← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

مر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. ٢٦٦١ - * روى البخاري عن ابن الزبير ﵄ قال: ما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) إلا في أخلاق الناس. وفي رواية (٢) قال: أمر الله نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. قال الحافظ في الفتح: "وإلى ما ذهب إليه ابن الزبير من تفسير الآية، ذهب مجاهد، وخالف في ذلك ابن عباس، فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال: خذ العفو، يعني ما عفا لك من أموالهم، أي: ما فضُلَ، وكان ذلك قبل فرض الزكاة، وبذلك قال السدي، وزاد: نسختْها آيةُ الزكاة، وبنحو قال الضحاك وعطاء وأبو عبيدة، ورجح ابن جرير الأول واحتج له. وروى عن جعفر الصادق قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، ووجهوه بأن الأخلاق ثلاثة، بحسب القوى الإنسانية: عقلية، وشهوية، وغضبية. فالعقلية الحكمة، ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية: العفة، ومنها أخذ العفو، والغضبية الشجاعة، ومنها الإعراض عن الجاهلين. وروى الطبري مرسلاً وابن مردويه موصولاً من حديث جابر وغيره: لما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ سأل جبريل - فقال: لا أعلم حتى أسأله، ثم رجع فقال: "إن ربَّك يأمُرُك أن تصل من قطعك، وتُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك".

стр. 1752

سورة الأنفال ٢٦٦٢ - * روى الشيخان عن ابن جُبيرٍ قلت لابن عباس سورة الأنفال؟ قال نزلت في بدر. ٢٦٦٣ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نزلت: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (١) في يوم بدر. ٢٦٦٤ - * روى مسلم عن سعدٍ لما كان يومُ بدرٍ جئتُ بسيفٍ، فقلتُ يا رسول الله: إن الله قد شفى قلبي من المشركين أو حو هذا، هَبْ لي هذا السيف، فقال: "هذا ليس لي ولا لك"، فقلتُ: عسى أن يُعطى هذا السيفُ من لا يُبلى بلائي. فجاءني الرسول وقال: "إنك سألتني وليس لي، وإنه قد صار لي، وهو لك"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية. ٢٦٦٥ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الآية (٢)، قال: هم نفرٌ من بني عبد الدار. ٢٦٦٦ - * روى أحمد عن مُطَرِّفٍ قال: قلنا للزبير يا أبا عبد الله هما جاء بكم ضيَّعْتُم

стр. 1753

الخليفة حتى قُتِلَ ثم جئتم تطلبون بدمه فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لم نكنْ نحسبُ أنّا أهلُها حتى وقعتْ منَّا حيثُ وقعت. ٢٦٦٧ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو جهلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (١) الآية، وعند الطبري: فلما أخرجوه، نزلت: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية (٢). قال الحافظ في "الفتح": قوله: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا .. إلخ: ظاهر في أنه القائل ذلك، وإن كان هذا القول نسب إلى جماعة، فلعله بدأ به ورضي الباقون فنسب إليهم. وقد روى الطبراني من طريق ابن عباس أن القائل لك هو النضر بن الحارث، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وكذا قال مجاهد وعطاء والسدي، ولا ينافي ذلك ما في الصحيح لاحتمال أن يكونا قالاه، ولكن نسبته إلى أبي جهل أولى. وعن قتادة قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها. وروى ابن جرير من طريق يزيد ابن رومان أنهم قالوا ذلك، ثم لما أمسوا ندموا فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. ٢٦٦٨ - * روى مسلم عن عُقبة بن عامرٍ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ

стр. 1754

وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١)، ألا إن القوةَ الرَّمْيُ- ثلاثاً. وزاد الترمذي ومسلم (٢): "ألا إن الله سيفتحُ لكم الأرض، وستكفَوْنَ المؤونة، فلا يعجِزَنَّ أحدُكم أن يلْهُو بأسهمِهِ. ٢٦٦٩ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود في قول الله : ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ قال نزلت في المتحابين في الله. ٢٦٧٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣) كُتِبَ عليهم أن لا يفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ، ولا عشرون من مائتين، ثم نزلت: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) فكُتِبَ أن لا يفرَّ مائة من مائتين. وفي أخرى (٥) له، ولأبي داود (٦) قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذلك على المسلمين، فنزل: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية، قال: فلمَّا خفَّفَ الله عنهم من العِدَّة نقص عنهم من الصَّبْرِ بقدر ما خفَّفَ عنهم.

стр. 1755

٢٦٧١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: افترض عليهم أن يقاتل كل رجل منهم عشرة فثقل ذلك عليهم وشق عليهم فوضع عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخر الآيات ثم قال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فقال العباس فيِّ والله نزلت حين أخبرْتُ رسول الله ﷺ بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي وجدت معي فأعطاني بها عشرين عبداً كلُّهم تاجرٌ بمالٍ في يده مع ما أرجو من مغفرة الله جل ذكره. ٢٦٧٢ - * روى أبو داود عن عمر لما كان يومُ بدرٍ وأخذ النبيُّ ﷺ الفداء فأنزل الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ثم أحل لهم الغنائم. ٢٦٧٣ - * روى أبو داود عن ابن عباس: وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ كان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا يرثه المهاجرُ، فنسخت، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. ٢٦٧٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لم تحِلَّ الغنائمُ لأحدٍ سُودِ الرُّؤوسِ من قَبْلِكم، إنما كانت تنزلُ نارٌ من السماء

стр. 1756

فتأكلُها"- قال سليمان الأعمش: فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن؟ - فلما كان يوم بدرٍ، وقعوا في الغنائم قبل أن تَحِلَّ لهم، فأنزل الله ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). ٢٦٧٥ - * روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "غزا نبيُّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني منكم رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أني بني بها ولما يبن بها .. " الحديث، وفيه: "حتى فتح الله عليهم، فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النار - لتأكلها" فيه: "فأكلتها، ثم أحل الله لنا الغنائم، ثم رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا". قال الحافظ في "الفتح" وفيه اختصاص هذه الأمة بحل الغنائم، وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر. وفيها نزل قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فأحل الله لهم الغنائم. ٢٦٧٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ آخى بين أصحابه فجعلوا يتوارثون بذلك حتى نزلتْ ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فتوارثوا بالنسب.

