النجاسة أو لونها أو ريحها فلا ينبغي للإنسان أن يسأل، وقد يكون الماء الموجود في الحوض قلتين فأكثر فلا يؤثر عليه شيء نجس لم يغير أوصافه.
٣٤٣ - * روى أحمد عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة، أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبتْ له وضوءا، فجاءت هرةٌ تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربتْ، قالت كبشةُ: فرآني أنظرُ إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: قلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليس بنجسٍ إنها من الطوافين عليكمْ أو الطوَّافات".
قال البغوي في شرح السنة:
قوله: "أصغى لها الإناء" أي: أماله ليسهل عليها التناول.
وروى عن عائشة، قالت في الهرة: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها.
وهذا قول عامة أهل العلم أن سُؤرَ الهرةِ طاهر، وقوله "إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات" يُتأول على وجهين. أحدهما: شبهها بالمماليك وبخدم البيت الذين يطوفون على أهله للخدمة، كقوله : ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١) يعني المماليك والخدم. وقال إبراهيم: إنما الهرة كبعض أهل البيت، ومنه قول ابن عباس: إنما هو من متاع البيت.
والآخر شبهها بمن يطوف للحاجة والمسألة، يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة والمسألة.
стр. 247
واختلف أهل العلم في سؤر السباع، فذهب أكثرهم إلى طهارته، إلا سؤر الكلب والخنزير، فإنه نجس عند الأكثرين، وذهب قوم إلى نجاسة سؤر السباع إلا سؤر الهرة، وهو قول أصحاب الرأي، وقال مالك والأوزاعي: إذا شرب الكلب من إناء، ولم يجد ماء غيره، توضأ به، وقال الثوري: يتوضأ به، ثم يتيمم.
وذهب أصحاب الرأي إلى أن سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه، فإذا لم يجد ماء آخر، يجمع بين الوضوء به والتيمم، وبلغنا أن سفيان الثوري قال: لم نجد في أمر الماء إلا السعة.
وقال الربيع: سُئل الشافعي عن الذبابة تقع على النتن، ثم تطير فتقع على ثوب الرجل؟ قال الشافعي: يجوز أن يكون في طيرانها ما ييبس ما برجليها، فإن كان كذلك، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع.
"ا. هـ شرح السنة ٢/ ٧٠ و ٧٢".
أقول: سؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر مال م تكن جلالة، وسؤر الكلب نجس وكذا الخنزير وسباع البهائم.
وسؤر الهرة مكروه تنزيهاً مع وجود غيره وكذا سؤر الدجاجة المخلاة وسباع الطير وسواكن البيت كالحية ما لم تُرَ النجاسة.
وسؤر البغل والحمار الأهلي مشكوك فيه فيتوضأ به أو يغتسل ويتيمم يقدم أيهما شاء ومذهب المالكية في الأسآر واسع.
وقال الشافعية والحنابلة سؤر الكلب والخنزير نجس، أما الآدمي والحيوان المأكول اللحم والهر والفأر والخيل والبغال والحمير والسباع فطاهرة.
عن: ابن سيرين أن زنجياً وقع في زمزم، يعني فمات، فأمر به ابن عباس فأخرج، وأمر بها أن تنزح، قال: فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدست بالقباطي والمطارف حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت عليهم. رواه الدارقطني، وإسناده صحيح. (إعلام السنن ١/ ١٧٦).
стр. 248
عن: عطاء أن حبشياً وقع في زمزم فمات، فأمر ابن الزبير، فنزح ماءها فجعل الماء لا ينقطع، فنظر، فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم. رواه الطحاوي وإسناده صحيح وابن أبي شيبة، ورجاله رجال الصحيحين، وصححه ابن الهمام في (فتح القدير). (إعلاء السنن ١/ ١٧٧).
وأورد أيضاً عن: أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء".
أقول: من الناحية الفقهية فإنه يقاس على الذبابة كل ما لا دم له سائل فإن وقوعه في الإناء لا ينجسه، وقد نقلنا في كتابنا الرسول ﷺ وفوائد جمة حول هذا الحديث انظرها (ص ٣٦ - ٤٠).
وكل ما هو مثل الذباب من حيث إنه لا دم له سائلٌ فهو في حكمه، إلا أن هذا الحكم في الذباب ثبت بالنص، وفي غيره بالقياس.
ودلالة حديث الباب ظاهرة، فإنه ﷺ لم يحكم بنجاسة ما في الإناء بوقوع الذباب فيه مطلقاً، سواء مات أو لم يمت (إعلاء السنن ١/ ١٨٠).
أقول إذا سقط آدمي في بئر وبقي حياً لا ينجس البئر إذا لم يكن على بدنه نجاسة وكذا الحيوان مأكول اللحم إذا أخرج حياً ولا نجاسة على بدنه.
أما إذا سقط خنزير ولو خرج حياً أو وصل الماء إلى لعاب الكلب وخرج حياً فإن البئر ينجس وقال الحنابلة: إذا وقعت الفأرة أو الهرة ونحوهما في مائع أو ماء يسير ثم خرجت حية فهو طاهر.
وعند الحنفية: إذا مات آدمي في بئر فإن البئر ينجس والجمهور قالوا: لا ينجس ولا ينجس البئر بموت حيوان لا دم له سائل.
وتنجس البئر بوقوع نجاسة فيها وإن قلت كقطرة خمر أو بول وينزح جميع ماء البئر
стр. 249
عند الحنفية ولا تنجس البئر بالبعر والروث والخثي إلا إن كان كثيراً ولا تُنجَّس بخره الحمام والصقور مما يؤكل من الطيور غير الدجاج والأوز والبط والأصح أنه لا ينجس بخره الطيور غير المأكولة اللحم، وعند الشافعية روث جميع البهائم والطيور نجس، وقال المالكية والحنابلة: روث وبول الحيوان المأكول طاهر، وروث وبول محرم الأكل نجس.
ويجب نزح ماء البئر كله أو مائتي دلو إذا لم يمكن نزح البئر كله: إذا مات آدمي أو حيوان كبير أو كلب أو شاة، وكذا إن تفسخ الحيوان صغيراً كان أو كبيراً ويُنزح أربعون دلواً إلى ستين إذا كان الحيوان متوسطاً كالحمامة والدجاجة.
وإذا كان اثنان من الحيوان المتوسط ينزح جميع الماء وإذا احتُمِلَ وجود نجاسة على هذا الحيوان كبول أو دم لسبب ما نزح جميع الماء صغيراً أو كبيراً، فالفأرة الهاربة من الكلب أو المجروحة إذا وقعت في بئر ينزح جميع الماء.
وينزح عشرون إلى ثلاثين إذا مات حيوان صغير كالعصفور والفأر.
انظر الفقه الإسلامي ١/ ١٣٦ - ١٣٩.
النهي عن البول في الماء:
٣٤٤ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخِرُون السابقون"، وقال: "لا يبُوَلنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لايجري، ثم يغتسلُ فيه".
وفي رواية (١) مثله، ولم يذكر: "نحن الآخِرُون السابقون".
стр. 250
وفي رواية (١) الترمذي والنسائي (٢) "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه" وللنسائي (الماء الراكد).
٣٤٥ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى أن يُبال في الماء الراكدِ.
٣٤٦ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم ثم يتوضأُ منه أو يشربُ".
٣٤٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر قال نهى رسول الله ﷺ أن يُبال في الماء الجاري.
أقول: الحكمة في النهي واضحة، فالبول قَذَرٌ ونجسٌ وفيه ضرر، والذوق يقتضي ألا يفعل الإنسان ذلك في الماء، ولكن هل يؤثر البول على طهارة الماء؟ المسألة مرتبطة بكثرة الماء وقلته، واصطلاحات الفقهاء في الكثرة والقلة، وفيما إذا غَيَّر البول أوصاف الماء أو لم يغير، والحديث الخير يدل على ما ذكرناه من قبل أن المسلم مطالب بالطهارة والنظافة في آن واحد.
الماء المستعمل وحكمه:
٣٤٨ - * روى البخاري عن أبي جُحيفة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرةِ، فأُتِيَ بوضوء فتوضَّأ ونحن بالبطْحَاء، فجعل الناسُ يأخذون من فضل وضوئه، فيتَمَسَّحون به - وفي رواية (٣): فرأيتُ الناس يبْتَدِرُون ذلك الوضوء، من
стр. 251
أصاب منه شيئاً تمسَّحَ به، ومن لم يُصِبْ منه أخذ من بللِ يَدِ صاحبه - ثم رأيت بلالاً أخرج عنزةً فركزها، وخرج رسول الله ﷺ في حُلَّةٍ حمراء مُشَمِّراً، فصلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيتُ الناس والدوابَّ يمرُّون بين يدي العنزة".
