قال البخاري: وقال إسماعيل: أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة- لا أعلمه إلا عن أنس- قال: لما نزلت (لن تنالوا البر) جاء أبو طلحة. ثم ذكر نحو ما تقدم .. إلى أن قال-: فهي إلى الله ، وإلى رسوله ﷺ ، أرجو بره وذخره، فضعها- أي رسول الله ﷺ حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ بخ أبا طلحة، ذلك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين، فتصدق أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم: أبي، وحسان، قال: فباع حسان حصته من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعاً من تمر بصاع من دراهم؟ قال: وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية".
ولمسلم (١) قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال أبو طلحة: أرى ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك أني قد جعلت أرضي بيرحاء لله، فقال: اجعلها في قرابتك، قال فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب".
٣٤٤٥ - * روى الشيخان عن زينب- امرأة ابن مسعود- ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : "تصدقن يا معشر النساء، ولو من حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فائته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرفتها إلى غيركم؟ فقال لي عبد الله: بل ائتيه أنت، قالت: فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ ، حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره: أن امرأتين بالباب،
стр. 2207
يسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال له رسول الله ﷺ : من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله ﷺ : "أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله. فقال رسول الله ﷺ : لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".
٣٤٤٦ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فطر، إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس فأمرهم بالصدقة، فقال: "أيها الناس، تصدقوا، فمر على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء، ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله، هذه زينب، فقال: أي الزيانب؟ فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: نعم، ائذنوا لها، فأذن لها، قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود: أنه وولده أحق من تصدق به عليهم، فقال النبي ﷺ : "صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم".
٣٤٤٧ - * روى الترمذي عن سلمان بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة".
٣٤٤٨ - * روى ابن خزيمة عن ميمونة أنها سألت النبي ﷺ خادماً فأعطاها، فأعتقتها، فقال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك".
فائدة: الصدقة الواجبة كالزكاة لا تصح على من كانت نفقته واجبة، فلا يزكي الإنسان
стр. 2208
ماله بإعطائه لابنه أو زوجته أو أبيه أو أمه أو خادمه. وسيمر معنا تفصيل ذلك.
أما إعطاء الزكاة للزوج من قبل الزوجة فجائز عند بعض العلماء.
стр. 2209
الفصل الرابع
في الصدقة عن الأموات
стр. 2210
النصوص
٣٤٤٩ - *روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : "إن أبي مات ولم يوص، أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم"، وزاد النسائي فيه "وترك مالاً".
٣٤٥٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس (رض الله عنهما) أن رجلاً قال للنبي ﷺ : "إن أمي توفيت، أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإن لي مخرقاً، فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها".
وفي أخرى (١) نحوه، وفي أوله "أن سعد بن عبادة- أخا بني سعد- توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب، أفينفعها؟ ... وذكر الحديث".
وفي أخرى (٢) للنسائي: أن سعداً سأل النبي ﷺ : إن أمي ماتت ولم توص، أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم".
٣٤٥١ - * روى الجماعة إلا الترمذي عن عائشة ﵂ أن رجلاً قال
стр. 2211
لرسول الله ﷺ : "إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم".
وفي رواية (١): "افتلتت نفسها ولم توص .. وذكر نحوه".
٣٤٥٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود رفعه قال: "إن الرجل المسلم ليصنع في ثلثه عند موته خيراً فيوفي الله بذلك زكاته".
стр. 2212
الفصل الخامس
في إنفاق المرأة من مال زوجها والخادم من مال سيده
стр. 2213
النصوص
٣٤٥٣ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها، غير مفسدة، فلها أجرها بما أنفقت، وللزوج بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً".
وفي رواية (١) الترمذي والنسائي بدل "أنفقت: تصدقت".
وفي أخرى (٢) "أعطت".
٣٤٥٤ - * روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "لما بايع رسول الله ﷺ قامت امرأة جليلة، كأنها من نساء مضر، فقالت: يا رسول الله إنا كل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: "الرطب تأكلنه وتهدينه".
