← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الأدعية والأذكار من تعريف لنا على الله ، وما في الأدعية المأثورة والأذكار من دلالة على أهم ما يطلبه الإنسان من الله، فإذا ما قرأنا الاستعاذات مثلاً عرفنا أهم الأشياء التي ينبغي أن يحرص المسلم على الفرار منها، وإذا قرأنا الأدعية المطلقة فهمنا أهم الأشياء التي ينبغي أن يحرص المسلم عليها، وأنه من خلال الأذكار والدعوات يكاد الإنسان أن يتعرف على أهم الأمور في الإسلام. ملاحظة: مر معك في قسم العقائد بعض الأذكار والدعوات في أكثر من مناسبة كالكلام عن فضل لا إله إلا الله وكالكلام عن الرقي والتمائم، ومر معك في جزء الصلوات أدعية الصلاة وأذكارها وستمر معك في أجزاء الزكاة والصوم والحج والجهاد من هذا القسم الأذكار المتعلقة بها، وسيمر معك في قسم الحياتيات الأذكار المتعلقة بالسفر وبالطعام والشراب واللباس والمرض والموت وإنما أشرنا إلى هذا ههنا لأن العادة جرت أن تذكر هذه الدعوات والأذكار في كتب الأذكار، لكن رأينا أن نلحقها بمواضعها لأن ذكرها مع مواضيعها أليق بها. وهذه أبواب هذا الجزء: الباب الأول: في فضل الذكر وفضل مجالسه. الباب الثاني: في فضل الدعاء وبعض أحكامه وآدابه. الباب الثالث: في بعض أذكار الصباح والمساء ودعواتهما. الباب الرابع: في أدعية عامة وفيه مقدمة وفصلان: الفصل الأول: في أدعية مطلقة. الفصل الثاني: في الاستعاذات. الباب الخامس: في أذكار مطلقة وفيه مقدمة وفصول: الفصل الأول: في التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والحوقلة.

стр. 1962

الفصل الثاني: في الاستغفار. الفصل الثالث: في الصلاة على النبي ﷺ . الباب السادس: في أذكار ودعوات مقيدة بمناسبة أو حال، وفيه الفصول التالية: الفصل الأول: في بعض أدعية النوم والاستيقاظ وأذكارهما. الفصل الثاني: في بعض أدعية الدخول إلى البيت والمسجد والخروج منهما. الفصل الثالث: في بعض آداب المجالس ودعواتها. الفصل الرابع: في أدعية الكرب والهم والفزع. الفصل الخامس: في ما يقال عند مناسبة أو حال أو عمل سوى ما مر أو سيمر معنا في مناسبته.

стр. 1963

الباب الأول فضل الذكر وفضل مجالسه

стр. 1964

٢٩٣٦ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم- وهو أعلم بهم-: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً. قال: فيقول: فما يسألون؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة. قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يارب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة قال: فمم يتعوذون؟ قال: يتعوذون من النار. قال فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد منها مخافة. قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم". ورواية مسلم قال: "إن الله ﵎ ملائكة سيارة فضلاً يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله وهو أعلم-: من أين جئتم؟ فيقولون:

стр. 1965

جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك. قال: فماذا يسألوني؟ قال: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا، يارب قال: وكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيروني؟ قالوا: من نارك يارب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك قال: فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا. قال: يقولون: ربنا، فيهم فلان، عبد خطاء. إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم". قال النووي في (شرحه علي مسلم ١٧/ ١٥): وفي هذا الحديث فضيلة الذكر وفضيلة مجالسه والجلوس مع أهله وإن لم يشاركهم وفضل مجالسة الصالحين وبركتهم. وقال ابن حجر في (الفتح ١١/ ٢٠٩) بعد الحديث: والمراد بالذكر هنا الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويطلق ذكر الله أيضاً ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة. وقال في (الفتح ١١/ ٢١٢): وقوله (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك) زاد إسحاق وعثمان عن جرير "ويمجدونك" وكذا لابن أبي الدنيا، وفي رواية أبي معاوية "فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك" وفي رواية الإسماعيلي "قالوا ربنا مررنا بهم وهم يذكرونك إلخ" وفي رواية سهيل "جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك

стр. 1966

ويحمدونك ويسألونك" وفي حديث أنس عند البزار "ويعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم" ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما وعلى تلاوة كتاب الله وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر، والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما والتلاوة حسب، وإن كانت قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى. ٢٩٣٧ - * روى الطبراني عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله جل ذكره: لا يذكرني عبد في نفسه إلا ذكرته في ملأ من ملائكتي ولا يذكرني في ملأ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى". ٢٩٣٨ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: الله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: الله ما أجلسنا غيره، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من

