﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) فرضيت وسلمت.
٢٨٠٣ - * روى الترمذي عن عائشة قالت: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾.
تتمة الآية: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٢).
أقول: من الظواهر البارزة في القرآن أن هناك كثيراً من الآيات تخاطب رسول الله ﷺ خطاب المؤدب أو المعاتب أو المحاسب، فتجد أن هناك ذاتاً علياً تخاطب ذاتاً مكلفة بالعبودية وهذه إحدى الظواهر التي تدل على أن القرآن من عند الله تعالى.
٢٨٠٤ - * روى البخاري عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: جاء زيدُ بن حارثة يشكُو، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "اتق الله، وأمسِكْ عليك زوجك"، قال أنسٌ: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية، قال: وكانت تفخرُ على أزواج رسول الله ﷺ ، تقول: زوَّجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سمواتٍ.
وفي رواية (٣) قال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحشٍ وزيدِ بن حارثةَ.
وفي رواية الترمذي (٤) قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ في شأن زينب بنت جحش، جاء زيدٌ يشكو، فهمَّ بطلاقها، فاستأمر النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أمسِكْ عليك زوجك، واتق الله".
стр. 1857
وفي أخرى (١) له قال: لما نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قال: فكانت تفخرُ على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجَكُنَّ أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سمواتٍ.
وفي رواية النسائي (٢) قال: كانت زينبُ تفخر على نساء النبي ﷺ ، تقول: أنكحني من السماء، وفيها نزلت آية الحجاب.
قال الحافظ في الفتح: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقاً واضحاً حسناً، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أمية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه ﷺ بعدُ أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيداً، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء زيد بن حارثة فقال: يا رسول الله إن زينب اشتد علي لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال: والنبي ﷺ يحب أن يطلقها ويخشى قالة الناس.
قال الحافظ: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته هو المعتمد.
والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعي ابناً ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم.
стр. 1858
٢٨٠٥ - * روى الطبراني عن عليِّ بن الحسين في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أن أمَّ شَرِيكٍ الأزدية التي وهبت نفسها للنبي ﷺ .
أقول: إن أم شريك وهبت نفسها للرسول ﷺ ، لكن النبي ﷺ لم يرد نكاحها، فلم يحصل النكاح لأن الله ترك الخيار لرسوله ﷺ أن يقبل زواج من تهب نفسها إليه أو يرفض، قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الزواج بلا مهر كان خصوصية للرسول ﷺ .
٢٨٠٦ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ أنهُ كان ابن عشرِ سنين مقدم رسول الله ﷺ [أي إلى المدينة مهاجراً]، قال: وكُنَّ أمَّهاتي يُواظبنني على خدمة رسول الله ﷺ ، فخدمتُهُ عشر سنين، وتُوفي النبيُّ ﷺ وأنا ابن عشرين سنةً، وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أُنزل، وكان أول ما نزل في مُبتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش: أصبح النبي ﷺ عروساً بها. فدعا القوم فأصابوا الطعام، ثم خرجوا وبقي رهطٌ منهم عند النبي ﷺ ، فأطالوا المكث، فقام النبي، فخرج وخرجتُ معه لكي يخرجوا، فمشى النبي ﷺ ومشيتُ، حتى جاء عتبة حُجرةِ عائشة، ثم ظن أنهم خرجوا، فرجع ورجعتُ معه، حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي ﷺ ورجعتُ معه، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة ظنَّ أنهم خرجوا، فرجع ورجعتُ معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبيُّ ﷺ بيني وبينه بالستْرِ، وأنزِلَ الحجابُ.
زاد في رواية (١): أنا أعلمُ الناس بالحجاب، وكان أُبيُّ بن كعب يسألني عنه.
стр. 1859
وللبخاري (١) من رواية الجعْد عن أنسٍ، قال: مر بنا أنسٌ في مسجد بني رفاعة، فسمعته يقول: كان النبي ﷺ إذا مرَّ بجنباتِ أم سُليم دخل [عليها] فسلَّم عليها، ثم قال: كان النبي ﷺ عروساً بزينب، فقالت لي أمُّ سُليم: لو أهدينا رسول الله ﷺ هدية؟ فقلت لها: افعلي، فعمدتْ إلى تمرٍ وسمنٍ وأقطٍ، فاتخذتْ حيسةً في بُرمةٍ، فأرسلت بها معي إليه، فانطلقتُ بها إليه، فقال [لي]: ضعها، ثم أمرني، فقال: "ادعُ لي رجالاً سماهم، وادعُ لي من لقيت"، قال: ففعلتُ الذي مرني، فرجعتُ، فإذا البيت غاصٌّ بأهله، ورأيت النبي ﷺ وضع يدهُ على تلك الحيسةِ، وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرةً، يأكلون منه، ويقول لهم: "اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه"، حتى تصدعُوا كلهم، فخرج من خرج، وبقي نفرٌ يتحدثون، ثم خرج النبي ﷺ نحو الحُجراتِ، وخرجتُ في إثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢).
وقال الجعد: قال أنسٌ: إنه خدم النبي ﷺ عشر سنين.
