للمحسن، ويجاوز عن السيئات، وهذا معنى الإغلاق.
فإن قلت: قد تقع الشرور والمعاصي في رمضان كثيراً فلو سلسلت الشياطين لم يقع شيء من ذلك؟! قلت: هذا في حق الصائمين الذين حافظوا على شروط الصوم وراعوا آدابه والمقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس. فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، وقيل لا يلزم من تسلسلهم وتصفيدهم كلهم أن لا تقع شرور ولا معصية، لأن لذلك أسباباً غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية. اهـ
- حفظ الصوم من الشوائب
٣٦٤٤ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورُبَّ قائم حظه من قيامه السهر".
٣٦٤٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
٣٦٤٦ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ : "لا تساب وأنت صائم، فإن سابك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس".
٣٦٤٧ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل
стр. 2382
عليك، فلتقل: إني صائم، إني صائم".
أقول: النص جاء لتبيان أهمية ترك اللغو والرفث، وإلا فمن المعلوم أن من أركان الصوم ترك الطعام والشراب والجماع.
٣٦٤٨ - * روى النسائي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "الصيام جُنة من النار، فمن أصبح صائماً فلا يجهل يومئذ، وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه، وليقل: إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
- الإكثار من أعمال الخير في رمضان
٣٦٤٩ - * روى الشيخان عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
قال ابن حجر (١/ ٣١) في الفتح: وقال النووي: في الحديث فوائد: منها الحث على الجود في كل وقت، ومنها الزيادة في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح. وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساوياً لفعلاه. فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ، قلنا الحفظ كان حاصلاً، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس، وأنه يجوز أن يقال رمضان من غير إضافة وغير ذلك مما يظهر بالتأمل. وانظر (شرح مسلم ١٥/ ٦٩).
قال ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل
стр. 2383
يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة ﵂ اهـ.
٣٦٥٠ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ رقي المنبر، فقال: "آمين، آمين، آمين" فقيل له: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا؟! فقال: "قال لي جبريل: أرغم الله أنف عبد- أو بعد- دخل رمضان فلم يغفر له، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف عبد- أو بعُد- أدرك والديه أو أحدهما لم يدخله الجنة، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف عبد- أو بعد- ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك. فقلت: آمين".
- ما يقول إذا دعي الصائم إلى طعام
٣٦٥١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى الطعام وهو صائم، فليقل: إني صائم".
وفي رواية (١) "إذا دعي أحدكم إلى الطعام، فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليُصَلِّ".
قال هشام: يريد: "فليدع لهم".
- فضل المضيف الصائم وما يقول إذا قدَّم طعاماً:
٣٦٥٢ - * روى الترمذي عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية ﵂ "أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فقدمت إليه طعاماً، فقال لها: كلي، فقالت: إني صائمة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل طعامه حتى يفرغوا- وربما قال: حتى يشبعوا".
стр. 2384
وفي رواية (١) ليلى عن مولاتها: أن النبي ﷺ قال: "الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة".
وفي أخرى (٢) نحو الأولى، ولم يذكر فيها (حتى يفرغوا، أو يشبعوا).
ليلى: هي عتيقة أم عمارة، وأم عمارة: هي جدة حبيب بن زيد، راوي الحديث عن ليلى ولذلك قال في رواية "عن مولاة لنا".
- السواك للصائم:
٣٦٥٣ - * روى أبو داود عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أُحصي".
وعند الترمذي قال: "رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم".
٣٦٥٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "يستاك أول النهار الصائم وآخره".
قال الحافظ في "الفتح": وصله ابن أبي شيبة عنه بمعناه، ولفظه: كان ابن عمر يستاك إذا أراد أن يروح إلى الظهر وهو صائم. ولا يوجد نص صحيح يدل على كراهية السواك بعد الزوال، والروايات التي أوردناها تتأيد ببعضها وقد قال الترمذي (٣/ ١٠٤) عند الحديث رقم: (٧٢٥): حديث عامر بن ربيعة حديث حسن. والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بالسواك للصائم بأساً. إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب وكرهوا له السواك آخر النهار. ولم ير الشافعي بالسواك بأساً أول النهار ولا آخره، وكره أحمد وإسحاق السواك آخر النهار. اهـ
стр. 2385
ومما يدل على جواز السواك للصائم مطلقاً الرواية التالية.
٣٦٥٥ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم؟ فقال: نعم. قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت إن شئت غدوة وإن شئت عشية. قلت: فإن الناس يكرهون عشية. قال: ولِمَ؟ قلت: يقولون: إن رسول الله ﷺ قال: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله"، قال: سبحان الله لقد أمرهم بالسواك حين أمرهم وهو يعلم أنه لابد أن يكون فم الصائم خلوف وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ما كان في ذلك من الخير شيء، بل هو شر، إلا من ابتلى ببلاء لم يجد منه بداً، قلت: والغبار في سبيل الله أيضاً كذلك إنما يؤجر من اضطر إليه ولا يجد عنه محيصاً؟ قال: نعم فأما من ألقى نفسه في البلاء عمداً فما له في ذلك من أجر.
- المحافظة على السحور:
٣٦٥٦ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".
أي الفارق بين صيام أمة محمد ﷺ وصيام أهل الكتاب: السحور فإنه خاص بهذه الأمة. وأجمع العلماء على استحباب السحور، وفي السحور بركة لأنه يقوي على الصيام وينشط له، ويتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء وقت تنزل الرحمة. وسيرد معنا تفصيل أكثر في السحور.
стр. 2386
- استحباب الدعاء عند الفطر:
٣٦٥٧ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد".
ضعَّف بعض العلماء هذا الحديث بحجة أن إسحاق بن عبيد الله مجهول، وقال ابن حجر: إسحاق بن عبيد الله الذي أخرج له ابن ماجه هو إسحاق بن عبيد الله بن أبي المهاجر مقبول (التقريب) اهـ ويبدو أن الأمر ليس كذلك بل هو إسحاق بن عبيد الله ابن أبي مليكة القرشي التيمي المدني ويقال المكي كما نص عليه المزي (تهذيب ٢/ ٤٥٦) ويشهد له أيضاً:
٣٦٥٨ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "ثلاث لا تُرَد دعوتهم: الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين".
ومما يزيدنا طمأنينة إلى استحباب الدعاء عند الفطر بل وأفضلية هذا الدعاء فعل رسول الله ﷺ .
стр. 2387
٣٦٥٩ - * روى أبو داود عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله".