стр. 1967

أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا، قال: الله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل، فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة". ٢٩٣٩ - * روى مسلم عن الأغر أبي مسلم ﵀ قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده". هذه النصوص أصول في الحض على الاجتماع على الذكر وعلى حضور مجالسه وقد تكلف ناس فحملوا هذه النصوص على أنها في مجالس العلم وذلك خلاف الظاهر، كما قال ابن حجر (١١/ ٢١٢) وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر. ا. هـ وما يروى عن ابن مسعود ﵁ مذهب صحابي فإذا عارض النصوص قدمت النصوص، ومن ههنا كثرت اجتهادات العلماء والمربين في ما يدخل في مجالس الذكر، وأخذ أهل السلوك هذا المعنى واعتبروه أصلاً في السير إلى الله. ٢٩٤٠ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة".

стр. 1968

٢٩٤١ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". قال النووي في (شرح مسلم (١٧/ ٢): قال المازري: النفس تطلق في اللغة على معان .. ومنها الذات والله تعالى له ذات حقيقة وهو المراد بقوله تعالى (في نفسي). وقال ابن حجر في (الفتح ١٣/ ٣٨٤): في (لا أعلم ما في نفسك) أي لا أعلم ما عندك. وقال (٣/ ٥١٣): قال ابن بطال: وصف العبد بالتقرب إليه شبراً وذراعاً وإتيانه ومشيه معناه التقرب إليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله ويكون تقربه سبحانه من عبده وإتيانه والمشي عبارة عن إثابته على طاعته وتقربه من رحمته، ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعاً. ا. هـ. وانظر شرح النووي على (مسلم ١٧/ ٣) ٢٩٤٢ - * روى عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال "قال الله ﵎ يا ابن آدم إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير من الذين ذكرتني فيهم".

стр. 1969

٢٩٤٣ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله: "يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منه وإن دنوت مني شبراً دنوت منك ذراعاً وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعاً وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول" قال قتادة والله تعالى أسرع بالمغفرة. ٢٩٤٤ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر". ٢٩٤٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن بسر ﵁ "أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أبواب الخير كثيرة، ولا أستطيع القيام بكلها، فأخبرني بشيء أتشبث به، ولا تكثر علي فأنسى- وفي رواية: إن شرائع الإسلام قد كثرت، وأنا قد كبرت، فأخبرني بشيء أتشبث به، ولا تكثر علي فأنسى- قال: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله تعالى". ٢٩٤٦ - * روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه: مثل الحي والميت" كذا عند مسلم، وعند البخاري "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه: مثل الحي والميت".

стр. 1970

٢٩٤٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له: جمدان، فقال: "سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذكرات". ٢٩٤٨ - * روى مالك عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال النبي ﷺ "ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله". أقول: وإنما كان ذكر الله بهذه المثابة لأنه شرط الوصول إلى طمأنينة القلب باليقين وذلك المطلوب الأعظم في الشريعة ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١) ثم هو طريق الوصول إلى الإخلاص الذي لا تقبل الأعمال بدونه وقد غلط ناس أقبلوا على الذكر وتركوا الفرائض أو تساهلوا في المحرمات وإنما كان للذكر هذا المقام لأنه يساعد على إقامة الفرائض وترك المحرمات: (إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) (٢). قال الباجي في (المنتقى ١/ ٣٥٥): قوله: ذكر الله تعالى يحتمل معاني لأن ذكر الله على ضربين: أحدهما ذكر باللسان والثاني ذكر عند الأوامر بامتثالها وعند المعاصي باجتنابها وهو ذكر، والذكر باللسان على ضربين: واجب ومندوب إليه فالواجب قراءة أم القرآن في الصلاة والتكبير والتسليم فيها وما جرى مجرى ذلك،

стр. 1971

والمندوب إليه سائر الأذكار من قراءة القرآن والتسبيح والتهليل وغير ذلك فأما الواجب من الذكر فيحتمل أن يفضل على سائر أعمال البر من الجهاد والزكاة وغيرها فيقال إن ثواب المصلي أكثر من ثواب غيره إما على الإطلاق وإما في وقت من الأوقات أو على حال من الأحوال وأما المندوب إليه فيحتمل أن يفضل على سائر أعمال البر المندوب إليها لمعنيين أحدهما: أن الثواب عليه أعظم وهذا طريقه الخبر والثاني: كثرة تكرره وهذا يعرف بالمشاهدة والنظر. وقال في "الفتح" بعد أن ذكر أنه قد يستشكل حديث أبي الدرداء هذا مع حديث .. المجاهد كالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر، وغير ذلك مما يدل على أفضلية الجهاد على غيره من الأعمال الصالحة، (١١/ ٢١٠): وطريق الجمع- والله أعلم- أن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلاً من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك كمن يذكر الله بلسانه وقلبه واستحضاره، وكل ذلك حال صلاته أو في صيامه أو تصدقه أو قتاله الكفار مثلاً فهو الذي بلغ الغاية القصوى، والعلم عند الله تعالى، وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي بأنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله بقلبه عند صدقته أو صيامه مثلاً فليس عمله كاملاً، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية. ٢٩٤٩ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ قال: "ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله".