ولمسلم (٣) من رواية الجعدِ أيضاً قال: تزوج رسول الله ﷺ ، فدخل بأهله، قال: فصنعت أمي أمُّ سُليم حيساً، فجعلته في تورٍ، فقالت: يا أنس، اذهبْ بهذا إلى رسول الله صلى الله لعيه وسلم، فقل: بعثتْ بهذا إليك أمي، وهي تُقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليلٌ، فقال: "ضعْهُ"، ثم قال: "اذهب فادعُ لي فلاناً وفلاناً وفلاناً ومن لقيت"،
стр. 1860
قال: فدعوتُ من سمى ومن لقيتُ، قال: قلتُ لأنسٍ: عدد كمْ كانوا؟ قال: زُهاء ثلاثمائة، وقال رسول الله ﷺ : "يا أنسُ، هات التوْرَ"، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصُّفة والحُجرة، فقال رسول الله ﷺ : "ليتحلقْ عشرةٌ عشرة، وليأكلْ كلُّ إنسان مما يليه"، قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلهم، فقال لي: "يا أنس، ارفع"، فرفعتُ، فما أدري حين وضعتُ كان أكثر، أم حين رفعتُ؟ قال: وجلس طوائفُ منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالسٌ، وزوجته موليةٌ وجهها إلى الحائط، فثقُلوا على رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه ثم رجع، فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع، ظنوا أنهم قد ثقلوا [عليه]، قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله ﷺ ، حتى أرخى الستر، ودخل وأنا جالسٌ في الحجرة، فلم يلبثْ إلا يسيراً، حتى خرج عليَّ، وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، قال الجعد: قال أنسٌ: أنا أحدثُ الناس عهداً بهذه الآيات، وحُجبن نساء النبي ﷺ .
وفي أخرى (١) للبخاري قال: بنى النبي ﷺ بزينب، فأوْلَم بخبزٍ ولحمٍ، فأُرسلْتُ على الطعام داعياً، فيجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعو، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحداً أدعو، قال: "ارفعوا طعامكم" وبقي ثلاثة رهطٍ يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ ، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمةُ الله وقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرَّى حُجر نسائه كلهنَّ، يقول لهن كما يقول
стр. 1861
لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ ، فإذا رهطٌ ثلاثةٌ في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد الحياء؛ فخرج منطلقاً نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أو أخبر أن القوم قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أسكُفَّة الباب داخلةً، وأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه، وأُنزل الحجاب".
وفي أخرى (١) له قال: أوْلم رسول الله ﷺ حين بنى بزينب بنت جحشٍ، فأشبع الناس خبزاً ولحماً. وخرج إلى حجرِ أمهات المؤمنين، كما كان يصنعُ صبيحة بنائه، فيُسلم عليهن ويدعو لهن، ويُسلمن عليه ويدعون له، فلما رجع إلى بيته، رأى رجلين، جرى بهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان أن النبي ﷺ رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أو أُخبر؟ فرجع حتى دخل البيت، وأرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آيةُ الحجاب.
٢٨٠٧ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قال عروةُ: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل، فلما نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قلت: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يُسارع في هواك.
وفي أخرى (٢)، قالت: كنت أغارُ على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وذكر نحوه.
وفي أخرى (٣)، قالت: كان رسول الله ﷺ يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا، بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فقلت لها: ما كنتِ تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن
стр. 1862
كان ذلك إليَّ، فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثِرَ عليك أحداً.
وفي رواية (١): لم أوثِرْ على نفسي أحداً.
قال النووي: هذا من خصائص رسول الله ﷺ . وهو زواج من وهبت نفسها له بلا مهر، قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ واختلف العلماء في هذه الآية، وهي قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فقيل: ناسخة لقوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ومبيحة له أن يتزوج ما شاء. وقيل: بل نسخت تلك الآية بالسنة، قال زيد بن أرقم: "تزوج رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومليكة، وصفية، وجويرية" وقالت عائشة ﵂: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء" وقيل: عكس هذا، وأن قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ والأول: أصح. قال أصحابنا: الأصح: أنه ﷺ ما توفي حتى أبيح له النساء مع أزواجه. (م).
٢٨٠٨ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أُحل له النساء.
وللنسائي (٢) أيضاً: حتى أُحِلَّ له أن يتزوج من النساء ما شاء.
قال محقق الجامع: وإسناده صحيح. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان/ والحاكم من طريق ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة، وله شاهد عند ابن أبي حاتم كما نقله عنه (ابن كثير: ٦/ ٥١٢) حديث أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم ...
стр. 1863
٢٨٠٩ - * روى الطبراني في الأوسط عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ في قعْبٍ فمرَّ عمر فدعاه فأكل فأصابت أصْبُعُه أصبعي فقال حَسِّ أو أوْهِ، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين. فنزلت آية الحجاب.
٢٨١٠ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن أزواج النبي ﷺ كُنَّ يخْرُجن بالليل قِبَلَ المناصع - وهو صعيدٌ أفْيَحُ- وكان عمر يقول للنبي ﷺ : احجُبْ نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجتْ سودةُ بنت زمعة: زوج النبي ﷺ ، ليلة من الليالي عشاء- وكانت امرأةً طويلةً - فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودةُ، حرصاً على أن ينزل الحجاب.
وفي رواية (١): كان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلاً إلى ليلٍ قِبَل المناصع وذكر نحوه.
وفي أخرى (٢) قالت: خرجت سودة بعد ما ضُرب الحجابُ لحاجتها - وكانت امرأة جسيمة تفرعُ النساء جسماً، لا تخفى على من يعرفها - فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودةُ، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عرقٌ، فدخلت، فقالت: يا رسول الله، إني خرجت، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأُوحي إليه، ثم رُفع عنه وإنَّ العَرْق
стр. 1864
في يده ما وضعه، فقال: "إنه قد أُذن لكن أن تخرجن لحاجتكُنَّ"، قال هشام، يعني: البراز.
