سورة ن (القلم)
٢٨٨٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (١) قال رجلٌ من قريش: كانت له زنمةٌ مثل زنمةِ الشاة.
وقال الحافظ: زاد أبو نعيم في مستخرجه في آخره "يعرف بها" وفي رواية سعيد بن جبير عند الحاكم ٢/ ٤٩٩: يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وللطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: نعت فلم يعرف حتى قيل: زنيم فُعرف، وكانت له زنمة في عنقه يُعرف بها.
قال الحافظ في الفتح ٨/ ٤٦٧: "العتل" قال الفراء: الشديد الخصومة وقيل: الجافي عن الموعظة وقال أبو عبيدة: الفظ الشديد، وقا الحسن: الفاحش الآثم، وقال الخطابي: الغليظ العنيف، وقال الداودي: السمين العظيم العنق والبطن وقال الهروي: الجموع: المنوع. و"الزنيم": الملصق في القوم ليس منهم. قال حسان:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
قال الحافظ في الفتح ٨/ ٥٠٨: اختلف في الذي نزلت فيه، فقيل: هو الوليد بن المغيرة، ذكره يحيى بن سلام في تفسيره، وقيل: الأسود بن عبد يغوث، ذكره سنيد بن داود في تفسيره، وقيل: الأخنس بن شريق، ذكره السهيلي عن القعنبي، وزعم قوم: أنه أبو الأسود، وليس به، وأبعد من قال: إنه عبد الرحمن بن الأسود، فإنه هو يصغر عن ذلك، وقد أسلم، وذكر في الصحابة.
٢٨٩٠ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخُدريِّ (ضري الله عنه) في قوله عالى:
стр. 1927
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (١) قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنةٍ، ويبقى من كان يسجدُ في الدنيا رياء وسمعةً، فيذهب ليسجد، فيعود ظهرهُ طبقاً واحداً".
قال الحافظ في الفتح ٨/ ٥٠٨: "قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: يوم يكشف عن ساق، قال: من شدة أمر، وعند الحاكم ٢/ ٤٩٩، ٥٠٠ وصححه ووافقه الذهبي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: هو يوم كرب وشدة، قال الخطابي: فيكون المعنى: يكشف عن قدرته التي تنكشف عن الشد والكرب. ووقع في هذا الموضع "يكشف ربنا عن ساقه" وهو من رواية سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم. فأخرجها الإسماعيلي كذلك، ثم قال في قوله: "عن ساق" نكرة، ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: يكشف عن ساق، قال الإسماعيلي: هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء". وقال النووي في شرح مسلم: وفسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث الساق هنا: بالشدة: أي يكشف عن شدة وأمر مهول". وقال العيني في شرح البخاري ٩/ ٢٣٤ في باب يوم يكشف عن ساق، أي هذا باب في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قيل: تكشف القيامة عن ساقها، وقيل: عن أمر شديد فظيع، وهو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا، وهذا من باب الاستعارة، تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى اجتهاد ومعاناة ومقاساة للشدة: شمر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة وإن لم يكن كشف الساق حقيقة، كما يقال: أسفر وجه الصبح، واستقام له صدر الرأي والعرب تقول لسنة الحرب: كشفت عن ساقها. وانظر جامع الأصول ٢/ ٤١٢.
стр. 1928
سورة نوح
٢٨٩١ - * روى البخاري عن (ابن عباس) صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب، أما وُد فكانت لكلبٍ بدُومة الجندل، وسُواعٌ لهُذيل، ويغوثُ لمرادٍ، ثم صارت لبني غُطيفٍ بالجوف عند سبأ، وأما يعوقُ فكانت لهمدان، وأما نسرٌ فلحميرٍ لآل ذي الكلاع، وكلها أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم عُبدت (١).
стр. 1929
سورة الجن
٢٨٩٢ - * روى الشيخان عن ابن عباس: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق في طائفة من أصحابه إلى سوق عُكاظٍ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم الشهب فرجع الشياطين إلى قومهم فقالوا: مالكم؟ قيل: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهبُ، قالوا وما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي ﷺ بنخلة عامدين إلى سوق عُكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: "يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً" فنزل: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾.
وفي رواية (١): وإنا أوحي إليه قول الجن.
وزاد الترمذي: لما رأوه يصلي، وأصحابه يصلون بصلاته، ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم: لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً.
أقول: هناك حالات شاهد فيها الرسول ﷺ الجن واجتمع بهم وبلغهم، وقد رأينا من قبل في سورة الأحقاف نفي ابن مسعود لأن يكون رسول الله ﷺ شاهد الجن الذين نزلت بسببهم آيات الأحقاف، وهاهنا ينفي ابن عباس أن تكون سورة الجن نزلت على أثر مشاهدة، والظاهر أن ما نزل في سورة الأحقاف وما نزل في سورة الجن من حديث عن الجن كان سببه واحداً.
стр. 1930
٢٨٩٣ - * روى أحمد عن عكرمة وغيره ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال بنخلة ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال سفيان اللبد بعضهم على بعض (١).
стр. 1931
سورة المزمل
٢٨٩٤ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ﴾ الآية (١) قال: نسختها الآية التي فيها قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢) قال: وناشئةُ الليل: أوله، يقول: هو أجدر أن تُحصوا ما فرض لله عليكم من قيام الليل، وذلك: أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ، وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (٣) يقول: هو أجدرُ أن تفقهِ في القرآن، قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (٤) يقول: فراغاً طويلاً.
وفي رواية (٥) قال: لما نزل أول (المزمل) كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان، حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها سنةٌ.
٢٨٩٥ - *روى أبو يعلي عن عائشة قالت كان النبي ﷺ إذا نزل عليه وجد ما قال الله ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾.
سورة المدثر
٢٨٩٦ - * روى البزار عن أبي هريرة في قول الله ﵎ ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسد.
стр. 1932
سورة القيامة
٢٨٩٧ - * روى الشيخان عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان النبي ﷺ يُعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك به شفتيه - فقال ابن عباس: أنا أُحركهما كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد بن جبير: وأنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما. فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (١) قال: جمعه لك في صدرك ثم تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٢) قال: فاستمعْ وأنصتْ، ثم علينا أنت تقرأه، قال: فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل ﵇ بعد ذلك استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه.
وفي رواية (٣): كما وعده الله .
وفي رواية (٤) الترمذي قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُنزلَ عليه القرآنُ يحرِّكُ به لسانه، يُريد أني حفظه، فأنزل الله ﵎ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: فكان يُحرك به شفتيه، وحرك سفيان شفتيه.
٢٨٩٨ - * روى الطبراني عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ أشيء قاله رسول الله ﷺ أم شيءٌ أنزله الله قال: قاله رسول الله ﷺ وأنزله اللهُ.
стр. 1933
سورة عم يتساءلون
٢٨٩٩ - * روى البخاري عن عِكرمة ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ (١) قال: ملأى متتابعة قال: وقال ابن عباس: سمعتُ أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأساً دهاقاً.
سورة النازعات
٢٩٠٠ - * روى البزار عن عائشة قالتْ ما زال رسول الله ﷺ يسألُ عن الساعة حتى نزلت ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.