стр. 1972

٢٩٥٠ - * روى البزار عن أنس قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ إنا إذا كنا عند النبي ﷺ رأينا في أنفسنا ما نحب فإذا رجعنا إلى أهلنا وخالطناهم أنكرنا أنفسنا فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "لو تدومون على ما تكونون عندي في الخلاء لصافحتكم الملائكة بأجنحتها ولكن ساعة وساعة". ٢٩٥١ - * روى مسلم عن حنظلة بن الربيع ﵁ قال: "كنا عند رسول الله ﷺ فذكر النار، ثم جئت إلى البيت، فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر، فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، نافق حنظلة، فقال: مه؟ فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: يا حنظلة، ساعة وساعة، لو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق". (نافق حنظلة): معناه أنه خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي ﷺ ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقاً فأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس بنفاق وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك. (ساعة وساعة) أي ساعة كذا وساعة كذا .. ذكره النووي في (شرح مسلم ١٧/ ٦٦ - ٦٧). ٢٩٥٢ - * روى الترمذي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله: أخرجوا من النار من ذكرني يوماً، أو خافني في مقام".

стр. 1973

٢٩٥٣ - *روى أبو داود عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله". هذه رواية أبي داود، وفي رواية (١) الترمذي: "إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله" وزاد (٢) الحاكم "لا لغيره"، وفي رواية (٣) ابن خزيمة "ليس لغيره". ٢٩٥٤ - *روى مسلم عن عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه". ٢٩٥٥ - *روى أحمد عن أبي سعيد رفعه: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون".

стр. 1974

فوائد ذكر ابن القيم في كتابه (الوابل الصيب من الكلم الطيب) تسعاً وسبعين فائدة من الذكر فذكر: أن الذكر يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره، وأنه يرضي الرحمن ، وأنه يزيل الهم والغم عن القلب، وأنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط، وأنه يقوي القلب والبدن، وأنه ينور الوجه والقلب، وأنه يجلب الرزق، وأنه يكسو صاحبه المهابة والحلاوة والنضرة، وأنه يورث محبة الله للعبد ومحبة العبد لله، ومحبة المسلم لإخوانه المسلمين، وأنه يورث المراقبة ومقام الإحسان، وأنه يورث الإنابة، ويورث القرب من الله ، وأنه يوصل إلى المعرفة بالله، وأنه يورث الخوف من الله والهيبة منه، والإجلال له، وأن الذاكر بالذكر يكون من المذكورين من قبل الله، وأن الذكر يورث حياة القلب وطمأنينته، وأنه غذاء القلب والروح، وأنه يزيل الصدأ عن القلب، ويحط الخطايا ويذهبها، ويورث الأنس بالله، ويزيل الوحشة بين العبد وربه، وأنه سبب لإزالة الشدة، وأنه ينجي من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة، وأنه سبب تنزيل السكينة وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بالذاكر، وأنه سبب ينشغل به اللسان عن الغيبة والنميمة وآفات اللسان كلها، وأن مجالس الذكر مجالس الملائكة، وأنه يسعد صاحبه ويسعد من جالسه، وبه يخرج العبد من الحسرة يوم القيامة، وأنه إذا اجتمع معه بكاء يكون سبباً في إظلال الله له يوم القيامة، وأن الاشتغال به سبب للمنح الإلهية الظاهرة والباطنة ولو لم يطلبها العبد، وأنه مع فضله العظيم أيسر العبادات، وأنه غراس الجنة، وأنه قد رتب عليه من الأجر والثواب ما لم يرتب على كثير من غيره من الأعمال، وأن الذاكر بذكره تكفل الله له ألا ينساه من فضله، وأن الذكر مستطاع للإنسان في كل الأحوال فهو العبادة التي يمكن أن يلازمها الإنسان في كل الأحوال، وأن الذكر يورث الذاكر التمييز بين الحق والباطل، فصاحبه على نور في الدنيا وعلى نور في الآخرة، وأن الذكر منشور الولاية والأصل الأصيل في السير إلى الله، وأن للقلب حاجات لا يسدها إلا الذكر، وأن الذكر يجمع القلب على الله ويزيل عن القلب تأثره بالأغيار وتشتته بسبب هذه الأغيار، وهو في الوقت نفسه يزيل عن القلب غفلته وسهاده، والذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر

стр. 1975

إليها السالكون، والذاكر قريب من ربه وربه معه، والذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال، والحمل على الخيل في سبيل الله، ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله، والذكر رأس الشكر، فأكرم الخلق على الله من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكره، والذكر يزيل قسوة القلب، ولم تستجلب نعم الله ولم تدفع نقمه بمثل الذكر، والذكر يصلي الله وملائكته على صاحبه، ومجالس الذكر في الدنيا هي رياض الجنة، فمن حضرها فهو في جنات الدنيا يشم منها طيب الآخرة، وبحضوره مجالس الذكر يجالس الملائكة، بل يباهي به الله ملائكته، والمداوم على الذكر يدخل الجنة وهو يضحك، وهذه خصوصية لأهل الذكر، ومن تأمل شريعة الله عرف أن جميع الأعمال شرعت لذكر الله، وأفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً، وإن إدامة الذكر تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء كانت مالية أو بدنية أو مالية بدنية، وذكر الله يساعد على الطاعة في الشأن كله ويسهل الصعب، وييسر العسير، ويخفف المشاق، والذكر يعطي الذاكرة قوة حسية ومعنوية، والذاكرون هم أسبق الخلق إلى الله وإلى جناته، والذكر يعطي الذاكرة قوة حسية ومعنوية، والذاكرون هم أسبق الخلق إلى الله وإلى جناته، والذكر سبب في أن يصدق الرب عبده، وأن دوراً في الجنة تبنى بالذكر، وبالذكر تتقى النار، وأن الملائكة تستغفر للذاكر، وكل شيء في الأرض يستبشر بمن يذكر الله ، والذكر أمان للعبد من النفاق، وللذكر لذة قلبية لا يشبهها شيء، وأنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونوراً في الآخرة، ومن أكثر من الذكر كثرت شهوده يوم القيامة، والذكر جنة حصينة من الدنيا والشياطين والأهوال، وبذكر اسم الله وصفاته يتذكر الإنسان الله عند الأمر والنهي، والذكر دعاء ضمني لله .

стр. 1976

الباب الثاني فضل الدعاء وبعض أحكامه وآدابه

стр. 1977

٢٩٥٦ - * روى الترمذي عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١). وفي رواية (٢) أبي داود قال: "الدعاء هو العبادة" قال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. أقول: معرفة الله ومعرفة صفاته هي أرقى ما كلف به المكلف، ومعرفة أن مقام العبودية للإنسان هو أرقى مقاماته، هذه المعرفة هي لباب التكليف، والدعاء إقرار عملي بوجود الله وصفاته واتصافه بالصفات العليا والأسماء الحسنى، كما أنه المظهر الأسمى لافتقار الإنسان ولإقراره بمقام العبودية لله ، ولهذا وغيره كان الدعاء هو العبادة وهذا لا ينفي أن يدخل في العبادة غير الدعاء، ولكنه تبيان لأهمية الدعاء في باب العبادة. قال في (عون المعبود ١/ ٥٥١): الدعاء هو العبادة أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه قائماً بوجوب العبودية معترفاً بحق الربوبية عالماً بنعمة الإيجاد طالباً لمدد الإمداد على وفق المراد وتوفيق الإسعاد وكذا في المرقاة. ٢٩٥٧ - *روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء".

стр. 1978

٢٩٥٨ - *روى أبو يعلى عن أنس أنه حدث أن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني". ٢٩٥٩ - * روى البزار عن أنس أن النبي ﷺ مر بقوم مبتلين فقال "أما كان هؤلاء يسألون الله العافية". ٢٩٦٠ - *روى أبو يعلى عن أبي هريرة قال "إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء". ٢٩٦١ - *روى أحمد عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد (شك الأعمش) قال: قال رسول الله ﷺ "إن لله تعالى عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة". وفي رواية (١) عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "إن لله في كل يوم وليلة عتقاء من النار في شهر رمضان وإن لكل مسلم دعوة يدعو بها فيستجاب له". ٢٩٦٢ - * روى الترمذي عن سلمان الفارسي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر". أقول: ما كان في علم الله فإنه لا يطرأ عليه تغيير، وما كان في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير ولا يتبدل، وإنما التغيير والتبدل ممكنان بالنسبة لعلم العباد فزيادة العمر أو