وفي أخرى (١) "وقام الناسُ، فجعلوا يأخذون يديه يمْسَحُون بها وُجُوهَهم، قال: فأخذتُ بيده فوضعتُها على وجهي، فإذا هي أبْرَدُ من الثلج، وأطْيَبُ رائحةً من المسك".
وفي رواية (٢) النسائي قال: شهدتُ النبي ﷺ بالبطحاء وأخرج بلالٌ فضل وضوئه، فابتدره الناس فنلتُ منه شيئاً، وركز له العنزة فصلى بالناس، والحُمُرُ والمرأةُ والكلابُ يمرون بين يديه.
٣٤٩ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مرضتُ، فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعُوداني، فوجداني قد أُغْميَ عليَّ، فتوضأ رسول الله ﷺ ، فضبَّ عليَّ وضوءه.
أقول: ذكر الحديثين في باب المياه سببه أن الفقهاء يتحدثون عن الماء المستعمل في إزالة حدث أو في ما يقرب إلى الله، فالحديثان يدلان على طهارة الماء المستعمل، فالحنفية يعتبرونه طاهراً غير مطهر، ولكن غير مطهر للحدث وهو مطهر للخبث، والمالكية يكرهون استعماله في إزالة الحدث ويوافقون الحنفية في أنه يزيل النجس، والماء المستعمل عند الشافعية، ولا خلاف بين العلماء أن الماء المستعمل في التبرد والتنظيف طاهرٌ مطهرٌ غير مكروه لكنه غير نظيف، فالأصل ألا يستعمل إلا في الحالة الضرورية.
стр. 252
وذكر الشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٢٤) أن بعض الحنفية قالوا بنجاسة الماء المستعمل لكن قال ابن عابدين خاتمة المحققين في (رد المحتار ١/ ١٣٤).
(قوله وهو طاهر - أي المستعمل - رواه محمد عن الإمام وهذه الرواية هي المشهورة عنه، واختارها المحققون قالواك عليها الفتوى لا فرق في ذلك بين الجنب والمحدث) ا. هـ.
لكن استدل من قال من الحنفية على نجاسة الماء المستعمل بما يلي:
عن ابن عمر ﵁ قال: "من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي نجس" أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، (عمدة القارئ ٢: ٢٣) قلت [أي: سند صحيح، رجاله رجال الصحيحين، إلا أبا سنان، فإنه من رجال مسلم.
(قال صاحب إعلاء السنن ١/ ١٨٣ - ١٨٤).
قال العيني: "وهذا الأثر من أقوى الدلائل لمن ذهب من الحنفية إلى نجاسة الماء المستعمل فافهم". ا. هـ (٢: ٢٣) وحمله بعضهم على ما إذا كان بيده قذر. قلت: لا يكون إذن لقوله "وهو جنب" معنى، لأن غسل القذر لا يختص بالجنب، بل وجب غسله عام له ولغيره، والقيد يدل على أن لمعنى الجنابة أثراً في الحكم، وليس هو إلا ما قاله الحنفية من نجاسة الماء المستعمل. وأيضاً ففي هذا الأثر مايدل على نجاسة الباقي بعد الاغتراف دون الذي اغترفه، وهذا لا يتصور فيما إذا كان بيده قذر. وبالجملة فتأويله بنحو ذلك لا يخلو ن تعسف مستغنى عنه، والحق ما قاله العيني إنه من أقوى الدلائل لنجاسة الماء المستعمل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وروى أبو يوسف عنه أنه نجس نجاسة خفيفة كما في فتح القدير (١: ٧٤)].
أقول: إن صح الحديث فهو في المستعمل في إزالة الجنابة فحسب، على أنه يُتوَقَّف في الأخذ بهذا الحكم لما صح من أحاديث في طهارة الماء المستعمل وقد حققنا أن الرأي المشهور المُفتى به عند الحنفية طهارة الماء المستعمل، أما فائدة القيد وهو جنب أن يغلب وجود النجاسة حال الجنابة.
стр. 253
كيفية الاغتسال من الماء الدائم:
٣٥٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغتسل أحدُكم في الماء الدائم وهو جُنبٌ"، قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: "يتناوله تناولاً".
أقول: إذا كان الماء جارياً أو كثيراً بأن كان عشرة أذرع في عشرة على مذهب الحنفية صح للإنسان أن ينزل فيه وأن يغتسل من الجنابة ولو كان على بدنه نجاسة، أما إذا كان أقل من عشرة في عشرة، وكان على بدنه نجاسة فإن نزوله في الماء ينجسه، وعندئذ فإنه يغترف لإزالة النجاسة وبعد إزالته يصح أن ينزل فيه فيغتسل إذا كان الماء كافياً لأن ينزل فه ويغتسل، وهناك صورة ما إذا كان الماء قليلاً كأن كان في طبق فوضع الإنسان قدميه فيه وأخذ منه وصبّ على رأسه وجسمه فعندئذ يكون ما تقاطر في الطبق مستعملاً فإذا ما غلب المستعمل على الماء لم يعد الماء مطهراً، ففي مثل هذه الحالة لابد أن يغترف الإنسان من الماء وصب على نفسه خارج الإناء وعند الشافعية إذا كان الماء أقل من قلتين، فلا يصح لمريد الوضوء أو الغسل من الجنابة أن يمد يده إلا بنية الاغتراف بأن يقصد نقل الماء من إنائه لغسله ما خارجه، فإذا لم ينو الاغتراف ابتداء، فإن الماء يصبح مستعملاً غير طهور، ولذلك نلحظ في حديث أم سلمة الذي سيمر بعد قليل أنها ذكرت بجواز اغتسال الرجل بفضل المرأة شرط أن تكون كيسة، والمراد بالكيسة هنا الفطنة الفقهية.
الاغتسال بفضل المرأة والعكس:
٣٥١ - * روى مالك عن نافع - مولى ابن عمر ﵃ أن ابن عمر كان يقول: "لا بأس أن يُغتسل بفضل المرأة، ما لم تكن حائضاً أو جنباً".
أقول: هذا مذهب لابن عمر، ومن ههنا اشترط بعض الفقهاء شروطاً في طريقة استعمال الماء لتبقي له طهوريته (١)، والحنفية لا يعتبرون الماء المتبقي بعد اغتسال الحائض أو الجنب
стр. 254
مستعملاً أو نجساً إلا إذا أصابته نجاسة أو غلب الماء المستعمل على أًل الماء، فالماء يبقى طاهراً مطهراً، إن أخذت منه الحائض أو الجنب وإن كان قليلاً.
٣٥٢ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ أغتسلُ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ، تختلفُ أيدينا فيه من الجنابة".
وللبخاري (١): قالت: "كنت أغتسلُ أنا والنبي ﷺ من إناءٍ واحد من الجنابة".
وله في أخرى (٢): قالت: "كان يُوضعُ لي وللرسول ﷺ هذا المِرْكَنُ فنشرعُ فيه جميعاً.
ولمسلم (٣) قالت: "كنت أغتسلُ أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد فيُبادرُني، حتى أقول: دع لي، دع لي، قال: وهما جُنُبَان".
وفي رواية (٤) لهما قالت: "كنتُ أغتسلُ أنا والنبي ﷺ من إناء واحدٍ، من قدحٍ يُقال له: الفرقُ".
وفي رواية (٥) لهما نحوه، قال سفيان: والفرَقُ: ثلاثة آصُع.
وفي أخرى (٦) للنسائي قالتُ: "لقد رأيتُني أغتسلُ أنا والنبيُّ ﷺ من هذا، فإذا تَوْرٌ
стр. 255
موضوع مثل الصاع، أو دُونه، فنشرعُ فيه جميعاً، فأُفيضُ على رأسي بيدي ثلاث مراتٍ، وما أنقضُ لي شعراً.
٣٥٣ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وميمونة كان يغتسلان من إناءٍ واحدٍ.
وفي رواية (١) يغتسلُ من فضل ميمونة.
٣٥٤ - * روى النسائي عن أم هانئ ﵂ أن رسول الله ﷺ اغتسلَ هو وميمونة من إناء واحدٍ، في قصعةٍ فيها أثرُ العجين".
