قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (١)، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ غلامٌ يلعبُ مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعهُ بيده، فقتله، فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٢) قال: وهذه أشدُ من الأولى: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا فأقامه، قال له موسى: قومٌ أتيناهمْ، فلم يضيفونا، ولم يُطعمونا: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٣) قال رسول الله ﷺ "يرحمُ الله موسى، لوددتُ أنه كان صبر، حتى كان يقصُّ علينا من أخبارهما" قال: وقال رسول الله ﷺ : "كانت الأولى من موسى نسياناً" قال: وجاء عُصفورٌ حتى وقع على حرف السفينة، ثم نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمُك من علم الله، إلا مثل ما نقص هذا العصفُور من البحر".
زاد في رواية (٤): "وعلم الخلائق" ثم ذكر نحوه.
قال سعيد بن جبير: كان يقرأ: "كان أمامهم ملك يأخذ كل سفينةٍ غصباً" وكان يقرأ: وأما الغلام: فكان كافراً".
وفي رواية (٥) قال: "بينما موسى ﵇ في قومه يُذكِّرهُم بأيام الله، وأيامُ الله: نعماؤه وبلاؤه، إذْ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً أو أعلم مني" قال ... وذكر الحديث.
وفيه: "حوتاً مالحاً".
стр. 1787
وفيه: "مُسجّى ثوباً، مستلقياً على القفا، أو على حُلاوةِ القفا".
وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجَّل لرأي العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامةٌ"، قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ ولو صبر لرأى العجب، قال: وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه، ثم قال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ لئامٍ، فطافا في المجلس، فاستطعما أهلها: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ قال: وأخذ بثوبه، ثم تلا إلى قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ إلى آخر الآية (١): فإذا جاء الذي يُسخرُها وجدها منخرقة، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ وأما الغلام فطُبع يوم طُبع كافراً، وكان أبواه قد غطفا عليه، فلو أنه أدرك: ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.
وفي رواية (٢) قال: "وفي أصل الصخرة عينٌ يقال لها: الحياة لا يُصيبُ من مائها شيءٌ إلا حييَ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرَّكَ، وانْسلَّ من المكتل" وذكر نحوه.
وفي رواية (٣): "أنه قيل له: خُذْ حوتاً، حتى تُنفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلِّفُك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، فقال: ما كلَّفت كبيراً" .. وذكر الحديث.
وفيه: "فوجدا خضراً على طنفُسَةٍ خضراء على كبد البحر، وأن الخضر قال
стр. 1788
لموسى: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك، ياموسى، إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه".
وفيه في صفة قتل الغلام: "فأضجعهُ فذبحه بالسكين".
وفيه: "كان أبواه مؤمنين، وكان كافراً: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ يحملهما حبه على أن يُتابعاهُ على دينه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾، لقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أرحمُ بهما من الأول الذي قتلَ الخضرُ".
وفي رواية (١): "أنهما أُبْدِلا جاريةً".
وفي رواية (٢) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ: "أن ابن عباس تمارى هو والحرُّ بن قيس بن حصنٍ الفزاريُّ في صاحب موسى ﵇، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أُبيُّ بن كعبٍ، فدعاهُ ابن عباس فقال: يا أبا الطُّفيل، هلُمَّ إلينا فإنِّي قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لُقِيِّهِ، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ فقال أُبي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل، فقال له: هل تعلَمُ أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى، عبدُنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لُقِيِّهِ، فجعل الله له الحوت آيةً ... وذكر الحديث إلى قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فوجدا خضراً، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه".
ولمسلم رواية (٣) أخرى بطولها، وفيها: "فانطلقا، حتى إذا لقيا غِلماناً يلعبون،
стр. 1789
قال: فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي، فقتله، قال: فذُعِر عندها موسى ذُعرةً مُنكرةً، قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ ، عند هذا المكان: "رحمةُ الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجَّلَ لرأي العجب، ولكنه أخذتْهُ من صاحبه ذمامةٌ".
وفي رواية (١) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال: "كانت الأولى نسياناً، والوسطى: شرطاً، والثالثة عمداً".
وفي رواية (٢) لمسلم: "أن النبي ﷺ قرأ: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
وعنده (٣) قال: "إن النبي ﷺ قال: "الغلامُ الذي قتله الخضر طُبع كافراً، ولو عاش لأرْهق أبويه طُغياناً وكفراً".
وفي رواية (٤) الترمذي أيضاً: قال: "الغُلام الذي قتله الخضر: طُبع يوم طُبع كافراً .... " لم يزِدْ.
وأخرج أبو داود (٥) من الحديث طرفيْنِ مختصريْنِ عن أُبيِّ بن كعبٍ: الأول، قال: قال النبي ﷺ : "الغلام الذي قتله الخضر: طُبع يوم طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً".
والثاني: أن رسول الله ﷺ قال: "أبصر الخضر غُلاماً يلعبُ مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ الآية".
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ثبت في "الصحيحين". أن سبب تسميته الخضر "أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز تحته خضراء" هذا لفظ الإمام أحمد من رواية
стр. 1790
المبارك عن معمر عن همام عن أبي هريرة. و"الفروة" الأرض اليابسة.
في قول ابن عباس: (كذب عدو الله).
قال العلماء: هو على وجه الإغلاظ والزجر عن مثل قوله، لا أنه يعتقد أنه عدو الله حقيقة، إنما قاله مبالغة في إنكار قوله لمخالفته قول رسول الله ﷺ . وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة إنكاره، وفي حال الغضب تطلق الألفاظ، ولا يراد بها حقائقها.
قال في "الفتح" ١/ ٢١٩ قوله "هو أعلم منك" ظاهر في أن الخضر نبي، بل مرسل، إذ لو لم يكن كذلك للزم تفضيل العالي على الأعلى، وهو باطل من القول، ومن أوضح ما يُستدل به على نبوة الخضر قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وينبغي اعتقاد كونه نبياً، لئلا يتذرع بذلك أهل الباطل في دعواهم: إن الولي أفضل من النبي، حاشا وكلا.
قال النووي: "فتاه" صاحبه. و"نون" معروف، كنوح. وهذا الحديث يرد قول من قال من المفسرين: إن فتاه: عبد له، وغير ذلك من الأقوال الباطلة. قالوا: هو يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف.
قال النووي: قوله: "وأمسك الله عنه جِرْية الماء، حتى كان مثل الطاق" الجرية: بكسر الجيم، والطاق: عقد البناء، وجمعه: طوق وأطواق، وهو الأزج وما عقد أعلاه من البناء، وبقي ما تحته خالياً. والأزج: بناء مستطيل مقوس السقف.