قال في القرطبي: فكأنه ﵇ لما أكثروا عليه سأل الله أن يُعرفه ذلك فقيل له لا تسألْ فلست في شيء من ذلك.
سورة عبس
٢٩٠١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن عمر قرأ ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (٢) قال: فما الأبُّ؟ ثم قال: ما كُلفنا بهذا، أو قال: ما أُمرنا بهذا.
وأخرج الحاكم في مستدركه ٢/ ٥١٤ عن ابن شهاب عن أنس ﵁ أخبره: أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: فكل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم نفض عصا كانت في يده، فقال: هذا لعمر الله التكلف، اتبعوا ماتبين لكم من هذا الكتاب، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
стр. 1934
سورة التكوير
٢٩٠٢ - * روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأيُ عينٍ فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾.
٢٩٠٣ - * روى البزار عن عمر بن الخطاب، وسئل عن قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ قال: جاء قيسُ بن عاصم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد وأدتُ بناتٍ لي في الجاهلية فقال: أعتق عن كل واحدةٍ منهن رقبةً. فقلت: يا رسول الله إني صاحب إبلٍ قال فانحر عن كل واحدة منهن بدنةَ.
سورة ويل للمطففين
٢٩٠٤ - * روى البزار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعمل سباع بن عُرفطة على المدينة فقرأ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فقلت هلك فلانٌ، له صاعان صاع يُعطي به وصاع يأخذُ به.
كان هذا عندما هاجر أبو هريرة إلى المدينة أول ما وصلها وكان النبي ﷺ في خيبر.
٢٩٠٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) فقال رسول الله ﷺ : "كيف بكم إذا جمعكم اللهُ عز
стр. 1935
وجل كما يُجمعُ النبلُ في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم".
٢٩٠٦ - * روى الترمذيُّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئةً، نُكتتْ في قلبه نكتةٌ، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، صُقِل قلبُه، وإنْ عاد، زيدَ فيها، حتى تعلُو قلبه، وهو الرانُ الذي ذكره الله" ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١).
سورة إذا السماء انشقت
٢٩٠٧ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (٢) قال: حالاً بعد حالٍ، قال هذا نبيُّكم ﷺ .
هذا التفسير من ابن عباس على قراءة فتح الباء من قوله ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي.
وقد أخرج الطبري ٣٠/ ٧٨ الحديث المذكروعن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم بلفظ: أن ابن عباس كان يقرأ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يعني نبيكم "حالاً بعد حال" قال الحافظ وأخرجه أبو عبيد في كتاب "القراءات" عن هشيم وزاد - يعني بفتح الباء-.
قال الطبري: قرأها ابن مسعود وابن عباس وعامة قراء مكة الكوفة بالفتح، والباقون بالضم، على أنه خطاب للأمة، ورجحها أبو عبيد لسياق ما قبلها وما بعدها، ثم أخرج عن الحسن وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم قالوا: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يعني: حالاً بعد حال.
ومن طريق الحسن أيضاً وأبي العالية ومسروق قالوا: السموات.
стр. 1936
وأخرج الطبري أيضاً، والحاكم من حديث ابن مسعود إلى قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: السماء.
وفي لفظ الطبري عن ابن مسعود قال: "السماء تصير مرة كالدهان، ومرة تنشق".
وفي لفظ: "تنشق ثم تحمر ثم تنفجر" ورجح الطبري الأول.
وأصل الطبق: الشدة، والمراد بها هاهنا: ما يقعُ من الشدائد يوم القيامة، والطبق: ما طابق غيرهُ، يقال: ما هذا بطبقِ كذا. أي: لا يطابقه، ومعنى قوله: "حالاً بعد حال" أي: حال مطابقة للتي قلبها في الشدة، وهو جمع طبقة، وهي المرتبة، أي: هي طبقاتٌ بعضها أشد من بعض. [م].
أقول: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ يفتح الباء وقرأ الباقون من القراء السبعة بضم الباء فالقراءتان متواترتان. قال القرطبي: وقيل: لتركبنَّ أيها الإنسان حالاً بعد حال من كونك نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حياً وميتاً وغنياً وفقيراً.
سورة البروج
٢٩٠٨ - * روى البزار عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال الشاهدُ محمد ﷺ والمشهودُ يومُ القيامة.
أقول: هذا أحد أقوال كثيرة في تفسير هذه الآية.
سورة الأعلى
٢٩٠٩ - * روى أبو داود عن ابن عباسٍ ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "سبحان ربي الأعلى" (١).
стр. 1937
سورة والشمس وضحاها
٢٩١٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال كان النبيُّ ﷺ إذا تلا هذه الآية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وقف ثم قال: "اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها وخيرُ من زكاها".
٢٩١١ - * روى الشيخان عن عبد الله بن زمعةَ ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يخطب - وذكر الناقة والذي عقرها - فقال رسول الله ﷺ ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ (١) انبعثَ لها رجلٌ عزيزٌ عارمٌ منيعٌ في رهطه، مثل أبي زمعةَ.
وذكر النساء - وفي رواية: ثم ذكر النساء - فوعظ فيهن. فقال: يعمِدُ أحدُكم فيجْلِدُ امرأتهُ جلد العبدِ، فلعله يُضاجِعُها من آخر يومه. ثم وعظهم في ضحكهم من الضَّرطَةِ، قال: لِمَ يضْحَكُ أحدكم مما سيفعلُ؟.
стр. 1938
سورة الضحى
٢٩١٢ - * روى الشيخان عن جُند بن سفيان البجلي: اشتكى النبي ﷺ فلم يقمْ ليلة أو ليلتين. فجاءته امرأة قالت يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانُك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين، فنزل ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وللترمذي قال كنت جالساً مع النبي ﷺ في غار فدميت إصبعه، فقال ﷺ : هل أنت إلا إصبعٌ دميتِ، وفي سبيل الله ما لقيت، فأبطأ عليه جبريلُ، فقال المشركون: قد وُدِّعَ محمدٌ، فنزل ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وفي القرطبي: عن جندب قال: رمي النبي ﷺ في أصبعه بحجر فدميت فقال: هل أنت إلا إصبعٌ دميتِ وفي سبيل الله ما لقيت. فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم الليل فقالت له أم جميل ... إلخ.
سورة العلق
٢٩١٣ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله صلىلله عليه وسلم يُصلي، فجاء أبو جهلٍ، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ ، فزبرهُ، فقال أبو جهلٍ: إنك لتعلمُ ما بها نادٍ أكثر مني، فأنزل الله ﵎: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (١) قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله.
стр. 1939
٢٩١٤ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرنَّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينْكصُ على عقبيه، ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً" قال: فأنزل الله لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغ- ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ إلى آخر السورة.
٢٩١٥ - * روى الترمي عن أُبي بن كعبٍ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) وقرأ فيها: إن الدينَ عند الله الحنيفيةُ المسلمةُ، لا اليهوديةُ، ولا النصرانيةُ، ولا المجوسيةُ، ومن يعمل خيراً فلن يكفره، وقرأ عليه: لو أن لابن آدم وادياً من مالٍ، لابتغى إليه ثانياً، ولو أن له ثانياً، لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التُّراب، ويتوب الله على من تاب".