أقول: من هذا الحديث وأمثاله أخذ الفقهاء أحكام الماء إذا خالطه مائع أو جامد طاهر وتأثير ذلك على طهوريته، قال الحنفية: تجوز الطهارة بماء خالطه شيء جامد طاهر كالتراب والأوراق والأشجار والزعفران والصابون والأشنان ما دام باقياً على رقته وسيلانه، فلو خرج الماء عن طبعه أو حدث له اسم جديد كأن صار ماء الصابون ثخيناً أو صار ماء الزعفران صبغاً لا تجوز الطهارة به، كذلك إذا كان التغير عن طبخ فغير أحد أوصافه أو أوصافه كلها (اللون والطعم والرائحة)، والحديث يذكر أثر العجين مبيناً عدم تأثيره على طهورية الماء، ولا خلاف بين العلماء في جواز التوضؤ بماء خالطه طاهر لم يغيره، ومن كلام الحنفية أن ما خالط الماء مما يُقصد به التنظيف كالصابون والأشنان والخطمي والسدر لا يؤثر على طهوريته.
ومن كلام الحنفية ف المائعات الطاهرات إذا خالطت الماء: أن العبرة في ذلك للغلبة في
стр. 256
الوزن إذا كان المخالط لوصف له كالماء المستعمل وماء الورد المنقطع الرائحة أو بالغلبة في الوصف بظهور وصفين لمائع له أوصاف ثلاثة، كالخل: له طعم ورائحة ولون فأي الوصفين ظهر منع صحة الوضوء ولا يضرُّ ظهور وصف واحد لقلته أو بالغلبة كظهور وصف واحد من مائع له وصفان فقط كاللبن له اللون والطعم ولا رائحة له.
والمائع الطاهر لا يحصل به التطهير أي إزالة الحدث باتفاق الحنفية لأن إزالة الحدث خص بالماء في النص القرآني، لكن تحصل به الطهارة الحقيقية أي إزالة النجاسة عن الثوب والبدن والمقصود بالمائع الطاهر ما ينعصر كماء الورد والخل وعصير الشجر والثمر.
وقال المالكية يسلب الطهورية عن الماء كل طاهر يخالط الماء مما يفارقه غالباً ويغير أحد أوصافه ولم يكن من أجزاء الأرض ولا دابغاً لإنائه ولا مما يعسر الاحتراز عنه، ومن ذلك اللبن والعسل والزبيب المنبوذ في الماء وعصير الليمون.
ومن كلام الشافعية: أن مما يسلب الطهورية: التمر والدقيق المطروح في الماء، والمنقوع في الماء كالعرق سوس.
(راجع رد المحتار ١/ ١٢٤ وما بعدها، بداية المجتهد ١/ ٨٠ والمغني ١/ ١١ وما بعدها والفقه الإسلامي ١/ ٩٣ - ٩٤).
٣٥٥ - * روى أحمد عن ابن عباسٍ: إن امرأةً من أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جنابة فتوضأ النبي ﷺ بفضله، فذكرت ذلك له، فقال: "إن الماء لا ينجسه شيء" وله عند البزار عن النبي ﷺ أنه أراد أن يتوضأ فقالت له امرأة من نسائه إني توضأتُ من هذا فتوضأ منه وقال: "إن الماء لا يُنجسُهُ شيء".
أقول: من سياق الحديث نعرف أن المراد من قوله (١): "إن الماء لا يُنَجِّسُه شيء" هو الحدث، فالماء لا ينجسه الحدث كما رأينا والإجماع منعقد على أن الخبث ينجسه إذا غير
стр. 257
طعمه أو ريحه أو لونه، إذا كان كثيراً أما قليلاً فينجسه سواء غيَرَ أو لم يغير.
٣٥٦ - * روى النسائي عن ناعمٍ - مولى أم سلمة - أن أم سلمة سُئلت: "أتغتسلُ المرأة مع الرجل؟ قالت: نعم، إذا كانت كيسةً، رأيتُني أنا ورسول الله ﷺ نغتسلُ من مِرْكنٍ واحدٍ، نُفيضُ على أبداننا حتى نُنْقيها، ثم نُفيضُ عليها الماء".
واغتسال أم سلمة مع النبي ﷺ من الجنابة من إناءٍ واحدٍ مذكور في الصحيحين.
٣٥٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ من جِفْنَةٍ، فجاء رسول الله ﷺ ليتوضأ منها- أو يغتسل - فقالت: إني كنت جنباً. فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء لا يُجْنِبُ".
أقول: وقد مر معنا أنهما يشترطون لمن أراد أن يُدخل يده في الإناء لإزالة الجنابة أن ينوي الاغتراف، وظاهر الحديث أنه لا يشترط ذلك، والحنفية يرون أن غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء لابد منه إذا كانت على اليد نجاسة فعندئذ يُمِيْلُ الإنسانُ الإناء فيغسل النجاسة عن يديه أو يغترف فيغسل النجاسة ثم يغترف للغسل.
٣٥٨ - * (١) روى أحمد عن حُميد الحِمْيَري قال: لقيتُ رجلاً صحبَ النبي ﷺ أربع
стр. 258
سنين، كما صحبهُ أبو هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن تَغْتَسِلَ المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة.
زاد مُسدد: وليغترفا جميعاً.
أخرجه أبو داود والنسائي، إلا أنه زاد في أوله (١) "نهى أن يَمْتَشِط أحدنا كل يوم، أو يبول في مُغْتَسَلِه" وهذه الزيادة قد أخرجها أبو داود وحدها.
أقول: سيمر معنا في باب الزينة أمرُ رسول الله ﷺ بإكرام الشعر، فالنهي عن الامتشاط كل يوم إما منسوخ وإما محمول على كراهة التنزيه لمن يفعل ذلك لغير ضرورة، وأما النهي عن الاغتسال بفضل المرأة في الحديث فهو إما منسوخ وإما أنه في حق المرأة التي لا تحسن فقه استعمال الماء، وفي هذه الحالة نفسها فالنهي محمول على كراهة التنزيه.
٣٥٩ - * روى أبو داود عن الحكم بن عمرو - الغِفاري- أن النبي ﷺ "نهى أن يتوضأ الرجلُ بفضل طهور المرأة".
وزاد الترمذي (٢) في رواية أو قال: "بسُؤرِها". وقد مر معنا ما يُحملُ عليه مثل هذا الحديث.
وقال صاحب (عون المعبود) عن هذا لحديث ما يلي:
قال النووي حديث الحكم بن عمرو ضعيف ضعفه أئمة الحديث منهم البخاري وغيره وقال الخطابي: قال محمد بن إسماعيل: خبر الأقرع في النهي لا يصح، واعلم أن تطهير الرجل بفضل المرأة وتطهيرها بفضله فيه مذاهب: الأول: جواز التطهير لكل واحد من الرجل والمرأة بفضل الأخر شرعاً، جميعاً أو تقدم أحدهما على الآخر والثاني: كراهة تطهير الرجل بفضل المرأة وبالعكس والثالث: جواز التطهير لكل منهما إذا اغترفا جميعاً والرابع: جواز التطهير ما لم تكن
стр. 259
المرأة حائضاً والرجل جنباً والخامس: جواز تطهير المرأة بفضل طهور الرجل وكراهة العكس والسادس: جواز التطهير لكل منهما إذا شرعا جميعاً للتطهير في إناء واحد سواء اغترفا جميعاً أو لم يغترفا كذلك ولكل قائل من هذه الأقوال دليل يذهب إليه ويقول به، لكن المختار في ذلك ما ذهب إليه أهل المذهب الأول لما ثبت في الأحاديث الصحيحة تطهيره ﷺ مع أزواجه وكل منهما يستعمل فضل صاحبه وقد ثبت أنه ﷺ اغتسل بفضل بعض أزواجه وجمع الحافظ الخطابي بين أحاديث الإباحة والنهي فقال في معالم السنن: كان وجه الجمع بين الحديثين إن ثبت حديث الأقرع أن النهي إنما وقع عن التطهير بفضل ما تستعمله المرأة من الماء وهو ما سال وفضل عن أعضائها عند التطهير دون الفضل الذي يبقى في الإناء ومن الناس من جعل النهي في ذلك على الاستحباب دون الإيجاب وكان ابن عمر ﵁ يذهب إلى أن النهي عن فضل وضوء المرأة إنما هو إذا كانت جنباً أو حائضاً فإذا كانت طاهراً فلا بأس به قال: وإسناد حديث عائشة في الإباحة أجود من إسناد خبر النهي وقال النووي: إن المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط منها وذلك مستعمل وقال الحافظ في الفتح: وقول أحمد إن الأحاديث من الطريقين مضطربة إنما يصار إليه عند تعذر الجمع وهو ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء والجواز على ما بقي من الماء وبذلك جمع الخطابي أو يحمل النهي على التنزيه جمعاً بن الأدلة والله أعلم.