قال الحافظ في "الفتح" ١/ ١٥٤ قوله: "ذلك ما كنا نبغي" أي: نطلب، لأن فقد الحوت جُعِلَ آية، أي: علامة على الموضع الذي فيه الخضر. وفي الحديث جواز التجادل في العلم إذا كان بغير تعنت، والرجوع إلى أهل العلم عند التنازع، والعمل بخبر الواحد الصدوق، وركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار منه، ومشروعية وحمل الزاد في السفر، ولزوم التواضع في كل حال. ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر وطلب العلم منه، تعليماً لقومه ان يتأدبوا بأدبه. وتنبيهاً لمن زكى نفسه أن يسلك مسلك التواضع.
قال الحافظ في "الفتح" ١/ ٢٢٠ قوله: "أنيَّ" أي: كيف بأرضك السلام. ويؤيده
стр. 1791
ما في التفسير "هل بأرضي من سلام؟ " أو من أين، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.
والمعنى: من أين السلام في هذه الأرض التي لا يُعرف فيها، وكأنها كانت بلاد كفر، أو كانت تحيتهم بغير السلام، وفيه دليل على أن الأنبياء ومن دونهم، لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله، إذ لو كان الخضر يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله.
قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
قراءة ابن كثير بإثبات الياء، وعاصم بحذفها.
قال النووي: في الحديث: الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى ﵇ عليه، قال القاضي؛ اختلف العلماء في قول موسى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ و ﴿شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيهما أشد؟ فقيل "إمراً" لأنه العظيم. ولأنه في مقابلة خرق السفينة، الذي يترتب عليه في العادة هلاك الذين فيها وأموالهم، وهلاكهم أعظم من قتل الغلام، فإنها نفس واحدة. وقيل: "نكراً" أشد. لأنه قاله عند مباشرة القتل حقيقة. وأما القتل في خرق السفينة فمظنون. وقد يسلمون في العادة. وقد سلموا في هذه القضية فعلاً. وليس فيها ما هو محقق إلا مجرد الخرق. والله أعلم.
قال الحافظ في "الفتح" ٨/ ٣١٦: قوله: "يا موسى، إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه" أي: جميعه "وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه" أي: جميعه. وتقدير ذلك متعين، لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر مالا غنى بالمكلف عنه، وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي. ووقع في رواية سفيان "يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت" وهو بمعنى الذي قبله.
(زكيَّة): بتشديد الياء وزاكية: " قراءتان سبعيتان متواترتان فقد قرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر (زكية) وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير (زاكية)، وهما بمعنى واحد.
(لتخذت): قرأ هذه القراءة (لتخذْتَ) بفتح التاء من دون تشديد وكسر الخاء من
стр. 1792
القراء السبعة ابن كثير وأبو عمرو، قرأ الباقون بتشديد التاء وفتح الخاء وكلا القراءتين متواتران.
(وكان وراءهم ملك): القراءة التي وردت في الحديث: (وكان أمامهم ملك).
قال عنها الزركشي هي كالتفسير اهـ إذ أنها تخالف الرسم العثماني للمصحف فلا يجوز أن تقرأ على أنها قرآن.
٢٧٣٠ - * روى الشيخان عن (زينب بنت جحشٍ): أن النبي صلى الله عله وسلم دخل عليها فزعاً يقول: "لا إله إلا الله ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب، فُتح اليوم من ردْم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه، وحَلَّق بأصبعيه الإبهام، والتي تليها، فقلت: يا رسول الله أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث".
أقول: ذكر هذا الحديث ها هنا بمناسبة قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (١) بمناسبة الكلام عن يأجوج ومأجوج في سورة الكهف، وقد حققنا الكلام عن السد في قسم العقائد ولعل في هذا الحديث إشارة إلى الغزو التتري والمغولي للأرض الإسلامية التي سقطت بسببه الخلافة العباسية، وهذا القدر من انفتاح يأجوج ومأجوج هو صغيرٌ بالنسبة لما سيكون من انفتاحهم على العالم زمن نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇.
٢٧٣١ - * روى البخاري عن مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ قال: يعني أبي - سألتُ عن قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ (٢).
стр. 1793
أهم الحرْورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود: فكذبوا محمداً ﷺ ، وأما النصارى: فكذبوا بالجنة، قالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ (١) وكان سعدٌ يسميهم: الفاسقين.
قال في الفتح ٨/ ٣٢٣: "الحرورية" بفتح الحاء المهملة وضم الراء نسبة إلى حروراء، وهي القرية التي كان ابتداء خروج الخوارج على علي منها.
ولابن مردويه من طريق حصين عن مصعب "لما خرجت الحرورية، قلت لأبي: أهؤلاء الذين أنزل الله فيهم؟ " وله من طريق أبي القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل عن علي في هذه الآية، قال: "أظن أن بعضهم الحرورية".
وللحاكم من وجه آخر عن أبي الطفيل قال: قال علي "منهم أصحاب النهروان" وذلك قبل أن يخرجوا، ولعل هذا هو السبب في سؤال مصعب إياه عن ذلك وليس الذي قاله عليُّ بن أبي طالب ببعيدٍ لأنَّ اللفظ يتناوله وإن كان السببُ مخصوصاً.
في ابن كثير: عن مصعب قال: سألت أبي، يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله ... وهذا أصح.
وفي البخاري هم الحرورية؟ بدون همزة.
وفي البخاري وأما النصارى كفروا بالجنة بدل فكذبوا.
٢٧٣٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنهُ ليأتي الرجُلُ العظيم السمينُ يوم القيامة لا يزنُ عند الله جناح بعوضةٍ، وقال: اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢) ".
стр. 1794
٢٧٣٣ - * روى الترمذي عن أبي سعيد بن أبي فضالة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جمع الله الناس ليومٍ لا ريب فيه، نادى منادٍ: منْ كان يشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلبْ ثوابه منه، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك".
أقول: ذكر هذا الحديث بمناسبة قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ آخر الكهف (١).
стр. 1795
سورة مريم
٢٧٣٤ - * روى مسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ (١) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدِمْتُ على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك؟ فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم، والصالحين قبلهم".
وأخرجه الترمذي: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا: ألستُم تقرؤون ... وذكر الحديث.
