والذي يظهر لي في هذه المسألة ما يلي:
إن المسلم الذي يعلم بدخول رمضان ينوي بفطرته صيامه وصيام كل يوم فيه لأن النية تكون بالقلب فلو دعاه إنسان إلى الغداء غداً وكان رمضان قد دخل فإنه يقول له: غداً رمضان ونحن صائمون .. وقد قال بعضهم: الإنسان العاقل المستيقظ المختار (أي الذي ليس مجنوناً ولا نائماً ولا مكرهاً) لا يمكن أن يعمل عملاً بلا نية ثم إن صلاة التراويح والسحور كل ذلك من مظاهر عقد النية على الصوم. والحالة التي يمكن أن يظهر الخلاف فيها فيما لو نام إنسان قبل المغرب إلى ما بعد طلوع الفجر من اليوم التالي من رمضان أو أسلم إنسان بعد طلوع الفجر أو فاسق لم يكن معتاداً للصوم هداه الله وقرر الصيام بعد طلوع الفجر وقبل منتصف النهار في مثل هذه الأحوال فقط يظهر الخلاف؛ فعلى رأي الحنفية أن هؤلاء لو نووا بعد طلوع الفجر أو قبل الزوال صيام ذلك اليوم صحت النية وجاز الصوم إذا لم يكونوا قد تناولوا مفطراً لأن ركن الصيام وهو الامتناع عن المفطرات قد وجد واجتمعت فيه شروطه من حيث الشخص والزمان والنية فوجب أن يصح صومه لأنه صام في وقت متعين للصيام شرعاً ولأن الصوم ركن واحد ممتد والنية لتعيينه لله تعالى فتترجح بالكثرة جانب الوجود. انظر الهداية وفتح القدير (٢/ ٣٠٣).
فهذه مسألة قليلة الوقوع وانحصر الخلاف بما ذكرنا ولا شك أن الاحتياط أولى ... وهو ما رآه الجمهور.
- نية صوم التطوع وإبطاله
٣٦٩٩ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: يا عائشة، هل عندكم شيء، قالت: قلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء، قال: فإني صائم، قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية- أو جاءنا زور- فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية- أو جاءنا زور- وقد خبأت لك شيئاً، قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه، فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائماً".
стр. 2417
قال طلحة: فحدثت مجاهداً بهذا الحديث، فقال: ذلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها.
وفي أخرى (١) قالت: "دخل علي النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائماً، فأكل".
وفي رواية (٢) النسائي مثلها، وقال في آخره: "فقلت: يا رسول الله دخلت علي وأنت صائم، ثم أكلت حيساً؟ قال: "نعم يا عائشة، إنما منزلة من صام في غير رمضان، أو في غير قضاء رمضان، أو في التطوع، بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخل منها بما بقي فأمسكه".
وفي رواية (٣) الترمذي قالت: دخل علي رسول الله ﷺ يوماً، فقال: "هل عندكم شيء؟ قالت: قلت: لا، قال: فإني صائم".
وفي أخرى (٤) قالت: "كان النبي ﷺ يأتيني، فيقول: "أعندك غداء؟ فأقول: لا، فيقول: "إني صائم، قالت، فأتاني يوماً، فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هي؟ قلت: حيس، قال: "أما إني أصبحت صائماً، ثم أكل".
وفي رواية (٥) أبي داود قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل علي قال: "هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا، قال: إني صائم" زاد وكيع: "فدخل علينا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فحبسناه لك، فقال: أدنيه، قال طلحة: فأصبح صائماً، فأفطر".
стр. 2418
أقول: هذا النص دليل على أن صوم التطوع تجزئ فيه النية قبل منتصف النهار، كما أن فيه دليلاً على أنه يجوز للمتطوع في الصوم أن يفطر متى شاء وهو الذي ذهب إليه الشافعية إلا أن الحنفية أوجبوا عليه القضاء.
٣٧٠٠ - * روى الترمذي عن أم هانئ ﵂ قالت: "كنت قاعدة عند النبي ﷺ ، فأتي بشراب، فشرب منه، ثم ناولني فشربت، فقلت: إني أذنبت فاستغفر لي، فقال: وما ذاك؟ قلت: كنت صائمة فأفطرت، فقال: أمن قضاء كنت تقضينه؟ قلت: لا، فلا يضرك".
وفي رواية (١) مثله، وفيه "فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله ﷺ : الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر".
وفي رواية (٢) "أمير نفسه- أو أمين نفسه- على الشك".
وفي رواية (٣) أبي داود: قالت: "لما كان يوم الفتح- فتح مكة- جاءت فاطمة، فجلست على يسار رسول الله ﷺ وأم هانئ عن يمينه، قال: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب، فناولته، فشرب منه، ثم ناوله أم هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئاً؟ قالت: لا، قال: لا يضرك، إن كان تطوعاً".
٣٧٠١ - * روى البخاري عن أم الدرداء ﵂ قالت: "كان أبو الدرداء يأتي نهاراً، فيقول: هل عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي هذا".
стр. 2419
قال الحافظ في "الفتح" وصله ابن أبي شيبة من طريق أبي قلابة عن أم الدرداء قالت: كان أبو الدرداء يغدونا أحياناً ضحى فيسأل الغداء، فربما لم يوافقه عندنا، فيقول: إذاً أنا صائم، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي إدريس، وعن أيوب عن أبي قلابة عن أم الدرداء، وعن معمر عن قتادة أن أبا الدرداء كان إذا أصبح سأل أهله الغداء، فإن لم يكن، قال: أنا صائم [م].
وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة (١).
قال الحافظ في "الفتح": أما أثر أبي طلحة، فوصله عبد الرزاق من طريق قتادة، وابن أبي شيبة من طريق حميد كلاهما عن أنس، ولفظ قتادة أن أبا طلحة كان يأتي أهله فيقول: هل من غداء؟ فإن قالوا: لا، صام يومه ذلك، قال قتادة: وكان معاذ بن جبل يفعله، وأما أثر أبي هريرة، فقد وصله البيهقي من طريق ابن أبي ذئب عن حمزة عن يحيى عن سعيد بن المسيب قال: رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق، ثم يأتي أهله فيقول: عندكم شيء؟ فإن قالوا: لا، قال: فأنا صائم، وأما أثر ابن عباس، فوصله الطحاوي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يصبح حتى يظهر ثم يقول: والله لقد أصبحت وما أريد الصوم وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم، ولأصومن يومي هذا، وأما أثر حذيفة، فوصله عبد الرزاق، وابن أبي شيبة من طريق سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال حذيفة: من بدا له الصيام بعدما تزول الشمس فليصم. [م].