- تعجيل الفطر إذا دخل وقته:
٣٦٦٠ - * روى الشيخان عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء الليل من ههنا وذهب النهار من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم".
٣٦٦١ - * روى الشيخان عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
- الإفطار قبل صلاة المغرب:
٣٦٦٢ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ "كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن حسا حسوات من ماء".
- ما يقول إذا رأى الهلال
٣٦٦٣ - * روى الترمذي عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله".
стр. 2388
- ما يقول في ليلة القدر:
٣٦٦٤ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".
- إثم المفطر:
٣٦٦٥ - * روى ابن خزيمة عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلاً وعراً، فقالا: اصعد، فقتل: إني لا أطيقه، فقالا إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة قلت: ما هذه الأصوات؟ قالا: هذا عواء أهل النار. ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قال، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. فقال: خابت اليهود والنصارى، فقال سليمان: ما أدري أسمعه أبو أمامة من رسول الله ﷺ أم شيء من رأيه، ثم انطلق فإذا بقوم أشد شيء انتفاخاً، وأنتنه ريحاً، وأسوأه منظراً، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء قتلى الكفار، ثم انطلق بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخاً وأنتنه ريحاً كأن ريحهم المراحيض. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني. ثم انطلق بي، فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات. قلت: ما بال هؤلاء؟ قال: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن. ثم انطلق بي فإذا أنا بالغلمان يلعبون بين نهرين، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذراري المؤمنين، ثم شرف شرفاً فإذا أنا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، قلت: من هؤلاء؟ قال هؤلاء جعفر وزيد وابن رواحة. ثم شرفني شرفاً آخر، فإذا أنا بنفر ثلاثة، قلت: من هؤلاء؟ قال: هذا إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينظروني.
стр. 2389
مسائل وفوائد
- الصوم لغة: الإمساك والكف عن الشيء. وشرعاً: هو الإمساك نهاراً عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية من أهلها في وقتها.
فركنا الصوم: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، والنية. ووقت النية عند الشافعية والمالكية هو الليل أي قبل طلوع الفجر، وفصَّل الحنفية فقالوا: تبييت النية بحيث تقع قبل الفجر ركن في القضاء وفي النذر غير المعين، أما في رمضان والنافلة فيكفي إيقاع النية قبل منتصف النهار، وإذا وقعت في الليل فذلك مستحب.
- صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه بدليل القرآن والسنة والإجماع، وفرض صوم رمضان بعد صرف القبلة إلى الكعبة لعشر من شعبان في السنة الثانية من الهجرة بسنة ونصف إجماعاً.
- متى يجب الصوم ؟ يجب الصوم بأحد أمور ثلاثة:
١ - النذر.
٢ - الكفارات.
٣ - شهود جزء من شهر رمضان.
- شروط وجوب الصوم: اشترط الفقهاء لوجوب الصوم شروطاً خمسة هي ما يأتي:
١ - الإسلام: وهو شرط وجوب عند الحنفية وشرط صحة عند الجمهور.
٢ - ٣ - البلوغ والعقل: وخلاصة أقوال الفقهاء في هذين الشرطين: أن الجنون المستمر لا يوجب القضاء عند الجمهور، ويوجبه عند المالكية على المشهور، وأما الإغماء فيوجب القضاء بالاتفاق.
٤ - ٥ - القدرة، والإقامة، فلا يجب الصوم على المريض والمسافر ويجب عليهما القضاء إن
стр. 2390
أفطرا إجماعاً، ويصح صومهما، كما لا يجب الصوم على من لم يطقه للكبر، ولا على نحو حائض لعجزهما شرعاً ولا على حامل أو مرضع إن خافتا على أنفسهما أو ولديهما.
- اتفق الفقهاء على اشتراط النية على تفصيل، والطهارة من الحيض والنفاس. واتفق الفقهاء على أنه لا يشترط الخلو عن الجنابة.
- يستحب للصائم ما يأتي:
١ - السحور على شيء وإن قل ولو جرعة ماء، وتأخيره لآخر الليل.
٢ - تعجيل الفطور عند تيقن الغروب وقبل الصلاة، ويندب أن يكون على رطب، فتمر، فحلو، فماء، وأن يكون وتراً.
٣ - الدعاء بالمأثور وغيره لأن للصائم دعوة لا تُرد.
٤ - تفطير صائمين ولو على تمرة أو شربة ماء أو غيرهما، والأكمل أن يشبعهم.
٥ - الاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس قبل الفجر ليكون على طهر من أول الصوم.
٦ - كف اللسان والجوارح عن فضول الكلام والأفعال التي لا إثم فيها، وأما الكف عن الحرام كالغيبة والنميمة والكذب فيتأكد في رمضان، وهو واجب في كل زمان، وفعله حرام في أي وقت.
٧ - ترك الشهوات المباحة التي لا تبطل الصوم من التلذذ بمسموع ومبصر وملموس ومشموم.
٨ - يسن عند الشافعية ترك الفصد والحجامة لنفسه ولغيره خروجاً من خلاف من فطر بذلك، ويسن باتفاق ترك ذوق الطعام وترك القبلة إن خشي فيها الإنزال.
٩ - التوسعة على العيال فذلك من الصدقة، والإحسان إلى الأرحام والإكثار من الصدقة على الفقراء والمساكين.
١٠ - الاشتغال بالعلم وتلاوة القرآن ومدارسته والأذكار والصلاة على النبي ﷺ ، كلما
стр. 2391
تيسر له ليلاً أو نهاراً.
١١ - الاعتكاف لا سيما في العشر الأواخر من رمضان.
- مكروهات الصيام:
قال الحنفية يكره للصائم سبعة أمور:
١ - ذوق شيء ومضغه بلا عذر.
٢ - مضغ العلك غير المصحوب بسكر، والمصحوب بسكر يفطر إذا ابتلع السكر.
٣ - ٤ - القبلة والمس والمعانقة ونحوها.
٥ - ٦ - جمع الريق في الفم قصداً، ثم ابتلاعه.
٧ - ما ظن أنه يضعفه كالفصد والحجامة.
- يصح صوم المغمى عليه عند الشافعية والحنابلة إن أفاق لحظة من النهار وكان مبيتاً للنية فإن أطبق الإغماء جميع النهار لم يصح الصوم، ويصح صوم المغمى عليه مطلقاً عند الحنفية إن كان هناك نية، ولا يصح صومه عند المالكية غلا إذا أغمي عليه يسيراً كنصف اليوم فأقل.
