمالي من رُخصةٍ؟ قال: "لا" قال: ابنُ أم مكتوم اللهم إني ضريرٌ فرَخّص لي. فأنزل الله : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فأمر رسول الله ﷺ بكتابتها.
وعند الترمذي: لما نزلتْ غزوةُ بدرٍ، قال عبد بن جحش وابن أم مكتومٍ: إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصةٌ؟ فنزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدة غير أُولي الضرر ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
أقول: عبد بن جحش هو أخو عبد الله بن جحش وكان أعمى ووقع في المطبوع من نسخة الترمذي بتحقيق إبراهيم عطوة: عبد الله بدل عبد وهو وهم. انظر الإصابة (٤/ ٣) منْ كنيته أبو أحمد.
стр. 1724
٢٦١٣ - * روى الشيخان عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيداً، فجاء بكتفٍ، وكتبها، وشكا ابن أمِّ مكتوم ضرارته، فنزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
وفي أخرى (١) قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "ادعُوا فلاناً"، فجاءه، ومعه الدواةُ واللوحُ أو الكتفُ، فقال: "اكتُبْ (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) وخَلْفَ النبي ﷺ ابنُ أُمِّ مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضريرٌ، فنزلت مكانها ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وفي رواية الترمذي: أن رسول الله ﷺ قال: "ائتوني بالكتف أو اللوح فكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وعمرو بنُ أمِّ مكتومٍ خَلْفَ ظهره، فقال: هل لي رُخصة؟ فنزلت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
وفي أخرى (٢) له وللنسائي بنحوها، قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جاء عمرو بن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وكان ضرير البصر - فقال: يا رسول الله، ما تأمرني؟ إني ضريرُ البصر، فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقال النبي ﷺ : "ائتوني بالكتف والدواة، أو اللوح والدواة".
٢٦١٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ
стр. 1725
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال هم قوم كانوا على عهد رسول الله ﷺ لا يغزون معه لأسقامٍ وأمراضٍ وأوجاعٍ وآخرون أصحاءُ لا يغزون معه فكان المرضى في عُذْرٍ من الأصحاء.
أقول: عندما يكون الجهاد فرض عين فإن من يتخلف من غير أولي الضرر عنه يكون آثما يستحق العذاب، وعندما يكون القتال فرض كفاية فيقاتل ناس ويقعد ناس من غير أولي الضرر فإن الله يفضل المقاتلين على القاعدين درجات منه، أما أولو الضرر الذين حبسهم العذر فهؤلاء إن كانت لهم نية صالحة صادقة في الجهاد، فهم شركاء في الأجر مع المقاتلين.
٢٦١٥ - * روى البزار عن ابن عباس ﵄ قال كان ناسٌ من أهل مكةَ قد أسلموا وكانوا مُستخفين بالإسلام. فلما خرج المشركون إلى بدرٍ أخرجوهم مُكْرَهين، فأصيب بعضهم يوم بدرٍ مع المشركين، فقال المسلمون أصحابُنا هؤلاء مسلمون أخرجوهم مُكْرَهين فاستغفروا لهم، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فكتب المسلمون إلى من بقي منهم بمكة بهذه الآية فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ظهر عليهم المشركون وعلى خروجهم فلحقوهم فرَدُّوهم فرجعوا معم فنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ فكتب المسلمون إليهم بذلك فحزنوا فنزلتْ هذه الآية ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا إليهم بذلك.
٢٦١٦ - * روى الجماعة إلا البخاري والموطأ عن يعلي بن أمية ﵁ قال: قُلت لعمر بن الخطاب (١) ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ
стр. 1726
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١). فقد أمنَ الناسُ؟ فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "صدقةٌ تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته".
٢٦١٧ - *روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٢) بلغتْ من المسلمين مبلغاً شديداً، قال رسول الله ﷺ : قاربُوا وسدِّدُوا، ففي كلِّ ما يُصابُ به المسلم كفارةٌ، حتى النَّكْبةُ يُنْكَبُها، والشوْكَةُ يُشَاكُهَا".
وفي رواية الترمذي مثله، وفيه، شَقَّ ذلك على المسلمين، فشكوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ ... الحديث.
٢٦١٨ - * روى أحمد عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رجلاً تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال إنا لنُجزي بما عمِلْنا؟ هلكْنَا إذاً، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "نعم يُجزَى به المؤمنُ في الدنيا في مصيبة، في جسده، فيما يؤذيه".
٢٦١٩ - * روى الشيخان عن جابرٍ ﵁ قال: مَرِضْتُ، فأتاني رسول الله
стр. 1727
صلى الله عليه وسلم يعُودُني وأبو بكرٍ، وهما ماشيان فوجداني أُغمِيَ عليَّ، فتوضأ النبيُّ ﷺ ، ثم صبَّ وضوءهُ عليَّ، فأفقْتُ، فإذا النبيُّ ﷺ ، فقلتُ، يا رسول الله ﷺ ، فقلت، يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يُجبني بشيء، حتى نزلت آية الميراث.
وفي رواية (١): فعقلْتُ، فقلت: لا يرثُني إلا كلالةٌ، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض.