أقول: قوله: (إن الدين عند الله الحنيفية المسلمة ...)، وقوله: (لو أن لابن آدم وادياً من مال ...)، ليس من القرآن بالإجماع ويمكن أن يكون حديثاً قدسياً أو من باب تفسير القرآن بالمأثور، وحمله بعضهم على أنه من منسوخ التلاوة وليس فيها ما يدل على أنه كان من القرآن ثم نسخ.
стр. 1940
سورة إذا زلزلت
٢٩١٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال نزلت ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ وأبو بكر الصديق ﵁ قاعدٌ فبكى أبو بكر فقال له رسول الله ﷺ ماي ُبكيك يا أبا بكرٍ فقال: أبكتني هذه السورة فقال رسول الله صلىلله عليه وسلم: "لو أنكم لا تخطئون ولا تُذنبون لخلق الله تعالة أمةً من بعدكم يخطئون ويذنبون فيغفرُ لهم".
أقول: خلق الله هذا الكون بما فيه مظهراً لآثاره، فمن عرف آثاره عرف أسماءه ومن عرف أسماءه عرف صفاته، ومن عرف صفته عرف وجوده ﷻ ، ومن أسمائه التواب والعفو والغفور، فلو لم يكن هناك ذنب ومذنبون واستغفار ومستغفرون، وعفو من الله ومغفرة وتوبة، لكان ذلك نقصاً في معرفة الله ، ولذلك ورد في النص "لو أنكم لا تخطئون ولا تذنبون لخلق الله تعالى أمة من بعدكم يخطئون ويذنبون فيغفر لهم".
٢٩١٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (١) قال: أتدرون ما أخبارُها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها: أن تشهد على كل عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا، كذا وكذا، فهذا أخبارها.
٢٩١٨ - * روى أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ قال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها.
стр. 1941
سورة التكاثر
٢٩١٩ - * روى الترمذي عن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (١) قال الزبير: يا رسول الله، وأيُّ نعيم نُسأل عنه، وإنما هما الأسودان، التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكونُ.
٢٩٢٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الناسُ: يا رسول الله، عن أي النعيم نُسأل، وإنما هما الأسودان، والعدوُّ حاضرٌ، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: إن ذلك سيكون.
(والعدو حاضر وسيوفنا على عواتقنا): قال* "يعنون نأكل أدنى الطعام ولا نأمن على أنفسنا أي نحن مستعدون دائماً للقتال".
٢٩٢١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألو ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم، أن يقال له: ألم نُصحَّ لك جِسمكَ؟ ونروك من الماء البارد؟ ".
سورة الماعون
٢٩٢٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نعدُّ الماعون على عهد رسول الله ﷺ عاريةَ الدلْوِ والقدْرِ.
٢٩٢٣ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعودٍ قال كنا نعُدُّ الماعون على عهد رسول الله
стр. 1942
صلى الله عليه وسلم الدلو والفأس والقِدْر.
٢٩٢٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: العارية.
سورة الكوثر
٢٩٢٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا في المسجد، إذ أغْفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "نزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١) ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهرٌ وعدنيه ربي ، عليه خيرٌ كثيرٌ، هو حوضٌ تردُ عليه أُمتي يوم القيامة، آنيتُه عدد نجوم السماء فيُختلجُ العبد منهم، فأقول: ربِّ، إنه من أُمَّتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك؟ ".
وفي رواية (٢) نحوه، وفيه: إنه نهرٌ وعدنيه ربي في الجنة، عليه حوضي، ولم يذكر: "آنيته عدد النجوم".
وقد أخرجه هو أيضاً، والبخاري مختصراً، قال: قال النبي ﷺ : "ليردَنَّ عليَّ الحوض رجالٌ ممنْ صاحبني، حتى إذا رأيتُهم ورُفِعُوا إليَّ: اختُلجُوا دُوني،
стр. 1943
فلأقولن، أي: ربِّ، أُصيحابي، أُصيحابي، فليقالنَّ لي، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
وفي رواية (١) للبخاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما عُرج بي إلى السماء، أتيت على نهرٍ حافتاهُ قبابُ اللؤلؤ المُجَوَّفِ، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: الكوثر".
وفي أخرى (٢) له، قال: "بينا أنا أسيرُ في الجنةِ، إذا أنا بنهرٍ حافتاهُ قبابُ اللؤلؤ المُجوَّفِ، قلت: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: الكوثر الذي أعطاك ربُّك، فإذا طيبُهُ- أو طِينُهُ - مِسْكٌ أذْفَرُ" شكَّ الراوي.
وأخرجه الترمذي قال: "بينا أنا أسيرُ في الجنةِ إذ عرض لي نهرٌ حافتاهُ قِبابُ اللؤلؤ، قلت للملكِ: ما هذا؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاكه الله، قال: ثم ضرب بيده إلى طينه، فاستخرج لي مسكاً، ثم رُفِعَتْ لي سِدْرة المنتهى، فرأيتُ عندها نوراً عظيماً.
وله في أخرى (٣): في قوله ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أن النبي ﷺ قال: "هو نهرٌ في الجنة، قال: فقال النبي ﷺ : "رأيتُ نهراً في الجنة، حافتاهُ قِبابُ للؤلؤِ، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاكهُ الله".
وفي أخرى (٤) لأبي داود "لما عُرجَ بنبي الله في الجنةِ- أو كما قال: - عُرِضَ له نهرٌ في الجنةِ، حافتاهُ الياقوتُ المجيبُ - أو قال: المجَوَّفُ - فضرب الملكُ الذي معهُ يدهُ، فاستخرج مسكاً، فقال محمد ﷺ للملكِ الذي معهُ: ما هذا؟ قال: الكوثر الذي أعطاكه الله".
стр. 1944
أقول: الراجح عند العلماء أن حوض رسول الله ﷺ يكون قبل الصراط، وهذا الحديث نص في أن ماء الحوض من نهر الكوثر نسألُ الله أن يسقينا من حوضه ﵊، وأن يسقينا من الكوثر.
٢٩٢٦ - * روى أحمد عن عدب الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه من ذهبٍ، ومجراه على الدُّرِّ والياقوت، تربتُه أطيبُ من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيضُ من الثلج".
٢٩٢٧ - *روى الطبراني في الأوسط عن حُذيفة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال نهرٌ في الجنة أجوفُ فيه آنيةٌ من الذهب والفضة لا يعلمه إلا الله.
٢٩٢٨ - * روى البخاري عن عامر بن عبد الله بن مسعودٍ سألت عائشة عن قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فقالت: الكوثر نهرٌ أُعطيه نبيكم، شاطئاه عليه دُرٌّ مُجوفٌ، أنيته كعدد النجوم.
٢٩٢٩ - * روى البخاري عن أبي بشرٍ جعفر بن إياس اليشكري ﵀ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قلت لسعيد: فإن ناساً يزعمون أنه نهرٌ في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
قال الحافظ في "الفتح": هذا تأويل من سعيد بن جبير، جمع به بين حديثي عائشة وابن عباس ﵄، وكأن الناس الذين عناهم أبو بشر: ابو إسحاق وقتادة، ونحوهما، ممن روى ذلك صريحاً: أن الكوثر، هو النهر. ثم قال: (١) وحاصل ما قاله سعيد
стр. 1945
بن جبير: أن قول ابن عباس: إنه الخير الكثير، لا يخالف قول غيره: إن المراد به نهر في الجنة، لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير، ولعل سعيداً أومأ إلى أن تأويل ابن عباس أولى، لعمومه، لكن ثبت تخصيصه بالنهر، من لفظ النبي ﷺ ، فلا معدل عنه.