قال الحافظ ٨/ ٥٣١ قوله: "بعد ما ضرب الحجاب" وقد تقدم في كتاب الطهارة من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهره رواية الزهري هذه عن عروة.
قال الكرماني: فإن قلت: وقع هنا "أنه كان بعد ما ضرب الحجاب" وتقدم في الوضوء "أنه كان قبل الحجاب" فالجواب: لعله وقع مرتين.
قلت: (القائل ابن حجر) بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني.
والحاصل: أن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع أجانب على الحريم النبوي، حتى صرح بقوله للنبي ﵊ "احجب نساءك" وأكد ذلك، إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلاً، ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن، دفعاً للمشقة، ورفعاً للحرج.
٢٨١١ - * روى أبو داود عن أم سلمة ﵂ قالت: "لما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (١) خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من الأكسية".
٢٨١٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عُراةً ينظر بعضهم إلى سوأة بعضٍ، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدَرُ، قال: فذهب مرةً يغتسل، فوضع ثوبه على حجرٍ، ففرَّ الحجرُ بثوبه،
стр. 1865
قال: فجمح موسى ﵇ بإثره، يقول: ثوبي حَجَرُ، ثوبي حجرُ، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. فقالوا: والله ما بموسى من بأسٍ، فقام الحجرُ حتى نُظِرَ إليه، قال: فأخذ ثوبهُ، فطفِقَ بالحجر ضرباً، قال أبو هريرة: والله إن بالحجر ندباً - ستةً أو سبعةً - من ضرب موسى بالحجرِ".
وللبخاري (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً، لا يُرى شيءٌ من جلده، استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده: إما برصٍ، وإما أدْرَةٍ، وإما آفةٍ، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر. وجعل يقول: ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ، حتى انتهى إلى ملأ بني إسرائيل، فرأوه عُرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأهُ مما يقولون، وقام الحجرُ؛ فأخذ بثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه - ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً"- فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
ولمسلم (٢) قال: "وكان موسى رجلاً حيياً، قال: فكان لا يُرى متجرداً، قال: فقالت بنو إسرائيل: إنه آدَرُ، قال: فاغتسل عند مُوَيْهٍ، فوضع ثوبه على حجر، فانطلق الحجر يسعى، واتبعه بعصاه يضربهك ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى وقف على ملأٍ من بني إسرائيل"، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
стр. 1866
تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
قال الحافظ: وقد روى أحمد بن منيع في مسنده، والطبري وابن أبي حاتم بإسناد قوي عن ابن عباس عن علي قال: "صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك، وأشد حياء، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا به على بني إسرائيل، فعلموا بموته"، قال الطبري: يحتمل أن يكون هذا هو المراد بالأذى في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾، قال الحافظ: وما في الصحيح أصح من هذا، لكن لا مانع أن يكون للشيء سببان فأكثر، كما تقدم تقريره غير مرة.
стр. 1867
سورة سبأ
٢٨١٣ - * روى الترمذي عن فروة بن مُسيكٍ المرادي ﵁ قال: أتيتُ النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبرَ من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده، سأل عني، ما فعل الغُطيفيُّ؟ فأُخبر أني سرتُ، فأرسل في إثري فردني، فأتيته - وهو في نفرٍ من أصحابه -فقال: "ادعُ القوم، فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يُسلم فلا تعجلْ حتى أحدث إليك"، قال: وأنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرضٌ، أو امرأة؟ قال: "ليس بأرضٍ ولا امرأةٍ، ولكنه رجلٌ ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستةٌ، وتشاءم منهم أربعةٌ. فأما الذين تشاءموا: فلَخْمٌ، وجُذامٌ، وغسانٌ. وعاملةُ. وأما الذين تيامنوا: فالأزْدُ، والأشعريون، وحميرُ، وكندةُ، ومذحِجُ، وأنمارُ". فقال رجل: وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خَثْعَمُ وبجيلةُ".
٢٨١٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة رفعه - في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١): "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعاناً لقوله، كأنه سلسلةٌ على صفوانٍ، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقُ السمع، ومسترقوا السمع هكذا بعضه فوق بعضٍ- ووصف سفيان بكفه فحرَّفها، وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشِهابُ قبل أن
стр. 1868
يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذبُ معها مائة كذبةٍ، فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيُصدقُ بتلك الكلمة التي سُمعتْ من السماء.
٢٨١٥ - * روى أبو داود عن (ابن مسعودٍ) إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلةً كجر السلسلة على الصفا فيُصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم فُزع عن قلوبهم فيقولون يا جبريل ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحقَّ الحقَّ (١).
стр. 1869
سورة فاطر
٢٨١٦ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) قال: "هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة".
رجح الطبري في تفسيره (٢٢/ ٩٠) أن المقصود بقوله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أنهم أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك لأن الله أتبع ذلك بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ فعمَّ بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة.
قال ابن كثير: ومعنى قوله بمنزلة واحدة: أي في أنهم من هذه الأمة وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة. اهـ- وكذا بيَّن الطبري أن الظالم لنفسه على التفسير السابق جائز أني دخل الجنة بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه بالنار أو بما شاء من عقابه ثم يدخله الجنة.
стр. 1870
سورة يس
٢٨١٧ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقْلة إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (١). فقال رسول الله ﷺ : "إن آثاركم تُكتبُ، فلم ينتقلوا".
٢٨١٨ - * روى الشيخان عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد، عند غروب الشمس، فقال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: تذهب تسجد تحت العرش؛ فتستأذنُ، فيُؤذنُ لها، ويوشِكُ أن تسجد فلا يُقْبَلُ منها، وتستأذِنَ فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلعُ من مغربها، فذلك قوله : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢).