стр. 2420
الفصل الرابع
في السحور والإفطار ومتى يبدأ
صوم الصائم ومتى ينتهي
стр. 2421
مقدمة
أجمع العلماء على أن الصيام يبدأ من طلوع الفجر حتى غروب الشمس لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقد تساهل أناس فأجازوا لأنفسهم الأكل بعد تأكدهم من طلوع الفجر فخالفوا بذلك الإجماع فأفسدوا صومهم وصوم من تابعهم ووقعوا في الضلال والإضلال وزعموا أنهم يأخذون أنفسهم بالسنة وهذا من زيادة جهلهم وعلامة على أنهم مبتدعون ضلال، فإذا خالف الثقة الثقات أو من هو أوثق منه فإن الحديث يكون شاذاً فكيف إذا خالف نصوص الكتاب والسنة المشتهرة وكيف إذا خالف فهمهم فهوم كل العلماء فخالفوا الإجماع؟! إنها لجرأة على دين الله ما بعدها جرأة ورقة في الدين ما بعدها رقة.
ومن الملاحظ أن التوقيت لأهم العبادات الإسلامية سواء في ذلك الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج قد علق على علامات كونية يعرفها العامة والخاصة ليستحيل التحريف والتبديل وليفتضح المحرف أو المبدل، فالصلاة علقت على طلوع الفجر وزوال الشمس وامتداد ظل كل شيء حتى يكون مثله سوى فيء الزوال، وغروب الشمس وغروب الشفق، والزكاة وقتت بالسنة القمرية، وصوم رمضان وقت برؤية الهلال والفطر وقت برؤية هلال شوال، وذلك أن الشهر الجديد يولد إذا ظهر هلاله بعد غروب الشمس في اليوم التاسع والعشرين أو الثلاثين من الشهر القمري السابق، كما وقت بدء صيام اليوم بطلوع الفجر ووقت للفطر بالغروب، ووقت للحج بشوال وذي القعدة وذي الحجة وهي أشهر قمرية تعرف من خلال رؤية الهلال، ووقت للوقوف بعرفات بعلامات كونية، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
وهكذا ضبطت مواقيت العبادات الإسلامية فلا يستطيع أحد تحريفها أو تبديلها. وغلى نصوص هذا الفصل وفوائده.
стр. 2422
- فضل السحور:
٣٧٠٢ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تسحروا، فإن في السحور بركة".
٣٧٠٣ - * روى النسائي عن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يتحر، فقال: "إنها بركة أعطاكم الله إياها، فلا تدعوه".
٣٧٠٤ - * روى مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر".
٣٧٠٥ - * روى النسائي عن المقدام بن معد يكرب ﵁ أنر سول الله ﷺ قال: "عليكم بغداء السحور، فإنه الغداء المبارك".
٣٧٠٦ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نعم سحور المؤمن: التمر".
٣٧٠٧ - * روى أبو يعلى عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "قربي إلينا الغداء المبارك يعني السحور" وربما لم يكن إلا تمرتين.
стр. 2423
- وقت السحور:
٣٧٠٨ - * روى الشيخان عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس بن مالك: قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية".
وفي رواية (١) عن قتادة: "أن رسول الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا" جعله من مسند أنس.
٣٧٠٩ - * روى النسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "تسحر رسول الله ﷺ وزيد بن ثابت، ثم قاما، فدخلا في صلاة الصبح، فقلت لأنس: كم كان بين فراغهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الإنسان خمسين آية".
وفي رواية (٢): قال رسول الله ﷺ وذلك عند السحر: "يا أنس، إني أريد الصيام، فأطعمني شيئاً، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء- وذلك بعد أن أذن بلال- قال: يا أنس، انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فقال: إني شربت شربة سويق، وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله ﷺ : وأنا أريد الصيام، فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة".
وفي رواية (٣) البخاري عن أنس: "أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا فلما فرغا من سحورهما، قام النبي ﷺ إلى الصلاة، فصلى، قال: قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية".
أقول: كان سحور رسول الله ﷺ بعد أذان بلال، ومن المعلوم أن بلالاً كان يؤذن قبل طلوع الفجر الأذان الأول وهو الذي نسميه الآن أذان الإمساك، وهو قبل الفجر، فليس
стр. 2424
في الحديث مستمسك لمن يقول بجواز الأكل بعد الفجر، بل هو حجة عليه، والنص دليل على استحباب تأخير السحور وهو السنة، على ان ينتهي السحور قبيل طلوع الفجر.
٣٧١٠ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كنت أتسحر في أهلي ثم يكون بي سرعة أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ".
٣٧١١ - * روى النسائي عن زر بن حبيش ﵀ قال: "قلنا لحذيفة: أية ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع".
وفي رواية (١) قال زر بن حبيش: "تسحرت [مع حذيفة]، ثم خرجنا، إلى الصلاة فلما أتينا المسجد صلينا ركعتين، وأقيمت الصلاة، وليس بينهما إلا هنيهة".
وفي رواية (٢) عن صلة بن زفر: "تسحرت مع حذيفة، ثم خرجنا إلى المسجد، فصلينا ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة فصلينا".
أقول: قول حذيفة (والنهار إلا أن الشمس لم تطلع) إن لم يتطرق إليه وهم الراوي فهو محمول على أن السحور كان متأخراً، وتأخير السحور هو السنة، لكن السحور يكون قبل طلوع الفجر، والنهار يبدأ منذ طلوع الفجر، ولا يصح أن يستند على هذه الرواية ليأكل بعد طلوع الفجر الذي تعين بنص القرآن أنه بدء الصوم، والفتوى: أن من أكل بعد طلوع الفجر عامداً متعمداً وهو يعلم طلوع الفجر أن عليه القضاء والكفارة، وهو مع ذلك آثم.
وقد احتمل الطحاوي أن يكون هذه الرواية وأشباهها كانت قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وهذا كلامه ﵀: ففي هذا الحديث عن حذيفة أنه أكل بعد طلوع الفجر، وهو يريد
стр. 2425
الصوم، ويحكى مثل ذلك عن رسول الله ﷺ .