قال البغوي في شرح السنة: "وخص الطعام الرطب بالأكل لما جرت العادة بين الجيرة والأقارب أن يتهادوا بالرطب من الفواكه والبقول لسرعة الفساد إليها دون اليابس الذي يبقى على الادخار (٦/ ٢٠٦).
٣٤٥٥ - * روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "قلت: يا رسول الله، مالي مال إلا ما أدخل علي الزبير، أفأتصدق؟ قال: "تصدقي، ولا توعي فيوعي الله عليك".
стр. 2214
وفي رواية (١): "أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي؟ قال: "ارضخي ما استطعت، ولا توعي فيوعي الله عليك".
وفي رواية (٢) أبي داود والترمذي قالت: "قلت: يا رسول الله .... وذكر مثل الأولى".
وقال عوض: "توعي": "توكي".
وأخرج (٣) النسائي الرواية الآخرة، وقال: "توكي".
٣٤٥٦ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره، فله نصف الأجر".
وعند مسلم زيادة في أوله، قال: "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه ... وذكر الحديث". وأخرج البخاري (٤) مثل هذه الزيادة، وفيه: "ما أنفقته من نفقة من غير إذنه، فإنه يؤدى إليه شطره".
وأخرج الترمذي (٥) ذكر الصوم وحده.
وأخرج أبو داود (٦) الصوم والإذن وحدهما.
стр. 2215
وفي أخرى لأبي داود (١): "أن أبا هريرة سئل عن المرأة: هل تتصدق من بيت زوجها؟ قال: لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه".
قال ابن حجر في (الفتح ٤/ ٣٠٣) قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ولذلك قيد الترجمة بالأمر به. ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه. ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن. ومنهم من فرق بين المرأة والخادم فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترط الإذن فيه. وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به، وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت والله أعلم.
٣٤٥٧ - * روى الترمذي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: "لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا".
قال البغوي في شرح السنة: (العمل على هذا عند عامة أهل العلم أن المرأة ليس لها أن تتصدق بشيء من مال الزوج دون إذنه وكذلك الخادم ويأثمان إن فعلا ذلك، وحديث عائشة خارج على عادة أهل الحجاز أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في الإنفاق والتصدق مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل أو أنزل بهم الضيف فحضهم على لزوم تلك العادة ... وعلى هذا يخرج ما روي عن عمير ... (شرح السنة: ٦/ ٢٠٥).
стр. 2216
٣٤٥٨ - * روى أبو داود عنعبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها".
وفي رواية (١) قال: "لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها".
وعند النسائي (٢) قال: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة قام خطيباً .. وذكر الأولى".
قوله: لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها: هذا محمول على الندب فكلمة الجواز تأتي على الحقيقة وتأتي على المجاز، والقواعد الشرعية واضحة في أن المرأة حرة في مالها، إلا أن بعض الفقهاء ذهب إلى أن الزوجة لا تتصرف في مالها إلا بإذن زوجها.
٣٤٥٩ - * روى مسلم عن عمير مولى آبي اللحم قال: "أمرني مولاي أن أقدر لحماً، فجاءني مسكين، فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي، فضربني، فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فدعاه، فقال: لم ضربته؟ فقال: يعطي طعامي بغير أن آمره؟ فقال: الأجر بينكما".
وفي رواية (٣) قال: "كنت مملوكاً، فسألت رسول الله ﷺ : أتصدق من مال مولاي بشيء؟ قال: "نعم، والأجر بينكما نصفان".
من مجموع النصوص وكلام العلماء يتبين لنا أنه:
١ - يجوز للمرأة أن تتصدق باليسير الرطب ومالا مفسدة فيه، كما إذا طرق طارق الباب فناولته شيئاً يسيراً لا يؤبه له وما يسمى بالضيافة ونحوها.
стр. 2217
٢ - العرف والعادة لهما أثر في تحديد ما يجوز وما لا يجوز.