стр. 1979

رد القضاء متصوران بالنسبة لصحف الملائكة وعلى هذا يحمل رد القضاء أو زيادة العمر الواردان في الحديث، ومن العلماء من حمل زيادة العمر على أن المراد بها البركة فيه. قال في فيض القدير (٦/ ٤٤٩ - ٤٥٠): أراد بالقضاء هنا الأمر المقدر لولا دعاؤه .. (ولا يزيد في العمر إلا البر) يعني العمر الذي كان يقصر لولا بره أو أراد بزيادته البركة فيه فعلى الأول يكون الدعاء والبر سببين من أسباب السعادة والشقاوة ولا ريب أنهما مقدران أيضاً قال القاضي: مر أن القضاء قسمان جازم لا يقبل الرد والتعويق ومعلق وهو أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً ما لم يرده عائق وذلك العائق لو وجد كان ذلك أيضاً قدراً مقضياً، وقيل المراد بالقضاء ما يخاف نزوله وتبدو طلائعه وأماراته من الكاره والفتن ويكون القضاء الإلهي خارجاً بأن يصان عنه العبد الموفق للخير فإذا أتى به حرس من حلول ذلك البلاء فيكون دعاؤه كالراد لما كان يظن حلوله ويتوقع نزوله. قال النووي في (الأذكار ٣٥٤): قال الغزالي: فإن قيل فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له، فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء. ٢٩٦٣ - * روى الجماعة إلا النسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي، فلم يستجب لي". وفي أخرى لمسلم (١) قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء". وفي رواية (٢) الترمذي قال: "ما من رجل يدعو الله بدعاء إلا استجيب له،

стр. 1980

فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل، قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعجل؟ قال: يقول: دعوت ربي فما استجاب لي". وفي أخرى (١) له قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يرفع يديه حتى يبدو إبطه يسأل الله مسألة، إلا آتاه الله إياها ما لم يعجل، قالوا: يا رسول الله، وكيف عجلته؟ قال: يقول: قد سألت وسألت فلم أعط شيئاً". ٢٩٦٤ - *روى أحمد عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر". قال الجراحي في تفسير قوله ﵊: الله أكثر: أي أكثر إجابة. ٢٩٦٥ - *روى رزين عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من عبد مسلم يدعو بدعاء، إلا آتاه الله ما سأل، أو ادخر له في الآخرة خيراً منه، أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم". وفي رواية (٢) "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم".

стр. 1981

٢٩٦٦ - *روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها في الآخرة. وأما أن يصرف عنه من السوء مثلها قالوا: إذاً نكثر قال الله أكثر". أقول: وعلى ما ورد في هذين النصين نفهم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فالاستجابة محققة، ولكن نوع الاستجابة منوط بالمشيئة الإلهية. فإما تعجيل أو تأجيل أو صرف سوء. ٢٩٦٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ". وفي رواية (١) لمسلم: "إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول، نزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر". وفي أخرى (٢): "إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه، ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح".

стр. 1982

وفي أخرى (١) له قال: "ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: "أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني" .. الحديث، إلى آخره-: وقال: "حتى يضيء الفجر". وفي أخرى (٢) له نحوه، وفي آخره: "ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم". وفي أخرى (٣) نحوه، وفيه: "ثم يبسط يديه ﵎، ويقول: من يقرض .. وذكر الحديث". قال الحافظ في الفتح (٣/ ٣٠): وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: - فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة، تعالى الله عن قولهم. - ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك. وأنكروا ما في الحديث. إما جهلاً وإما عناداً. - ومنهم من أجراه على ما ورد، مؤمناً به على طريق الإجمال منزهاً الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف. ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم. - ومنهم من أوله على وجه يليق، مستعمل في كلام العرب. - ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف. - ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريباً مستعملاً في كلام العرب، وبين ما يكون بعيداً مهجوراً، فأول في بعض وفوض في بعض. وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد.

стр. 1983

قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد، إلا أن يرد ذلك عن الصادق، فيصار إليه. من الدليل على ذلك، اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب، فحينئذ التفويض أسلم. وقال النووي: هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء: أحدهما، وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى. وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد. ولا يتكلم في تأويلها. مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق. والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف، أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما تأويل مالك بن أنس ﵁، وغيره، معناه تنزل رحمته وأمره أو ملائكته. كما يقال: فعل السلطان كذا، إذا فعله أتباعه بأمره. والثاني أنه على الاستعارة، ومعناه الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف. انظر صحيح مسلم رقم ٧٥٨ والفتح (١٣/ ٤٦٤). أقول: المراد من النص حث الإنسان على الدعاء في ذلك الوقت ونرجح من الأقوال الإثبات مع التنزيه أي نرجح مذهب البيهقي. قال الحافظ: وفي حديث الباب من الفوائد: تفضيل صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك في حق من طمع أن ينتبه، وأن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب، ولا يعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين، لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو تحصل الإجابة ويتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله. ٢٩٦٨ - *روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بقي ثلث الليل