стр. 1757

سورة براءة ٢٦٧٧ - * روى أحمد عن (ابن عباسٍ) قلتُ لعثمان: ما حملكم على أن عمدْتُم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنْتُم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعْتُموها في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو تنزلُ عليه السور ذواتُ العددِ، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا نزلتْ عليه الآيات فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً وكانت قصتُها شبيهة بقصتها، فقُبِضَ ﷺ ولم يبينْ لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنْتُ بينهما، ولم اكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال. أقول: ذكرنا هذا الحديث لنشير إلى قضية مهمةٍ وهي أنَّ ترتيب السور توقيفيٌ وهذا الحديث لا يكون بحالٍ حجة لمن يقول غير ذلك فإن في سنده يزيد الفارسي فيه جهالة. إن انعقاد الإجماع على شيء لم يُعْرف دليلُه، دليلٌ على أنَّ هناك أدلةً ما قد أوصلت إلى الإجماع، وقد أجمع الصحابةُ على وضع سورة براءة بعد الأنفال ولذلك أسبابه وحكمه، فما أجمعوا إلا لأمر توقيفي كان سبباً في هذا الإجماع، وقد أثبتنا في كتابنا الأساس في التفسير دليلاً جديداً على أن ترتيب القرآن توقيفيٌ فلك دليلٌ يضافُ إلى مجموع الأدلة التي ذهب إليها القائلون بأنَّ ترتيب القرآن توقيفيٌ، ويشهدُ لذلك أدلةٌ كثيرةٌ. ٢٦٧٨ - * روى الشيخان عن سعيد بن جبيرٍ ﵀ قال: قلتُ لابن عباسٍ (١):

стр. 1758

سورة التوبة؟ فقال: بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل (ومنهم)، (ومنهم) حتى ظنوا أن لا يبقى أحدٌ إلا ذُكِرَ فيها، قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلتْ في بدر، قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير. وفي رواية (١): قلتُ لابن عباس: سورةُ الحشر؟ قال: قل: سورة النضير. قال الحافظ: قوله: ما زالت تنزل، ومنهم، ومنهم، أي: كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ وقوله: قل: سورة النضير، كأنه كره تسميتها بالحشر لئلا يظن أن المراد: يوم القيامة، وإنما المراد به هنا: إخراج بني النضير. ٢٦٧٩ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنَّ أبا بكرٍ بعثه في الحجة التي أمره رسول الله ﷺ ، قبل حجَّةِ الوداع، في رهْطٍ يُؤذِّنُون في الناس يوم النحر: أن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُرْيانٌ. وفي رواية (٢): ثم أرْدَفَ النبيُّ بعليٍّ بن أبي طالب، فأمره أن يُؤذِّنَ بـ (براءةَ)، فقال أبو هريرة: فأذن مع في أهل مني ببراءة: أن لا يحجَّ بعد العام مُشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريانٌ. وفي رواية (٣): ويومُ الحجِّ الأكبر: يومُ النحر، والحج الأكبر: الحجُّ، وإنما قيل: الحج الأكبر، من أجل قول الناس: لعمرة: الحج الأصغر، قال: فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحُجَّ في العام القابل الذي حج فيه النبي ﷺ حجَّةَ الوداع مُشْرِكٌ.

стр. 1759

وأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية (١)، وكان المشركون يوافُون بالتجارة، فينتفع بها المسلمون، فلما حرَّم الله على المشركين أنْ يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم مما قُطع عليهم من التجارة التي كان المشركون يُوافون بها، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ ثم أحل في الآية التي تتبعُها الجزية، لم [تكن] تؤخذْ قبل ذلك، فجعلها عوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم، فقال : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢): فلما أحل الله ذلك للمسلمين: عرفوا أنه قد عاضَهُم أفضل مما خافوا ووجدوا عليه، مما كان المشركون يوافون به من التجارة. وفي رواية (٣) أبي داود، قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذنُ يوم النحر بمنى: أن لا يحُجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، ويوم الحجِّ الأكبر: يوم النحر، والحج الأكبر: الحجُّ. وللنسائي في رواية (٤) صحيحة: قال أبو هريرة: جئت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة، قيل: ما كنتم تنادون؟ قال: كُنَّا ننادي: إنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يطوفَنَّ بالبيت عُريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ، فأجلُه - أو أمده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحُجُّ بعد العام مشركٌ، فكنت أنادي حتى صَحِلَ صوتي.

стр. 1760

٢٦٨٠ - * روى الترمذي عن عليٍّ وقد سُئل بأي شيء بعثت في الحجةِ؟ قال بُعثتُ بأربعٍ: لا يطوفن بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهدٌ فهو إلى مدَّتِه، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهرٍ، ولا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يجتمع المشركون والمؤمنون بعد عامهم هذا. أقول: لقد كان بين رسول الله ﷺ وبين بعض المشركين عهودٌ مطلقة، وكان بينه وبين بعضهم عهود إلى أمدٍ، ولم يكن بينه وبين بعض المشركين أي عهد، فمن كان عهده إلى أمد فقد حوفظ على هذا المد، ومن كان له عهد مطلق أو لم يكن له عهد أعطى فرصة أربعة أشهر، ثم بعد ذلك فإنه لا عهد له. ٢٦٨١ - * روى البخاري عن زيد بن وهبٍ ﵀ قال: كنا عند حُذيفة، فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثةٌ، ولا بقي من المنافقين إلا أربعةٌ، فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمدٍ، تخبرونا أخباراً، لا ندري ما هي؟ تزعمون أن لا منافق إلا أربعةٌ، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا، ويسرقون أعلاقنا؟ قال: أولئك الفُساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعةٌ: أحدهم: شيخٌ كبيرٌ - لو شرب الماء البارد لما وجد بردَهُ. هكذا ورد الحديث في صحيح البخاري دون ذكر آية وإنما أشار لها وقد ترجم البخاري للحديث بقوله باب: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (١) وقد أوردها صاحب جامع الأصول في صلب الحديث. قال المحقق: ولعل المصنف ذكرها في الحديث اعتماداً على الباب، فقد أورده البخاري تحت قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ الذي أورده فيه الحديث وقال الحافظ: تعليقاً على ذلك: هكذا وقع مبهماً، وقع عند الإسماعيلي من رواية ابن عيينة