وقد جاء عن رسول الله ﷺ خلاف ذلك، فهو ما قد روينا عنه مما تقدم ذكرنا له في كتابنا هذا أنه قال: "إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"، وأنه قال: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه إنما يؤذن لينتبه نائمكم وليرجع قائمكم" ثم وصف الفجر بما قد وصفه به. فدل ذلك على أنه هو المانع للطعام والشراب وما سوى ذلك مما يمنع منه الصائم.
فهذه الآثار التي ذكرنا مخالفة لحديث حذيفة.
وقد يحتمل حديث حذيفة عندنا- والله أعلم- أن يكون كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
فإنه حدثنا أحمد بن داود بن موسى قال: ثنا إسماعيل بن سالم، قال حدثنا هشيم قال: أنبأنا حصين ومجالد عن الشعبي قال: أخبرنا عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، فجعلت أنظر إليهما، فلا يتبين لي الأبيض من الأسود. فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت فقال: "إن وسادك لعريض إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل"ز
حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا هشيم، قال حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي عن عدي عن رسول الله ﷺ مثله.
حدثنا محمد، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس الأودي، عن حصين، فذكر بإسناده مثله حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا الفضل بن سليمان عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي، قال: لما نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ جعل الرجل يأخذ خيطاً أبيض وخيطاً أسود فيضعهما تحت وسادة، فينظر متى يستبينهما فيترك الطعام، قال فبين الله عز وجل
стр. 2426
ذلك، ونزلت ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.
فلما كان حكم هذه الآية قد أشكل على أصحاب رسول الله ﷺ حتى بين الله لهم من ذلك ما بين، وحتى أنزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بعدما قد أنزل ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ فكان الحكم أن يأكلوا ويشربوا حتى يتبين لهم ذلك، حتى نسخ الله بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على ما ذكرنا- ما قد بينه سهل في حديثه.
واحتمل أن يكون ما روى حذيفة من ذلك عن رسول الله ﷺ كان قبل نزول تلك الآية، فلما أنزل الله تلك الآية أحكم ذلك، ورد الحكم إلى ما بين فيها.
وقد روي عن رسول الله ﷺ في ذلك، ما قد حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم، والخضر بن محمد بن شجاع، قال: حدثنا ملازم بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن بدر السحيمي، قال: حدثني جدي قيس بن طلق، قال: حدثني أبي أن نبي الله ﷺ قال: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم- لا يمنعكم- الساطع المصعد، كلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" قال الخطابي معناه: أن يستطير البياض المعترض معه أوائل الحمرة، والمراد الفجر الصادق- وأشار بيده واعرضها.
فلا يجب ترك آية من كتاب الله تعالى نصاً، وأحاديث عن رسول الله ﷺ متواترة قد قبلتها الأمة وعملت بها من لدن رسول الله ﷺ إلى اليوم، إلى حديث قد يجوز أن يكون منسوخاً بما ذكرناه في هذا الباب اهـ. شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/ ٥٢ - ٥٤).
يضاف إلى هذا أن في سند الحديث الذي فيه (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع): عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود وهو حجة في القراءة وقد وثقه جماعة من العلماء وأثنوا عليه لكن تكلم بعضهم في حفظه وضبطه. فقال ابن سعد: كان ثقة إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه، وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب، وكان ابن علية يقول: كل من اسمه عاصم سيئ الحفظ، وقال ابن خراش: في حديثه نكرة، وقال العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ، وقال الدارقطني: في حفظه شيء (التهذيب ٥/ ٣٩). وهكذا فإنه لا يبعد أن يكون قد وقع وهم ما في هذه الرواية مع مخالفتها لما صح عن رسول الله من وجوب الإمساك عند طلوع الفجر الصادق. على أنه يمكن الجمع بين الروايات بما لا يخالف
стр. 2427
الثابت عن رسول الله ﷺ . قال السندي في حاشيته على النسائي (٤/ ١٤٢) ... والمراد أنه في قرب طلوع الفجر حيث يقال إنه النهار نعم ما كان الفجر طالعاً. ا. هـ. ويؤيد هذا أن الرواية الثانية وهي من غير طريق عاصم ليس فيها ذكر هذا بل فيها إشارة على تأخير السحور إلى آخر وقته بحيث خرجوا إلى المسجد ثم صلوا ركعتين ثم أقيمت الصلاة وكذا رواية صلة الأخرى وليس فيها ما في رواية عاصم مما يجعلنا لا نطمئن إلى ظاهر رواية عاصم لمخالفتها لغيرها مع ما عرف عن عاصم من الوهم ثم إنه سيرد معنا بعد قليل أن ابن أم مكتوم لم يكن يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت، ومعلوم أنه وقت الفجر بلا اختلاف فهذا مما يفسر هذا أو أن الجميع عند طلوع الفجر لا بعده والله أعلم ... وقال العلامة الجصاص في (أحكام القرآن ١/ ٢٨٥ - ٢٨٦):
فإن قيل قد روي عن حذيفة قال تسحرنا مع رسول الله ﷺ وكان نهاراً إلا أن الشمس لم تطلع. قيل له لا يثبت ذلك عن حذيفة وهو مع ذلك من أخبار الآحاد فلا يجوز الاعتراض به على القرآن قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فأوجب الصوم والإمساك عن الأكل والشرب بظهور الخيط الذي هو بياض الفجر، وحديث حذيفة إن حمل على حقيقته كان مبيحاً لما حظرته الآية وقال النبي ﷺ في حديث عدي بن حاتم هو بياض النهار وسواد الليل فكيف يجوز الأكل نهاراً في الصوم مع تحريم الله تعالى إياه بالقرآن والسنة، ولو ثبت حديث حذيفة من طريق النقل لم يوجب جواز الأكل في ذلك الوقت لأنه لم يعز الأكل إلى النبي ﷺ وإنما أخبر عن نفسه أنه أكل في ذلك الوقت لا عن النبي ﷺ فكونه مع النبي ﷺ في وقت الأكل لا دلالة فيه على علم النبي ﷺ بذلك منه وإقراره عليه، ولو ثبت أنه ﷺ علم بذلك وأقره عليه احتمل أن يكون ذلك كان في آخر الليل قرب طلوع الفجر فسماه نهاراً لقربه منه ا. هـ.