قال النووي: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم إلخ ... " استدل به جماعة على جواز التسمية بأسماء الأنبياء، وأجمع عليه العلماء، إلا ما قدمناه عن عمر بن الخطاب ﵁، وقد سمي النبي ﷺ ابنه إبراهيم، وكان في أصحابه خلائق يسمون بأسماء الأنبياء قال القاضي: وقد ذكر بعض العلماء: التسمي بأسماء الملائكة، وهو قول الحارث بن مسكين، قال: وكره مالك التسمي بجبريل وياسين.
أقول: كان أهل نجران نصارى، فالتبس عليهم قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ مع أن النص واضح في أنهم سموها بأخت هارون إشارة إلى كمالها وتعجبهم انها مع كمالها قد جاءت بولد بلا أب اتهاماً منهم إياها بالزنا وحاشاها، وهناك اتجاه آخر ذكره السهيلي: قال: هارون رجل من عباد بني إسرائيل المجتهدين كانت مريم تشبه به في اجتهادها وليس بهارون أخي موسى بن عمران.
٢٧٣٥ - * روى الترمذي عن قتادة ﵀ في قوله تعالى عن إدريس ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٢) قال: " قال أنسٌ: إن نبي الله ﷺ قال: "لما عُرِجَ بي رأيتُ إدريس في السماء الرابعة".
стр. 1796
٢٧٣٦ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: "ما يمنعُك أنْ تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١).
قال الحافظ في "الفتح": قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ما بين أيدينا: الآخرة، وما خلفنا: الدنيا، وما بين ذلك: ما بين النفختين.
٢٧٣٧ - * روى البزار عن أبي الرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
٢٧٣٨ - * روى مسلم عن (أم مُبشِّرٍ الأنصارية) أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢) فقال ﷺ قد قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٣).
أقول: ذكر ابن كثير المناسبة التي وردت في شأنها هذه الرواية فقال: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة فقال "لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية. فقالت حفصة أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال رسول الله ﵊: ثم ننجي.
٢٧٣٩ - * روى الترمذي عن السُدِّي ﵀ قال: سألت مُرَّة الهمداني عن قول الله تعالى:
стр. 1797
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فحدثني: أن عبد الله بن مسعود حدثهم قال: قال رسول الله ﷺ : "يردُ الناس، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحُضْر الفرس ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرجُل، ثم كمشيه".
٢٧٤٠ - * روى الشيخان عن خباب بن الأرت ﵁ قال: كنتُ قينْا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل السهمي دينٌ، فأتيته أتقاضاه وفي رواية قال: "فعملت للعاص بن وائل سيفاً، فجئته أتقاضاه فقال: لا أعطيك، حتى تكفر بمحمد، فقلت: والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم تُبعث قال: وإني لميت ثم مبعوثٌ؟ قلت: بلى، قال: دعني حتى أموت وأبعث، فسأوتي مالاً وولداً فأقضيك، فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (١).
وأخرجه الترمذي قال: جئتُ العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقاً لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ... الحديث.
قال الحافظ في "الفتح": هو والد عمرو بن العاص: الصحابي المشهور، وكان له قدر في الجاهلية، ولم يوفق للإسلام. قال ابن الكلبي: كان من حكام قريش، وكان موته بمكة قبل الهجرة، وهو أحد المستهزئين بالنبي ﷺ . قال عبد الله بن عمرو: سمعت أبي يقول: عاش أبي خمساً وثمانين سنة، وإنه ليركب حماراً إلى الطائف، يمشي عنه أكثر مما يركب، ويقال: إن حماره رماه على شوكة، فأصابت رجله، فانتفخت، فمات منها.
قال الحافظ في الفتح: قوله "حتى تموت، ثم تبعث" مفهومه: أنه يكفر حينئذ لكنه لم يُرد ذلك لأن الكفر حينئذٍ لا يتصور، فكأنه قال: لا أكفر أبداً، والنكتة في تعبيره
стр. 1798
بالبعث: تعبير العاص بأنه لا يؤمن به، وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل قوله هذا، فقال: علق الكفر، من علق الكفر كفر، أصاب بأنه خاطب العاص بما يعتقده، فعلق على ما يستحيل بزعمه، والتقرير الأول يغني عن هذا الجواب.
стр. 1799
تفسير سورة طه
٢٧٤١ - *روى أبو يعلي حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (١) سألته عن الفتون ما هو؟ قال: استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثاً طويلاً. فلما أصبحتُ غدوتُ إلى ابن عباس لأنتجزَ منه ما وعدني من حديث الفتون فقال: تذاكر فرْعونُ وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه. وقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب. فلما هلك، قالوا: ليس كذلك، إن الله وعد إبراهيم. قال فرعون: فكيف ترونه؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشِّفَار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يُذْبحون، قالوا: يُوشك أن تُفْنُوا بني إسرائيل فتصيرون إلى أن تُباشروا من الأعمال التي كانوا يكفونكم. فاقتلوا عاماً كل مولودٍ ذكرٍ فيقل نباتهم، ودعوا عاماً فلا يُقتل منهم أحدٌ فينشأ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يُفنَوْا بمن تقتلون فتحتاجون إلى ذلك، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يُذبح فيه الغلمان فولدته علانيةً آمنةً. فلما كان من قابلٍ حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمُّ والحُزْنُ- وذلك من الفتون يا ابن جبيرٍ - ما دخل منه في قلب أمِّه مما يُراد به. فأوحى الله ﵎ إليها: ﴿وَلَا
стр. 1800
تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) وأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تُلقيه في اليمِّ. فلما ولدتْ فعلت ذلك به. فلما توارى عنها ابنها، أتاها الشيطان فقالت في نفسها ما صنعت بابن لو ذُبحَ عندي فواريته وكفنتُه كان أحبَّ إلي من أن ألقيه بيدي إلى زفرات البحر وحيتانه؟ فانتهى الماء به حتى انتهى به فرضة مُستقَى جواري امرأة فرعون. فلما رأينه أخذنه فهممْن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن: إن في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه لم تُصدقنا امرأةُ الملك بما وجدنا فيه. فحملنه بهيئته لم يُحرِّكْن منها شيئاً حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غُلاماً، فُلقي عليه منها محبةً لم تجدْ مثلها على أحدٍ من البشر قطُّ. فأصبح فؤادُ أم موسى فارغاً من ذكر كل شيءٍ إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلى امرأةِ فرعون ليذبحوه - وذلك من الفتون يا ابن جبير - فقالت لهم: اتركوه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتى فرعون فأستوهبه منهُ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتُمْ، وإن أمر بذبحه لم ألُمْكُمْ، فأتت به فرعون فقالت: قُرة عينٍ لي ولك. قال فرعون: يكون لك فأما لي فلا حاجة لي في ذلك.