سورة النصر
٢٩٣٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدرٍ، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تُدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه من علمتم، فدعاه ذات يومٍ، فأدخله معهم، قال، فما رُئيتُ أنه دعاني يوماً، إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة فقال بعضهم: أُمرنا بأن نحمد الله ونستغفره، إذا نُصرنا وفُتح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ قلت لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه له، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقال عمر: ما أعلمُ منها إلا ما تقولُ.
وفي رواية (١): أن عمر كان يُدني ابن عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوفٍ: إن لنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية؟ قال: أجل رسول الله ﷺ ، أعلمَهُ إياه، قال: ما أعلم منها إلا ما تعلمُ.
وفي أخرى (٢): أن عمر سألهم عن قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قالوا: فتح المدائن والقصور، قال: يا ابن عباس، ما قتول؟ قال: أجلٌ أو مثلٌ ضُربَ لمحمدٍ ﷺ ، نُعيتْ إليه نفسيه.
قوله "فما رئيت" على صيغة المجهول، بضم الراء وكسر الهمزة. وفي غزوة الفتح في رواية المستملي "أُريته" بتقديم الهمزة والمعنى واحد. وقوله "إلا ليُريهم" بضم الياء من الإراءة.
стр. 1946
سورة الإخلاص
٢٩٣١ - * روى البخاري عن أبي وائل ﵀ قال: الصَّمدُ: السيدُ الذي انتهى سؤدده.
٢٩٣٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يقول الله : يشتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبُني وما ينبغي له، أما شتمه إياي، فقوله: إن لي ولداً، وأما تكذيبه، فقوله: ليس يُعيدني كما بدأني".
وفي رواية (١) قال: قال الله : "كذبني ابن آدم، ولم يكنْ له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الي لم يلدْ ولم يُولدْ، ولم يكن له كفواً أحدٌ".
سورة المعوذتيْن
٢٩٣٣ - * روى البخاري عن زرِّ بن حبيش ﵀ قال: سألت أُبي بن كعب عن المعوذتين، قلت: يا أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعودٍ يقول: كذا وكذا فقال: سألتُ رسول الله ﷺ فقال: قيل لي، فقلت: فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ .
وفي أخرى (٢): مِثْلُها، ولم يذكرْ فيه ابن مسعود.
стр. 1947
قال الحافظ في "الفتح" ٨/ ٧٤٢ "هكذا وقع اللفظ مبهماً (١)، وكأن بعض الرواة أبهمه استعظاماً له، وأظن ذلك من سفيان، فإن الإسماعيلي أخرجه من طريق عبد الجبار بن العلاء عن سفيان كذلك على الإبهام. وكنت أظن أولا أن الي أبهمه البخاري، لأني رأيت التصريح به في رواية أحمد عن سفيان، ولفظه: "قلت لأبي بن كعب: إن أخاك يحكمها من المصحف" وكذا أخرجه الحُميديُّ عن سفيان. ومن طريقه أبو نعيم في"المستخرج" وكأن سفيان كان تارة يصرح بذلك، وتارة يبهمه، وقد أخرجه أحمد أيضاً وابن حبان من رواية حماد بن سلمة عن عاصم بلفظ: "إن عبد الله بن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه" وأخرج محمد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بلفظ: "إن عبد الله يقول في المعوذتين" وهذا أيضاً فيه إبهام، وقد أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات "المسند" والطبراني، وابن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال: "كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله" قال الأعمش: وقد حدثنا عاصم عن زر عن أبي بن كعب فذكر نحو حديث قتيبة، وقد أخرجه البزار، وفي آخره يقول: "إنما أُمِرَ النبي ﷺ أن يتعوذ بهما" قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي ﷺ "انه قرأهما في الصلاة".
قال ابن حجر: هو في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر، وزاد فيه ابن حبان من وجه آخر عن عقبة "فإن استطعت أن لا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل" وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة " أن النبي ﷺ أقرأه المعوذتين، وقال له: إذا أنت صليت فاقرأ بهما" وإسناده صحيح، ولسعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل "أن النبي صىل الهل عليه وسلم صلى الصبح فقرأ فيهما بالمعوذتين".
وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب "الانتصار" وتبعه عياض وغيره ما حُكي عن ابن مسعود فقال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئاً إلا إن كان النبي ﷺ أذن في
стр. 1948
كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك. قال: فهذا تأويل منه، وليس جحداً لكونهما قرآنا، وهو تأويل حسن، إلا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك، حيث جاء فيها "ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله" نعم يمكن حمل لفظ: "كتاب الله" على المصحف، فيتمشى التأويل المذكور.
وأما قول النووي في شرح "المهذب": أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منهما شيئاً كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح، ففيه نظر وقد سبه بنحو ذلك أبو محمد بن حزم، فقال في أوائل "المحلي" ما نقل عن ابن مسعود من إنكار قرآنية المعوذتين: فهو كذب باطل، وكذا قال الفخر الرازي في أوائل تفسيره: الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل. والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل، والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر فهو مخدوش، وإن أراد استقراره فهو مقبول.
أقول: كانت هناك اتجاهات عند بعض الصحابة تخالف ما استقر عليه الإجماع في شأن القرآن الكريم، سببها اجتهاد أو ظن ما هو منسوخ التلاوة غير منسوخ أو عدم معرفة بآخر ما قرأ به رسول الله ﷺ القرآن الكريم، لما جمع أبو بكر المصحف بما يتفق مع آخر عرضة للقرآن على جبريل ﵇، ثم جمع عثمان النسا على رسم واحد للقرآن واستقرار الإجماع على هذا الرسم، فإن اعتقاد ما خالف الرسم العثماني للمصحف أنه من القرآن أو إنكاره شيء منه أنه قرآن - كفر - وأما الصحابة الذين تلقوا عن رسول الله صلى الله علي وسلم شيئاً وحافظوا عليه اجتهاداً منهم أنه لم يطرأ عليه ما يوجب عليهم تركه إلى ما عند غيرهم فهم معذورون، لأنه بالنسبة لهم قطعي الورود وروايات غيرهم عندهم تحتمل.
أما بعد استقرار الإجماع فلا يجوز لأحدٍ أن يعتبر ما خالف الرسم العثماني قرآنا، وما وافق الرسم العثماني يشترط فيه التواتر ليعتبر قرآناً.