ا. هـ (العون ١/ ٣١)، وانظر (نيل الأوطار ١/ ٣١ - ٣٢).
٣٦٠ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان الرجالُ والنساءُ يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعاً من إناءٍ واحدٍ".
стр. 260
ولأبي (١) داود قال: كنا نتوضأ نحن والنساءُ من إناءٍ واحدٍ على عهد رسول الله ﷺ وزاد في رواية (نُدْلي فيه أيدينا).
الاغتسال والوضوء بالماء الحار:
٣٦١ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "توضأ عمر بالحميم في جَرِّ نصرانية، ومن بيتها". وهو في تراجم أبواب البخاري، فإنه قال في أحدِ أبواب كتاب الوضوء قولاً مجملاً: وتوضأ عمر بالحميم، ومن بيت نصرانية.
قال الحافظ في الفتح:
وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد صحيح بلفظ "أن عمر كان يتوضأ بالحميم ويغتسل منه" ورواه ابن أبي شيبة والدارقطني بلفظ "كان يسخن له ماء في قمقم ثم يغتسل منه" قال الدارقطني: إسناده صحيح وقوله "من بيت نصرانية" وصله الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما، عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه به. ولفظ الشافعي "توضأ من ماء في جرة نصرانية" ولم يسمعه ابن عيينة من زيد بن أسلم، ... ورواه الإسماعيلي من وجه آخر عنه بإثبات الواسطة (عن زيد بن أسلم عن أبيه) ...
ثم قال الحافظ: ففيه دليل أيضاً على جواز التطهر بفضل وضوء المرأة المسلمة لأنها لا تكون أسوأ حالاً من النصرانية، وفيه دليل أيضاً على جواز استعمال مياه أهل الكتاب من غير استفصال. [م].
الوضوء بغير الماء:
٣٦٢ - * روى أبو يعلي عن عكرمة قال: "النبيذ وضوء لمن لم يجد غيره". قال
стр. 261
الأوزاعي: إن كان مسكراً فلا توضأ به.
أقول: المسكر نجس فشيء عادي أن لا يستعمل أصلاً، ونبيذ التمر أو الزبيب لا يصلح لإزالة الحدث، ويصلح عند الحنفية لإزالة الخبث، ولعله المراد هنا، فالوضوء قد يطلق على مجرد النظافة وعلى كل فهذا أثر، فما ورد في النص مذهب لقائله.
٣٦٣ - * روى الطبراني عن حُميد بن هلال قال كان أبو رِفاعة يُسخِّنُ الماء لأصحابه ثم يقول أحسنوا الوضوء من هذا فأحسن من هذا فيتوضأُ بالماء البارد.
قوله (فأحسن من هذا): أي أما أنا فسأتوضأ بالماء البارد وسأحسن الوضوء منه.
٣٦٤ - * روى الدارقطني عن أسلم مولى عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب كان يُسَخَّنُ له ماءٌ في قُمْقُمَةٍ ويغتسل به.
٣٦٥ - * روى ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع أنه كان يسخن الماء يتوضأ به.
стр. 262
مسائل وفوائد
- يصاب بعض الناس بمرض الوسوسة في الطهارة ودواء ذلك العلم والأخذ برخص الأئمة، قال سفيان الثوري: (العلم رخصة من ثقة، وأما التشدد فيعرفه كل الناس)، وأي رخصة أقوى من رخصة يقول بها إمام مجتهد، وأدب الفقيه إذا رأى وسوسة إنسان أن يدله على الرخص كقول المالكية في أن الماء ولو قل لا ينجسه إلا ما غَيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، وكقول بعض المالكية إن طهارة البدن والثياب والمكان سنة وليست شرطاً لصحة الصلاة، وكما يلاحظ ذلك من الموسوس يلاحظ في المرضى وأصحاب الأعذار وحالات الضرورة.
- من الرخص العظيمة في فقه الشافعية أن النجاسة غير المرئية إذا مر عليها الماء يطهرها، ويبقى الماء طاهراً أما إذا أُدخلت في الماء فإنها تنجس وتبقى نجسة مثال ذلك لو أن امرأة وضعت ثياباً متنجسة بنجاسة غير مرئية في غسالة وصبت عليها الماء فإن هذا الماء يطهرها ويبقى طاهراً، أما لو وضعت الماء أولاً ووضعت الثياب فيه، فإن الثياب تنجسه وتبقى نجسة، وفي الصورة الأولى يصبح الماء مستعملاً عندهم لا يزيل حدثاً ولا خبثاً.
وشروط ذلك ثلاثة أن يَرِدَ الماء على النجاسة لا ترد هي عليه وأن ينفصل طاهراً لم يتغير أحد أوصافه وقد طهر المحل، وألا يزيد وزنه بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ (الفقه الإسلامي ١/ ١٢٤).
- مرّ معنا أن الماء الجاري لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريح، والماء الجاري عند الحنفية ما يذهب بتبنة.
- إذا كان الماء يصب في حوض ويخرج منه فله حكم الماء الجاري عند الحنفية، ومما له حكم الماء الجاري جرن الحمام الذي يصب فيه الماء والناس يغترفون منه عند الحنفية.
- مر معنا أن الماء عند الشافعية والحنابلة إذا بلغ قلتين لا يحمل خبثاً إلا إذا غير لونه أو طعمه أو ريحه، إلا أنه إذا زال اللون أو الطعم أو الريح بنفسه أو بمكاثرة الماء فإنه يعود طاهراً، وتظهر ثمرة ذلك في أشياء كثيرة منها ما لو كان نهر يمر ببلد وتصبُّ فيه قاذوراتها
стр. 263
فيظهر لون النجاسة أو طعمها أو ريحها فإن الماء ينجس، حتى إذا استمر الماء إلى مجراه لم يعد لطعم النجاسة أو ريحها أو لونها أثر عاد طاهراً، وكذلك لو صفي ماء النهر المتنجس مقدار قلتين فأكثر بحيث لا يظهر أثر للنجاسة يعود الماء طاهراً.
- من المعروف أن السحاب ماء متبخر، وماء المطر طهور وعلى هذا فأي ماء تبخر ثم جمع يكون طاهراً مطهراً.
- مر معنا أن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس عند الحنابلة والشافعية ولا يسري هذا عندهم على غير الماء.
- ذكر فقهاء الحنابلة أن من الماء المستعمل الذي يفقد طهوريته ما غسل به الميت، لأنه غسل تعبدي، ومنه الماء اليسير الذي غمس به القائم من الليل يده فغسلها وكان الغاسل مسلماً عاقلاً بالغاً وكان الغمس قبل غسل اليد ثلاثاً.
- لا يصير الماء مستعملاً إلا بعد انفصاله عن محل الاستعمال ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء.
- وههنا نقطة ينبغي التنبه لها، فلو صب الإنسان ماء على يده مثلاً للوضوء، فعليه ألا يفصل يده عن المحل حتى يبلغ الماء المحل، فإذا فصل يده أصبح الماء الذي بيده مستعملاً وما يتقاطر من محل الوضوء يعتبر مستعملاً، فإذا لم يكن قد بلَّغ المحل بالماء فكأنه في هذه الحالة يبلغه بعد الفصل بماء مستعمل.
- قال الحنفية: لا تنجس البئر ببعر الإبل والغنم وروث الفرس والبغل والحمار وخثي البقر إلا أن يستكثره الناظر أو ألا يخلو دلو عن بعرة ونحوه، ولا تنجس البئر بخرء حمام وعصفور ونحوهما مما يؤكل من الطيور غير الدجاج والأوز والبط، والأصح أنه لا ينجس البئر بخرء الطيور غير المأكولة اللحم مثل سباع الطير.