٣ - يجوز أن تتصدق في حدود ما أذن لها به زوجها إذناً إجمالياً، وفي كل ما سبق يؤجر الزوج والمرأة.
٤ - فيما عدا ما سبق لا يجوز للمرأة ولا الخادم أن يتصدقا من مال صاحب البيت إلا بإذنه، لأن ذلك افتئات عليه وربما أدى إلى مفسدة.
стр. 2218
الفصل السادس
في الإسراع في إخراج الصدقات وعدم كنز المال
стр. 2219
٣٤٦٠ - * روى البخاري عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ العصر، فأسرع، وأقبل يشق الناس حتى دخل بيته، فتعجب الناس من سرعته، ثم لم يكن بأوشك من أن خرج، فقال: ذكرت شيئاً من تبر كان عندنا، فخشيت أن يحبسني، فقسمته". وفي رواية (١)، قال: "صليت وراء رسول الله ﷺ بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً يتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئاً من تبر عندنا، فكرهت أن يبيت عندنا، فأمرت بقسمته.
٣٤٦١ - * روى الطبراني في الكبير عن سعيد بن عامر بن حذيم قال بلغ عمر أنه لا يدخر في بيته من الحاجة فبعث إليه بعشرة آلاف فأخذها فجعل يفرقها صرراً فقالت له امرأته أين تذهب بهذه؟ قال: أذهب بها إلى من يرجح لنا فيها فما أبقى لنا إلا شيئاً يسيراً، فلما نفذ الذي كان عندهم قالت له امرأته اذهب إلى بعض أصحابك الذين أعطيتهم يرجحون لك فخذ من أرباحهم وجعل يدافعها ويماطلها حتى طال ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو أن حوراء أطلعت أصبعاً من أصابعها لوجد ريحها كل ذي روح فأنا أدعهن لكن؟ لا والله لأنتن أحق أن أدعكن لهن منهن لكن".
стр. 2220
أقول: كلام الصحابي يفيد أن الحور العين أحب إليه من نسائه، وهو إنما يتصدق من أجل الجنة لينال حورها على أنه من المعروف شرعاً أن زوجة الإنسان في الجنة أحلى من حور العين وأحب.
٣٤٦٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو كان عندي أحد ذهباً، لأحببت أن لا تأتي ثلاث وعندي منه دينار، ليس شيئاً أرصده في دين علي، أجد من يقبله".
وفي رواية (١): لو كان عندي مثل أحد ذهباً، لسرني أن لا يمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء، إلا شيئاً أرصده لدين".
٣٤٦٣ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ على أصحابه ذات يوم وفي يده قطعة من ذهب فقال لعبد الله بن عمر: "ما كان محمد قائلاً لربه لو مات وهذه عنده؟ " فقسمها قبل أن يقوم، وقال: "ما يسرني أن لأصحاب محمد مثل هذا الجبل- وأشار إلى أحد- ذهباً وفضة فينفقها في سبيل الله ويترك منها ديناراً" فقال ابن عباس: قبض رسول الله ﷺ يوم قبض ولم يدع ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة، ولقد ترك درعه مرهونة عند رجل من اليهود بثلاثين صاعاً من شعر كان يأكل منها ويطعم عياله.
٣٤٦٤ - * روى مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة"، قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت، فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالاً، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، - من بين
стр. 2221
يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله- وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس".
وأخرجه الترمذي والنسائي بطوله: وفيه- بعد قوله: وقليل ما هم-، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يموت رجل فيدع إبلاً ولا بقراً لم يؤد زكاتها ... وذكر الحديث.
قال النووي (٧/ ٧٣ - ٧٤): "فيه الحث على الصدقة في وجوه الخير وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر بل ينفق في كل وجه من وجوه الخير يحضر، وفيه جواز الحلف بغير تحليف بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة كتوكيد أمر وتحقيقه ونفي المجاز عنه" وقد عنون النووي لهذا الحديث بقوله: (تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة).