وفي أخرى (٢): فلم يرُدَّ عليَّ شيئاً، حتى نزلتْ آيةُ الميراُث:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
وفي رواية (٤) للترمذي مثل رواية البخاري ومسلم، وزاد فيها: وكان لي تسع أخواتٍ، حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. وفي رواية (٥) لأبي داود قال: اشتكيتُ وعندي سبْعُ أخواتٍ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فنفخ في وجهي فأفقْتُ، فقلتُ: يا رسول الله، ألا أُوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: أحْسِنْ، قلتُ، بالشطرِ؟ قال: أحْسِنْ، ثم خرج وتركني، فقال: يا جابرُ، لا أُرَاك ميِّتاً مِنْ وجعك هذا، وإنَّ الله قد أنزل فبَيَّن الذي لأخواتك، فجعل لهن الثُّلُثَيْنِ، قال: فكان جابرٌ يقول: أُنزِلَت فيَّ هذه الآية ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.
стр. 1728
سورة المائدة
٢٦٢٠ - * روى الجماعة إلى الموطأ وأبا داود عن طارق بن شهاب ﵀ قال: قالت اليهودُ لعمر ﵁: إنكُمْ تقرؤون آيةً لوْ نزلتْ فينا لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني لأعلَمُ حيثُ أُنزِلَتْ، وأين أُنزلت، وأين رسول الله ﷺ حين أُنزلتْ: يوم عرفة وإنا والله بعرفة: قال سفيان: وأشُكُّ: كان يوم الجمعة أم لا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١).
وفي رواية (٢) قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلتْ معشرَ اليهودِ، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: فأيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلتْ فيه، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات، في يوم جُمعةٍ.
٢٦٢١ - *روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وعنده يهوديٌّ فقال: لو نزلتْ هذه الآية علينا لاتخذناها عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت يوم عيدين: في يوم جمعةٍ، ويوم عرفة.
٢٦٢٢ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
стр. 1729
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) نزلت هذه الآيةُ في المشركين، فمن تاب منهُم قبْلَ أنْ يُقْدَرَ عليه لم يمنعهُ أنْ يُقام فيه الحدُّ الذي أصابَهُ.
٢٦٢٣ - * روى مسلم عن البراء بن عازبٍ ﵄ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بيهودي، مُحَمَّماً مجْلُوداً، فدعاهم ﷺ ، فقال: "هكذا تجدون حَدَّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: أنشُدُك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثُرَ في أشرافنا، فكُنَّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا، تعالوا فلنجتمع على شيءٍ نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجْم، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنِّي أولُ من أحيا أمرك إذْ أماتُوه، فأمر به فرُجم، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ
стр. 1730
بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (١). يقول: ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفْتاكم بالرَّجْم فاحذروا، فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في الكفَّار كُلها.
وفي رواية أبي داود مِثلُهُ، وقال في آخرها: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ - إلى قوله- ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ إلى قوله جل ثناؤه- ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - في اليهود إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ - في اليهود، إلى قوله- ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: هي في الكفار كلُّها، يعني: هذه الآي.
أقول: وكل من لم يحكم بما أنزل الله من هذه الأمة فإنه ظالم لأنه لا عدل إلا بما شرعه الله، وهو إن استحل الحكم بغير ما أنزل الله كافر وإن فضل على حكم الله غيره، فهو كافر وإن حكم بغير ما أنزل الله غير مستحل ولا مفضل عليه غيره. فأدنى درجاته أنه فاسق، وللفتوى الاستثنائية في هذا المقام محل.
٢٦٢٤ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾، هذه الآيات الثلاثُ نزلت في اليهود خاصة: قُرَيْظةَ والنَّضير.
أقول: خصوص السبب لا ينفي عموم اللفظ، فهي فيهم وفي أمثالهم.
٢٦٢٥ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ كان قريظةُ والنضيرُ، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قَتل رجل من قُريظة رجلاً من النضير قُتِلَ به، وإذا
стр. 1731
قتل رجل من النضير رجلاً من قُريظة فوديَ بمائة وسْقٍ من تمر فلما بعث النبي ﷺ ، قَتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتُلْه، فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ ، فأتوه فنزلتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (١).
ولأبي داود (٢): قال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣). فنسخت، قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤).
أقول: على القول بنسخ التخيير في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فهذا يفيد أن أحكام الشريعة الإسلامية تسري على كل مواطن في دولة الإسلام إلا ما كان من شؤونهم الخاصة التي أبيحت في شرائعهم ولم يأت في شريعتنا ما يدل على أنها كانت محرمة عليهم. ولذلك لم يجز فقهاء الحنفية أن يقتل المسلم خنزير النصراني أو يريق خمره ولو فعل فإن قاضي المسلمين يضمنه.
٢٦٢٦ - * روى الطبراني عن عياضٍ الأشعري قال لما نزلتْ هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٥) قال رسول الله ﷺ : "هم قوم هذا" يعني أبا موسى.
وفي رواية (٦): "هم أهل اليمن".
