← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع عظيم، فقال عمر: ما هذه الشاة؟ قالوا: شاة من الصدقة، قال: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات أموال المسلمين، نكبوا عن الطعام". ٣٥٦٣ - *روى أحمد عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي فجاء رجل فقال: "يا رسول الله! كم صدقة كذا وكذا؟ قال: كذا وكذا قال: فإن فلاناً تعدى علي قال: فنظروا فوجدوه قد تعد عليه بصاع فقال النبي ﷺ : كيف بكم إذا سعى عليكم من يتعدى عليكم أشد من هذا التعدي". رواه أحمد هكذا وزاد الطبراني بعد قوله أشد من هذا التعدي فخاض القوم وبهرهم الحديث حتى قال رجل منهم: كيف يا رسول الله إذا كان رجل غائب عنك في إبله وماشيته وزرعه فأدى زكاة ماله فتعدي عليه فكيف يصنع وهو عنك غائب؟ فقال رسول الله ﷺ : "من أدى زكاة ماله طيب النفس بها يريد بها وجه الله والدار الآخرة فلم يغيب شيئاً من ماله وأقام الصلاة ثم أدى الزكاة فتعدي عليه في الحق فأخذ سلاحه فقاتل فقتل فهو شهيد". ٣٥٦٤ - * روى الطبراني عن جرير عن النبي ﷺ قال: "المتعدي في الصدقة كمانعها". ٣٥٦٥ - * روى أحمد عن سالم بن أبي أمية أبي النضر قال: جلس إلي شيخ من بني تميم في مسجد البصرة ومعه صحيفة في يده قال: "وذاك في زمن الحجاج فقال لي: يا عبد الله: ترى هذا الكتاب مغنياً عنا شيئاً عند هذا السلطان قال قلت وما هذا الكتاب؟ قال: هذا كتاب من رسول الله ﷺ كتبه لنا أن لا يتعدى علينا في صدقاتنا، قال: قلت لا والله ما

стр. 2312

أظن أن يغني عنك شيئاً، وكيف كان هذا الكتاب؟ قال: قدمت المدينة مع أبي وأنا غلام شاب بإبل لنا نبيعها وكان أبي صديقاً لطلحة بن عبيد الله التيمي، فقال له أبي أخرج معي إلى إبلي هذه، قال: فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن سأخرج معك وأجلس وتعرض إبلك فإذا رأيت من رجل وفاءً وصدقاً ممن ساومك أمرتك ببيعه قال: فخرجنا إلى السوق فوقفنا ظهرنا وجلس طلحة قريباً فساومنا الرجال حتى إذا أعطانا رجل ما نرضى قال له أبي أبايعه؟ قال: بعه قد رضيت لكم وفاءه، فبايعوه فبايعناه فلما قضينا ما لنا وفرغنا من حاجتنا قال أبي لطلحة خذ لنا من رسول الله ﷺ كتاباً أن لا يتعدى علينا في صدقاتنا قال: فقال: هذا لكم ولكل مسلم، قال: على ذلك إني أحب أن يكون عندي من رسول الله ﷺ كتاب، قال: فخرج حتى جاء بنا إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل من أهل البادية صديق لنا يريد أن يكون له كتاب أن لا يتعدى عليه في صدقته، فقال رسول الله ﷺ : هذا له ولكل مسلم، قال يا رسول الله! إنه قد أحب أن يكون عنده منك كتاب على ذلك، قال: فكتب لنا رسول الله ﷺ هذا الكتاب. ٣٥٦٦ - *روى ابن خزيمة عن المستورد بن شداد، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، ومن لم يكن له مسكن فليكتسب خادماً، ومن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً". قال ابن خزيمة أخبرت أن النبي ﷺ قال: "من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق". أقول: إنما يكون العامل غالاً أو سارقاً إذا أخذ شيئاً زائداً على ما ذكر بغير إذن. ٣٥٦٧ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول".

стр. 2313

٣٥٦٨ - * روى الشيخان عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأزد- يقال له: ابن اللتبية- على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، قال: فقام رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه، حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حت رئي بياض إبطيه، يقول: اللهم هل بلغت؟ " وفي رواية (١) "سلوا زيد بن ثابت، فإنه كان حاضراً معي" وفيه "فلما جاء حاسبه"، ومنهم من قال: "ابن الأتبية على صدقات بني سليم". ٣٥٦٩ - *روى مسلم عن عدي بن عميرة الكندي ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: "من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطاً فما فوقه: كان غلولاً، يأتي به يوم القيامة. قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار، كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك؟ قال: ومالك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى". ٣٥٧٠ - * روى أبو داود عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ ساعياً، ثم قال: انطلق أبا مسعود، لا ألفينك تجيء يوم القيامة على

стр. 2314

ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته، قال: فقلت: إذاً لا أنطلق، قال: إذا لا أكرهك". ٣٥٧١ - * روى أبو داود عن إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين عن أبيه، قال: "إن زياداً- أو بعض الأمراء- بعث عمران بن حصين على الصدقة، فأخذها من الأغنياء، وردها على الفقراء، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ﷺ ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله ﷺ ". ٣٥٧٢ - * روى ابن خزيمة عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: قدم علينا مصدق النبي ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا وكنت غلاماً يتيماً فأعطاني منه قلوصاً. ٣٥٧٣ - * روى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم وهو راض" وفي رواية (١) قال: "جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن ناساً من المصدقين يأتوننا فيظلمونا، قال: فقال رسول الله ﷺ : أرضوا مصدقيكم، قال جرير: ما صدر عني مصدق منذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ إلا وهو عني راض". وفي رواية الترمذي (٢) والنسائي (٣): "إذا جاءكم المصدق، فلا يفارقنكم إلا عن رضىً". وفي رواية أبي داود (٤) والنسائي (٥) مثل الرواية الثانية، إلى قوله: "مصدقيكم" ثم قال: "قالوا: يا رسول الله، وإن ظلمونا؟ قال: أرضوا مصدقيكم"،

стр. 2315

زاد في رواية "وإن ظلمتم، قال جرير: فما صدر عني ... وذكر باقيه". أقول: المصدق إذا ظلم يجوز للإنسان أن يدفع ظلامته ويجوز له أن يتحمل الظلامة، والندب إلى إرضاء المصدق هو الأصل الذي ينبغي أن يحافظ عليه ما أمكن. ٣٥٧٤ - * روى أبو داود عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله، حتى يرجع إلى بيته". ٣٥٧٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى". ٣٥٧٦ - * روى مالك عن أسلم مولى عمر ﵄ أن عمر استعمل مولى له يدعى: هنياً، على الصدقة، فقال: يا هني، ضم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم، فإنيها مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياكم ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك مواشيهما يرجعان إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركه أنا لا أبا

стр. 2316

لك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والفضة، وأيم الله، إنهم ليرون أنا قد ظلمناهم، إنها لبلادهم ومياههم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والله، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على الناس من بلادهم شبراً. ٣٥٧٧ - * روى البخاري عن (الصعب بن جثامة) رفعه: لا حمى إلا لله ولرسوله وبلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع وأن عمر حمى السرف والربذة. أقول: قد يحمي الإمام أرضاً لترعى فيها أنعام الصدقات فلا يسمح لأحد أن يرعى فيها إبله الخاصة، فهذا الحمى مستثنى من القاعدة العامة أن الناس شركاء في النار والكلأ والماء. ٣٥٧٨ - *روى مالك عن (ابن عمر) كان إذا أعطى شيئاً في سبيل الله يقول لصاحبه إذا بلغت وادي القرى فشأنك به. في مصارف الزكاة لا تحل الزكاة لآل البيت: ٣٥٧٩ - * روى مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ قال: "اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين- قال لي، وللفضل بن العباس- إلى رسول الله ﷺ ، فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناس، وأصابا مما يصيب الناس؟ قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، فقال علي: لا تفعلا، فوالله ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث، فقال: والله، ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا،