٣٤٦٥ - * روى أحمد عن أبي البختري عن علي ﵁ قال: قال عمر للناس: ما ترون في فضل فضل عندنا من هذا المال؟ فقال الناس يا أمير المؤمنين قد شغلناك عن أهلك وضيعتك وتجارتك فهو لك. فقال لي: ما تقول أنت؟ فقلت: قد أشاروا عليك فقال لي: قل: فقلت لم تجعل يقينك ظناً؟ فقال لتخرجن مما قلت. فقلت أجل لأخرجن مما قلت: أتذكر حين بعثك نبي الله ﷺ ساعياً فأتيت العباس بن عبد المطلب فمنعك صدقته فكان بينكما شيء فقلت لي: انطلق معي إلى النبي ﷺ فوجدناه خاثراً فرجعنا ثم غدونا عليه فوجدناه طيب النفس فأخبرته بالذي صنع فقال
стр. 2222
"أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه"، وذكرنا له الذي رأينا من خثوره في اليوم الأول والذي رأيناه من طيب نفسه في اليوم الثاني، فقال: "إنكما أتيتما في اليوم الأول وقد بقي عندي من الصدقة ديناران فكان ذلك الذي رأيتما من خثوري له وأتيتماني اليوم وقد وجهتهما فذلك الذي رأيتما من طيب نفسي" فقال عمر: صدقت. والله لأشكر نلك الدنيا والآخرة. وزاد أبو يعلى فيه: فقلت، لم تجعل يقينك ظناً وعلمك جهلاً؟ فقال: لتخرجن مما قلت أو لأعاقبنك. وقال لأشكرن لك الدنيا والآخرة. فقلت يا أمير المؤمنين لم تعجل العقوبة وتؤخر الشكر.
قوله: لم تجعل يقينك ظناً؟:
مفاده أن اليقين: أن يخرج ما في يده من المال في سبيل الله وأن ما سوى ذلك محل نظر فلم يستبدل الشك باليقين.
أقول: قوله لم تعجل العقوبة وتؤخر الشكر:
إشارة منه إلى أن عمر هدده ناجزاً، ووعده الشكر، فإنجاز الوعيد والوعد بالشكر: إسراع بالعقوبة ومماطلة بالشكر فكأنه يطلب من عمر أن يعجل له بالشكر بأن يكافئه سريعاً على كلامه.
والحوار بين علي وعمر ﵄ ..
٣٤٦٦ - * روى الطبراني في الكبير عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على ابن مسعود نعوده فقال: ما أدري ما يقولون ولكن ليت ما في تابوتي هذا حجر فلما مات نظروا فإذا فيه ألف أو ألفان.
أقول: هذا النص دليل على أنه يجوز للإنسان أن يتملك وأن يخلف مالاً على أن يؤدي الحقوق التي فيه.
стр. 2223
٣٤٦٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة، قال: أتى رسول الله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا ألا وقد كان لفلان".
قال البغوي في شرح السنة: (قوله: لفلان كذا كناية عن الموصى له).
وقوله: قد كان لفلان كذا كناية عن الوارث. وفي الحديث دليل على أن الموصي ممنوع من الإضرار في الوصية لتعلق حق الورثة بماله لقوله: "وقد كان لفلان" وأنه إذا أصر كان للورثة رد الضرر وهو ما زاد على الثلث" (٦/ ١٧٣).
стр. 2224
الفصل السابع
في النهي عن العودة في الصدقة وفي شرائها
стр. 2225
النصوص
٣٤٦٨ - * روى مالك عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي ﷺ ؟ فقال: "لا تشتر، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه".
وفي رواية (١): "فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه".
وفي رواية (٢) أبي داود "أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يبتاعه، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "لا تبتعه ولا تعد في صدقتك".
وأخرج الترمذي نحو هذه، وأخرج النسائي مثلها، وقال: "ولا تعرض في صدقتك.
وله في أخرى (٣): "أنه تصدق بفرس في سبيل الله، فوجده يباع بعد ذلك، فأراد أن يشتريه، ثم أتى رسول الله ﷺ ، فاستأمره في ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : "لا تعد في صدقتك".