أقول: لقد كان لأهل اليمن في الردة الأولى دور كبير في إخمادها، وإنهائها، ونرجو أن يكون لهم دور دائم في هذا المضمار، وكل من تحقق بصفات جند الله فالمرجو أن يكون له دور في إنهاء الردة المعاصرة.
стр. 1732
٢٦٢٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: "قال رجلٌ من اليهود يقال له شاسُ بن قيسٍ إنَّ ربك بخيلٌ لا ينفقُ فأنزل الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (١).
أقول: في نسخة الأصل تروي هذه الحادثة عن رجل اسمه النَّبَّاش بن قيس وفي تفسير ابن كثير أنه شاس بن قيس وهو الذي اعتمدناه وتروي الحادثة عن رجل اسمه فنحاص كذلك. كما في الطبري (٦/ ١٩٤) وابن كثير (٢/ ٧٥) وفيهما عن ابن عباس: لا يعنون بذلك أني د الله موثقة ولكن يقولون بخيل يعني أمسك ما عنده بخلاً تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
٢٦٢٨ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُحرسُ ليلاً، حتى نزل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) فأخرج رسول الله ﷺ رأسهُ من القُبَّةِ، فقال لهم: "يا أيها الناسُ، انصرفوا، فقد عصمني الله".
٢٦٢٩ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني إذا أصبْتُ اللحم انتشرتُ للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرَّمتُ عليَّ اللحْمَ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٣).
٢٦٣٠ - * روى البخاري من حديث عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج
стр. 1733
المرأة بالثوب، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
أقول: وذلك قبل تحريم نكاح المتعة، فقد كان مباحاً ثم حرم وكان فيشأنه اختلاف وكان في تحريمه اختلاف بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ثم استقر الإجماع على التحريم بعد أن تبين لجميع المسلمين قطعية النصوص التي تحرمه، والنص لا يمنع الإنسان أن يمتنع عن تناول بعض الأطعمة المباحة لمصلحة يراها ولكنه يمنعه أن يحرم ذلك على نفسه.
٢٦٣١ - * روى الطبراني عن همام بن الحارث أن ابن مُقَرِّنٍ سأل عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن إني حلفت أن لا أنام على فراشٍ سنةً فتلا عبد الله هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١) كفر عن يمينك ونم على فراشك. قال إني موسِرٌ قال أعتقْ رقبة. قال عبدي سرق شيئاً من عندي. قال مالُك سُرِقَ بعضه من بعض. أي لا قطع عليه. قال أمتي زنت قال اجْلِدْها. قال إنها لم تحصن. قال إسلامُها إحصانُها.
أقول: قوله: (أي لا قطع عليه): أي لا تقطع يد العبد إذا سرق من مال سيده، وإذا زنت الأمة فحدها خمسون جلدة سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، فالعبد والأمة لا يرجمان سواء كانا محصنين أو غير محصنين وحدُّهُما واحد وهو خمسون جلدة.
٢٦٣٢ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيان شفاءٍ، فنزلت التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢) الآية، فدُعِيَ عمر، فقُرِئَتْ عليه، فقال: "اللهم
стр. 1734
بيِّنْ لنا في الخمر بيان شفاءٍ" فنزلت التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) فدُعِيَ عمر، فقُرِئَت عليه، فقال: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمر بيان شفاءٍ، فنزلت التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢) فدُعي عمرُ فقُرئتْ عليه، فقال: انتهينا، انتهينا.
إلا أن أبا داود زاد بعد قوله (وأنتم سكارى): فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقْرَبَنَّ الصلاة سكرانٌ.
وعنده: انتهينا، مرة واحدة.
٢٦٣٣ - * روى مسلم عن (ابن مسعودٍ) لما نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) قال النبي ﷺ : "قِيلَ لي أنت منهم". وللترمذي (٤): قال النبي ﷺ : "أنت منهم".
أقول: إن كثرة الطعام المباح والشراب المباح يؤثر على سير السائرين إلى الله ، فالأصل أن ينتقل الإنسان من تقوى وإيمان وعمل صالح إلى مزيد من التقوى والإيمان، ثم إلى تقوى وإحسان فما دام الإنسان ينتقل في مراتب الكمال فلا جناح عليه فيما طعم من المباحات، أما إذا صرفه الاستغراق في المباح عن السير في مراتب الكمال فإنه يدخل في هذه الحالة في دائرة المخالفة للأدب وفي دائرة خلاف الأولى، وقد يدخل في دائرة الأمراض القلبية من بطر وأشر وغفلة، وقد يدخل في دائرة الإسراف، فعل المسلم أن ينتبه إلى ذلك، فلا يصرفه الطعام والشراب عن الارتقاء في مراتب الكمال وقوله ﵊ لابن مسعود (أنت منهم) إشارة إلى أن ابن مسعود من الناس الذين لا يصرفهم طعام مباح عن التوجه الحق لله تعالى، والقيام بحقوقه، وأكثر الخلق عن هذا
стр. 1735
غافلون قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (٢) انظر شرح النووي على مسلم ج ١٦/ص ١٤.