قال رسول الله ﷺ : "والذي أحلِفُ به لو أقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته، لهداه الله به كما هدى امرأته ولكن حرمهُ ذلك".
فأرسلت إلى من حولها من كل امرأةٍ لها لبنٌ لتختار له ظئراً. فجعل كُلَّما أخذته امرأة منهن لترضعه، لم يقبل ثديها حتى أشفقت عليه امرأةُ فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك.
فأُخْرِج إلى السُّوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً يأخذ منها، فلم يقبل. فأصبحت أم موسى والهةً، فقالت لأخته قُصِّيه: قُصِّي أثره واطلبيه، هل تسميعن له
стр. 1801
ذكراً؟ أحيٌّ ابني أم قد أكلته الدواب. ونسيتْ ما كان الله وعدها فيه، فبصُرت به أخته عن جُنب وهم لا يشعرون - والجُنُب: أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به- فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤارُ: أنا أدُلُّكم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها فقالوا: ما يدريك ما نُصحهم له؟ هل تعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك- وذلك من الفتون يا ابن جبير - فقالت: نصيحتهم له، وشفقتهم عليه رغبةً في صهر الملك ورجاء منفعته. فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباهُ ريًّا.
وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يُبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئراً. فأرسلت إليها، فأتيت بها وبه. فلما رأت ما يصنع بها قالت لها: امكثي عندي تُرضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبَّه شيئاً قطُّ. فقالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فنضيع، فإنْ طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوهُ خيراً، وإلا فإني غير تاركةٍ بيتي وولدي. وذكرت أمُّ موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجزٌ وعده. فرجعت إلى بيتها بابنها فأصبح أهل القرية مجتمعين يمتنعون من السخرة والظلم ما كان فيهم.
قال: فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأمِّ موسى أريد أن تريني ابني، فوعدتها يوماً تريها إياهُ، فقالت امرأة فرعون لخُزانها وقهارمتها وظؤورتها: لا يبقينَّ أحدٌ منكم إلا استقبل ابني اليوم بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك فيه. وأنا باعثةٌ أميناً يُحصي كل ما يصنعُ كل إنسان منكم. فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن أدخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها، وبجلت أمه بحُسنِ أثرها عليه ثم قالت: لآتين به فرعون فليبجلنه وليكرمنه. فلما دخلت به عليه جعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون، فمدها إلى الأرض فقال الغُواة أعداء الله لفرعون: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم نبيه أنه يربُّك ويعلُوك ويصرعك؟! فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون - يا ابن جُبيرٍ - بعد كل بلا ابتُلي وأربِكْ به فتوناً (١)!
стр. 1802
فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت: ما بدالك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ قال: ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني. قالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرفُ الحق فيه: ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهُن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقلُ، وإن تناول الجمرتين ولم يُردِ اللؤلؤتين، علمت أن أحداً لا يؤثرُ الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقلُ. فقُرِّبِ ذلك، فتناول الجمرتين فانتزعوهما من يده مخافة أن تحرقاه. فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعدما كان قد هم به، وكان الله، ، بالغاً فيه أمرهُ.
فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحدٌ من آل فرعون يخلُص إلى أحدٍ من بني إسرائيل معه بظلمٍ ولا سُخرة حتى امتنعوا كل الامتناع.
فبينما موسى في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعونيٌّ والآخر إسرائيليٌّ. فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضباً شديداً لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الناس أنما ذلك من الرضاع. إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره. فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي. فقال موسى حين قتل الرجل ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (١) ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وأصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار فأُتي فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلُوا رجلاً من آل فرعون فخُذ لنا حقنا ولا تُرَخِّص لهم، فقال: ابغُوني قاتله ومن يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوه مع قومٍ لا يستقيم له أن يقيد بغير بينةٍ ولا ثبتٍ فاطلبوا لي علم ذلك آخُذْ لكم بحقكم.
فبينما هم يطوفن لا يجدون ثبتاً، إذا موسى قد رأى من الغد ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه فكره الذي رأى لغضب الإسرائيلي، وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي - لما فعل أمس واليوم-: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ (٣)، فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى حين قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس، فخاف أن
стр. 1803
يكون إياه أراد وما أراد الفرعونيَّ، ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي، فحاجز الفرعوني، وقال ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ (١) وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، وتنازعا وتطاوعا وانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون لموسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم إذ جاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً قريباً حتى يسبقهم إلى موسى فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن جُبيرٍ.
فخرج موسى متوجهاً نحو مدين لم يلق بلاءً قبل ذلك، وليس له بالطريق علمٌ إلا حُسن ظنه بربه ، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ (٢) يعني بذلك: حابستيْنِ غنمهُما -فاقل لهما ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوةٌ تُزاحمُ القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم: فسقي لهما، فجعل يغرفُ في الدلو ماء كثيراً حتى كان ألو الرعاء فراغاً. فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى فاستظل بشجرةٍ ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٣)، فاستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حُفلاً بطاناً، فقال: إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما تدعوه له، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤)، ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانٌ، ولسنا في مملكته.
قال: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٥) فاحتملته الغيرة على أن قال: وما يدريك ما قوته، وما أمانته قالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقي لنا لم أر رجلاً أقوى في ذلك السقي منه. وأما أمانته فإنه نظر إليَّ حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأةٌ صوب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظرْ إليَّ حتى بلغته رسالتك، ثم قال: امشي خلفي وانعتي لي
стр. 1804
الطريق، فلم يفعل هذا الأمر إلا وهو أمينٌ. فسُرِّيَ عن أبيها فصدقها وظن به الذي قالت. فقال له: هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١)، ففعل فكانت على نبيِّ الله موسى ﷺ ثمانُ سنين واجبةً، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشراً.
قال سعيد: فلقيني رجلٌ من أهل النصرانية من علمائهم، فقال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال: أما علمت أن ثمانياً كان على موسى واجبةٌ ولم يكن نبي الله لينقص منها شيئاً، ويعلم أن الله قاض عن موسى عدته التي وعد، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك؟ قال: قلت: أجل، وأولى.
فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار، والعصا، ويده ما قص الله عليك في القرآن. فشكا إلى ربه ﵎ ما يتخوفُ من آل فرعون في القتل وعقد لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام ... وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يُفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، فأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون، فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أُذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ (٢) ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ (٣)، فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن. قال فما تُريد؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، وقال: إني أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل. فأبى عليه ذلك وقال: ائت بآيةٍ إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي حيةٌ عظيمةٌ فاغرةٌ فاها، مسرعةٌ إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدةً إليه خافها فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكُفها عنه ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء - يعني من غير برص - ثم ردها فعادت إلى لونها الأول. فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ
стр. 1805
أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ (١) يعني مُلْكَهُم الذي هم فيه والعيش- فأبوا أن يُعطوه شيئاً مما طلب وقالوا له: اجمع لنا السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى يغلب سحرهم سحرهما. فأرسل في المدينة فحشر له كل ساحرٍ متعالمٍ، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحدٌ في الأرض يعمل السحر بالحيات والعصيِّ الذي نعملُ. فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ فقال لهم: إنكم أقاربي وخاصتي، فأنا صانعٌ إليكم كل ما أحببتم. فتواعدوا يوم الزينة ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (٢).
قال سعيد: حدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء، فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ (٣) يعنون موسى وهارون استهزاء بهما - فقالوا: ياموسى - لقدرتهم بسحرهم- ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (٤)، قال بل ألقوا ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ (٥)، فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفةً، فأوحى الله ﵎ إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ (٦) فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرةً فاها، فجعلت العصيُّ بدعوة موسى تلبس بالحبال حتى صارت جُرزاً إلى الثعبان تدخل فيه، حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعته. فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً لم يبلغ من سحرنا هذا، ولكنه أمر من أمر الله ﵎. آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه. وكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وأظهر الحق ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (٧) وامرأةُ فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون. فمن رآها من آل فرعون ظن أنها ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حُزنها وهمُّها لموسى.
فلما طال مُكثُ موسى لمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاءه بآيةٍ وعده عندها أنْ
стр. 1806
يرسل بني إسرائيل، فإذا مضت أخلفَ مواعيدهُ وقال: هل يستطيع ربك [أنْ] يصنع غير هذا؟ فأرسل الله عليه وعلى قومه الطوفان والجراد والقُمل والضفادع والدم آياتٍ مفصلاتٍ. كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكُفها عنه، ويوافقه أن يرسل معه بني إسرائيل. فإذا كُفَّ ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده حتى أمر بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلاً، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين يتبعهم بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ. فأوحى الله إلى البحر: أن إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفرق اثنى عشر فرقاً حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعده من فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، فانهى إلى البحر وله قصيفٌ مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافلٌ فيصير عاصياً.
فلما تراءى الجمعان وتقاربا، قال قوم موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (١)، افعلْ ما أمرك ربك فإنك لن تُكْذَب ولن تَكْذِبَ. فقال: وعدني إذا أتيتُ البحر أن يُفْرَق لي اثني عشر فرقاً حتى أجاوزه ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه فانفرق له حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى. فلما أن جاوز موسى وأصحابه كلهم، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم كما أمر الله.
فلما أن جاوز موسى البحر قالوا: إنا نخافُ أن لا يكون فرعون غرق فلا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه.
ثم مرُّوا على قومٍ يعكفون على أصنام لهم ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم. ومضى فأنزلهم موسى منزلاً ثم قال لهم: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، وإني ذاهبٌ إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم.
стр. 1807
فلما أتى ربه أراد أن يكلمه في ثلاثين وقد صامهن: ليلهن ونهارهن، كره أن يكلم ربه ويُخرج من فمه ريح فم الصائم فتناول موسى شيئاً من نبات الأرض فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: أفطرتَ؟ - وهو أعلم بالذي كان - قال: ربِّ كرهت أن أكلمك إلا وفيم طيب الريح. قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيبُ عندي من ريح المسك؟ ارجعْ حتى تصوم عشراً. ثم ائتني. ففعل موسى ما أُمر به.
فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم للأجل قال ساءهم ذلك. وكان هارون قد خطبهم فقال: إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عوارٍ وودائعُ، ولكم فيها مثل ذلك. وأنا أرى أتحتسبوا مالكم عندهم، ولا أُحل لكم وديعةً ولا عاريةً. ولسنا برادين إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا. فحفر حفيراً وأمر كل قومٍ عندهم شيءٌ من ذلك من متاع أو حليةٍ أن يقذفوه في ذلك الحفير. ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم.
وكان السامريُّ رجلاً من قومٍ يعبدون البقر، جيرانٍ لهم - ول يكن من بني إسرائيل - فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقُضي له أن رأى أثراً، فأخذ منه قبضةً فمر بهارون فقال له هارون: يا سامريُّ ألا تلقي ما في يدك؟ وهو قابضٌ عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، قال: هذه قبضةٌ من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر فلا ألقيها بشيءٍ إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد فألقاها ودعا له هارون وقال: أريد أن أكون عجلاً فاجتمع ما كان في الحفرة من متاعٍ أو حليةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح له خوارٌ.
قال ابن عباس: ولا والله ما كان له صوتٌ قطُّ إنما كانت الريحُ تدخل من دُبره وتخرج من فيه. وكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقاً: فقالت فرقةٌ يا سامري ما هذا فأنت أعلم به؟ قال: هذا ربُّكم، ولكن موسى أضل الطريق.
وقالت فرقةٌ: لا نُكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى.
وقالت فرقةٌ: هذا عمل الشيطان، وليس بربنا، ولا نؤمن به، ولا نُصدق.
стр. 1808
وأُشِّرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به.
فقال لهم هارون: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ (١) ليس هكذا.
قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً، ثم أخلفنا؟ هذه أربعون قد مضت، فقال سفاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه.
فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (٢) فقال لهم ما سمعتم في القرآن: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وألقى الألواح، ثم أنه عذر أخاه واستغفر له وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضةً من أثر الرسول وفطنتُ لها، وعميتُ عليكم فقذفتها ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ (٣). ولو كان إلهاً لم تخلُصْ إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون: وقالوا - جماعتهم - لموسى: سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبةٍ نصنعها فتُكَفِّر لنا ما عملنا. فاختار قومه سبعين رجلاً لذلك - لإتيان الجبل - ممن لم يشرك في العجل. فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبي الله من قومه ووفده حين فُعِل بهم ما فُعِلَ فقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (٤). وفيهم من كان الله اطلع على ما أُشْرِبَ من حب العجل إيماناً به، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٥) فقال: رب سألتك التوبة لقومي فقلت: إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتى تُخرجني حياً في أمةِ ذلك الرجل المرحومة. فقال الله له: إن توبتهم أن يقتُل كل رجلٍ منهم كل من لقي من والدٍ وولدٍ فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك
стр. 1809
الموطن. ويأتي أولئك الذين خفي على موسى وهارون ما اطلع الله عليه من ذنوبهم واعترفوا بها وفعلوا ما أُمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتُول. ثم سار بهم موسى متوجهاً نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أُمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثَقُلَ ذلك عليهم وأبوا أن يُقروا بها. فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظُلةٌ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون إلى الجبل والأرض، والكتاب بأيديهم وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا فيها مدينةً فيها قوم جبارون، خلقهم خلقٌ منكرٌ، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها فقالوا: ﴿يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (١)، لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (٢)، ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ (٣) من الجبارين: آمنا بموسى، فخرجا إليه، فقالا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم إنما تخافون مما ترون من أسامهم وعدتهم فنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم فادخلوا عليهم الباب ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾.
