← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

عرض فقهي إجمالي: الأوقاف على نوعين: أوقاف خيرية وأوقاف ذرية، فما وقفه الإنسان على نفسه ثم ذريته بعده، أو وقفه على ذريته من بعده، أو وقفه على آخرين وعلى ذرياتهم فهذا الوقف الذري، وقد اعتادته الأمة في كثير من الجهات واعتمدته. وأما الأوقاف الخيرية: فهو ما وقف على جهة القربى لله تعالى كالمساجد والرباطات والسقايات ومنازل المسافرين، ومدارس العلم والمستشفيات إلى غير ذلك. والفقهاء متفقون على أن شرط الواقف كنص الشارع إلا أن لهم اجتهادات متعددة حول ما يجوز وقفه ومتى يثبت للشيء حكم الوقف وما هي الأحكام التي تحكم كل نوع من أنواع الأوقاف وكيف يتعامل مع الطوارئ التي تطرأ على الوقف؟ فأبو حنيفة مثلاً: يرى أن الشيء لا يخرج عن ملك الواقف بمجرد الكلام ولكنه في المساجد يكون مع القول بالصلاة في المسجد، وفي غير المسجد لابد من قضاء القاضي أو وفاة الواقف وما قبل ذلك فإن الوقف لا يثبت وهو على ملك الواقف وله أن يرجع عن كلامه فيه، وأبو يوسف: يرى جواز وقف المتغير تبعاً لغيره ومحمد من فقهاء الحنفية: يرى وقف المتغير استقلالاً وعلى هذا فمريد التفقه في موضوع الأوقاف يحتاج إلى معرفة ما يثبت به الوقف وإذا ثبت فما هي أحكام التعامل مع كل وقف على حدة وإذا طرأت طوارئ فما هي الأحكام التي تحكم المستجدات؟ وها هي صورة مختصرة عن مباحث الوقف؟ الوقف لغة: الحبس عن التصرف، وشرعاً: قال الجمهور ومنهم الصاحبان وبرأيهما يفتى عند الحنفية- والشافعية والحنابلة في الأصح-: هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره على مصرف مباح موجود أو بصرف ريعه على جهة بر وخير تقرباً إلى لله تعالى وعليه يخرج المال عن ملك الواقف ويصير حبيساً على حكم ملك الله تعالى، ويمتنع على الواقف تصرفه فيه ويلزم التبرع بريعه على جهة الوقف، وقالت المالكية: الوقف: هو جعل المالك منفعة مملوكة ولو كان مملوكاً بأجرة أو جعل غلته كدراهم لمستحق بصيغة مدة ما يراه المحبس، والوقف عند الجمهور سنة مندوب إليها.

стр. 2347

وركن الوقف عند بعض الحنفية: الصيغة: وهي الألفاظ الدالة على معنى الوقف، مثل: أرضي هذه موقوفة مؤبدة على المساكين ونحوه. وقال الجمهور: للوقف أركان أربعة: وهي الواقف والموقوف والموقوف عليه والصيغة. أما القبول من الموقوف عليه: فليس ركناً في الوقف عند الحنفية على المفتي به والحنابلة. ويعد القبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة ركناً إذا كان الوقف على معين إن كان أهلاً للقبول وإلا فيشترط قبول وليه كالهبة والوصية الواجبة. الركن الأول: الموقوف وهو نوعان: أ- الوقف الخيري: وهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية ولو لمدة معينة يكون بعدها وقفاً على شخص معين أو أشخاص معينين. ب- الوقف الأهلي أو الذري فهو الذي يوقف في ابتداء الأمر على نفس الواقف أو أي شخص أو أشخاص معينين ولو جعل آخره لجهة خيرية. والموقوف: وهو المال الموجود المتقوم من عقار: أرض أو دار بالإجماع، أو منقول ككتب وثياب وحيوان وسلاح. أنواع المال الموقوف: أ- وقف العقار: يصح وقف العقار من أرض ودور وحوانيت وبساتين ونحوها بالاتفاق لأن جماعة من الصحابة ﵃ وقفوه. ب- وقف المنقول: اتفق الجمهور غير بعض الحنفية على جواز وقف المنقول مطلقاً، كآلات المسجد كالقنديل والحصير، وأنواع السلاح والثياب، والأثاث. سواء أكان الموقوف مستقلاً بذاته، أو تبعاً لغيره من العقار فيصح كونه مؤبداً أو مؤقتاً، خيرياً أو أهلياً. ج- وقف المشاع: يجوز عند الجمهور غير المالكية وآخرين وقف المشاع الذي لا يحتمل القسمة، مع الشيوع كحصة سيارة، لأن الوقف كالهبة، وهبة المشاع غير القابل القسمة

стр. 2348

جائزة- أما المشاع القابل للقسمة: فقال أبو يوسف ويفتى بقوله: يجوز وقفه لأن القسمة من تمام القبض، والقبض عنده ليس بشرط لتمام الوقف فكذا تتمته وهذا موافق لرأي المالكية والشافعية والحنابلة. د- وقف حق الارتفاق. هـ- وقف الإقطاعات. و- وقف أراضي الحوز. ز- وقف المرهون: قال الحنفية: يصح للراهن وقف المرهون، لأنه يملكه لكن يبقى حق المرتهن متعلقاً بالمرهون، فإن وفى الراهن الدين تطهرت وخلصت العين المرهونة من تعلق حق المرتهن بها وإلا فله أن يطلب إبطال الوقف وبيع المرهون. وقال الجمهور: لا يصح وقف المرهون. ح- وقف العين المؤجرة: يصح عند الجمهور للمؤجر وقف العين المؤجرة ولا يصح وقفها عند المالكية، ويصح عند المالكية للمستأجر وقف منفعة المأجور ولا يصح وقفها عند الجمهور. شروط الموقوف: واتفق الفقهاء على اشتراط كون الموقوف مالاً متقوماً معلوماً مملوكاً للواقف ملكاً تاماً أي لا خيار فيه. الركن الثاني (شروط الواقف): ينبغي أن يكون الواقف: أ- حراً مالكاً. ب- أن يكون عاقلاً. ج- أن يكون بالغاً. د- أن يكون رشيداً. فلا يصح الوقف من السفيه والمفلس أو المغفل عند الجمهور. وقال الحنفية: لا ينفذ وقف المدين المفلس إلا بإجازة الدائنين، فعدم الحجر عليه شرط نفاذ عندهم لا شرط صحة. وأما وقف المكره فقد اشترط الشافعية والمالكية والحنابلة في الواقف أن يكون مختاراً فلا يصح الوقف من مكره إذ لا تصح عبارته.