وفي رواية (٣): ثم قرأ: (ذلك مستقرٌّ لها) في قراءة عبد الله بن مسعود.
وقرأها كذلك عكرمةُ، وعليُّ بن الحسين، والشيزري عن الكسائي كما في (زاد الميسر: ٧/ ١٩) لابن الجوزي.
وفي أخرى (٤): فقال رسول الله ﷺ : "تدرُون متى ذاكُم؟ ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانُها، لم تكن آمنتْ منْ قبلُ، أو كسبتُ في إيمانها خيراً".
стр. 1871
وفي رواية (١) مختصراً، قال: سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾؟ قال: "مستقرُّها: تحت العرش".
وفي رواية (٢) الترمذي نحو ذلك.
قال الحافظ في (الفتح: ٦/ ٢٩٩) قال ابن العربي: أنكر قوم سجودها، وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالسجود، سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال، فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك. وقال ابن كثير: في معنى قوله تعالى ﴿﴾ قولان. أحدهما: أن المراد: مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش هي وجميع المخلوقات، لأنه سقفها، والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة يبطل سيرها وتسكن حركتها، وتكور، فينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني. وقال الحافظ (٨/ ٥٤٢): قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش، أنها تستقر تحته استقراراً لا نحيط به نحن، ويحتمل أن يكون المعنى: أو علم ما سألت عنه - يعني أبا ذر - من مستقرها تحت العرش في كتاب فيه ابتداء أمور العالم ونهايتها، فينقطع دوران الشمس وتستقر عند ذلك ويبطل فعلها، وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق دورانها في سيرها.
أقول: إن قراءة: (وذلك مستقرَ لها) هي من باب التفسير، لأنه مخالف للرسم العثماني، والرسم العثماني: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. وقد فصّلنا في هذا الموضوع في كتابنا: الأساس في التفسير، وقد فصلنا فيه في موضوع الآية وخاصة في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. (الأساس في التفسير ٣/ ١٧٩٦ - ١٧٩٩).
стр. 1872
سورة ص
٢٨١٩ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلسُ رجلٍ - فقام أبو جهلٍ كي يمنعه من الجلوس فيه، قال: وشكوه إلى أبي طالب. فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: "أريدُ منهم كلمةً تدينُ لهم بها العرب، وتؤدَّي إليهم العجم الجزية". قال: كلمة واحدة؟ قال: "كلمةً واحدة"، فقال: "يا عمِّ. قولوا: لا إله إلا الله". فقالوا: إلها واحداً؟ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة. غنْ هذا إلا اختلاقٌ. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (١).
٢٨٢٠ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس ﵄ أنه كان يسجد في ص، فقيل له، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. قال: سجدها داودُ، وسجدها رسول الله ﷺ .
٢٨٢١ - * روى ابن خزيمة عن مجاهدٍ قال: قلت لابن عباس: سجدةُ ص من أين أخذتها؟ قال فتلا عليَّ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ حتى بلغ إلى قوله:
стр. 1873
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. قال: كان داود سجد فيها فلذلك سجد رسول الله ﷺ .
٢٨٢٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ (١) قال: أفاعي وحياتٍ.
стр. 1874
سورة الزُّمَر
٢٨٢٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄ قال: "لما نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (١) قال الزبير: يا رسول الله، أتكررُ علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال: نعم، فقال: إن الأمر إذاً لشديدُ".
٢٨٢٤ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: لقد عشنا بُرهةً من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتاب من قبلنا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ الآية قلنا كيف نختصم ونبينا واحد وكتابنا واحد، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعضٍ بالسيف فعرفتُ أنها فينا نزلتْ.
٢٨٢٥ - * روى الطبراني في الوسط عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٢) قال تلتقي أرواح الأحياء والأموات فيتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسلُ أرواح الأحياء إلى أجسادها.
٢٨٢٦ - * روى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبرٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إن الله يضع السماء على إصبعٍ، والأرضين على إصبعٍ، والجبال على إصبعٍ، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣).
وفي رواية (٤) نحوه، وقال: والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم
стр. 1875
يهزهُنَّ- وفيه-: أن رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذُهُ، تعجباً وتصديقاً له، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
وفي رواية (١) الترمذي، فقال: يا محمدُ، إن الله يُمسكُ السموات على إصبعٍ والجبال على إصبع، والأرضين على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملكُ. قال: فضحك النبي ﷺ ، حتى بدت نواجذُه، قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
قال القرطبي في "المفهم": وأما من زاد "تصديقاً له" فليست بشيء، فإنها من قول الراوي، وهي باطلة.
وقال الحافظ في (الفتح: ١٣/ ٣٣٦): عن الخطابي: إن قول الراوي "تصديقاً له" ظن منه وحسبان وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة، وعلى تقدير صحتها، فقد يستدل بحمرة الوجه على الخجل، وبصفرته على الوجل، ويكون الأمر بخلاف ذلك، فقد تكون الحمرة لأمر حدث في البدن كثوران الدم، والصفرة كثوران خلط من مرار وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظاً، فهو محمول على تأويل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
٢٨٢٧ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: مر يهوديٌّ بالنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "يا يهوديُّ، حدثنا"، قال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذِهْ، والأرضين على ذِهْ، والماء على ذِهْ والجبال على ذِهْ، وسائر الخلائق على ذِهْ - وأشار محمد بن الصلت بخنصره أولاً، ثم تابع حتى بلغ الإبهام - فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
стр. 1876
٢٨٢٨ - * روى مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".