стр. 1761

عن إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: "ما بقي من المنافقين من أهل هذه الآية: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، إلا أربعة نفر، إن أحدهم لشيخ كبير. قال الإسماعيلي: إن كانت الآية ما ذكر في خبر ابن عيينة فحق هذا الحديث أن يخرج في سورة الممتحنة. وقد وافق البخاري على إخراجها عند آية براءة النسائي وابن مردويه، فأخرجا من طرق عن إسماعيل، وليس عند أحد منهم تعيين الآية، وانفرد عيينة بتعيينها، إلا أن عند الإسماعيلي من رواية خالد الطحان عن إسماعيل في آخر الحديث. قال إسماعيل: يعني الذين كاتبوا المشركين، وهذا يقوي رواية ابن عيينة، وكأن مستند من أخرجها في آية براءة، ما روه الطبري من طريق حبيب بن حسان عن زيد بن وهب قال: كنا عند حذيفة فقرأ هذه الآية: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد. ومن طريق الأعمش عن زيد بن وهب نحوه، والمراد بكونهم لم يُقاتلوا، أن قتالهم لم يقع لعدم وقوع الشرط، لأن لفظ الآية: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا﴾ فلما لم يقع منهم نكث ولا طعن لم يقاتلوا. وروى الطبري من طريق السدي قال: المراد بأئمة الكفر كفار قريش، ومن طريق الضحاك قال: أئمة الكفر: رؤوس المشركين من أهل مكة. أقول: كلام حذيفة في أنه لم يبق من أئمة الكفر إلا ثلاثة فذلك محمول على من أمرت الآية: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ بقتالهم في عصر النبوة، ولا يعني هذا أنه لم يبق أئمة كفر يجب قتالهم فيما بعد بل ذكر الحافظ في الفتح ما رواه الطبراني عن زيد بن وهب قال: كنا عند حذيفة فقرأ هذه الآية: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد ومن طريق الأعمش عن زيد بن وهب نحوه. فهذا يفيد أن أئمة الكفر قادمون وأن على هذه الأمة أن تقاتلهم. ٢٦٨٢ - * روى مسلم عن النُّعمان بن بشير ﵁ قال: كنتُ عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجلٌ: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أنْ لا أعمل عملاً بعد الإسلام، إلا أن أعمر المسجد الحرام (١)، وقال

стр. 1762

آخرُ، والجهاد في سبيل الله أفضلُ مما قُلتم، فزجرهم عمر، وقال: لاترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة - ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). روى الترمذي عن عدي بن حاتمٍ [الطائيِّ] ﵁ قال: أتيتُ النبي ﷺ وفي عنقي صليبٌ من ذهب، فقال: "يا عديُّ، اطرحْ عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. هذا الحديث على غير شرطنا وإنما أوردناه لاشتهاره على ألسنة كثير من الناس ويظنونه مقبولاً ويحتج به بعض الناس على ذم تقليد أئمة المذاهب الأربعة وهذا في غاية البعد عن الحق فإن أولئك الأحبار إنما كانوا يحلون ويحرمون من عند أنفسهم لا من عند الله ولا يجوز بحال أن يقاس حد من المسلمين فضلاً عن الأئمة الأربعة عليهم. هذا مع ضعف الحديث قال الترمذي، (٥/ ٢٧٨): هذا الحديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيْف بن أعْين ليس بمعروف في الحديث، اهـ. أقول: عبد السلام ثقة لكن غُطَيْف ضعيف ... والترمذي إنما حكم على غطيف. ٢٦٨٣ - * روى البخاري عن زيد بن وهبٍ ﵀ قال: مررتُ بالرَّبَذَةِ، فإذا

стр. 1763

بأبي ذَرٍّ، فقلتُ له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشام، فاختلفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلامٌ، فكتب إلى عُثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان: أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر عليَّ الناس، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحَّيتَ، فكنت قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا عليَّ حبشياً لسمعتُ وأطعْتُ. قال الحافظ في "الفتح" ٣/ ٢٧٥ وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب، وفي ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه، حتى كاتب من هو أعلى منه في أمره، وعثمان لم يحنق على أبي ذر، مع كونه كان مخالفاً له في تأويله، وفيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة، والترغيب في الطاعة لأولي الأمر، وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة، وجواز الاختلاف في الاجتهاد، والأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى إلى فراق الوطن، وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، لأن في بقاء أبي ر بالمدينة، مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع عن المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه، لأن كلا منهما كان مجتهداً. وقال ابن كثير ﵀ ٤/ ١٥٧، ١٥٨: وكان من مذهب أبي ذر ﵁، تحريم ادخرا ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية، فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة وحده، وبها مات ﵁ في خلافة عثمان. أقول: جمهور العلماء أنَّ من أدى زكاة ماله والحقوق المترتبة عليه من نفقة العيال وإطعام الجائع الذي عرف خبره صاحب المال وغير ذلك من الحقوق الواجبة لا يدخل في الوعيد الذي ورد في الآية.