- وقال المالكية والحنابلة: روث وبول الحيوان المأكول طاهر، وروث وبول المحرم الأكل نجس، إلا أن مذهب الحنابلة على أنه إذا بلغ الماء قلتين لا ينجس إلا إذا تغير طعمه ولونه وريحه.
стр. 264
- وقال المالكية: إذا وقعت دابة نجسة في بئر وغيرت الماء وجب نزح جميعه، فإذا لم تغيره استحب أن ينزح منه بقدر الدابة وبعض الماء، منها، وعند الحنفية تفصيلات كثيرة لأحكام الآبار، ولهم أدلتهم الصحيحة من فتاوى الصحابة والتابعين لا كما يزعم بعضهم.
ونكتفي بهذا القدر محيلين كل مسلم على مذهبه الفقهي ليعرف فتاوى المذهب في ما يبتلى به.
стр. 265
الفقرة الثالثة: في الأعيان الطاهرة والنجاسات والمطهرات
الأصل في الأشياء الطهارة ما لم تثبت نجاستها بدليل شرعي، وهناك أشياء متفق على نجاستها عند الفقهاء، وهناك أشياء مختلف عل نجاستها، وكذلك المطهرات من النجاسة، هناك أشياء اتفقوا على أنها مطهرة، وأشياء اختلفوا في تطهيرها.
والنجاسات ترتبط بها أحكام متنوعة، منها ماله علاقة في الصلاة ومنها ما له علاقة في الطعام والشراب ومنها ماله علاقة بأشياء أخرى.
والنجاسات على أنواع: فمنها نجاسة الاعتقاد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) ومنها النجاسة من الحدث، ومنها النجاسات الحسية، وقد قسم الحنفية النجاسة الحسية إلى مغلظة ومخففة، وإلى جامدة ومائعة، وإلى مرية وغير مرئية، وأوصلوا أنواع المطهرات إلى ثمانية عشر نوعاً.
ومن ههنا ندرك أن فقه هذا الموضوع واسع ونحن نستعرض له من خلال النصوص ونذكر من الفوائد والمسائل ما تدعو إليه الحاجة، متقيدين بالمذاهب الأربعة محيلين من يريد التفقه على مذهبه أو من أراد التوسع على كتب الفقه العامة وعلى كتب آيات الأحكام وشرح أحاديث الأحكام.
حكم بول الصغير والصغيرة:
٣٦٦ - * روى الشيخان عن أمِّ قيسٍ بنت محصنٍ ﵂ أنها أتتْ بابنٍ لها صغير، لم يأكل الطعام، إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حِجْرِه، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحهُ، ولم يغسلهُ.
وفي رواية (٢): "فلم يزِدْ على أن نضح بالماء".
стр. 266
وفي أخرى (١): فدعا بماءٍ فرشَّه.
٣٦٧ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: أُتِيَ رسول الله ﷺ بصبي" فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فأتبعه إيَّاه".
وفي رواية (٢): أُتِيَ بصبي فحَنَّكَه، فبال عليه.
ولمسلم (٣): أن رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالصبيان فيُبَرَّكُ عليهم ويحنكهم، فأُتِيَ بصبيٍّ ... وذكر الحديث".
٣٦٨ - * روى أحمد عن أبي ليلى قال كنتُ عند النبي ﷺ وعلى صدره أو بطنه الحسنُ أو الحسينُ ﵉ فبال فرأيتُ بولهُ أساريعَ فقمتُ إليه فقال "دعوا ابني لا تُفْزِعُوه حتى يقضي بوله" ثم اتبعهُ الماء ثم قام فدخل بيت تمرْ الصدقة ومعه الغلام فأخذ تمرةً فجعلها في فيه فاستخرجها النبي ﷺ وقال "إن الصدقة لا تحلُّ لنا".
٣٦٩ - * روى أبو داود عن لبابة بنت الحارث ﵂ قالت: "كان الحسنُ بن عليٍّ في حجر النبي ﷺ ، فبال على ثوبه، فقلتُ: يا رسول الله، البَسْ ثوباً، وأعطني إزارك حتى أغسلهُ، قال: "إنما يُغسلُ من بول الأنثى، ويُنضحُ من بول الذكر".
стр. 267
٣٧٠ - * روى أبو داود عن أبي السمح ﵁ قال: "كنت أخدم رسول الله ﷺ "وكان إذا أراد أن يغتسل قال: "وَلِّنِي"، فأوليه قفاي، فأستُرهُ بذلك، فأُتي بحسنٍ - أو حسينٍ - فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: "يُغْسَلُ من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام".
واختصره النسائي، فقال: قال رسول الله ﷺ : "يُغسلُ من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام".
٣٧١ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال في بول الغلام الرضيع: "يُنضحُ بولُ الغلام، ويُغسلُ بول الجارية" قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غُسِلاً جميعاً.
وفي رواية (١) أبي داود قال عليٌّ: يُغسل من بول الجارية، ويُنضَحُ من بول الغلام ما لم يَطْعم.
فائدة:
قال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى: وحمل أصحابنا (أي الحنفية) النَّضح والرش على الصب الخفيف بغير مبالغة ودلك، والغسل على الغسل مبالغة فاستويا في الغسل. ويؤيده ما روى أبو داود عن الحسن عن أمه أنها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لم يطْعَمْ، فإذا طعم غسلته وكانت تغسل بول الجارية (التعليق الممجد ص ٤).
وقال الشيخ ظفر أحمد: (فيثبت بهذه الآثار أن حكم بول الغلام الغَسْلُ، إلا أن ذلك الغسل يجزئ عنه الصب، وأن حكم بول الجارية الغسل أيضاً، إلا أن الصب لا يكفي فيه
стр. 268
لأن بول الغلام يكون في موضع واحد لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجه، فأمر في الغلام بالصب يريد به إسالة الماء في موضع واحد، وفي بول الجارية بالغسل لأنه يقع في مواضع متفرقة. قاله الزيلعي عن الطحاوي).
ومما يؤيد استعمال النضح بمعنى الغسل ما في الترمذي في المذي يصيب الثوب عن سهل بن حنيف قلت يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: (يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك) الحديث وصححه الترمذي وحسنه (١/ ١٧).
ومنه ما في مسلم عن علي ﵁ قال: أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال رسول الله ﷺ "توضأ وانضح فرجك" (١/ ١٤٣)، قال النووي: أما قوله ﷺ "وانضح فرجك" فمعناه اغسله فإن النضح يكون غسلاً ويكون رشاً وقد جاء في الرواية الأخرى "يغسل ذكره" (فتعين حمل النضح عليه) ا. هـ عن إعلاء السنن (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
أقول: هذا توجيه الحنفية والمالكية للأحاديث الواردة في النضح من بول الصبي، فهم لا يفرقون بين بول الصغير والكبير، إلا أن المالكية قالوا يعفى عما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول الطفل أو غائطه سواء كانت أماً أو غيرها إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها خلال نزولها بخلاف المفرطة، ولكن يندب لها غسله إن تفاحش وقرر الشافعية والحنابلة أن ما تنجس ببول أو قيء صبي لم يطعم غير لبن للتغذي ينضح، وتحنيك الطفل أول ولادته لا يؤثر على الحكم، ولا يجزئ في بول البنت إلا الغسلُ.
(اللباب ١/ ٥١) والشرح الصغير ١/ ٧٣ والمهذب ١/ ٤٩).
٣٧٢ - * روى أبو داود عن الحسن البصري عن أمه: أنها أبصرتْ أمَّ سلمة تصُبُّ الماء على بول الغلامِ ما لم يطعَمْ، فإذا طعِمَ غسلتْهُ، وكانت تغسِلُ بول الجارية".
стр. 269
نجاسة البول وكيفية تطهيره:
٣٧٣ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ رأي أعرابياً يبولُ في المسجد، فقال: "دعُوه"، حتى إذا فرغَ دعا بماءٍ فصبَّه عليه.
وفي رواية (١) قال: بينما نحنُ في المسجد مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء أعرابيُّ، فقام يبولُ في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مهْ، مهْ، فقال رسول الله ﷺ : "لا تُزْرِمُوه، دعُوه، فتركوه حتى بال"، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: "إنَّ هذه المساجدَ لا تصلُحُ لشيءٍ من هذا البول والقذَرِ، إنما هي لذكرِ الله، والصلاة، وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ قال: "وأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلْوٍ من ماءٍ، فسنَّه عليه".