وفي رواية (١) البخاري قال: "إن الله يقبضُ يوم القيامة الأرضين، وتكون السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملكُ".
وفي أخرى لمسلم (٢) من حديث عُبيد الله بن مقسمٍ، أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ ؟ قال: "يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه، ويقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها، ويقول: أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيءٍ منه، حتى إني أقول: أساقطٌ هو برسول الله ﷺ ؟ ".
وفي أخرى (٣) نحوه- وفي آخره: "يأخذ الجبارُ سماواته وأرضيه بيديه".
وأخرج أبو داود (٤) الرواية الأولى، وقال في حديثه: بيده الأخرى، ولم يقل: بشماله قال الحافظ في (الفتح: ١٣/ ٣٩٦).
قال البهيقي: تفرد بذكر الشمال فيه عمر بن حمزة، وقد رواه عن ابن عمر أيضاً نافع وعبيد الله بن مقسم بدونها، ورواه أبو هريرة وغيره عن النبي ﷺ كذلك، وثبت عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه "المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين" وكذا في حديث أبي هريرة قال: "اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين"، ثم قال: وقال القرطبي في "المفهم": كذا جاءت هذه الرواية بإطلاق
стр. 1877
لفظ الشمال على يد الله تعالى على المقابلة المتعارفة في حقنا، وفي أكثر الروايات وقع التحرز عن إطلاقها على الله، حتى قال: "وكلتا يديه يمين" لئلا يتوهم نقص في صفته ، لأن الشمال في حقنا أضعف من اليمين.
قال النووي (١٧/ ١٣٢): وقال القاضي عياض: وفي هذا الحديث ثلاثة ألفاظ "يقبض، ويطوي، ويأخذ" وكله بمعنى الجمع، لأن السموات مبسوطة، والأرضين مدحوة ممدودة، ثم يرجع ذلك إلى معنى الرفع والإزالة، وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات، فعاد كله إلى معنى ضم بعضها إلى بعض، ورفعها وتبديلها بغيرها، قال: وقبض النبي ﷺ أصابعه وبسطها: تمثيل لقبض هذه المخلوقات، وجمعها بعد بسطها، وحكاية للمقبوض المبسوط، وهو السماوات والأرضون، لا إشارة إلى القبض والبسط الذي هو صفة للقابض والباسط ، ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة.
ثم قال: والله أعلم بمراد نبيه ﷺ فيما ورد في هذه الأحاديث من مشكل، ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته، ولا نشبه شيئاً به، ولا نشبهه بشيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وما قاله رسول الله ﷺ ، وثبت عنه، فهو حق وصدق، فما أدركنا علمه، فبفضل الله تعالى، وما خفي علينا، آمنا به، ووكلنا علمه إليه ، وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خوطبنا به، ولم نقطع على أحد معنييه، بعد تنزيهه سبحانه عن ظاهره الذي لا يليق به ، وبالله التوفيق.
وقوله: (يتحرك من أسفل شيء منه)
أي: من أسفله إلى أعلاه، لأن بحركة الأسفل يتحرك الأعلى، ويحتمل أن تحركه بحركة النبي ﷺ بهذه الإشارة، ويحتمل أن يكون تحرك بنفسه هيبة لسمعه، كما حن الجذع، اهـ (شرح النووي على مسلم: ١٧/ ١٣٢ - ١٣٣).
٢٨٢٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبِضُ الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملكُ، أين مُلوكُ الأرضِ" (١).
стр. 1878
سورة المؤمن (غافر)
٢٨٣٠ - * روى أبو داود عن النُّعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة". وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١).
стр. 1879
سورة فصلت
٢٨٣١ - * روى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفرٍ: ثقفيان وقُرشيُّ، أو قرشيان، وثقفيُّ، كثير شحمُ بطونهم، قليل فقهُ قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا، فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وللترمذي (٢) أيضاً عن عبد الله بن مسعود، قال: كنتُ مستتراً بأستارِ الكعبةِ، فجاء ثلاثةُ نفرٍ، كثيرٌ شحمُ بطونهم، قليلٌ فقه قلوبهم: قرشيٌّ وختناهُ ثقفيان، أو ثقفيٌّ وختناه قرشيان، فتكلموا بكلام لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا، فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال الآخر "إن سمع منه شيئاً سمعه كله، قال عبد الله: فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
стр. 1880
سورة حم عسق (الشورى)
٢٨٣٢ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ سُئل عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١) فقال سعيد بن جبير: قُربى آل محمدٍ، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطنٌ من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.
وفي تفسير هذه الآية أقوال أخرى، قال ابن جبير بعد أن سردها: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجراً يا معشر قريش إلا أن تودُّوا لي في قرابتي منكم وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم. وقال ابن كثير في تفسيرها: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالاً تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم تنصروني، فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة. (م).
стр. 1881
سورة حم: الدُّخان
٢٨٣٣ - * روى الشيخان عن مسروق بن الأجدع ﵀ قال: كُنَّا جلوساً عند عبد الله بن مسعود- وهو مُضطجعٌ بيننا - فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا عند أبواب كندة يقُص، ويزعم: أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منها كهيئة الزكام، فقال عبدالله وجس وهو غضبان: يا أيها الناس، اتقوا الله، من علم منكم شيئاً فليقل بما يعلمُ، ومن لا يعلم، فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١) إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدباراً قال: "اللهم سبعٌ كسبعِ يوسفَ".