стр. 2349

الركن الثالث: الموقوف عليه: إن الموقوف عليه إما معين أو غير معين فيشترط في الوقف على معين بالاتفاق كونه أهلاً للتملك، واختلف الفقهاء في الوقف على المعدوم والمجهول وعلى نفسه. ويشترط في الموقوف عليه غير المعين شروط: أ- أن يكون معلوماً وأن يكون جهة خير وبر يحتسب الإنفاق عليها قربة لله تعالى: وهذا متفق عليه في المسلم فقط، بأن يكون الموقوف عليه قربة في ذاته والجهة تتملك الموقوف حكماً ولا يصح بالاتفاق وقف المسلم على جهة معصية كأندية الميسر ودور اللهو وجمعيات الإلحاد والضلال لأنه ليس قربة في نظر الإسلام واتفق فقهاؤنا على بطلان وقف غير المسلم على جهة معصية ليست قربة في دينه ولا في دين الإسلام كالمراقص وأندية القمار واختلفوا فيما تختلف فيه أنظار الشرائع. ب- الشرط الثاني في الموقوف عليه غير المعين لأبي حنيفة ومحمد: أن يجعل آخر الوقف الأهلي لجهة لا تنقطع أبداً كالفقراء مثلاً فإن لم يذكر آخره لم يصح عندهما لأن التأبيد شرط جواز الوقف وتسمية جهة تنقطع، توقيت له معنى، فيمنع الجواز ولأنه يصبح حينئذ وقفاً على مجهول فلم يصح كالموقوف على مجهول في ابتداء الوقف، وقال أبو يوسف ليس هذا بشرط وأخذ الجمهور غير الحنفية بقول أبي يوسف أما المالكية فلم يشترطوا تأبيد الوقف. الركن الرابع: صيغة الوقف وألفاظ الوقف: صيغة الوقف: ينعقد الوقف بالإيجاب وحده ولو لمعين عند الحنفية والحنابلة وكذا إذا كان على غير معين باتفاق العلماء وبالإيجاب والقبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة إذا كان على معين، وألفاظ الوقف الخلاصة به عند الحنفية: مثل: أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة على المساكين أو موقوفة لله تعالى أو على وجه الخير أو البر والمفتى به عملاً بالعرف هو ما قال أبو يوسف من الاكتفاء بلفظ (موقوفة) بدون ذكر تأبيد أو ما يدل عليه وذلك إذا لم يكن وقفاً على معين كزيد، والتأبيد من حيث المعنى شرط باتفاق الحنفية على الصحيح ومذهب الشافعية: لا يصح الوقف إلا بلفظ صريح مثل وقفت كذا على كذا أو أرضي موقوفة عليه لاشتهاره لغة وعرفاً والتسبيل والتحبيس صريحان أيضاً على الصحيح لتكررهما شرعاً واشتهارهما عرفاً ولم ينقل عن الصحابة وقف إلا بهما، ورأي

стр. 2350

الحنابلة: الوقف إما بلفظ صريح أو كناية. لم ينقل عن الصحابة وقف إلا بهما، ورأي الحنابلة: الوقف إما بلفظ صريح أو كناية. شروط صيغة الوقف: الشرط الأول- التأبيد: فلا يصح عند الجمهور غير المالكية بما يدل على التأقيت بمدة لأنه إخراج مال على وجه القربة فلم يجز إلى مدة وإنما لابد من اشتماله على معنى التأبيد ولا يشترط التلفظ به كالوقف على من لم ينقرض قبل قيام الساعة كالفقراء أو على من ينقرض ثم على من لا ينقرض كزيد ثم الفقراء. أما المالكية فلم يشترطوا التأبيد في الوقف وأجازوا الوقف سنة أو أكثر لأجل معلوم ثم يرجع ملكاً للواقف أو لغيره توسعة على الناس في عمل الخير. الشرط الثاني- التنجيز: بأن يكون منجزاً في الحال غير معلن بشرط ولا مضاف إلى وقت في المستقبل لأنه عقد يقتضي نقل الملك في الحال فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والهبة في رأي الجمهور غير المالكية. والحاصل أنه لا يجوز عند الجمهور تعليق الوقف على شرط في الحياة مثل إذا جاء رأس الشهر فداري وقف. وقال المالكية عن هذا الشرط لا يشترط في الوقف التنجيز فيجوز مع التعليق. الشرط الثالث- الإلزام: لا يصح عند الجمهور غير المالكية تعليق الوقف بشرط الخيار أو بخيار الشرط معلوماً كان أو مجهولاً بأن يقف شيئاً ويشترط لنفسه أو لغيره الرجوع فيه متى شاء ويبطل الوقف كالهبة والعتق. لكن استثنى الحنفية وقف المسجد فلو اتخذ مسجداً على أنه بالخيار، جاز والشرط باطل. الشرط الرابع: عدم الاقتران بشرط باطل . والشروط عند الحنفية ثلاثة: ١ - شرط باطل. ٢ - شرط فاسد. ٣ - شرط صحيح. - الباطل ما ينافي مقتضى الوقف.

стр. 2351

- الفاسد ما يخل بالانتفاع بالموقوف أو بمصلحة الموقوف عليه. - الصحيح كل شرط لا ينافي مقتضى الوقف ولا يخل بالمنفعة ولا يصادم الشرع، مثل اشتراط البدء من الريع بأداء الضرائب المستحقة، أو البدء بالتعمير قبل الصرف إلى المستحقين وحكمه، أنه يجب اتباعه وتنفيذه. الشرط الخامس عند الشافعية: بيان المصرف فلو اقتصر الواقف على قوله: وقفت كذا، ولم يذكر مصرفه، فالأظهر بطلانه، لعدم ذكر مصرفه، وهذا بخلاف الوصية، فإنها تصح وتصرف للمساكين، لأن غالب الوصايا للمساكين فحمل الإطلاق عليه بخلاف الوقف. وصحح صاحب "المهذب" القول الثاني وهو صحة الوقف بدون ذكر جهة الصرف، لأنه إزالة ملك على وجهة القربة، فصح مطلقاً كالأضحية. ولم يشترط الجمهور غير الشافعية ذكر جهة الصرف. نفقات الوقف: نفقة الوقف من ريعه بالاتفاق، مع اختلافات في شرط الواقف وغيره. مذهب الحنفية: الواجب أن يبدأ من ريع الوقف أي غلته، بعمارته بقدر ما يبقى الوقف على الصفة التي وقف عليها، وإن خرب بني على صفته، سواء شرط الواقف النفقة من الغلة أو لم يشرط لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبداً ولا تبقى دائمة إلا بالعمارة فيثبت شرط العمارة اقتضاء، ولأن الخراج بالضمان. ومذهب المالكية: مثل الحنفية يجب على الناظر إصلاح الوقف إن حصل به خلل من غلته، وإن شرط الواقف خلافه، فلا يقع شرطه لأنه يؤدي إلى إتلافه وعدم بقائه وهو لا يجوز. جواز استبدال الوقف وبيعه حالة الخراب: أجاز الفقهاء استبداله وبيعه للضرورة بشروط وقيود وتفصيلات لديهم. شروط الاستبدال: ١ - أن يخرج الموقوف عن الانتفاع به بالكلية.

стр. 2352

٢ - أن لا يكون هناك ريع للوقف يعمر به. ٣ - أن لا يكون البيع بغبن فاحش. ٤ - أن يكون المستبدل قاضي الجماعة [وهو من لم تنصبه حكومة كافرة أو باغية وإنما نصبه المسلمون] وهو ذو العلم والعمل لئلا يؤدي الاستبدال إلى إبطال أوقاف المسلمين، كما هو الغالب في الزمن الأخير. ٥ - أن يستبدل به عقاراً لا دراهم ودنانير لئلا يأكلها النظار، وأجاز بعضهم الاستبدال به نقوداً، ما دام المستبدل قاضي الجماعة. ٦ - أن لا يبيعه القاضي لمن لا تقبل شهادته له، ولا لمن له عليه دين، خشية التهمة والمحاباة فإذا لم تتوافر هذه الشروط كان بيع الوقف باطلاً وإذا صح بيع الحاكم بطل وقفية ما باعه. الوقف في مرض الموت: يكون الوقف في مرض الموت بمنزلة الوصية في اعتباره من ثلث المال، لأنه تبرع فاعتبر في مرض الموت من الثلث كالعتق والهبة. فإذا خرج من الثلث نفذ من غير رضا الورثة ولزم، وما زاد على الثلث لزم الوقف منه في قدر الثلث، ووقف الزائد على إجازة الورثة، لأن حق الورثة تعلق بالمال بوجود المرض، فمنع التبرع بزيادة على الثلث، كالعطايا والعتق، ولا يجوز عند الجمهور أيضاً الوقف في مرض الموت على بعض الورثة فإن وقف توقف الوقف على إجازة سائر الورثة لأنه تخصيص لبعض الورثة بماله في مرضه فمنع منه كالهبات، ولأن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز بالمنفعة، كالأجنبي فيما زاد على الثلث، والخلاصة: أن وقف المريض لازم لا يجوز الرجوع عنه عند الجمهور في حدود الثلث من التركة، وباطل عند المالكية. ناظر الوقف: يصح بالاتفاق للواقف جعل الولاية والنظر لنفسه أو للموقوف عليه، أو لغيرهما، إما بالتعيين كفلان، أو بالوصف كالأرشد أو الأعلم أو الأكبر أو من هو بصفة كذا، فمن وجد فيه الشرط، ثبت له النظر عملاً بالشرط.