стр. 2317

فوالله، لقد نلت صهر رسول الله ﷺ ، فما نفسناه عليك، فقال علي: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع علي، قال: فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء، فأخذ بآذاننا، ثم قال: "أخرجا ما تصرران" ثم دخل ودخلنا معه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا، فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات. فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلاً، حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب: أن لا تكلماه، قال: ثم قال: "إن هذه الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية"- وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: فجاءاه: فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك"- للفضل بن العباس- فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك"- للفضل بن العباس- فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك"، فأنكحني، وقال لمحمية: "أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا"، قال الزهري: ولم يسمه لي". وفي رواية (١) نحوه، وفيه "قال: فألقى علي رداءه ثم اضطجع عليه، وقال: أنا أبو حسن القرم والله لا أريم مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به إلى رسول الله ﷺ " وقال في الحديث: "ثم قال لنا: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" وقال أيضاً: "ثم قال رسول الله ﷺ : "ادعوا لي محمية بن جزء" وهو رجل من بني أسد، كان رسول الله استعمله على الأخماس". أقول: أجاز فقهاء الحنفية المتأخرون أخذ الزكاة لآل بيت رسول الله ﷺ بعد أن اضطرب نظام بيت المال الإسلامي، ولم يعد يصل إلى آل رسول الله حقهم من الخمس.

стр. 2318

٣٥٨٠ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه. فقال رسول الله ﷺ : كخ، كخ، ارم بها؛ أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟ ". وفي رواية (١): "أنا لا تحل لنا الصدقة؟ " وفي رواية (٢): أن رسول الله ﷺ قال: إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي، أو في بيتي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها". ٣٥٨١ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "تصدق على بريرة بلحم، فقال رسول الله ﷺ : هو لها صدقة، ولنا هدية". وفي رواية (٣) لمسلم: "أن النبي ﷺ أتي بلحم بقر، فقيل: هذا ما تصدق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة، ولنا هدية". وفي أخرى (٤) لهما قالت: "دخل رسول الله ﷺ وعلى النار برمة تفور، فدعا بالغداء، فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر برمة على النار تفور؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ولكنه لحم تصدق به على بريرة، وأهدت إلينا منه، وأنت لا تأكل الصدقة. فقال: هو صدقة عليها، وهدية لنا". وأخرجه (٥) الموطأ بزيادة في أوله، قالت عائشة: "كانت في بريرة ثلاث سنن، فكانت إحدى السنن الثلاث: أنها أعتقت،

стр. 2319

فخيرت في زوجها، وقال رسول الله ﷺ : الولاء لمن أعتق، ودخل رسول الله ﷺ وعلى النار برمة ... الحديث". وأخرج البخاري (١) ومسلم أيضاً رواية الموطأ بالزيادة التي في أولها. ٣٥٨٢ - *روى مسلم عن جويرية- زوج النبي ﷺ ﵂: "أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فقال: هل من طعام؟ قالت: لا والله، إلا عظم من شاة أعطيته مولاتي من الصدقة، فقال: قريبه، فقد بلغت محلها". ٣٥٨٣ - * روى مسلم عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سمرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم فجلسنا إليه، فقال له حصين: يا زيد! رأيت رسول الله ﷺ ، وصليت خلفه، وسمعت حديثه، وغزوت معه، لقد أصبت يا زيد خيراً كثيراً. حدثنا يا زيد حديثاً سمعت رسول الله ﷺ وما شهدت معه. قال: بلى، ابن أخي، لقد قدم عهدي، وكبرت سني ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم فاقبلوه، وما لم أحدثكموه فلا تكلفوني. قال: قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوماً خطيباً بماء يدعى خم، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: "أما بعد أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه. وإني تارك فيكم الثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن تركه وأخطأه كان على الضلالة، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي". ثلاث مرات، قال حصين: فمن أهل بيته يا زيد؟ أليست نساؤه من أهل بيته؟ قال: بلى نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة. قال: من هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس. قال حصين: وكل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. قال ابن خزيمة: وفي خبر حذيفة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن يزيد الخطمي عن

стр. 2320

النبي ﷺ كل معروف صدقة، فلو كان المصطفى ﷺ أراد بقوله: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، تطوعاً وفريضة، لم تحل أن تصطنع إلى أحد من آل محمد النبي معروفاً، إذ المعروف كله صدقة بحكم النبي ﷺ . ولو كان كما توهم بعض الجهال لما حل لأحد أن يفرغ أحد من إنائه في إناء أحد من آل النبي ﷺ ماءً. إذ النبي ﷺ قد أعلم أن إفراغ المرء من دلوه في إناء المستسقي صدقة، ولما حل لأحد من آل النبي ﷺ أن ينفق على أحد من عياله إذا كانوا من آله، لأن النبي ﷺ قد خبر أن نفقة المرء على عياله صدقة. ٣٥٨٤ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ مر بتمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها". ولأبي داود (١): "أن رسول الله ﷺ كان يمر بالتمرة العائرة، فما يمنعه من أخذها إلا أن تكون صدقة". قال الخطابي في معالم السنن: "وهذا أصل في الورع، وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان من شيء مطلقاً لنفسه، فإنه يجتنبه ويتركه، وفيه دليل أن التمرة ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة في طريق ونحوها: أن له أخذها، وأكلها إن شاء وأنها ليست من جملة اللقطة التي حكمها الاستيناء بها والتعريف لها". ٣٥٨٥ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان إذا أتي بطعام سأل عنه؟ فإن قيل: هدية، أكل منها، وإن قيل: صدقة، لم يأكل منها، وقال لأصحابه: "كلوا".

стр. 2321

٣٥٨٦ - * روى الترمذي عن بهز بن حكيم ﵀ عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة: أن رسول الله ﷺ كان إذا أتي بشيء سأل: أصدقة أم هدية؟ فإن قالوا: صدقة، لم يأكل، وإن قالوا: هدية، أكل". وفي رواية (١) النسائي: "فإن قيل: صدقة، لم يأكل، وإن قيل: هدية، بسط يده". ٣٥٨٧ - * روى أبو داود عن أبي رافع- مولى رسول الله ﷺ ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ رجلاً على الصدقة من بني مخزوم. قال أبو رافع: فقال لي اصحبني، فإنك تصيب منها معي. قلت: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فانطلق إلى النبي ﷺ ، فسأله. فقال: "مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة". وفي رواية النسائي (٢): "أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فأراد أبو رافع أن يتبعه، فقال رسول الله ﷺ : إن الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم منهم". (مولى القوم منهم) الظاهر من المذاهب والمشهور: أن موالي بني هاشم وبني عبد المطلب لا يحرم عليهم أخذ الزكاة، وفي ذلك على مذهب الشافعي وجهان، أحدهما: لا يحرم عليهم، لانتفاء النسب الذي به حرم على بني هاشم والمطلب، ولانتفاء نصيب الخمس الذي جعل لهم عوضاً عن الزكاة. والثاني: يحرم، لهذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "مولى القوم منهم" ووجه الجمع بين الحديث وبين نفي التحريم: أنه إنما قال له هذا القول تنزيهاً له، وبعثاً له، على سبيل التشبه بهم في الاستنان بسنتهم، والاقتداء بسيرتهم، من اجتناب مال الصدقة التي هي أوساخ الناس، ولأن رسول الله ﷺ كان يكفي أبا رافع مولاه مؤونة ما يحتاج إليه، فقال له: إذا كنت مستغنياً من جانبي فلا تأخذ أوساخ الناس.