٢٦٣٤ - * روى الترمذي عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قالوا: يا رسول الله، أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر لما نزل تحريمُ الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
أقول: لما كانت الخمر مباحة فلم يكن على منْ آمن وعمل صالحاً جناح فيما طعم من المباحات، ومنها الخمر قبل أن تحرم، فلما حرمت وجد الجناح على من شربها ودخل في الحرام فلم يعد بذلك من أهل التقوى والإحسان بل أصبح من يشربها من الفاسقين إذا لم يستحل ذلك فإذا استحلها فقد كفر. قال الطبري: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم حرج فيما شربوا من ذلك - أي من الخمر - في الحال التي لم يكن الله تعالى حرمها عليهم إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات.
٢٦٣٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ قال: لما نزل تحريمُ الخمرِ قالتِ اليهودُ أليس إخوانُكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ قال رسول الله ﷺ فقيل لي: "أنت منهم".
٢٦٣٦ - * روى الطبراني عن ابن عباسٍ قال: نزل تحريمُ الخمر في قبيلتين من قبائل شَربوا حتى إذا ثَمِلُوا عبثَ بعضُهم ببعضٍ، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته يقول فعل هذا أخي فلان والله لو كان بي رؤوفاً رحيماً ما فعل هذا بي
стр. 1736
وقال وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائنُ فوقعتْ في قلوبهم الضغائنُ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال ناس من المتكلِّفين هي رجْسٌ وهي في بطن فلان قُتِلَ يوم بدرٍ وفلانٍ قتل يوم أُحدٍ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية.
٢٦٣٧ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢) نسختْها التي في المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
٢٦٣٨ - * روى البخار يعن أنسٍ ﵁: "إنَّ الخمرَ التي أهريقت الفضيخ" قال البخاري: وزادني محمدٌ البيكنديُّ عن أبي النعمان قال [أي أنس] "كنتُ ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مُنادياً فنادى، فقال أبو طلحة: اخرُج فانظرْ ما هذا الصوتُ، قال فخرجتُ فقلت: هذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمَت. فقال لي: اذهَبْ فأهرِقْها. قال فجرتْ في سككِ المدينة. قال وكانت خمرُهم يومئذٍ الفضيخُ، فقال بعض القوم: قُتل قومٌ وهي في بُطونهم، قال فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.
٢٦٣٩ - * روى الشيخان عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خُطبةً ما سمعت مثلها قطُّ، فقال: "لو تعلمون ما أعلمُ لضحِكتم قليلاً،
стр. 1737
ولبكيْتُمْ كثيراً". قال: فغطَّى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، ولهم خَنينٌ، فقال رجلٌ: من أبي؟ قال: فلانٌ، فنزلتْ هذه الآية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١).
وفي رواية أخرى (٢): أخرى: أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغتِ الشمسُ، فصلَّى الظُّهرَ، فقام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن فيها أمُوراً عظاماً، ثم قال: "من أحبَّ أن يسأل عن شيءٍ فليسألْ، فلا تسألوني عن شيءٍ إلا أخبرتُكم، ما دمتُ في مقامي"، فأكثر الناسُ البكاء، وأكثر أن يقول: "سَلُوا" فقام عبد الله بن حُذافة السَّهْميُّ، فقال: من أبي؟ فقال: أبوكَ حُذافةُ، ثم أكثر أنْ يقول: "سلُوني"، فبرك عمر على رُكبتيه، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيًّا، فسكت، ثم قال: "عُرِضَتْ عليَّ الجنةُ والنارُ آنفاً في عُرْضِ هذا الحائط، فلم أرَ كاليوم في الخير والشرِّ"- قال: ابن شهابٍ: فأخبرني عبيدُ الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالتْ أُمُّ عبد الله بن حُذافة لعبد الله بن حُذافة: ما سمعتُ قطُّ أعَقَّ منك، أمِنْتَ أن تكون أُمُّكَ قارفَتْ بعض ما يُقارفُ أهل الجاهلية فتفْضحَها على أعين الناس؟ فقال عبد الله بن حُذافة: لو ألحقني بعبد أسود للحِقْتُهُ.
وفي أخرى (٣) قال: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيءٌ، فخطب، فقال: "عُرِضَتْ عليَّ الجنةُ والنارُ، فلم أرَ كاليومِ في الخير والشرِّ، ولو تعلمون ما أعلمُ لضحكْتُم قليلاً، ولبكيتُم كثيراً"، قال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يومٌ أشدُّ منه، قال: غطَّوْا رؤوسهم، ولهم خنينٌ- ثم ذكر قيام عُمَرَ وقوله، وقول الرجل: مَنْ
стр. 1738
أبي ونزول الآية.
وفي أخرى (١) قال: سألوا النبي ﷺ ، حتى أحْفَوْهُ في المسألة، فصعِد ذات يوم المنبر، فقال: "لا تسألوني عن شيء إلا بينتُهُ لكم"، فلما سمعُوا ذلك أرمُّوا ورهبُوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنسٌ: فجعلتُ أنظرُ يميناً وشمالاً، فإذا كلُّ رجلٍ لافٌّ رأسه في ثوبه يبْكي، فأنشأ رجلٌ - كان إذا لاحى يُدْعَى إلى غير أبيه - فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال: "أبو حُذافةُ"، ثم أنشأ عمر، فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً، نعوذُ بالله من الفتن، فقال رسول الله ﷺ : "ما رأيت في الخير والشر كاليوم قطُّ، إني صُوِّرتْ لي الجنةُ والنارُ، حتى رأيتُهما دون الحائطِ".