стр. 2353

شروط الناظر: ١ - العدالة الظاهرة: وهذا شرط عند الجمهور، وقال الحنابلة: لا تشترط العدالة ويضم إلى الفاسق عدل، كما يضم إلى ناظر ضعيف ناظر قوي أمين. ٢ - الكفاية: وهي قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه، والكفاية تتطلب وجود التكليف أي البلوغ والعقل ولا تشترط في الناظر الذكورة، لأن عمر أوصى إلى حفصة ﵂. ٣ - الإسلام: إن كان الموقوف عليه مسلماً، أو كانت الجهة كمسجد، فإن كان الوقف على كافر معين جاز شرط النظر فيه لكافر، هذا ما ذكره الحنابلة ولم يشترط الحنفية الإسلام في الناظر. عزل الناظر: تكاد تتفق وجهات النظر الفقهية حول عزل الناظر. فذكر الحنفية: أن للواقف عزل الناظر مطلقاً وبه يفتى ولو لم يجعل الواقف ناظراً فنصبه القاضي لم يملك الواقف إخراجه ويجب على القاضي عزل الناظر سواء أكان هو الواقف أم غير الواقف إذا كان خائناً غير مأمون أو عاجزاً أو ظهر به فسق كشرب الخمر ونحوه ولا يجوز للقاضي عزل الناظر المشروط له النظر أو صاحب وظيفة بلا خيانة أو عدم أهلية ويصح عزل الناظر المعين من قبل القاضي لا من قبل الواقف بلا خيانة. والحاصل أن الناظر ينعزل بعزل نفسه- أي بالاستقالة- أو بعزل الواقف إن عينه هو أو بعزل القاضي.

стр. 2354

النصوص ٣٦١٦ - * روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أصبت أرضاً من أرض خيبر، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: أصبت أرضاً، لم أصب مالاً أحب إلي ولا أنفس عندي منها، فما تأمر به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب، في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، غير متمول مالاً، ويطعم". وقد روي هذا الحديث عن عمر عن النبي ﷺ أيضاً مثله. وللنسائي في أخرى (١) "أن عمر قال للنبي ﷺ : المائة سهم التي لي من خيبر، لم أصب مالاً أعجب إلي منها، فأردت أن أتصدق بها؟ فقال رسول الله ﷺ : احبس أصلها، وسبل ثمرتها". وفي أخرى (٢) نحوه، وفيها "كان لي مائة رأس، فاشتريت بها مائة سهم بخيبر من أهلها، وإني قد أردت أن أتقرب بها إلى الله .. وذكر الحديث". وفي أخرى (٣) قال: "سألت رسول الله ﷺ عن أرض لي بثمغ؟ قال: احبس أصلها، وسبل ثمرتها". ٣٦١٧ - * روى الستة عن ابن عمر: أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ وقال

стр. 2355

يا رسول الله أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه فكيف تأمرني به فقال: "إن شئت حبست من أصلها وتصدقت بها" فتصدق بها عمر أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، للفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل. زاد في رواية (١). "والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متأثل مالاً". ٣٦١٨ - * روى أبو داود عنيحيى بن سعيد نسخ لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر صدقة عمر. بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتب عبد الله في ثمغ، بنحو حديث ابن عمر. وفيه: فما عفي عنه من ثمرة فهو للسائل والمحروم وإن شاء والي الثمغ اشترى من ثمره رقيقاً لعمله وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين أنه إن حدث به حدث أن ثمغاً وحرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة السهم التي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو القربى أو ذو الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذي القربى ولا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقاً منه. ٣٦١٩ - *روى ابن خزيمة عن ابن عمر: أن عمر استأمر النبي ﷺ في صدقته، فقال: "احبس أصلها وسبل ثمرتها". فقال عبد الله: فحبسها عمر على السائل والمحروم وابن السبيل وفي سبيل الله وفي الرقاب والمساكين وجعل منها يأكل ويؤكل غير متأثل مالاً.

стр. 2356

أقول: عنون ابن خزيمة لعدد من الأبواب رجح فيها وجهة نظر في بعض مسائل الأوقاف مما اختلف فيه الفقهاء وها نحن ننقل لك ما ذكره تحت هذه العناوين: (١) (باب ذكر الدليل على أن قوله تصدق بها على الفقراء والقربى إنما أراد: تصدق بأصلها حبساً، وجعل ثمرها مسبلة على من وصفهم من الفقراء، والقربى، ومن ذكر معهم، مع الدليل على أن الحبس إذا لم يخرجه المحبس من يده كان صحيحاً جائزاً، إذ لو كان الحبس لا يصح إلا بأن يخرجه المحبس من يده لكان المصطفى ﷺ يأمر عمر لما أمر بهذه الصدقة أن يخرجها من يده، والنبي ﷺ قد أمر- في خبر يزيد بن زريع- أن يمسك أصلها فقال: "إن شئت أمسك أصلها وتصدق بها". ولو كان الحبس لا يتم إلا بأن يخرجه المحبس من يده لما أمر المصطفى ﷺ الفاروق بإمساك أصلها). (٢) (باب إجازة الحبس على قوم موهومين غير مسمين، وفي سبيل الله، وفي الرقاب، وفي الضيف من غير اشتراط حصة سبيل الله وحصة الرقاب وحصة الضيف منها، وإباحة اشتراط المحبس للقيم بها الأكل منها بالمعروف من غير توقيت طعام بكيل معلوم أو وزن معلوم، واشتراطه إطعام صديقه إن كان له من غير ذكر قدر ما يطعم الصديق منها). (٣) (باب إباحة الحبس على من لا يحصون لكثرة العدد، والدليل على أن الحبس إذا كان على قوم لا يحصون عدداً لكثرتهم جائز أن تعطى منافع تلك الصدقة بعض أهل تلك الصفة، ضد قول من زعم أن الوصية إذا أوصى بها لقوم لا يحصون لكثرة عددهم أن الوصية باطلة غير جائزة على اتفاقهم معنا أنه إذا أوصى للمساكين والفقراء بثلثه أو ببعض ثلثه أن الوصية جائزة ولو أعطى وصية بعض الفقراء أو بعض المساكين أو جميع المساكين وجميع الفقراء لا يحصون كثرة). ٣٦٢٠ - * روى البخاري عن أسلم أنه سمع عمر يقول: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس بباناً ليس لهم من شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم

стр. 2357

رسول الله ﷺ خيبر ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها. أقول: في هذا النص إشارة إلى ما فعله عمر في أرض سواد العراق حيث جعل رقبتها للمسلمين وأبقاها بيد أصحابها يعملون فيها على أن يؤدوا خراجها. ٣٦٢١ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بصدقة، فقيل، منع ابن جميل وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد: فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، والعباس بن عبد المطلب، عم رسول الله ﷺ : فهي عليه صدقة، ومثلها معها". وفي رواية: "هي علي، ومثلها معها". هذا النص أصل في جواز وقف المنقول من خيل وسلاح وغير ذلك وهو دليل لمن ذهب إلى جواز ذلك كالمالكية ومحمد من الحنفية. ٣٦٢٢ - *روى ابن خزيمة عن أم معقل قالت: تجهز رسول الله ﷺ للحج وأمر الناس أن يتجهزوا معه، قالت: وخرج رسول الله ﷺ وخرج الناس معه، فلما قدم جئته. فقال: "ما منعك أن تخرجي معنا في وجهنا هذا يا أم معقل؟ " قلت يا رسول الله: لقد تجهزت فأصابتنا هذه القرحة، فهلك أبو معقل، وأصابني منها سقم، وكان لنا حمل نريد أن نخرج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله، قال: "فهلا خرجت عليه فإن الحج في سبيل الله". هذا النص دليل آخر لمن ذهب إلى جواز وقف المنقول عامة والجمال خاصة.