وثمرة الخلاف تظهر في وجوب القضاء فمن قال جاز صومه لا يوجب عليه القضاء، ومن قال بعدم الجواز أوجب عليه القضاء.
- إن اسلم المرتد وجب عليه عند الشافعية والحنابلة قضاء ما تركه في حال الكفر، ولا يجب عليه القضاء عند الحنفية ومن وافقهم.
إذا بلغ الصبي أثناء اليوم أمسك عند الحنفية بقية اليوم، كما لو أسلم الكافر بعد طلوع الفجر.
- لو اشتبه رمضان على أسير أو محبوس أو نحوه، صام شهراً بالاجتهاد، كما يجتهد للصلاة في القبلة والوقت وذلك بأمارة كالربيع والخريف والحر والبرد فلو صام بلا اجتهاد
стр. 2392
فوافق رمضان لم يجزه لتردده في النية.
انظر فيما سبق: (اللباب ١/ ١٦٢ - ١٧٣)، (فتح القدير ٢/ ٣٠٠ فما بعدها)، (بداية المجتهد ١/ ٢٨٣ فما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ٦٨٧ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٥٧٨ فما بعدها).
стр. 2393
الفصل الثاني
في ثبوت هلال رمضان
وثبوت هلال شوال
стр. 2394
٣٦٦٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له".
وفي رواية (١) "أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له".
وفي أخرى (٢) أن النبي ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
ولمسلم (٣) أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان، فضرب بيديه، فقال: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا- ثم عقد إبهامه في الثالثة- فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين".
وفي رواية (٤): "فاقدروا له".
وأخرج أبو داود (٥) الثالثة، وزاد "فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعاً وعشرين: نظر له، فإن رئي فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب أو قترة أصبح مفطراً، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائماً.
стр. 2395
٣٦٦٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً".
وفي أخرى (١) قال: قال النبي ﷺ أو قال أبو القاسم ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته: فإن غمي عليكم فأكملوا العدة".
وفي أخرى (٢): "فإن أغمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين".
وأخرج البخاري (٣) الرواية الثالثة، وقال: "فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
٣٦٦٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه".
قال النووي (٧/ ١٩٤): فيه التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله فإن لم يصله بما قبله ولا صادف عادة فهو حرام، هذا هو الصحيح في مذهبنا- وهو شافعي- لهذا الحديث.
٣٦٦٩ - * روى أحمد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتم الهلال فأفطروا فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين".
стр. 2396
٣٦٧٠ - * روى أبو داود عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة".
وزاد النسائي بعد "الهلال" في الموضعين "قبله".
٣٦٧١ - * روى مالك عن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان، فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
وفي رواية (١) للنسائي: أن ابن عباس قال: "عجبت ممن يتقدم الشهر، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
وله في أخرى (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً".
وفي أخرى (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا للرؤية، وأفطروا للرؤية، فإن حالت دونه غياية، فأكملوا ثلاثين".
وأخرجه (٤) أبو داود قال: "لا تقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين، إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن
стр. 2397
حال دونه غمامة، فأتموا العدة ثلاثين، ثم أفطروا، الشهر تسع وعشرين".
وأخرجه (١) الترمذي قال: "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين".
٣٦٧٢ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً، ثم صام".
٣٦٧٣ - * روى ابن خزيمة عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدموا هذا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة".
أقول: لم يعتبر اختلاف المطالع إلا الشافعية في القول الراجح عندهم، والمذاهب الثلاثة الأخرى توجب في القول المعتمد عندهم على كل المسلمين أن يصوموا إذا رأى الهلال أهل قطر، والآن وقد امتد الإسلام في العالم حيث لا يتوقع أن يكون الهلال مستتراً في كل مكان بآن واحد إذا دخل الشهر، فالأجود في حق المسلم أن يصوم بصيام أهل أي قطر، والرؤية بالمراصد تعتبر رؤية توجب الصوم، لأن المرصد إنما يزيد قوة الإبصار ولا يرينا شيئاً غير موجود، على أنه يجب أن نرى الهلال وقد جاوز خط الشمس حتى يثبت دخول الشهر، وهذا معنى قولهم: إن الرؤية المعتبرة هي بعد المغرب.
ورؤية الهلال بالمرصد غير معرفته بالحسابات الفلكية، فالجمهور على عدم اعتبار الحسابات الفلكية في إثبات الشهر القمري، وذهب بعض المعاصرين إلى اعتبارها لأنها تفيد القطع إذا كانت صحيحة.
ذكرنا رأي المذاهب في اعتبار اختلاف المطالع، ونقول: إن اختلاف المطالع أمر واقع
стр. 2398
لا ينكر ولكن الخلاف في اعتباره أو عدم اعتباره، ويرى بعض العلماء المعاصرين أنه إن ثبت رؤية الهلال في بلد دخل الشهر في حق جميع البلاد التي يؤذن فيها المغرب بعد بلد الرؤية، على أن البلدان الأخرى أي التي أذن فيها المغرب قبل بلد الرؤية يثبت الشهر في حقها في اليوم التالي قطعاً.
(انظر في توضيح هذه الأمور: فتاوى الشيخ علي الطنطاوي ص ٢٢١ - ٢٢٤ ط ٢، ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م دار المنارة جدة).
٣٦٧٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال- قال الحسن في حديثه: يعني هلال رمضان- فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: "أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذِّن في الناس: أن صوموا غداً".
وفي رواية (١) عن عكرمة "أنهم شكوا في هلال رمضان مرة، فأرادوا أن لا يقوموا ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحرة يشهد أنه رأى الهلال، فأتي به النبي ﷺ ، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قال: نعم، وشهد أنه رأى الهلال، فأمر بلالاً، فنادى في الناس: أن يقوموا وأن يصوموا"ز أخرجه أبو داود، وقال: رواه جماعة عن سماك بن حرب عن عكرمة مرسلاً، ولم يذكر القيام أحد إلا حماد بن سلمة، قال أبو داود: هذه كلمة لم يقلها إلا حماد: "وأن تقوموا" لأن قوماً يقولون: القيام قبل الصيام.
وفي رواية (٢) الترمذي: قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمداً رسول الله؟ " قال: نعم، قال: "يا بلال، أذِّن في الناس: أن يصوموا غداً".
وأخرجه (٣) النسائي مثل الترمذي، وقال: "أن محمداً عبده ورسوله".