٣٤٦٩ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذي يتصدق بالصدقة، ثم يرجع فيها، كمثل الكلب قاء، ثم عاد في قيئه فأكله".
стр. 2226
أقول: شراء الصدقة جائز لكنه مظنة: أن يكون الإنسان نادماً على صدقته، وهو مظنة أن يشتريها بأقل من ثمنها من حياء أو غيره، فنهى رسول الله ﷺ عن شراء الصدقة لما يرافق هذا في العادة، والنهي محمول على التنزيه عند الجمهور، وحمله بعضهم على التحريم.
стр. 2227
الفصل الثامن
في الإخلاص في الصدقة وغيرها
стр. 2228
النصوص
٣٤٧٠ - * روى ابن خزيمة عن عقبة بن مسلم أن شفياً حدثه، أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة. فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت: أنشدك بحق وحق لما حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ وكلمته فقال أبو هريرة: "أفعل. لأحدثنك حديثاً حدثينه رسول الله ﷺ في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى فمكث بذلك ثم أفاق ومسح وجهه، قال: أفعل. لأحدثنك بحديث حدثنيه رسول الله ﷺ وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره. ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خاراً على وجهه، أسندته طويلاً، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل يقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يارب. قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الله له. وتقل الملائكة: كذبت. ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ، فقد قيل. ويؤتى بصاحب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى. قال: فماذا عملت فما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق. فيقول الله: كذبت. وتقول الملائكة: كذبت. فيقول الله: بل أردت أن يقال فلان جواد. فقد قيل ذاك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له فيم قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت.
стр. 2229
فيقول الله: كذبت. وتقول: الملائكة: كذبت. ويقول الله له: بل أردت أن يقال فلا نجرئ فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة".
стр. 2230
الفصل التاسع
في أمور متفرقات
стр. 2231
النصوص
٣٤٧١ - * روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
٣٤٧٢ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله والجهاد في سبيل الله قال: فأي الرقاب أعظم أجراً قال: اغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها. قال فإن لم أستطع قال: قوم صانعاً أو اصنع لأخرق. قال: فإن لم أستطع قال: فاحبس نفسك عن الشر فإنه صدقة حسنة تصدق بها عن نفسك".
٣٤٧٣ - * روى الترمذي عن عدي بن حاتم ﵁ سأل رسول الله ﷺ "أي الصدقة أفضل؟ قال: "إخدام عبد في سبيل الله، أو إظلال فسطاط، أو طروقة فحل في سبيل الله".
٣٤٧٤ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "أتدرون أي الصدقة أفضل؟ قالوا الله ورسوله أعلم- قال: المنيحة: أن يمنح أخاه الدرهم أو ظهر الدابة أو لبن الشاة أو لبن البقر".
стр. 2232
٣٤٧٥ - * روى مسلم عن (أبي ذر) أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
٣٤٧٦ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "على كل مسلم في كل يوم صدقة، فقال رجل: من يطيق هذا يا رسول الله قال: "إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وإرشادك الرجل الطريق صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وعيادتك المريض صدقة، واتباعك الجنازة صدقة، ورد المسلم على المسلم السلام صدقة. وفي رواية (١) قال رسول الله ﷺ : "الإنسان ثلاثمائة وستون عظماً- أو ستة وثلاثون سلامى- عليه في كل يوم صدقة" قالوا يا رسول الله فمن لم يجد؟ قال: "يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قالوا فمن لم يستطع قال: "يرفع عظماً من الطريق قالوا: فمن لم يستطع قال: فليهد سبيلاً، قالوا: فمن لم يستطع قال: فليعن ضيفاً، قالوا: فمن لم يستطع ذلك، قال: فليدع الناس من شره".
٣٤٧٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: قال رسول الله ﷺ : "كل معروف صدقة".