وفي أخرى (٢): أن أعرابياً قام إلى ناحية المسجد، فبال فيها، فصاح به الناسُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسل: "دعُوه" فلما فرغَ أمر رسول الله صلى الله بذنُوبٍ، فصُبَّ على بوله".
وفي أخرى (٣): "فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ فلما قضى بوله: أمر بذنُوبٍ من ماءٍ، فأُهريقَ عليه".
стр. 270
أقول: تطهرُ الأرض وكل ما كان ثابتاً بها كالشجر والكلأ والبلاط عند الحنيفة بالجفاف بالشمس أو بالهواء أو بغير ذلك، بشرط زوال أثر النجاسة، وهي طهارة تجيز الصلاة عليها عندهم ولا تجيز التيمم، أما طهارة الأرض لجواز التيمم عندهم فلابد من إسالة الماء عليها ثلاث مرات، وقال غير الحنفية لا تطهر الأرض بالجفاف، وإنما تطهر بكثرة إفاضة الماء عليها من مطر أو غيره حتى تول عين النجاسة أخذاً من هذا الحديث وقد وجه الحنفية هذا الحديث بنحو ما ذكرناه عنهم واستدلوا بنصوص أخرى على مذهبهم والحديث دليل من أدلة الإجماع على أن البول نجس.
٣٧٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالسٌ، فصلى ركعتين ثم قال: اللهُمَّ ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال النبي ﷺ : "لقد تحجَّرْتَ واسعاً"، ثم لم يلْبَثْ أن بال في ناحية المسجد، فأسرع إليه الناسُ، فنهاهم النبي ﷺ ، وقال: "إنما بُعثْتم مُيَسِّرين، ولم تُبْعَثُوا معسرين، صُبُّوا عليه سجلاً من ماءٍ، أو قال: "ذَنُوباً من ماءٍ".
من أنواع المطهرات:
٣٧٥ - * روى مالك عن أم سلمة ﵂ قالت لها امرأة: "إني أُطيلُ ذَيْلي، وأمشي في المكان القذر؟ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يُطهرهُ ما بعده".
(يطهره ما بعده) قوله: يطهره ما بعده في هذا الحديث، وقوله فالحديث اللاحق: فهذه بهذه معناه عند الشافعي ﵀ (١): فيما كان يابساً لا يعلقُ بالثوب منه
стр. 271
شيء، فأما إذا كان رطباً، فإنه لا يطهر إلا بالغسل، وقال مالك: هو أن يطأ الأرض القذِرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإن بعضها يُطهر بعضاً، وأما النجاسةُ- مثل البول ونحوه، يُصيب الثوب أو بعض الجسد - فإن ذلك لا يُطهره إلا الماء إجماعاً.
٣٧٦ - * روى أبو داود عن امرأة من بني عبد الأشهل ﵂ قالتْ: "قلتُ: يا رسول الله، إن لنا طريقاً إلى المسجد مُنتْنِةً، فكيف نفعلُ إذا مُطِرنا؟ قالت: فقال: "أليس بعدها طريقٌ هي أطيبُ منها؟ " قلتُ: بلى، قال: "فهذه بهذه".
أقول: اعتبر الحنفية: أن تكرار المشي في الثوب الطويل الذي يمس الأرض النجسة ثم الطاهرة يطهر الثوب، وقال المالكية: يطهر ثوب المرأة الطويل الذي تجره على الأرض المتنجسة اليابسة فيتعلق به الغبار بشرط أن تكون إطالته للستر لا للخيلاء (المراقي ٣٠) واختلفوا في النجاسة الرطبة، والتطهير يحصل إذا كانت غير لابسة لخف، فإذا كانت لابسة لخف فلا عفو. (الشرح الصغير ١/ ٧٨) والحنابلة يوافقون الحنفية إلا أنهم يقيدونه بيسير النجاسة وإلا وجب غسله، والشافعية: يحملون الأحاديث على النجاسة اليابسة وإلا فلابد من الغسل.
٣٧٧ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يصلي فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: "لِمَ خلعْتم نِعالَكُم؟ " فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت، فخلعنا. فقال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيهما خبث، فليمسحهما بالأرض، ثم ليُصْلِّ فيهما".
стр. 272
هذا حديث يزيد بن هارون. وقال محمد بن يحيى في حديث أبي الوليد، فقال: "إن جبريل أخبرني (١) أن فيهما قذراً أو أذى".
٣٧٨ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وطيء أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهُور".
وفي رواية (٢) "إذا وطيء الأذى بخُفَّيه فطهورهما الترابُ".
٣٧٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ قال: كنا نُصلي مع النبي ﷺ ولا نتوضأُ من موطيءٍ.
أقول: قال الحنفية: يطهر الخف والنعل المتنجس بنجاسة ذات جُرْمٍ سواء كانت جافة أو رطبة بالدّلك، والمراد بالنجاسة ذات الجرم كل ما يرى بعد الجفاف كالغائط والروث والدم والمني والبول والخمر الذي أصابه تراب، فإذا لم تكن النجاسة ذات جرم فيجب غسلها بالماء ثلاث مرات ولو بعد الجفاف ويترك الخف في كل مرة حتى ينقطع التقاطر وتذهب النداوة ولا يشترط اليبس، وقال الشافعي ومحمد من الحنفية: لا يطهر النعل بالدَّلك لا رطباً ولا يابساً.
وقال المالكية: يطهر الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق والأماكن التي تطرقها الدواب كثيراً بخلاف غير الدواب كالآدمي والكلب والهر ونحوه، وقال الحنابلة: لا يطهر النعل بالدلك بل يجب غسله، لكن يعفى عن يسير النجاسة على أسفل الخف والحذاء بعد الدلك. (رد المحتار ١/ ٢٠٥ فما بعدها، مراقي الفلاح ٣٠، الشرح الصغير ١/ ٧٨ وما بعدها، والفقه الإسلامي ١/ ٩٢ فما بعدها).
стр. 273
حكم المني:
٣٨٠ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ أغسِلُ الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ فيخرُجُ إلى الصلاة وإن بُقَعَ الماء في ثوبه".
وفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ كان يغسلُ المنيَّ، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظرُ أثر الغسلِ فيه.
ولمسلم (٢): أن رجلاً نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يُجْزئُكَ- إن رأيته - أن تغسل مكانه، فإن لم ترَهُ نضحت حوله، فلقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً، فيُصلي فيه.
وله في أخرى (٣): قالت عائشة في المنيِّ كنتُ أفرُكه من ثوب رسول الله ﷺ .
وله في أخرى (٤): من حديث عبد الله بن شهاب الخولاني قال: "كنتُ نازلاً على عائشة، فاحتملتُ في ثوبي، فغمستُهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها، فبعثتُ إليَّ عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه، قالت: هل رأيت فيهما شيئاً؟ قلت: لا، قالت: فلو رأيت شيئاً غسلته، لقد رأيتُني وإني لأحكُّه من ثوب رسول الله ﷺ يابساً بظُفُري".
وفي رواية (٥) الترمذي: "أنها غسلت منيًّا من ثوب رسول الله ﷺ ".
وله في أخرى (٦): قال همامُ بن الحارث: "ضاف عائشة ضيفٌ، فأمرتْ له بملحفةٍ
стр. 274
صفراء، فنام فيها، فاحتلم، فاستحيي أن يُرسلَ بها إليها وبها أثرُ الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشةُ: لمَ أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفْرُكه بأصابعه، وربما فركْتُه من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي".
٣٨١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: "لقد كنا نسْلتُه بالأذْخَرِ والصوفة يعني المني".
أقول: قال الحنفية والمالكية: المني نجس وقال الشافعية على الأظهر والحنابلة المني طاهر، لكن يستحب غسله أو فركه، وقال الحنفية: يجب غسل رطبه فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك، وقال المالكية: يجب غسل أثره رطباً أو يابساً، ويلاحظ أن الجميع متفقون على أن المذي إذا سبق المني ينبغي غسله وأن العضو ينبغي أن يكون مغسولاً مسبقاً بالماء، فإن كان عليه أثر بول بسبب تنشيفه دون غسله فإن المني يتنجس فيجب غسله.
وبعد تحقيق طويل في إعلاء السنن (١/ ٢٧٠ - ٢٧٣) قال: فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة وهذا خلاصة ما في المسألة من الأدلة من جانب الجميع ا. هـ.
والأمور الواردة: الفرك إذا يبس والنضح والغسل وسلتُه بعرق الأذخر.