стр. 2399
وله في أخرى (١): فنادى النبي ﷺ : "أن صوموا".
قال محقق الجامع: وللحديث شواهد بمعناه يقوى بها وقال إسحاق: لا يصام إلا بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين. قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام: وبه يقول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وأهل الكوفة.
أقول: تقبل شهادة رجل واحد في إثبات هلال رمضان عند الحنفية إذا كان بالسماء علة، أما إذا لم يكن بالسماء علة فلا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
٣٦٧٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه، وأمر الناس بصيامه".
٣٦٧٦ - * روى أبو داود عن حسين بن الحارث الجدلي أن أمير مكة خطب، ثم قال: "عهد إلينا رسول الله ﷺ : أن ننسك لرؤيته، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل، نسكنا بشهادتهما، قال: فسألت الحسين بن الحارث: من أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم لقيني بعد، فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمد بن حاطب، ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني، وقد شهد هذا من رسول الله ﷺ وأومأ إلى رجل- قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق، كان أعلم بالله جل وعز منه- فقال: بذلك أمرنا رسول الله ﷺ ".
٣٦٧٧ - * روى النسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب "أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه- فقال: ألا، إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم،
стр. 2400
وإنهم حدثوني: أن رسول الله ﷺ قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غُمَّ عليكم فأتموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا".
٣٦٧٨ - * روى أبو داود عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان، فشهدا عند رسول الله ﷺ بالله: لأهل الهلال ورأياه أمس عشية، فأمر رسول الله ﷺ الناس أني فطروا".
زاد في رواية (١) "وأن يغدوا إلى مصلاهم".
أقول: الخروج من رمضان بإثبات أن شوال قد دخل لابد فيه في كل الأحوال من شهادة رجلين فأكثر، أو رجل وامرأتين.
٣٦٧٩ - * روى الطبراني عن أبي مسعود قال: "أصبح الناس صياماً لتمام ثلاثين فجاء رجلان فشهدا أنهما رأيا الهلال بالأمس فأمر رسول الله ﷺ الناس فأفطروا".
٣٦٨٠ - * روى أبو داود عن أبي عمير [عبد الله] بن أنس بن مالك عن عمومة له من أصحاب رسول الله ﷺ : "أن ركباً جاؤوا رسول الله ﷺ يشهدون: أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا يغدون إلى مصلاهم".
٣٦٨١ - * روى النسائي عن سماك بن حرب قال: "دخلت على عكرمة في يوم- يعني: قد أشكل: من رمضان هو، أو من شعبان؟ - وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً، فقال لي: هلم، فقلت: إني صائم، فقال- وحلف بالله-: لتفطرن: قلت: سبحان الله!
стр. 2401
مرتين، فلما رأيته يحلف لا يستثني تقدمت، فقلت: هات الآن ما عندك، قال، سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلمة فأكملوا العدة عدة شعبان، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان".
أقول: صيام يوم الشك وهو اليوم الذي يوافق يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يتأكد أنه من رمضان مكروه. إلا أن الحنفية استثنوا صورة واحدة وهو أن يصومه الإنسان نفلاً، فإن ثبت أنه من رمضان وقع عن رمضان لأن رمضان معيار لا يسع غيره، وإن لم يكن من رمضان، وقع نفلاً ولا كراهة عندهم بالتنفل في هذه الحالة.
وفي المشهور من مذهب الحنابلة أن السماء إن كانت مصحية لم يجز صيام يوم الشك عن رمضان وإن كانت مغيمة وجب صيامه عنه أما صيامه عن تطوع فجائز. المغني (٣/ ٨٧).
قالوا: والمراد بقوله ﷺ (فاقدروا له): التضييق، والتضييق للهلال يكون بجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً. المغني (٣/ ٩٠) ا. هـ- لكن يردُّ هذا: رواية (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وسبق حديث أبي هريرة (لا تقدموا رمضان بصوم)، وحديث ابن عمر (لا تصوموا حتى تروا الهلال ...).
٣٦٨٢ - * روى أحمد عن عبد الله بن أبي موسى قال: أرسلني مدرك أو ابن مدرك إلى عائشة أسألها عن أشياء فأتيتها وسألتها عن اليوم الذي يختلف فيه من رمضان فقالت: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان، فسألت ابن عمر وأبا هريرة فكل واحد منهما قال: أزواج النبي ﷺ أعلم بذلك.
بمثل هذه الآثار استدل الحنابلة.
стр. 2402
٣٦٨٣ - * روى مسلم عن كريب مولى ابن عباس أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم، حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " شك أحد رواته في نكتفي، أو تكتفي".
وأخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣)، وكلهم قالوا: "فرأيت الهلال ليلة الجمعة".
وقال النسائي "أولا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه؟ "، وقال الترمذي: "فقلتك رآه الناس وصاموا" ولم يقل عن نفسه: "أنه رآه".
أقول: هذا النص أصل في اعتماد اختلاف المطالع الذي ذهب إليه الشافعية، فالمعتبر: عندهم رؤية أهل كل إقليم. وفي القديم لم تكن وسائل الاتصال متيسرة، فاعتماد أهل كل إقليم على رؤيتهم كان ضرورياً، أما في عصرنا فسرعة الاتصالات وإمكانية التثبت من ثبوت الهلال في قطر يجعل الرؤية في مكان ملزم لجميع المسلمين في كل مكان في رأينا، إلا أننا لا نفتي بوجوب القضاء لمن شارك أهل إقليم مخالفين فيه غيرهم لوجود رأي الشافعية في اعتماد اختلاف المطالع. والله أعلم.
٣٦٨٤ - * روى مسلم عن أبي البختري [سعيد بن فيروز] قال: "خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس، فقلت: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه؟
стр. 2403
قال، فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن الله مدة للرؤية، فهو لليلة رأيتموه".
وفي أخرى (١) قال أبو البختري "أهللنا رمضان ونحن بذات عرق فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس فسأله؟ فقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة".
قال النووي في شرح مسلم أمده لرؤيته: معناه: أطال مدته إلى الرؤية.
وقال (٧/ ١٩٨): جميع النسخ متفقة على (مَدَّهُ) من غير ألف فيها وفي الرواية الثانية إن الله (قد أمده) هكذا هو في جميع النسخ أمده بألف في أوله.