قال قتادة: يُذكرُ هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
وأخرج الترمذي منه (٢) طرفاً يسيراً، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، منْ أبي؟ قال: أبوك فلانٌ، فنزلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
قال النووي في تفسير كلمة أم حذافة:
معناه: لو كنت من زنا فنفاك عن أبيك حذافة فضحتني.
وأما قوله: "لو ألحقني بعبد أسود للحقته" فقد يقال: هذا لا يتصور، لأن الزنا لا يثبت ب النسب. ويجاب عنه: بأنه يحتمل وجهين:
أحدهما: أن ابن حذافة ما كان بلغه هذا الحكم، وكان يظن أن ولد الزنا يلحق
стр. 1739
بالزاني، وقد خفي هذا على أكبر منه، وهو سعد بن أبي وقاص، حين خاصم في ابن وليدة زمعة، فظن أنه يلحق أخاه بالزنا.
الثاني: أنه يتصور الإلحاق بعبد وطئها بشبهة، فيثبت النسب منه، والله أعلم.
٢٦٤٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان قومٌ يسألون رسول الله ﷺ استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقولُ الرجلُ، تضِلُّ ناقَتُهُ: أين ناقتي؟ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية كلها.
ويفهم من مجموع ما تقدم من الأحاديث وغيرها أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام امتحاناً له أحياناً واستهزاءً أحياناً، فيقول له بعضهم "من أبي؟ " ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته "أين ناقتي؟ " فقال لهم تعالى كره: لا تسألوا عن أشياء من ذلك إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ساءكم إبداؤها وإظهارها. (م) ٢/ ١٢٦.
٢٦٤١ - * روى الشيخان عن سعيد بن المسيب (رحم الله) قال: البحيرةُ: التي يُمنع دَرُّها للطواغيت، فلا يحلبُها أحدٌ من الناس، والسائبة: كانوا يُسيِّبونها لآلهتهم، لا يُحمل عليها شيءٌ- وقال: قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ عمرو بن عامرٍ الخُزاعيَّ يجُرُّ قُصْبَهُ في النَّارِ، وكان أول من سَيَّبَ السوائبَ" (١).
стр. 1740
والوصيلةُ: الناقةُ البكر تُبَكِّرُ في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تُثَنِّي بعدُ بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إنْ وصلتْ إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر، والحام: فحلُ الإبل يضربُ الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابهُ، ودعُوه للطواغيت، وأعْفَوْه من الحمل، فلم يُحْمَل عليه شيء، وسموْهُ الحامي.
وفي رواية (١) قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ عمرو بن لُحَيِّ بن قمعةَ بن خندِفٍ، أخا بني كعبٍ، وهو يجُرُّ قُصْبَهُ في النار".
استشكل بعضهم أن يكون عمرو بن لحي في النار وهو جاهلي ولا إشكال، لأن الظاهر أن عمرو بن لحي قد بلغته دعوة إبراهيم وإسماعيل ومع ذلك فقد أدخل الأصنام على جزيرة العرب، فهو إذاً ليس من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة نبي، بل كان ممن بلغته دعوة نبي ومع ذلك عبد الأوثان وسَنَّ لغيره أن يعبدها فضلَّ وأضلَّ.
٢٦٤٢ - * روى البخاري في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢) الأوليان واحدُها أولى، ومنه: أولى به.
والمعنى وآخران أي شاهدان آخران يقومان مقام الشاهدين الأولين من الذين استحق
стр. 1741
عليه أي من الذين حق عليهم وهم أهل الميت وعشيرته والأوليان أي الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما [الفتح: ٥/ ٤١٠].
٢٦٤٣ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجلٌ من بني سهم مع تميم الداريِّ، وعديِّ بن بداءٍ، فمات السهميُّ بأرضٍ ليس بها مسلمٌ، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضةٍ مُخَوَّصاً بذهبٍ، فأحلفَهُما رسول الله ﷺ ثم وُجِد الجامُ بمكة، فقالوا: ابتعْناه من تميمٍ وعدي بن بداءٍ، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتُنا أحقُّ من شهادتهما، وأنَّ الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾.