стр. 1764

روى أبو داود (١) عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كبُرَ ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أُفَرِّجُ عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله، إنه كبُر على أصحابك هذه الآية، فقال: رسول الله ﷺ : "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لكون لمن بعدكم، فكبر عمر، ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما يكنزُ المرء؟ المرأة الصالحة: إذا نظر إليه سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته". أقول: هذا الحديث ضعيف لأن في سنده جعفر بن إياس هو ثقة لكن روايته عن مجاهد كما هي هنا ضعيفة لأنه لم يسمع منه كذا أعله شعبة انظر التهذيب (٢/ ٨٣). والذهبي لم يوافق الحاكم على تصحيحه بل قال: عثمان لا أعرفه والخبر عجيب اهـ وعثمان هو ابن القطان الخزاعي الراوي عن جعفر بن إياس عند الحاكم وإنما أوردناه للتنبيه عليه ولأن معناه صحيح بالجملة فمضمون هذا النص أصل من أصول نظام المال في الإسلام فالملكية إذا كانت عن طريق حلال وأُدِّيَ حقُّ الله فيها فهي محترمة ومباحة وليس لأحد الاعتداء عليها وليس لسلطة حق الأخذ منها بغير إذن صاحبها إلا بفتوى مبصرة من أهلها في حالات الضرورة أو الأوضاع الاستثنائية. ٢٦٨٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن (ابن عمرو بن العاص) كانت العربُ يحلون عاماً شهراً وعاماً شهرين، ولا يُصيبون الحجَّ إلا في كل ستٍ وعشرين سنةً مرةً، وهو النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حجَّ أبو بكرٍ بالناس، وافق ذلك العام الحجَّ فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج النبي ﷺ من العام المقبل، فاستقبل الناس الأهلَّةَ، فقال ﷺ : "إن الزمان قد استدرا كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض"، قال محمد بن محمد بن سليمان عن قوله: (إلا في ست وعشرين) لعله (إلا في كل ستة وثلاثين سنة) لأن الباعث لهم على الإنساء وهو أن يأتي الحجُّ كل عام في زمن الثمار ليجلبها عليهم

стр. 1765

الحجاج، إنما يقتضي أن يستدبر الحج في تسع ذي الحجة في كل ست وثلاثين تقريباً، فلو أحلوا محرماً في عام ومُحرماً وصفر في الثاني، ومحرماً فقط في الثالث وحجوا في تاس ذي الحجة في الأعوام الثلاثة، ثم أحلوا صفر وربيع في الرابع وصفر فقط في الخامس، وصفر وربيع في السادس، وحجوا في تاسع المحرم في هذه الثلاثة، وهكذا في بقيتها، فإن عود الحج إلى تاسع ذي القعدة إنما يكون في تلك المدة، وبهذا يكون للحديث معنى صحيح والله أعلم. أقول: الآية المشار إليها في النص هي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. وقد ربط الله أوقات الصلاة بظهور بدايات الشمس فجراً وبغياب الشفق ليلاً، وبظل الشمس وغروبها كما ربط الحج والصيام بالأشهر القمرية ليكون ذلك أدنى إلى معرفة العامة والخاصة بأوقات عباداتهم، وليكون ذلك أبعد عن التحريف والتبديل كما أن لارتباط صيام رمضان بالأشهر القمرية حكمه الأخرى منها: أن يتعادل صيام أهل الكرة الأرضية كل ستة وثلاثين عاماً تقريباً، ومن حكم ربط الحج بالأشهر القمرية مراعاة كل أصناف الناس، وليمر في أمكنتهم وأزمنتهم وأحوالهم، وبذلك يدور الحج بالنسبة للسنة الشمسية بحيث يمر في كل الفصول وفي ذلك رفق بأصناف من الناس قد لا يستطيعون الحج إلا في زمن يناسبهم أكثر من غيره، وهذا التأخير على القول بأن فرضية الحج على التراخي. ٢٦٨٥ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (١). نسختْها التي في النُّورِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).

стр. 1766

ونقل ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٤٤٦، عن أبي سليمان الدمشقي: أنه ليس للنسخ هاهنا مدخل، لإمكان العمل بالآيتين، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة، وكان المنافقون إذا كانوا معه، فعرضت لهم حاجة ذهبوا من غير استئذان. أقول: هناك اتجاه عند المفسرين أن الجهاد لا يحتاج إلى استئذان بل يسارع المسلم إليه بلا استئذان فضلاً عن أن يستأذن في تركه، فعلى هذا الاتجاه يُفهم قول ابن عباس أن آية سورة النور قد نسخت آية التوبة من حيث إن المسلم عليه أن يستأذن وحتى على الاتجاه الآخر في أن آية التوبة تتحدث عن منع الاستئذان في ترك الجهاد، فآية التوبة تجيز الاستئذان، لكن الاستئذان لترك الجهاد حين يكون فريضة عين إنما يكون لمعذور، فحتى المعذور يحتاج إلى إذن في ترك الجهاد لأنه قد يؤدي دوراً ما يناسب عذره. ٢٦٨٦ - * روى البخاري عن أبي مسعود البدري [عُقبة بن عمرو] ﵁ قال: لما نزلت آيةُ الصدقة، كُنَّا نُحامِلُ على ظهورنا، فجاء رجلٌ فتصدق بشيءٍ كثيرٍ، فقالوا [أي المنافقون]: مُراءٍ، وجاء رجل فتصدق بصاعٍ، فقالوا: إن الله لغنيٌّ عن صاع هذا، فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). وفي رواية (٢): كان رسول الله ﷺ إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السُّوق، فيُحامل، فيصيب المُدَّ، وإن لبعضهم اليوم لمائة ألفٍ. زاد في رواية (٣): كأنه يُعَرِّضُ بنفسه.

стр. 1767

وفي أخرى (١): لما أمر رسول الله ﷺ بالصدقة كُنَّا نتحاملُ، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلتْ. وزاد النسائي (٢) بعد قوله: لمائة ألفٍ: وما كان له [يومئذ] درهمٌ. ٢٦٨٧ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: لما تُوفي عبد الله - بن أُبي بن سلولٍ - جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أنْ يعطيه قميصه يُكَفِّنُ فيه أباه؟ فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه؟ فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، تُصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما خيَّرَني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣) وسأزيد على السبعين، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله ﷺ قال: فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤). زاد في رواية (٥): فترك الصلاة عليهم. قال في "الفتح" ٨/ ٢٥٣: أما جزم عمر بأنه منافق، فجرى على ما كان يطلعُ عليه من أحواله، وإنما لم يأخذ النبي ﷺ بقوله، وصلى عليه، إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام، كما تقدم تقريره، واستصحاباً لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده، الذي تحققت صلاحيته ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النبي ﷺ في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثم أمر بقتال المشركين، فاستمر صفحه وعفوه

стр. 1768

عمن يظهر الإسلام ولو كنا باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير، ولذلك قال: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقل أهل الكفر وذلوا، أمر بمجاهدة المنافقين، وغير ذلك مما أُمر فيه بمجاهدتهم، وبهذا التقدير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد الله تعالى. ٢٦٨٨ - * روى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما مات عبد الله ابن أبي بن سلول، دُعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟! أعدَّدُ عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "أخرْ عني يا عمر، فلما أكثرت عليه، قال: أما إني خيرتُ، فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له، لزدتُ عليها"، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قال: فعجبتُ بعد من جُرأتي على رسول الله ﷺ ، يومئذ، والله ورسوله أعلم. وزاد الترمذي: فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق، ولا قام على قبره، حتى قبضه الله. ٢٦٨٩ - *روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (١).