ويقول ناس: إنهما من قوم موسى، وزُعم عن سعيد بن جبير أنهما من الجبابرة آمنا بموسى. يقول: (من الذين يخافون) إنما عني بذلك الذين يخافهم بنو إسرائيل ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٤). فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدعُ عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذٍ فاستجاب الله له فمساهم كما سماهم موسى: فاسقين. وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرارٌ. ثم ظلل عليهم الغمام في التيه. وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخُ، وجعل بين ظهورهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (٥) في كل ناحية ثلاثةُ أعينٍ وأعلم كل سبطٍ عينهُمْ
стр. 1810
التي يشربون منها لا يرتحلون من منقلةٍ إلا وُجِد ذلك الحجرُ فيهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس.
رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله ليه وسلم. وصدق ذلك عندي أن مُعاوية سمع ابن عباس حدث هذا الحديث فأنكره عليه: أنْ يكون الفرعوني هذا الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قُتل، قال: فكيف يُفشي عليه ولم يكن علم به، ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك، وشهدهُ؟ فغضب ابن عباس، وأخذ بيد معاوية فذهب به إلى سعد بن مالك الزهري فقال: يا أبا إسحاق، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتله من آل فرعون: الإسرائيلي أفشى عليه أم الفرعوني؟ فقال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضرهُ.
٢٧٤٢ - * روى الطبراني في الوسط عن عبد الله بن سلام قال كان النبي ﷺ إذا نزل بأهله الضيق أمرهم بالصلاة ثم قرأ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (١).
أقول: من سنة رسول الله ﷺ إذا أفزعه أمر أن يفزع إلى الصلاة وهذا النص يدل على أنه إذا نزل به وبأهله الضيق كان يأمرهم بالفزع إلى الصلاة والنص القرآني أعم من أن يكون في ذلك.
стр. 1811
سورة الأنبياء
٢٧٤٣ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال مررتُ بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرُد عليَّ السلام فأتيتُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شيءٌ؟ مرتين قال وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد فسلمتُ عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام قال فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه فقال ما منعك ألا تكون رددت على أخيك السلام قال عثمان ما فعلت قلت بلى قال حتى حلف وحلفت قال ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى وأستغفر الله وأتوب إليه إنك مررت بي آنفاً وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ والله ما كرتها قط إلا يغشى بصري وقلبي غشاوةٌ قال سعد فأنا أنبئك بها، إن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة ثم جاءه أعرابيٌّ فشغله حتى قام رسول الله ﷺ ، فتبعته حتى أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض فالتفت إليَّ رسول الله ﷺ فقال من هذا أبو إسحق قلت نعم يا رسول الله قال فمهْ قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاءك هذا الأعرابي فشغلك قال: نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) فإنه لن يدعو بها مسلم ربه في شيءٍ قطُّ إلا استجاب.
يمينُ عثمان التي حلفها يمين لغوٍ لأنه حلف وهو ناسٍ ثم ذكر.
стр. 1812
سورة الحج
٢٧٤٤ - * روى البزار عن ابن عباس قال تلا رسول الله ﷺ هذه الآية وأصحابه عنده ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فقال هل تدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلمُ قال ذلك يومٌ يقول الله يا آدم قم فابعث بعثاً إلى النار فيقول وما بعثُ النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحدٌ إلى الجنة فشقَّ ذلك على القوم فقال رسول الله ﷺ : إني لأرجو أن تكونوا شطر الجنة ثم قال رسول الله ﷺ اعملوا وأبشروا فإنكم بين خليقتين لم يكونا مع أحد إلا كثرتاه يأجوج ومأجوجُ، وإنما أنتم في الأمم كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة أمتي جُزءٌ من ألف جزءٍ.
أقول: وفي الباب أحاديث في البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيدٍ الخدري والترمذي وأحمد عن عمران بن حصين وصححه الترمذي، وفي الصحيحين وأحمد عن عائشة وحديث رابع عن أحمد عن عائشة.
٢٧٤٥ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (١) كان الرجل يقدمُ المدينة فيُسلم فإن ولدت امرأته غلاماً، ونُتجت خيلُهُ قال: هذا دينٌ صالحٌ، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتجْ خيله، قال: هذا دينُ سوءٍ.
стр. 1813
٢٧٤٦ - *روى البخاري عن عليّ: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة، قال قيس بن عُباد: فيهم نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدرٍ: عليٌّ وحمزة وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعُتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
٢٧٤٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود (قال شعبةُ رفعه ولا أرفعه لك) يقول في قوله ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال لو أن رجلاً همَّ فيه بإلحاد وهو بعدنٍ لأذاقه الله عذاباً أليماً.
٢٧٤٨ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة، قال أبو بكر: آذوْا نبيهم حتى خرج، ليهلكُنَّ فأنزل الله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١) فقال أبو بكرٍ: لقد علمتُ أنه سيكون قتالٌ.
وفي رواية النسائي قال: لما أُخرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الآية. فعرفتُ أنه سيكون قتال. قال ابن عباس: هي أوَّلُ آيةٍ نزلتْ في القتال.
стр. 1814
سورة المؤمنون
٢٧٤٩ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (١) أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: "لا، يا بنت الصديق، ولكن هم الذين يصومون [ويصلون] ويتصدقون، ويخافون أن لا يُتقبل منهم ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٢).
سورة النور
٢٧٥٠ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : "البينةُ أو حدٌّ في ظهرك" قال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ : "البينة، وإلا حدٌّ في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق. إني لصادق، وليُنزلن الله ما يبرئ ظهري من الحدِّ، فنزل جبريل ﵇، وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) فانصرف النبي ﷺ ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي يقول:
стр. 1815
"إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائبٌ؟ " ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها موجبةٌ، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت، حتى ظننا أنها ترجعُ، ثم قالت: لا أفضحُ قومي سائر اليوم فمضتْ، فقال النبي ﷺ : أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءتْ به كذلك، فقال النبي ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله : لكان لي ولها شأنٌ".