стр. 2322

لا تحل الصدقة لغني: ٣٥٨٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي". وفي رواية (١) أخرى: "لذي مرة قوي". ٣٥٨٩ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي". ٣٥٩٠ - * روى أبو داود عن عبيد الله بن عدي بن الخيار ﵁ قال: أخبرني رجلان: "أنهما أتيا النبي ﷺ وهو في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا النظر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". لمن تحل المسألة: ٣٥٩١ - * روى ابن خزيمة عن قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت النبي ﷺ أسأله فيها، فقال: "نؤديها عنك ونخرجها من إبل الصدقة"ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل تحمل حمالة حلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله حلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة وفاقة حتى يتكلم أو يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أنه قد حلت

стр. 2323

له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش ثم يمسك فما سوى ذلك فهو سحت". لمن تحل الصدقة: ٣٥٩٢ - *روى ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة إلا لخمسة: العامل عليها، ورجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها لغني". ٣٥٩٣ - *روى مالك عن عطاء بن يسار ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني". ٣٥٩٤ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني، إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير، يتصدق عليه فيهدي لك، أو يدعوك". ٣٥٩٥ - * روى الشيخان عن أم عطية- واسمها: نسيبة- ﵂ قالت: "بعث إلى نسيبة بشاة، فأرسلت إلى عائشة منها، فقال النبي ﷺ : عندكم شيء؟ فقالت: لا، إلا ما أرسلت به نسيبة من تلك الشاة، فقال: هات فقد بلغت محلها" وفي رواية (١) قالت: "دخل النبي ﷺ على عائشة، فقال: هل عندكم شيء؟ قالت:

стр. 2324

لا، إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التي بعثت إليها من الصدقة، قال: إنها بلغت محلها". وفي أخرى (١) قالت: "بعث إلي رسول الله ﷺ بشاة من الصدقة، فبعثت إلى عائشة منها بشيء، فقال النبي ﷺ : هل عندكم شيء؟ وقالت، وذكرت ... الحديث". ٣٥٩٦ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ أتي بلحم تصدق به على بريرة، فقال: هو عليها صدقة، ولنا هدية"، وفي رواية (٢)، قال: "أهدت بريرة إلى رسول الله ﷺ لحماً تصدق به عليها، فقال: هو لها صدقة، ولنا هدية". ٣٥٩٧ - * روى أبو يعلى عن أنس بن مالك قال: إن كان الرجل ليأتي رسول الله ﷺ يسلم للشيء من الدنيا لا يسلم إلا له، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها. وفي رواية (٣): إن كان الرجل ليسأل النبي ﷺ الشيء للدنيا فيسلم له- والباقي بمعناه. ٣٥٩٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا سيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها".

стр. 2325

٣٥٩٩ - *روى مسلم عن محمد بن شهاب الزهري ﵀ قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح- فتح مكة- ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من الإبل، ثم مائة، ثم مائة" قال: وحدثني سعيد بن المسيب: أن صفوان قال له: "والله، لقد أعطاني رسول الله ﷺ يومئذ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي". ٣٦٠٠ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي من اليمن إلى النبي ﷺ بذهب لم يخلص من ترابها فقسمها بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن حصن المرادي وعلقمة بن علاثة الجعفري، أو عامر بن الطفيل- هو شك- وزيد الطائي، فوجد من ذلك قوم من أصحابه من الأنصار وغيرهم فبلغه ذلك فقال: "ألا تأتمنوني وأنا أمين من في السماء! يأتيني خبر من في السماء صباح مساء". ٣٦٠١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ يذكر عنه أنه قال: "يعتق من زكاة ماله، ويعطي في الحج". قال الحافظ في (الفتح ٣/ ٢٦١): وصله أبو عبيد في كتاب الأموال، من طريق حسان أبي الأشرس، عن مجاهد عنه: "أنه كان لا يرى بأساً أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج، وأن يعتق منه الرقبة". ٣٦٠٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي لاس الخزاعي، قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه. فقال:

стр. 2326

"ما من بعير إلا على ذروته شيطان. فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله". ٣٦٠٣ - *روى ابن خزيمة عن أم معقل، قالت: تجهز رسول الله ﷺ للحج وأمر الناس أن يتجهزوا معه، قالت. وخرج رسول الله ﷺ وخرج الناس معه، فلما قدم جئته. فقال: "ما منعك أن تخرجي معنا في وجهنا هذا يا أم معقل"؟ قلت: يا رسول الله لقد تجهزت فأصابتنا هذه القرحة، فهلك أبو معقل، وأصابني منها سقم، وكان لنا حمل نريد أن نخرج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله. قال: فهلا خرجت عليه فإن الحج في سبيل الله". ٣٦٠٤ - * روى أبو داود عن بشير بن يسار- مولى الأنصار- ﵁ زعم أن رجلاً من الأنصار، يقال له: سهل بن أبي حثمة، أخبره: "أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلاً .. الحديث وفيه- أن النبي ﷺ وداه مائة من إبل الصدقة- يعني: دية الأنصاري الذي قتل بخيبر". ٣٦٠٥ - * روى ابن خزيمة عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر الأنصاري، قال: كنت أمرأً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي مخافة أن أصيب منها شيئاً في بعض الليل فأتتابع في ذلك، فلا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح، فبينا هي ذات ليلة تخدمني إذ تكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي، فأخبرتهم خبري، فقلت: انطلقوا معي إلى رسول الله ﷺ مقالة يبقى علينا عارها، فاذهب أنت واصنع ما بدا لك. فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته خبري قال: "أنت بذاك"؟ قال: أنا بذاك. وها أنا ذا فامض

стр. 2327

في حكم الله فإني صابر محتسب. قال: "اعتق رقبة". فضربت صفحة رقبتي بيدي. فقلت والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: "صم شهرين متتابعين". قال، قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام. قال: "أطعم ستين مسكيناً". قلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه حشاء ما نجد عشاء. قال: "فانطلق إلى صاحب الصدقة صدقة بني زريق فمره فليدفعها إليك فأطعم منها وسقاً ستين مسكيناً واستعن بسائرها على عيالك". فأتيت قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق. قال أبو بكر: لم أفهم عن الدورقي ما بعدها، وقال الآخرون: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إلي. قال: فدفعوها إلي.

стр. 2328

مسائل وفوائد لقد حددت آية قرآنية واحدة مصارف الزكاة بما لا تنقضي عجائبه وذلك من معجزات القرآن الكريم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وقد كتب في مصارف الزكاة الكثير واتفق الفقهاء في أمور واختلفوا في بعض التفصيلات وفي ذلك سعة لتقع هذه الأقوال كلها على أحداث الحياة وتلون أحوالها. ولكون السنة النبوية كانت تعالج الأوابد كما تعالج المستجدات اليومية في حياة المسلمين زمن النبوة بما ينسجم مع الأوابد فإن نصوصها الكثيرة في الموضوع الواحد يمكن أن تتكرر كثيراً بحسب الفصول والأبواب وها أنت رأيت في بحث الصدقات والزكوات أن كثيراً مما ورد في باب القناعة والعفة والترهيب من السؤال يمكن أن نورده في فصل مصارف الزكاة، وكثير مما له علاقة في مصارف الزكاة تجده في باب الحث على الصدقة وكذلك في الفصول السابقة على هذا الفصل وتطبيق النصوص على الواقع هو الذي ينبغي أن ينصب عليه جهد العلماء الذين يعيشون هذا الواقع وذلك مقتضى قولنا: إن من وراثة النبوة معرفة سياسات النبوة والقيام بها على الذات والأسرة والمجتمع ... مذهب الثوري وابن المبارك وإسحق بن راهويه: أنه متى ملك الإنسان خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب لا تحل له الزكاة، ومذهب أبي حنيفة: أن الغنى المانع من أخذ الزكاة أحد أمرين: ملك نصاب زكوي من أي مال كان، أو أن يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته ويبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم، ومذهب الجمهور: أن الغنى هو ما تحصل به الكفاية فإذا لم يكن محتاجاً حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئاً، وإن كان محتاجاً حلت له الصدقة وإن ملك نصاباً أو أكثر، والأثمان وغيرها في هذا سواء. وقد خلص الشيخ يوسف القرضاوي إلى اعتماد مذهب الجمهور ومن كلامه:

стр. 2329

أولاً: أن من كان له مال يكفيه- سواء أكان ذلك من مال زكوي أو غير زكوي، أو من كسبه وعمله أو من أجرة عقارات أو غير ذلك- فليس له الأخذ من الزكاة. ويعتبر وجود الكفاية له ولعائلته ومن يعوله، لأن كل واحد منهم مقصود دفع حاجته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. وجمهور العمال والموظفين من هذا الصنف الذي يعد غنياً بكسبه المتجدد، لا بماله وثروته المدخرة. فلو كان من لا يملك نصاباً فقيراً، لكان كل هؤلاء يستحقون الزكاة. وهذا غير مقبول. ثانياً: أن من ملك من أموال الزكاة نصاباً- أو أكثر- لا تتم به كفايته لنفسه ومن يعوله. فله الأخذ من الزكاة، لأنه ليس بغني. فمن له عروض تجارة قيمتها ألف دينار، أو أكثر، ولكن لا يحصل له من ربحها قدر كفايته- لكساد السوق، أو كثرة العيال أو نحوها- يجوز له الأخذ من الزكاة. ومن كان له مواش تبلغ نصاباً، أو له زرع يبلغ خمسة أوسق، لا يقوم ذلك بجميع كفايته، يجوز له الأخذ من الزكاة ولا يمنع ذلك وجوبها عليه، لأن الغنى الموجب للزكاة هو ملك النصاب بشروط. أما الغنى المانع من أخذها فهو ما تحصل به الكفاية ولا تلازم بينهما" (فقه الزكاة ٢/ ٥٥٥). أقول: جرت عادة الأغنياء أن يؤدوا زكواتهم في رمضان وذلك إلى الحول القادم فمن عرضت عليه زكاة ممن كان مظنة الحاجة خلال العام فله أخذها، والأحسن في هذه الحالة ألا ينفق منها على نفسه وعياله إلا عند الحاجة فإذا استغنى عنها خلال الحول تصدق بها ومن كان معه مال يكفيه إلى أمد معين وبعد ذلك قد يحتاج، والجهة التي يمكن أن تدفع له بينه وبينها أمد أو أن تحصيل حاجته يحتاج إلى زمن فله أن يسأل قبل الزمن الذي يتوقع احتياجه فيه. اختلف العلماء في بقاء سهم المؤلفة قلوبهم بعد النبي ﷺ ، فقال الحنفية ومالك: قد سقط سهم المؤلفة قلوبهم بانتشار الإسلام وغلبته، وقال الجمهور: حكم المؤلفة باق فيعطون عند الحاجة- وهو الذي نرجحه، الحج عند الحنابلة وبعض الحنفية من السبيل، فيعطى مريد الحج من الزكاة.

стр. 2330

يعطى ابن السبيل ما يبلغ به مقصده إذا كان محتاجاً في سفره ولو كان غنياً في وطنه. اتفق الفقهاء على أنه يدفع الإمام إلى العاملين بقدر ما يسعهم أو يكفيهم وأعوانهم بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم لكن قيد الحنفية ذلك بأن لا يزاد على نصف ما يقبضه والذي يظهر أن عصرنا يحتاج إلى اجتهادات مكافئة لتنظيم الزكوات بما يناسب العصر. من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقاً، لم يجز له صرف الزكاة إليه، وإن علم استحقاقه جاز الصرف إليه بلا خلاف. يحرم أخذ الزكاة لمن ليس مصرفاً لها كما حددته النصوص والفتوى. قال أبو حنيفة والحنابلة على الراجح عندهم: لا يجوز دفع زكاة الزوجة إلى زوجها لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها، وقال الصاحبان والشافعية والمالكية على الصحيح عندهم يجوز. قال الشافعية: الأظهر منع نقل الزكاة، ويجب صرفها إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال، فإن لم توجد الأصناف في البلد الذي وجبت فيه الزكاة أو لم يوجد بعضهم، أو فضل شيء عن بعض من وجد منهم، نقلت إلى أقرب البلاد لبلد الوجوب، وقال الحنفية: يكره تنزيهاً نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلا أن ينقلها إلى قرابته المحاويج ليسد حاجتهم، أو إلى قوم هم أحوج إليها أو أصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام أو إلى طالب علم. فلا كراهة بل يندب. نص الحنفية والحنابلة: أن المسامحة بالدين لا تجزئ عن الزكاة وإنما يجب إعطاء الزكاة للفقير ويمكن استيفاء الدين منه بعد ذلك فيعطيه الزكاة، ثم بعد أن يستلمها يقول له: أعطني ديني. لو اشترى بالزكاة طعاماً، فأطعم الفقراء غداءً وعشاءً، ولم يدفع عين المال إليهم، لا يجوز لعدم التمليك.

стр. 2331

لو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة، لم يصح عن الزكاة، لأنه لم يوجد التمليك من الفقير لعدم قبضه، لكن لو قضى دين فقير حي بأمره، جاز عن الزكاة لوجود التمليك من الفقير. اتفق الفقهاء على أنه يجوز التوكيل في أداء الزكاة، بشرط النية من الموكل أو المؤدي، وللوكيل أن يوكل غيره بلا إذن، ولو نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجز لأن الفرض يتعلق به. وإن دفعها إلى الإمام ناوياً ولم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء جاز. لا يصح أن تدفع الزكاة إلا إلى مسلم من الأصناف الثمانية التي ذكرتها الآية ولا يصح أن تدفع إلى الأصول والفروع ولا إلى من ليس رشيداً، وإنما تدفع في هذه الحالة إلى وكيله أو وصية. لا يجوز دفع الزكاة إلى بني هاشم لأن آل البيت تحرم عليهم الزكاة لأنها أوساخ الناس، ولهم من خمس الخمس من المغانم في بيت المال ما يكفيهم، هذا وقد نقل عن أبي حنيفة وعن المالكية وبعض الشافعية: جواز إعطاء الهاشميين من الزكاة إذا حرموا من بيت المال سهم ذوي القربى منعاً لتضييعهم ولحاجتهم، وتحل صدقة التطوع لهم عند الأكثرين. يجوز عند الشافعية أن ندفع للإنسان زكاة ثمن آلة حرفة لابد منها لكسب الإنسان قوته مهما بلغت ولو كان في الأصل يملك نصاباً، لكنه لا يكفيه لشراء آلة العمل التي تلزمه لكسب قوته. يجوز عند الشافعية أن يدفع لتاجر ثمن بضاعة تجارة التي تلزمه لإقامة تجارته بما يسد حاجته من الزكاة مهما بلغ ذلك ولو كان في الأصل يملك نصاباً. يجوز لمن لا يجد عملاً أو وجد عملاً، ولكن لا يغطي نفقاته أن يأخذ زكاة يستكمل فيها حاجته. من كان عنده ملك يحتاجه لسد حاجاته وهذا الملك لا يغطي نفقاته فله أخذ الزكاة ولا يفترض عليه أن يبيع مورد رزقه. يرى الشافعية أن الغنى الذي لا تجوز معه الزكاة هو الذي يكفي الإنسان لنفسه ولمن