стр. 2233
٣٤٧٨ - *روى ابن خزيمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ، قال: "كل نفس كتب عليها الصدقة كل يوم طلعت فيه الشمس، فمن ذلك أن تعدل بين الاثنين صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة، ومن ذلك أن تعين الرجل على دابته وتحمله عليها وترفع متاعه عليها صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشي بها إلى الصلاة صدقة".
٣٤٧٩ - * روى أحمد عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها فقال له النبي ﷺ : "أعطها إياه بنخلة في الجنة" فأبى فأتاه أبو الدحداح فقال بعني نخلتك بحائطي ففعل فأتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي قال: فاجعلها له فقد أعطيتكما فقال رسول الله ﷺ : "كم من عذق راح لأبي الدحداح في الجنة" قالها مراراً قال فأتى امرأته فقال يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة فقالت ربح البيع أو كلمة تشبهها.
٣٤٨٠ - *روى ابن خزيمة عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أمر من كل حائط بقنو للمسجد.
أقول: هذا من التنظيم الإداري لرسول الله ﷺ مراعاة للفقراء، والداعية إلى الله تعالى لا يغفل عن حق الفقراء في أي شيء.
٣٤٨١ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة. وقال: "في جاد كل عشرة أوسق فيوضع للمساكين في المسجد قنو"، فسمعت الدارمي يقول: قنع وقنو واحداً.
стр. 2234
أقول: يجب في العشرة أوسق زكاتها والندب إلى قنو فيما يبدو شيء زائد على الزكاة لإكرام المسلمين.
والحديث ورد لبيان أن بيع التمر بما على النخيل ما دام الموجود على النخيل أربعة أوسق فأقل يغتفر التفاوت فيه ولا يعتبر رباً مع أن الزيادة والنقصان في الأصل ببيع التمر بالتمر تعتبر رباً.
стр. 2235
الباب الثالث
في الزكوات وما يتعلق بها
وفيه مقدمة وعرض إجمالي وفصول
المقدمة.
стр. 2236
المقدمة
إذا أردنا أن نصف النظام الرأسمالي بكلمة واحدة قلنا إنه نظام ربوي، وإذا أردنا أن نصف النظام الشيوعي بكلمة واحدة قلنا إنه نظام غير فطري، وإذا أردنا أن نصف النظام الاقتصادي الإسلامي بكلمتين قلنا: إنه نظام زكوي فطري، فبينما النظام الرأسمالي يعتبر أن من حق رأس المال أن يربح دائماً نجد النظام الاقتصادي الإسلامي يعتبر أن من واجب رأس المال أن ننفق منه الحقوق التي حددها الشارع فيه، وبينما يعالج النظام الشيوعي المشكلات الاقتصادية بما يزيدها تعقيداً فإن النظام الإسلامي يحلها من أقرب طريق.
ومن درس نظام الزكاة في الإسلام عرف من خلال ذلك خواص النظام الاقتصادي الإسلامي فهي الركن فيه والنموذج على طريقته.
ومبنى الإسلام كله على القرآن الكريم وقد جاءت السنة النبوية شارحة له ومبينة له، ولذلك كان بعض العلماء يرجع كل معنى في السنة إلى القرآن وهذا لا ينفي أن تكون السنة أصلاً في التشريع ولكن حتى وهي كذلك فإنها تكون شارحة لأصل أعظم أو لإجمال أو لإطلاق، وأهم شيء في بحث الزكاة: مواردها ومصارفها وقد جاء في الموارد آيات كثيرة منها: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٤) (وآتو حقه يوم حصاده) (٥).
وإما المصارف فقد وردت فيها هذه الآية الجامعة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٦). وقد وردت نصوص كثيرة في السنة حول الزكاة، وفيما
стр. 2237
ليس قطعي الثبوت قطعي الدلالة من النصوص تعددت أنظار المجتهدين، والأحوط أن يدفع الإنسان زكاته على أشد ما ذهب إليه الأئمة وأن يأخذ الحد الأدنى مما ذهب إليه الأئمة وما دام على مذهب إمام مجتهد فإنه في سعة في الدفع والعطاء.