стр. 1769

وفي الباب عن سعيد بن المسيب عن أبيه أخرجه أحمد والبخاري ومسلم في الإيمان "أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ لأبي طالب: أي عم، قل: "لا إله إلا الله" أحاجُّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال النبي ﷺ : أستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ اهـ. ٢٦٩٠ - *روى أحمد في قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ عن سهل بن سعد قال اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى فقال أحدهما: هو مسجد الرسول ﷺ وقال الآخر: هو مسجد قُباء فأتيا النبي ﷺ فسألاه فقال: "هو مسجدي هذا"، وفي رواية (١) كان رسول الله ﷺ إذا سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى قال: "هو مسجدي".

стр. 1770

سورة يونس ٢٦٩١ - * روى الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ سأله رجلٌ من أهل مصر عن هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١)؟ قال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ ، فقال: "ما سألني عنها أحد غيرك منذ أُنزلت: هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو تُرى له". ٢٦٩٢ - * روى الترمذي عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: سألت رسول الله صلى الله لعيه وسلم عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: "هي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن، أو تُرى له". ٢٦٩٣ - * روى مالك عن عروة بن الزبير بن العوام ﵁ في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له".

стр. 1771

سورة هود ٢٦٩٤ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال محمد بن عباد بن جعفر المخزومي إنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْني صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١) قال: فسألته عنها؟ فقال: كان أناس يستحيون أن يتخلوا فيُفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. وفي رواية (٢) عمرو بن دينار قال: قرأ ابن عباس: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ وقال غيره عن ابن عباس يستغشون: يغطون رؤوسهم. نقل ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٧٧ عن ابن الأنباري: تثنوني: تفعوعل، وهو فعل للصدور، معناه: المبالغة في تثني الصدور، كما تقول العرب: احلولي الشيء يحلولي: إذا بالغوا في وصفه بالحلاوة. أقول: ما ورد في هاتين الروايتين لا يوافق الرسم العثماني للمصحف فهما قراءتان شاذتان لا تعتبران قرآنا، إلا أن لهما حكم التفسير. ٢٦٩٥ - * روى أحمد عن جابر أن النبي ﷺ لما نزل الحِجْرَ في غزوة خطب الناس: "يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات، هؤلاء سألوا نبيهم أن يبعث لهم ناقة

стр. 1772

ففعل، فكانت تردُ من هذا الفج، فتشربُ ماءهم يوم ورْدها، ويحلبون من لبنها مثل الذي كانوا يصيبون من غِبِّها، ثم تصدر من هذا الفجِّ، فعقروها، فأجلهم الله ثلاثة أيام، وكان وعد الله غير مكذوبٍ، ثم جاءتهم الصيحةُ فأهلك الله من كان منهم بين السماء والأرض، إلا رجلاً كان في حرم الله فمنعه حرمُ الله من عذاب الله، قيل يا رسول الله من هو؟ قال: أبو رِغَال". القصة في الآيات (٦١ - ٦٨) من سورة هود. ٢٦٩٦ - * روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليُمْلِي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١). وقال الترمذي: وربما قال: "ليُمْهِلُ". ٢٦٩٧ - * روى الشيخان عن ابن مسعودٍ ﵁ أن رجلاً أصاب من امرأةٍ قُبْلةً، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢) فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذه؟ قال: "لمن عمل بها من أمَّتي". ولمسلم (٣) أيضاً قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: "يا رسول الله، إني عالجتُ امرأةً

стр. 1773

في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فاقْضِ فيَّ ما شئت، فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت على نفسك؟ قال: ولم يرُد النبي ﷺ ، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبي رجلاً، فدعاه وتلا عليه هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فقال رجل من القوم: يا نبي الله، هذا له خاصة؟ قال: "بل للناس كافةً". ٢٦٩٨ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني لقيت امرأة في البستان، فضممتُها إليَّ وباشرتُها وقبلتُها وفعلتُ بها كل شيء إلا إني لم أجامعها. فسكت النبي ﷺ . فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فدعاه النبي ﷺ فقرأها عليه. فقال عمر: يا رسول الله أله خاصةً أو للناس كافةً؟ فقال: "لا بل للناس كافة". ٢٦٩٩ - * روى البزار عن ابن عباس أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ كان تحبه امرأةً فاستأذن النبي ﷺ في حاجة فأذن له فانطلق في يوم مطيرٍ فإذا بالمرأة على غدير ماء تغتسل فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة ذهب يحرك ذكره فإذا هو به هدبةٌ فقام فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال له النبي ﷺ : "صل أربع ركعات" فأنزل الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية.

стр. 1774

سورة يوسف ٢٧٠٠ - * روى البخاري عن عروة بن الزبير ﵁ أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (١) أو كُذبوا؟ قالت: بل كذبهم قومهم، فقلت: والله، لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، وما هو بالظن، فقالت: يا عُرَيَّةُ أجلْ، لقد استيقنوا بذلك، فقلت: لعلها (قد كُذبوا) فقالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظنُّ ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعم كذبُوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. وفي رواية (٢) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: قال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفةً، قال: ذهب بها هنالك، وتلا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٣)، قال: فلقيتُ عروة بن الزبير، فذكرتُ ذلك له، فقال: قالت عائشة": معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم تزل البلايا بالرسل، حتى خافوا أن يكون من معهم من قومهم يُكذبُونهم، وكانت تقرؤها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُثقلةً. جاء في "زاد المسير" ٤/ ٢٩٦ وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "كُذِّبوا" مشددة الذال مضمومة الكاف، والمعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم، فيكون الظن هاهنا بمعنى اليقين، وهذا قول الحسن وعطاء وقتادة وقرأ عاصمٌ وحمزة والكسائي "كُذبوا" خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أن الرسل قد كُذبوا فيما وعدوا به من النصر، لأن الرسل لا يظنون ذلك. قال الحافظ في "الفتح" ٨/ ٢٦٧: أنكرت [أي عائشة] القراءة بالتخفيف، بناء على