وفي رواية (٢): أن رسول الله ﷺ لما دعا قريشاً كذبوه، واستعصوا عليه، فقال: "اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسف، فأخذتهم سنةٌ حصتْ كل شيءٍ، حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظرُ إلى السماء أحدهم، فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: يا محمد، إنك جئت تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (٣) قال عبد الله: أفيُكْشَفُ عذاب الآخرة؟ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فالبطشة: يوم بدرٍ.
وفي رواية (٤) قال: قال عبد الله: إنما كان هذا، لأن قريشاً لما استعصوا على النبي
стр. 1882
صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحطٌ وجهدٌ، حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: فأتى رسول الله ﷺ ، فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمُضر، فإنها قد هلكت. قال: لمُضر؟ إنك لجريء، فاستسقى لهم، فسُقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فلما أصابهم الرفاهية، عادوا إلى حالهم، حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر.
وفي رواية (١) نحوه، وفيها: فقيل له: إن كشفنا عنهم، عادوا، فدعا ربه فكشف عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ -إلى قوله- إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾.
وفي رواية (٢) الترمذي مثل الرواية الأولى إلى قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال أحد رواته: هذا كقوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ فهل يكشفُ عذاب الآخرة؟ قد مضى البطشة واللزامُ والدخانُ، وقال أحدهم: القمر، وقال الآخر: الروم واللزام يوم بدرٍ.
وفي أخرى (٣) للبخاري ومسلم قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخانُ، واللزامُ، والرومُ، والبطشةُ، والقمرُ.
стр. 1883
قال في الفتح: إنما قال: لمضر، لأن غالبهم كانوا بالقرب من مياه الحجاز، وكان الدعاء بالقحط على قريش وهم سكان مكة فسرى القحط إلى منْ حولهم، فحسن أن يطلب الدعاء لهم، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش لئلا يذكرهم، فيذكر بجرمهم، فقال "لمضر": ليندرجوا فيهم، ويشير أيضاً إلى أن المدعو عليهم قد هلكوا بجريرتهم، وقد وقع في الرواية الأخيرة "وإن قومك هلكوا" ولا منافاة بينهما، لأن مضر أيضاً قومه. اهـ.
(قال: لمضر؟) أي: أتأمرني أن أستسقي الله لمضر، مع ما هم عليه من المعصية والإشراك بالله.
أقول: مذهب ابن مسعود أن آية الدخان قد مرت إلا أن النصوص الصحيحة كثيرة في: أنه سيكون من أشراط الساعة الدخان، فإن كان ما ذهب إليه في تأويل الآيات من سورة الدخان صحيحاً فهذا لا ينفي أن نثبت الدخان الذي يكون بين يدي الساعة لأنه قد وردت فيه نصوص صحيحة كما رأينا في قسم العقائد، هذا وقد خالف بعض العلماء ابن مسعود في هذا التفسير وحملوا الآيات على الدخان الذي يكون بين يدي الساعة.
стр. 1884
سورة الأحقاف
٢٨٣٤ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة من آل حم يعني الأحقاف قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آيةً سُميتْ ثلاثين.
٢٨٣٥ - * روى أحمد عن ابن عباس عن النبي (ص) في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: الخط. ولفظه عن رسول الهل صىل الله عليه وسلم أنه سئل عن الخط فقال هو أثارةٌ من علم، وفي رواية في الأوسط عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: جودةُ الخطِ.
أقول: يحتمل أن المراد بالخط هاهنا الخط الذي تظهره الحفريات، فهل في هذا الخط ما يدل على أن هناك خالقاً غير الله، أو أنه شارك الله في الخلق؟ فسياق الآية هو: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
٢٨٣٦ - * روى البخاري عن يوسف بن ماهكٍ ﵀ قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية، لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر: شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ (١) فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل فينا شيئاً من القرآن، إلا ما أنزل في سورة النور، من براءتي.
стр. 1885
تمام الآية والآية التي بعدها: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.
قال الحافظ في الفتح: والذي في رواية الإسماعيلي: فقال عبد الرحمن: ما هي إلا هِرقلية، ولابن المنذر: أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم، ولأبي يعلي وابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد: حدثني عبد الله المدني، قال: كنت في المسجد حين خطب مروان، فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين رأياً حسناً في يزيد وأن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: هرقلية، إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولد ولا في أهل بيته، وما جعلها معاوية إلا كرامة لولده.
قوله: فلم يقدروا عليه: أي: امتنعوا من الدخول خلفه إعظاماً لعائشة. وفي رواية أبي يعلي "فنزل مروان عن المنبر، حتى أتى باب المسجد، حتى أتى عائشة، فجعل يكلمها وتكلمه، ثم انصرف" قاله الحافظ.
قول عائشة: (إلا ما أنزل في سورة النور من براءتي):
أي: الآية التي في سورة النور، في قصة أهل الإفك وبراءتها، مما رموها به ﵂. قال الحافظ: وي رواية الإسماعيلي: فقالت عائشة: كذب والله ما نزلت فيه. قال ابن كثير: ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه اهـ.
قال الزجاج في تفسير القرطبي: كيف يقال نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه والله يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾ أي العذاب ومن ضرورة عدم الإيمان، وعبد الرحمن من أفاضل المؤمنين.
стр. 1886
٢٨٣٧ - * روى مسلم عن علقمة: قلت لابن مسعود هل صحب النبي ﷺ ليلة الجنِّ منكم أحدٌ؟ قالك ما صحبه منا أحدٌ، ولكنا كنا معه ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا استطير أو اغتيل، فبتنا بشرٍّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما أًبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا يا رسول الله: فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ، قال: "أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن"، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كلُّ عظم ذُكِرَ اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعْرةٍ علفٌ لدوابكم، فقال ﷺ : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعامُ إخوانكم.