стр. 2358

مسائل وفوائد يصح وقف الحلي للبس والإعارة لأنه عين يمكن الانتفاع بها دائماً فصح وقفها كالعقار. ومالا ينتفع به إلا بالإتلاف مثل الدنانير (النقود) وما ليس بحلي والمأكول والمشروب والشمع وأشباهه لا يصح وقفه في قول عامة الفقهاء ولكنه يكون صدقة ولا يسمى وقفاً. لا يشترط كون الموقوف معلوماً للواقف، فيصح وقف ما لم يره، كما أبان الشافعية. يصح وقف الماء ويصح وقف دهن للمسجد ليوقد فيه لأن تنوير المسجد مندوب إليه، وكل خير إذا لم يعتبر وقفاً يكون صدقة. ذهب الحنفية إلى أنه يصح الوقف على معلوم أو معدوم، مسلم أو ذمي أو مجوسي، على الأصح. اتفق الشافعية والحنابلة مع رأي المالكية على أن الموقوف يصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقرب الناس إلى الواقف، والراجح لدى الحنابلة والشافعية: أنه يختص صرف الوقف حينئذ بالفقراء من أقارب الواقف. المقرر شرعاً: أن الشهادة إحدى طرق إثبات الوقفية ويشترط في ادعاء الوقف: بيان الوقف ولو كان قديماً ويقبل في إثباته الشهادة على الشهادة وشهادة النساء مع الرجال والشهادة بالشهرة والتسامع بأن يقول الشاهد أشهد بالتسامع وتقبل شهادة التسامع لبيان المصرف كقولهم على مسجد كذا ولبيان مستحقين ولا تقبل لإثبات شرائطه في الأصح، أما صك الكتابة وحده، فلا يصلح حجة لأن الخط يشبه الخط. -يكره- على الراجح- كراهة تنزيه، الوقف على البنين دون البنات لأنه يشبه عمل الجاهلية من حرمان البنات من إرث أبيهن، فإن حدث الوقف نفذ ولم يفسخ على الأصح إذا لم يكن في مرض الموت. - ويكره اتفاقاً هبة الرجل لبعض ولده: ماله كله أو جله. وكذا يكره أن يعطي ماله

стр. 2359

كله لأولاده، ليقسم بينهم بالسوية بين الذكور والإناث. فإن قسمه بينهم على قدر مواريثهم، فهو جائز ويصح الوقف بالاتفاق على العكس وهو وقفه على بناته دون بنيه. قال المالكية والحنابلة والشافعية عن زكاة الموقوف: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم فحصل لبعضهم من ثمر الشجر أو حب الأرض نصاب وهو خمسة أوسق فعليهم الزكاة، لأنهم يملكون الناتج. وإذا صار الوقف للمساكين فلا زكاة فيه. إذا انهدم وقف، ولم يكن له شيء يعمر منه ولا أمكن إجارته ولا تعميره، هل تباع أنقاضه من حجر وطوب وخشب؟ صح بيعه بأمر الحاكم ويشترى بثمنه وقف مكانه فإذا لم يكن الشراء رده إل ورثة الواقف إن وجدوا، وإن لم يوجدوا يصرف للفقراء. والبيع مبني على قول أبي يوسف والرد إلى الورثة أو إلى الفقراء قول محمد. إذا جعل الباني بدون اعتراض أهل المحلة شيئاً من الطريق مسجداً لضيقه، ولم يضر بالمارين، جاز لأنهما للمسلمين ويجوز للإمام جعل الطريق مسجداً، لا عكسه، لجواز الصلاة في الطريق ولا يجوز أن يتخذ المسجد طريقاً. وظيفة الناظر: عند التفويض العام له حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه والمخاصمة فيه، وتحصيل الغلة من أجرة أو زرع أو ثمر، وقسمتها بين المستحقين، وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط لأنه المعهود في مثله، وعليه الاجتهاد في تنمية الموقوف وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق، ويقبل قوله فيما ذكر إن كان متبرعاً فإن لم يكن متبرعاً لم يقبل عند الحنابلة قوله إلا ببينة. وإن كان الناظر مقيداً بشيء تقيد به. وإذا عمل الناظر أثناء عمارة الوقف فيأخذ كما قال الحنفية: "قدر أجرته وذكروا أيضاً أنه يراعي شرط الواقف في إجارته وغيرها لأن شرط الواقف كنص الشارع. يفتى عند الحنفية في إجارة الوقف بمدة السنة في الدار، وبثلاث سنين في الأرض إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك، بحسب الزمان والموضع، فهو أمر يختلف باختلاف الموضع واختلاف الزمان، والفتوى عندهم على إبطال الإجارة الطويلة في الأوقاف وأرض اليتيم وأرض بيت المال ولو بعقود مترادفة، كل عقد سنة لتحقق محذور وهو أن طول المدة يؤدي

стр. 2360

إلى إبطال الوقف. ولكن هذا عند عدم الحاجة، فإذا اضطر إليها لحاجة عمارة الوقف بتعجيل أجرة سنين مقبلة، يزول المحذور الموهوم عند وجود الضرر المتحقق. مذهب الشافعية: إذا أجر الناظر الموقوف على غيره بدون أجرة المثل لا يصح وعلى المستأجر أجر المثل. وقد اتفق الفقهاء على أن شرط الواقف كنص الشارع واختلفوا في مدلولها ومداها. ورتب الحنفية على هذه القاعدة: أن كل ما خالف شرط الواقف فهو مخالف للنص، والحكم به حكم بلا دليل سواء أكان كلام الواقف نصاً أو ظاهراً، لأنه يجب اتباعه عملاً بقول المشايخ: شرط الواقف كنص الشارع ويراعى شرط الواقف في إجارة الموقوف. لا يحل بيع المساجد بالإجماع، قال المالكية: يجوز في العروض والحيوان إذا ذهبت منفعتها، كأن يهرم الفرس ويخلق الثوب، بحيث لا ينتفع بها، يجوز بيعها وصرف ثمنها في مثلها إذا كانت موقوفة. مذهب الشافعية في بيع الموقوف: قال الشافعية: إذا انهدم مسجد أو خرب وانقطعت الصلاة فيه وتعذرت إعادته أو تعطل بخراب البلد مثلاً، لم يعد إلى ملك أحد ولم يجز التصرف فيه بحال بيعاً أو غيره، لأنه ما زال الملك فيه لحق الله تعالى فلا يعود الملك فيه لأحد من المخلوقين بالاختلال، وتصرف غلة وقفه لأقرب المساجد إليه إذا لم يتوقع عوده وإلا حفظ. والأصح جواز بيع حصر المسجد الموقوفة إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق، لئلا يضيع ويضيق المكان بها من غير فائدة، فتحصيل نزر يسير من ثمنها يعود إلى الوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل تصفيتها تحت بيع الوقف، لأنها صارت في حكم المعدومة، ويصرف ثمنها في مصالح المسجد. فإن صلحت لغير الإحراق كاتخاذ ألواح أو أبواب منها، فلا تباع قطعاً، والأصح جواز بيع نخلة موقوفة جفت إذا لم يمكن الانتفاع بجذعها بإجارة وغيرها وبهيمة زمنت، لأن ما لا يرجى منفعته، فبيعه أولى.

стр. 2361

خاتمة إن فقه الزكاة والأوقاف والصدقات من أهم فقه المال في الإسلام، ولو وجد صدق نية، وكثرة اطلاع على كلام الفقهاء، وسعة أفق في التطبيق لأمكن من خلال نظام الزكوات والصدقات والأوقاف أن تحل الكثير من مشكلات الأمة الإسلامية، والأمل بالله كبير أن يوجد هذا كله، ونسأل الله التوفيق.