قال القاضي: قال بعضهم: الوجه أن يكون (أمده) بالتشديد من الإمداد (ومده) من الامتداد. قال القاضي: والصواب عندي بقاء الرواية على وجهها ومعناه أطال مدته إلى الرؤية.
٣٦٨٥ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون".
وعند أبي داود (٢) عن أبي هريرة- ذكر النبي ﷺ فيه- قال: "وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف، وكل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف".
قال الترمذي: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا: أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس. وترجم أبو داود على هذا الحديث: باب إذا أخطأ القوم الهلال.
стр. 2404
(الصوم يوم تصومون) قال الخطابي: معنى الحديث: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، ولا شيء عليهم من وزر أو عيب، وكذلك الحج: إذا أخطأوا يوم عرفة، فليس عليهم إعادته، وكذلك أضحاهم تجزئهم، وإنما هذا رفق من الله ولطف بعباده.
٣٦٨٦ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس".
٣٦٨٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر كذا وكذا وكذا، وصفق بيديه مرتين بكل أصابعهما ونقص في الصفقة الثالثة إبهام اليمنى أو اليسرى".
وفي رواية (١) البخاري قال: "الشهر هكذا وهكذا"، وخنس إبهامه في الثالثة.
وفي رواية (٢): أن النبي ﷺ قال: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا- يعني مرة: تسعاً وعشرين، ومرة ثلاثين".
وفي رواية (٣) لمسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، "والشهر هكذا وهكذا وهكذا"، يعني: تمام الثلاثين".
وفي أخرى (٤) "أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: الليلة ليلة النصف، فقال له: وما يدريك
стр. 2405
أن الليلة النصف؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الشهر هكذا وهكذا، وأشار بأصابعه العشر مرتين، وهكذا في الثالثة، وأشار بأصابعه كلها، وحبس- أو خنس إبهامه".
- قوله (وعقد الإبهام): أي أنه أشار بيديه ثلاث مرات ناشراً أصابعه وفي المرة الثالثة قبض الإبهام إشارة إلى أن الشهر يكون تسعاً وعشرين ثم أشار بيديه ثلاث مرات ناشراً أصابعه ولم يقبض إبهامه في الثالثة إشارة إلى أنه يكون ثلاثين. انظر الدين الخالص (٨/ ٣٣٥).
أقول: النص الذي بين أيدينا أصل للجمهور فيما ذهبوا إليه من أن الحسابات الفلكية غير معتبرة في إقامة العبادات.
فصيام رمضان عبادة لا نكلف فيها إلا بما كلفنا الشر عبه وقد كلفنا بالرؤية البصرية من غير اعتماد على الحساب. لكن لو صام إنسان معتمداً على الحساب الفلكي إذا كان هو الأحوط فذلك جائز وإن كان الأصل الرؤية، لكن لو قرر العلم أنهل ايمكن رؤية الهلال اليوم مثلاً وشهد الشهود برؤيته فما العمل؟ نقول: يجمع بين العمل بحديث (صوموا لرؤيته) وبين حقائق علم الفلك فإن لم يرد من علماء الفلك ما يمنع رؤيته تحرينا رؤيته فإذا رأيناه أثبتنا دخول الشهر بالرؤية.
وإذا قرر علماء الفلك يقيناً أنه لا يمكن أن يرى فيناقش القاضي الشاهد الذي ادعى رؤيته ويسأله، أين رآه؟ ومتى؟ وهل كان إلى يمين الشمس؟ أم إلى يسارها؟ وهل كانت فتحة القوس إلى جهة الشمس أم إلى الجهة المقابلة؟ إلى أن يظهر توهمه وخطؤه ...
فإن قيل: قرر علماء الفلك أنه لا يمكن الرؤية وقد رؤي فعلاً وحقيقة فنقول هذا ليس من حقائق علم الفلك إذن وتعتمد الرؤية.
٣٦٨٨ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "ضرب رسول الله ﷺ بيده على الأخرى، ثم قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم نقص
стр. 2406
في الثالثة إصبعاً".
وله في أخرى (١): "الشهر هكذا وهكذا وهكذا"- يعني تسعة وعشرين.
وفي أخرى (٢) مثل الأولى، وقال: وصفق محمد بن عبيد بيديه ينعتها، ثلاثاً، ثم قبض في الثالثة الإبهام في اليسرى".
أقول: الشهر القمري إما أن يكون ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين، ومجموع الروايات عن رسول الله ﷺ يفيد ذلك، وهو المعروف حساً، فإذا أفهمت بعض الروايات أن الشهر تسعة وعشرون يوماً فذلك محمول على شهر بعينه أو أن المشهور قد يكون كذلك ولا تنفي مثل هذه الروايات أن يكون الشهر ثلاثين.
٣٦٨٩ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل فقال: الشهر تسع وعشرون يوماً".
وفي أخرى (٣): أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون يوماً".
٣٦٩٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵄ "لما صمنا مع رسول الله ﷺ تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين.".
وعند الترمذي (٤) قال: "ما صمت مع النبي ﷺ .. وذكر الحديث".
قال محقق الجامع:
قال الترمذي: وفي الباب عن عمر وأبي هريرة، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص وابن عباس، وابن عمر وأنس، وجابر، وأم سلمة، وأبي بكرة، أن النبي ﷺ قال: الشهر
стр. 2407
يكون تسعاً وعشرين. أقول: فهو حديث حسن.
أقول: وهو عند ابن خزيمة (١) بإسناد صحيح.
٣٦٩١ - * روى الشيخان عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة".
(شهرا عيد لا ينقصان) قال الخطابي: اختلف الناس في معنى قوله: شهرا عيد لا ينقصان، فقال بعضهم: معناه: أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم، وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب.
٣٦٩٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحصوا هلال شعبان لرمضان".
٣٦٩٣ - * روى أحمد عن سعيد بن عمرو الأموي قال: قيل لعائشة: رؤي هذا الشهر لتسع وعشرين! قالت: وما يعجبك من ذاك؟ لما صمت مع رسول الله ﷺ تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين.