стр. 1775

أن الضمير للرسل، وليس الضمير للرسل على ما بينته، ولا لإنكار القراءة بذلك معنى بعد ثبوتها، ولعلها لم تبلغها ممن يرجع إليه في ذلك، وقد قرأها بالتخفيف أئمة الكوفة من القراء: عاصم ويحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي، ووافقهم من الحجازيين: أبو جعفر بن القعقاع، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، وأبي عبد الرحمن السلمي، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي في آخرين. سورة الرعد ٢٧٠١ - * روى البزار عن (أنسٍ) بعث النبي ﷺ رجلاً من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله، فقال إيش ربك الذي تدعوني إليه، من حديد هو من نحاس هو من فضة هو من ذهب هو؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأعاده فقال مثل ذلك، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأرسله إليه الثالثة، فقال مثل ذلك، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأرسل الله عليهم صاعقةً فأحرقتْهُ فقال ﷺ : "إن الله تعالى قد أرسل على صاحبك صاعقةً فأحرقته"، فنزل: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (١).

стр. 1776

سورة إبراهيم ٢٧٠٢ - * روى أحمد عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (١) قال هي التي لا تنفض ورقها. وتمام الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. ٢٧٠٣ - * روى الشيخان عن البراء بن عازبٍ ﵁ "أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٢) قال: "نزلت في عذاب القبر". وفي رواية (٣): أن النبي ﷺ قال: "المسلمُ إذا سُئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. وفي أخرى (٤) قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربُّك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمدٌ ﷺ ". ٢٧٠٤ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (٥) قال: هم كفارُ أهل مكةَ.

стр. 1777

وفي رواية (١) قال: هم والله كفارُ قريشٍ، قال عمرو هم قريشٌ، ومحمد: نعمةُ الله، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: النار يوم بدرٍ. ٢٧٠٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "تلا رسول الله ﷺ قول الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) فرفع يديه، وقال: "اللهم أمتي أمتي، وبكى، فقال الله : يا جبريل، اذهب إلى محمدٍ - وربُك أعلم - فسله: ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فسأله؟ فأخبره بما قال- وهو أعلم - فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمدٍ، فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك". ٢٧٠٦ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (٤) قلت: أينَ يكونُ الناسُ يومئذ يا رسول الله؟ قال: "على الصراط".

стр. 1778

سورة الحِجْر ٢٧٠٧ - * روى أبو يعلي عن ابن عباس في قوله : ﴿لَعَمْرُكَ﴾ (١) قال لحياتُك. ٢٧٠٨ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ تلا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٢) وقال: باب منها لمن سلَّ السيف على أمتي، أو قال" على أمة محمدٍ". ٢٧٠٩ - * روى النسائي عن ابن عباس ﵄ قال: أُوتي رسولُ الله ﷺ سبعاً من المثاني الطوَلِ. وفي رواية: في قوله: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٣)، قال: السبع الطِّوَلُ. ٢٧١٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال هي السبع الطول. ٢٧١١ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٤) قال: هم أهل الكتاب: اليهودُ والنصارى، جزؤوهُ أجزاءً، فآمنوا ببعضٍ، وكفروا ببعضٍ.

стр. 1779

سورة النحل ٢٧١٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (١) قال زيدوا عقاربَ أنيابها كالنخل الطوال. ٢٧١٣ - * روى أحمد عن عثمان بن أبي العاص الثقفيِّ ﵁ قال كنتُ عند رسول الله! جالساً إذ شخصَ ببصرِه ثم صوَّبَه حتى كاد أن يلزِقَ بالأرض قال وشخص ببصره قال أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ٢٧١٤ - * روى الطبراني عن مسروقٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (٢) قال: قال عبد الله بن مسعود إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين. فقال فروةُ رجلٌ من أشجع نسي، أن إبراهيم. فقال: ومن نسي، إنّا كنا نشبّه معاذاً بإبراهيم. وسئل عن الأمة فقال: معلمُ الخير، وسُئِلَ عن القانت فقال: مطيعُ الله ورسوله. ٢٧١٥ - * روى الترمذي عن أُبيٍّ: لما كان يومُ أُحدٍ أُصيب من الأنصار أربعةٌ وستون، ومن المهاجرين ستة فمثلوا بهم، فقالت الأنصارُ: لئن أصبْنا منهم يوماً مثل هذا لنُرْبيَنَّ عليهم في التمثيل. فلما كان يوم الفتح أنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٣) فقال رجل لا قريش بعد اليوم، فقال ﷺ : "كفوا عن القوم إلا أربعةً".

стр. 1780

سورة الإسراء ٢٧١٦ - * روى البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: في بني إسرائيل والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: إنهُن من العِتاقِ الأول، وهُن من تلادي. ٢٧١٧ - * روى الشيخان عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ كان نفرٌ من الإنس يعبُدون نفراً من الجنِّ فأسلم النفرُ من الجنُ فاستمسك الآخرون بعبادتهم فنزلت ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (١). ٢٧١٨ - * روى البخاري عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ (٢) هي رؤيا عينٍ أريها النبيُّ ﷺ ليلة أُسري به، والشجرة المعلونة في القرآن هي شجرة الزقوم. ٢٧١٩ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ كان يقول: دُلوك الشمس: ميْلُها.