стр. 2362

الجزء السادس في الصيام والاعتكاف وإحياء ليلة القدر وصلاة التراويح وفي الفطر وفيه مقدمة وأبواب

стр. 2363

المقدمة من الملاحظ أن العبادات الرئيسية في الإسلام تأخذ حجماً كبيراً من تعاليمه، وذلك لأنها المراد الأكبر من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام فقد خُلِقَ الخلقُ من أجل العبادة قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). ولذلك كان العكوف على دراستها والقيام بها من أعظم ما يطالب به الخلق. ومن الملاحظ أن العقائد أخذت الحيز الأكبر من القرآن الكريم بينما العبادات الرئيسية أخذت الحيز الأكبر من السنة النبوية، وذلك أن العبادات تحتاج إلى تفصيل نظري وعملي، والسنة هي التي تقوم بهذا التفصيل مع ملاحظة أن القرآن الكريم ذكر العبادات الرئيسية كلها وفصّل في أهم قضاياها. أما العقائد فقد كان تفصيله لها أوسع لتكون الحجة على الخلق فيها أتم، ولأنها هي بداية التوجه الصحيح نحو الله . لقد ذُكِرت فرضية صوم رمضان في القرآن الكريم وذكرت الحكمة في ذلك وأنها الوصول إلى تقوى الله ، فصوم رمضان عامل كبير من عوامل تحقق الإنسان بالتقوى ولذلك لم تَخْلُ شريعة منه وقد فصلنا ذلك في كتاب (الأساس في التفسير)، وقد ذكر القرآن الكريم ركن الصوم وهو الإمساك من طلوع الفجر حتى غياب الشمس كما ذكر المحظورات فيه، وذكر التدرج في تشريع الصوم حتى استقر على ما استقر عليه لأنه عبادة شاقة كانت جديدة على العرب المخاطبين الأول بهذا القرآن. وإذا كانت الحكمة من تشريع الصوم هي الوصول إلى التقوى فقد شُرِع فيه كل ما يساعد عليها فسنت فيه صلاة التراويح وتلاوة القرآن والإنفاق في سبيل الله سوُنَّ الاعتكاف وختمت مطلوباته بصدقة الفطر لتكون كفارة للصائم مما يمكن أن يكون قد ألم بصومه، كما شرعت له؛ وفيه دعوات وأذكار، وأكدت على الصائم التزامات هي مطلوبة منه في الأصل ولكنها تزداد فيه تأكيداً من مثل ضبط اللسان والجوارح على مقتضى أمر الله .

стр. 2364

وقد شرع فيه ما يعين عليه كالسحور، وبعض هذه الموضوعات جاءت في سياقات من هذا الكتاب كالتراويح وتلاوة القرآن والإنفاق وبعض سنن الرسول ﷺ فيه. وإن من المعالم البارزة في شهر رمضان: صيامه وقيامه، وعن فكرة القيام وجدت صلاة التراويح، كما أن من معالمه الاعتكاف وتحري ليلة القدر ومن معالمه أن يختم بصدقة الفطر، وقد كنا ذكرنا في جزء الصلاة ما له علاقة بصلاة التراويح وما استقر عليه العمل عند المسلمين في شأنها ولكنا نشير إلى ما لابد منه هنا. وإذا قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (١) فقد فهم المسلمون من ذلك كما علموا من سنته ﵊ أن يعطوا للقرآن مزيد اهتمام في رمضان تلاوة ومدارسة وتدريساً وقد مر معنا ذلك في أكثر من مكان في هذا الكتاب وتخصيصنا هذا الجزء للصوم والاعتكاف وصدقة الفطر واضح الحكمة فالصلة بين الصوم وصدقة الفطر واضحة، لأن صدقة الفطر شرعت جبراً لصيام رمضان وتحقيقاً لبعض المقاصد، لذلك جعلناها في هذا الجزء وأخرجناها عن جزء الصدقات والزكوات مع أنها صدقة ولكنا وجدنا أنها ألصق بهذا الجزء، والاعتكاف وإن كان مشروعاً في رمضان وغيره لكنه ارتبط برمضان لأن السنة الأغلبية لرسول الله ﷺ إجراؤه في رمضان، وجرت عادة المسلمين في الغالب على ذلك حتى إذا ذكر الاعتكاف يتبادر للذهن مباشرة أن المراد به اعتكاف رمضان. ولهذا كان الفقهاء المصنفون يُتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم فإنه نبَّهَ على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام كما ثبت في السنة عن رسول الله ﷺ . لذلك جعلناه في هذا الجزء كذلك. إنه كما كان في رمضان بدء تنزل القرآن وذلك يجدد في المسلم الرغبة في أن يحيي الإسلام في نفسه وعند غيره، فإن كثيراً من معالم التاريخ الإسلامي تحددت في رمضان، وهذا يجعل رمضان شهر الأمل والعمل، إن شهر رمضان سيد الشهور. فيه بدأ نزول القرآن، وهو شهر الطاعة والقربة والبر والإحسان وشهر المغفرة والرحمة والرضوان، وبه عون المؤمن

стр. 2365

على أمر دينه. وطلب إصلاح دنياه، وهو موسم تكثر فيه مناسبات إجابة الدعاء، والصيام فيه طاعة لله تعالى يثاب فيها المسلم ثواب الصابرين، فالصوم نصف الصبر، وكما أنه كذلك فهو كفارة للذنوب من عام لآخر، والصوم يحقق التقوى، والصوم مدرسة خُلُقية كبرى يتدرب فيها المؤمن على خصال كثيرة، فهو جهاد للنفس، ومقاومة للأهواء ونزغات الشيطان التي قد تلوح له ويتعود به الإنسان خلق الصبر على ما قد يُحرم منه، وعلى الأهوال والشدائد التي قد يتعرض لها. والصوم يعلم الأمانة والمراقبة في السر والعلن، إذ لا رقيب على الصائم في امتناعه عن الطيبات إلا الله وحده، والصوم يقوي الإرادة، ويشحذ العزيمة، ويساعد على صفاء الذهن، واتقاد الفكر، والصوم يشعر بوحدة المسلمين الحسية في المشارق والمغارب لأن ربهم واحد، وعبادتهم موحدة، وينمي الصوم في الإنسان عاطفة الرحمة والأخوة والشعور برابطة التضامن والتعاون التي تربط المسلمين فيما بينهم، والمساهمة في القضاء على غائلة الفقر والجوع والمرض، فتتقوى أواصر الروابط الاجتماعية بين الناس، والصوم يجدد حياة الإنسان بتجدد الخلايا وطرح ما شاخ منها وإراحة المعدة وجهاز الهضم، وحمية الجسد، والصيام جهاد للنفس وتخليصها مما علق بها من شوائب الدنيا وآثامها وكسر حدة الشهوة والأهواء وتهذيبها وضبطها في طعامها وشرابها. والناس في الصوم درجات فمنهم من يصوم عن شهوتي البطن والفرج، ومنهم من يصيم مع ذلك كل جوارحه عن الآثام، ومنهم من يملأ أيام الصوم بالفكر والذكر والعمل الصالح. وقد جعلنا هذا الجزء في ثلاثة أبواب رئيسة: الباب الأول: في الصيام. الباب الثاني: في الاعتكاف وليلة القدر وساعة الاستجابة كل ليلة وقيام رمضان وصلاة التراويح. الباب الثالث: في صدقة الفطر.

