← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

٣٠١٢ - * روى الطبراني عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه سر الجنة، عليك بسر الوادي فإنه أمرعه وأعشبه". ٣٠١٣ - * روى الترمذي عن عثمان بن حنيف ﵁ أن أعمى أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري. قال: أو أدعك قال يا رسول الله: إنه قد شق علي ذهاب بصري. قال: فانطلق فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة. يا محمد: إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري اللهم شفعه في، وشفعني في نفسي" فرجع وقد كشف الله عن بصره (١).

стр. 1997

وليس عند الترمذي: ثم صل ركعتين، إنما قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يدعو بهذا الدعاء فذكره بنحوه. ورواه في الدعوات. قال المنذري ﵀: ورواه الطبراني [٩/ ١٧/ ٨٣١١/] وذكر في أوله قصة (١) وهو أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: أئت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك ورح إلى حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال:

стр. 1998

ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: ولله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله ﷺ ، وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ : أو تصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي؟ فقال له النبي ﷺ : ائت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات، فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني بعد ذكر طرقه: والحديث صحيح (١). أقول: هناك معركة كبيرة بين الذين يستحبون التوسل إلى الله برسوله ﷺ في حياته وبعد موته ﵊، وبين الذين لا يجيزون التوسل برسول الله ﷺ وبغيره بعد الوفاة، بل غلا بعض هؤلاء واعتبر القول بعدم الجواز من العقائد، فضلل من يقول بالجواز أو الاستحباب، وهؤلاء منهم من حاول تضعيف الحديث الذي مر معنا أو تأويله مع أن الرواية الثانية ظاهرة في الجواز وقد صححها أكثر من إمام، وقد جع الأستاذ البنا هذه المسألة داخلة في باب الفروع الفقهية التي لا ينكر على من فعلها ولا على من لم يفعلها، ما دام معتقداً أن النفع والضر بيد الله وحده، قال الشوكاني في تحفة الذاكرين: وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله ﷺ إلى الله مع

стр. 1999

اعتقاد أن الفاعل هو الله وأنه المعطي والمانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. اهـ، إلا أن بعضهم منعوا مثل هذا وما كان لهم أن ينكروا على الأستاذ البنا ﵀ ما اتجه إليه، كيف وللمسألة أدلتها عند المجيزين، ومن ذلك: ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري ٢/ ٤٩٥) في الاستسقاء حديثاً في التوسل فقال روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري- وكان خازن عمر- قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل ائت عمر "الحديث" وذكر الحافظ أن في إحدى روايات الحديث أن الرائي هو بلال بن الحارث الصحابي المشهور وفي ذلك تقرير من الحافظ على التوسل به ﷺ بعد وفاته وليس المراد الاستدلال بالرؤيا إنما المراد الاستدلال بالفعل فكيف فعل هذا الرجل أو هذا الصحابي هذا الفعل أمام الصحابة وأخبر سيدنا عمر ولم ينكروا عليه ويصفوه بالشرك. فحاشى الصحابة من الإقرار على الشرك حاشاهم وهم أعلم الناس بما يؤدي للشرك. وقد روى أيضاً أن النبي ﷺ قال لما دفن فاطمة بنت أسد أم سيدنا علي ﵄: "اللهم (١) بحقي وحق الأنبياء من قبلي اغفر لأمي بعد أمي" رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم والطبراني في الكبير والأوسط وصححوه. ورجال الحديث رجال الصحيح إلا روح بن صلاح فيه ضعف لكن ذكره ابن حبان في الثقات وقال الحاكم: ثقة مأمون لذلك كان الحديث حسناً فقد قال الإمام ابن حجر أبو العباس في الجوهر المنظم هو سند جيد.

стр. 2000

ففي الحديث توسله ﷺ بالأنبياء من قبله وقد توفاهم الله تعالى. وفي صحيح البخاري أن عمر ﵁ استسقى عام الرمادة بالعباس ﵁ عم النبي ﷺ ، ومن قوله توسلاً به: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، قال فيسقون. وذكر العلماء أن اكتفاءه بالاستسقاء بالعباس إذا لم يستسق بالنبي ﷺ كان لدفع توهم عدم جواز الاستسقاء بغيره عليه وآله الصلاة والسلام لا لحق الاستسقاء بالحي حياة ظاهرة إذ أن الصحابة توسلوا به ﷺ بعد موته دون نكير وقد أتينا بمثالين في ذلك فسيدنا عمر استسقى وتوسل بالعباس لدفع توهم عدم جواز التوسل إلا بالنبي ﷺ ولإظهار شرف آل البيت النبوي، وقد توسل سيدنا عمر ﵁ بالعباس لنكتة أخرى وهي جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل فإن علياً ﵁ وكرم وجهه أفضل من عمه العباس فتوسل سيدا عمر بالعباس لهذا الملحظ. ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث: ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس (فتح ٢/ ٤٩٧) ولم يقل الحافظ أنه يستفاد من هذا الحديث أنه لا يجوز التوسل برسول الله ﷺ بعد وفاته. وفي الحقيقة أن توسل الصحابة رضوان الله عليهم كان بذات العباس، وبدعاء العباس، إذ ذكر الحافظ أن في بعض الروايات مما قاله العباس في دعائه (اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك) فتح (٢/ ٤٩٧) فلولا قربه ومكانته من رسول الله ﷺ لذهب سيدنا عمر لغيره من آل بيت النبوة فجعلوه وسيلتهم إلى رسول الله ﷺ كما قال الإمام الشافعي ﵁: آل النبي وسيلتي ... وهم إليه ذريعتي أرجو بهم أعطى غداً ... بيدي اليمين صحيفتي هذا وجميع ما أوردناه من الأحاديث والآثار الصحيحة الصريحة في التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته هي في الحقيقة شارحة لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ

стр. 2001

فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ فالآية عامة في حياته قبل وفاته وبعد وفاته وما زال عمل العلماء على ذلك وقد ذكر العلماء المفسرون لهذه الآية كالحافظ ابن كثير حكاية العتبي المشهورة قال العتبي (١): كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال العتبي: ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيناي فرأيت رسول الله ﷺ في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له. أهـ. وقال الحافظ ابن كثير إنها حكاية مشهورة (٢). وإن الذين أنكروا على الأستاذ البنا ﵀ اعتباره أن مسألة التوسل بالنبي ﷺ من باب الفروع الفقهية فاتهم أن هناك كثيراً من أئمة الهدى توسلوا بالنبي صلى الله عليه أو أجازوا التوسل به، وإن من الغلو أن نحكم على أمثال هؤلاء بالضلال. وقد تتبع بعض أهل العلم ما أثر عن بعض العلماء في هذا الشأن: قال الإمام مالك (٣) ﵁ للخليفة المنصور لما حج وزار قبر النبي عليه وآله

стр. 2002

الصلاة والسلام وسأل مالكاً قائلاً: يا أبا عبد الله، استقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله ﷺ وأدعو؟ فقال الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى بل استقبل واستشفع به فيشفعه الله فيك. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. ذكر هذه القصة الإمام القاضي عياض في الشفا بإسناد صحيح والسيد السمهودي في خلاصة الوفا والعلامة القسطلاني في المواهب اللدنية والعلامة ابن حجر في الجوهر المنظم انظر كتاب الشفا للقاضي عياض (٢/ ٩٢) أو (٥٩٦) من طبعة محمد علي البجاوي، وشرح "الشفا" للمحدث ملا علي قاري (٣/ ٦٣٦). وثبت عن الإمام أحمد أنه قال: يستحب التوسل برسول الله ﷺ عند القحط، مذكور في كتب الحنابلة في باب الاستسقاء ككتاب الإنصاف فيما ترجح من الخلاف. انظر الإنصاف (٢/ ٤٥٦). وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني يمدح النبي ﷺ في قصيدة ويتوسل به: (١) بباب جودك عبد مذنب كلف ... يا أحسن الناس وجهاً مشرقاً وقفا بكم توسل يرجو العفو عن زلل ... من خوفه جفنه الهامي لقد ذرفا وإن يكن نسبة يعزى إلى حجر ... فطالما فاض عذباً طيباً وصفا والمدح فيك قصور عنكم وعسى ... في الخلد يبدل من أبياته غرفا لا زال فيك مديحي ما حييت له ... فما أرى لمديحي عنك منصرفا

стр. 2003

وقال ابن حجر الهيتمي في قصيدته المشهورة التي ذكرها الإمام المحدث محمد حبيب الله الشنقيطي وغيره: عبيد هيتمي مستجير ... بمن حطت بساحته الحمول وقال الحافظ ابن دقيق العيد في قصيدة له يمدح فيها النبي ﷺ ويتوسل به: يا خاتم الرسل الكرام نداء من ... وافى إليك بمدحه مستعذراً أنا ضيفك المدعو يوم معادنا ... المرتجى فاجعل قراي الكوثرا وقال ابن حجر العسقلاني أيضاً كما هو في ديوانه بخط القلم: اصدح بمدح المصطفى واصدع به ... قلب الحسود ولا تخف تفنيداً واقصد له واسأل به تعط المنى ... وتعيش مهما عشت فيه سعيداً خير الأنام فمن أوى لجنابه ... لا بدع أن أضحي به مسعودا انظر مجموعة القصائد النبهانية (٢/ ٥٧). قال الإمام الحافظ السبكي: ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي ﷺ إلى ربه ولم يكر ذلك أحد من السلف ولا من الخلف أهـ.

стр. 2004

انظر فيض القدير (٢/ ١٣٥). راجع في هذه المسألة: محق التقول في مسألة التوسل للشيخ محمد زاهد الكوثري، والبدعة للدكتور عزت عطية (٣٧٣ - ٣٩١) ورسالة بهجة الناظر.

стр. 2005

مسائل وفوائد حول الذكر والدعاء ١ - إذا عرفنا أن العبادة الدائمة للملائكة هي الذكر، قال تعالى: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) وإذا عرفنا أن الكون بما فيه في ذكر دائم، قال تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)، إذا عرفنا هذا وهذا أدركنا محل الذكر في عبادة الله تعالى، ومن ههنا كانت دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلها ذكراً وتذكيراً، وبقدر ما يأخذ الإنسان حظه من الذكر والتذكر يأخذ حظه العظيم من دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولذلك فإنك تجد الأذكار والدعوات التي هي نوع ذكر تملأ ساحة حياة المسلم، فيوم المسلم مليء بالذكر، وعبادات المسلم ذكر وهي تساعد على إقامة الذكر وما من شيء في حياة المسلم إلا وهو مرتبط بذكر، وهكذا تجد الأذكار والدعوات ملابسة لكل حياة المسلم، بل إن كتاب الإسلام الذي هو القرآن ذكر، وما من موضوع من موضوعات الحياة إلا ولرسول الله ﷺ توجيه فيه يربطه بذكر، فهذه الصلاة ذكر، وربطت بها أذكار، وفي كل ما يحيط بالصلاة ما يعتبر ذكراً أو تذكيراً، فللطهارة أذكارها ولدخول المسجد أذكاره، والآذان ذكر وهو يرتبط بالذكر، وللقيام والركوع والسجود وغير ذلك من أفعال الصلاة أذكاره، وللنوم والاستيقاظ أذكارهما، ولدخول البيت والخروج منه أذكارهما، ولكل حالة تلابس الإنسان من مرض إلى كرب إلى غير ذلك أذكارها، ولكل مشهد أذكاره فللرعد ولسماع صوت الديك وللكسوف وهبوب الريح وانقضاض الكوكب ونزول الأمطار، لكل ذلك أذكاره، وللزكاة أذكارها وللصيام أذكاره وللحج أذكاره وللجهاد أذكاره وللسفر أذكاره وللطعام والشراب أذكارهما، وإذا تقابل المسلمون أو اجتمعوا فلذلك أذكار، وللنكاح أذكاره، وللطريق أذكاره، وللسوق أذكاره، وهناك الأذكار المطلقة وهناك الأذكار المقيدة، فالذكر يملأ ساحة الحياة بالنسبة للمسلم وكل ذكر له أثره الخاص على نفس المسلم، ومجموع الأذكار تهذب وتزكي ساحة النفس البشرية كلها، فلا عجب بعد ذلك إذا رأينا أنه ما من جزء من أجزاء هذا الكتاب إلا وللذكر فيه محل، ولا عجب إذا كان جزء الأذكار واسعاً، وإن مسلماً لا يتتبع ما ورد في الأذكار والدعوات لمقصر، وإن مسلماً لا يعتبر العلم بالأذكار والدعوات من أعظم العلوم لجاهل، وإن مسلماً لا يملأ حياته بالذكر بقدر المستطاع لمفرط.