стр. 2408
مسائل وفوائد
- كيفية إثبات هلال رمضان وهلال شوال: خلاصة أقوال الفقهاء: أن الحنفية يشترطون لإثبات هلال رمضان وشوال رؤية جمع عظيم إذا كانت السماء صحواً وقد اكتفى المتأخرون برؤية رجلين عدلين أو رجل وامرأتين إذا كانت السماء صحواً، وتكفي رؤية العدل الواحد في حال الغيم ونحوه. ولابد عند المالكية من رؤية عدلين أو أكثر، وتكفي رؤية العدل الواحد عندهم في حق من لا يهتم بأمر الهلال، وتكفي رؤية عدل واحد عند الشافعية والحنابلة، ولو مستور الحال عند الشافعية، ولا يكفي المستور عند الحنابلة، كما لابد عند الحنابلة من رؤية هلال شوال من عدلين لإثبات العيد، وتقبل شهادة المرأة عند الحنفية والحنابلة ولا تقبل عند المالكية والشافعية.
- اختلف الفقهاء على رأيين في وجوب الصوم وعدم وجوبه على جميع المسلمين في المشارق والمغارب في وقت واحد، بحسب القول باتفاق مطالع القمر أو اختلاف المطالع، ففي رأي الجمهور: يوحد الصوم بين المسلمين، ولا عبرة باختلاف المطالع، وفي رأي الشافعية يختلف بدء الصوم والعيد بحسب اختلاف مطالع القمر بين مسافات بعيدة، واختلاف المطالع لا يكون في أقل من أربعة وعشرين فرسخاً أي ما يعادل (١٣٣.٠٥٦) كم: وسبقت الإشارة إلى أدلة كل فريق، ومما استدل به الشافعية قياس اختلاف مطالع القمر على اختلاف مطالع الشمس.
- قال الشيخ الطنطاوي: (واختلاف المطالع باختلاف البلاد أمر محقق لا ينكر. ولكن النزاع في اعتباره أو عدم اعتباره، والقول الصحيح أنه إن ثبت رؤية هلال رمضان في بلد فإن جميع البلاد التي يؤذن فيها المغرب بعد هذا البلد يكون الصوم واجباً فيه).
الرؤية المعتبرة هي التي تكون بعد المغرب فإذا رئي قبل المغرب لا يثبت دخول رمضان بذلك.
وولادة القمر معناها: أن القمر يقترب من الشمس إلى أقصى حد ممكن، وذلك في ليالي المحاق، حينما يواجهنا النصف المظلم منه ثم يبدأ بالابتعاد عنها، فيظهر قوس دقيق من النصف المضيء وهذا هو هلال الشهر الجديد وهذا ما يسمى بولادة القمر). الفتاوى ص: ٢٢٢.
стр. 2409
- قال الحنفية: يجب على الناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، وكذا هلال شوال لأجل إكمال العدة فإن رأوه صاموا، وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً، ثم صاموا، لأن الأصل بقاء الشهر، فلا ينتقل عنه إلا بدليل، ولم يوجد. وقال الحنابلة: يستحب ترائي الهلال احتياطاً للصوم وحذراً من الاختلاف ويسن إذا رأى المرء الهلال أن يكبر ثلاثاً ويقول: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والأمن والأمان، ربي وربك الله، هلال رشد وخير، وإذا رؤي الهلال يكره عند الحنفية أن يشير الناس إليه لأنه من عمل الجاهلية.
يقول الحنفية وآخرون: ولا يعتمد على ما يخبر به أهل الميقات والحساب والتنجيم، وقال المالكية: ولا يثبت الهلال بقول منجم أي حاسب يحسب سير القمر: لا في حق نفسه ولا غيره، لأن الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال، لا بوجوده إن فرض صحة قوله، وقال الحنابلة: ولا يجب الصوم بالحساب والنجوم ولو كثرت إصابتهما، لعدم استناده لما يعول عليه شرعاً.
انظر فيما سبق (رسائل ابن عابدين ١/ ٢٥١ - ٢٥٣)، (رد المحتار ٢/ ٩٢ - ٩٧)، (الشرح الصغير ١/ ٦٨٢)، (المهذب ١/ ١٧٩)، (المغني ٣/ ١٥٦ - ١٦٣)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٥٩٨ - ٦٠٧).
- أكثر العلماء على أن من رأى الهلال وحده يلزمه أن يصوم به بمفرده إذا لم يحكم القاضي بشهادته.
- ذكر ابن عابدين أن إثبات هلال رمضان لا يكون إلا بالرؤية ليلاً أو كمال عدة شعبان وأنه لا تعتبر رؤيته في النهار حتى ولو قبل الزوال على المختار.
стр. 2410
الفصل الثالث
في النية في صوم الفريضة وغيرها
стр. 2411
عرض إجمالي
النية: هي القصد وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه، من غير تردد. واتفق الفقهاء على أن النية مطلوبة في كل أنواع الصيام، فرضاً كان أو تطوعاً إما على سبيل الشرطية أو الركنية واعتبرها الحنفية والحنابلة وكذا المالكية على الراجح شرطاً، وهي عند الشافعية ركن كالإمساك عن المفطرات وسواء كانت شرطاً أو ركناً في الاصطلاح فهي فريضة. ومحل النية القلب ولا تكفي باللسان قطعاً ولا يشترط التلفظ بها قطعاً لكن يسن عند الجمهور غير المالكية التلفظ بها.
شروط النية:
١ - تبييت النية: أي إيقاعها ليلاً وهو شرط متفق عليه في بعض الحالات كما سنرى. قال الحنفية: الأفضل في الصيامات كلها أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكنه ذلك أو من الليل، وإن نوى بعد طلوع الفجر قبل منتصف النهار فإن كان الصوم قضاءً أو نذراً غير معين أو كفارة لا يجوز. وإن كان صوم رمضان أو صوم التطوع خارج رمضان أو المنذور المعين يجوز. وقال المالكية: يشترط لصحة النية إيقاعها في الليل من الغروب إلى آخر جزء منه، أو إيقاعها مع طلوع الفجر، فلو نوى نهاراً قبل الغروب لليوم المستقبل أو قبل الزوال لليوم الذي هو فيه لم تنعقد ولو نفلاً وقال الشافعية: يشترط لغرض الصوم من رمضان أو غيره كقضاء أو نذر تبييت النية ليلاً، والصحيح أنه لا يشترط النصف الآخر من الليل، وأنه لا يضر الأكل والجماع بعدها قبل الفجر وأنه لا يجب تجديد النية إذا نام ثم تنبه. ويصح صوم النفل بنية قبل الزوال.
٢ - تعيين النية في الفرض: هذا شرط عند الجمهور، وليس بشرط عند الحنفية. وقال الجمهور: يجب تعيين النية في الصوم الواجب. فالحنفية يرون مطلق النية في صوم رمضان أو في المنذور المعين كافياً.