стр. 2366

الباب الأول في الصيام وفيه عرض إجمالي وفصول

стр. 2367

عرض إجمالي صوم رمضان أحد الأركان الخمسة في الإسلام وإذا كان كل ركن يقوم عليه من الإسلام ما يناسبه، فمثلاً الزكاة هي الركن في نظام الإسلام الاقتصادي، فالصوم هو الركن في ضبط النفس وشهواتها على مقتضى أمر الله . إن شهوة البطن والفرج هما أعتى شهوتين تغلبان الإنسان، وبالصيام يسيطر الإنسان على هاتين الشهوتين تحقيقاً لأمر الله بالإمساك عنهما فترة الصوم، وعندما يسيطر المسلم عليهما- وهما ما هما في الشدة- فإن قدرته على السيطرة على غيرهما أشد، ولذلك أُدِّبَ الصائم على السيطرة عليهما وعلى غيرهما من شهوات النفس كمقابلة السيئة بمثلها وإلجام اللسان عما لا ينبغي وعن الغضب والانتصار للنفس إلى غير ذلك. وكما أن الصلوات فريضة ونافلة، والصدقات منها الفرائض والنوافل، والحج منه الفريضة ومنه النافلة، فإن الصوم منه الفريضة كصوم رمضان والوفاء بالنذر ومنه النافلة، وها نحن نعرض لك مسائل الصوم عرضاً إجمالياً ثم نبدأ بعرض النصوص: لرمضان في قلب المسلم وفي تاريخ الأمة الإسلامية مكانة خاصة، لذلك يتغنى به الشعراء ويتشوق له العُبَّاد ويحرك في قلب المسلم أعظم الهمم لتحقيق أعلى المقامات وأرقى الأهداف. فقد نزل القرآن في رمضان وكانت فيه معركة بدر الكبرى وفتح مكة، وكثير من أحداث السيرة المهمة، وقد حدثت فيه معركة الزلاقة يوم الجمعة في ٢٥ رمضان ٤٧٩ هجرية، وهي المعركة التي أوقفت سقوط الأندلس أكثر من ٤٠٠ عام، وكانت بقيادة يوسف بن تاشفين ﵀، ومن قبل كان فتح الأندلس في رمضان وفيه كانت موقعة عين جالوت قريباً من نابلس الحالية في فلسطين التي انتصر فيها المسلمون على المغول الانتصار الذي كان بداية النهاية للزحف المغولي. والصوم شرعاً: هو الإمساك نهاراً عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس مع النية، والبلاد التي يدوم فيها الليل أو النهار، أو يكون فجرها هو غروب الشمس، يُقَدَّر وقت الصوم فيها بحسب أقرب البلاد منها، التي فيها ليل ونهار متميزان.

стр. 2368

وصوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام، وفرض من فروضه بإجماع المسلمين، وعلى من أفطر في رمضان بعذر أن يقضي ما أفطر إن قدر، وستأتي معنا تفصيلات ذلك، فصوم رمضان أداءً وقضاءً من الفرائض، وهناك صوم الكفارات وهي من الفرائض على تفصيل، ومن الصوم المفروض صومه صوم النذر، وهناك صوم مسنون أو مندوب أو مستحب ومن ذلك: صوم عاشوراء مع يوم قبله أو بعده، ولم يشترط بعضهم أن يصام معه، ومن ذلك أن يصوم الإنسان يوماً ويفطر يوماً سوى رمضان وسوى الأيام التي يحرم صيامها ومن ذلك صيام أيام البيض أي: ١٣ - ١٤ - ١٥ - من كل شهر قمري فإن لم يتيسر هذا فصيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر، ومن ذلك صوم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، وصوم ستة أيام من شوال ولو متفرقة، ومن ذلك صوم يوم عرفة لغير الحاج، وصوم الثمانية أيام من ذي الحجة قبل يوم عرفة للحاج وغيره. واستحب المالكية والشافعية: صيام الأشهر الحرم وهي أربع: ثلاثة متوالية وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد منفرد وهو رجب، ويستحب الإكثار من صوم شعبان، ولا يكره صوم الدهر كله عند الحنابلة إذا لم يصم الأيام المنهي عن صومها إلا إذا خاف ضرراً أو فوت حق. ومن شرع في صوم مندوب فقد وجب عليه أن يتمه عند الحنفية والمالكية وإذا أفطر لعذر أو لغير عذر فقد وجب عليه قضاؤه. وقال الشافعية والحنابلة لا يجب عليه الاستمرار فيه ولكن يستحب له الإتمام إذا شرع فيه. ويحرم صوم يومي عيد الفطر والأضحى وأيام التشريق الثلاثة بعد عيد الأضحى، ويحرم صوم الحائض والنفساء ولا ينعقد، ويحرم صيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه، ويكره عند الحنفية أن تصوم المرأة نفلاً بغير إذن زوجها أو علمها برضاه إلا إذا كان غائباً أو محرماً بحج أو عمرة أو معتكفاً، وللزوج أن يفطرها إذا صامت نفلاً بغير إذنه. ويكره تحريماً صوم يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يعرف أنه من رمضان، وأجاز الحنفية صومه نفلاً، فإن ظهر أنه من رمضان؛ وقع عندهم عن رمضان. وحرم الشافعية صوم النصف الأخير من شعبان لمن لم يكن له عادة في صيام وأجازوا صومه لقضاء أو كفارة.

стр. 2369

ومن الصوم المكروه تنزيهاً إفراد يوم الجمعة والأحد بالصوم، والراجح عند المالكية عدم كراهته، ومن المكروه تنزيهاً إفراد يوم السبت وإفراد يوم عاشوراء، وصيام يومي النيروز وهو في أوائل الربيع، والمهرجان وهو في أوائل الخريف، ويكره تنزيهاً صوم الصمت وصوم الوصال وهو أن يواصل بين يومين أو أكثر بلا فطر، ويكره صوم المسافر إذا أجهده الصوم، ومن صام مع يوم الجمعة يوماً قبله أو بعده انتفت الكراهة. ويكره عند المالكية صوم يوم مولد النبي ﷺ لأنه شبيه بالأعياد، ويكره عند الشافعية صوم المريض والمسافر والحامل والمرضع والشيخ الكبير إذا خافوا مشقة كبيرة. ولا يجب الصيام إل على مسلم عاقل بالغ قادر مقيم، ويؤمر به الصبي عند الشافعية والحنفية والحنابلة وهو ابن سبع سنين، ويضرب عليه إذا بلغ عشراً، وقال المالكية لا يؤمر الصبيان بالصوم إلا إذا احتلم الغلام وحاضت الفتاة أو إذا دخلوا في طور التكليف. وعند الحنفية لابد من تبييت النية وتعيينها قبل الفجر في صيام القضاء والنذر غير المعين، وصوم الكفارات، وصوم التمتع والقران، وأما صيام رمضان وصيام التطوع والنذر المعين؛ فيصح بنية من الليل إلى ما قبل نصف النهار، والنهار عندهم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فإذا وقعت النية قبل منتصف هذا الوقت جاز صيام ما ذكرناه عندهم. ولا يشترط في النية التلفظ، وأي فعل يدل على نية الصوم كالسحور يعتبر نية، ويستحب للصائم السحور على شيء وإن قلّ ولو جرعة ماء، ويستحب تأخير السحور لآخر الليل، ويستحب تعجيل الفطر عند تيقن الغروب وقبل الصلاة، ويندب أن يكون على رطب فتمر فحلو فماء، وأن يكون وتراً، ويستحب للصائم الدعاء عقب الفطر، ويستحب للمسلم تفطير الصائمين إذا حان وقت الإفطار، ويستحب الاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس قبل الفجر إذا طهرت الحائض أو النفساء ليلاً. وتستحب التوسعة على العيال والإحسان إلى الأرحام، والإكثار من الصدقة والاشتغال بالعلم وتلاوة القرآن ومدارسته، والأذكار، ويُسنُّ الاعتكاف وتحري ليلة القدر، وتستحب صلاة التراويح وقيام الليل وكف اللسان والجوارح عن فضول الكلام والأفعال، ويستحب ألا يتوسع في الشهوات المباحة، وألا يفعل ما يضعفه كإعطاء الدم مثلاً والحجامة.