وها نحن نقدم لك عرضاً فقهياً إجمالي بين يدي نصوص السنة:
تعريف الزكاة: الزكاة لغة: النمو والزيادة، وقد تطلق بمعنى الطهارة فهي تطهر مؤديها من الإثم وتنمي أجره. وسمي المخرج في الشرع زكاة لأنه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات.
والزكاة شرعاً: حق يجب في المال، وعرفها الحنفية بأنها: تمليك جزء مال مخصوص من مال مخصوص لشخص مخصوص عينه الشارع لوجه الله تعالى.
وتسمى الزكاة صدقة، لدلالتها على صدق العبد في العبودية وطاعة الله تعالى.
فرضية الزكاة: هي واجبة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وأجمع المسلمون في جميع العصور على وجوب الزكاة، واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعيها فمن أنكر فرضيتها كفر وارتد إن كان مسلماً ناشئاً ببلاد الإسلام بين أهل العلم، وتجري عليه أحكام المرتدين ويستتاب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل، ومن أنكر وجوبها جهلاً به إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار، عرف بوجوبها ولا يحكم بكفره عند الشافعية قبل البيان. لأنه معذور وأما الحنفية فيحكمون بكفره لأن الجهل في دار الإسلام لا يعتبر عذراً عندهم.
عقاب مانع الزكاة: لمانع الزكاة عقاب في الآخرة وعقاب في الدنيا، أما عقاب الآخرة فهو العذاب الأليم كما جاءت بذلك النصوص. وأما العقاب الدنيوي للفرد بسبب التقصير والإهمال فهو أخذها منه والتعزير والتغريم المالي وأخذ الحاكم شطر المال قهراً عنه وعند بعضهم قال العلماء بالاتفاق: إذا منع واحد أو جمع الزكاة وامتنعوا بالقتال وجب على الإمام قتالهم.
سبب الزكاة: ملك مقدار النصاب النامي ولو تقديراً بالقدرة على الاستنماء بشرط حولان الحول القمري لا الشمسي في غير زكاة الزروع، وبشرط عدم الدين، وكونه زائداً
стр. 2238
عن حاجته الأصلية فيما عدا زكاة الزروع، ولا زكاة عند الحنفية في مال مفقود لعدم النمو.
ولا زكاة بالاتفاق على سائر الجواهر واللآلئ ونحوها إذا لم تكن للتجارة، ولا زكاة عند الجمهور على المواشي المعلوفة والعوامل، وأوجب المالكية الزكاة على المعلوفة والعوامل إذا بلغت نصاباً وحال عليها الحول.
ركن الزكاة: هو إخراج جزء من النصاب بإنهاء يد المالك عنه وتمليكه إلى من تجوز إليه الزكاة وتسليمه إليه أو إلى من هو نائب عنه.
وقت وجوب الزكاة اتفق الفقهاء في المفتى به عند الحنفية على وجوب الزكاة فوراً بعد استيفاء شروطها من ملك النصاب وحولان الحول ونحوهما، فمن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها لم يجز له تأخيرها ويأثم بالتأخير بلا عذر.
وقت أداء الزكاة: تؤدي الزكاة بحسب نوع المال الذي تجب فيه، أما زكاة الأموال من النقدين وعروض التجارة والسوائم تدفع بعد تمام الحول مرة واحدة في كل عام وأما زكاة الزروع والثمار تدفع من غلاتها عند تكرر الإنتاج فلا يشترط حولان الحل ولا بلوغ النصاب عند أبي حنيفة، ويشترط النصاب عند الجمهور. وقال الشافعية: تجب الزكاة ببدو صلاح الثمر واشتداد الحب. والحنابلة كالشافعية، والحنفية يجيزون تعجيل الزكاة قبل الحول. وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب، لأنه لم يوجد سبب وجوبها، فلم يجز تقديمها كأداء الثمن قبل البيع، والدية قبل القتل.