٣٧١٢ - * روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن- أو قال: ينادي-
стр. 2428
بليل، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، وليس الفجر أن يقول: هكذا- وجمع بعض الرواة كفيه- حتى يقول: هذا، ومد إصبعيه السبابتين".
وفي رواية (١): "هو المعترض، وليس بالمستطيل".
وفي رواية النسائي (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالاً يؤذن بليل، لينبه نائمكم، ويرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول: هكذا- وأشار بكفه- ولكن الفجر: أن يقول: هكذا، وأشار بالسبابتين". والروايات القادمة توضح المراد أكثر.
أقول: يذكر العلماء أن هناك فجراً كاذباً وفجراً صادقاً، ويسمون الفجر الكاذب، الفجر المستطيل، والفجر الصادق: الفجر المستطير، فالفجر الكاذب شعاع طولاني يظهر قبل الفجر الصادق، ولا يترتب عليه حكم، والفجر الصادق هو الفجر المعترض بالأفق وهو الذي يترتب عليه أحكام الصلاة والصيام، وقد أخذ العلماء اصطلاحي: الفجر الكاذب والفجر الصادق من روايات كثيرة منها الرواية التي مرت معنا. والذي لا يعرف الحقيقة ولا يعرف اصطلاح العلماء ولا يعرف معنى الرواية عن رسول الله ﷺ قد يخلط بين الفجر ويخلط في الأحكام ويقع في الإثم والعصيان.
٣٧١٣ - * روى الشيخان عن عائشة وعبد الله بن عمر ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
وفي رواية (٣) عنها وعن ابن عمر: "أن بلالاً كان يؤذن بليل، فقال رسول الله ﷺ : كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر".
وفي أخرى (٤) عن ابن عمر قال: "كان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول الله: إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن
стр. 2429
ابن أم مكتوم، قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا".
وفي عقبه متصلاً به من حديث عبد الله بن عمر: عن القاسم، عن عائشة عن النبي ﷺ بمثله.
وفي رواية النسائي (١) قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أذن بلال فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم، [قالت]: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا".
٣٧١٤ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، قال: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت".
وأخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣) إلى قوله: حتى ينادي ابن أم مكتوم".
٣٧١٥ - * روى مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا- وحكاه حماد بن زيد بيديه- قال: يعني: معترضاً".
وفي رواية الترمذي (٤) "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق".
وفي رواية أبي داود (٥) "لا يمنعن من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق
стр. 2430
الذي هو هكذا حتى يستطير".
وفي رواية النسائي (١) "لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض، حتى ينفجر الفجر- هكذا وهكذا- يعني: معترضاً".
قال أبو داود- يعني: الطيالسي- بسط يديه يميناً وشمالاً، ماداً يديه.
أقول: العبرة في ظهور الفجر للرؤية العادية في وضع لا توجد فيه مؤثرات، فمثلاً أهل المدن في عصرنا يعيشون في أنوار الكهرباء وهذا يؤثر على رؤيتهم للفجر، ولذلك درج الناس في عصرنا على متابعة الإمساكيات والتقويمات لأنها هي التي تحدد وقت طلوع الفجر على ضوء الرؤية العادية في الأوضاع العادية كما دل عليه الاستقراء.
٣٧١٦ - * روى النسائي عن أنيسة بنت خبيب الأنصارية ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أذن ابن أم مكتوم فلا تأكلوا ولا تشربوا، وإذا أذن بلال فكلوا واشربوا".
أقول: هذا النص تأكيد للنصوص السابقة في أن ابن أم مكتوم كان يؤذن إذا طلع الفجر وهذا يوجب الامتناع عن الطعام، أما بلال فكان يؤذن قبل طلوع الفجر فلا يمنع أذانه من الأكل والشرب.
٣٧١٧ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "الفجر فجران، فجر يحرم فيه الطعام ويحل فيه الصلاة، وفجر يحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام".
قال ابن خزيمة: في هذا الخبر دلالة على أن صلاة الفرض لا يجوز أداؤها قبل دخول وقتها.
стр. 2431
قال ابن خزيمة قوله: فجر يحرم فيه الطعام، يريد: على الصائم، ويحل فيه الصلاة، يريد: صلاة الصبح. وفجر يحرم فيه الصلاة، يريد صلاة الصبح. إذا طلع الفجر الأول لم يحل أن يصلي في ذلك الوقت صلاة الصبح، لأن الفجر الأول يكون بالليل، ولم يرد أنه لا يجوز أن يتطوع بالصلاة بعد طلوع الفجر الأول. وقوله: ويحل فيه الطعام، يريد: لمن يريد الصيام، قال ابن خزيمة: لم يرفعه في الدنيا غير أبي أحمد الزبيري.
٣٧١٨ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يدعه حتى يقضي حاجته".
قال في (عون المعبود ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧) (حتى يقضي حاجته أي بالأكل والشرب):
قال الخطابي هذا على قوله (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) أو يكون معناه إن سمع الأذان وهو يشك في الصبح مثل أن تكون السماء متغيمة فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معدومة ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضاً فإذا علم انفجار الصبح فلا حاجة إلى أذان الصباح لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. انتهى. قال في فتح الودود: قال البيهقي: إن صح هذا يحمل عند الجمهور على أنه ﷺ قال حين كان المنادي ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر. قلت: من يتأمل في هذا الحديث وكذا حديث (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) وكذا ظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ يرى أن المدار هو تبين الفجر وهو يتأخر عن أوائل الفجر بشيء والمؤذن لانتظاره يصادف أوائل الفجر فيجوز الشرب حينئذ إلى أن يتبين. لكن هذا خلاف المشهور بين العلماء فلا اعتماد عليه عندهم والله أعلم. انتهى. وقال في البحر الرائق: اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوعه أو لاستطارته أو لانتشاره، والظاهر الأخير لتعريفهم الصادق به. وقال علي القاري: قوله ﷺ : "حتى يقضي حاجته منه" هذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع. وقال
стр. 2432
ابن الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه فلا. ا. هـ.
وقال ابن حجر: وأما ما نقل عن جمهور الصحابة أن المراد بالفجر الإسفار فهو مما كاد الإجماع أن ينعقد على خلافه. ا. هـ.