وأما قضية ابن مسعود في أنه كان لا يكتب المعوذتين والفاتحة في قرآنه فهو محمولٌ لا على نفي أن المعوذتين والفاتحة من القرآن بل على أنه كان لا يرى سُنيَّةَ الكتابة لذلك، أو لا يرى احتياجاً لكتابة بعض ذلك، فالفاتحةُ من الشهرة بحيث لا تحتاجُ إلى كتابة، وأما
стр. 1949
المعوذتان فعمله محمولٌ على أنه لا يرى سُنِّيَّةَ كتابتهما أو أن ذلك كان قبل علمه بقرأنيتهما بدليل أن كثيراً من القراءات العشر تصل في سندها إلى ابن مسعود وفيها المعوذتان والفاتحة، والنقل لها عن ابن مسعود صحيح، فقراءة عاصم عن زُرعة عن ابن مسعود فيها المعوذتان والفاتحة وهي صحيحة، ونقلُها عن ابن مسعود صحيح، وقد نقل صاحب مناهل العرفان أنه قد صح عن ابن مسعود أن رجع إلى ما في مصحف عثمان وحرق مصحفه في آخر الأمر، ورواية عاصم المتواترة والتي تصل بالسند الصحيح إلى ابن مسعود دليل على ذلك وكما أن سنداً صحيحاً عن عاصم يصل إلى ابن مسعود وفيه المعوذتان وهو أحد أئمة القراء السبعة فإن حمزة وهو من القراء السبعة أحد من قرأ القرآن كله بأسانيد صحيحة وفيه المعوذتان عن ابن مسعود نفسه. ولحمزة سند صحيح آخر إلى ابن مسعود بهذه القراءة، والكسائي وهو أحد أئمة القراء السبعة، أحد أسانيده، يصل إلى ابن مسعود أيضاً وفيه المعوذتان، وأن قراءة خلف وهو أحد الأئمة العشرة في القراءات يصل بأحد أسانيده إلى ابن مسعود وفيه المعوذتان.
فعلى فرض صحة ما نقل عن ابن مسعود فالقول ببقائه عليه محض افتراء، كل ما في الأمر أنه لم يكتب الفاتحة في مصحفه لشهرتها وعدم الخوف عليها من النسيان وكذلك القول في المعوذتين، وقيل إنه لم يكن يعلم في أول الأمر أن المعوذتين من القرآن بل كان يفهم أنهما رقية ثم علم بعد ذلك قرآنيتهما، ومن هنا جاءت الروايات الصحيحة عنه بقرآنيتهما. قال صاحب مناهل العرفان: كما سقناه بين يديك عن أربعة من القراء السبعة بأسانيد هي من أصح الأسانيد المؤدية بما تواتر وبما استفاض وبما أجمعت الأمة عليه.
٢٩٣٤ - * روى أحمد عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ نظر إلى القمر فقال: "يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسِقُ إذا وقب" (١).
стр. 1950
أقول: للقمر حالات، وأحياناً ينير الليل وأحياناً لا يؤثر في إنارته، فالاستعاذة في الأصل من الليل إذا ظهر لما يمكن أن يحويه من خطر، فكثيراً ما يستغل الليل للمفاجآت العسكرية وغيرها، وفي الليل لا يبصر الإنسان كثيراً من الأشياء التي يمكن أن تسبب له ضرراً، والقمر عند إظلامه لا يكون له تأثير في رفع الضرر أو تلافي الخطر ولذلك أشار رسول الله ﷺ إلى أن هذه الحالة مما تدخل في الاستعاذة لتنبيه الأمة الإسلامية على أن غسوق القمر أي إظلامه مما ينبغي أن يكون محل استعاذة لتحذر هذه الأمة، ويحذر أبناؤها من الأيام التي يطلع فيها القمر غاسقاً أي مظلماً غير مؤثرٍ في الإنارة.
٢٩٣٥ - * روى ابن خزيمة عن عُقبة بن عامر، قال: كنتُ أقودُ برسول الله ﷺ على راحلته في السفر، فقال: "يا عقبةُ ألا أُعلمُك خير سورتين قُرئتا؟ " قلت: بلى. قال: "قُلْ أعوذُ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس". فلما نزل صلى بهما صلاة الغداة، قال: "كيف رأيت يا عقبةُ" (١).
стр. 1951
(فوائد)
- من أشهر كتب التفسير عند أهل السنة والجماعة التفاسير التالية:
أولاً: تفسير ابن جرير الطبري وهو من أجل التفاسير وأصحها وأجمعها، كما أنه جمع من أصناف التحقيق ما ندر أن يوجد في غيره، قال النووي في تهذيب: (كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله، وهذا التفسير موجود إلى اليوم ومنتشر مطبوع وهو عمدة لأكثر المفسرين) واشتهر هذا التفسير أنه من نوع التفسير بالمأثور، والحق أنه جمع إلى جانب ذلك من المعقول ما لا يوجد في غيره.
ثانياً: الدر المنثور في التفسير المأثور: وهو للإمام جلال الدين السيوطي.
ثالثاً: تفسير ابن كثير: وهو من أصح التفاسير بالمأثور وهو مطبوع طبعات متعددة، وقد اختصره بعض أهل العصر، وقد حاولت في كتابي الأساس في التفسير أن استقصي أخذ فوائده وميزاته.
رابعاً: تفسير البغوي: ومؤلفه كان جامعاً بين الإمامة في التفسير والحديث والفقه.
خامساً: تفسير الجلالين: لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي.
سادساً: تفسير البيضاوي: وهو تفسير رفع وصاية الزمخشري المعتزلي في كتابه الكشاف عن أهل السنة والجماعة، وقد اهتم به العلماء اهتماماً كثيراً حتى إنه أحصى للمعلقين عليه حوالي خمس وسبعين حاشية، وهو على اختصاره لا يكاد يترك شيئاً إلا ذكره، إلا أنه أخذ عليه ذكر بعض الأحاديث الموضوعة في فضائل سور القرآن، وهو كتابٌ يصلح أن يكون مرجعاً للعلماء، بل إن كثيراً من العلماء لا يستطيعون فهمه وتفهيمه، وبعضهم يعتبر القدرة على فهمه ميزاناً يعرف به علم العالم، فقد أعتاد العلماء أن يدرسوه لطلاب العلم.
سابعاً: تفسير الإمام فخر الدين الرازي المسمى: مفاتيح الغيب، وفيه بحار من العلوم وكنوز من التحقيق لا يوجد في غيره، ولا يسلم من خطأ.
ثامناً: تفسير أبي السعود العمادي الحنفي المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن
стр. 1952
الكريم، وهو من أرقى التفاسير وشأنه كشأن تفسير البيضاوي.
تاسعاً: تفسير النسفي الحنفي المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأويل.
عاشراً: تفسير الألوسي: المسمى روح المعاني وفيه من عجائب التحقيق المدهش، وقد أدخل فيه معاني أراد بها جمع أقوال من سبقه بما في ذلك ما سُمي بالتفسير الإرشادي الذي أشرنا إلى خطورة الدخول فيه.
الحادي عشر: تفسير الخازن وهو لعلاء الدين علي بن محمد البغدادي، ويرى بعضهم أن فيه من الفوائد الكثيرة، وكان شيخنا محمد الحامد يعتمده كأصل للتدريس في حلقته، ومن ميزاته أنه إذا ذكر قصة أو رواية فيها أباطيل كر عليها وفندها.
الثاني عشر: تفسير الخطيب الشربيني المسمى السراج المنير في الإعانة على معرفة كلام ربنا الخبير، وصفه صاحب كتاب مناهل العرفان: بأنه كتاب عظيم يعني بثلاثة أشياء، تقرير الأدلة وتوجيهها، والكلام على المناسبات بين السور والآيات، وسرد كثير من القصص والروايات.