٣ - الجزم بالنية: بأن لا يكون متردداً فيها كأن يقول أنا صائم غداً إن شاء الله. ولا يشترط بالاتفاق تعيين السنة ولا الأداء ولا الإضافة على الله تعالى وهو الصحيح عند الشافعية.
стр. 2412
٤ - تعدد النية بتعدد الأيام: هذا شرط عند الجمهور، وليس بشرط عند المالكية فيشترط عند الجمهور النية لكل يوم من رمضان على حدة لأن صوم كل يوم عبادة على حدة غير متعلقة باليوم الآخر بدليل أن ما يفسد أحدهما لا يفسد الآخر.
- في صفة النية: قال المالكية: صفة النية أن تكون معينة مبيتة جازمة. قال الشافعية: كمال النية في رمضان أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى، والمعتمد أنه لا يجب في التعيين نية الفرضية، وقال الحنابلة: من خطر بباله أنه صائم غداً فقد نوى، ويجب تعيين النية بأن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان أو من قضائه أو من نذره أو كفارته، كما اتفق غير الشافعية على أن الأكل والشرب بنية الصوم أو التسحر نية.
قال المالكية: تجزئ نية واحدة لرمضان في أوله، فيجوز صوم جميع الشهر بنية واحدة، وكذلك في صيام متتابع مثل كفارة رمضان وكفارة قتل أو ظهار ما لم يقطعه بسفر أو مرض أو نحوهما، أو يكن على حالة يجوز له الفطر كحيض ونفاس وجنون فيلزمه استئناف النية. وتندب النية كل ليلة فيما تكفي فيه النية الواحدة.
- الراجح عند الشافعية والحنابلة أن من نوى الخروج من الصيام بعد أن دخل فيه يبطل صومه ولو لم يخرج بالفعل، والراجح عند الحنفية والمالكية أنه لا يبطل ما لم يباشر الفعل وهو الأولى والله أعلم ..
[انظر (فتح القدير ٢/ ٣٠٣ فما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ٦٩٥ فما بعدها)، (المهذب ١٨٠ - ١٨١)، (بداية المجتهد ١/ ٢٩٢ - ٢٩٤)، (المغني ٣/ ٩١ - ٩٨)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٦١٧ فما بعدها)].
- نية الفريضة:
٣٦٩٤ - * روى أبو داود عن حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
стр. 2413
وعند النسائي (١): "من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا يصوم".
وفي أخرى (٢): "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له".
وفي أخرى (٣) له: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
وفي أخرى (٤): "من لم يبيت الصيام من الليل".
وله في أخرى (٥): أن حفصة كانت تقول: "من لم يجمع الصوم من الليل فلا يصوم".
وفي أخرى (٦): "لا صيام لمن لم يجمع الصوم قبل الفجر".
وفي أخرى (٧): "لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر".
وقال أبو داود: وقفه على حفصة: معمر، والزبيدي، وابن عيينة، ويونس الأيلي، [كلهم] عن الزهري.
أقول: رأينا أن نية الصيام من الليل هي الأفضل في كل أنواع الصوم، لكن التحقيق
стр. 2414
عند الحنفية أن صوم رمضان والنذر المعين وصوم التطوع تكفي فيه النية قبل منتصف النهار الشرعي لمن لم يلابس مفطراً قبل ذلك. واستدل الحنفية بأحاديث أخرى وحملوا هذا على الندب والأفضلية.
وهذا الحديث- حديث حفصة- الراجح وقفه كما ذكر العلماء ذلك.
أقول: التحقيق عند الحنفية أن تبييت الصيام من الليل واجب في القضاء وفي النذر غير المعين وفي الكفارات وما سوى ذلك فهو كمال.
٣٦٩٥ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: "لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر".
وعند النسائي (١) قال: "إذا لم يجمع الرجل الصوم من الليل فلا يصم".
وفي أخرى (٢) أنه كان يقول: "لا يصومن إلا من أجمع الصيام قبل الفجر".
٣٦٩٦ - * روى النسائي عن عائشة وحفصة ﵄ قالتا: "لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر".
وأخرجه (٣) الموطأ عقيب حديث ابن عمر، وقال: عن عائشة وحفصة زوجي النبي ﷺ مثل ذلك، ولم يذكر لفظهما.
أقول: هذه الروايات استدل بها الجمهور على وجوب تبييت النية وقد رأينا أن الراجح عند العلماء وقف هذا الحديث. أما أدلة الحنفية:
٣٦٩٧ - * روى البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم أن أذن في الناس أن "من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء".
стр. 2415
٣٦٩٨ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية. فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
قال الطحاوي (٢/ ٥٨) فيه دليل على أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلاً أنه يجزيه نهاراً قبل الزوال، وهذا القياس مبني على أن صيام عاشوراء كان فرضاً في أول الإسلام قبل فرض رمضان، والحديث الذي يرويه مسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم" يظهر أن صوم يوم عاشوراء ليس بفرض لكن حمله الحنفية على أن هذا متأخر عن الأول وقد نسخ فرض صيام يوم عاشوراء.
وههنا في المسألة روايات متعارضة في الظاهر:
١ - الروايتان السابقتان عن سلمة وعائشة في صوم عاشوراء.
٢ - الروايات عن حفصة وعائشة وابن عمر في تبييت النية.
٣ - الروايات التالية عن عائشة وأم هانئ وأم الدرداء في من أراد أن يصوم نفلاً فلا عليه أن لا يبيت النية.
فالجمهور أخذوا بروايات حفصة وعائشة وابن عمر في تبييت النية للفرض .. وحملوا الروايات الأخرى كلها على النفل ...
والحنفية فصلوا قالوا: إن من الصيام ما هو تطوع ونفل مطلق فهذا تجزئه النية بعد الفجر وقبل منتصف النهار الشرعي ومن الصيام ما هو فرض في أيام بعينها كرمضان والنذر المعين فالحكم كذلك، ومن الصوم ما هو فرض في أيام لا بعينها فنعمل حديث عائشة وحفصة في وجوب تبييت النية فيها وبذلك تعمل الآثار كلها. انظر الطحاوي (٢/ ٥٧ - ٥٨).