стр. 1781

٢٧٢٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١) أن النبي ﷺ قال: "تشهدهُ ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار". وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال ابن كثير: فعلى هذا تكون هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قد دخل فيها كل أوقات الصلوات الخمس. فمن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وهو ظلامه: أخذ الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ومن قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يعني صلاة الفجر، وقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواتراً من أقواله وأفعاله بتفاصيل هذه الأوقات على ما هي عليه اليوم عند أهل الإسلام مما تلقوه خلفاً عن سلف وقرناً بعد قرن. ٢٧٢١ - * روى الشيخان عن ابن مسعودٍ ﵁: قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ وهو يتوكَّأ على عسيبٍ - مرَّ بنفرٍ من اليهود، فقال بعضهم: سلوهُ عن الروح؟ وقال بعضهم: لا تسألوه لا يُسمِعْكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعةً ينظرُ، فعرفْتُ أنه يوحي إليه، فتأخَّرْتُ حتى صعد الوحيُ، ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم: لا تسألوه. قال ابن القيم: ليس المراد هنا بالأمر الطلب اتفاقاً، وإنما المراد به المأمور، والأمر

стр. 1782

يطلق على المأمور كالخلق على المخلوق، ومنه ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وقال ابن بطال: معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر، والحكمة في إبهامه اختبار الخلق ليعرفهم عجزهم عن علم مالا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه. قال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٧: وهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية، وقد يجاب عن هذا بأن تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. أقول: وقد يكون سئل هذا وهو في مكة من قبل اليهود، بأن جاؤوه فسألوه أو أرسلوا له مع قريش، وهذا أولى من القول بتكرار النزول، ويؤكد هذا الرواية التالية: ٢٧٢٢ - * روى أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطونا شيئاً نسألُ عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوهُ عن الروح، فسألوه عن الروح؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراةَ فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزل الله ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١). ٢٧٢٣ - * روى الدارمي عن شداد بن معقل أن ابن مسعود قال: ليُنْتَزعَنَّ هذا القرآنُ من بين أظهركم، قلت يا أبا عبد الرحمن: كيف يُنتزعُ وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يُسْرَى عليه في ليلة فلا يبقى في قلب عبد ولا مصحف منه شيء، ويصبح الناس فقراء كالبهائم، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ

стр. 1783

لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. ٢٧٢٤ - * روى الجماعة إلا الموطأ وأبا داود عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (١) قال: أنزلتْ ورسول الله ﷺ متوارٍ بمكة، وكان إذا رفع صوتهُ، سمعهُ المشركون فسبُّوا القرآن ومنْ أنزله ومن جاء به، فقال الله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، أي: بقراءتك، حتى يسمعها المشركون: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾: عن أصحابكَ، فلا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: أسمعهم، ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن. وفي رواية (٢): ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ يقول: بين الجهر والمخافتة. ٢٧٢٥ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: أُنزل هذا في الدعاء: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال الحافظ في الفتح، قوله: أنزل ذلك في الدعاء، هكذا أطلقت عائشة، وهو أعم من أن يكون ذلك داخل الصلاة أو خارجها. ٢٧٢٦ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: نزلت هذه الآية في التشهد: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.

стр. 1784

سورة الكهف ٢٧٢٧ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيفٍ قال: نزلتْ هذه الآية على النبي ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (١) خرج يلتمس فوجد قوماً يذكرون الله منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم". ٢٧٢٨ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب ﵀ قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ (٢) هي قول العبد، الله أكبرُ، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٢٧٢٩ - * روى الشيخان عن سعيد بن جُبير ﵀ قال: قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن نوفاً البكالي يزعُم أن موسى - صاحب بني إسرائيل- ليس هو صاحب الخضرِ. فقال: كذَبَ عدوُّ الله، سمعتُ أُبي بن كعبٍ يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قام موسى ﵇ خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلمُ؟ قال: أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذْ لم يرُدَّ العلم إليه، فأوْحى الله إليه: إنَّ عبداً من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى، أيْ ربِّ، كيْفَ لي به؟ فقيل له: احمِلْ حُوتاً في مكتَلٍ، فحيثُ تفقدُ الحوت، فهو ثمَّ، فانطلق وانطلق معه فتاهُ، وهو يُوشعُ بن نونٍ، فحمل مُوسى حوتاً في مكتلٍ، فانطلق هو وفتاه يمشيان، حتى أتيا الصخرة، فرقد موسى وفتاه، فاضطرب الحوتُ في

стр. 1785

المكتل، حتى خرج من المكتل، فسقط في البحر، قال: وأمسك الله عنه جريةَ الماء حتى كان مثل الطاق فكان للحوت سرباً وكان لموسى وفتاه عجباً، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، ونسي صاحب موسى أن يخبرهُ، فلما أصبح موسى ﵇ قال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (١). قال: ولم ينصبْ حتى جاوز المكان الذي أُمِرَ به: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (٢). قال: يقُصَّان آثارهما، حتى أتيا الصخرة، فرأى رجلاً مُسجَّى ثوباً، فسلم عليه موسى، فقال له الخضر: أنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: إنك على علمٍ من علم الله علمكهُ الله لا أعلمْهُ، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال له الخضر: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٣) قال نعم، فانطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينةٌ، فكلموهم أن يحملوهُما، فعرفُوا الخضر، فحملوهما بغير نولٍ، فعمد الخضرُ إلى لوحٍ من ألواح السفينة، فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نوْلٍ، عمدت إلى سفينتهم، فخرقتها: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا،

стр. 1786

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (١)، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ غلامٌ يلعبُ مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعهُ بيده، فقتله، فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٢) قال: وهذه أشدُ من الأولى: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا فأقامه، قال له موسى: قومٌ أتيناهمْ، فلم يضيفونا، ولم يُطعمونا: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٣) قال رسول الله ﷺ "يرحمُ الله موسى، لوددتُ أنه كان صبر، حتى كان يقصُّ علينا من أخبارهما" قال: وقال رسول الله ﷺ : "كانت الأولى من موسى نسياناً" قال: وجاء عُصفورٌ حتى وقع على حرف السفينة، ثم نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمُك من علم الله، إلا مثل ما نقص هذا العصفُور من البحر". زاد في رواية (٤): "وعلم الخلائق" ثم ذكر نحوه. قال سعيد بن جبير: كان يقرأ: "كان أمامهم ملك يأخذ كل سفينةٍ غصباً" وكان يقرأ: وأما الغلام: فكان كافراً". وفي رواية (٥) قال: "بينما موسى ﵇ في قومه يُذكِّرهُم بأيام الله، وأيامُ الله: نعماؤه وبلاؤه، إذْ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً أو أعلم مني" قال ... وذكر الحديث. وفيه: "حوتاً مالحاً".