أقوال الفقهاء في هلاك المال بعد وجوب الزكاة: للفقهاء رأيان في سقوط الزكاة بعد وجوبها وهلاك المال. قال الحنفية: إن هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت الزكاة، أما زكاة الفطر ومثلها مال الحج: فلا تسقط بهلاك المال بعد الوجوب كما لا يبطل الزواج بموت الشهود. وقال الجمهور: إن هلك المال بعد وجوب الزكاة لم تسقط الزكاة، وإنما يضمنها لأن من تقرر عليه الواجب لا يبرأ عنه بالعجز عن الأداء. واستثنى المالكية زكاة الماشية فإن تلفت فلا تضمن زكاتها.
انظر فيما مضى: (مراقي الفلاح ١٢١)، (الدر المختار ٢/ ٢)، (البدائع ٢/ ٣٩)، (المغني ٢/ ٥٧٢ و ٢/ ٦٨٤)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٧٣٠ فما بعدها).
стр. 2239
الفصل الأول
في وجوب الزكاة وإثم تاركها وعقوبته
стр. 2240
النصوص
٣٤٨٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم حرمت علي دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله".
٣٤٨٣ - * روى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له.
٣٤٨٤ - *روى ابن خزيمة عن جرير بن عبد الله، قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
٣٤٨٥ - * روى مسلم عن ابن عباس: قدم وفد عبد القيس على الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من ربيعة، وقد حالت بيننا وبينكم كفار مضر ولسنا نخلص إلا في شهر الحرام فمرنا بشيء نأخذه وندعو إليه من وراءنا، قال: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم وأنهاكم عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت".
стр. 2241
٣٤٨٦ - * روى الجماعة عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم: أن الله فرض عليهم زكاة، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم". زاد في رواية (١): "واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
وفي رواية (٢) للبخاري: "افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم".
وفي رواية (٣) لمسلم عن ابن عباس عن معاذ بن جبل، قال: "بعثني رسول الله ﷺ ، فقال: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله" ... وذكر الحديث بنحوه، فيكون حينئذ من مسند معاذ.
٣٤٨٧ - * روى الجماعة عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي النبي ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر:
стр. 2242
كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله"؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق".
وفي رواية: "عقالاً كانوا يؤدونه".
إلا أن الموطأ لم يخرج منه إلا طرفاً من قول أبي بكر، قال مالك: "بلغه أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه" لم يزد على هذا.
٣٤٨٨ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت. أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف
стр. 2243
سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: "ولا صاحب إبل يؤدي منها حقها- ومن حقها حلبها يوم وردها- إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: "ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا غضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: "الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، ولرجل ستر، ولرجل أجر- وفي رواية (١): "هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من
стр. 2244
المرج والروضة كانت له حسنات، ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين: كانت له آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر، فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك الرجل ستر، ورجل ربطها فخراً ورياءً ونواءً لأهل الإسلام- وفي رواية (١): على أهل الإسلام- فهي على ذلك وزر، وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر؟ فقال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢).
وفي رواية (٣): "فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها، واستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات .. وذكر نحوه".
وأخرج البخاري (٤) أيضاً: قال النبي ﷺ : "تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت- إذا لم يعط فيها حقها- تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على
стр. 2245
خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، قال: ومن حقها أن تحلب على الماء، قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلغت، ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبت له رغاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلغت.
وفي أخرى للبخاري (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "من آتاه الله مالاً، فلم يؤد زكاته: مثل له ماله شجاعاً أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢).
وفي أخرى لمسلم (٣) - في ذكر الفصلين جميعاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم .. ثم ذكر نحوه وقال في ذكر الغنم: "ليس فيها عقصاء ولا جلحاء" قال: سهيل بن أبي صالح: فلا أدري أذكر البقر، أم لا؟ قالوا: فالخيل يا رسول الله؟ قال: الخيل في نواصيها الخير- أو قال: معقود في نواصيها- قال سهيل: أنا أشك- الخير إلى يوم القيامة، الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر- وذكر هذا الفصل إلى آخره بنحو ما تقدم، وفيه: - وأما الذي هي له ستر: فالرجل يتخذها تكرماً وتجملاً،