ومن التفاسير التي كان لها تأثير واسع في عصرنا ردت أناسي كثيراً إلى الإسلام بعد ردة عنه: كتاب: في ظلال القرآن لسيد قطب وقد حلق في إبراز عظمة هذا القرآن بنوع من البيان انفرد به في تاريخ الإسلام، وقد حاولنا كذلك أن نأخذ الكثير من غرر كلامه في تفسيرنا الأساس في التفسير.
من عجائب هذا القرآن أنك تجد النص في محله يعطيك معاني كثيرة، والنص في سياقه الأقرب يعطيك معاني، والنص في سياقه القريب يعطيك معاني، والنص في سياقه الخاص يعطيك معاني، ولكل سورة محورها وسياقها اللذان يعطيان من عثر عليهما معاني كثيرة وكل ذلك حاولنا إبرازه في تفسيرنا، ثم إن لكل سورة مجموعتها، ولكل مجموعة سُوَرٍ سياقُها، وللقرآن كله وحدته وسياقه العجيب المذهل الذي يعطيك معاني كثيرة، كل ذلك أبرزناه في تفسيرنا، فإذا ما أضفت إلى ذلك أن القراءات المتعددة للقرآن وتعدد مجال الوقف في آيات القرآن، تعطيك معاني كثيرة
стр. 1953
كذلك عرفت كيف أن هذا القرآن تتوالد منه معاني لا حصر لها، وهذه المعاني يكم لبعضها بعضاً فلا تتناقض، وهذا وحده شيء لا يدخل بعضه في قدرة البشر فكيف به مجتمعاً، فكيف إذا كان هذا بعض معجزات القرآن فكيف إذا أضيف هذا كله إلى كون القرآن معجزاً بأقصر سورة من سوره، فعليك يا أخي بهذا القرآن تعلماً وتعليماً، فهذه ميزة الربانيين الذين يركزون في تعليمهم على القرآن أكثر مما يركزون على أي شيء آخر. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (١).
- ذكرنا أن هناك كتباً تسمى بالتفسير الإشارية وهي ليست من التفسير في شيء، وإن هناك كتباً في التفسير أدخلت التفسير الإشاري في مضمونها، وقد جرت العادة أن الصوفية هم الذين يهتمون بهذا النوع من الكلام وهو نوع من أنواع تداعى الأفكار بمناسبة قراءة القرآن، وهي في الأصل محاولة لتذكير السالك إلى الله بمعانٍ ترتبط باصطلاحات الصوفية في السلوك، وهذا الموضوع خطير جداً، فكثير من هذا التفسير الإشاري يكفر صاحبه إذا اعتقد أنه مراد الله من الآية، ثم ن بعض الصوفية ركزوا على هذا النوع من التفسير وأهملوا التفسير الحقيقي، وبعض من هؤلاء وصل إلى أن يشارك الفرق الباطنية الكافرة في اعتقادها أن للقرآن باطناً يخالف الظاهر، وأن االباطن هو المراد وقد وصل بعض الجاهلين إلى أن يستبيحوا لأنفسهم بحجة التفسير الإشاري، أن يقولوا بهذا القرآن بلا علم ولا حجة فدخلوا بذلك في دائرة يخشى على من تجاوز الحد فيها أن يكون من الكافرين وقد نبه صاحب مناهل العرفان على الشروط التي يكون التفسير الإشاري فيها مقبولاً، فإذا اختل شرط دخل الإنسان في دائرة الخطر إذا اعتقد أن ذلك تفسير للقرآن الكريم قال ﵀: إن التفسير الإشاري لا يكون مقبولاً إلا بشروط خمسة وهي:
(١) ألا يتنافى وما يظهر من معنى النظم الكريم.
(٢) ألا يُدعى أنه المراد وحده دون الظاهر.
(٣) ألا يكون تأويلاً بعيداً سخيفاً، كتفسير بعضم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يجعل كلمة "لمعَ" فعلاً ماضياً. وكلمة "المحسنين" مفعوله.
стр. 1954
(٤) ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي.
(٥) أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.
كذلك اشترطوا. بيد أن هذه الشروط متداخلة، فيمكن الاستغناء بالأول عن الثالث، وبالخامس عن الرابع. ويحسن ملاحظة شرطين بدلهما أحدهما بيان المعنى الموضوع له اللفظ الكريم أولاً. ثانيهما ألا يكون من وراء هذا التفسير الإشاري تشويش على المفسر له.
ثم إن هذه شروط لقبوله بمعنى عدم رفضه فحسب، وليست شروطاً لوجوب اتباعه والأخذ به. ذلك لأنه لا يتنافى وظاهر القرآن، ثم إن له شاهداً يعضده من الشرع، وكل ما كان كذلك لا يرفض. وإنما لم يجب الأخذ به لأن النظم الكريم لم يوضع للدلالة عليه، بل هو من بيل الإلهامات التي تلوح لأصحابها غير منضبطة بلغة، ولا مقيدة بقوانين. اهـ من مناهل العرفان.
أقول: هناك دقائق يفهمها من فتح الله عليه في فهم القرآن تدخل في الفم الصحيح للقرآن فهذه من التفسير المقبول ولا تعتبر من التفسير الإشاري، فالتفسير الإشاري هو ما تجاوز ذلك فلابد من الاعتقاد أن هذا النوع الذي يسمونه التفسير الإشاري ليس تفسيراً للقرآن ولا يحتمله النص القرآني لا من قريب ولا من بعيد ومن لم يعتقد ذلك فإنه يدخل إما في دائرة ضلال أو كفر على حسب نوع الكلام الذي يقوله من حيث قربه أو بعده عن التفسير الصحيح للقرآن الكريم.
- قال السيوطي في تبيان شرف علم التفسير:
قد أجمع العلماء أن التفسير من فروض الكفايات وأجلّ العلوم الثلاثة الشرعية. وقال الأصبهاني: أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن. بيان ذلك أن شرف الصناعة: إما بشرف موضوعها مثل الصياغة فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة. وإما بشرف غرضها مثل صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة الكناسة لأن غرض الطب إفادة الصحة وغرض الكناسة تنظيف المستراح. وإما بشدة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة
стр. 1955
إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات. إذا عرف ذلك فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث. أما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه. وأما من جهة الغرض فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى. وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى. اهـ.