وفي رواية (١): وكانوا من جن الجزيرة.
٢٨٣٨ - * روى البزار عن زِرِّ بن حُبيش في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ (٢) قال: صهْ قال فكانوا سبعةٌ أحدهم زوبعةُ.
أقول: تعدد تبليغ الرسول ﷺ للجن، وفي بعض الحالات ذهب معه بعض الأصحاب، وأجلسه رسول الله صلى الله عليه سلم في مكان بحيث رآهم، وهذان النصان جاءا هنا بمناسبة ما ورد في سورة الأحقاف عن الجن، فهما يصوران إحدى حالات التبليغ للجن.
стр. 1887
سورة الفتح
٢٨٣٩ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (١) قال: الحديبية، فقال أًحاب رسول الله ﷺ : هنيئاً مريئاً، فما لنا، فأنزل الله ، ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) قال شعبة، فقدمتُ الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أما: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فعن أنس، وأما "هنيئاً مريئاً" فعن عكرمة.
مريئاً" فعن عكرمة.
وأخرجه مسلم عن قتادة عن أن سقال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) مرجعهُ من الحديبية - وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية، قال رسول الله ﷺ : "لقد أُنزلتْ على آيةٌ هي أحبُّ إليَّ من الدنيا جميعاً".
وأخرجه الترمذي عن قتادة عن أنسٍ قال: أنزلت على النبي ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا
стр. 1888
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. مرجعه من الحديبية، فقال النبي: "لقد أُنزلت على آية أحبُّ إليَّ مما على الأرض"، ثم قرأها النبي ﷺ فقالوا: هنيئاً مريئاً، يا رسول الله، لقد بين الله لك ما يُفعل بك، فماذا يُفعل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
قوله (فعن عكرمة): قال الحافظ: أفاد هذا أن بعض الحديث عن قتادة عن أنس، وبعضه عن عكرمة، وقد أورده الإسماعيلي من طريق حجاج بن محمد عن شعبة، وجمع في الحديث بين أنس وعكرمة وساقه مساقاً واحداً.
٢٨٤٠ - * روى مالك عن أسلم ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً - فسأله عمر عن شيءٍ؟ فلم يُجبه، ثم سأله؟ فلم يجبه، ثم سأله؟ فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك عمر، نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركتُ بعيري، حتى تقدمتُ أما مالناس، وخشيت أن ينزل في قُرآنٌ، فما نشبتُ أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون قد نزل في قرآن، فجئت رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه، فقال: "لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة، لهي أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمسُ"، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
وأخرجه الترمذي (١) عن أسلم، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره ... الحديث.
٢٨٤١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن ثمانين رجلاً من أهلِ
стр. 1889
مكة، هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم مُسلحين - يريدون غِرَّة رسول الله ﷺ ، فأخذهم سِلماً، فاستحياهم، وأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
وفي رواية الترمذي (٢)، أن ثمانين نزلُوا على رسول الله صلى الله عليه سولم وأصحابه من جبل التنعيم، عند صلاة الصبح، يُريدون أن يقتلوه، فأُخِذوا، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية.
وأخرجه أبو داود (٣) بنحوه من مجموع الروايتين.
٢٨٤٢ - * روى الطبراين عن أبي جمعة الأنصاري جُنبُذ بن سبعٍ قال: قاتلت النبي ﷺ أول النهار كافراً وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وكنا ثلاثة رجال وتسع نسوةٍ، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ (٤).
وأبو جمعة قيل في اسمه أيضاً: حبيب بن سباع.
стр. 1890
سورة الحجرات
٢٨٤٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄ قال: قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ ، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زُرارة، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا، حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
وفي رواية (٢): قال ابن أبي مُليكة: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي ﷺ وفدُ بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي، وأشار الآخر: بغيره، ثم ذكره نحوه، ونزول الآية، ثم قال: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث بحديث حدث كأخي السرار: لم يسمعه حتى يستفهمه.
وفي أخرى (٣) نحوه، وفيه: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكر الصديق.
وأخرجه (٤) الترمذي قال: إنَّ الأقرع بن حابسٍ قدم على رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، استعمله على قومه، فقال عمر، لا تستعمله يا رسول الله، فتكلما عند النبي ﷺ ، حتى علت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، فقال: ما أردتُ خلافك، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (٥) قال: فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي ﷺ :
стр. 1891
لم يسمع كلامه، حتى يستفهمه. وما ذكر ابن الزبير جده: يعني أبا بكر.
قال الحافظ في الفتح ٨/ ٤٥٣: زاد وكيع كما يأتي في "الاعتصام" إلى قوله ﴿عَظِيمٌ﴾ وفي رواية ابن جريج: فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ وقد استشكل ذلك، قال ابن عطية: الصحيح أن سبب نزول هذه الآية كلامُ جفاة الأعراب.
قال ابن حجر: لا يعارض ذلك هذا الحديث، فإن الذي يتعلق بقصة الشيخين في تخالفهما في التأمير في أول السورة ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ لكن لما اتصل بها قوله ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
تمسك عمر منها بخفض صوته. وجفاة الأعراب الذين نزلت فيهم هم من بني تميم، والذي يختص بهم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١).
٢٨٤٤ - * روى الترمذي عن البراء بن عازب ﵁ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: قام رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إن حمدي زين، وذمي شين، فقال النبي ﷺ : "ذاك الله ".