وقد جاء في شرح المفردات ص ٣٣٣: إذا كان مسلم مع رفقة كفار مسافرين ولم يوجد غيرهم من المسلمين، فوصى وشهد بوصيته اثنان منهم، قبل شهادتهما، ويُستحلفان بعد العصر: لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، وأنها وصية الرجل بعينه، فإن عثر على أنهما استحقا إثماً قام آخران من أولياء الموصي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم. قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر العلماء. وممن قاله، شريح، والنخعي والأوزاعي، ويحيى بن حمزة، وقضى بذلك عبد الله بن مسعود في زمن عثمان، رواه أبو عبيد، وقضى به أبو موسى الأشعري، رواه أبو داود والخلال، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا تقبل، لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل في الوصية كالفاسق وأولى. ولنا (أي الحنابلة) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (١) الآية، وهذا نص الكتاب، وقد قضى به رسول الله ﷺ كما في حديث ابن عباس، وحمْلُ الآية على أنه أراد: من غير عشيرتكم لا يصح، لأن الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف
стр. 1742
بين المفسرين، ودلت عليه الأحاديث، ولأنه لو صح ما ذكروه لم تجب اليمان لأن الشاهدين من المسلمين لا قسامة عليهما (م) ٢/ ١٢٩.
والذين قالوا لا تقبل إنما قالوا إن الآية منسوخة الحكم انظر الفتح (٥/ ٤١٢) وتفسير ابن كثير ٢/ ١١١.
أقول: الظاهر أن ذلك كان من تميم الداري ﵁ قبل إسلامه، فلا يجرح ذلك لتميم بعد أن أسلم وحسن إسلامه، فالإسلام يجُبُّ ما قبله وقد نص على ذلك ابن حجر في الفتح (٥/ ٤١١).
стр. 1743
سورة الأنعام
٢٦٤٤ - * روى الترمذي عن عليٍّ أن أبا جهلٍ قال للنبي ﷺ : إنا لا نُكَذِّبُك ولكن نُكذب بما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١).
٢٦٤٥ - * روى مسلم عن سعدٍ كنا مع النبي ﷺ ستة أنفارٍ، فقال المشركون له: اطرُدْ هؤلاء لا يجترئون علينا، قال وكنت أنا وابن مسعودٍ ورجلٌ من هُذيلٍ وبلالٌ ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس النبي ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٢).
٢٦٤٦ - * روى أحمد عن أبيِّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (٣) قال هن أربعٌ وكلُّهن واقعٌ لا محالة، فمضت اثنتان بعد رسول الله ﷺ بخمسٍ وعشرين سنةً فألْبِسوا شيعاً وذاق بعضهم بأس بعضٍ، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة: الخسفُ والرجمُ.
أقول: قد حدثت حالات كثيرة في تاريخ الأمة الإسلامية وفي تاريخ الشعوب فيها خوف وفيها عذاب نازل، فكثيراً ما نزل بردٌ بحجم كبير أدى إلى أضرار كثيرة وقد وقع من ذلك في ألمانيا الغربية سنة ١٩٨٢، إلا أن الحروب الحديثة سواء كانت بين شعوب الأمة
стр. 1744
الإسلامية نفسها كالحرب العراقية الإيرانية أو بين أمة إسلامية وغيرها، أو بين الأمم عامة، يجتمع فيها القذف بأنواع القذائف الساقطة بواسطة الطائرات والمدفعية وغيرها، والانفجارات من باطن الأرض بواسطة الألغام، فإذاقة الناس بعضهم بأس بعض فيه جميع أنواع العذاب المذكورة في هذه الآية في حروب عصرنا، إلا أن ظاهر الآية يدل على الخسف والرجم السماويين.
٢٦٤٧ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما نزلت: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: أعوذُ بوجهك ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذُ بوجهك، قال: فلما نزلت: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : "هاتان أهونُ، أو أيسرُ".
وفي رواية الترمذي: "هاتان أهون، أو هاتان أيسرُ".
٢٦٤٨ - * روى الشيخان عن ابن مسعودٍ لما نزلتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) فشق ذلك على المسلمين، وقالوا أيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : "ذاك إنما هو الشِرْك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ".
стр. 1745
٢٦٤٩ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: أتى ناسٌ النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، أنأكلُ ما نقْتُلُ ولا نأكل ما يقتُلُ الله؟ فأنزل الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ، وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ، وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١).
وفي رواية (٢) أبي داود قال: جاءت اليهودُ إلى النبي ﷺ ، فقالوا: نأكلُ مما قتَلْنَا، ولا نأكلُ مما قتل الله؟ فنزلتْ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى آخر الآية.
وفي أخرى (٣) له: في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قال: يقولون: ما ذبح الله - يعنون الميتةَ - لم لا تأكلونه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ثم نزل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
وفي رواية أخرى (٤) قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فنُسخَ، واستثنى من ذلك، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٥).
وفي رواية (٦) النسائي: في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: خاصمهمُ المشركون، فقالوا: ما ذبح الله لا تأكلونه وما ذبحتم أنتم أكلتمُوه؟
стр. 1746
٢٦٥٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄: إذا سَرَّكَ أن تعلمَ جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١).
٢٦٥١ - * روى الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: من سرَّه أنْ ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمدٍ ﷺ ، فليقرأْ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ (٢).
٢٦٥٢ - * روى مسلم عن (أبي هريرة) رفعه: "ثلاثٌ إذا خرجن ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣) طلوعُ الشمس من مغربها، والدجالُ، ودابة الأرض".