جاء في الدر المختار (١/ ٢٠٧): ويطهر مني (أي محله) يابس بفرك ولا يضر بقاء أثره إن طهر رأس الحشفة.
٣٨٢ - * روى ابن خزيمة عن أم قيس بنت محصن، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب. فقال: "اغسليه بالماء والسدر وحكيه بضلع".
стр. 275
فائدة:
سؤر الإنسان وعرقه طاهر، وإذا عرق الإنسان وكان قد استعمل لمسح الدبر أو القبل أو المني حجراً أو ورقاً أو ما ينوب منابهما وعرق فإن ذلك لا يؤثر على نجاسة ثيابه ولا يزيد من بقعة النجس على بدنه، إلا إذا ظهر أثر الغائط فيجب غسله إذا زاد عن مقدار الدرهم عند الحنفية كما سنرى.
٣٨٣ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: تتخذُ المرأةُ الخرقة، فإذا فرغ زوجها ناولته فيمسحُ عنه الأذى، ومسحتْ عنها، ثم صليا في ثوبيهما.
٣٨٤ - * روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵁: سأل أخته أم حبيبة- زوج النبي ﷺ : هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يُجامِعُها فيه؟ فقالت: نعم، ما لم ير فيه أذى.
٣٨٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لا يُصلي في شُعُرِنا - أو لُحُفِنا - شك أحد رواته. وفي رواية (١): أن النبي ﷺ كان لا يصلي في ملاحفنا. وأخرج النسائي (٢) الرواية الثانية، وفي رواية (٣) الترمذي: كان النبي ﷺ لا يصلي في لُحُفِ نسائه.
стр. 276
٣٨٦ - * روى مالك عن ابن عمر ﵄: "أنه كان يعرقُ في الثوب وهو جُنبٌ، ثم يصلي فيه".
٣٨٧ - * روى مالك عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أنه اعتمَر مع عمر بن الخطاب في ركبٍ فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرَّسَ ببعض الطريق قريباً من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يُصبح، فلم يجدْ مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثيابٌ، فدعْ ثوبك يُغسل، فقال له عمر بن الخطاب: واعجباً لك يا ابن العاص، لئن كنت تجدُ ثياباً، أفكلُّ الناس يجدُ ثياباً؟ والله لو فعلتُها لكانت سُنَّة، بل أغسلُ ما رأيتُ، وأنضحُ ما لم أر".
قال الزرقاني في شرح الموطأ قال أبو بعد الملك: هذا مما عُدَّ أن مالكاً وَهِمَ فيه لأن أصحاب هشام: الفضل بن فضالة وحماد بن سلمة ومعمراً قالوا عن هشام عن أبيه عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه فسقط لمالك عن أبيه (م).
حكم الدم ودم الحيض:
٣٨٨ - * روى الجماعة عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ ، فقالت: إحدانا يُصيب ثوبها من الحيضة: كيف تصنع به؟ فقال: "تحُتُّهُ، ثم تقرصُه بالماء، ثم تنضحُه، ثم تُصلي فيه".
стр. 277
وفي رواية (١) النسائي: أن امرأةً استفتت النبي ﷺ عن دم الحيض يُصيب الثوب؟ قال: "حُتِّيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه وصلي فيه".
وفي رواية (٢) أخرى لأبي داود قالت: سمعتُ امرأةً تسألُ رسول الله ﷺ كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر: اتُصلي فيه؟ قال: "تنظُر، فإن رأت فهي دماً فلتقرُصْهُ بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، ولتُصلِ فيه".
وفي أخرى (٣) بهذا المعنى، وفيه "حُتِّيه، ثم اقْرُصيه بالماء، ثم انضحيه".
٣٨٩ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كانتْ إحدانا تحيض، ثم تقرُصُ الدم من ثوبها عند طُهرها، فتغسله، وتنضحُ على سائره، ثم تصلي فيه.
وفي رواية (٤) أبي داود قالت: "كنتُ مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارُنا، وقد ألقينا فوقَهُ كساءً، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة، ثم جلس، فقال رجلٌ: يا رسول الله، هذه لُمعةٌ من دمٍ في الكساء، فقبصَ رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها، وأرسلها إليَّ مصرورةً في يد الغلام، فقال: "اغسلي هذا، وأجفِّيها، ثم أرسلي بها إليَّ"، فدعوتُ بقصعتي فغسلتُها، ثم أجففتُها، فأحرْتُها إليه، فجاء رسول الله ﷺ نصف النهار وهو عليه".
وفي أخرى (٥) له قالت مُعاذةُ: سألتُ عائشة عن الحائض يُصيبُ ثوبها الدمُ؟ قالت: تغسِلُه، فإن لم يذهب أثره فلتغيِّرهُ بشيء من صُفرةٍ، قالت: ولقد كنتُ أحيضُ عند
стр. 278
رسول الله ﷺ ثلاث حيضٍ جميعاً، لا أغسِلُ لي ثوباً".
وله في أخرى (١) قال خِلاسُ الهجري: سمعت عائشة تقول: "كنتُ أنا ورسول الله ﷺ نبيتُ في الشِّعارِ الواحد وأنا حائضٌ طامث، فإن أصابه مني شيءٌ، غَسَل مكانه، لم يعدُهُ، ثم صلى فيه".
وأخرج النسائي (٢) هذه الرواية الآخرة.
٣٩٠ - * روى أبو داود عن أم قيسٍ بنت محصن ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن دم الحيض يكونُ في الثوب؟ قال: "حُكِّيه بضلَع، واغسليه بماءٍ وسدرٍ".
أقول: دم الآدمي غير الشهيد، ودم الحيوان غير المائي، نجس بإجماع، على خلاف بين الفقهاء بالقدر المعفو عنه، والمراد بدم الشهيد: الدم الملاصق له، فهذا طاهر في حقه ومن ثم فإن الدم المسفوح ينبغي غسله سواء كان دم حيض أو غيره.
ودم المسك ودم الكبد والطحال والقلب وما يبقى في عروق الحيوان بعد الذبح الشرعي ودم القمل والبرغوث ليس بنجس.
(اللباب ١/ ٤٩ فما بعدها، والشرح الصغير ١/ ٥٣، والمهذب ١/ ٤٦ فما بعدها).
стр. 279
٣٩١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيءٌ من دم قالت بريقها فمصعتْه بظفرها".
وعند أبي داود مثله، وله في أخرى (١) قالت: قد كان يكون لإحدانا الدَّرعُ، فيه تحيضُ، وفيه تُصيبها الجنابةُ، ثم ترى فيه قطرةً من دمٍ، فتقصَعُه بريقها.
وفي أخرى (٢) له قالت: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، فيه تحيض، فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها، ثم قصعته بريقها".
أقول: الرِّيق من المطهرات عند الحنفية، فتطهر أصبعٌ وثديٌ تنجسا بالقيء بلحس ثلاث مرات، وعن طريق الإرضاع للولد، ويطهر فم شارب الخمر بترديد ريقه وبلعه عنده، ولا يجوز للعاقل المكلف أن يبلع ريقه المتنجس. (رد المحتار ١/ ٢٠٥).
حكم لعاب الكلب:
٣٩٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شَرِبَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسله سبع مراتٍ".
وفي رواية (٣) قال: "وإذا ولَغَ الكلبُ في إناء أحدِكم فيُرِقْهُ، ثم ليغسِلْه سبع مرارٍ".
стр. 280
وفي أخرى (١): "طُهُورُ ناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب".
وفي رواية (٢) لأبي داود بمعناه، ولم يرفعه، وزاد "وإذا ولغَ الهِرُّ غُسِلَ مرةً".
وفي أخرى (٣) له: "إذا ولغَ الكلبُ في الإناء: فاغسلوه سبع مراتٍ، السابعة بالتراب".
وفي رواية (٤) الترمذي قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يُغسلُ الإناءُ إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أُولاهنَّ أو أُخراهنَّ بالتراب، وإذا ولغتْ في الهرةُ غُسِلَ مرةً".
٣٩٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهُمْ وبالُ الكلاب؟ " ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: "إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغسلوه سبع مراتٍ، وعفَّرُوه الثامنة في التراب".
٣٩٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كانت الكلابُ تُقْبِلُ
стр. 281
وتُدْبِرُ في المسجد في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يَرُشُّون شيئاً من ذلك.