قال محقق الجامع: ٢/ ٣٦٣: وهو كما قال، فإن له شاهداً يتقوى به عند أحمد. من حديث الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ : من وراء الحجرات، فقال: يا رسول الله فلم يُجبه رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ألا إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال رسول الله صلى الله عليه سولم: "ذاك الله " وسنده حسن.
أقول: ذكر هذا النص هنا بمناسبة قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
стр. 1892
٢٨٤٥ - * روى أحمد عن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فأقررت به ودخلت فيه ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي وأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعتُ زكاته، فيرسل إليَّ رسول الله ﷺ رسولاً لإبَّانِ كذا وكذا ليتيك بما جمعتُ من الزكاة. فلما جمع الحارث الكاة ممن استجاب له وبلغ الإبَّان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سُخطة من الله ورسوله ﷺ ، فدعا سروات قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقت وقتاً يرسلُ إليّ رسوله يقضُ ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله ﷺ الخُلْفُ ولا أرى حُبِسَ رسوله إلا من سُخْطَةٍ كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عُقبة ليقبِضَ ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما أن سار الوليدُ حتى بلغ بعض الطريق فرِقَ فرجع فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال لهم: إلى أين بُعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ كان بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكا وأردت قتله. قال: لا والي بعث محمداص بالحق ما رأيته البتة ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني وما أقبلتُ إلا حين احتبس عليَّ رسول رسول الله ﷺ حسبتُ أني كون كانت سُخطة من الله ورسوله. قال: فنزلت الحجرات ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ إلى هذا
стр. 1893
المكان، ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
٢٨٤٦ - * روى الترمذي عن أبي نضرة ﵀ قال: قرأ أبو سعيد الخدري: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (١) قال: هذا نبيكم يُوحى إليه، وخيارُ أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتُوا، فكيف بكم اليوم.
أي: اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه وتأدبوا معه، وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، ثم بيَّن أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم.
يريد أبو سعيد بخيار الأئمة هنا: الصحابة ﵃ لو أطاعهم النبي ﷺ لعنتوا، وقوله: "فكيف بكم اليوم" الخطاب فيه للتابعين، أي كيف يكون حلكم لو يُقتدى بكم ويؤخذ بآرائكم ويترك كتاب الله وسنةُ رسوله. (م).
قال (٢): قال الله تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ فقال أبو سعيد الخدري: هذا القول ينطبق على التابعين من باب أولى ونقول نحن: فكيف بأهل عصرنا حيث ساد الجهلُ بالدين وأصبح الدينُ غريباً بين أهله. نعم لا يجوز لنا أبداً أن نترك الكتاب والسنة ونتَّبع أهواء الناس سواء كانوا أغلبية أم أقلية، فاحلكم في الإسلام لله . هذا مبدأ مقرر وإننا لنجد بالاستقرار أن أكثر المسلمين اليوم بحمد الله يحبون الشريعة الإسلامية ويؤيدونها.
٢٨٤٧ - * روى أبو داود عن (أبي جُبيرة بن الضحاكِ) قال فينا نزلتْ هذه الآية - بني
стр. 1894
سلمة - قدم علينا النبي ﷺ ، وليس منا رجلٌ إلا وله اسمان أو ثلاثة، فجعل ﷺ يقول: "يا فلان"، فيقولون مه يا رسول الله، إنه يغضب من هذا الاسم، فنزل: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (١).
٢٨٤٨ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ (٢) قال: الشعوبُ: القبائل الكبار العظام، والقبائل: البُطُون.
قال الخطابي في "معالم السنن": الشعوب: "جمع شعب - بفتح الشين - وهي رؤوس القبائل، مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، سموا شعوباً لتشعبهم واجتماعهم، كتشعب أغصان الشجر، والشعب: من الأضداد، يقال: شعب: أي جمع، وشعب: أي فرَّق، و"قبائل" وهي دون الشعوب، واحدتها قبيلة، وهي كبَكْر من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل: العمائر، واحدتها: عمارة - بفتح العين - وهم كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر: البطون، واحدها: بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون: الأفخاذ، واحدها: فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثم الفصائل والعشائر، واحدتها: فصيلة وعشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف.
وقيل: الشعوب: من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل. وقال أبو روق: الشعوب: الذين لا يعتزون إلى أحد، بل ينتسبون إلى المدائن والقرى، والقبائل: العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم.
стр. 1895
سورة ق
٢٨٤٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري بمناسبة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (١) أن رسول الله ﷺ قال: "افتخرتِ الجنة والنار، فقالت النارُ: يا رب يدخُلني الجبابرةُ والمتكبرون والملوك والأشراف. وقالت الجنة يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين. فيقول الله ﵎ للنار: أنت عذابي أُصيبُ بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء ولكل واحدةٍ منكما ملؤها، فيلقي في النار أهلها فتقول هل من مزيد قال ويلقى فيها وتقول هل من مزيد ويلقي فيها وتقول هل من مزيد حتى يأتيها الله ﵎ فيضع قدمه عليها فتقول قدني قدني. وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء الله أن يبقى فينشئ الله لها خلقاً ما يشاءُ".
٢٨٥٠ - * روى البخاري عن مجاهد بن جبر ﵀ قال ابن عباس: أرمهُ أن يُسبح في أدبار الصلوات كلها، يعني قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٢).
تمام الآية: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾.
سورة الذاريات
٢٨٥١ - * روى أبو داود عن أنس ﵁ في قوله تعالى ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣) قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.