٢٦٥٣ - * روى الشيخان عن (أبي هريرة) رفعه: "يقولُ الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئةً فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنةً، وإذا أراد أني عمل حسنةً فلم يعملهَا،
стр. 1747
اكتبوها له حسنةً، فإن عملها فاكتبوها له بعشرِ أمثالها إلى سبعمائةٍ".
وللترمذي (١)، وزاد: ثم قرأ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٢).
وللشيخين عن ابن عباس (٣) نحوه وفيه: "إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة".
стр. 1748
سورة الأعْرَافِ
٢٦٥٤ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تطوفُ بالبيت وهي عريانةً فتقول: من يعيرُني تطوافاً؟ تجعلُه على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كُلُّهُ ... وما بدا منه فلا أُحِلُّهُ
فزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١).
(تِطوافاً) قال النووي في شرح مسلم ١٨/ ١٦٢ - ١٦٣ هو بكسر التاء المثناة: ثوب تلبسه المرأة تطوف به، وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة، ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض، ولا يأخذونها أبداً، ويتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى، وتسمى: اللقى، حتى جاء الإسلام، فأمر بستر العورة. فقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. فقال النبي ﷺ : "لا يطوف بالبيت عريانٌ".
٢٦٥٥ - * روى أحمد عن (أبي واقدٍ الليثيِّ) أنَّ النبي ﷺ لما خرج إلى غزوة حُنينٍ، مرَّ بشجرةٍ للمشركين كانوا يُعلِّقون عليها أسلحتهم، يُقال لها ذاتُ أنواطٍ، فقالوا يا رسول الله: اجعلْ لنا ذات أنواطٍ، كما لهم ذاتُ أنواطٍ، فقال: ٍ"بحان الله: هذا كما قال قومُ موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٢) والذي نفسي بيده لتركبُنَّ سنن من كان قبلكم".
٢٦٥٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٣) قال حمَّادٌ: هكذا - وأمسك
стр. 1749
سليمانُ بطرف إبهامه على أنمُلةِ إصبُعِه اليمنى- قال: فساخ الجبلُ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.
سليمان هو ابن حرب الراوي عن حماد: أي أن سليمان يشرح معنى قول حماد: هكذا ..
وفي رواية (١) أن النبي ﷺ وضع أصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر.
٢٦٥٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما خلق اللهُ آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كُلُّ نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نورٍ، ثم عرضهم على آدم، فقال: أيْ ربِّ، منْ هؤلاءِ؟ قال: ذريتُك، فرأى رجلاً منهم فأعجبَُ وبيصُ ما بين عينيه، قال: أيْ ربِّ، من هذا قال: داودُ، فقال: يا رب، كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنةً، قال: ربِّ، زِدْهُ من عمري أربعين سنةً، قال رسول الله ﷺ : فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين، جاءهُ ملك الموت، فقال آدمُ: أوَلم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تُعْطها ابنك داود؟ فجحد آدمُ، فجحدت ذريته، ونسي آدمُ، فأكل من الشجرة فنسيتْ ذريته، وخطيء فخطئت ذريتُه"ٍ.
стр. 1750
أقول: جحود آدم ﵇ كان عن نسيان، والناسي لا حساب عليه، وخطيئته إما أنها كانت عن نسيان أو كانت قبل النبوة، فالنص لا يجرح أصل العصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٢٦٥٨ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ (١) قال هو بلعَمُ وقال بلْعامُ.
أقول: وقد نقلنا في كتابنا الأساس في التفسير ما ورد عن بلعام في كتب العهد القديم وما ذكره المفسرون حوله فليراجع.
٢٦٥٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: نزلتْ هذه الآية في أمية بن أبي الصلت ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾.
قال ابن جرير في تفسيره (٩/ ٨٤):
"والصواب من القول في ذلك: أن يقال إن الله تعالى ذكر أمر نبيه ﷺ أن يتلو على قومه خبر رجل كان الله آتاه حججه وأدلته وهي الآيات.
وقد دللنا على أن معنى الآيات الأدلة والإعلام فيما مضى بما أغنى عن إعادته وجائز أن يكون الذي كان الله قد آتاه ذلك بلعم وجائز أن يكون أمية وكذلك الآيات إن كانت بمعنى الحجة التي هي بعض كتب الله التي أنزلها على بعض أنبيائه .. فجائز أن يكون الذي أوتيها بلعم وجائز أن يكون أمية ... وإن كانت بمعنى كتاب أنزله الله أو بمعنى اسم الله الأعظم أو بمعنى النبوة فغير جائز أن يكون معنياً به أمية ... ثم قال ابن جرير أنه لا خبر يوجب الحجة في من الرجل فالصواب أن يقال فيه ما قال الله ويقر بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحي من الله" اهـ بتصرف واختصار.
٢٦٦٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر في هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال
стр. 1751
مر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.
٢٦٦١ - * روى البخاري عن ابن الزبير ﵄ قال: ما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) إلا في أخلاق الناس.
وفي رواية (٢) قال: أمر الله نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.