стр. 2332

يعوله مدة حياته إذا لم يكن له مورد دوري ويعتبرون سن الثانية والستين هو السن الذي يقدر فيه العمر، بينما يعتبر بعض العلماء أن من كان معه كفاية سنة يعتبر غنياً لا يصح له أخذ الزكاة، أما من كان معه أقل من ذلك فإنه يعتبر فقيراً يجوز له أخذ الزكاة، والعبرة عند الحنفية لملك النصاب الزائد عن الحاجة الأصلية فمن كان يملك نصاباً أو أكثر أو كان يملك نصاباً عن نفسه وعن كل فرد يعوله فلا يصح له أخذ الزكاة. ومن ههنا نجد اجتهادات متعددة للفقهاء في الغنى الذي لا تجوز معه الزكاة، وهذا يعطي الإمام أو السلطان سعة في العمل على ضوء المصلحة. أجاز القرضاوي وآخرون من علماء العصر أن يقرض من مال الزكاة وعلى هذا فإنه يجوز للقائمين على أمر الزكاة من أفراد أو مؤسسات وحكومات أن يقرضوا من هذا المال. (فقه الزكاة ٢/ ٦٣٤). الذي نرجحه أن العامل القادر على العمل إذا لم يجد عملاً وكان محتاجاً أنه يدفع له من الزكاة، أما العامل الذي يجد عملاً ولا يعمل فالذي نرجحه ألا يدفع له من الزكاة وإذا دفع له جاز ذلك للدافع عند الحنفية وحرم على الآخذ عند بعضهم، وقال النووي: (إذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة لأنه عاجز) (المجموع ٦/ ١٩١). ذكر الشيخ يوسف القرضاوي أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن الفقير والمسكين يعطيان من الزكاة ما يغنيهما مدى الحياة ونقل عن المالكية وجمهور الحنابلة أنه يجوز أن يعطى الفقير والمسكين ومن يعولانه ما يكفيهم سنة. وذهب الحنفية إلى أنه يدفع للإنسان الفقير أو المسكين مقدار النصاب وإذا كان له من يعوله فيدفع لكل واحد منهم مقدار النصاب وكلما احتاج جاز له الأخذ. انظر (فقه الزكاة ٢/ ٥٦٣). إن الغارمين وهم الذين عليهم ديون يجوز أن ندفع لهم من الزكاة ما نسد به دينهم وما يحتاجون إليه، والعازب الذي يريد الزواج ومن اشترى مسكناً ليسكن فيه إذا أصبحا مدينين جاز لنا أن ندفع لهما من الزكاة وها ما لم يختلف به أهل العلم ومنهم من ذهب إلى أن الراغب في الزواج يصح لنا أن ندفع له ما يلزمه للزواج ابتداء قبل أن يكون عليه دين إن كان محتاجاً، كما يصح أن ندفع لطالب العلم ما يحتاج إليه من أجل طلب العلم سواء في ذلك نفقاته أو ثمن الكتب التي تلزمه لطلب العلم إن كان محتاجاً، سواء كان العلم فرض كفاية

стр. 2333

دينياً أو دنيوياً أو كان العلم مندوباً إليه قال الدكتور يوسف القرضاوي: الغارمون لمصلحة أنفسهم: غارم استدان في مصلحة نفسه، كأن يستدين في نفقة، أو كسوة، أو زواج، أو علاج مرض، أو بناء مسكن، أو شراء أثاث أو تزويج ولد، أو أتلف شيئاً على غيره خطأ أو سهواً أو نحو ذلك. روى الطبري عن أبي جعفر- ونحوه عن قتادة-: الغارم المستدين في غير سرف، ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت المال. [تفسير الطبري ١٤/ ٣٣٨ بتحقيق محمود شاكر]. وأخص من ينطبق عليه هذا الوصف أولئك الذين فاجأتهم كوارث الحياة. ونزلت بهم حوائج اجتاحت مالهم، واضطرتهم الحاجة إلى الاستدانة لأنفسهم وأهليهم، فعن مجاهد قال: ثلاثة من الغارمين: رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حريق فذهب بماله، ورجل له عيال وليس له مال، فهو يدان وينفق على عياله [مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٧) انظر (فقه الزكاة ٢/ ٦٢٣). أقول: بل ندفع لهم ديونهم ونعطيهم فوقها ما يكفيهم أو يغنيهم مدى العمر أو ما يغنيهم لسنة أو ما يقيمون به أعمالهم التي يتكسبون منها، على ما ذكره الفقهاء من موسع ومضيق. نقل ابن رشد عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا أن يدفع من الزكاة لمن تفرغ لشؤون المسلمين وإن كان غنياً قياساً على العاملين على الزكاة، ونحن نؤثر ألا يتوسع في هذا الموضوع إلا إذا لم توجد موارد أخرى، أو إذا كات ستضيع بعض المصالح إذا لم يتفرغ لها أحد إلا براتب من الزكاة. والظاهر أن مصالح إسلامية كبيرة تضيع إذا لم نأخذ بهذه الرخصة فالمراكز الإسلامية في كل مكان والأنشطة الإسلامية والتعليم في البلدان الفقيرة ورعاية كثير من الشعوب الإسلامية

стр. 2334

ومواجهة الدعاية الكافرة والتفرغ لكثير من التخصصات الإسلامية كل ذلك يحتاج إلى تفرغ وكل ذلك يحتاج إلى رواتب منتظمة وقد يدخل المتفرغون لذلك في دائرة الحرج إذا لم نجز الأخذ من الزكاة وإن كانوا أغنياء. ذكر الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم (فقه الزكاة) أن سهم المؤلفة قلوبهم لا زال مستمراً وذكر أصناف المؤلفة قلوبهم فذكر منهم: أ- من يرجى بعطيته إسلامه أو إسلام قومه وعشيرته. ب- من يخشى شره ويرجى بإعطائه كف شره وشر غيره معه. ج- من دخل حديثاً في الإسلام فيعطى إعانة له على الثبات على الإسلام. د- قوم من سادات المسلمين وزعمائهم لهم نظراء من الكفار إذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم. هـ- زعماء ضعفاء الإيمان من المسلمين مطاعون في أقوامهم ويرجى بإعطائهم تثبيتهم. و- قوم من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء يعطون لما يرجى من دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو. ز- قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزكاة ممن لا يعطيها إلا بنفوذهم وتأثيرهم إلا أن يقاتلوا فيختار بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة أخف الضررين وأرجح المصلحتين ومما قاله الدكتور يوسف تحت عنوان (أين يصرف سهم المؤلفة في عصرنا؟): [إن الجواب عن هذا واضح مما ذكرناه من بيان الهدف الذي قصده الشارع من وراء هذا السهم. وهو استمالة القلوب إلى الإسلام أو تثبيتها عليه، أو تقوية الضعفاء فيه. أو كسب أنصار له. أو كف شر عن دعوته ودولته. وقد يكون ذلك بإعطاء مساعدات لبعض الحكومات غير المسلمة لتقف في صف المسلمين، أو معونة بعض الهيئات والجمعيات والقبائل ترغيباً لها في الإسلام أو مساندة أهله، أو شراء بعض الأقلام والألسنة للدفاع عن الإسلام وقضايا أمته ضد المفترين عليه.

стр. 2335

كما أن الذين يدخلون في دين الله أفواجاً كل عام لا يجدون من حكومات البلاد الإسلامية أي معاونة أو تشجيع. والواجب أن يعطوا من هذا السهم ما يشد أزرهم ويسند ظهرهم. إن الإسلام بما فيه من وضوح وأصالة وملاءمة للفطرة السليمة والعقل الرشيد، ينشر نفسه بنفسه، في كثير من الأقطار. ولكن الذين يعتنقون الإسلام لا يجدون من الرعاية المادية والتوجيهية ما يمكنهم من التبصر في هذا الدين والانتفاع بهداه، ويعوضهم عن بعض ما قدموه من تضحيات، وما لقوه من اضطهاد من عشائرهم أو حكوماتهم. وكثير من الجمعيات الإسلامية في بلدان شتى تحاول أن تسد هذه الثغرة، ولكنها لا تجد المدد اللازم، والعون الكافي] (فقه الزكاة ٢/ ٥٩٤ - ٦١١). أقول: إننا نندب الحكومات والجماعات الإسلامية والجمعيات والمؤسسات إلى أن تعلن عن مكافآت لمن يدخل في الإسلام وهذه المكافآت تشمل العطاء المباشر وتشمل الرعاية والتدريس والكفالة لذرية هؤلاء الداخلين في الإسلام وذلك تشجيع للناس على دخول الإسلام ولا يصح أن نستكبر عن سلوك هذا الطريق أو نأنف منه فهو جزء من السياسة النبوية، ولا يصح أن نخشى من لوم اللائمين فإنه لا قيمة للومهم، ومن استنكف من الداخلين في الإسلام عن أخذ المساعدة فهو مشكور مبرور. قد يؤسر مسلم أو يسجن ولا يطلق سراحه إلا بفدية فهل يجوز أن تدفع من الزكاة؟ ذهب الحنابلة وبعض المالكية إلى جواز ذلك. من له راتب متجدد أو كسب متجدد ولا يكفيانه بيقين، جاز له أن يأخذ من الزكاة كفايته لشهر أو لسنة أو للعمر على اختلاف بين الفقهاء. من المسائل التي ذكرها الدكتور يوسف القرضاوي: مسألة ما إذا استدان الإنسان لمصلحة الآخرين أو استدان لإقامة مشروع لمصلحة الجماعة فإنه يعان بأن يدفع له من الزكاة وغيرها وإن كان غنياً. وهذا قوله: "والنوع الثاني من الغارمين: فئة من أصحاب المروءة والمكرمات، والهمم العالية، عرفها