стр. 2006

ولقد كتبت الكتب الكثيرة في أذكار المسلم ومن أجلها: كتاب الأذكار للنووي ﵀ وإذا كان هذا الكتاب جامعاً فقد جعلنا الأذكار والدعوات التي هي ألصق في موضوع مع موضوعها وجعلنا في هذا الجزء ما هو ألصق في موضوعه. ٢ - قارن بعضهم بين الذكر والدعاء وحاول أن يضع قواعد في المفاضلة بينهما ولا شك أن الذكر دعاء ضمني وأن الدعاء ذكر ضمني، وحيثما ورد نص يحض على ذكر في مقام فالذكر هو الأفضل، وحيثما ورد ندب إلى دعاء في مقام فالدعاء هو الأفضل، فإذا عرفنا حق كل مقام شرع فيه ذكر أو دعاء أو تلاوة قرآن وأعطينا لما شرع حقه، فما بقي من وقت يريد المسلم أن يملأه بذكر فالأفضل في حقه تلاوة القرآن ثم الذكر ثم الدعاء. ٣ - من كلام النووي ﵀ في كتابه الأذكار حول الذكر والدعاء ما يلي: (١٢ - فما بعدها). (من آداب الذكر): ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القبلة وجلس متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار مطرقاً رأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل. وينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر فيه خالياً نظيفاً، فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مدح الذكر في المساجد والمواضع الشريفة. وجاء عن الإمام الجليل أبي ميسرة ﵁ قال: لا يذكر الله تعالى إلا في مكان طيب. وينبغي أيضاً أن يكون فمه نظيفاً، فإن كان فيه تغير أزاله بالسواك، وإن كان فيه نجاسة أزالها بالغسل بالماء، فلو ذكر ولم يغسلها فهو مكروه ولا يحرم، ولو قرأ القرآن وفمه نجس كره، وفي تحريمه وجهان لأصحابنا أصحهما لا يحرم. وكما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله وقد تظاهرت الأدلة على ذلك.

стр. 2007

(أحوال يكره فيها الذكر): اعلم أن الذكر محبوب في جميع الأحوال إلا في أحوال ورد الشرع باستثنائها تذكر منها هنا طرفا إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى. فمن ذلك أنه يكره الذكر حالة الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع، وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغل بالقراءة، وفي حالة النعاس، ولا يكره في الطريق ولا في الحمام، والله أعلم. (التدبر في الذكر): المراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه. فالتدبر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود، ولهذا كان المذهب الصحيح المختار استحباب مد الذاكر قول: لا إله إلا الله لما فيه من التدبر، وأقوال السلف وأئمة الخلف في هذا مشهورة، والله أعلم. (متى يستحب قطع الذكر): في أحوال تعرض للذاكر يستحب له قطع الذكر بسببها ثم يعود إليه بعد زوالها: منها إذا سلم عليه رد اللام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطس عنده عاطس شمته ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا سمع الخطيب، وكذا إذا سمع المؤذن أجابه في كلمات الأذان والإقامة ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكراً أزاله، أو معروفاً أرشد إليه، أو مسترشداً أجابه ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا غلبه النعاس أو نحوه، وما أشبه هذا كله. (التلفظ بالذكر في الصلاة): اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبة كانت أو مستحبة لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له. (أحكام الذكر بالنسبة للمحدث والجنب والحائض): أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء،

стр. 2008

وذلك في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله ﷺ والدعاء وغير ذلك. ولكن قراءة القرآن حرام على الجنب والحائض والنفساء، سواء قرأ قليلاً أو كثيراً حتى بعض آية، ويجوز لهم إجراء القرآن على القلب من غير لفظ، وكذلك النظر في المصحف، وإمراره على القلب. قال أصحابنا: ويجوز للجنب والحائض أن يقولا عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعند ركوب الدابة: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وعند الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، إذا لم يقصدا به القرآن، ولهما أن يقولا: بسم الله والحمد لله، إذا لم يقصدا القرآن، سواء قصدا الذكر أو لم يكن لهما قصد، ولا يأثمان إلا إذا قصدا القرآن، .. وأما إذا قالا لإنسان: خذ الكتاب بقوة، أو قالا: ادخلوها بسلام آمنين، ونحو ذلك، فإن قصدا غير القرآن لم يحرم، وإذا لم يجدا الماء تيمما وجاز لهما القراءة، فإن أحدث بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة كما لو اغتسل ثم أحدث. ثم لا فرق بين أن يكون تيممه لعدم الماء في الحضر أو في السفر، فله أن يقرأ القرآن بعده وإن أحدث. ولو تيمم الجنب ثم رأى ماءً يلزمه استعماله فإنه يحرم عليه القراءة وجميع ما يحرم على الجنب حتى يغتسل. ولو تيمم وصلى وقرأ ثم أراد التيمم لحدث أو لفريضة أخرى أو لغير ذلك لم تحرم عليه القراءة. هذا هو المذهب الصحيح المختار ... أما إذا لم يجد الجنب ماءً ولا تراباً فإنه يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله، وتحرم عليه القراءة خارج الصلاة، ويحرم عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة. وهل تحرم الفاتحة؟ فيه وجهان: أصحهما لا تحرم بل تجب، فإن الصلاة لا تصح إلا بها، وكما جازت الصلاة للضرورة تجوز القراءة. والثاني تحرم بل يأتي بها من لا يحسن شيئاً من القرآن. وهذه فروع رأيت إثباتها هنا لتعلقها بما ذكرته فذكرها مختصرة وإلا فلها تتمات وأدلة مستوفاة في كتب الفقه، والله أعلم.