- زعم قوم أن القرآن من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تفسير ثم بدؤوا يفسرون القرآن من عند أنفسهم فضلوا وأضلوا، ويكفي لبطلان هذا القول أن نقرأ قوله تعالى: ﴿﴾ (١). وقوله تعالى بمناسبة الكلام عن المتشابه: ﴿﴾ (٢). وقوله تعالى في معرض المنة على هذه الأمة: ﴿﴾ (٣) فهاهنا ذُكِرَتْ تلاوة وذُكِرَ تعليم، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿﴾ (٤) فالحاجة إلأى علم التفسير قائمة، ولذلك فقد أكدنا في كثير من كتبنا على ضرورة الحلقات القرآنية تلاوة وحفظاً وتفسيراً، وقد عق دالسيوطي فصلاً لتبيان وجه الحاجة إلى علم التفسير فقال:
وأما وجه الحاجة إليه فقال بعضهم: اعلم أن من المعلوم أن الله إنما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه أنزل كتابه على لغتهم. وإنما احتيج إلى التفسير [لأن] القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره
стр. 1956
وأحكامه. أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر كسؤالهم لما نزل قوله - ولم يلبسوا إيمانهم بظلم - فقالوا وأينا لم يظلم نفسه، ففسره النبي صلى الله عليه وسلمبالشرك، واستدل عليه بقوله - إن الشرك لظلم عظيم - وكسؤال عائشة عن الحساب اليسير فقال: ذلك العرض. وكقصة عديّ بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود وغير ذلك مما سألوا عن آحاد منه، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على لك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير علم، فنحن أشد الناس احتياجاً إلى التفسير. ومعلوم أن تفسير بعضه يكون من قبل الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها، وبعضه من قبل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض اهـ. وقال الجويني: علم التفسير عسر يسير، أما عسره فظاهر من وجوه أظهرها أنه كلام متكلم لم تصل النسا إلى مراده بالسماع منه ولا إمكان الوصول إليه، بخلاف الأمثال والأشعار ونحوها فإن الإنسان يمكن علمه منه إذا تكلم بأن يسمع منه أو ممن سمع منه. وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول ﷺ ، وذلك متعذر إلا في آيات قلائل، فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل، والحكمة فيه أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده في كتابه فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد في جميع آياته.
- مما وقع فيه أهل الكتاب من ضلال أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وأنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقد وجد في عصرنا ناس تجاوزوا كل حد فقالوا بأن المراد من الصفا: الصفاء، ومن المروة: المروءة، ووجد في عصرنا من ألغى السنة بحجة الاكتفاء بالقرآن، بينما السنة هي الشارحة للقرآن، وكثير من الأوامر والنواهي لا تعرف تفصيلاتها من دون السنة، وهذا غيض من فيض من ضلالات العصر، فإذا ما اجتمع إلى مثل هذه الضلالات أن المؤسسات العلمية الإسلامية نفسها اختلط الحابل بالنابل في مجموع الأفكار التي تقدمها لروادها، وقل مثل ذلك في كثير من مناهج الحركات الإسلامية عرفت ضرورة ما دعونا إليه من إيجاد حلقات لطلاب الربانية، وسير للربانية على ضوء منهج مستقيم يجمع بين ثقافة أهل السنة والجماعة المتوارثة وبين الثقافة الإسلامية الصحيحة التي يقضتيها العصر.
стр. 1957
الجزء الرابع
من قسم العبادات الرئيسية في الأذكار والدعوات
وفيه مقدمة وأبواب
المقدمة.
стр. 1958
مقدمة
إذا كانت الحكمة من العبادات إقامة ذكر الله فلا عجب أن يكون للذكر المحل الكبير في دين الله ، ولا عجب أن تستغرق الأذكار حيزاً كبيراً من السنة النبوية، بل إنك لتجد للذكر ذكراً حيثما تلوث كتاب الله أو قرأت في السنة النبوية، إنه لمن النادر أن نجد موضوعاً من موضوعات السنة النبوية الرئيسية إلا وللذكر فيه وجود، ومن ههنا فإننا سنقتصر في هذا الجزء على ما يعتبر ذكراً خالصاً مما لا يمر معنا بمناسبات هي ألصق به.
وإنك لتجد في هذا الجزء الذي هو في الأذكار والدعوات ما هو من معجزات الإسلام، إذ تعرفك الأذكار والدعوات على الله ، وهذا هو المقصود الأكبر من الذكر، كما تعرفك الدعوات والاستعاذات على كل ما يعتبر خيراً في حق الإنسان وعلى كل ما يعتبر شراً، ومن ههنا كان للأذكار والدعوات صلة كبيرة بموضوع تزكية النفس بالإسلام، بل إنه من المستحيل عادة أن تتم تزكية النفس إلا بذكر ودعاء، فإذا عرفت أن معرفة الله وتزكية النفس من أعظيم فرائض الإسلام عرفت محل الذكر والدعاء في الإسلام.
إنه لا طمأنينة قلب إلا بذكر ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١)، ولا اقتداء برسول الله ﷺ إلا بذكر ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢) ويكفيك هذا لتعرف أهمية الذكر في دين الله .
وإذا كانت الصلاة هي أرقى العبادات العملية في الإسلام وإذا كان المطلب الأعلى من الصلاة هو الذكر ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) فإن الذكر خارج الصلاة استمرار للصلاة فهو يحقق مقاصدها، وتلاوة القرآن ذكر، والدعاء ذكر وزيادة، لذلك جعلنا كتاب تلاوة القرآن وكتاب الأذكار والدعوات بعد كتاب الصلاة مباشرة، وهناك أذكار أخرى غير الذي تضمن هذا الكتاب تذكر حيث المكان الألصق بها، لأن أعمال الإسلام كلها ذكر ويرافقها في الغالب ذكر، ولذلك فإن استقصاء الأذكار والدعوات في محل واحد قد لا يكون هو
стр. 1959
الأحكم، لذلك أدخلنا أذكار الصلاة ودعواتها في الصلاة، وأدخلنا الكلام عن أسماء الله الحسنى واسمه الأعظم والدعاء بذلك في قسم العقائد كما أدخلنا موضوع الرقي وهي من الدعوات هناك، وسنجد أذكاراً ودعوات في مناسباتها في الصوم والزكاة والحج والجهاد والنكاح ... وذلك أن هناك أمكنة ألصق بأذكار ودعوات، وجعلنا في هذا الكتاب ما سوى ذلك، وهذه معالك حول الذكر نتقدم بها بين يدي هذا الجزء:
١ - قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (١) وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢) دلت هذه الآية على أن التأسي برسول الله ﷺ منوط بالذكر الكثير، وقال تعالى ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٣) أي انقطع إليه انقطاعاً، واسم الرب الأول هو لفظ الجلالة (الله) فمن قال الله فقد ذكر الله وذلك من ذكر الله في أي معرض فقد ذكر اسم الله سواء في ذلك بالاستغفار أو بالتسبيح أو بالصلاة على رسول الله ﷺ أو فيما سوى ذلك من الأذكار المأثورة وما وافقها.
٢ - هناك نصوص تحدثت عن ذكر محض ونصوص تحدثت عن دعاء محض ونصوص تحدثت عن ذكر ودعاء، والذكر في الحقيقة دعاء ولذلك ورد (أفضل الدعاء الحمد لله) أخرجه الترمذي (٣٢٨٠) وحسنه وقد رأينا قوله تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فالدعاء ذكر ولذلك دمجنا الكلام عن الأذكار والأدعية في جزء واحد وجعلنا هذا الجزء بعد جزء القرآن وجلنا الكتابين بعد الصلاة لأن قراءة القرآن والذكر والدعاء ألصق شيء في الصلاة بل الصلاة هي المظهر الأعلى لذكر الله حالاً ومقالاً وهي بما فيها من أذكار وما تستتبعه وما يلزم لها من أذكار وأدعية تكاد تستقطب أكثر الأذكار الواردة في السنة بل هي تحقيق لكثير من الأوامر القرآنية بالذكر وما يدخل فيه، فالصلة واضحة بينها وبين ما ذكرناه بعدها أي هذا الكتاب والذي قبله.