والخلاصة أن من تأكد من طلوع الفجر الصادق لا يجوز له أن يأكل أو يشرب لتواتر الأدلة على ذلك، وهذا الحديث يجمع بينه وبين الأدلة فيما إذا كان شاكاً وترجح لديه عدم دخول وقت الفجر أو على أذان بلال أو حين ينادي المنادي قبيل طلوع الفجر.
وقد جاء في (متن الخرقي ٣/ ١٣٦): أن من أكل يظن الفجر لم يطلع وقد كان طلع أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغلب فعليه القضاء، وقال ابن قدامة: هذا قول أكثر أهل العلم من الفقهاء وغيرهم. وإن أكل شاكاً في طلوع الفجر ولم يتبين له الأمر فليس عليه قضاء وله الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر. ا. هـ.
أقول: وعلى هذا يحمل مثل هذا الحديث؛ لكن هذا لمن قام يتحرى طلوع الفجر؛ أما من لم يفعل فعليه اتباع الأدلة المقامة على ذلك كالأذان ونحوه.
- وقت الإفطار:
٣٧١٩ - * روى الشيخان عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم".
وفي رواية الترمذي (١) "فقد أفطرت".
وفي رواية أبي داود (٢) "إذا جاء الليل من هاهنا، وذهب النهار من هاهنا".
زاد في رواية (٣): "فقد أفطر الصائم".
стр. 2433
(فقد أفطر الصائم) أي أنه صار في حكم المفطر وإن لم يأكل ولم يشرب، وقيل: معناه: أنه دخل وقت الفطر، وجاز له أن يفطر، كما قيل: أصبح الرجل: إذا دخل في وقت الصبح، وكذلك أمسى وأظهر.
قال ابن خزيمة: هذه اللفظة "فقد أفطر الصائم"، لفظ خبر ومعناه معنى الأمر، أي: فليفطر الصائم إذ قد حل له الإفطار.
٣٧٢٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: يا فلان، انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله، إن عليك نهاراً، قال: انزل فاجدح لنا، قال: فنزل فجدح، فأتي به، فشرب النبي ﷺ ، ثم قال بيديه: إذا غابت الشمس من هاهنا، وجاء الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم".
وفي رواية (١) قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما غابت الشمس قال لرجل: انزل فاجدح لنا، فقال: يا رسول الله لو أمسيت، فقال: انزل فاجدح لنا، فقال: إن علينا نهاراً، فنزل فجدح له، فشرب، ثم قال: إذا رأيتم الليل قد اقبل من هاهنا- وأشار بيده نحو المشرق- فقد أفطر الصائم".
وعند البخاري (٢) قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر، فصام، حتى أمسى قال للرجل: انزل فاجدح لي، قال: لو انتظرت حتى تمسي، قال: انزل فاجدح لي، إذا رأيت الليل أقبل من هاهنا، فقد أفطر الصائم".
٣٧٢١ - * روى مالك عن حميد بن عبد الرحمن "أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود، قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة، وذلك في رمضان".
стр. 2434
- فضل تعجيل الفطر:
٣٧٢٢ - * روى مالك عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
٣٧٢٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون".
٣٧٢٤ - * روى مسلم عن مالك بن عامر أبي عطية ﵀ قال: "دخلت أنا ومسروق بن الأجدع على عائشة أم المؤمنين، فقلت: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ ؛ أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة؟ قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله بن مسعود، قالت: كذا كان يصنع رسول الله ﷺ ".
زاد في رواية (١) "والآخر أبو موسى".
وفي أخرى (٢) قال لها مسروق: "رجلان من أصحاب محمد ﷺ ، كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يعجل المغرب والإفطار، والآخر يؤخر المغرب والإفطار، فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟ قال: عبد الله، فقالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع".
стр. 2435
٣٧٢٥ - * روى الطبراني عن عمرو بن حريث قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ : أسرع الناس إفطاراً وأبطأهم سحوراً.
- على ماذا يفطر الصائم:
٣٧٢٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد تمراً فليفطر عليه، ومن لا، فليفطر على ماء، فإن الماء طهور".
وفي رواية لأبي داود (١) قال: "كان رسول الله ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء".
٣٧٢٧ - * روى الترمذي عن سلمان بن عامر الضبي يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء، فإنه طهور، وقال: الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة".
وللترمذي (٢) وأبي داود (٣) في أخرى إلى قوله: "طهور" ولم يذكرا "فإنه بركة".
أقول: الفطر على التمر والرطب يعدل حموضة المعدة ويسبب وصول السكر إلى الدم بسرعة، وتلك حكمة صحية اكتشفها الناس في عصرنا، ومن المعروف أن المعدة إذا كانت فارغة تتجمع فيها الأحماض وأن الماء يجرف هذه الأحماض من المعدة خلال خمس دقائق من دخول على المعدة، ومن ها هنا تعرف حكمة الإفطار على الماء إذا لم يوجد التمر، فإن لم يوجد تمر وماء فالمسلم يتعامل مع نفسه بالحكمة والذي يبدو أن البعد عن الأحماض في الفطر فيه مصلحة للجسد.
стр. 2436
- الدعاء عند الإفطار:
٣٧٢٨ - * روى أبو داود عن معاذ بن زهرة بلغه أن رسول الله ﷺ "كان إذا أفطر قال: "اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت".
٣٧٢٩ - * روى أبو داود عن مروان بن سالم المقفع قال: "رأيت ابن عمر يقبض على لحيته، فيقطع ما زاد على الكف، وقال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله".
زاد رزين "الحمد لله" في أول الحديث.
وقد سبق تفصيل هذا الأمر.
стр. 2437
مسائل وفوائد
قال الكاساني في كتابه (بدائع الصنائع ٢/ ٨٣):
(وحكي عن أبي عبد الله بن أبي موسى الضرير أنه استفتي في أهل إسكندرية أن الشمس تغرب بها ومَن على منارتها يرى الشمس بعد ذلك بزمان كثير، فقال: يحل لأهل البلد الفطر ولا يحل لمن على رأس المنارة إذا كان يرى غروب الشمس لأن مغرب الشمس يختلف كما يختلف مطلعها فيعتبر في أهل كل موضع مغربه). ا. هـ.