стр. 2009

(الذكر بالقلب واللسان): الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل. ثم لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفاً من أن يظن به الرياء، بل يذكر بهما جميعاً ويقصد به وجه الله تعالى وقد قدمنا عن "الفضيل" ﵀ أن ترك العمل لأجل الناس رياء، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم لانسد عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليس هذا طريقة العارفين. (عموم الذكر): اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله تعالى، كذا قاله سعيد بن جبير ﵁ وغيره من العلماء. وقال عطاء ﵀: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح تطلق وتحج وأشباه هذا. ا. هـ النووي. ٤ - يستحب استفتاح الدعاء بحمد الله تعالى والصلاة على نبيه ﷺ كما يستحب أن يصلي على النبي ﷺ في أوسطه وآخره، ويستحب تكرير الدعاء، وأن يدعو الإنسان لأخيه بظهر الغيب، ولا ينبغي للداعي أن يستعجل الإجابة، قال الغزالي في "الإحياء": آداب الدعاء عشرة: الأول أن يترصد الأزمان الشريفة كيوم عرفة وشهر رمضان ويوم الجمعة والثلث الأخير من الليل ووقت الأسحار. الثاني أن يغتنم الأحوال الشريفة كحالة السجود والتقاء الجيوش ونزول الغيث وإقامة الصلاة وبعدها. قال النووي: وحالة رقة القلب. الثالث استقبال القبلة ورفع اليدين ويمسح بهما وجهه في آخره. الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر. الخامس أن لا يتكلف السجع وقد فسر به الاعتداء في الدعاء، والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة، فما كل أحد يحسن الدعاء فيخاف عليه الاعتداء. وقال بعضهم: ادع بلسان الذلة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق، ويقال: إن العلماء والأبدال لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات ويشهد له ما ذكره الله في آخر سورة البقرة: (ربنا لا تؤاخذنا) إلى آخرها، لم يخبر سبحانه في موضع عن أدعية

стр. 2010

عباده بأكثر من ذلك. قلت: ومثله قول الله في سورة إبراهيم ﷺ : (وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد آمنا) إلى آخره. قلت: والمختار الذي عليه جماهير العلماء أنه لا حجر في ذلك، ولا تكره الزيادة على السبع، بل يستحب الإكثار من الدعاء مطلقاً. السادس التضرع والخضوع والرهبة، قال الله تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) وقال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً). السابع أن يجزم بالطلب ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيها، ودلائله كثيرة مشهورة. قال سفيان بن عيينة ﵀: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ قال (رب أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين) الثامن أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثاً ولا يستبطئ الإجابة. التاسع أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى. قلت: وبالصلاة على رسول الله ﷺ بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه، ويختمه بذلك كله أيضاً. العاشر وهو أهمها والأصل في الإجابة، وهو التوبة ورد المظالم والإقبال على الله تعالى. ٥ - ويستحب للإنسان إذا وقع في شدة أن يتوسل إلى الله بصالح عمله، ويستحب للداعي أن يرفع يديه في الدعاء ثم يمسح بهما وجهه، قال النووي ﵀ في كتابه الأذكار (٣٥٥): وروينا في كتاب الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه". وروينا في سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، وفي إسناد كل واحد ضعف. وأما قول الحافظ عبد الحق رحمه الله تعالى: إن الترمذي قال في الحديث الأول: إنه حديث صحيح، فليس في النسخ المعتمدة من الترمذي أنه صحيح، بل قال: حديث غريب. هذا وقد اشتد بعض العلماء على من يمسح بيديه وجهه بعد الدعاء وجعل الأحاديث الواردة في ذلك على تعدد طرقها ضعيفة جداً وأن طرقها لا تقوي بعضها مع أن البيهقي والنووي لم يذكرا إلا أن فيها ضعفاً ونقلوا عن العز بن عبد السلام قوله: لا يمسح وجهه

стр. 2011

بيديه عقب الدعاء إلا جاهل قال في الفتوحات الربانية (٧/ ٢٥٨) هذا محمول على أنه لم يطلع على هذه الأحاديث. ا. هـ. والحديث مروي عند الترمذي من طريق حماد بن عيسى الجهني قال ابن معين شيخ صالح وضعفه الآخرون فلم يكتف من جعل الأحاديث ضعيفة جداً بهذا بل جعل حماد بن عيسى ضعيفاً جداً، وأعتقد أن في هذا تشدداً في غير محله، هذا خارج الصلاة أما فيها: قال البيهقي (٢/ ٢١٢): "فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي فيه عن النبي ﷺ حديث فيه ضعف، وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة؛ وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح، ولا أثر ثابت، ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله، ويقتصر على ما فعله السلف ﵃ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة". وقال المناوي (٥/ ١٣٨): ففعل ذلك سنة كما جرى عليه جمع شافعية منهم النووي في "التحقيق" تمكساً بعدة أخبار هذا منها- أي إذا رفع يديه ... - وهي وإن ضعفت أسانيدها تقوت بالاجتماع فقوله في المجموع لا يندب تبعاً لابن عبد السلام وقال لا يفعله إلا جاهل في حيز المنع ... ا. هـ. أقول: من هنا يتبين أن هذا الفعل يخرج عن حد البدعة في حده الأدنى والله أعلم. ٦ - استحباب الدعاء، وأيهما أفضل الدعاء أم السكوت والرضا؟، قال النووي ﵀: اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف: أن الدعاء مستحب، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ والآيات في ذلك كثيرة مشهورة. وأما الأحاديث الصحيحة فهي أشهر من أن تشهر، وأظهر من أن تذكر، وقد ذكرنا

стр. 2012

قريباً في الدعوات ما فيه أبلغ كفاية، وبالله التوفيق. وروينا في رسالة الإمام أبي القاسم القشيري ﵁ قال: اختلف الناس في أن الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة للحديث السابق "الدعاء هو العبادة" ولأن الدعاء إظهار الافتقار إلى الله تعالى. وقالت طائفة: السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم، والرضا بما سبق به القدر أولى. وقال قوم: يكون صاحب دعاء بلسانه ورضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعاً. قال القشيري: والأولى أن يقال الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب، وإنما يعرف ذلك بالوقت، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى به، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم. قال: ويصح أن يقال ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو لله فيه حق، فالدعاء أولى لكونه عبادة، وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم. قال: ومن شرائط الدعاء أن يكون مطمعه حلالاً. وكان يحيى بن معاذ الرازي ﵁ يقول: "كيف أدعوك وأنا عاصٍ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم"؟ ومن آدابه حضور القلب، وسيأتي دليله إن شاء الله تعالى. وقال بعضهم: المراد بالدعاء إظهار الفاقة، وإلا فالله يفعل ما يشاء. وقال الغزالي: "فإن قيل فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟، فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح، وقد قال الله تعالى (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) فقدر الله تعالى الأمر وقدر سببه. ٧ - يستحب دعاء الإنسان لمن أحسن إليه، قال النووي ﵀: روينا في الترمذي عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 2013

وقد قدمنا قريباً في كتاب حفظ اللسان في الحديث الصحيح قوله ﷺ : "ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه". ٨ - يستحب طلب الدعاء من أهل الفضل وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه، ويستحب الدعاء في المواضع الشريفة، قال النووي ﵀: اعلم أن الأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصر، وهو مجمع عليه، ومن أدل ما يستدل به ما روينا في كتابي أبي داود والترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال "استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن وقال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك، فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا" وفي رواية قال: "أشركنا يا أخي في دعائك" قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد ذكرناه في أذكار المسافر. ٩ - لقد نهى رسول الله ﷺ عن الدعاء على النفس والولد والخادم والمال ونحوها، قال النووي ﵀: روينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة نيل فيها عطاء فيستجاب منكم" قلت: نيل بكسر النون وإسكان الياء، ومعناه: ساعة إجابة ينال الطالب فيها ويعطى مطلوبه. وروى مسلم هذا الحديث في آخر صحيحه وقال فيه: "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله تعالى ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم". ١٠ - حكم التسليم والصلاة على غير الأنبياء والترضي والترحم على الصحابة وأتباعهم، قال النووي ﵀: أجمعوا على الصلاة على نبينا محمد ﷺ ، وكذلك أجمع من يعتد به على جوازها

стр. 2014

واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالاً. وأما غير الأنبياء فالجمهور على أنه لا يصلي عليهم ابتداء، فلا يقال: أبو بكر ﷺ . واختلف في هذا المنع، فقال بعض أصحابنا: هو حرام، وقال أكثرهم: مكروه كراهة تنزيه، وذهب كثير منهم إلى أنه خلاف الأولى وليس مكروهاً، والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم. والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا: ، مخصوص بالله ، فكما لا يقال: محمد وإن كان عزيزاً جليلاً- لا يقال: أبو بكر أو علي ﷺ وإن كان معناه صحيحاً. واتفقوا على جواز جعل غير الأنبياء تبعاً لهم في الصلاة، فيقال: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وأصحابه، وأزواجه وذريته، وأتباعه، للأحاديث الصحيحة في ذلك؛ وقد أمرنا به في التشهد، ولم يزل السلف عليه خارج الصلاة أيضاً. وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب، فلا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: علي ﵇؛ وسواء في هذا الأحياء والأموات. وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك، أو: سلام عليكم، أو: السلام عليك، أو: عليكم؛ وهذا مجمع عليه، وسيأتي إيضاحه في أبوابه إن شاء الله تعالى. يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار، فيقال: ﵁، أو ﵀ ونحو ذلك. وأما ما قاله بعض العلماء إن قوله ﵁ مخصوص بالصحابة، ويقال في غيرهم: ﵀ فقط، فليس كما قال، ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه، ودلائله أكثر من أن تحصر، فإن كان المذكور صحابياً ابن صحابي قال: قال ابن عمر ﵄، وكذا ابن عباس، وابن الزبير، وابن جعفر، وأسامة بن زيد ونحوهم، لتشمله وأباه جميعاً. فإن قيل: إذا ذكر لقمان ومريم هل يصلي عليهما كالأنبياء، أم يترضى كالصحابة والأولياء، أم يقول ﵉؟ فالجواب أن الجماهير من العلماء على أنهما ليسا نبيين، وقد شذ من قال: نبيان، ولا التفات إليه، ولا تعريج عليه، وقد أوضحت ذلك في

стр. 2015

كتاب "تهذيب الأسماء واللغات" فإذا عرف ذلك، فقد قال بعض العلماء كلاماً يفهم منه أنه يقول: قال لقمان أو مريم صلى الله على الأنبياء وعليه أو وعليهما وسلم، قال: لأنهما يرتفعان عن حال من يقال: ﵁، لما في القرآن مما يرفعهما، والذي أراه أن هذا لا بأس به، وأن الأرجح أن يقال: ﵁ أو عنها، لأن هذا مرتبة غير الأنبياء ولم يثبت كونهما نبيين. وقد نقل إمام الحرمين إجماع العلماء على أن مريم ليست نبية- ذكره في الإرشاد- ولو قال: ﵇، أو عليها، فالظاهر أنه لا بأس به، والله أعلم. اهـ.

стр. 2016

الباب الثالث بعض أذكار الصباح والمساء ودعواتهما

стр. 2017

٣٠١٤ - * روى الترمذي عن أبي راشد الحبراني ﵀ قال أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له: حدثنا حديثاً مما سمعت من رسول الله ﷺ ، فألقى إلي صحيفة، فقال: "هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ قال: "فنظرت فيها، فإذا فيها: أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: يا أبا بكر، قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم". ٣٠١٥ - *روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن أبا بكر الصديق قال: "يا رسول الله، مرني بكلمات أقولهن إذا أمسيت وإذا أصبحت. قال: قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، قال: قلها إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك". ٣٠١٦ - *روى أبو داود عن أبي عياش الزرقي ﵁ وفي رواية: ابن أبي عائش وفي أخرى: ابن عائش: أن رسول الله ﷺ قال: "من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كان له عدل عتق رقبة من ولد إسماعيل ﵇، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، فإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح". قال حماد:

стр. 2018

فرأى رجل رسول الله ﷺ في النوم، فقال: يا رسول الله، إن أبا عياش يحدثنا عنك بكذا وكذا؟ قال: "صدق أبو عياش". ٣٠١٧ - *روى أحمد عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال حين يصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشرات مرات كتب الله له بكل واحدة قالها عشر حسنات ومحي عنه بها عشر سيئات ورفعه الله بها عشر درجات، وكن له كعشر رقاب، وكن له مسلحة من أول النهار إلى آخره ولم يعمل يومئذ عملاً يقهرهن فإن قالها حين يمسي فمثل ذلك". ٣٠١٨ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، من قالها عشر مرات حين يصبح كتب له بها مائة حسنة ومحي عنه بها مائة سيئة وكانت له عدل رقبة وحفظ بها يومئذ حتى يمسي ومن قالها مثل ذلك حين يمسي كان له مثل ذلك". وقد ضعف بعضهم بعض ألفاظ هذا الحديث والذي قبله ومن الألفاظ المتفق على صحتها ما يلي: ٣٠١٩ - *روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة،

стр. 2019

ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل عملاً أكثر من ذلك". أقول: مر معنا في أذكار ما بعد صلاة الفجر: الندب إلى قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) عشر مرات، ومر معنا الندب إلى قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) مائة مرة، وههنا مر معنا الندب بشكل مطلق إلا عن قيد الصباحية والمسائية إلى مثل ذلك مرة أو عشراً، وهذا يفيد أن من المستحب أن يذكر الإنسان الله بهذا الذكر صباحاً ومساءً بما تيسر له، المهم أن يأخذ حظاً من هذا الذكر فلا يمر عليه يوم إلا وقد أقامه. ٣٠٢٠ - *روى أبو داود عن أبان بن عثمان ﵀ عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يصبح: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم- ثلاث مرات- لم تصبه في يومه فجاءة بلاء، ومن قالها حين يمسي لم تصبه فجاءة بلاء في ليلته" ثم ابتلي أبان بالفالج، فرأى رجلاً حدثه بهذا الحديث ينظر إليه، فقال له: مالك تنظر إلي؟ فوالله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على رسول الله ﷺ ، لكن نسيت اليوم الذي أصابني هذا، فلم أقله ليمضي الله قدره. إلا أن في آخر حديث أبي داود "ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني غضبت، فنسيت أن أقولها" وقدم فيه ذكر المساء على الصباح. وأخرجه في رواية أخرى ولم يذكر "الفالج".

стр. 2020

٣٠٢١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن خبيب ﵁ قال: "خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله ﷺ ليصلي بنا، فأدركناه، فقال لي: قل، قلت: ما أقول يا رسول الله؟ قال: "اقرأ (قل هو الله أحد) والمعوذتين، حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء". وفي رواية (١) أبي دود: قال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله، فما أقول؟ .. وذكر الحديث". ٣٠٢٢ - *روى أحمد عن عبد الرحمن بن أبزى ﵀ عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أصبح: أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ ، وعلى ملة أبينا إبراهيم، حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين". ٣٠٢٣ - *روى أحمد عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ علمه وأمره أن يتعاهد به أهله كل صباح: "لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وبك وإليك. اللهم ما قلت من قول ونذرت من نذر أو حلفت من حلف فمشيئتك من بين

стр. 2021

يديه ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله والله على كل شيء قدير. اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين، اللهم إني أسألك الرضا بالقدر وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقاً إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، أعوذ بك أن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى علي أو أكتسب خطيئة مخطئة أو أذنب ذنباً. اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك وكفى بك شهيداً، أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك ل كلك الملك ولك الحمد وأنت على شيء قدير وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة فإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لي ذنبي فإنه لا يغفر الذنب إلا أنت وتب علي إنك أنت التواب الرحيم". ٣٠٢٤ - *روى أبو داود عن أبي ذر الغفاري ﵁ كان يقول: "من قال حين يصبح: اللهم ما حلفت من حلف، أو نذرت من نذر، أو قلت من قول، فمشيئتك بين يدي ذلك كله، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، اللهم اغفر لي، وتجاوز لي عنه، اللهم من صليت عليه فعليه صلاتي، ومن لعنته فعليه لعنتي- كان في استثناء يومه ذلك". ٣٠٢٥ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان إذا أصبح قال: "أصبحنا

стр. 2022

وأصبح الملك له والحمد لله لا شريك له لا إله إلا هو وإليه النشور" وإذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا شريك له لا إله إلا هو وإليه المصير". ٣٠٢٦ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: إذا أصبح "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا ونموت وإليك المصير". ٣٠٢٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ لم يكن يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي" قال وكيع: يعني: الخسف. ٣٠٢٨ - *روى أبو داود عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قال حين يصبح، أو حين يمسي: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت،

стр. 2023

فمات من يومه، أو من ليلته، دخل الجنة". ٣٠٢٩ - *روى أبو داود عن أبي مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذا اليوم: فتحه، ونصره، ونوره وبركته، وهداه، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده، ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك". ٣٠٣٠ - * روي مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا أمسى: "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما فيه هذه الليلة، وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة، وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر، وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله- وفي رواية (١): من الكسل والهرم وسوء الكبر وفتنة الدنيا وعذاب القبر". وفي رواية (٢) أبي داود: "سوء الكبر والكفر". وفي أخرى (٣) له: "سوء الكبر والكبر" ولم يذكر "الكفر".

стр. 2024

٣٠٣١ - *روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعلم أصحابه، يقول: "إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا وبك نحيا، وبك نموت، وإليك المصير، وإذا أمسى فليقل: بك أمسينا وبك نموت، وبك نحيا، وإليك المصير". إلا أن أبا داود قال: "وإليك النشور" بدل "المصير" في الموضعين. ٣٠٣٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن الحسن قال: قال سمرة بن جندب ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ مراراً ومن أبي بكر مراراً ومن عمر مراراً. قلت: بلى قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى اللهم أنت خلقتني وأنت تهديني وأنت تطعميني وأنت تسقيني وأنت تميتني وأنت تحييني لم يسل الله شيئاً إلا أعطاه إياه قال: فلقيت عبد الله بن سلام فقلت ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ مراراً ومن أبي بكر مراراً ومن عمر مراراً قال: بل فحدثته بهذا الحديث فقال: بأبي وأمي رسول الله ﷺ ، هؤلاء الكلمات كان الله قد أعطاهن موسى ﵇ فكان يدعو بهن في كل يوم سبع مرار فلا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه. ٣٠٣٣ - * روى البزار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة: "ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به، أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".

стр. 2025

٣٠٣٤ - *روى أبو داود عن سهيل بن أبي صالح ﵀ عن أبيه قال: سمعت رجلاً من أسلم قال: كنت جالساً عند رسول الله ﷺ فجاء رجل من أصحابه فقال: "يا رسول الله، لدغت الليلة، فلم أنم حتى أصبحت؟ قال: ماذا؟ قال: عقرب، قال: "أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرك شيء إن شاء الله". ٣٠٣٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال إذا أمسى أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم يضره شيء، وفي رواية عنده أيضاً: من قال حين تغيب الشمس أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء في ليلته". ٣٠٣٦ - * روى الطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى علي حين يصبح عشراً وحين يمسي عشراً أدركته شفاعتي يوم القيامة". ٣٠٣٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يصبح: سبحان الله العظيم وبحمده، مائة مرة، وإذا أمسى كذلك، لم يواف أحد من الخلائق مثل ما وافى". وفي رواية (١): "لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه". ٣٠٣٨ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 2026

"من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر". وفي أخرى (١) قال: "من قال حين يصبح وحين يمسي مائة مرة: سبحان الله وبحمده، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه. ٣٠٣٩ - * روى الطبراني عن أبي بن كعب أنه كان له جرن من تمر فكان ينقص فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، فسلم عليه فرد ﵇، فقال: ما أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني، قال: فناولني يدك فناوله يده فإذا يده يد كلب وشعره شعر كلب. قال: هذا خلق الجن. قال: قد علمت الجن أنه ما فيهم رجل أشد مني قال: فما جاء بك؟ قال: بلغنا إنك تحب الصدقة فجئنا نصيب من طعامك. قال: فما ينجينا منكم؟ قال: هذه الآية التي في سورة البقرة ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ من قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح ومن قالها حين يصبح أجير منا حين يمسي، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال "صدق الخبيث".

стр. 2027

٣٠٤٠ - * روى أبو داود عنعبد الرحمن بن أبي بكرة ﵀ قال: "قلت لأبي: يا أبت، أسمعك تقول كل غداة: اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت، تكررها ثلاثاً حين تصبح، وثلاثاً حين تمسي فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهن، فأنا أحب أن أستن بسنته". وفي رواية (١): أنه يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله أنت- يعيدها ثلاثاً حين يصبح، وثلاثاً حين يمسي- فيدعو بهن، فأحب أن أستن بسنته، قال: وقال لي رسول الله ﷺ : دعوات المكروب: "اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت".

стр. 2028

مسائل وفوائد من التركيز الكبير في الكتاب والسنة على أذكار الصباح والمساء ودعواتهما أخذ أهل السلوك إلى الله أن يكون للمسلم وردان، ورد صباحي وورد مسائي من الأذكار والدعوات وتلاوة القرآن، والأصل عندهم أن يكون ورد الصباح بعد الفجر، ومن جعله قبل الفجر وحتى الظهر فقد أداه- والأصل في ورد المساء أن يكون بين المغرب والعشاء أخذاً من قوله تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) (١) فقد فسرها بعضهم بأن المراد بالناشئة هي ما بين المغرب والعشاء، ومن أقام ورده المسائي قبل المغرب ولو من بعد الظهر، أو أقامه بعد العشاء إلى طلوع الفجر فقد أداه، ومن فاته ورد صباحه أو ورد مسائه أداه متى استطاع لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٢) ومن أفضل ما جمع من أوراد للصباح والمساء: الوظيفة الكبرى أو الصغرى للأستاذ البنا رحمه الله تعالى ومن فاته أن يكون له ورد من المأثور فليتخير ما سهل عليه من الأذكار التي ندبنا إليها بإطلاق كالاستغفار والصلاة على النبي ﷺ والتسبيح والتهليل ومن اجتمع له هذا وهذا فقد أجاد وأطاب. قال النووي ﵀ في كتابه "الأذكار": اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة واحدة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقاً بل يأتي بما تيسر منه، لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم". وقال النووي ﵀: ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقيب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها.

стр. 2029

وسئل الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساءاً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً- وهي مبينة في كتاب عمل اليوم والليلة- كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.

стр. 2030

الباب الرابع في أدعية عامة وفيه مقدمة وفصلان المقدمة.

стр. 2031

مقدمة لم يزل مفكرو العالم يحاولون الوصول إلى نظرية مثلى في الخير والشر، في الفضيلة والرذيلة وتجد في ثنايا أبحاثهم خلطاً كثيراً وسقوطاً كثيراً وتحليقاً قليلاً، وفي هذه الحالات القليلة تجد شيئاً من تضخم أو ضمور، وإذا ما حاولت أن ترى لهذه النظريات محلاً في السلوك الإنساني فإنك لا تجده إلا نادراً، ومن مظاهر رحمة الله للعالم أنه بعث لهم رسلاً يدلونهم بأخصر طريق على الخير والشر وعلى الفضيلة والرذيلة، ويدلونهم على الطريق للتحقق بالفضيلة، ويدلونهم على ما يجنبهم الشر والرذيلة، وكما يدلونهم على طريق الخير وعلى الأسباب التي يصلون بواسطتها إلى الخير، فإنهم يدلونهم أن يستلهموا الله الهداية لزكاة أنفسهم، لأنه لا زكاة لهذه النفس المعقدة التركيب إلا بالله، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (١) وهكذا تجد الإسلام بين طريق الخير وطريقا لشر، وبين الطريق إلى التحقق بالخير والنأي عن الشر، وعلم الإنسان أن يستلهم الله التوفيق، وبسبب من هذا كله تجد المسلم الحق أعرف الخلق بما هو خير وبما هو شر وتجد الخير سلوكاً عملياً عنده، وإن من معجزات الإسلام أنه يأخذ بيد المسلم نحو المعرفة والسلوك بوسائل شتى، وإنك إذا تأملت فصلي هذا الباب فإنك تجد المعجزة واضحة فمن خلال الدعوات والاستعاذات تتعرف على الخير والشر، ومن خلال الدعاء والاستعاذة تتعرف على الله ، وتستلهمه البعد عن الشر والتحقق بالخير، لأنه هو وحده الذي يملك الهداية إلى الطريق الأقوم بالتعريف والتوفيق. فانظر إلى فصلي هذا الباب محاولاً التعرف على ما هو خير وشر، وأقبل على الله بالدعاء والاستعاذة لتعرض نفسك لنفحات الله . وبهذه المناسبة نقول: إن أعظم الدعوات المطلقة، وأعظم الاستعاذات هو ما ورد في القرآن الكريم، فمن اجتمع له من الدعوات والاستعاذات ما ورد في الكتاب والسنة وأقبل على الله بذلك فقد اجتمع له خير كثير.

стр. 2032

الفصل الأول في أدعية مطلقة

стр. 2033

٣٠٤١ - *روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "دعوة ذي النون، إذ دعا في بطن الحوت، قال: لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين: ما دعا بها أحد قط إلا استجيب له". ٣٠٤٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب". ٣٠٤٣ - * بن أنس ﵀ بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون". وفي أخرى: "إذا أردت فتنة في الناس فتوفني". ٣٠٤٤ - * ار عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب علي وإن أردت بعبادك فتنة أن تقبضني غير مفتون". ٣٠٤٥ - *روى مسلم عن علي ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ "قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى: هدايتك الطريق، والسداد: سداد السهم".

стр. 2034

٣٠٤٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من سأل الله الجنة ثلاثاً، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات، قالت النار: اللهم أجره من النار". ٣٠٤٧ - *روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء قولوا: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". ٣٠٤٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "اللهم ضع في أرضنا بركتها وزينتها وسكنها". ٣٠٤٩ - * روى أبو داود عنعبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: "رب أعني، ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شاكراً، لك ذاكراً، لك راهباً، لك مطواعاً، لك مخبتاً، إليك أواهاً منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعواتي، وثبت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري".

стр. 2035

هذه رواية الترمذي. ورواية أبي داود مثلها- وفيها بعد قوله- "إليك مخبتاً": "أو منيباً"، ولم يذكر "أواها". ٣٠٥٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقطاع عمري". ٣٠٥١ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: ضاف النبي ﷺ ضيف فأرسل إلى أزواجه يبتغي عندهن طعاماً فلم يجد عند واحدة منهن فقال: "اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك فإنه لا يملكها إلا أنت؛ فأهديت إليه شاة مصلية فقال: هذه من فضل الله ونحن ننتظر الرحمة". ٣٠٥٢ - *روى أحمد عن عمران بن حصين أو غيره أن حصيناً أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد: لعبد المطلب كان خيراً لقومه منك، كان يطعمهم الكبد والسنام وأنت تنحرهم، فقال النبي ﷺ : "ما شاء الله أن يقول فقال له ما تأمرني أن أقول: قال: قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري قال: فانطلق فأسلم الرجل ثم جاء فقال: إني أتيتك فقلت لي: قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري، فما أقول الآن؟ قال: قل اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما علمت وما جهلت". وسيرد في أواخر الفصل التالي: الاستعاذات بسياق آخر.
следующие страницы →