стр. 2336

المجتمع العربي والإسلامي، وهم الذين يغرمون لإصلاح ذات البين، وذلك بأن يقع بين جماعة عظيمة- كقبيلتين أو أهل قريتين- تشاجر في دماء وأموال، ويحدث بسببها الشحناء والعداوة، فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالاً عوضاً عما بينهم، ليطفئ الثائرة، فهذا قد أتى معروفاً عظيماً، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة، لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين، أو يوهن عزائمهم، فجاء الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيباً من الصدقة، ومن الجميل أن يصرح علماؤنا: أن الغارم لإصلاح ذات البين يعطى من الزكاة لسداد غريمه ولو كان هذا الإصلاح بين جماعتين من أهل الذمة. ومثل هؤلاء المصلحين بين الناس كل من يقوم من أهل الخير في عمل مشروع اجتماعي نافع كمؤسسة للأيتام، أو مستشفى لعلاج الفقراء، أو مسجد لإقامة الصلاة، أو مدرسة لتعليم المسلمين، أما ما شابه ذلك من أعمال البر والخدمة الاجتماعية، فإنه قد خدم في سبيل خير عام للجماعة، فمن حقه أن يساعد من المال العام لها. وليس في الشرع دليل يقصر الغارمين على من غرموا لإصلاح ذات البين دون غيرهم، فلو لم يدخل أولئك في لفظ "الغارمين"، لوجب أن يأخذوا حكمهم بالقياس. ومعنى هذا أن يعطى من استدان من أجل هذه الخدمات الاجتماعية النافعة من مال الزكاة ما يسد به دينه وإن كان غنياً، كما نص على ذلك بعض الشافعية. وإذا كان النوع الأول قد استدانوا لمصلحة أنفسهم وأعينوا عليها، فهؤلاء قد استدانوا لمصلحة المجتمع وهم أولى بالمعونة وإذا كان الأولون لا يعطون إلا مع المجاعة. فهؤلاء يعطون ولو مع الغنى". (فقه الزكاة ٢/ ٦٣٠). أقول: هذا مقيد بأن المتبرع لم يباشر الدفع من مال نفسه وإنما استدان ولا زال الدين عليه قائماً وفي هذا تشجيع للأغنياء أن يستدينوا لصالح مشروع خيري أو أن يتحملوا لحل مشكلة فالناس تثق بهم ولهم أن يجمعوا تبرعات لصالح وفاء هذا الدين. ونتمنى أن توجد مجموعات من الأغنياء للقيام بمثل هذه المشروعات وإن كثيراً من الحكومات الإسلامية لتفعل هذا الشيء بالأموال التي تجب فيها الزكاة دون نية الزكاة فلو نووا الزكاة لكان ذلك مجزئاً عنهم عند الله تعالى.

стр. 2337

هناك صورتان أدخلهما الدكتور يوسف القرضاوي في سهم (سبيل الله) كمصرف من مصارف الزكاة: العمل لتحرير بلاد الإسلام من الكافرين، والعمل لإقامة شريعة الإسلام في البلاد الإسلامية، ومقتضى كلامه أنه يجوز أن تدفع للجمعيات والمؤسسات والأحزاب الإسلامية القائمة على تلك الزكاة. انظر (فقه الزكاة ٢/ ٦٦٦). ذكر فقهاء الحنفية أن من له مال لا يقهر عليه ولو في بلده يصح له أن يأخذ من الزكاة قياساً على ابن السبيل ويدخل في ذلك من باب أولى المشردون واللاجئون الذين لهم مال في أوطانهم ولا يقدرون عليه. ما تحتاجه رعاية اليتيم واللقيط يصح أن يكون من الزكاة إذا لم يكن لهما مال ينفق عليهما منه. الولد يعتبر غنياً بغنى أبيه ما دام دون البلوغ فإذا بلغ يعتبر فقيراً وإن كان والده غنياً وعلى هذا فكل من تجاوز البلوغ وليس له ملك خاص به، وإن كان من أبناء الأغنياء فلنا أن ندفع له من الزكاة. الأصل أن تدفع الزكاة إلى مسلم عدل لكن أجاز الفقهاء أن تدفع الزكاة إلى فاسق بعمل أو ببدعة ولم يجيزوا أن تدفع الزكاة إلى من كفر ببدعته وإن ادعى الإسلام، وفي عصرنا يجب أن يتأكد من إسلام الإنسان قبل دفع الزكاة لأن كثيراً من الناس ارتدوا بانخراطهم بأحزاب كافرة وتبنيهم لأفكار مكفرة. قال جمهور الفقهاء: يجوز أن تدفع الزكاة إلى الأقارب ما عدا الأصول والفروع والزوجة.

стр. 2338

الفصل الخامس في متفرقات في الزكاة

стр. 2339

وسم إبل الصدقة: ٣٦٠٦ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: "غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فرأيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة". وفي رواية (١) "فغدوت، فإذا هو في الحائط، وعليه خميصة جونية وهو يسم الظهر الذي قدم من الفتح". وفي روية (٢) أبي داود قال: "أتيت النبي ﷺ بأخ لي، حين ولد ليحنكه، فإذا هو في مربد يسم غنماً، أحسبه قال: في آذانها". تعجيل الزكاة: ٣٦٠٧ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل زكاته، قبل أن يحول الحول، مسارعة إلى الخير، فأذن له في ذلك". وفي أخرى (٣) للترمذي أن النبي صلى الله عليه قال لعمر: "إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام". وسبق بحث هذه المسألة.

стр. 2340

ما يبرئ من حق الزكاة: ٣٦٠٨ - * روى أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتى رجل من بني تميم رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق؟ فقال رسول الله ﷺ : "تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق المسكين والجار والسائل". فقال: يا رسول الله أقلل لي. فقال: "آت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا". فقال: يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله فقال رسول الله ﷺ : "نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها لك أجرها وإثمها على من بدلها". ٣٦٠٩ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر ﵁ قال: قال رجل من القوم يا رسول الله أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله فقال رسول الله ﷺ : "من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره". الزكاة في العطاء: ٣٦١٠ - * روى الطبراني عن هبيرة بن بريم عن ابن مسعود قال: كان يعطينا العطاء ثم يأخذ زكاته. ٣٦١١ - *روى الطبراني عن القاسم بن محمد: "كان أبو بكر إذا أعطى الناس أعطياتهم، سأل الرجل: هل عندك من مال وجبت عليك في الزكاة؟ فإن قال: نعم، أخذ من

стр. 2341

عطائه زكاة ذلك المال، وإن قال: لا، سلم إليه عطاءه ولم يأخذ منه شيئاً". ٣٦١٢ - * روى مالك عن قدامة بن مطعون الجمحي ﵀ قال: "كنت إذا جئت عثمان بن عفان أقبض عطائي، سألني: هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة؟ ... وذكر مثل الحديث الأول". التصدق زائداً على الزكاة: ٣٦١٣ - *روى ابن خزيمة عن حارثة بن مضرب جاء ناس من أهل الشام إلى عمر، فقالوا: إنا قد أصبنا أموالاً: خيلاً ورقيقاً، نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور. فقال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله، فاستشار أصحاب محمد ﷺ وفيهم علي. فقال علي: هو حسن إن لم تكن جزية يؤخذون بها راتبة. قال ابن خزيمة: وفيه دلالة على أن صاحب المال إن أعطى صدقة من ماله وإن كانت الصدقة غير واجبة في ماله فجائز للإمام أخذها إذا طابت نفس المعطي، وكذلك الفاروق لما أعلم القوم أن النبي ﷺ والصديق قبله لم يأخذا صدقة الخيل والرقيق فطابت أنفسهم بإعطاء الصدقة من الخيل والرقيق متطوعين جاز للفاروق أخذ الصدقة منه، كما أباح المصطفى ﷺ أخذ الصدقة مما دون خمس من الإبل، ودون اربعين من الغنم، ودون مائتي درهم من الورق. الخطأ في أداء الزكاة والصدقة: ٣٦١٤ - * روى البخاري عن معن بن يزيد ﵁ قال: "بايعت رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدي، وخطب علي رسول الله ﷺ ، فأنكحني، وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فأعطانيها، ولم يعرف، فأتيته بها، فقال: إني والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ فقال:

стр. 2342

لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن". وزاد رزين بعد قوله "فأنكحني" "وأمهر عني". أقول: واضح من النص أن يزيد وكل الرجل بإخراجها، والمعروف أن الزكاة لا تصح للفروع، والوكيل أعطاها وهو لا يعرف أن يزيد هو ابن معن، وقد استدل الحنفية به على صحة الزكاة في حالة الخطأ في مثل هذه الصورة. وانظر (الاختيار ١/ ١٢٢). ٣٦١٥ - *روى مسلم عن أبي هريرة، عن النبي قال: "قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية. قال: اللهم! لك الحمد على زانية. لأتصدق بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. قال: اللهم! لك الحمد على غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. قال: اللهم! لك الحمد على غني. ولأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق. فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق. فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت. أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها. ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله. ولعل السارق يستعف بها عن سرقته". قال النووي (٧/ ١١٠): وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يجزئ دفعها إلى غني. اهـ. أقول: وقد رأيت مذهب الحنفية في أن الخطأ في أداء الزكاة يسقطها.

стр. 2343

الباب الرابع في الأوقاف وما يتعلق بها وفيه مقدمة وعرض إجمالي ونصوص ومسائل وفوائد

стр. 2344

مقدمة نظام الأوقاف في الإسلام هو النظام المكمل لنظام الزكوات والصدقات وبه يتكامل نظام تكافلي يسع احتياجات الأمة، فإذا ما أضيف إلى هذه الأنظمة ما شرع في الإسلام من أحكام تضبط طرق التملك وتضبط توزع الثروة والمعاملات، وتضبط حقوق الدولة والأفراد، فإن نظاماً اقتصادياً فريداً يتميز به الإسلام عن غيره. ونظام الأوقاف قام في الأمة منذ عهد رسول الله ﷺ وتوسعت فيه الأمة فيما بعد، وبنى عليه المحسنون فلم يتركوا باباً من أبواب الخير إلا وقفوا عليه وعلى القائمين به، وهناك كثيرون وقفوا على ذرياتهم فتطور الوقف في الأمة الإسلامية وتوسعت دائرته ولو أنه أحسنت صيانته وأحسن التعامل مع الأوقاف التي قدمتها لنا الأجيال السابقة، لكان لنظام الوقف دور كبير في سد حاجات كثير من الناس، وإغناء كثير من الناس، ولكن تسللت إلى كثير من العقول ما قامت به الثورة الفرنسية من تحجيم أوقاف الكنيسة وغلب على كثير من الناس الرغبة في أن تنقطع استمرارية كثير من الأوقاف، واستطاعت هذه الرغبات أن تفعل فعلها فحجم نظام الأوقاف. ومما زاد الأمر سوءاً أن نظام الأوقاف يحتاج إلى أعلى درجات الضبط الإداري على ضوء الأحكام الشرعية، وهذا يقتضي ألا تسلم وزارة الأوقاف إلا لمن اجتمع له علم وضبط وأمانة وورع، ولم يتوافر هذا في كثير ممن استلموا وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي. ونظام الأوقاف نموذج على ضرورة الفقه والفقهاء والاجتهاد والمجتهدين. فالنصوص التي تحدثت عن الوقف قليلة ولكن مسائل الأوقاف توسعت على مر الزمن، وأنواع الأوقاف تعددت، وكان لابد من ضبط إداري محكم، وهذا كله يحتاج إلى فقهاء يفتون ويضبطون الأمور على معايير الشرع وموازينه، ولذلك تجد أبحاث الوقف في كتب الفقه والكتب التي ألفت في الفقه كبيرة وكثيرة، وكلها تفريعات على أصول قليلة. فأبحاث الوقف دليل على احتياج الأمة للفقه والفقهاء، والاجتهاد والمجتهدين، ولعله من أهم الأمور التي تحتاج إلى إعادتها إلى نصابها العكوف في كل مكان على صكوك الأوقاف.

стр. 2345

وعلى ضبط أمر الأوقاف، ورسم السياسات الحكيمة لوزارات الأوقاف بحيث تؤدي الأوقاف غرضها المكمل لنظام الزكوات ونظام الصدقات.

стр. 2346

عرض فقهي إجمالي: الأوقاف على نوعين: أوقاف خيرية وأوقاف ذرية، فما وقفه الإنسان على نفسه ثم ذريته بعده، أو وقفه على ذريته من بعده، أو وقفه على آخرين وعلى ذرياتهم فهذا الوقف الذري، وقد اعتادته الأمة في كثير من الجهات واعتمدته. وأما الأوقاف الخيرية: فهو ما وقف على جهة القربى لله تعالى كالمساجد والرباطات والسقايات ومنازل المسافرين، ومدارس العلم والمستشفيات إلى غير ذلك. والفقهاء متفقون على أن شرط الواقف كنص الشارع إلا أن لهم اجتهادات متعددة حول ما يجوز وقفه ومتى يثبت للشيء حكم الوقف وما هي الأحكام التي تحكم كل نوع من أنواع الأوقاف وكيف يتعامل مع الطوارئ التي تطرأ على الوقف؟ فأبو حنيفة مثلاً: يرى أن الشيء لا يخرج عن ملك الواقف بمجرد الكلام ولكنه في المساجد يكون مع القول بالصلاة في المسجد، وفي غير المسجد لابد من قضاء القاضي أو وفاة الواقف وما قبل ذلك فإن الوقف لا يثبت وهو على ملك الواقف وله أن يرجع عن كلامه فيه، وأبو يوسف: يرى جواز وقف المتغير تبعاً لغيره ومحمد من فقهاء الحنفية: يرى وقف المتغير استقلالاً وعلى هذا فمريد التفقه في موضوع الأوقاف يحتاج إلى معرفة ما يثبت به الوقف وإذا ثبت فما هي أحكام التعامل مع كل وقف على حدة وإذا طرأت طوارئ فما هي الأحكام التي تحكم المستجدات؟ وها هي صورة مختصرة عن مباحث الوقف؟ الوقف لغة: الحبس عن التصرف، وشرعاً: قال الجمهور ومنهم الصاحبان وبرأيهما يفتى عند الحنفية- والشافعية والحنابلة في الأصح-: هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره على مصرف مباح موجود أو بصرف ريعه على جهة بر وخير تقرباً إلى لله تعالى وعليه يخرج المال عن ملك الواقف ويصير حبيساً على حكم ملك الله تعالى، ويمتنع على الواقف تصرفه فيه ويلزم التبرع بريعه على جهة الوقف، وقالت المالكية: الوقف: هو جعل المالك منفعة مملوكة ولو كان مملوكاً بأجرة أو جعل غلته كدراهم لمستحق بصيغة مدة ما يراه المحبس، والوقف عند الجمهور سنة مندوب إليها.