٢٧٥١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "جاء هلال بن أمية- وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم - أرضه عشاءً، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يهجه حتى أصبح ثم غدا على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء، فوجدت عندهم رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به، واشتد عليه، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) فسُرِّي عن رسول الله ﷺ فقال: أبشرْ يا هلالُ، قد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً، قال هلالٌ: قد كنت أرجو ذلك من ربي تعالى، فقال رسول الله ﷺ : أرسلوا إليها، فجاءت، فتلاها عليهما رسول الله ﷺ ، وذكرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا، وقال هلالٌ: والله لقد صدقتُ عليها، فقالت كذب، فقال رسول الله ﷺ : لاعنوا بينهما، فقيل لهلالٍ: اشهد فشهد هلالٌ أربع شهادات بالله إنه لمن
стр. 1816
الصادقين، فلما كانت الخامسةُ، قيل له: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يُجلدني عليها، فشهد الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهاداتٍ بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت، والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله بينهما، وقضى أن لا يُدعى ولدها لأب، ولا تُرمى، ولايرمى ولدها، ومن رماها ورمى ولدها، فعليه الحدُّ، وقضى أن لا بيتَ عليه لها، ولا قوت، من أجل أنهما يتفرقان من يغر طلاقٍ، ولا متوفى عنها، وقال رسول الله ﷺ : إن جاءت به أصيهب، أريصح، أثيبج، حمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أروق جعداً جمالياً، حدلج الساقين، سابغ الأليتين، فهو للذي رُميت به، فجاءت به أورق جعداً جُمالياً خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فقال رسول الله ﷺ : لولا الأيمانُ لكان لي ولها شأن، وقال عكرمةُ: فكان ولدها بعد ذلك أميراً على مصر، وما يدعى لأب".
٢٧٥٢ - * روى الشيخان عن محمد بن شهاب الزهريِّ ﵀ أن سهل بن سعد الساعدي أخبره "أن عُويمراً العجلاني جاء إلى عاصم بن عديٍّ الأنصاري، فقال له: أرأيت يا عاصمُ، لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعلُ (١)؟ فسلْ لي عن
стр. 1817
ذلك يا عاصم رسول الله ﷺ فسأل عاصمٌ رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها حتى كبُرَ على عاصمٍ ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر، فقال: يا عاصم، ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ قال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله ﷺ المسائل التي سألته عنها، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله ﷺ وسط الناس، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : قد نزل فيك وفي صاحبتك، فأذهب فائت بها، قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغا قال عويمر: كذبت والله عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين".
وفي رواية (١) نحوه، وأدرج فيه قوله: "فكان فراقُه إياها بعد سُنَّة في المتلاعنين" ولم يقل: إنه من قول الزهري، وزاد فيها: قال سهل: "وكانت حاملاً، فكان ابنها يُنسب إلى أمه ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها".
وفي أخرى (٢) نحوه قال: "فتلاعنا في المسجد وأنا شاهدٌ، وقال بعد قوله: "فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ " فقال النبي ﷺ " ذاكم التفريق بين كل متلاعنين".
وفي أخرى (٣): فقال رسول الله ﷺ "إن جاءت به أحمر قصراً، كأنه وحرةٌ، فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاءت به أسود أعين، ذا أليتين، فلا أراه إلا صدق عليها، فجاءت به على المكروه من ذلك".
стр. 1818
وفي أخرى (١): أن سهل بن سعد قال: "شهدتُ المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة، فُرق بينهما".
وفي رواية لأبي داود (٢): عن سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال لعاصم بن عدي "أمسك المرأة عندك حتى تلد".
وله في أخرى (٣) قال: "حضرت لعانهُما عند رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. وساق الحديث، قال فيه: ثم خرجت حاملاً، فكان الولد يُدعى إلى أمه".
وأخرج (٤) أيضاً الزيادة التي أخرجها البخاري ومسلم في آخر الحديث. وهذا لفظه، فقال: قال رسول الله ﷺ : "انظروها، فإن جاءت به أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذباً، قال: فجاءت به على النعت المكروه" وزاد في رواية "فكان يُدعى لأمه".
وزاد في أخرى (٥) قال: "فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ ، فأنفذه رسول الله ﷺ ، فكان ما صنع عند النبي ﷺ سُنة، قال سهلٌ: حضرتُ هذا عند رسول الله ﷺ ، فمضت السنة بعد في المتلاعنين: أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً".
وزاد في أخرى (٦) "ثم جرت السنة في الميراث: أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها".
قال الحافظ في ["الفتح" ١/ ٣٤١]: كذا في هذه الرواية أن آيات اللعان نزلت في قصة هلال بن أمية، وفي حديث سهلٍ، أنها نزلت في عويمر - يعني العجلاني - ولفظه، فجاء عُويمر
стр. 1819
فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلاً يقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فأمرهما بالملاعنة. وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضاً، فنزلت في شأنهما معاً في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا، وسبق الخطيب فقال: لعلهما اتفق كونهما جاءا في وقت واحد، ثم قال الحافظ: ولا مانع أن تتعدد القص ويتحد النزول، ويحتمل ان النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال، أعلمه النبي ﷺ بالحكم ولهذا قال في قصة هلال: فنزل جبريل، وفي قصة عويمر: قد أنزل الله فيك، فيؤول قوله: قد أنزل الله فيك، أي: وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب في "الشامل" قال: نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر، قد نزل فيك وفي صاحبتك. فمعناه ما نزل في قصة هلال. ويؤيده أن في حديث أنس عن أبي يعلي قال: أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أميه بامرأته ... الحديث.
٢٧٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إنا ليلة جمعةٍ في المسجد، إذ جاء رجلٌ من الأنصار، فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم: جلدتموه، أو قتل: فقتلتموه، وإن سكت، سكت على غيظٍ، والله لأسألن عنه رسول الله ﷺ ، فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فسأله، فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، فتكلم: جلدتموه، أو قتل: قتلتموه، أو سكت: سكت على غيظٍ، فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ هذه الآيات (١) فابتُلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ ، فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلعن، فقال النبي صلى الله لعيه وسلم: مهْ، فأبت فلعنتْ، فلما أدبرا قال: لعلها أن تجيء به أسود
стр. 1820
جعداً، فجاءت به أسود جعداً".