أقول: وقد بنى على هذه المسألة بعض فضلاء العصر فقالوا: إن من كان على ساحل البحر ورأى غروب قرص الشمس فله أن يفطر أما الذي في بناية مرتفعة بنفس المكان فليس له أن يفطر إلا بعد رؤية غروب الشمس الذي يتأخر عن غروبها في حق الأول (انظر فتاوى الطنطاوي ٢٣٢) لكن أستاذنا مصطفى الزرقاء منع فطر الأول ما دام يرى للشمس أثر على الأمكنة المرتفعة، واحتج بأن جواز الفطر للصائم معلق على شيئين: غياب النهار ومجيء الليل للحديث (إذا أدبر النهار من ههنا وأقبل الليل من ههنا أفطر الصائم)، وما دام للشمس أثر فإن الليل لم يأت. اهـ. رأي الزرقاء سماعاً منه.
نعم، لو كان إنسان على ساحل البحر وكان هناك جرم في الفضاء كطائرة مثلا ليس متصلاً بالأرض فالفطر في حق الموجود في هذا الجرم يختلف عن الفطر في حق الموجود على الأرض.
وبناء على هذا فالعبرة لطلوع الفجر وغروب الشمس بالنسبة للمكلف فلو كان ناس في سفح جبل يحجبهم عن طلوع الفجر فإن بدء صيامهم يتأخر على من كان في رأس الجبل لأن الفجر يتأخر طلوعه في حقهم، والصورة الأخرى أنه من كان في سفح الجبل فالغروب في حقه يتقدم على من كان أعلى الجبل بشرط ألا يرى الذي في سفح الجبل أي أثر للشمس.
قال ابن عابدين "٢/ ٨٠": (والمراد بالغروب زمان غيبوبة جرم الشمس بحيث تظهر الظلمة في الشرق).
стр. 2438
- الجمهور على أن المسافر لا يحل له الفطر في اليوم الأول إذا لم يتجاوز عمران بلده قبله الفجر، أما في الأيام الأخرى فله الفطر ما دام له حكم المسافر، وله الفطر في اليوم الأول إذا جاوز عمران بلده قبل الفجر، وإفطاره إفطار أهل البلد الذي يدركه فيه الغروب، إلا أنه في عصرنا وجدت صور منها خروج الإنسان خارج دائرة الأرض، ومنها سفره بسرعة تعدل سرعة الأرض فقد لا تغيب عنه الشمس أبداً أو لا يفارقه الليل أبداً، كالسفر في المركبات السريعة جداً إذا سافر باتجاه الشرق فإن يومه يقصر جداً وإذا سافر باتجاه الغرب فإن نهاره يطول جداً، ففي هاتين الصورتين يفطر الإنسان وقت فطر أهل بلده الذي سافر منه، أما في صورة السفر خارج الأرض فههنا نفتيه بالفطر حسب فطر أهل بلده وندعوه لقضاء هذه الأيام.
- مسألة:
من تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع بعد فإذا الفجر قد طلع، فسد صومه، لوجود صورة الإفطار ومعناه من أكل ما ينتفع به، لكن لا إثم عليه، ولا كفارة، وإنما عليه القضاء فقط لأن الجناية على الصيام ناقصة بانعدام القصد إلى الإفطار، وإن كان قد فاته الاحتياط المطلوب.
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إن كان في موضع يستبين الفجر ويرى مطلعه من حيث يطلع وليس هناك علة فليأكل ما لم يستبن له الفجر. وقال رحمه الله تعالى: إن كان في موضع لا يرى فيه الفجر، أو كانت الليلة مقمرة وهو يشك في الفجر فلا يأكل، وإن أكل فقد أساء. وإن كان أكبر رأيه أنه أكل والفجر طالع قضى وإلا لم يقض، وسواء كان في سفر أو حضر. والأمر قائم على الاحتياط للصوم وحين لا سبيل إلى العلم بحال الطلوع فالواجب الإمساك استبراء لدينه، وفي الحديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة) فمن شك فلا سبيل له إلى تبين طلوع الفجر في أول ما يطلع حتى يكون مستبرئاً لدينه وعرضه، مجتنباً للريبة غير مواقع لحمى الله تعالى.
وقال مالك: أكره أن يأكل إذا شك في الفجر، وإن أكل فعليه القضاء. وقال
стр. 2439
عبيد الله بن الحسن والشافعي: إن أكل شاكاً في الفجر فلا شيء عليه.
وأما قول من قال: إنه يأكل شاكاً من غير اعتبار منه بحال إمكان التبين في حال طلوعه؛ أو تعذر ذلك عليه، فذلك إغفال منه، لأن الضرير لو كان في موضع ليس بحضرته من يعرفه طلوع الفجر لم يجز له الإيدام على الأكل بالشك، وهو لا يأمن أن يكون قد أصبح، وكذلك من كان في بيت مظلم لا يأمن طلوع الفجر لم يجز له الإيدام على الأكل بالشك.
روى أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: أفطر عمر رضي الله تعالى عنه وأصحابه في يوم غيم ظنوا أن الشمس قد غابت فقال: فطلعت، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: "ما تعرضنا لجنف- ما قصدنا إلى إثم- نتم هذا اليوم ثم نقضي يوماً مكانه" ورواه ابن أبي شيبة بطرق، منها رواية حنظلة عن أبيه قال: شهدت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في رمضان وقرب إليه شراب فشرب بعض القوم وهم يرون الشمس قد غربت، ثم ارتقى المؤذن فقال: يا أمير المؤمنين، والله إن الشمس طالعة لم تغرب، فقال: عمر رضي الله تعالى عنه "من كان أفطر فليصم يوماً مكانه ومن لم يكن أفطر فليتم حتى تغرب الشمس".
انظر (أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
(وفتح القدير ٢/ ٣٧٢ فما بعدها)، (الصيام للشيخ وهبي ص: ١٠٦ - ١٠٧).
стр. 2440
الفصل الخامس
في الأعذار التي تبيح الفطر
стр. 2441
عرض إجمالي
- الأعذار المبيحة للفطر:
١ - السفر: السفر المبيح للفطر: هو السفر الطويل الذي يبيح قصر الصلاة الرباعية، وذلك لمسافة تقدر بحوالي (٨٩ كم) وبشرط عند الجمهور: أن ينشئ السفر قبل طلوع الفجر ويصل إلى مكان يبدأ فيه جواز القصر هو بحيث يترك البيوت وراء ظهره، إذ لا يباح له الفطر بالشروع في السفر بعد ما أصبح صائماً، تغليباً لحكم الحضر على السفر إذا اجتمعا.