стр. 2370

وإذا كان المسلم يحرص على ترك الحرام في غير رمضان فإنه في رمضان أشد حرصاً، ويكره للصائم ذوق شيء أو مضغه بلا عذر، والقبلة ومقدمات الإثارة إن لم يأمن على نفسه، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق. ومن الأعذار المبيحة للفطر: السفر المبيح لقصر الصلاة الرباعية، ولا يحق له عند الجمهور أن يُفطر في اليوم الأول إلا إذا تلبس بالسفر قبل طلوع الفجر ووصل إلى مكان يبدأ فيه جواز القصر وهو مجاوزة البيوت ومرافق البلد قبل الفجر، ولم يشترط الحنابلة ذلك. وله حق الفطر ما دام يعتبر مسافراً شرعاً على خلاف بين الفقهاء في حد السفر. ومن الأعذار المبيحة للفطر: المرض على تفصيلات عند الفقهاء في وصف المرض المبيح للفطر. ومن المبيحات للفطر: الجهاد سواء كان هناك التحام أو يتوقع الالتحام، ومن المبيحات: الحمل والرضاعة إذا خافت الحامل أو المرضع على نفسها أو رضيعها على تفصيل في الخوف المعتبر، ومن المبيحات عدم القدرة على الصيام بسبب الهرم، ومن المبيحات خشية الصائم على نفسه الهلاك أو الإغماء أو ذهاب بعض الحواس، ومن المبيحات الإكراه بشروطه. وقال جمهور الفقهاء: إنه يجب على صاحب العمل الشاق أن يتسحر وينوي الصوم، فإن حصل له ما يخاف منه الضرر جاز له الفطر فإن تحقق الضرر وجب الفطر، وقال الحنابلة: لا يأثم بالفطر من احتيج إليه لإنقاذ آدمي معصوم من مهلكة كغرق ونحوه إذا أدى الإنقاذ إلى فطره. والأعذار المبيحة للفطر منها ما يوجب القضاء فقط، ومنها ما يوجب الفدية إذا أمكن ذلك، وهناك إفطار الناسي وهذا لا يوجب قضاءً، ولا يؤثر على الصوم، وهناك إفطار المخطئ كأن تمضمض الإنسان فوصل شيء من الماء إلى جوفه دون قصد ففيه خلاف، هل يفسد الصوم أو لا يفسده، وهل يجب القضاء أو لا يجب، وإن كان الجميع متفقين أن لا إثم، ولكن صاحب ذلك وقع في المكروه لأنه بالغ في المضمضة، وهناك الإفطار الذي يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط، وصاحبه آثم، وهناك الإفطار الذي يفسد الصوم ويجب فيه القضاء مع الكفارة، والإثم فيه كذلك حاصل، وكل ذلك فيه تفصيلات، وبعض المسائل محل إجماع عند الفقهاء، وبعضها محل اختلاف، وسيمر معنا أثناء عرض النصوص وعرض المسائل والفوائد ما تكثر الحاجة إلى معرفته ويكثر الابتلاء فيه، وإلى فصول هذا الباب.

стр. 2371

الفصل الأول في فضل الصيام وبعض آدابه وأحكامه العامة

стр. 2372

- الصوم لله وهو يجزي به: ٣٦٢٣ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك". وفي رواية (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عن الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه". وللبخاري (٢) عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم- قال: "لكل عمل ابن آدم كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".

стр. 2373

- لماذا كان الصوم لله وهو يجزي به مع العلم أن العبادات كلها لله وثوابها يعود على فاعلها ؟ لقد ذكر الأئمة في بيان هذا المعنى فروقاً دقيقة بين الصوم وغيره من العبادات منها: ١ - أن العبادات غير الصوم أفعال ظاهرة قد يدخلها الرياء أما الصوم فإنما هو ترك وكف فليس بظاهر. ٢ - أن الصوم من الأعمال التي لم يحدد لها أجر محدد. ٣ - إن الصوم من العبادات التي لم يعبد بها غير الله. انظر (طرح التثريب ٢/ ١٠٢). ٣٦٢٤ - * روى ابن خزيمة عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : "من جهز غازياً، أو جهَّز حاجاًّ، أو خلفه في أهله، أو فطَّر صائماً كان له مثل أجورهم من غير أن ينتقص من أجورهم شيء". ٣٦٢٥ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر، قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع الطعام والشراب وشهوته من أجلي". - الصوم عتق من النار: ٣٦٢٦ - * روى ابن ماجه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله عند كل فطر عتقاء. وذلك في كل ليلة". - حفظ الصوم للصائم: ٣٦٢٧ - * روى النسائي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله

стр. 2374

صلى الله عليه وسلم: "الصوم جُنَّة". ٣٦٢٨ - * روى النسائي عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الصوم جُنَّة، ما لم يخرقها". ٣٦٢٩ - * روى النسائي عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصيام جُنَّة كجُنَّة أحدكم من القتال". ٣٦٣٠ - * روى أحمد عن جابر عن نبي الله ﷺ قال: "قال الله: الصيام جُنَّة يستجن بها العبد من النار، هو لي وأنا أجزي به". ٣٦٣١ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي أختصي، فقال رسول الله ﷺ : "خصاء أمتي الصيام والقيام". - شفاعة الصوم: ٣٦٣٢ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان يوم القيامة للعبد، يقول الصيام أي رب: منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه ويقول القرآن: منعته النوم باليل فشفعني فيه قال: فيشفعان له". - طيب الصائم والصوم: في هذا الفصل أحاديث عن طيب خلوف فم الصائم وردت في سياقاتها ونورد هذا الحديث هنا:

стр. 2375

٣٦٣٣ - * روى ابن خزيمة عن الحارث الأشعري: أن رسول الله ﷺ ، قال: "إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فكأنه أبطأ بهن، فأتاه عيسى، فقال: إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن. فإما أن تخبرهم، وإما أن أخبرهم. فقال: يا أخي لا تفعل، فإني أخاف أن تسبقني بهن ,أن يخسف بي أو أعذب. قال: فجمع بني إسرائيل ببيت المقدس حتى امتلأ المسجد، وقعدوا على الشرفات، ثم خطبهم، فقال: إن الله أوحى إلي بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن. أولهن: أن لا تشركوا بالله شيئاً، فإن مثَلَ من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق ثم أسكنه داراً، فقال: اعمل وارفع إلي، فجعل يعمل ويرفع إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك، فإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئاً. وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده ما لم يلتفت: وآمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة مسك كلهم يحب أن يجد ريحها، وإن الصيام أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقربوه ليضربوا عنقه، فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم، وجعل يعطي القليل والكثير، حتى فدى نفسه. وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذكر الله كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره حتى أتى حصناً حصيناً فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلك: "وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن، الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإيمان والإسلام من رأسه، إلا أن يراجع، ومن ادعى دعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم. قيل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى. تداعوا بدعوى الله الذي سماكم بها المؤمنين

стр. 2376

المسلمين عباد الله". - عظم أجر الصوم: ٣٦٣٤ - * روى النسائي عن أبي أمامة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، مُرني بأمر ينفعني الله به، قال: "عليك بالصيام، فإنه لا مثل له". وفي رواية (١) أنه سأله: أي العمل أفضل؟ فقال: "عليك بالصوم، فإنه لا عِدْلَ له". وفي أخرى (٢): قال: قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: "عليك بالصوم، فإنه لا عِدلَ له، قلت: يا رسول الله مرني بعمل، فقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له". ٣٦٣٥ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صام يوماً في سبيل الله زحزحه الله عن النار سبعين خريفاً" وفي رواية (٣) "أربعين".

стр. 2377

٣٦٣٦ - * روى الشيخان عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً". ٣٦٣٧ - * روى الترمذي عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض". ٣٦٣٨ - * روى النسائي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام". - باب الريان للصائمين: ٣٦٣٩ - * روى الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد". وفي رواية (١): "إن في الجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون".