стр. 1984

ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستغفرني فأغفر له من الذي يسترزقني فأرزقه، من ذا الذي يستكشف الضر أكشفه عنه حتى ينفجر الفجر". ٢٩٦٩ - * روى الطبراني عن عثمان بن أبي العاص الثقفي عن النبي ﷺ قال: "تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد هل من داع فيستجاب له هل من سائل فيعطي هل من مكروب فيفرج عنه فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له إلا زانية تسعى بفرجها أو عشاراً". ٢٩٧٠ - * روى الترمذي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات". ٢٩٧١ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: نادى رجل رسول الله ﷺ : أي الليل أجوب دعوة؟ قال "جوف الليل الآخر". ٢٩٧٢ - *روى أبو داود عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ": "ثنتان لا تردان - أو قلما تردان- عند النداء، وعند البأس، حين يلحم بعضهم بعضاً". وفي رواية (١) الموطأ قال: "ساعتان تفتح لهما أبواب السماء، وقل داع ترد عليه

стр. 1985

دعوته: حضرة النداء للصلاة، والصف في سبيل الله". ٢٩٧٣ - *روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء". قال (النووي ٤/ ٢٠٠): قوله ﷺ "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء" معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله، وفيه الحث على الدعاء في السجود وفيه دليل لمن يقول إن السجود أفضل من القيام وسائر أركان الصلاة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب. . الثاني: أن تطويل القيام أفضل ... الثالث: أنهما سواء ... أ. هـ. ٢٩٧٤ - * روى الترمذي عن عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أقرب ما يكون العبد من ربه في سجوده، وإذا قام يصلي في ثلث الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن". وفي رواية الترمذي: "أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل الآخر فإن استطعت ... الحديث. ٢٩٧٥ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء".

стр. 1986

٢٩٧٦ - *روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه". ٢٩٧٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين". وفي رواية (١): "ثلاث دعوات مستجابات، لا شك في إجابتهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على الولد". وأخرج أبو داود (٢) الثانية، وقال: "دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم". ٢٩٧٨ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: "اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين

стр. 1987

الله حجاب". ٢٩٧٩ - *روى مسلم عن أبي الدرداء ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل". وفي رواية (١) أبي داود قال: "إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة: آمين، ولك بمثل". وفي أخرى (٢) لمسلم: قال صفوان بن عبد الله بن صفوان: "قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله، فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، قالت: فادع لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل". قال: فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء، فقال لي مثل ذلك، يرويه عن النبي ﷺ . ٢٩٨٠ - * روى البزار عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا المرء لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة آمين ولك بمثله". ٢٩٨١ - * روى أبو داود عن مالك بن يسار السكوتي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها".

стр. 1988

٢٩٨٢ - * روى الطبراني عن أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ قال: "سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسلوه بظهورها. ٢٩٨٣ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن المسألة: أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والاستغفار: أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال: أن تمد يديك جميعاً". ٢٩٨٤ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ "أن رسول الله ﷺ : رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه". ٢٩٨٥ - *روى أحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه يدعو حتى إني لأسأم له مما يرفعهما. ٢٩٨٦ - *روى أبو داود عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين". ٢٩٨٧ - *روى أبو داود عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: "سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته، فلم يصل على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : عجل هذا، ثم دعاه فقال له- أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل

стр. 1989

على النبي ﷺ ، ثم ليدع بعد ما شاء". ٢٩٨٨ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقل: اللهم إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له". ٢٩٨٩ - * روى الجماعة إلا النسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له". وفي رواية (١) للبخاري قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء، لا مكره له". وفي رواية (٢) لمسلم: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء، لا مكره له". وفي أخرى (٣) له: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه".

стр. 1990

٢٩٩٠ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا تمنى أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه ". ٢٩٩١ - * روى أبو داود عن ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا، فقال لي: يا بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء" فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر. ٢٩٩٢ - * وى أحمد أحمد عن عبد الله بن مغفل ﵁ "سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء". ٢٩٩٣ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك".

стр. 1991

٢٩٩٤ - *روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة نيل، فيها عطاء، فيستجيب لكم". ٢٩٩٥ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع". ٢٩٩٦ - * روى البزار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسألن أحدكم ربه حاجته أو حوائجه كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى يسأله الملح". ٢٩٩٧ - * روى أبو يعلي عن عائشة قالت: سلوى الله كل شيء حتى الشسع فإن الله إن لم ييسره لم يتيسر. ٢٩٩٨ - * روى الترمذي عن ابن مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج".