والمالكية يبيحون الفطر بسبب السفر بأربعة شروط: أن يكون السفر سفر قصر، وأن يكون مباحاً، وأن يشرع قبل الفجر إذا كان أول يوم، وأن يبيت الفطر. ولو أصبح المسافر صائماً، ثم بدا له أن يفطر، جاز له ذلك ولا إثم عليه عند الشافعية والحنابلة، ويحرم الفطر ويأثم عند الحنفية والمالكية وعليه القضاء فقط عند الجمهور، والقضاء والكفارة عند المالكية، لأنه أفطر في صوم رمضان. والصوم عند الحنفية والشافعية أفضل للمسافر إن لم يتضرر، أو لم يكن- عند الحنفية- عامة رفقته مفطرين، ولا مشتركين في النفقة فإن كانوا مشتركين في النفقة أو مفطرين، فالأفضل فطره موافقة للجماعة، ويجب الفطر ويحرم الصوم في حال الضرر.
وقال المالكية والحنابلة: يسن الفطر ويكره الصوم في حالة سفر القصر ولو بلا مشقة. وإن صام المسافر ومثله أصحاب الأعذار أجزأه باتفاق المذاهب الأربعة عن فرضه.
٢ - المرض: وضابط المرض المبيح للفطر هو الذي يشق معه الصوم مشقة شديدة أو يخاف الهلاك منه إن صام، أو يخاف بالصوم زيادة المرض أو بطء البرء أي تأخره. ولا يجب عند الجمهور على المريض أن ينوب الترخص بالفطر، ويجب ذلك عند الشافعية
стр. 2442
وإلا كان آثماً. وإن صام المريض في مرضه أجزأه صومه لصدوره من أهله في محله كما لو أتم المسافر.
وقال المالكية: للمريض أحوال أربعة:
أ- ألا يقدر على الصوم بحال أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام، فالفطر عليه واجب.
ب- أن يقدر على الصوم بمشقة الفطر له جائز، فهم كالحنفية والشافعية.
ج- أن يقدر بمشقة ويخاف زيادة المرض، ففي وجوب فطره قولان.
د- ألا يشق عليه ولا يخاف زيادة المرض، فلا يفطر عند الجمهور، ولا يصح بالاتفاق لمريض ولا مسافر أن يصوم تطوعاً في رمضان. وكذا لا يصح عند الجمهور أن يصوم واجباً آخر.
٣ - ٤ - الحمل والرضاع: يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على أنفسهما أو على الولد، سواء أكان الولد ولد المرضعة أم لا، وإذا أفطرتا وجب القضاء دون الفدية عند الحنفية، ومع الفدية إن خافتا على ولدهما فقط عند الشافعية والحنابلة، ومع الفدية على المرضع فقط لا الحامل عند المالكية.
٥ - الهرم: يجوز إجماعاً الفطر للشيخ الفاني والعجوز الفانية العاجزين عن الصوم في جميع فصول السنة ولا قضاء عليهما، لعدم القدرة، وعليهما عن كل يوم فدية طعام مسكين، ومثلهما: المريض الذي لا يرجى برؤه.
٦ - إرهاق الجوع والعطف: فإن خاف على نفسه الهلاك، حرم عليه الصيام وعليه القضاء.
٧ - الإكراه الملجئ: يباح الفطر للمستكره بقتل أو قطع عضو أو سجن طويل وعليه عند الجمهور القضاء.
وقال الحنفية: إن المحارب الذي يخاف الضعف عن القتال وليس مسافراً له الفطر قبل الحرب أو أثناءها ومن له نوبة حمى أو عادة حيض، لا بأس بفطره على ظن وجوده. وإذا أصبح المريض أو المسافر على نية الصيام، ثم زال عذره لم يجز له الفطر، وإن أصبح على
стр. 2443
نية الفطر ثم زال عذره لم يجز الأكل بقية يومه، وكذلك من أصبح مفطراً لعذر مبيح ثم زال عنه في بقية يومه لم يجز له الأكل عند الجمهور. قال أبو بكر الآجري: من صنعته شاقة فإن خاف بالصوم تلفاً أفطر وقضى إن ضره ترك الصنعة، فإنه لم يضره تركها أثم بالفطر، وإن لم ينتف التضرر بتركها، فلا إثم عليه بالفطر للعذر. وقرر جمهور الفقهاء أنه يجب على صاحب العمل الشاق كالحصاد والخباز والحداد وعمال المناجم أن يتسحر وينوي الصوم، فإن حصل له عطش شديد أو جوع شديد يخاف منه الضرر، جاز له الفطر، وعليه القضاء، فإن تحقق الضرر وجب الفطر. وقال الحنابلة: يجب الفطر على من احتاجه غيره لإنقاذ آدمي معصوم من مهلكة كغرق ونحوه، ولا يفدي، فإن قدر بدون فطر حرم فإن دخل الماء حلقه، لم يفطر.
انظر: (مراقي الفلاح ١١٥ - ١١٧)، (الشرح الصغير ١/ ٦٨٩ - ٣٩١)، (المهذب ١/ ١٧٨)، (المغني ٣/ ٩٩)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٦٤١ فما بعدها).
стр. 2444
- الفطر للمسافر وفضل الفطر عند المشقة:
٣٧٣٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام؟ فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة".
زاد في رواية (١) "فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر".
قال ابن خزيمة: فهذا الخبر بين واضح أن النبي ﷺ سماهم عصاة إذ عزم عليهم في الفطر ليكون أقوى لهم على عدوهم إذ قد دنوا منهم، ويحتاجون إلى محاربتهم، فلم يأتمروا لأمره، فلما عزم النبي ﷺ بالفطر، ليكون الفطر أقوى لهم، فصاموا حتى كان يغشى على بعض ويحتاج إلى أن يظلل، وينضح الماء عليه، فيضعفوا عن محاربة عدوهم، جاز أن يسميهم عصاة إذ أمرهم بالتقوى لعدوهم، فلم يطيعوا، ولم يتقووا لهم.
٣٧٣١ - * روى ابن خزيمة عن أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ كان في سفر ومعه أصحابه، فشق عليهم الصوم، فدعا رسول الله ﷺ بإناء فيه ماء، فشرب- وهو على راحلته- والناس ينظرون إليه.
стр. 2445
٣٧٣٢ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "سافر رسول الله ﷺ في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء من ماء، فشرب نهاراً ليراه الناس، وأفطر حتى قدم مكة، قال: وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر.