٢٧٥٤ - * روى الشيخان عن سعيد بن جُبير: "سُئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب ابن الزبير: أيفرق بينهما؟ قال: فما دريتُ ما أقول، فمضيتُ إلى منزل ابن عمر بمكة، فقلت للغلام: استأذن لي، قال: إنه قائلٌ فسمع صوتي، فقال: ابن جبير؟ قلت: نعم، قال: ادخل، فوالله ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجةٌ، فخلت، فإذا هو مفترشٌ برذعة له، متوسدٌ وسادة حشوها ليف، قلت: أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيُفرق بينهما؟ قال: سبحان الله! نعم، إن أول من سأل عن لك: فلان ابن فلانٍ، قال: يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألت عنه قد ابتليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فتلاهن عليه، ووعظه وذكره، وأخبره: أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا، والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها، وذكرها وأخبرها: أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذبٌ، فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما".
وفي رواية (١) عن سعيد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: "حسابُكما على الله، أحدكما كاذبٌ، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله مالي؟ قال: لا مال كل، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعدُ لك منها".
стр. 1821
وفي أخرى (١) عنه عن ابن عمر قال: "فرَّق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان، وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ ".
وفي أخرى (٢): قال سعيد بن جبير "لم يُفرقْ المصعب بين المتلاعنين قال سعيد: فذُكِرَ ذلك لعبد الله بن عمر، فقال: فرَّق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان".
وفي أخرى (٣) عنه قال: قلت لابن عمر: رجلٌ قذف امرأته؟ فقال: "فرق النبي ﷺ بين أخوي بني العجلان، وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذبٌ فهل منكما تائب؟ - ثلاثاً - فأبيا، ففرق بينهما".
وفي رواية (٤) نافع عن ابن عمر "أن رجلاً رمى امرأته، وانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ ، فأمرهما رسول الله ﷺ فتلاعنا كما قال الله ، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرق بين المتلاعنين".
وفي رواية (٥) قال "لاعن رسول الله ﷺ بين رجلٍ من الأنصار وامرأته، وفرق بينهما".
وفي أخرى (٦) "أن رسول الله ﷺ لاعن بين رجل وامرأته، وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وألحق الولد بأمه".
وفي رواية (٧) للنسائي قال: "قال الرجل: مالي؟ قال: لا مال لك، إن كنت صادقاً فقد خلت بها، وإن كنت كاذباً، فهو أبعدُ لك".
стр. 1822
٢٧٥٥ - * روى الشيخان عن محمد بن شهاب الزهري عن عُروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى له من بعض، وأثبتهم له اقتصاصاً، وقد وعيت عن واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يُصدق بعضاً، قالوا: قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفراً، أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه، قالت: فأقرع بيننا في غزاةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت معه - بعد ما أنزل الحجاب - وأنا أُحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيتُ من شأني، أقبلت إلى الرحْلِ فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفارٍ.
وفي رواية: جزع ظفارٍ قد انقطع، فرجعتُ، فالتمستُ عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحَّلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلن - ومنهم من قال: لم يُهَبَّلْن- ويم يغشهن اللحمُ وإنما يأكلن العُلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، ومنهم من قال: خفة الهودج - فحملوهُ، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحدٌ- (١)
стр. 1823
ومنهم من قال: فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ- فتيممتُ منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمتُ، وكان صفوان بن المعطل السُّلمي، ثم الذكوانيُّ: عَرَّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني - وكان يراني قبل الحجاب - فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلتهُ، فوطئ على يديها فركبتُها، فانطل قيقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين- وفي رواية موغرين في نحر الظهيرة - قال أحد رواته والوغرةُ: شدة الحر - قالت: فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك: عبد الله بن أُبيِّ بن سلولٍ، فقدمنا المدين، فاشتكيت بها شهراً، والناس يفضيون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخُل فيسلمُ، يم يقول، كيف تيكُم؟ ثم ينصرفُ، فلك الذي يُريبني منه ولا أشعر بالشرِّ حتى نقِهْتُ فخرجتُ أنا وأم مسطحٍ قبل المناصع، وهي متبرَّزُنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريباً من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العرب الأول في التبرُّز قِبَلَ الغائط (١)، وكنا
стр. 1824
نتأذى بالكُنُفِ أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلتُ أنا وأم مسطح -وهي ابنةُ أبي رُهُمِ بن عبد مناف، وأمُّها بنت صخر بن عامرٍ، خالةُ أبي بكر الصديق، ﵁، وابنها: مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب - حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرتْ أم مسطح في مرطها، فقالت: تعسَ مسطحٌ فقلت لها: بئسما قلت، أتسُبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: يا هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي، دخل رسول الله صلى الله لعيه وسلم، فسلم، وقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذنْ لي إلى أبويَّ، قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أستيقنَ الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله لعيه وسلم، فأتيتُ أبويَّ، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بُنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلمَّا كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيتُ تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ، ثم أصبحت أبكي، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الوُدِّ لهم، فقال أسامة: " هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: يارسول الله، لم يُضيِّق الله عليك، والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة. هل رأيت فيها شيئاً يريبُك؟ قالت له بريرة: لا والي بعثك بالحقِّ، إن رأيت منها أمراً أغمصُهُ عليها أكثر من أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ، تنامُ عن عجين أهلها، فيأتي الداجن فتأكله، قالت (١): فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبي بن سلول فقال
стр. 1825
رسول الله صلى الله لعيه وسلم - وهو على المنبر- من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي؟ - ومن الرُّواة من قال: في أهل بيتي - فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذ أد بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرُك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عُبادة - وهو سيد الخزرج، وكانت أم حسانٍ بنت عمهِ من فخذه وكان قبل لك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميةُ - ومن الرواة من قال: اجتهلته الحميةُ، فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حُضيرٍ - وهو ابن عم سعد، يعني ابن معاذٍ - فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور الحيان: الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا - ورسول الله ﷺ قائم على المنبر - فلم يزل رسول الله ﷺ يُخفِّضُهمْ، حتى سكتوا وسكت وبكيتُ يومي ذلك لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنومٍ، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوماً، حتى أظن أن البكاء فالقُ كبدي- ومن الرواة من قال: وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي فبينا نحن كذلك، إذ دخل علينا رسول الله صلى الله لعيه وسلم، فسلم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل قبلها، وقد مكث شهراً لا يُوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: أما بعد، يا عائشة فنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرئُك الله، وإن كنت ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله (١)،