стр. 1992

٢٩٩٩ - *روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ : صل علي وعلى زوجي، فقال: "صلى الله عليك وعلى زوجك". ٣٠٠٠ - * روى الترمذي عن أبي بن كعب ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحداً فدعاً له، بدأ بنفسه". ٣٠٠١ - * روى الطبراني والبزار عن أبي أيوب: أن النبي ﷺ كان إذا دعا بدأ بنفسه. وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله أي الدعاء أفضل قال: "دعاء المر لنفسه". ٣٠٠٢ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله ﵎ ليرفع للرجل الدرجة فيقول أني لي هذه؟ فيقول بدعاء ولدك لك". ٣٠٠٣ - *روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثاً ويستغفر ثلاثاً". ٣٠٠٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ : "سل تعطه، سل تعطه".

стр. 1993

٣٠٠٥ - * روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله ﷺ : "أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، قال أبو موسى: وأنا خلفه أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله في نفسي، فقال: يا عبد الله بن قيس، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله". وفي رواية (١) الترمذي قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فلما قفلنا أشرفنا على المدينة، فكبر الناس تكبيرة ورفعوا بها أصواتهم، فقال رسول الله ﷺ : إن ربكم ليس بأصم ولا غائباً، وهو بينكم وبين رؤوس رحالكم، ثم قال: يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كنزاً من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" وفي هذا المعنى بسند قوي عن أبي هريرة. وفي رواية (٢) أبي داود نحو من رواية الترمذي، ومن راية البخاري ومسلم. قال (النووي ١٧/ ٢٦): معناه ارفقوا بأنفسكم واخفضوا أصواتكم فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسان لبعد من يخاطبه ليسمعه وأنتم تدعون الله تعالى وليس هو بأصم ولا غائب بل هو سميع قريب وهو معكم بالعلم والإحاطة. ففيه الندب إلى خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع حاجة إلى رفعه فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه فإن دعت حاجة إلى الرفع رفع كما جاءت به.

стр. 1994

أحاديث وقوله ﷺ في الرواية الأخرى: "والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم" هو بمعنى ما سبق. وترجم البخاري للحديث في كتاب الجهاد بقوله: باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير قال ابن حجر (٦/ ١٣٥): قال الطبري: فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين انتهى. وتصرف البخاري يقتضي أن ذلك خاص بالتكبير ند القتال، وأما رفع الصوت في غيره فقد تقدم في كتاب الصلاة حديث ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على العهد النبوي إذا انصرفوا من المكتوبة، وتقدم البحث فيه هناك. وقد قال ابن حجر هناك (٢/ ٣٢٥) فيه دليل على جواز الجهر بالذكر عقب الصلاة، قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة ... ٣٠٠٦ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لينتهين ناس عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء حتى تخطف يعني تخطف أبصارهم". وفي رواية (٢) لمسلم "لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم". ٣٠٠٧ - *روى أحمد عن أبي هريرة قال "قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: لقد حجرت واسعاً. يريد رحمة الله".

стр. 1995

٣٠٠٨ - * روى الطبراني عن محمد بن أبي يحيى قال: رأيت عبد الله بن الزبير ورأى رجلاً رافعاً يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته فلما فرغ منها قال: إن رسول الله ﷺ لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته. ٣٠٠٩ - *روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ "أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين، قد خفت، فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : هل كنت تدعو الله بشيء، أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؟ قال: فدعا الله به، فشفاه الله تعالى". وفي أخرى (١): "فقالها، فشفاه الله" هذه رواية مسلم، وانتهت رواية الترمذي عند قوله: "عذاب النار". ٣٠١٠ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما سأل العباد شيئاً أفضل من أن يغفر لهم ويعافيهم". ٣٠١١ - * روى الطبراني عن أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله، ثم منع سائله ما لم يسأل هجراً".

стр. 1996

٣٠١٢ - * روى الطبراني عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه سر الجنة، عليك بسر الوادي فإنه أمرعه وأعشبه". ٣٠١٣ - * روى الترمذي عن عثمان بن حنيف ﵁ أن أعمى أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري. قال: أو أدعك قال يا رسول الله: إنه قد شق علي ذهاب بصري. قال: فانطلق فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة. يا محمد: إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري اللهم شفعه في، وشفعني في نفسي" فرجع وقد كشف الله عن بصره (١).