قال الحافظ في الفتح:
"وإلى ما ذهب إليه ابن الزبير من تفسير الآية، ذهب مجاهد، وخالف في ذلك ابن عباس، فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال: خذ العفو، يعني ما عفا لك من أموالهم، أي: ما فضُلَ، وكان ذلك قبل فرض الزكاة، وبذلك قال السدي، وزاد: نسختْها آيةُ الزكاة، وبنحو قال الضحاك وعطاء وأبو عبيدة، ورجح ابن جرير الأول واحتج له.
وروى عن جعفر الصادق قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، ووجهوه بأن الأخلاق ثلاثة، بحسب القوى الإنسانية: عقلية، وشهوية، وغضبية. فالعقلية الحكمة، ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية: العفة، ومنها أخذ العفو، والغضبية الشجاعة، ومنها الإعراض عن الجاهلين.
وروى الطبري مرسلاً وابن مردويه موصولاً من حديث جابر وغيره: لما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ سأل جبريل - فقال: لا أعلم حتى أسأله، ثم رجع فقال: "إن ربَّك يأمُرُك أن تصل من قطعك، وتُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك".
стр. 1752
سورة الأنفال
٢٦٦٢ - * روى الشيخان عن ابن جُبيرٍ قلت لابن عباس سورة الأنفال؟ قال نزلت في بدر.
٢٦٦٣ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نزلت: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (١) في يوم بدر.
٢٦٦٤ - * روى مسلم عن سعدٍ لما كان يومُ بدرٍ جئتُ بسيفٍ، فقلتُ يا رسول الله: إن الله قد شفى قلبي من المشركين أو حو هذا، هَبْ لي هذا السيف، فقال: "هذا ليس لي ولا لك"، فقلتُ: عسى أن يُعطى هذا السيفُ من لا يُبلى بلائي. فجاءني الرسول وقال: "إنك سألتني وليس لي، وإنه قد صار لي، وهو لك"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية.
٢٦٦٥ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الآية (٢)، قال: هم نفرٌ من بني عبد الدار.
٢٦٦٦ - * روى أحمد عن مُطَرِّفٍ قال: قلنا للزبير يا أبا عبد الله هما جاء بكم ضيَّعْتُم
стр. 1753
الخليفة حتى قُتِلَ ثم جئتم تطلبون بدمه فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لم نكنْ نحسبُ أنّا أهلُها حتى وقعتْ منَّا حيثُ وقعت.
٢٦٦٧ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو جهلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (١) الآية، وعند الطبري:
فلما أخرجوه، نزلت: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية (٢).
قال الحافظ في "الفتح": قوله: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا .. إلخ: ظاهر في أنه القائل ذلك، وإن كان هذا القول نسب إلى جماعة، فلعله بدأ به ورضي الباقون فنسب إليهم. وقد روى الطبراني من طريق ابن عباس أن القائل لك هو النضر بن الحارث، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وكذا قال مجاهد وعطاء والسدي، ولا ينافي ذلك ما في الصحيح لاحتمال أن يكونا قالاه، ولكن نسبته إلى أبي جهل أولى. وعن قتادة قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها. وروى ابن جرير من طريق يزيد ابن رومان أنهم قالوا ذلك، ثم لما أمسوا ندموا فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
٢٦٦٨ - * روى مسلم عن عُقبة بن عامرٍ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ
стр. 1754
وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١)، ألا إن القوةَ الرَّمْيُ- ثلاثاً.
وزاد الترمذي ومسلم (٢): "ألا إن الله سيفتحُ لكم الأرض، وستكفَوْنَ المؤونة، فلا يعجِزَنَّ أحدُكم أن يلْهُو بأسهمِهِ.
٢٦٦٩ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود في قول الله : ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ قال نزلت في المتحابين في الله.
٢٦٧٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣) كُتِبَ عليهم أن لا يفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ، ولا عشرون من مائتين، ثم نزلت: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) فكُتِبَ أن لا يفرَّ مائة من مائتين.
وفي أخرى (٥) له، ولأبي داود (٦) قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذلك على المسلمين، فنزل: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية، قال: فلمَّا خفَّفَ الله عنهم من العِدَّة نقص عنهم من الصَّبْرِ بقدر ما خفَّفَ عنهم.
стр. 1755
٢٦٧١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: افترض عليهم أن يقاتل كل رجل منهم عشرة فثقل ذلك عليهم وشق عليهم فوضع عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخر الآيات ثم قال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فقال العباس فيِّ والله نزلت حين أخبرْتُ رسول الله ﷺ بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي وجدت معي فأعطاني بها عشرين عبداً كلُّهم تاجرٌ بمالٍ في يده مع ما أرجو من مغفرة الله جل ذكره.
٢٦٧٢ - * روى أبو داود عن عمر لما كان يومُ بدرٍ وأخذ النبيُّ ﷺ الفداء فأنزل الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ثم أحل لهم الغنائم.
٢٦٧٣ - * روى أبو داود عن ابن عباس: وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ كان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا يرثه المهاجرُ، فنسخت، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.
٢٦٧٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لم تحِلَّ الغنائمُ لأحدٍ سُودِ الرُّؤوسِ من قَبْلِكم، إنما كانت تنزلُ نارٌ من السماء