стр. 2416
والذي يظهر لي في هذه المسألة ما يلي:
إن المسلم الذي يعلم بدخول رمضان ينوي بفطرته صيامه وصيام كل يوم فيه لأن النية تكون بالقلب فلو دعاه إنسان إلى الغداء غداً وكان رمضان قد دخل فإنه يقول له: غداً رمضان ونحن صائمون .. وقد قال بعضهم: الإنسان العاقل المستيقظ المختار (أي الذي ليس مجنوناً ولا نائماً ولا مكرهاً) لا يمكن أن يعمل عملاً بلا نية ثم إن صلاة التراويح والسحور كل ذلك من مظاهر عقد النية على الصوم. والحالة التي يمكن أن يظهر الخلاف فيها فيما لو نام إنسان قبل المغرب إلى ما بعد طلوع الفجر من اليوم التالي من رمضان أو أسلم إنسان بعد طلوع الفجر أو فاسق لم يكن معتاداً للصوم هداه الله وقرر الصيام بعد طلوع الفجر وقبل منتصف النهار في مثل هذه الأحوال فقط يظهر الخلاف؛ فعلى رأي الحنفية أن هؤلاء لو نووا بعد طلوع الفجر أو قبل الزوال صيام ذلك اليوم صحت النية وجاز الصوم إذا لم يكونوا قد تناولوا مفطراً لأن ركن الصيام وهو الامتناع عن المفطرات قد وجد واجتمعت فيه شروطه من حيث الشخص والزمان والنية فوجب أن يصح صومه لأنه صام في وقت متعين للصيام شرعاً ولأن الصوم ركن واحد ممتد والنية لتعيينه لله تعالى فتترجح بالكثرة جانب الوجود. انظر الهداية وفتح القدير (٢/ ٣٠٣).
فهذه مسألة قليلة الوقوع وانحصر الخلاف بما ذكرنا ولا شك أن الاحتياط أولى ... وهو ما رآه الجمهور.
- نية صوم التطوع وإبطاله
٣٦٩٩ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: يا عائشة، هل عندكم شيء، قالت: قلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء، قال: فإني صائم، قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية- أو جاءنا زور- فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية- أو جاءنا زور- وقد خبأت لك شيئاً، قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه، فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائماً".
стр. 2417
قال طلحة: فحدثت مجاهداً بهذا الحديث، فقال: ذلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها.
وفي أخرى (١) قالت: "دخل علي النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائماً، فأكل".
وفي رواية (٢) النسائي مثلها، وقال في آخره: "فقلت: يا رسول الله دخلت علي وأنت صائم، ثم أكلت حيساً؟ قال: "نعم يا عائشة، إنما منزلة من صام في غير رمضان، أو في غير قضاء رمضان، أو في التطوع، بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخل منها بما بقي فأمسكه".
وفي رواية (٣) الترمذي قالت: دخل علي رسول الله ﷺ يوماً، فقال: "هل عندكم شيء؟ قالت: قلت: لا، قال: فإني صائم".
وفي أخرى (٤) قالت: "كان النبي ﷺ يأتيني، فيقول: "أعندك غداء؟ فأقول: لا، فيقول: "إني صائم، قالت، فأتاني يوماً، فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هي؟ قلت: حيس، قال: "أما إني أصبحت صائماً، ثم أكل".
وفي رواية (٥) أبي داود قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل علي قال: "هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا، قال: إني صائم" زاد وكيع: "فدخل علينا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فحبسناه لك، فقال: أدنيه، قال طلحة: فأصبح صائماً، فأفطر".
стр. 2418
أقول: هذا النص دليل على أن صوم التطوع تجزئ فيه النية قبل منتصف النهار، كما أن فيه دليلاً على أنه يجوز للمتطوع في الصوم أن يفطر متى شاء وهو الذي ذهب إليه الشافعية إلا أن الحنفية أوجبوا عليه القضاء.
٣٧٠٠ - * روى الترمذي عن أم هانئ ﵂ قالت: "كنت قاعدة عند النبي ﷺ ، فأتي بشراب، فشرب منه، ثم ناولني فشربت، فقلت: إني أذنبت فاستغفر لي، فقال: وما ذاك؟ قلت: كنت صائمة فأفطرت، فقال: أمن قضاء كنت تقضينه؟ قلت: لا، فلا يضرك".
وفي رواية (١) مثله، وفيه "فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله ﷺ : الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر".
وفي رواية (٢) "أمير نفسه- أو أمين نفسه- على الشك".
وفي رواية (٣) أبي داود: قالت: "لما كان يوم الفتح- فتح مكة- جاءت فاطمة، فجلست على يسار رسول الله ﷺ وأم هانئ عن يمينه، قال: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب، فناولته، فشرب منه، ثم ناوله أم هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئاً؟ قالت: لا، قال: لا يضرك، إن كان تطوعاً".
٣٧٠١ - * روى البخاري عن أم الدرداء ﵂ قالت: "كان أبو الدرداء يأتي نهاراً، فيقول: هل عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي هذا".
стр. 2419
قال الحافظ في "الفتح" وصله ابن أبي شيبة من طريق أبي قلابة عن أم الدرداء قالت: كان أبو الدرداء يغدونا أحياناً ضحى فيسأل الغداء، فربما لم يوافقه عندنا، فيقول: إذاً أنا صائم، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي إدريس، وعن أيوب عن أبي قلابة عن أم الدرداء، وعن معمر عن قتادة أن أبا الدرداء كان إذا أصبح سأل أهله الغداء، فإن لم يكن، قال: أنا صائم [م].
وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة (١).
قال الحافظ في "الفتح": أما أثر أبي طلحة، فوصله عبد الرزاق من طريق قتادة، وابن أبي شيبة من طريق حميد كلاهما عن أنس، ولفظ قتادة أن أبا طلحة كان يأتي أهله فيقول: هل من غداء؟ فإن قالوا: لا، صام يومه ذلك، قال قتادة: وكان معاذ بن جبل يفعله، وأما أثر أبي هريرة، فقد وصله البيهقي من طريق ابن أبي ذئب عن حمزة عن يحيى عن سعيد بن المسيب قال: رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق، ثم يأتي أهله فيقول: عندكم شيء؟ فإن قالوا: لا، قال: فأنا صائم، وأما أثر ابن عباس، فوصله الطحاوي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يصبح حتى يظهر ثم يقول: والله لقد أصبحت وما أريد الصوم وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم، ولأصومن يومي هذا، وأما أثر حذيفة، فوصله عبد الرزاق، وابن أبي شيبة من طريق سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال حذيفة: من بدا له الصيام بعدما تزول الشمس فليصم. [م].
стр. 2420
الفصل الرابع
في السحور والإفطار ومتى يبدأ
صوم الصائم ومتى ينتهي