стр. 2347

وركن الوقف عند بعض الحنفية: الصيغة: وهي الألفاظ الدالة على معنى الوقف، مثل: أرضي هذه موقوفة مؤبدة على المساكين ونحوه. وقال الجمهور: للوقف أركان أربعة: وهي الواقف والموقوف والموقوف عليه والصيغة. أما القبول من الموقوف عليه: فليس ركناً في الوقف عند الحنفية على المفتي به والحنابلة. ويعد القبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة ركناً إذا كان الوقف على معين إن كان أهلاً للقبول وإلا فيشترط قبول وليه كالهبة والوصية الواجبة. الركن الأول: الموقوف وهو نوعان: أ- الوقف الخيري: وهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية ولو لمدة معينة يكون بعدها وقفاً على شخص معين أو أشخاص معينين. ب- الوقف الأهلي أو الذري فهو الذي يوقف في ابتداء الأمر على نفس الواقف أو أي شخص أو أشخاص معينين ولو جعل آخره لجهة خيرية. والموقوف: وهو المال الموجود المتقوم من عقار: أرض أو دار بالإجماع، أو منقول ككتب وثياب وحيوان وسلاح. أنواع المال الموقوف: أ- وقف العقار: يصح وقف العقار من أرض ودور وحوانيت وبساتين ونحوها بالاتفاق لأن جماعة من الصحابة ﵃ وقفوه. ب- وقف المنقول: اتفق الجمهور غير بعض الحنفية على جواز وقف المنقول مطلقاً، كآلات المسجد كالقنديل والحصير، وأنواع السلاح والثياب، والأثاث. سواء أكان الموقوف مستقلاً بذاته، أو تبعاً لغيره من العقار فيصح كونه مؤبداً أو مؤقتاً، خيرياً أو أهلياً. ج- وقف المشاع: يجوز عند الجمهور غير المالكية وآخرين وقف المشاع الذي لا يحتمل القسمة، مع الشيوع كحصة سيارة، لأن الوقف كالهبة، وهبة المشاع غير القابل القسمة

стр. 2348

جائزة- أما المشاع القابل للقسمة: فقال أبو يوسف ويفتى بقوله: يجوز وقفه لأن القسمة من تمام القبض، والقبض عنده ليس بشرط لتمام الوقف فكذا تتمته وهذا موافق لرأي المالكية والشافعية والحنابلة. د- وقف حق الارتفاق. هـ- وقف الإقطاعات. و- وقف أراضي الحوز. ز- وقف المرهون: قال الحنفية: يصح للراهن وقف المرهون، لأنه يملكه لكن يبقى حق المرتهن متعلقاً بالمرهون، فإن وفى الراهن الدين تطهرت وخلصت العين المرهونة من تعلق حق المرتهن بها وإلا فله أن يطلب إبطال الوقف وبيع المرهون. وقال الجمهور: لا يصح وقف المرهون. ح- وقف العين المؤجرة: يصح عند الجمهور للمؤجر وقف العين المؤجرة ولا يصح وقفها عند المالكية، ويصح عند المالكية للمستأجر وقف منفعة المأجور ولا يصح وقفها عند الجمهور. شروط الموقوف: واتفق الفقهاء على اشتراط كون الموقوف مالاً متقوماً معلوماً مملوكاً للواقف ملكاً تاماً أي لا خيار فيه. الركن الثاني (شروط الواقف): ينبغي أن يكون الواقف: أ- حراً مالكاً. ب- أن يكون عاقلاً. ج- أن يكون بالغاً. د- أن يكون رشيداً. فلا يصح الوقف من السفيه والمفلس أو المغفل عند الجمهور. وقال الحنفية: لا ينفذ وقف المدين المفلس إلا بإجازة الدائنين، فعدم الحجر عليه شرط نفاذ عندهم لا شرط صحة. وأما وقف المكره فقد اشترط الشافعية والمالكية والحنابلة في الواقف أن يكون مختاراً فلا يصح الوقف من مكره إذ لا تصح عبارته.

стр. 2349

الركن الثالث: الموقوف عليه: إن الموقوف عليه إما معين أو غير معين فيشترط في الوقف على معين بالاتفاق كونه أهلاً للتملك، واختلف الفقهاء في الوقف على المعدوم والمجهول وعلى نفسه. ويشترط في الموقوف عليه غير المعين شروط: أ- أن يكون معلوماً وأن يكون جهة خير وبر يحتسب الإنفاق عليها قربة لله تعالى: وهذا متفق عليه في المسلم فقط، بأن يكون الموقوف عليه قربة في ذاته والجهة تتملك الموقوف حكماً ولا يصح بالاتفاق وقف المسلم على جهة معصية كأندية الميسر ودور اللهو وجمعيات الإلحاد والضلال لأنه ليس قربة في نظر الإسلام واتفق فقهاؤنا على بطلان وقف غير المسلم على جهة معصية ليست قربة في دينه ولا في دين الإسلام كالمراقص وأندية القمار واختلفوا فيما تختلف فيه أنظار الشرائع. ب- الشرط الثاني في الموقوف عليه غير المعين لأبي حنيفة ومحمد: أن يجعل آخر الوقف الأهلي لجهة لا تنقطع أبداً كالفقراء مثلاً فإن لم يذكر آخره لم يصح عندهما لأن التأبيد شرط جواز الوقف وتسمية جهة تنقطع، توقيت له معنى، فيمنع الجواز ولأنه يصبح حينئذ وقفاً على مجهول فلم يصح كالموقوف على مجهول في ابتداء الوقف، وقال أبو يوسف ليس هذا بشرط وأخذ الجمهور غير الحنفية بقول أبي يوسف أما المالكية فلم يشترطوا تأبيد الوقف. الركن الرابع: صيغة الوقف وألفاظ الوقف: صيغة الوقف: ينعقد الوقف بالإيجاب وحده ولو لمعين عند الحنفية والحنابلة وكذا إذا كان على غير معين باتفاق العلماء وبالإيجاب والقبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة إذا كان على معين، وألفاظ الوقف الخلاصة به عند الحنفية: مثل: أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة على المساكين أو موقوفة لله تعالى أو على وجه الخير أو البر والمفتى به عملاً بالعرف هو ما قال أبو يوسف من الاكتفاء بلفظ (موقوفة) بدون ذكر تأبيد أو ما يدل عليه وذلك إذا لم يكن وقفاً على معين كزيد، والتأبيد من حيث المعنى شرط باتفاق الحنفية على الصحيح ومذهب الشافعية: لا يصح الوقف إلا بلفظ صريح مثل وقفت كذا على كذا أو أرضي موقوفة عليه لاشتهاره لغة وعرفاً والتسبيل والتحبيس صريحان أيضاً على الصحيح لتكررهما شرعاً واشتهارهما عرفاً ولم ينقل عن الصحابة وقف إلا بهما، ورأي

стр. 2350

الحنابلة: الوقف إما بلفظ صريح أو كناية. لم ينقل عن الصحابة وقف إلا بهما، ورأي الحنابلة: الوقف إما بلفظ صريح أو كناية. شروط صيغة الوقف: الشرط الأول- التأبيد: فلا يصح عند الجمهور غير المالكية بما يدل على التأقيت بمدة لأنه إخراج مال على وجه القربة فلم يجز إلى مدة وإنما لابد من اشتماله على معنى التأبيد ولا يشترط التلفظ به كالوقف على من لم ينقرض قبل قيام الساعة كالفقراء أو على من ينقرض ثم على من لا ينقرض كزيد ثم الفقراء. أما المالكية فلم يشترطوا التأبيد في الوقف وأجازوا الوقف سنة أو أكثر لأجل معلوم ثم يرجع ملكاً للواقف أو لغيره توسعة على الناس في عمل الخير. الشرط الثاني- التنجيز: بأن يكون منجزاً في الحال غير معلن بشرط ولا مضاف إلى وقت في المستقبل لأنه عقد يقتضي نقل الملك في الحال فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والهبة في رأي الجمهور غير المالكية. والحاصل أنه لا يجوز عند الجمهور تعليق الوقف على شرط في الحياة مثل إذا جاء رأس الشهر فداري وقف. وقال المالكية عن هذا الشرط لا يشترط في الوقف التنجيز فيجوز مع التعليق. الشرط الثالث- الإلزام: لا يصح عند الجمهور غير المالكية تعليق الوقف بشرط الخيار أو بخيار الشرط معلوماً كان أو مجهولاً بأن يقف شيئاً ويشترط لنفسه أو لغيره الرجوع فيه متى شاء ويبطل الوقف كالهبة والعتق. لكن استثنى الحنفية وقف المسجد فلو اتخذ مسجداً على أنه بالخيار، جاز والشرط باطل. الشرط الرابع: عدم الاقتران بشرط باطل . والشروط عند الحنفية ثلاثة: ١ - شرط باطل. ٢ - شرط فاسد. ٣ - شرط صحيح. - الباطل ما ينافي مقتضى الوقف.
следующие страницы →