стр. 1960
٣ - ويأتي الذكر في النصوص ويراد به أحياناً التطبيق الشامل لكتاب الله وسنة رسوله ويراد به أحياناً العلم، فالعلم بالكتاب والسنة ذكر والتعليم ذكر والالتزام بالأمر وترك النهي ذكر وهذا أوسع ما ترد فيه كلمة الذكر، ثم يأتي الذكر بمعنى أقل عموماً فيدخل فيه القرآن والعبادات التي فيها ذكر مباشر لله ، ويأتي الذكر بمعنى أخص من هذا وهو الذكر اللساني المباشر لله وهذا هو مضمون هذا الكتاب، ويأتي الذكر ويراد به التذكر، وإذن فليس كل ذكر ورد في الكتاب والسنة ذكر في هذا الجزء.
٤ - ونلاحظ في هذا الكتاب أن بعض النصوص وضعت الذكر في مقام أرقى من بعض الأعمال كالجهاد مثلاً وعلينا أن ننبه في هذا الموضوع وغيره إلى ما يلي:
أ- أن الذكر في حق بعض الناس قد يكون أرقى من عمل آخر في حقهم، بينما يكون العمل الآخر في حق آخرين أرقى وذلك كأن يكون إنسان يفترض عليه عيناً أن يجاهد بينما الذكر في حقه مندوب فمثل هذا لا شك أن الجهاد في حقه أرقى.
ب- قد يكون الذكر في حق بعض الناس هو حق الوقت بينما هو في حق غيرهم ليس كذلك، فمن كان الذكر عندهم هو حق الوقت فهؤلاء الذكر في حقهم هو الأرقى.
ج- قد يكون الذكر في حق بعض الناس شرطاً للوصول إلى الإخلاص أو للتحرر من أمراض وبالتالي فلم يعد الذكر في حق هؤلاء من باب النوافل بل هو من باب الفرائض الكبرى لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبالتالي عندما يكون جهاد الإنسان غير مقبول بسبب أمراضه القلبية. فالذكر في حقه هو الأفضل لأنه وسيلة العمل المقبول. فإذا كان الجهاد في حقه فريضة فعليه في هذه الحالة فريضتان: فريضة الذكر الموصل إلى سلامة القلب وفريضة الجهاد.
وهذا نموذج على ما ينبغي أن تفهم فيه بعض النصوص، وعلى كل الأحوال فإن علينا أن نعرف أن الأحاديث التي تحض على الذكر مفضلة إياه على غيره هدفها تربية المسلم على العمل وأن يرافق الذكر العمل فلا يعرض عن الذكر في العمل ولا يعطل العمل المطلوب.
٥ - وعلينا أن ننتبه كثيراً في موضوع الأذكار والدعاء إلى قضيتين: القضية الأولى ما في
стр. 1961
الأدعية والأذكار من تعريف لنا على الله ، وما في الأدعية المأثورة والأذكار من دلالة على أهم ما يطلبه الإنسان من الله، فإذا ما قرأنا الاستعاذات مثلاً عرفنا أهم الأشياء التي ينبغي أن يحرص المسلم على الفرار منها، وإذا قرأنا الأدعية المطلقة فهمنا أهم الأشياء التي ينبغي أن يحرص المسلم عليها، وأنه من خلال الأذكار والدعوات يكاد الإنسان أن يتعرف على أهم الأمور في الإسلام.
ملاحظة: مر معك في قسم العقائد بعض الأذكار والدعوات في أكثر من مناسبة كالكلام عن فضل لا إله إلا الله وكالكلام عن الرقي والتمائم، ومر معك في جزء الصلوات أدعية الصلاة وأذكارها وستمر معك في أجزاء الزكاة والصوم والحج والجهاد من هذا القسم الأذكار المتعلقة بها، وسيمر معك في قسم الحياتيات الأذكار المتعلقة بالسفر وبالطعام والشراب واللباس والمرض والموت وإنما أشرنا إلى هذا ههنا لأن العادة جرت أن تذكر هذه الدعوات والأذكار في كتب الأذكار، لكن رأينا أن نلحقها بمواضعها لأن ذكرها مع مواضيعها أليق بها.
وهذه أبواب هذا الجزء:
الباب الأول: في فضل الذكر وفضل مجالسه.
الباب الثاني: في فضل الدعاء وبعض أحكامه وآدابه.
الباب الثالث: في بعض أذكار الصباح والمساء ودعواتهما.
الباب الرابع: في أدعية عامة وفيه مقدمة وفصلان:
الفصل الأول: في أدعية مطلقة.
الفصل الثاني: في الاستعاذات.
الباب الخامس: في أذكار مطلقة وفيه مقدمة وفصول:
الفصل الأول: في التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والحوقلة.
стр. 1962
الفصل الثاني: في الاستغفار.
الفصل الثالث: في الصلاة على النبي ﷺ .
الباب السادس: في أذكار ودعوات مقيدة بمناسبة أو حال، وفيه الفصول التالية:
الفصل الأول: في بعض أدعية النوم والاستيقاظ وأذكارهما.
الفصل الثاني: في بعض أدعية الدخول إلى البيت والمسجد والخروج منهما.
الفصل الثالث: في بعض آداب المجالس ودعواتها.
الفصل الرابع: في أدعية الكرب والهم والفزع.
الفصل الخامس: في ما يقال عند مناسبة أو حال أو عمل سوى ما مر أو سيمر معنا في مناسبته.
стр. 1963
الباب الأول
فضل الذكر وفضل مجالسه
стр. 1964
٢٩٣٦ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم- وهو أعلم بهم-: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً. قال: فيقول: فما يسألون؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة. قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يارب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة قال: فمم يتعوذون؟ قال: يتعوذون من النار. قال فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد منها مخافة. قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم".
ورواية مسلم قال: "إن الله ﵎ ملائكة سيارة فضلاً يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله وهو أعلم-: من أين جئتم؟ فيقولون:
стр. 1965
جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك. قال: فماذا يسألوني؟ قال: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا، يارب قال: وكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيروني؟ قالوا: من نارك يارب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك قال: فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا. قال: يقولون: ربنا، فيهم فلان، عبد خطاء. إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
قال النووي في (شرحه علي مسلم ١٧/ ١٥): وفي هذا الحديث فضيلة الذكر وفضيلة مجالسه والجلوس مع أهله وإن لم يشاركهم وفضل مجالسة الصالحين وبركتهم.
وقال ابن حجر في (الفتح ١١/ ٢٠٩) بعد الحديث:
والمراد بالذكر هنا الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويطلق ذكر الله أيضاً ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة.
وقال في (الفتح ١١/ ٢١٢):
وقوله (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك) زاد إسحاق وعثمان عن جرير "ويمجدونك" وكذا لابن أبي الدنيا، وفي رواية أبي معاوية "فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك" وفي رواية الإسماعيلي "قالوا ربنا مررنا بهم وهم يذكرونك إلخ" وفي رواية سهيل "جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك