← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٣٢٠ - * روى النسائي عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: "شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمسُ، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١) فأمر رسول الله ﷺ بلالاً فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يُصليها في وقتها، ثم أقام للعصر، فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها". ٣٢١ - * روى مالك عن نافع - مولى ابن عمر "أن عبد الله بن عمر ﵄ أغمِيَ عليه، فذهب عقلهُ، فلم يقضِ الصلاة. قال مالك: "ذلك فيما نُرَى - والله أعلم- أن الوقت ذهب، فأما من أفاق وهو في وقت، فنه يُصلي". أقول: ما ورد في النص مذهب مالك وهذه قضية فيها خلاف مذهبي سنراه في المسائل والفوائد. ٣٢٢ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يقول: "من نسيَ صلاةً فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فإذا سلم الإمام فليصلِّ الصلاة التي نسي، ثم ليصل بعدها الأخرى".

стр. 212

مسائل وفوائد حول قضاء الفائتة - إذا فاتت الإنسان صلاةٌ لعذر وأراد أن يصليها فإنه ينوي فيها القضاء، ويرى بعض الفقهاء أنه ينوي في قضائها صلاة آخر وقت - ويعيِّنه- أدركه ولم يصله. - رأينا أن الإمام أحمد يُكفر تارك الصلاة عمداً فهو عنده مرتد، بينما الأئمة الثلاثة لا يكفرونه إلا إذا جحدها أو استخف بها، وفي مذهب أحمد روايتان في وجوب القضاء عليه، إحداهما لا يلزمه والثانية يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال ردته، والمذاهب الثلاثة الأخرى متفقة على وجوب قضاء الصلاة سواء تركها لعذر مع استثناءات في بعض الأحوال: عند المالكية: لا يجب القضاء لجنون أو إغماء أو كفر أو لفقد الطهورين إذا استغرق الوقت وأجمع الفقهاء على أن الصلاة تسقط عن المرأة أيام الحيض والنفاس، فلا يجب عليها قضاء ما فاتها من الصلوات أثناء ذلك، وذكر الحنفية: وذكر الحنفية: أن الصلاة تسقط عن المجنون والمغمى عليه إذا استمر الجنون أو الإغماء أكثر من خمس صلوات، أما إذا استمر خمس صلوات فأقل وجب عليه القضاء، وأما المرتد فلا يقضي ما فاته زمن الردة وما قبلها إلا الحج، وقال الشافعية: وأما المرتد إذا أسلم فيلزمه قضاء الصلاة، ومن زال عقله بجنون أو إغماء أو بسبب مباح فلا تجب عليه الصلاة ولا قضاء عليه، أما من زال عقله بسبب محرم كمن شرب المسكر، أو تناول دواء من غير حاجة، فيجب عليه القضاء إذا أفاق. وعند الحنابلة: يقضي المغمى عليه جميع الصلوات التي فاتته في حال إغمائه. - قال الحنفية: تقضي الصلاة على الصفة التي فاتت عليها حضراً أو سفراً، فمن فاتته صلاة مقصورة من الصلاة قضاها ركعتين ولو في الحضر، ومن فاتته صلاة تامة في الحضر قضاها كما هي ولو في السفر، وأما صفة القراءة في القضاء سراً أو جهراً فيراعى فيها نوع الصلاة، فإن كانت سرية كالظهر يسر في القراءة، وإن كانت جهرية يجهر فيها إن كان إماما، ويخير بين لجهر والإسرار إن كان منفرداً. - إذا كان الإنسان مسافراً، وترخص في الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب

стр. 213

والعشاء، ونوى التأخير ووصل إلى بلده، فإنه ينوي القضاء في الصلاة التي فاتته قبل فريضتها. - لا تقضي النوافل عند الحنفية إلا الوتر لأنه واجب عندهم وسنة الصبح إذا فاتت مع فريضتها أما إذا صلى الفريضة في وقتها فلا يصل بعدها سنة الصبح إذا فاتته قبل فريضتها. وتقضي الفائتة في جماعة، ويشترط الحنفية أن تكون صلاة الإمام والمأموم واحدة. - ويجب القضاء فوراً، ويجوز تأخيره عند الحنفية لعذر السعي على العيال، وفي الحوائج على الأصح، وقال الشافعية: إذا فاتت الصلاة لعذر: كنوم ونسيان يندب له القضاء الفوري ندباً، وإذا فاتته لغير عذر يجب عليه القضاء فوراً. - وترتيب الفوائت سنّة عند الشافعية، وهناك تفصيلات كثيرة في المذاهب الثلاثة الأخرى، يمكن أن يعرفها كل إنسان من خلال تفقهه في مذهبه، فجمهور الفقهاء يروْن وجوب الترتيب إذا قلت الفوائت، فعند الحنفية مثلاً: يجب الترتيب ما دامت الفوائت أقل من ست، ولا يجب إذا صارت ستاً فما فوق، وإذا ضاق الوقت الأصليُّ للصلاة الحاضرة أو نسي الفائتة وقت الأداء. - قال الشافعية: وترتيب الحاضرتين المجموعتين تقديماً - بسبب يجيز الجمع عندهم - واجب وأما الترتيب إذا كان الجمع جمع تأخير، فهو سنّة. - من كان عليه فوائت كثيرة لا يدري عددها، فعند الحنفية يجب عليه أن يقضي حتى يغلب على ظنه براءة ذمته وعند المالكية والشافعية والحنابلة حتى يتيقن براءة ذمته. وعند هؤلاء يكفي تعيين الوقت كالظهر، وعند الحنفية ينوي مع تعيين الوقت أول أو آخر صلاة وقت أدركه وقتها ولم يصلِّ. - يجوز عند الحنابلة والشافعية والمالكية القضاء في أي وقت، ولا يجوز عند الحنفية عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع قدر رمح أو رمحين، وعند استواء الشمس في وسط السماء إلا أن تميل إلى جهة المغرب، وعند اصفرار الشمس حتى تغرب، وما عدا ذلك فإنه يجوز له القضاء

стр. 214

ولو بعد صلاة الفجر وبعد العصر وذلك قبل اصفرار الشمس أو طلوعها. - قال الحنفية: إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح فسدت عليه صلاته، وعليه أن ينتظر حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين، فيصليها قضاءً، وقال المالكية والشافعية والحنابلة، يستمر في صلاتها ويتمها وقد صحت. (انظر: الدر المختار ١/ ٤٨٥ فما بعدها، والشرح الصغير ١/ ٣٦٤ فما بعدها، والمهذب ١/ ٥١، ٥٤، والمغني ١/ ٦٠٧ فما بعدها، والفقه الإسلامي ٢/ ١٣١ - ١٤٥). * * *

стр. 215

الفصل الثالث في صلاة الصبي ٣٢٣ - * روى أبو داود عن سبْرَة بن معبد الجُهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُرُوا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" وفي رواية (١) قال: "علموا الصبيَّ الصلاة ابن سبعٍ، واضربوه عليها ابن عشرٍ". أقول: يجب على أولياء الصبي أن يؤهلوه للقيام بالتكليف بعد البلوغ، وذلك يقتضي منهم تعليمه وتأديبه وتعويده على مكارم الأخلاق وترك مساوئها، كما يقتضي تحديد وجهته في أموره الدنيوية على مقتضى الشريعة، فيدرب أو يوجه إلى ما يناسبه من مهنة أو حرفة، وبالنسبة للصلاة فقد حدد الحديث السن التي يجب الأمر فيها بالصلاة وتعليمها، أما ما قبل هذا السن فيندب لأوليائه أن يأمروه ويعلموه، فإذا بلغ عشراً فعلى أوليائه ألا يكتفوا بالأمر بل يزيدوا على ذلك الضرب بيد لا بخشبة ونحوها، إذا لم يصل، وإذا لم يكن لليتيم ولي يرعاه فعلى وصيه وجيرانه ومن يعرفه أن يولوا توجيهه وتعليمه بالقدر الممكن له، وما يقال في حق الذكور، يقال في حق الإناث ويتولى النساء - حال فقد الأولياء - أمر التوجيه والتعليم لهن ولا حرج على الرجال أن يؤدبوا، إذا أُمِنت الفتنة ولم يوجد محظور. ٣٢٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبعٍ، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشرٍ، وفرِّقُوا بينهم في المضاجع". زاد في رواية (٢) "وإذا زوَّجَ أحدُكم خادِمَهُ

стр. 216

= عبدهُ أو أجيرهُ - فلا ينظرُ إلى ما دون السُّرةِ وفوق الرُّكبة". أقول: الأصل: أن الأمة بالنسبة لسيدها كالزوجة في جواز النظر والاستمتاع، فإذا زوّج السيد أمته لأحد، فإن الحديث يحظر عليه أن يرى ما بين السرة والركبة. ٣٢٥ - * روى أبو داود عن معاذ بن عبد الله بن خُبيبٍ الجُهني قال راويه-[هشامُ بن سعدٍ]-: "دخلنا عليه، فقال لامرأته: متى يُصلِّي الصبيُّ؟ قالتْ: نعم كان رجل منا يذكر عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن ذلك؟ فقال: "إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة". أقول: هذا الحديث محمول على الندب، والأمر بالصلاة لسبع محمول على الوجوب. ٣٢٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "عرضني رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ وأنا ابن أربع عشرة، فلم يُجزْني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني" قال نافع: "فقدمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفةٌ، فحدثته هذا الحديث، فقال: إن هذا لحدُّ ما بين الصغير والكبير، فكتب إلى عُمَّاله: أن يفرضُوا لمن بلغ خمس عشرة سنة، وما كان دون ذلك فاجعلوه في العيال". وانتهت رواية أبي داود والنسائي عند قوله: "فأجازني". وزاد أبو داود في رواية أخرى نحو ما بقي من الحديث. أقول: إن بلوغ الصبي مبلغ الرجال، وبلوغ الفتاة مبلغ النساء هو الذي ينقلهما إلى طور التكليف، فلا يحاسبان على ما يفعلانه قبل البلوغ، والبلوغ بالنسبة للمرأة يكون بالحيض أو بالحبل أو بالاحتلام، فإذا لم يكن شيء من ذلك (١)، فمتى بلغت الخامسة عشرة

стр. 217

سنة قمرية يحكم لها بالبلوغ، وأما الذكر فبلوغه بالاحتلام، أو بالإنزال فإذا لم يكن شيء من ذلك، فمتى بلغ الخامسة عشرة سنة قمرية، ولما كانت بعض القضايا تخفي، ويمكن أن يكون فيها دعوى، فإن السن ف حق الغير أو في بعض الأعمال هي الفيصل. ٣٢٧ - * روى ابن خزيمة عن حَرْمَلة بن عبد العزيز عن عمه عبد الملك بن الربيع عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "علِّموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشرٍ". قال البغوي في شرح السنة ٢/ ٤٠٧ حول هذه الأحاديث. وفي الحديث دليل على أن صلاة الصبي بعدما عقلَ صحيحة، واختلف أهل العلم في صحة إسلامه، فذهب قوم إلى أنه لا يصحُّ إسلامهُ، كما لا يصح شيء من تصرفاته وعقوده، وهو قول الشافعي. وذهب قوم إلى صحة إسلامه، وهو قول الحسن، وبه قال أصحاب الرأي، وقالوا: لو ارتد لا يُحكمُ بكفره. ولو أدى الفرض في أوَّلِ الوقت قبل البلوغ، ثم بلغ والوقتُ باقٍ اختلفوا في وجوب الإعادة عليه، وهو قول أصحاب الرأي، فأوجب بعضهم الإعادة، وهو قول أصحاب الرأي، ولم يوجب بعضهم، وهو ظاهرُ قول الشافعي. قال الشافعي، على الآباء والأمهات أن يؤدبُوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة، ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا، فمن احتلم أو حاض، أو استكمل خمس عشرة، لزمه الفرضُ. وروى عن ابن عباس أنه قيد عكرمةَ على تعليم القرآن والسنن والفرائض. قال ابن عمر: أدِّب ابنك فإنك مسؤول عن ولدك ماذا علمْتَهُ، وهو مسؤول عن بِرِّك وطواعيته لك.

стр. 218

قلت [أي البغوي]: وقد قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) وفي تعليمهم أحكام الدين، وشرائع الإسلام قيام بحفظهم عن عذاب النار، وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢) وإثني على إسماعيل ﷺ بها. فقال ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ (٣). وقيل: أراد بالأهل: جميع أمته، وكذلك أهلُ نبي أمته. ورُوي عن علي في قوله: (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً). قال علموهم، أدبوهم، وعن ابن عباس مثله، ا. هـ. ٣٢٨ - * روى البخاري عن ابن عباس، قال: مرّ عليُّ بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت، أمر عمر برجمها. فرجَّعَها عليٌّ وقال لعمر: يا أمير المؤمنين ترجُم هذه؟ قال: نعم. قال: أو ما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: "رُفِع القلمُ عن ثلاثٍ، عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم". قال صدقت فخلَّي عنها.

стр. 219

مسائل وفوائد - قاس العلماء الصيام على الصلاة في أن الطفل يؤمر به ويعود عليه من سن السابعة، ويضرب عليه إذا بلغ العاشرة ضرباً خفيفاً من باب إظهار الغضب، إذا كان يطيق جسمه ذلك. - متى بلغ الإنسان ذكراً كان أو أنثى أصبح مكلفاً بكل أنواع التكليف من العقيدة إلى العبادة إلى الأخلاق إلى كسب الحلال إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكلف الذكر بالجهاد، والأنثى لها تكليفاتها الخاصة، هذا وكل نوع من أنواع التكليف يدرب عليه الإنسان قبل البلوغ، وهو بعد أن يبلغ سن التمييز أي السابعة مأجور على ما يفعله من خير غير مأزور على ما يفعله من ذنب، ومن كان له فضل تربيته عليه، فإنه يؤجر بما يفعله من خير، وإذا كان إثم الصبي سببه تقصير من تجبُ عليه تربيته، فإنه يأثم بقدر تقصيره، فكيف إذا دفعه إلى شر، وعوّده عليه، ومما نص عليه الفقهاء أن الأم لا توجه الطفل نحو القبلة لبوله، كنوع من أنواع التعويد على الخير والنهي عن الشر. - لا يعتبر الإنسان مكلفاً قبل البلوغ إلا أن الشافعية والمالكية والحنابلة أوجبوا في ماله الزكاة، والحنفية لا يرون ذلك لأنه عبادة وهو لا يطالب بالعبادات، وإذا كان للإنسان مال قبل البلوغ فنفقته في ماله. - وقد طولب أولياء الولد بأن يبدأوا حياته بأنواع من الخير قياماً بحقه واحتفاءاً به وإشعاراً بما ينبغي في شأنه، ومن ذلك استحباب التأذين في أذن المولود اليمين حين يولد وبعضهم يستحب الإقامة في أذنه اليسرى زيادةً على التأذين في اليمنى، واستحب بعضهم أني قال في أذن المولود اليمنى ما قالته أمُّ مريم (عليها الرضوان): ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) وتستقبل ولادة الطفل بالعقيقة وحلق شعر رأسه في اليوم السابع أما العقيقة فيؤكل من لحمها ويوزع، وأما شعره فيتصدق بوزنه ذهباً أو فضةً، ومما يستقبل به حسن اختيار الاسم، وكل ذلك من مظاهر الاعتناء بالطفل. - ومما ينبغي أن يلاحظ في حق الطفل ختانه، على خلاف بين الفقهاء في الوقت

стр. 220

المستحب للختان، وبالنسبة لعورة الصغير فالحنفية قالوا: لا عورة لمن عمره أربع سنين فأقل، فيباح النظر إلى بدنه ومسه، ثم ما دام لم يشته فعورته القبل والدبر ثم تغلظ عورته فيجب ستر ما حول القبل والدبر إلى عشر سنين وبعد العاشرة تعتبر عورته كعورة البالغ. أما المالكية، فعورة الصغير والصغيرة في الصلاة بعد تمام السبع كالبالغ، وأما خارج الصلاة فالطفلة ما دامت دون السنتين وثمانية أشهر لا عورة لها، ويباح نظر الرجل إلى البنت كلها حتى الرابعة وينبغي التنزه عن ذلك، ولكن لا يحق للرجل أن يغسلها، ومتى بلغت الفتاة ست سنين أصبحت كالمرأة في الأحكام، أما الطفل فعورته خارج الصلاة يكون لها حكم الرجال متى بلغ ثلاث عشرة سنة، وابن ثمان سنين فأقل لا عورة له، فيجوز للمرأة النظر إلى جميع بدنه وتغسيله، وابن تسع إلى اثنتي عشرة سنة، يجوز للمرأة النظر إلى جميع بدنه ولكن لا يجوز تغسيله. وقال الشافعية: عورة الصغير ولو غير مميز كالرجل ما بين السرة والركبة، وعورة الصغيرة كالكبيرة، وعلى هذا فيحتاط في شأن عورة الطفل والطفلة الصغيرة، إلا فيما لابد منه. وقال الحنابلة: الصغير الذي لم يبلغ سبع سنين لا عورة له، وبنت سبع إلى عشر عورتها في الصلاة ما بين السرة والركبة وأما خارج الصلاة فمثل الكبيرة فعورتها أمام المحارم ما بين السرة والركبة، ويستحب لها الاستتار وستر الرأس كالبالغة احتياطاً أمام الأجانب فعورتها جميع بدنها إلا الوجه والرقبة والرأس واليدين إلى المرفقين والساق والقدم، وابن عشر وبنت عشر كالبالغ في أحكام العورة، والمسلم في شأن ابنه وابنته يحتاط ما أمكن، فيعودهما على الستر منذ الصغر، ويعودهما على عدم الظهور بغير المنظر الأكمل، والأم تراعي ذلك ما أمكن، والحرج مرفوع شرعاً. - ومما ينبغي أن يلحظه الدعاة في عصرنا أن يركزوا في خطاب غير المسلمين أثناء دعوتهم إلى الإسلام، على أن الإسلام دين يرعى الطفولة والأمومة والضعفاء ويراعي حق المرأة، وأنه دين رحمة للإنسان والحيوان، فهذه معان لها تأثيرها في قلوب الكثيرين، إلا أن المسلم ينبغي أن يكون دقيقاً وهو يعرض هذه المعاني، فإن مما يخشى منه، أو يقول كلمة

стр. 221

غير دقيقة فقهياً: فيقع في تحريم حلال أو تحليل حرام، فهو عندئذ بين كفر وفسوق. (انظر في أحكام العورة: رد المحتار ١/ ٢٧٠ وما بعدها، والشرح الصغير ١/ ٢٨٥، والمهذب ١/ ٦٤ فما بعدها، والمغني ١/ ٥٧٧ والفقه الإسلامي ١/ ٥٨٤ وما بعدها و ٥٩٦ وما بعدها).

стр. 222

الفصل الرابع في ذكر بعض من لا تُقبل صلاتهم ٣٢٩ - * روى مسلم عن النبي ﷺ قال: "إذا أبَقَ العبدُ لم يقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه". وفي رواية (١) عن عروة بن رويم: عن ابن الديلمي، الذي كان يسكن بيت المقدس، أنه مكث في طلب عبد الله بن عمرو بن العاص بالمدينة فسأل عنه، قالوا: قد سار، إلى مكة، فأتبعهُ فوجده قد سار إلى الطائف، فأتبعه فوجده في زرعة يمشي مخاصراً رجلاً من قريشٍ، والقرشي يزنُّ بالخمر، فلما لقيتهُ سلمْتُ عليه، وسلم عليَّ. قال: ما غدا بك اليوم ومن أين أقبلت؟ فأخبرته ثم سألته هل سمعت يا عبد الله بن عمرو رسول الله ﷺ ذكر شراب الخمر بشيء؟ قال نعم. فانتزع القرشي يده ثم ذهب، فقال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لا يشربُ الخمر رجل من أمتي فيُقْبَلُ له صلاةٌ أربعين صباحاً". أقول: إن هناك حيثيتين في إقامة الصلاة الأولى: سقوط إثم الترك بإقامتها، والثانية: نوال الأجر بفعلها، فمن أقام الصلاة ممن وردت فيهم نصوص أنه لا تُقبل صلاتهم، فهؤلاء يسقط الإثم عنهم بإقامة الصلاة، ولكن لا ينالون ثواب الصلاة التي وُعد بها غيرهم. ٣٣٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شَرِب الخمر لم تُقبَل له صلاةٌ أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب، تاب الله

стр. 223

عليه، فإن عاد لم يقبل الله صلاة أربعين صباحاً فإن تاب، تاب الله عليه فإن عاد في الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فن تاب لم يتب الله عليه، وسقاه من نهر الخبال". قيل: يا أبا عبد الرحمن، وما نهرُ الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النار". وفي رواية (١) قال: "من شرب الخمر فلم يُنتشِ، لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء، وإن مات مات كافراً، وإن انتشى، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، وإن مات فيها مات كافراً"، جعله موقوفاً على ابن عمر. ٣٣١ - * روى مسلم عن مُصعب بن سعدٍ، قال دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعودهُ وهو مريضٌ. فقال: ألا تدعو الله لي، يا ابن عمر؟ قال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ "لا تُقْبَلُ صلاةٌ بغير طهورٍ، ولا صدقةٌ من غلولٍ" وكنت على البصرة. ٣٣٢ - * روى الشيخان عن همام وهب بن مُنبِّهٍ؛ قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمدٍ رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ "لا تُقبلُ صلاة أحدكم، إذا أحدث، حتى يتوضأ". ٣٣٣ - * روى أحمد عن عائشة ترفعه إلى رسول الله ﷺ : "لا تُقبلُ صلاة الحائض

стр. 224

إلا بخمار". ٣٣٤ - * روى أحمد عن بعض أمهات المؤمنين عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء، لم تُقبلْ له صلاةٌ أربعين ليلة" (١). * * *

стр. 225

الباب الثاني في شروط الصلاة وفيه مقدمة وفصول * الفصل الأول: في الطهارة وهي الشرط الأول من شروط الصلاة. * الفصل الثاني: في دخول الوقت وهو الشرط الثاني من شرط الصلاة. * الفصل الثالث: في ستر العورة وهي الشرط الثالث من شروط الصلاة. * الفصل الرابع: في استقبال القبلة وهي الشرط الرابع من شروط الصلاة. * الفصل الخامس: في النية وهي الشرط الخامس من شروط الصلاة.

стр. 226

مقدمة الشرط: في اصطلاح العلماء: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان خارجاً عن ماهيته، فالوضوء مثلاً شرط للصلاة خارج عنها. وشروط الصلاة عند الحنفية خمسة، وهي شروط مجمع عليها بين العلماء مع خلاف في بعض التفصيلات، ومع زيادات عند بعضهم عليها، الشرط الأول: الطهارة، الشرط الثاني: دخول الوقت، الشرط الثالث: ستر العورة، الشرط الرابع: استقبال القبلة، الشرط الخامس: النية. والدليل القرآني للنية قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١). والدليل القرآني لاستقبال القبلة قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢). والدليل القرآني لستر العورة قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٣) قال ابن عباس: المراد به الثياب في الصلاة. والدليل القرآني لدخول الوقت: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٤) أي فرضاً مؤقتاً محدوداً بوقت. والدليل القرآني لاشتراط الطهارة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٦). والشروط كلها في اصطلاح الفقهاء فرائض، فهي كالأركان في فرضيتها، غير أن الركن يكون داخل الماهية، والشرط خارجها.

стр. 227

فشروط الصلاة إذن خمسة كما ذكرنا، فلا تصح الصلاة بدون معرفة الوقت يقيناً أو بغلبة ظن بالاجتهاد، ويجب ستر العورة في الصلاة ولو كان خالياً في ظلمة عند القدرة، وحد العورة التي يفترض سترها في الصلاة يدخل فيه: القبل والدبر وما حولهما والفخذان والركبة عند الحنفية، وأما المرأة فكلها عورة في الصلاة ما عدا الوجه والكفين وما عدا القدمين عند الحنفية والجمهور وإن خالفوا الحنفية في ستر الركبة بالنسبة للرجال لكنهم يقولون يجب ستر شيء منها ومن السرة، وبعضهم يرى ستر السرة اتفق الفقهاء على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، إلا في شدة الخوف، وصلاة النافلة للمسافر على الراحلة، وإلا مع العجز كالمربوط والمريض الذي لا قدرة له على التحول على خلاف في الأخير فيما إذا كان يجد من يحوله أو لا يجد، ويجب التحري والاجتهاد في القبلة إذا اشتبهت عليه جهتها ولم يجد أحداً ثقة يخبره عن علم. والنية عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله، وهي واجبة في الصلاة باتفاق العلماء لتتميز العبادة عن العادة، وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى. ويدخل في الطهارة: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، والحدث الأكبر: الجنابة والحيض والنفاس، والطهارة من الحدث الأصغر بالوضوء، ومن الحدث الأكبر بالغسل، والتيمم بديل عنهما بشروطه، والطهارة من الحدثين شرط في كل صلاة- مفروضة أو نافلة - وهي فريضة حتى في سجدة التلاوة وسجدة الشكر، فمن صلى بغير طهارة لم تنعقد صلاته، كما يدخل في الطهارة: الطهارة عما اعتبره الشرع نجاسة على خلاف في القدر المعفو عنه، وعلى خلاف عند بعض المالكية في هذا الموضوع، فمشهور مذهب المالكية أن الطهارة من النجس سنة مؤكدة وهي رخصة يُفتى بها عند الضرورة، إلا أن المفتى به عند المالكية أنها فرض والجمهور على أنه يشترط لصحة الصلاة الطهارة من النجس الذي لا يعفى عنه في الثوب والبدن والمكان. ونحن سنبدأ في عرض الشرط الأول للصلاة وهو الطهارة، وإذ كان يتوضع حول بحث الطهارة مواضيع متعددة لتعلق الطهارة بالصلاة وغيرها، فسنذكر ذلك كله بهذه المناسبة.

стр. 228

الفصل الأول: في الطهارة وهي الشرط الأول من شروط الصلاة . وفيه مقدمة وفقرات الفقرة الأولى: في أهمية الطهارة. الفقرة الثانية: في أحكام المياه. الفقرة الثالثة: في الأعيان الطاهرة. الفقرة الرابعة: في قضاء الحاجة والاستنجاء. الفقرة الخامسة: في الوضوء ونواقضه. الفقرة السادسة: في المسح على الخفين. الفقرة السابعة: في الغسل وموجباته. الفقرة الثامنة: في التيمم. الفقرة التاسعة: في الأوضاع الاستثنائية التي لها أحكام خاصة في الطهارة.

стр. 229

مقدمة الطهارة: معنى تعبدي من آثارها النظافة ولكنهما لا يتلازمان دائماً، فقد يكون الإنسان نظيفاً وليس طاهراً وقد يكون طاهراً وليس نظيفاً، ولكن لارتباط الطهارة في الغالب بالماء، ولكون الماء أداة النظافة الرئيسية فقد ارتبطت الطهارة بالنظافة، ولكنهما لا يتطابقان ولا يتلازمان، فالطهارة مقصودة بذاتها في شريعتنا، والنظافة مقصودة بذاتها في شريعتنا، وهذه عبادة وهذه عبادة أخرى إذا صحت النية، فإذا اغتسلت المرأة وهي حائض بماء نظيف طاهر فهي نظيفة ولكن لا يحكم لها بالطهارة، وإذا اغتسل الجنب بماء وسخ طاهر فإنه يحكم له بالطهارة مع أنه غير نظيف، وقد تكون الثياب نظيفة وليست طاهرة كأن غسلت بالكحول على رأي من يعتبر الكحول نجساً (وهي قضية خلافية)، وقد تكون وسخة ويحكم لها بالطهارة، فالطهارة إذن معنى تعبدي يحكم به إذا توافرت شروط ذلك من انتفاء مانع وتحقيق مطلوب. * * * والطهارة يقابلها النجاسة، وكما أن الطهارة معنى تعبدي يعطيه الشارع وصفه ويحدد شروطه، فكذلك النجاسات يعطيها الشارع وصفها ويحددها، وهي شيء قد يتلازم مع الضرر والقذارة وقد لا يتلازم، فما يخرج من الإنسان فيه معنى الضرر والقذر والنجاسة، ودم الإنسان والحيوان نجس وضار، ولا يعتبره بعضهم قذراً، والجراثيم ضارة ومستقذرة وليست نجسة، وقد يكون الشيء وسخاً ليس ضاراً ولا نجساً كالثوب الملوث بالطين، ومن ههنا كانت قضية الطهارات والنجاسات لا تخضع لمقاييس الاجتهاد البشري بل هي أحكام شرعة يقررها الشارع. والمسلم مطالب بالعلم بأحكام الطهارة والنجاسة ومطالب بالطهارة حيث وجبت لعبادة، كما أنه مطالب بالنظافة ومطالب بالابتعاد عما هو ضار وقذر. * * * والنجاسات أنواع فمنها الحسي كالبول والغائط والدم ومنها المعنوي كالكفر والحدث

стр. 230

الأكبر والحدث الأصغر. والطهارات أنواع: فمنها الطهارة المعنوية من الشرك والكفر وأمراض القلوب، ومنها الطهارة الحسية بالغسل للحائض والنفساء إذا طهرتا وللجنب، وبالوضوء للمحدث حدثاً أصغر مع إزالة النجاسات الحسية عن الثوب والبدن والمكان لمريد الصلاة أو الطواف، أو إزالة الحدث الأصغر والأكبر لمريد من القرآن، أو إزالة الحدث الأكبر لمريد المرور بالمسجد أو تلاوة القرآن. وعلى هذا فالقدر المطلوب من الطهارة يختلف باختلاف العبادة المرادة: فالإنسان يطالب أولاً بالطهارة من الكفر بأن يُسْلم، فإذا أسلم ودخل وقت صلاة يفترض عليه الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر - إلا المرأة إذا كانت حائضاً أو نفساء، فإذا أحدث حدثاً أصغر وأراد مس القرآن فعليه أن يتوضأ. * * * ولفقه الطهارة صلة بتكليفات كثيرة، فله ارتباط بالصلاة لأن الطهارة شرطها الأول، وله صلة بأحكام المساجد وتلاوة القرآن والطهر من الحيض والنفاس ترتبط به أحكام كثيرة في حق المرأة من عدم وجوب الصيام في رمضان إلى وجوب الغسل والصلاة، وللحيض والنفاس والطهر منهما أحكام تتعلق بالحياة الزوجية كما ترتبط بهما أو بواحد منهما أحكام العدة للمطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن كالحوامل. وللطهارة صلة ببعض أحكام الحج، ومن ثم كان لفقه الطهارة أهمية كبيرة فدع عنك جهل الجاهلين بل كفر الكافرين، وتنطع المتنطعين. * * * والحيض والنفاس والجنابة تسبب الحدث الأكبر الذي يحتاج إلى غسل، والبول والغائط والاستحاضة تسبب الحدث الأصغر الذي يحتاج إلى وضوء، والمادة المطهرة الرئيسية من النجاسات الحسية هي الماء، والمادة المطهرة الأصلية من الحدثين الأكبر والأصغر هي الماء، وهناك حالات استثنائية ينوب فيها عن الماء غيره، وهناك حالات عارضة أو طارئة، وهناك حالات خاصة لها أحكام خاصة ومن ههنا غيره تدخل في أبحاث الطهارة مباحث متعددة:

стр. 231

- البحث في أحكام الوضوء والغسل على اعتبار أنهما العبادتان اللتان يزال بهما الحدث الأصغر والحدث الأكبر. - البحث في أحكام المياه على اعتبار أنها مادة الطهارة الأساسية والرئيسية والأصلية. - البحث في التيمم كنائب عن الغسل والوضوء في حالات تعذر استعمال الماء أو فقدانه. - ويتوضع حول هذا أبحاث المسح على الخفين كنائب عن غسل الرجلين في الوضوء ضمن شروط، وأبحاث المسح على الأربطة والجبائر إذا كانت هناك كسور أو جروح أو حروق أو بثور، وتبحث عادة في أبحاث الطهارة موجبات الحدث الأكبر من حيض أو نفاس أو جنابة بسبب جماع أو احتلام أو خروج مني، وتبحث عادة موضوعات الأعذار التي تؤثر على بعض الأحكام الأصلية كسلس البول وانفلات ريح. وتبحث عادة موضوعات الاستنجاء والاستبراء والحمامات في هذا الباب لارتباطها بالطهارة. ولكون الطهارة هي الشرط الأول من شروط الصلاة فإنها تقدم عادة في الذِّكر. * * * والطهارة وتطبيقاتها العملية تترك بصماتها الواضحة على الحياة الشخصية للمسلم وعلى بيته وعلى بيئته ومجتمعه، ومن ثم فإنها تترك بصماتها المميزة على الحضارة الإسلامية: فالمياه الطهور وطريقة استعمالها للطهارة والحمامات والمراحيض النظيفة ذات المياه الجارية للبيت والمسجد وأدوات الطهارة ولوازمها وتنظيم الحياة التعبدية على أساس الطهارة، وارتباط جواز بعض الأمور أو حرمتها بالطهارة كل ذلك مَعْلَمٌ كبير من معالم الحياة الإسلامية ينعكس بشكل تلقائي على أمور كثيرة: أولها نظافة جسم الإنسان وثيابه ونظافة أطرافه، وثانيها أنه في المجتمع الإسلامي تجد عوازل بين بعض الأشياء والإنسان كالكلاب، وثالثها أن المجتمع الإسلامي مجتمع وقاية. * * * وسنرى أثناء عرض النصوص أن هناك تلازماً بين طهارة الظاهر والباطن فطهارة

стр. 232

الظاهر تنعكس على الباطن فتزيل آثار الخطايا وتساعد على طهارة الروح، وكل ذلك يترك آثاره على التعامل الحياتي بين المسلمين، إن الإمام ليعكر عليه أن تكون طهارة المأموم ناقصة، أليس ذلك دليلاً على أن للطهارة تأثيراتها على الروح والقلب وعلى الغير وبالتالي على السلوك. وكما أن الطهارة مدخل لبعض العبادات فهي عبادة بعينها وكما ارتبطت بها معان روحية كثيرة، فقد ارتبطت بها معان حسية كأثر عفوي عنها. خذ مثلاً ارتباط الوضوء والصلاة بالسواك، إن أمراض الفم لها تأثيراتها على الجسد كله، واستعمال السواك أو ما يقوم مقامه يشكل تسعين بالمائة من لوازم الوقاية، ونظافة الأطراف في الوضوء، ونظافة الجسد بالغسل وتنظيم الليل والنهار على ضوء الصلاة- كل ذلك له تأثيراته الحسية. وكنا ذكرنا أن النظافة والطهارة تتلازمان أحياناً وتتكاملان أحياناً، فليس كل طاهر نظيفاً وليس كل نظيف طاهراً، كما قلنا: إن الطهارة مطلب شرعي والنظافة مطلب شرعي كذلك، وبالتالي فالمسلم مطالب بقدر الاستطاعة أن يكون طاهراً، ونظيفاً وبالتالي فهو مطالب بأن يطهر نفسه وثيابه عن النجاسات الحسية والمعنوية وعن الأوساخ والأقذار الحسية والمعنوية. وكما أن النظافة مطلب، فحسن السَّمْت والهيئة مطلب، إلا إذا أدى إلى مفسدة أو حال دون واجب، فالأصل في المسلم أن يكون حسن السمت حسن الهيئة، لكن هناك مواطن لا يجتمع القيام بالواجب مع مثل هذا فيترك هذا الأصل العام للأصل الخاص، فالإحرام بالحج - عادةً - يرافقه شيء من الشعث، والطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة يقتضيان ترك العادات في ذات الله، والقتال والجهاد والقيام ببعض الأعمال الدنيوية كل ذلك يرافقه نوع من التبذل، وتعويد النفس على الاخشيشان وحملها على ترك التعبد للمظهر، كل ذلك حالات راعاها الشارع وأدَّب عليها ولكنها تكاد تكون استثناءً من الأصل العام الذي هو المطالبة بحسن السمت وحسن المظهر من أجل مراعاة أصول خاصة لقضايا خاصة أعطاها الشارع في أوقاتها أو في أوضاعها أحكاماً خاصة بها. وسنرى كثيراً مما له علقة في هذه الشؤون في مواطنها من هذا الكتاب، لكننا أحببنا

стр. 233

أن نُذكر بها ههنا لاستكمال الإشارة إلى تكامل الطهارة مع غيرها في تكميل ذات المسلم، ولأن النظافة وحسن السمت مرتبطان بالصلوات، فلا يعتبر الحديث عنهما ههنا خارجاً عن الصلاة، لأن الصلاة هي المنظم لحياة المسلم، فالمسلم يندب هل أن يدخل الصلاة أو يذهب إلى المسجد وهو طيب الرائحة ويكره أن يدخل الصلاة أو يذهب إلى المسجد في ثياب العمل إذا كانت تؤذي أو تصيب الغير أو المسجد بالأوساخ إلا للضرورة، ويكره للمسلم أن يُشَمَّ منه رائحة كريهة. وبعد، فعدا عن كون الطهارة هي الفطرة، وهي النظافة لهذه الفطرة إذا أصاب الفطرة غبارٌ ودخنٌ فإنها طريق إلى محبة الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١). وقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٢). فإلى فقرات هذا الفصل.

стр. 234

الفقرة الأولى: في أهمية الطهارة ٣٣٥ - * روى مسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطُّهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأُ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ بُرهانٌ، والصبرُ ضياءٌ، والقرآن حجةٌ لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها". أقول: تأتي كلمة الإيمان ويراد بها الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) فقد جاءت في سياق السؤال عمن صلى قبل تحويل القبلة، وإنما سميت الصلاة إيماناً لأنها تذكر بكل معاني الإيمان، وعن إقامتها تنبثق شعب الإيمان، وسواء كان المراد بالإيمان هنا الصلاة أو الإيمان مطلقاً فالحديث يدل على أهمية الطهارة بالنسبة للصلاة أولاً، وبالنسبة للإيمان مطلقاً إما بشكل مباشر أو من خلال الصلاة. ٣٣٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاةً بغير طُهور، ولا صدقةً من غُلول".

стр. 235

٣٣٧ - * روى أحمد عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "مفتاحُ الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليمُ". أقول: الطهارة رفع حدث أو إزالة نجس بماء أو ما أعطاه الشرع حكمه بشروطه، وطهارة الحدث تختص بالبدن، وطهارة الخبث تكون في البدن والثوب والمكان. والخبث عين مستقذرة شرعاً، والحدث وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة، وطهارة الحدث ثلاث: كبرى وهي الغسل، وصغرى وهي الوضوء، وبدل منهما عند تعرهما وهو التيمم.

стр. 236

الفقرة الثانية: أحكام المياه قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢). الكلام عن المياه أصل أصيل في الطهارة لأنها هي مادتها الأصلية، فالأصل في الماء أنه طاهر مطهر، وتطرأ عليه طوارئ تجعله طاهراً غير مطهر، وعندئذ فهو يزيل الخبث عند الحنفية ولا يزل الحدث، كما تطرأ عليه طوارئ فتجعله متنجساً، وعندئذ فإنه لا يزيل حدثاً ولا خبثاً ويُنجس ما أصابه، والإجماع منعقد على أن النجاسة إذا غيَّرت أحد أوصاف الماء الثلاثة: اللون أو الطعم أو الرائحة، فإنه ينجُس، وقال الحنفية: الماء الطاهر غير المطهر: هو ما استعمل على وجه القربة لله تعالى، فماء الوضوء مثلاً لو جمع، فإنه طاهر غير مطهر، وكل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض، ما دام باقياً على أصل الخلقة أو تغير بشيء لم يسلبه طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي ولم يكن مستعملاً فإنه طاهر مطهر، واتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً فإنه لا يؤثر على طهوريته، فطول المكث والتراب الطهور والخضرة التي تعلو على وجه الماء، وما يصيبه في مقره وممره، وما يخالطه مما يعسر الاحتراز عنه كالتبن وورق الشجر، وأن ما يخالطه من المعادن والكبريت، كل ذلك لا يؤثر على طهوريته. طهارة ماء البحر وأنواع المياه: ٣٣٨ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا نركبُ البحر، ومعنا القليلُ من الماء، فإن توضأنا به

стр. 237

عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو الطَّهُور ماؤه، الحِلُ ميتته". ٣٣٩ - * روى البزار عن موسى بن سلمة قال أوصاني سنانُ بن سلمة أن اسأل ابن عباس عن ماء البحر وعن أي شهرٍ أصومُ، فأتيتُ ابن عباس فقلت: إن أخي أمرني أن أسألك عن الوضوء من ماء البحر، فقال هما البحران لا يضُرُّك بأيهما توضأت وعن أي الشهر أصومُ فقال أيام البيض. فقلت: إنا نكونُ في هذه المغازي فنُصيبُ السبي أفأعتِقُ عن أمي ولم تأمرني؟ قال: أعتقْ عن أمِّك. أنواع المياه: ماء طاهر مطهر: ويسمى الطهور والمطلق الطاهر في نفسه المطهر لغيره: وهو كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض وبقي على أصل الخلقة لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة (لون أو طعم أو ريح) أو تغير بما لا يسلب طهوريته كالتراب وذلك كماء الأودية والعيون والينابيع والآبار والأنهار والبحار وماء الثلج والبرد عذب أو مالح. وماء طاهر غير طهور يزيل الخبث ولا يزيل الحدث عند الحنفية كالماء المستعمل وماء النبات والورد. وماء نجس: وهو ما وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها بتفصيل عند المذاهب بحسب كثرة الماء أو قلته ونوع النجاسة. ويزيد الحنفية الماء الطاهر المكروه تنزيهاً، وهو ما شربت منه الهرة ونحوها، ومشكوك في طهوريته وهو ما شرب منه حمار أو بغل.

стр. 238

(انظر مراقي الفلاح (٣ - ٥) والشرح الصغير ١/ ٣٠ - ٣٦ والمهذب ١/ ٥ والفقه الإسلامي ١/ ١١٣ فما بعدها). ٣٤٠ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قيل: يا رسول الله، إنه يُستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر تُلْقَى فيها لحومُ الكلاب، وخرقُ المحائِضِ، وعُذَرُ الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء". وفي رواية (١) قال: "قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بُضاعة، هي يُطرح فيها الحيضُ ولحمُ الكلاب والنتنُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "الماء طهورٌ لا ينجسه شيء". أخرجه أبو دود، وقال: سمعت قتيبة بن سعيدٍ قال: سألتُ قيِّمَ بئر بُضاعة عن عمقها؟ فقال: أكثرُ ما يكون الماء فيها إلى العانة، قلتُ: فإذا نقص؟ قال: دون العورة". قال أبو داود: قدرْتُ بئر بُضاعة بردائي - مددتُه عليها، ثم ذرعْتُه- فإذا عرضا: ستةُ أذرع، وسألتُ الذي فتح لي باب البُستان فأدخلني إليه: هل غُيِّرَ بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماءً متغير اللون. ومن وجهات النظر حول بئر بضاعة ما قاله صاحب إعلاء السنن بعد تعليق طويل: فقول القائل "يا رسول الله! أنتوضأ من بير بضاعة؟ وهي بير يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض إلخ" معناه: كانت تطرح، ولكنه أبداه في صورة الحال حكاية للحال الماضية، لأجل تصويرها وإحضارها مبالغة في تهجينه والتنفير عنه، ونظيره قولك: "كنت سرت أمس حتى أدخل البلد" كما ذكره الجامي في شرح الكافية (ص ٢٨٧) وهذا لعمري توجيه حسن. وأسند البيهقي في المعرفة عن الشافعي انه قال: "كانت بير بضاعة كثيرة الماء

стр. 239

واسعة كان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لوناً ولا طعماً ولا تظهر فيها ريح" (آثار السنن ١: ٦) قلت: وهذا لا يتصور إلا بكونها أزيد من عشر في عشر لما تشاهد في الحياض الكبيرة، أنها تتغير بإلقاء النجاسة فيها سريعاً، فلابد أن كانت بئر بضاعة أوسع وأزيد من تلك الحياض، حتى أمنت التغير بإلقاء لحوم الكلاب والحيض والنتن فيها. ويؤيده أن تلك البئر قد أطلق عليها اسم الغدير عند عبد الرزاق في مصنفه (١) عن أبي سعيد الخدري بعينه: "أن النبي توضأ أو شرب من غدير كان يلقي فيه لحوم الكلاب والجيف، فذكر ذلك، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء" كذا في كنز العمال (٥: ١٤٠) ومع الاحتمال لا يصح الاستدلال. فحديث بير بضاعة لا يصلح متمسكاً للشافعية أصلاً. وإنما الذي اضطرنا إلى توضيح حديث بئر بضاعة وأنه لا يمكن حمله على ظاهره مطلقاً إلا أن يكون كبيراً أو فيه ماء كثير، وأنه لا يظن بالنبي أنه كان يتوضأ من بير هذه صفته مع نزاهته وإيثاره الرائحة الطيبة ونهيه عن الامتخاط في الماء والبول في الماء الراكد فدل أن ذلك كان في الجاهلية فشك المسلمون في أمرها، فبين أنه لا أثر لذلك مع كثرة النزح) ا. هـ الإعلاء ١/ ١٧٨. ثم ما اتفق عليه الفقهاء وأجمعوا من أحكام حول المياه وطهارتها وما ينجسها قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحة، أنه نجس ما دام كذلك) فالتغير المذكور في بئر بضاعة ينبغي ألا يكون تغيراً بنجس حتى يجوز الوضوء منه، أما إذا وقعت النجاسة في الماء فلم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، فالعبرة عند الفقهاء لجريانه أو لكثرته، والمالكية يرون أن ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل فما دونهما قليل، وعندئذ فهم يحكمون بكراهة الماء فقط إذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة ولم تغيره، ولا كراهة فيما زاد على ذلك، والشافعية والحنابلة يعتبرون أن ما كان دون القُلَّتين فهو قليل ينجس إذا وقعت فيه نجاسة ولو لم تغير أحد أوصافه، والحنفية يرو أن ما كان دون عشرة أذرع في عشرة فهو قليل ينجس ولو بقطرة نجاسة، وينبغي أن يكون عمق الماء إذا بلغ عشرة في عشرة - ليعتبر كثيراً لا تؤثر فيه النجاسة أنه لو اغترف منه المغترف لا يرى قعره، على أنهم يختلفون فيما لو كان الماء سطحه دون العشر

стр. 240

ولكن كثير بحيث لو أنه صب فيما مساحته عشرة في عشرة، فإنه يملؤه بالشرط المذكور، فبعضهم يعتبره في هذه الحالة كثيراً، وعلى هذا فبئر بضاعة متوافر فيه هذا المعنى، فهو كثير، لا تؤثر فيه نجاسة إلا إذا غيرت لوناً أو طعماً أو رائحة. والذراع: حوالي ستين سنتمتراً أو أكثر من ستين سنتمتراً بقليل في اصطلاحاتنا الحالية والقلتان تقدران بـ (٢٧٠) لتراً. وحول تحديد الحنفية للكثير بعشرة أذرع في عشرة اعتراض لبعض المحدثين، قال البغوي في شرح السنة (٢/ ٥٩): وقدَّر بعض أصحاب الرأي الماء الكثير الذي لا ينجس بأن يكون عشرة أذرع في عشرة أذرع وهذا تحديد لا يرجع إلى أصل شرعي يعتمد عليه. وحَدَّه بعضهم بأن يكون في غدير عظيم بحيث لو حرك منه جانب لم يضطرب منه الجانب الآخر وهذا في غاية الجهالة لاختلاف أحوال المحركين في القوة والضعف) ا. هـ. أقول: ليس الأمر كما ذكر الشيخ البغوي فإن الحنفية لم يقولوا باديء الأمر أ، هـ عشرة ف عشرة، ولا أنه بحيث لو حرك طرفه لا يتحرك الطرف الآخر. وإنما في ظاهر الرواية يعتبر فيه رأي المبتلي، وأصح حدَّه ما لا يخلص بعضه إلى بعض في رأي المبتلي واجتهاده ولا يناظر المجتهد فيه، وكان محمد يوقت في ذلك بعشر ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال لا أوَقِّت فيه شيئاً فظاهر الرواية أولى. ولكن منعاً للوسوسة وتوسعة على الناس قدَّره الفقهاء عشرة في عشرة أذرع فهو تيسيرٌ وإن لم يرجع إلى أصل ثم هو يعادل القلتين كما سننقل تحقيقه في كلم صاحب إعلاء السنن بعد قليل. وأما موضوع اختلاف القوة فقد ذكرنا أنها تعتبر بحسب كل شخص هو المبتلي بذلك الماء فلا اعتراض على الحنفية وليس من غايته الجهالة كما قال رحم الله. انظر اللباب ١/ ٢١ - ٢٢.

стр. 241

حد الماء القليل والكثير: ٣٤١ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يسألُ عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث". وفي رواية (١) أخرى لأبي داود (فإنه لا ينجُس). قال الخطابي وقد استدل بهذا الحديث من يرى سؤرَ السباع نجساً لقوله: "وما ينوبه من السباع" أي: يطرُقُه ويرده، إذ لولا أن شُرب السباع منه ينجسه، لما كان لسؤالهم عنه ولا لجوابه إياهم بتقدير القُلتين معنى. وقيل: معنى قوله: "يحمل الخبث" أي: أنه إذا كان قلتين لم يحتمل أن يكون فيه نجاسة، لأنه ينجس بوقوع الخبث فيه، فيكون على الأول قد قصد أول مقادير المياه التي لا تنجس بوقوع النجاسة فيها، وهو ما بلغ القلتين فصاعداً، وعلى الثاني: قصد آخر المياه التي تنجس بوقوع النجاسة فيها، وهو ما انتهى في القِلَّة إلى القُلتين، فحينئذ تكون القُلتان إذا وقعت فيهما النجاسة نجستين، فإذا زادتا على القلتين احتملتا النجاسة، وهذا هو على خلاف المذهب، فإن من ذهب إلى تحديد الماء بالقُلتين - وهو مذهب الشافعي رحمه

стр. 242

الله تعالى- إنما أراد: أنه إذا كان قُلتين، ووقعت في نجاسة لم تُغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، فإنه لا ينجس، وأما على التأويل الآخر، فليس مذهباً له. أقول: أخذ بهذا الحديث الشافعية والحنابلة، ولم يأخذ به الحنفية والمالكية، لأنهم أعلوه بالاضطراب وجهالة قدر القُّلَّة، ورد الذين أخذوا به على هذه الاعتراضات، والقلتان في اصطلاحات عصرنا تعدل برميلاً، والحديث أصل أصيل في الباب الذي يسميه الفقهاء (الأسار) والأسآر: جمع سؤر، والسؤر هو بقية الماء في الإناء أو في الحوض، واتفق العلماء على طهارة أسآر المسلمين وبهيمة الأنعام، فإذا كان الماء قليلاً باصطلاح الحنفية فحكم السؤر عندهم مرتبط بحكم لعاب الشارب، فإن كان نجساً تنجس الماء القليل، وإن كان طاهراً لم يتنجس. وإليك هذا التحقيق المطَّول في موضوع القُلَّتين: قال صاحب إعلاء السنن: (وأما حديث القلتين فلم يوقف على حقيقته كما سيأتي، فالاحتجاج به لا صح على ما قالوا والحديث رواه الشافعي وأحمد والأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه، ولفظ أبي داود: "سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب، فقال رسول الله: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث". ولفظ الحاكم: فقال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء" وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: "فإنه لا ينجس". قال الحاكم: صحيح على شرطهما وقد احتجا بجميع رواته، وقال ابن مندة: إسناده على شرط مسلم. وقال: (وقال ابن عبد البر في التمهيد: "ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر، لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع". وقال في الاستذكار: "حديث معلول رده إسماعيل القاضي، وتكلم فيه" وقال الطحاوي: "إنما لم نقل به لأن مقدار القلتين لم يثبت" وقال ابن دقيق العيد: "هذا الحديث قد صححه بعضهم وهو صحيح على طريق الفقهاء، لأنه وإن كان مضطرب الإسناد مختلفاً في بعض

стр. 243

ألفاظه، فإنه يجاب عنه بجواب صحيح، بأن يمكن الجمع بين الروايات، ولكني تركته، لأنه لم يثبت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعاً تعيين مقدار القلتين". قلت: كأنه يشير إلى ما رواه ابن عدي من حديث ابن عمر: "إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء" وفي إسناده المغيرة بن صقلاب، وهو منكر الحديث، قال النفيلي: لم يكن مؤتمناً على الحديث. وفيه أيضاً [يعني التلخيص الحبير]: "لكن أصحاب الشافعي قووا كون المراد قلال هجر، بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم، كما قال أبو عبيد في كتاب الطهور" وفيه أيضاً: "قال الخطابي: قلا لهجر مشهورة الصنعة، معلومة المقدار، والقلة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني، تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار، جعل الشارع الحد مقدراً بعدد، فدل على أنه أشار إلى أكبرها لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة" (١: ٦) وفي فتح الباري (١: ٣٠٠): "ويرجع في الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجاز" وفي تابع الآثار (ص ٦٨): "وما روي من أحاديث القلتين يحمل على ما إذا كان الماء مبسوطاً على الأرض، كما يكون في الحياض وقد وقعت الأحاديث في جواب السؤال عنها، والمبسوط من القلتين إذا كان عمقه بحيث لا تنحسر الأرض بالاغتراف منه، كان في السعة حيث لا يتحرك طرف منه بحركة طرف آخر، وهذا هو حد الكثير في المذهب، أي الحنفي وقدروه للضبط على العوام بعشر في عشر. هذا من إفادات سيد العلماء في عصره مولانا (رشيد أحمد المحدث الكنكوهي)، وجربناه نحن، فوجدناه نحن، فوجدناه كذلك، والسرفي قيد البسط أن النجاسة تضمحل ولا تؤثر في كل وجه الماء الذي هو محل للاغتراف للوضوء وإذا قلت السعة قوي أثر النجاسة في أجزاء وجه الماء، فتدبر ا. هـ". وقال صاحب الإعلاء عند حديث (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فلْيُرقْهُ ثم ليغسله سبع مرات): فيه حكم النبي ﷺ بنجاسة الماء بولوغ الكلب، وأمر بإراقته، وهو لا يغير، فثبت أن القليل من الماء يفسد بوقوع النجس فيه، تغير أو لا، والإناء يعم الصغير والكبير، فيدخل

стр. 244

فيه الدن أيضاً، وأما حديث القلتين فغير ثابت لاضطراب متنه وإسناده، وقد بسط الكلام فيه العلامة النيموي في آثار السنن (١: ٤ - ٦) فمن شاء فليراجعه. وحسبنا من ذلك قول الذهبي في الميزان بعد ما نقل كلام الخطيب فيما رواه الحسن بن محمد بن يحيى العلوي بسنده عن جابر مرفوعاً: "عليُّ خير البشر، فمن أبي فقد كفر": هذا حديث منكر، ما رواه سوى العلوي بهذا الإسناد، وليس بثابت. قلت: فإنما يقول الحافظ "ليس بثابت" في مثل خبر القلتين، وخبر "الخال وارث" لا في مثل هذا الباطل الجلي، نعوذ بالله من الخذلان" (١: ٢٤٢). [يقصد أن الذهبي قد حكم أن حديث القلتين ليس بثابت، في موطن رده على الخطيب]. وإن سَلِمَ ثبوته فمحمول على الماء المبسوط على وجه الأرض، كما يشعر به لفظ الترمذي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١: ١١) ولا يخفى أن الماء في الفلاة أكثر ما يكون مبسوطاً على وجه الأرض وقدر القلتين يبلغ العشر في العشر بعد بسطه، أفاده الشيخ في تابع الآثار نقلاً عن الشيخ المحدث (الكنكوهي) فإن قلت: هب أن أكثر ماء الفلاة يكون مبسوطاً، ولكنه ربما يكون غير مبسوط، ولفظ الحديث عام، فما وجه تخصيصه؟ قلت: وجهه ما سيأتي من الأدلة الدالة على نجاسة البئر بوقوع النجاسة فيها ولو لم يتغير ماؤها، وماء الآبار يكون أكثر من القلتين عادة، لا سيما بير زمزم فإن ماءها لا ينقطع، فعلم أن حديث القلتين ليس بوارد في الآبار ونحوها، بل هو وارد في المبسوط على الأرض كما دل ليه بعض ألفاظ الحديث، كما مر. وقال عند الحديث عن الزنجي الذي وقع في زمزم: لا يخفى أن ماء زمزم أكثر من القلتين بكثير ولا يتصور تغيره بمجرد موت واحد فيه، ومع ذلك أمر ابن عباس بنزحه لا ندباً فقط، بل وجوباً مؤكداً، حتى أمر بدس العين التي جاءت من قبل الركن بالقباطي والمطارف، فإن مثل تلك المبالغة لتحصيل مندوب يعد من الغلو في الدين، والصحابة براء منه، وكان ذلك بمحضر منهم، فكان كالإجماع على نجاسة البئر بوقوع نجس فيها، ولو لم يتغير ماؤها، وهو قول أصحابنا. واعلم أن البيهقي

стр. 245

قد علَّ أثر ابن سيرين هذا حيث قال في المعرفة: "وابن سيرين عن ابن عباس مرسل" وزاد الزيلعي نقلاً عنه: "لم يلقه ولا سمع منه، وإنما هو بلاغ بلغه" وأجاب عنه العلامة النيموي في التعليق الحسن "بأن الأثر صحيح، وإسناده متصل، وما زعموا من أنه مرسل فليس بصحيح، لأن ابن سيرين كان حين وفاة ابن عباس شاباً ابن خمس وثلاثين أو نحوها، فما المانع له أن يسمع منه؟ ومع ذلك قد صرح بسماعه منه الحافظ الذهبي في الطبقات في ترجمته، قال: سمع محمد أبا هريرة وعمران بن حصين وابن عباس وابن عمر وطائفة". انتهى (١: ٩). قلت: وإن سلم إرساله فليس يضرنا، فإن مراسيل ابن سيرين صحاح عند القوم، كمراسيل ابن المسيب، قال في الجوهر النقي (١: ٣٤٣): طقال أبو عمر في أوائل التمهيد وكل من عرف بأنه لا يأخذ إلا عن ثقة، فتدليسه وترسيله مقبول. فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح ا. هـ (انظر إعلاء السنن ١/ ١٧٢ - ١٧٧). وإنما أطلنا في هذا الموضوع لإزالة توهُّمٍ عند بعض الناس أن مذهب الحنفية يعارض الحديث. أحكام الأسآر والآبار: ٣٤٢ - * روى مالك عن يحيى بن عبد الرحمن "أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج في ركبٍ، فيهم عمرو بن العاص، حتى وردُوا حوضاً، فقال عمرو: يا صاحب الحوض، هل تردُ حوضك السباعُ؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا، فإنا نردُ على السباع وتردُ علينا". قال المالكية: سؤر الدواب والسباع، وحتى سؤر الكلب والخنزير طاهر، ومذهبهم في الأصل أن ما لا يغير طعم الماء أو لونه أو ريحه لا ينجسه، وهذا الأثر يصلح أن يكون دليلاً لهم إلا أن الأثر يحتمل أكثر من اتجاه، فقد يكون عمر ﵁ لا يرى أن يُسأل عما هو خلاف الأصل مما يشاهده الإنسان، فالأصل في الماء الطهارة (١)، فإذا لم يوجد طعم

стр. 246

النجاسة أو لونها أو ريحها فلا ينبغي للإنسان أن يسأل، وقد يكون الماء الموجود في الحوض قلتين فأكثر فلا يؤثر عليه شيء نجس لم يغير أوصافه. ٣٤٣ - * روى أحمد عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة، أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبتْ له وضوءا، فجاءت هرةٌ تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربتْ، قالت كبشةُ: فرآني أنظرُ إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: قلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليس بنجسٍ إنها من الطوافين عليكمْ أو الطوَّافات". قال البغوي في شرح السنة: قوله: "أصغى لها الإناء" أي: أماله ليسهل عليها التناول. وروى عن عائشة، قالت في الهرة: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها. وهذا قول عامة أهل العلم أن سُؤرَ الهرةِ طاهر، وقوله "إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات" يُتأول على وجهين. أحدهما: شبهها بالمماليك وبخدم البيت الذين يطوفون على أهله للخدمة، كقوله : ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١) يعني المماليك والخدم. وقال إبراهيم: إنما الهرة كبعض أهل البيت، ومنه قول ابن عباس: إنما هو من متاع البيت. والآخر شبهها بمن يطوف للحاجة والمسألة، يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة والمسألة.

стр. 247

واختلف أهل العلم في سؤر السباع، فذهب أكثرهم إلى طهارته، إلا سؤر الكلب والخنزير، فإنه نجس عند الأكثرين، وذهب قوم إلى نجاسة سؤر السباع إلا سؤر الهرة، وهو قول أصحاب الرأي، وقال مالك والأوزاعي: إذا شرب الكلب من إناء، ولم يجد ماء غيره، توضأ به، وقال الثوري: يتوضأ به، ثم يتيمم. وذهب أصحاب الرأي إلى أن سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه، فإذا لم يجد ماء آخر، يجمع بين الوضوء به والتيمم، وبلغنا أن سفيان الثوري قال: لم نجد في أمر الماء إلا السعة. وقال الربيع: سُئل الشافعي عن الذبابة تقع على النتن، ثم تطير فتقع على ثوب الرجل؟ قال الشافعي: يجوز أن يكون في طيرانها ما ييبس ما برجليها، فإن كان كذلك، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع. "ا. هـ شرح السنة ٢/ ٧٠ و ٧٢". أقول: سؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر مال م تكن جلالة، وسؤر الكلب نجس وكذا الخنزير وسباع البهائم. وسؤر الهرة مكروه تنزيهاً مع وجود غيره وكذا سؤر الدجاجة المخلاة وسباع الطير وسواكن البيت كالحية ما لم تُرَ النجاسة. وسؤر البغل والحمار الأهلي مشكوك فيه فيتوضأ به أو يغتسل ويتيمم يقدم أيهما شاء ومذهب المالكية في الأسآر واسع. وقال الشافعية والحنابلة سؤر الكلب والخنزير نجس، أما الآدمي والحيوان المأكول اللحم والهر والفأر والخيل والبغال والحمير والسباع فطاهرة. عن: ابن سيرين أن زنجياً وقع في زمزم، يعني فمات، فأمر به ابن عباس فأخرج، وأمر بها أن تنزح، قال: فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدست بالقباطي والمطارف حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت عليهم. رواه الدارقطني، وإسناده صحيح. (إعلام السنن ١/ ١٧٦).

стр. 248

عن: عطاء أن حبشياً وقع في زمزم فمات، فأمر ابن الزبير، فنزح ماءها فجعل الماء لا ينقطع، فنظر، فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم. رواه الطحاوي وإسناده صحيح وابن أبي شيبة، ورجاله رجال الصحيحين، وصححه ابن الهمام في (فتح القدير). (إعلاء السنن ١/ ١٧٧). وأورد أيضاً عن: أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء". أقول: من الناحية الفقهية فإنه يقاس على الذبابة كل ما لا دم له سائل فإن وقوعه في الإناء لا ينجسه، وقد نقلنا في كتابنا الرسول ﷺ وفوائد جمة حول هذا الحديث انظرها (ص ٣٦ - ٤٠). وكل ما هو مثل الذباب من حيث إنه لا دم له سائلٌ فهو في حكمه، إلا أن هذا الحكم في الذباب ثبت بالنص، وفي غيره بالقياس. ودلالة حديث الباب ظاهرة، فإنه ﷺ لم يحكم بنجاسة ما في الإناء بوقوع الذباب فيه مطلقاً، سواء مات أو لم يمت (إعلاء السنن ١/ ١٨٠). أقول إذا سقط آدمي في بئر وبقي حياً لا ينجس البئر إذا لم يكن على بدنه نجاسة وكذا الحيوان مأكول اللحم إذا أخرج حياً ولا نجاسة على بدنه. أما إذا سقط خنزير ولو خرج حياً أو وصل الماء إلى لعاب الكلب وخرج حياً فإن البئر ينجس وقال الحنابلة: إذا وقعت الفأرة أو الهرة ونحوهما في مائع أو ماء يسير ثم خرجت حية فهو طاهر. وعند الحنفية: إذا مات آدمي في بئر فإن البئر ينجس والجمهور قالوا: لا ينجس ولا ينجس البئر بموت حيوان لا دم له سائل. وتنجس البئر بوقوع نجاسة فيها وإن قلت كقطرة خمر أو بول وينزح جميع ماء البئر

стр. 249

عند الحنفية ولا تنجس البئر بالبعر والروث والخثي إلا إن كان كثيراً ولا تُنجَّس بخره الحمام والصقور مما يؤكل من الطيور غير الدجاج والأوز والبط والأصح أنه لا ينجس بخره الطيور غير المأكولة اللحم، وعند الشافعية روث جميع البهائم والطيور نجس، وقال المالكية والحنابلة: روث وبول الحيوان المأكول طاهر، وروث وبول محرم الأكل نجس. ويجب نزح ماء البئر كله أو مائتي دلو إذا لم يمكن نزح البئر كله: إذا مات آدمي أو حيوان كبير أو كلب أو شاة، وكذا إن تفسخ الحيوان صغيراً كان أو كبيراً ويُنزح أربعون دلواً إلى ستين إذا كان الحيوان متوسطاً كالحمامة والدجاجة. وإذا كان اثنان من الحيوان المتوسط ينزح جميع الماء وإذا احتُمِلَ وجود نجاسة على هذا الحيوان كبول أو دم لسبب ما نزح جميع الماء صغيراً أو كبيراً، فالفأرة الهاربة من الكلب أو المجروحة إذا وقعت في بئر ينزح جميع الماء. وينزح عشرون إلى ثلاثين إذا مات حيوان صغير كالعصفور والفأر. انظر الفقه الإسلامي ١/ ١٣٦ - ١٣٩. النهي عن البول في الماء: ٣٤٤ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخِرُون السابقون"، وقال: "لا يبُوَلنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لايجري، ثم يغتسلُ فيه". وفي رواية (١) مثله، ولم يذكر: "نحن الآخِرُون السابقون".

стр. 250

وفي رواية (١) الترمذي والنسائي (٢) "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه" وللنسائي (الماء الراكد). ٣٤٥ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى أن يُبال في الماء الراكدِ. ٣٤٦ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم ثم يتوضأُ منه أو يشربُ". ٣٤٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر قال نهى رسول الله ﷺ أن يُبال في الماء الجاري. أقول: الحكمة في النهي واضحة، فالبول قَذَرٌ ونجسٌ وفيه ضرر، والذوق يقتضي ألا يفعل الإنسان ذلك في الماء، ولكن هل يؤثر البول على طهارة الماء؟ المسألة مرتبطة بكثرة الماء وقلته، واصطلاحات الفقهاء في الكثرة والقلة، وفيما إذا غَيَّر البول أوصاف الماء أو لم يغير، والحديث الخير يدل على ما ذكرناه من قبل أن المسلم مطالب بالطهارة والنظافة في آن واحد. الماء المستعمل وحكمه: ٣٤٨ - * روى البخاري عن أبي جُحيفة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرةِ، فأُتِيَ بوضوء فتوضَّأ ونحن بالبطْحَاء، فجعل الناسُ يأخذون من فضل وضوئه، فيتَمَسَّحون به - وفي رواية (٣): فرأيتُ الناس يبْتَدِرُون ذلك الوضوء، من
следующие страницы →