стр. 1787

وفيه: "مُسجّى ثوباً، مستلقياً على القفا، أو على حُلاوةِ القفا". وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجَّل لرأي العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامةٌ"، قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ ولو صبر لرأى العجب، قال: وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه، ثم قال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ لئامٍ، فطافا في المجلس، فاستطعما أهلها: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ قال: وأخذ بثوبه، ثم تلا إلى قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ إلى آخر الآية (١): فإذا جاء الذي يُسخرُها وجدها منخرقة، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ وأما الغلام فطُبع يوم طُبع كافراً، وكان أبواه قد غطفا عليه، فلو أنه أدرك: ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾. وفي رواية (٢) قال: "وفي أصل الصخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يُصيبُ من مائها شيءٌ إلا حييَ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرَّكَ، وانْسلَّ من المكتل" وذكر نحوه. وفي رواية (٣): "أنه قيل له: خُذْ حوتاً، حتى تُنفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلِّفُك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، فقال: ما كلَّفت كبيراً" .. وذكر الحديث. وفيه: "فوجدا خضراً على طنفُسَةٍ خضراء على كبد البحر، وأن الخضر قال

стр. 1788

لموسى: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك، ياموسى، إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه". وفيه في صفة قتل الغلام: "فأضجعهُ فذبحه بالسكين". وفيه: "كان أبواه مؤمنين، وكان كافراً: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ يحملهما حبه على أن يُتابعاهُ على دينه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾، لقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أرحمُ بهما من الأول الذي قتلَ الخضرُ". وفي رواية (١): "أنهما أُبْدِلا جاريةً". وفي رواية (٢) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ: "أن ابن عباس تمارى هو والحرُّ بن قيس بن حصنٍ الفزاريُّ في صاحب موسى ﵇، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أُبيُّ بن كعبٍ، فدعاهُ ابن عباس فقال: يا أبا الطُّفيل، هلُمَّ إلينا فإنِّي قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لُقِيِّهِ، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ فقال أُبي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل، فقال له: هل تعلَمُ أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى، عبدُنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لُقِيِّهِ، فجعل الله له الحوت آيةً ... وذكر الحديث إلى قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فوجدا خضراً، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه". ولمسلم رواية (٣) أخرى بطولها، وفيها: "فانطلقا، حتى إذا لقيا غِلماناً يلعبون،

стр. 1789

قال: فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي، فقتله، قال: فذُعِر عندها موسى ذُعرةً مُنكرةً، قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ ، عند هذا المكان: "رحمةُ الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجَّلَ لرأي العجب، ولكنه أخذتْهُ من صاحبه ذمامةٌ". وفي رواية (١) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال: "كانت الأولى نسياناً، والوسطى: شرطاً، والثالثة عمداً". وفي رواية (٢) لمسلم: "أن النبي ﷺ قرأ: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. وعنده (٣) قال: "إن النبي ﷺ قال: "الغلامُ الذي قتله الخضر طُبع كافراً، ولو عاش لأرْهق أبويه طُغياناً وكفراً". وفي رواية (٤) الترمذي أيضاً: قال: "الغُلام الذي قتله الخضر: طُبع يوم طُبع كافراً .... " لم يزِدْ. وأخرج أبو داود (٥) من الحديث طرفيْنِ مختصريْنِ عن أُبيِّ بن كعبٍ: الأول، قال: قال النبي ﷺ : "الغلام الذي قتله الخضر: طُبع يوم طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً". والثاني: أن رسول الله ﷺ قال: "أبصر الخضر غُلاماً يلعبُ مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ الآية". قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ثبت في "الصحيحين". أن سبب تسميته الخضر "أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز تحته خضراء" هذا لفظ الإمام أحمد من رواية

стр. 1790

المبارك عن معمر عن همام عن أبي هريرة. و"الفروة" الأرض اليابسة. في قول ابن عباس: (كذب عدو الله). قال العلماء: هو على وجه الإغلاظ والزجر عن مثل قوله، لا أنه يعتقد أنه عدو الله حقيقة، إنما قاله مبالغة في إنكار قوله لمخالفته قول رسول الله ﷺ . وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة إنكاره، وفي حال الغضب تطلق الألفاظ، ولا يراد بها حقائقها. قال في "الفتح" ١/ ٢١٩ قوله "هو أعلم منك" ظاهر في أن الخضر نبي، بل مرسل، إذ لو لم يكن كذلك للزم تفضيل العالي على الأعلى، وهو باطل من القول، ومن أوضح ما يُستدل به على نبوة الخضر قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وينبغي اعتقاد كونه نبياً، لئلا يتذرع بذلك أهل الباطل في دعواهم: إن الولي أفضل من النبي، حاشا وكلا. قال النووي: "فتاه" صاحبه. و"نون" معروف، كنوح. وهذا الحديث يرد قول من قال من المفسرين: إن فتاه: عبد له، وغير ذلك من الأقوال الباطلة. قالوا: هو يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف. قال النووي: قوله: "وأمسك الله عنه جِرْية الماء، حتى كان مثل الطاق" الجرية: بكسر الجيم، والطاق: عقد البناء، وجمعه: طوق وأطواق، وهو الأزج وما عقد أعلاه من البناء، وبقي ما تحته خالياً. والأزج: بناء مستطيل مقوس السقف. قال الحافظ في "الفتح" ١/ ١٥٤ قوله: "ذلك ما كنا نبغي" أي: نطلب، لأن فقد الحوت جُعِلَ آية، أي: علامة على الموضع الذي فيه الخضر. وفي الحديث جواز التجادل في العلم إذا كان بغير تعنت، والرجوع إلى أهل العلم عند التنازع، والعمل بخبر الواحد الصدوق، وركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار منه، ومشروعية وحمل الزاد في السفر، ولزوم التواضع في كل حال. ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر وطلب العلم منه، تعليماً لقومه ان يتأدبوا بأدبه. وتنبيهاً لمن زكى نفسه أن يسلك مسلك التواضع. قال الحافظ في "الفتح" ١/ ٢٢٠ قوله: "أنيَّ" أي: كيف بأرضك السلام. ويؤيده
следующие страницы →