стр. 1997

وليس عند الترمذي: ثم صل ركعتين، إنما قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يدعو بهذا الدعاء فذكره بنحوه. ورواه في الدعوات. قال المنذري ﵀: ورواه الطبراني [٩/ ١٧/ ٨٣١١/] وذكر في أوله قصة (١) وهو أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: أئت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك ورح إلى حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال:

стр. 1998

ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: ولله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله ﷺ ، وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ : أو تصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي؟ فقال له النبي ﷺ : ائت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات، فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني بعد ذكر طرقه: والحديث صحيح (١). أقول: هناك معركة كبيرة بين الذين يستحبون التوسل إلى الله برسوله ﷺ في حياته وبعد موته ﵊، وبين الذين لا يجيزون التوسل برسول الله ﷺ وبغيره بعد الوفاة، بل غلا بعض هؤلاء واعتبر القول بعدم الجواز من العقائد، فضلل من يقول بالجواز أو الاستحباب، وهؤلاء منهم من حاول تضعيف الحديث الذي مر معنا أو تأويله مع أن الرواية الثانية ظاهرة في الجواز وقد صححها أكثر من إمام، وقد جع الأستاذ البنا هذه المسألة داخلة في باب الفروع الفقهية التي لا ينكر على من فعلها ولا على من لم يفعلها، ما دام معتقداً أن النفع والضر بيد الله وحده، قال الشوكاني في تحفة الذاكرين: وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله ﷺ إلى الله مع

стр. 1999

اعتقاد أن الفاعل هو الله وأنه المعطي والمانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. اهـ، إلا أن بعضهم منعوا مثل هذا وما كان لهم أن ينكروا على الأستاذ البنا ﵀ ما اتجه إليه، كيف وللمسألة أدلتها عند المجيزين، ومن ذلك: ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري ٢/ ٤٩٥) في الاستسقاء حديثاً في التوسل فقال روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري- وكان خازن عمر- قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل ائت عمر "الحديث" وذكر الحافظ أن في إحدى روايات الحديث أن الرائي هو بلال بن الحارث الصحابي المشهور وفي ذلك تقرير من الحافظ على التوسل به ﷺ بعد وفاته وليس المراد الاستدلال بالرؤيا إنما المراد الاستدلال بالفعل فكيف فعل هذا الرجل أو هذا الصحابي هذا الفعل أمام الصحابة وأخبر سيدنا عمر ولم ينكروا عليه ويصفوه بالشرك. فحاشى الصحابة من الإقرار على الشرك حاشاهم وهم أعلم الناس بما يؤدي للشرك. وقد روى أيضاً أن النبي ﷺ قال لما دفن فاطمة بنت أسد أم سيدنا علي ﵄: "اللهم (١) بحقي وحق الأنبياء من قبلي اغفر لأمي بعد أمي" رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم والطبراني في الكبير والأوسط وصححوه. ورجال الحديث رجال الصحيح إلا روح بن صلاح فيه ضعف لكن ذكره ابن حبان في الثقات وقال الحاكم: ثقة مأمون لذلك كان الحديث حسناً فقد قال الإمام ابن حجر أبو العباس في الجوهر المنظم هو سند جيد.

стр. 2000

ففي الحديث توسله ﷺ بالأنبياء من قبله وقد توفاهم الله تعالى. وفي صحيح البخاري أن عمر ﵁ استسقى عام الرمادة بالعباس ﵁ عم النبي ﷺ ، ومن قوله توسلاً به: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، قال فيسقون. وذكر العلماء أن اكتفاءه بالاستسقاء بالعباس إذا لم يستسق بالنبي ﷺ كان لدفع توهم عدم جواز الاستسقاء بغيره عليه وآله الصلاة والسلام لا لحق الاستسقاء بالحي حياة ظاهرة إذ أن الصحابة توسلوا به ﷺ بعد موته دون نكير وقد أتينا بمثالين في ذلك فسيدنا عمر استسقى وتوسل بالعباس لدفع توهم عدم جواز التوسل إلا بالنبي ﷺ ولإظهار شرف آل البيت النبوي، وقد توسل سيدنا عمر ﵁ بالعباس لنكتة أخرى وهي جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل فإن علياً ﵁ وكرم وجهه أفضل من عمه العباس فتوسل سيدا عمر بالعباس لهذا الملحظ. ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث: ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس (فتح ٢/ ٤٩٧) ولم يقل الحافظ أنه يستفاد من هذا الحديث أنه لا يجوز التوسل برسول الله ﷺ بعد وفاته. وفي الحقيقة أن توسل الصحابة رضوان الله عليهم كان بذات العباس، وبدعاء العباس، إذ ذكر الحافظ أن في بعض الروايات مما قاله العباس في دعائه (اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك) فتح (٢/ ٤٩٧) فلولا قربه ومكانته من رسول الله ﷺ لذهب سيدنا عمر لغيره من آل بيت النبوة فجعلوه وسيلتهم إلى رسول الله ﷺ كما قال الإمام الشافعي ﵁: آل النبي وسيلتي ... وهم إليه ذريعتي أرجو بهم أعطى غداً ... بيدي اليمين صحيفتي هذا وجميع ما أوردناه من الأحاديث والآثار الصحيحة الصريحة في التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته هي في الحقيقة شارحة لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ
следующие страницы →