وفي رواية (١) أبي داود قال: كنتُ أبيتُ في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنتُ فتي شاباً عزباً، وكانت الكلاب تبول وتُقبلُ وتُدبر في المسجد ... الحديث".
(تبول وتقبل وتدبر في المسجد) أراد بقوله: تبول وتقبل وتدبر في المسجد، أنها تبول خارج المسجد، ثم تُقْبلُ وتدبر في المسجد عابرةً، إذْ لا يجوز أن يترك الكلاب حتى تمتهن المسجد وتبول فيه، وإنما كان عبورها فيه حيث لم يكن له أبواب، وأما البول فلا. [ابن الأثير].
٣٩٥ - * روى أبو داود عن داود بن صالح بن دينارٍ التمار عن أُمِّه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة، قالت: فوجدتُها تُصلي، فأشارت إليَّ: أن ضعيها، فجاءت هرةً فأكلت منها، فلما انصرفت عائشةُ من صلاتا أكلتْ من حيثُ أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجسٍ، إنما هي من الطوافين عليكم، وإني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه سلم يتوضأ بفضلها.
أقول: مر معنا من قبل الإشارة إلى الأسآر، وأن الحنفية يقولون: إن الحكم على سؤر الشارب يختلف بحسب طهارة أو نجاسة لحم الشارب، لأن المؤثر في الحكم مخالطة لعاب الشارب للماء أو لغيره، ولما كان الكلب عندهم نجساً فسؤره نجس، وأما بالنسبة للهرة فسؤرها المائي طاهر مطهر، لكنه يكره عندهم استعماله تنزيهاً مع وجود غيره، عند المالكية: أن سؤر الكلب طاهر، وغسل الإناء الذي ولغ فيه سبع مرات إنما هو عبادة، وأما الهرة فسؤرها طاهر إلا إذا رؤي في فمها نجاسة فيكون سؤرها نجساً ويقولون بكراهة استعمال الماء كالحنفية، قوال الشافعية والحنابلة: سؤر الكلب نجس، وسؤر الهرة طاهر ولا يكره استعماله، والقائلون بنجاسة سؤر الكلب، يقولون بنجاسته إذا شرب من الماء القليل مع ملاحظة الاختلاف في حد القلة والكثرة، ويشهد له: أن بعض الروايات تذكر الإناء، وقد رأينا أن المالكية يقولون بأن غسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرات أمر تعبدي
стр. 282
لا للنجاسة، والشافعية والحنابلة والحنفية: أن الغسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب للنجاسة، إلا أن الحنفية يعتبرون الثلاثة الأولى فريضة وما سوى ذلك مندوب، والظاهر أن الحكمة في استعمال التراب هي: مراعاة الجانب الصحي.
حكم الفأرة وتطهير ما وقعت فيه ونحوها:
٣٩٦ - * روى البخاري عن ميمونة ﵂ أن رسول الله ﷺ : "سُئل عن فأرةٍ وقعت في سمنٍ؟ فقال: "ألقُوها وما حولها، وكلوا سمنكُمْ".
٣٩٧ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقعت الفأرةُ في السمن، فإذا كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربُه".
أقول: من المطهرات عند الحنفية عزل الجزء المتنجس عن غيره إذا أمكن ذلك، فيطهر الدهن الجامد والسمن الجامد والدبس الجامد بعزل الجزء المتنجس، فإن وقعت النجاسة في مائع كالزيت والسمن الذائب لا يقبل الطهارة عند الجمهور، وعند الحنفية: يطهر بصب الماء عليه بقدره ثلاث مرات أو يوضع في إناء مثقوب ثم يصب عليه الماء فيعلو الدهن ويرفع بشيء أو يفتح الثقب حتى يذهب الماء ومن هذا نعرف موقف الحنفية فيما إذا وقعت فأرة في الدهن الذائب أو الزيت فماتت فيه، فإنهم يخرجونها ويطهرون الدهن بما ذكرنا ويحملون الحديث في إهراق السمن المائع على الندب، هذا إذا ماتت الفأرة، أما إذا بقيت حية فإنها لا تنجس ما وقعت فيه، وقال الحنابلة إذا وقعت الفأرة أو الهرة ونحوهما في مائع أو ماء يسير ثم خرجت حية فهو طاهر.
(رد المحتار ١/ ٢٠٥ فما بعدها)، (المغني ١/ ٣٥ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٩٨ فما بعدها).
стр. 283
حكم الحيوان المذَكَّى:
٣٩٨ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بغلامٍ يسلخُ شاةً وما يُحْسَنُ، فقال له رسول الله ﷺ : "تَنَحَّ حتى أُريكَ"، فأدْخَل يده بين الجلد واللحم، فدخسَ بها حتى دخلتْ إلى الإبط، ثم مضى فصلى للناس، ولم يتوضأ.
زاد في رواية (١): يعني (لم يمسَّ ماءً).
أقول: هذا الحديث نص في طهارة الحيوان المأكول اللحم إذا ذُكِّيَ بالذبح، ومن الأشياء المتفق عليها عند الفقهاء طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية، وعلى هذا فالدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله مع اللحم، ومن كلام المالكية أن من الطاهرات الدم الباقي في العروق من الحيوان المذكي، أو في قلبه أو ما يرشح من اللحم لأنه جزء المذكى، وجزؤه طاهر، لكن ما بقي على محل الذبح هو من باقي المسفوح فهو نجس، وكذا إذا دخل شيء من الدم إلى البلعوم فوصل إلى المعدة فإنه نجس تجب الطهارة منه.
حكم الدباغة والإهاب المدبوغ:
٣٩٩ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا دُبغ الإهابُ فقد طهُرَ".
وفي رواية (٢): قال مرثَدُ بن عبد الله اليزني: "رأيتُ على عبد الرحمن بن وعلة السبئيِّ فروا فمسسْتُهُ، فقال مالك تمسُّه؟ قد سألتُ عبد الله بن عباس قلت: إنا نكون
стр. 284
بالمغرب، ومعنا البربرُ والمجُوس، نُؤتي بالكبش قد ذبحوه، ونحنُ لا نأكلُ ذبائحهم، ويأتونا بالسقاء يجعلون فيه الودَك؟ فقال ابن عباس: قد سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "دبِاغُه طهُورُه".
وأخرج الترمذي (١) والنسائي (٢): قالا قال رسول الله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طهُر".
وللنسائي (٣): أن [عبد الرحمن] بن وعلة سأل ابن عباس فقال: إنا نغْزُوا هذا المغرب، وإنهم أهل وثَنٍ، ولهم قربٌ يكون فيها اللبنُ والماء؟ فقال ابن عباس: الدباغُ طهور، قال ابن وعلة: عن رأيك، أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: عن رسول الله ﷺ ".
٤٠٠ - * روى أبو داود عن عالية بنت سُبيعٍ قالت: كان لي غنمٌ بأُحُدٍ، فوقع فيها الموتُ، فدخلتُ على ميمونة زوج النبي ﷺ ، فذكرتُ ذلك لها، فقالت لي ميمونةُ: لو أخذت جُلودها فانتفعت بها؟ قالتْ: فقلت: أو يحلُّ ذلك؟ قالت: نعم، مرَّ على رسول الله ﷺ رجالٌ من قريشٍ يجُرّثون شاةً لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "لو أخذتم إهابها؟ " قالوا: إنها ميتةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "يُطهِّرها الماءُ والقَرَظُ".
٤٠١ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : "مرَّ
стр. 285
بشاة ميتةٍ، فقال: "هلا انتفعتُم بإهابها؟ " قالوا: إنها ميتةً؟ قال: "إنما حرُم أكلها".
وفي رواية (١) قال: تُصُدَّق على مولاةٍ لميمونة بشاةٍ، فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ ، فقال: "هلا أخذتُم إهابها فدبغتمُوه فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتةٌ؟ فقال: "إنما حَرُمَ أكلها".
وللبخاري (٢) قال: مرَّ رسول الله ﷺ بعنزٍ ميتةٍ، فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها؟ ".
٤٠٢ - * روى مالك عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دُبغتْ.
وللنسائي (٣) قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن جُلود الميتة؟ فقال: "دبغُها ذكاتُها".
وفي أخرى (٤) قال: "ذكاةُ الميتة دباغُها".
٤٠٣ - * روى البخاري عن سودة بنت زمعة ﵂ قالت: ماتت لنا شاةٌ، فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبِذُ فيها حتى صار شَنًّا.