стр. 2378

وعند الترمذي (١) قال: "في الجنة باب يدعى له الصائمون، فمن كان من الصائمين دخله لم يظمأ أبداً" وأخرج النسائي (٢) الرواية الأولى. - مغفرة ذنوب الصائمين: ٣٦٤٠ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وللبخاري (٣) "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وفي رواية (٤) الترمذي "من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وأخرج النسائي (٥) رواية البخاري، زاد أحمد (٦): وما تأخر. - فتح أبواب السماء وإغلاق أبواب جهنم وتصفيد الشياطين: ٣٦٤١ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل رمضان فتِّحت أبواب السماء، وأغلقت أبواب جهنم، وسلسلت

стр. 2379

الشياطين" وفي رواية (١): "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة" وفي أخرى (٢) "فتحت أبواب الرحمة". وفي أخرى (٣) للنسائي قال: "كان رسول الله ﷺ يُرغِّبُ في قيام رمضان، من غير عزيمة ... وذكر الحديث". وفي أخرى (٤) له قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حُرم". وفي رواية (٥) الترمذي: "إذا كان أول ليلة من رمضان: غلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير هلم وأقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله فيه عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة، حتى ينقضي رمضان". ٣٦٤٢ - * روى النسائي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هذا رمضان قد جاءكم، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتسلسل فيه الشياطين". ٣٦٤٣ - * روى النسائي عن عرفجة ﵀ قال: "عدنا عتبة بن فرقد، فتذاكرنا شهر رمضان، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: شهر رمضان فقال: سمعت رسول الله

стр. 2380

صلى الله عليه وسلم يقول: "تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، فينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر". وفي رواية (١) قال: "كنت في بيت عتبة بن فرقد، فأردت أن أتحدث بحديث، وكان رجل من أصحاب النبي ﷺ أولى بالحديث، فحدث الرجل عن النبي ﷺ قال: في رمضان ... وذكر الحديث" وفيه: "يصفد فيه كل شيطان مريد، وينادي مناد، يا طالب الخير هلم، ويا طالب الشر أمسك". قال التوربشتي: الفتح: كناية عن تنزيل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول. والغلق: كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتملص من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات اهـ. وقال الطيبي فائدة فتح أبواب السماء: توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من الله بمنزلة عظيمة، ويؤيده حديث عمر "إن الجنة لتزخرف لرمضان .. ". "وسلسلت الشياطين": قيدت بالسلاسل حقيقة، والمراد مسترقو السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، أو هو مجاز على العموم. والمراد أنهم لا يصلون من إفساد المسلمين إلى ما يصلون غليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصوم الذي فيه قمع الشياطين، وإن وقع شيء من ذلك فهو قليل بالنسبة إلى غيره، وهذا أمر محسوس (شرقاوي: ٢/ ١٤٧). يبين ﷺ أن أوقات رمضان خير كلها! يغمر الصائم فيه بفضل الله تعالى، وإحاطته بدعاء الأبرار، وإزالة الأشرار عنه والإغواء والمردة الفسقة المضلين. اهـ. انظر الصيام وأحكامه: الشيخ وهبي الغاوجي (ص ١٢). وقال العيني في (شرح البخاري ١٠/ ٢٧٠) قوله ﷺ : "غلقت أبواب جهنم" لن الصوم جنة فتغلق أبوابها بما قطع عنهم من المعاصي وترك الأعمال السيئة المستوجبة للنار، ولقلة ما يؤاخذ الله تعالى العباد بأعمالهم السيئة ليستنقذهم منها ببركة الشهر، ويهب المسيء

стр. 2381

للمحسن، ويجاوز عن السيئات، وهذا معنى الإغلاق. فإن قلت: قد تقع الشرور والمعاصي في رمضان كثيراً فلو سلسلت الشياطين لم يقع شيء من ذلك؟! قلت: هذا في حق الصائمين الذين حافظوا على شروط الصوم وراعوا آدابه والمقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس. فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، وقيل لا يلزم من تسلسلهم وتصفيدهم كلهم أن لا تقع شرور ولا معصية، لأن لذلك أسباباً غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية. اهـ - حفظ الصوم من الشوائب ٣٦٤٤ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورُبَّ قائم حظه من قيامه السهر". ٣٦٤٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". ٣٦٤٦ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ : "لا تساب وأنت صائم، فإن سابك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس". ٣٦٤٧ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل

стр. 2382

عليك، فلتقل: إني صائم، إني صائم". أقول: النص جاء لتبيان أهمية ترك اللغو والرفث، وإلا فمن المعلوم أن من أركان الصوم ترك الطعام والشراب والجماع. ٣٦٤٨ - * روى النسائي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "الصيام جُنة من النار، فمن أصبح صائماً فلا يجهل يومئذ، وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه، وليقل: إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". - الإكثار من أعمال الخير في رمضان ٣٦٤٩ - * روى الشيخان عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة. قال ابن حجر (١/ ٣١) في الفتح: وقال النووي: في الحديث فوائد: منها الحث على الجود في كل وقت، ومنها الزيادة في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح. وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساوياً لفعلاه. فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ، قلنا الحفظ كان حاصلاً، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس، وأنه يجوز أن يقال رمضان من غير إضافة وغير ذلك مما يظهر بالتأمل. وانظر (شرح مسلم ١٥/ ٦٩). قال ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل

стр. 2383

يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة ﵂ اهـ. ٣٦٥٠ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ رقي المنبر، فقال: "آمين، آمين، آمين" فقيل له: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا؟! فقال: "قال لي جبريل: أرغم الله أنف عبد- أو بعد- دخل رمضان فلم يغفر له، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف عبد- أو بعُد- أدرك والديه أو أحدهما لم يدخله الجنة، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف عبد- أو بعد- ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك. فقلت: آمين". - ما يقول إذا دعي الصائم إلى طعام ٣٦٥١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى الطعام وهو صائم، فليقل: إني صائم". وفي رواية (١) "إذا دعي أحدكم إلى الطعام، فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليُصَلِّ". قال هشام: يريد: "فليدع لهم". - فضل المضيف الصائم وما يقول إذا قدَّم طعاماً: ٣٦٥٢ - * روى الترمذي عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية ﵂ "أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فقدمت إليه طعاماً، فقال لها: كلي، فقالت: إني صائمة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل طعامه حتى يفرغوا- وربما قال: حتى يشبعوا".

стр. 2384

وفي رواية (١) ليلى عن مولاتها: أن النبي ﷺ قال: "الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة". وفي أخرى (٢) نحو الأولى، ولم يذكر فيها (حتى يفرغوا، أو يشبعوا). ليلى: هي عتيقة أم عمارة، وأم عمارة: هي جدة حبيب بن زيد، راوي الحديث عن ليلى ولذلك قال في رواية "عن مولاة لنا". - السواك للصائم: ٣٦٥٣ - * روى أبو داود عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أُحصي". وعند الترمذي قال: "رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم". ٣٦٥٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "يستاك أول النهار الصائم وآخره". قال الحافظ في "الفتح": وصله ابن أبي شيبة عنه بمعناه، ولفظه: كان ابن عمر يستاك إذا أراد أن يروح إلى الظهر وهو صائم. ولا يوجد نص صحيح يدل على كراهية السواك بعد الزوال، والروايات التي أوردناها تتأيد ببعضها وقد قال الترمذي (٣/ ١٠٤) عند الحديث رقم: (٧٢٥): حديث عامر بن ربيعة حديث حسن. والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بالسواك للصائم بأساً. إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب وكرهوا له السواك آخر النهار. ولم ير الشافعي بالسواك بأساً أول النهار ولا آخره، وكره أحمد وإسحاق السواك آخر النهار. اهـ

стр. 2385

ومما يدل على جواز السواك للصائم مطلقاً الرواية التالية. ٣٦٥٥ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم؟ فقال: نعم. قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت إن شئت غدوة وإن شئت عشية. قلت: فإن الناس يكرهون عشية. قال: ولِمَ؟ قلت: يقولون: إن رسول الله ﷺ قال: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله"، قال: سبحان الله لقد أمرهم بالسواك حين أمرهم وهو يعلم أنه لابد أن يكون فم الصائم خلوف وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ما كان في ذلك من الخير شيء، بل هو شر، إلا من ابتلى ببلاء لم يجد منه بداً، قلت: والغبار في سبيل الله أيضاً كذلك إنما يؤجر من اضطر إليه ولا يجد عنه محيصاً؟ قال: نعم فأما من ألقى نفسه في البلاء عمداً فما له في ذلك من أجر. - المحافظة على السحور: ٣٦٥٦ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر". أي الفارق بين صيام أمة محمد ﷺ وصيام أهل الكتاب: السحور فإنه خاص بهذه الأمة. وأجمع العلماء على استحباب السحور، وفي السحور بركة لأنه يقوي على الصيام وينشط له، ويتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء وقت تنزل الرحمة. وسيرد معنا تفصيل أكثر في السحور.
следующие страницы →