ولمسلم (١) أن ابن عباس قال: "لا تعب على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر".
وللبخاري (٢) قال: "خرج النبي ﷺ في رمضان إلى حنين، والناس مختلفون، فصائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعاء بإناء من لبن أو ماء، فوضعه على راحلته- أو راحته- ثم نظر الناس فقال المفطرون للصوام: أفطروا".
- حكم الإفطار لمن شرع بالسفر بعد الفجر وكان قد نوى الصيام:
ذكرنا في العرض الإجمالي أنه يشترط لمن يريد الفطر في السفر أن يكون قد أنشأ السفر قبل الفجر أو يفطر في اليوم التالي من سفره أي إن اليوم الأول من سفره إذا كان بعد طلوع الفجر وكان قد نوى الصيام لا يجوز له الفطر هذا عند الجمهور. وقال ابن تيمية (٢٥/ ٢٠٩): إن في ذلك قولين مشهورين للعلماء وهما روايتان عن أحمد. ا. هـ.
стр. 2446
والحديث الذي هنا لا يشير إلى أن رسول الله ﷺ أفطر في اليوم الذي سافر فيه فقد خرج صائماً وصام عدة أيام ثم أفطر في أثناء الطريق قبل وصوله مكة. وذهب المزني كما في مختصره (٢/ ١٤) وفي رواية عن أحمد بجواز الإفطار في يوم السفر لمن أنشأ السفر وهو صائم. لحديث سيرد معنا عن عبيد بن جبير. وقال الجمهور إن الصوم عبادة كالصلاة فمن دخل في صلاة فلا يجوز أن يخرج منها كذلك من نوى الصوم ودخل فيه لا يجوز له أن يبطله، وعلى هذا فالحكم أن يتم من يسافر بعد طلوع الفجر صوم ذلك اليوم فإذا وقع في المشقة والحرج فلا عليه أن يفطر وقد نص الحنفية وغيرهم أنه إذا أفطر في هذه الحالة عليه قضاء فقط دون الكفارة. ونرجو أن لا يكون هناك إثم.
٣٧٣٣ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نسافر مع رسول الله ﷺ ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم".
وفي رواية (١): قال حميد بن أبي حميد الطويل "خرجت فصمت، فقالوا لي: أعد، فقلت: إن أنساً أخبرني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلقيت ابن أبي مليكة، فأخبرني عن عائشة بمثله".
وفي رواية (٢) أبي داود قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فصام بعضنا، وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم".
٣٧٣٤ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بلغ النبي ﷺ عام الفتح مر الظهران، فآذننا بلقاء العدو، فأمرنا بالفطر، فأفطرنا أجمعين".
стр. 2447
٣٧٣٥ - * روى مسلم عن ربيعة بن يزيد: قال قزعه: "أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور عليه، فلما تفرق الناس عنه قلت: إني أسألك عما يسألك هؤلاء، فسألته عن الصوم في السفر؟ فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلاً، فقال: رسول الله ﷺ : إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا، وكانت عزمة، فأفطرنا ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر.
وله (١) عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام، ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم".
وفي رواية (٢) "لثماني عشرة خلت".
وفي أخرى (٣) "في ثنتي عشرة".
وفي أخرى (٤) "لسبع عشرة- أو تسع عشرة".
وأخرج أبو داود (٥) الرواية الأولى، وقال في أولها: "وهو يفتي الناس وهو مكثور عليه، فانتظرت خلوته، فلما خلا سألته عن صيام رمضان في السفر؟ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في رمضان عام الفتح، فكان رسول الله ﷺ يصوم، ونصوم، حتى بلغ
стр. 2448
منزلاً من المنازل ... وذكر الحديث" وقال في آخره: "ثم لقد رأيتني أصوم مع رسول الله ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك".
وفي رواية (١) الترمذي قال: "كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، فما يعاب على الصائم صومه، ولا على المفطر إفطاره".
وفي أخرى (٢) له قال: "كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر، وكانوا يرون: أنه من وجد قوة فصام، فحسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر، فحسن".
وفي رواية (٣) النسائي قال: "كنا نسافر مع رسول الله ﷺ ، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم".
وله (٤) عنه وعن جابر مثله.
٣٧٣٦ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في السفر، فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".
стр. 2449
٣٧٣٧ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ بطعام بمر الظهران، فقال لأبي بكر وعمر: ادنوا فكلا، فقالا: إنا صائمان، قال: "ارحلوا لصاحبيكم، اعملوا لصاحبيكم".
٣٧٣٨ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان النبي ﷺ في سفر، فرأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه، وقد ظلل عليه، فقال: ماله؟ قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﷺ : ليس من البر أن تصوموا في السفر".
وفي رواية (١): "ليس من البر الصوم في السفر".
وفي أخرى للنسائي (٢) "أن رسول الله ﷺ مر برجل في ظل شجرة، يرش عليه الماء، فقال: ما بال صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله، صائم، قال: إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم، فاقبلوها".
وله في أخرى (٣) مختصراً: أن النبي ﷺ قال: "ليس من البر الصيام في السفر".
أقول: من سبب ورود النص يفهم أن الصوم في السفر لا يعد من البر إذا ترتب عليه مشقة ملحوظة.
٣٧٣٩ - * روى أحمد عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من البر الصيام في السفر".
стр. 2450
٣٧٤٠ - * روى أحمد عن كعب بن مالك الأشعري وكان من أهل السقيفة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس من إم بر إم صيام فم سفر".
٣٧٤١ - * روى الطبراني في الكبير عن عمار بن ياسر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة فسرنا في يوم شديد الحر فنزلنا في بعض الطريق فانطلق رجل منا فدخل تحت شجرة فإذا أصحابه يلوذون به وهو مضطجع كهيئة الوجع فلما رآهم رسول الله ﷺ قال: ما بال صاحبكم قالوا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "ليس من البر أن تصوموا في السفر، عليكم بالرخصة التي أرخص الله لكم فاقبلوها".
٣٧٤٢ - * روى البزار عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن الله ﵎ يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".
٣٧٤٣ - * روى البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".
٣٧٤٤ - * روى الشيخان عن أبي الدرداء ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة".
стр. 2451
وعند أبي داود: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده، أو كفه، على رأسه من شدة الحر ... وذكر الحديث".
٣٧٤٥ - * روى أبو يعلى عن جابر أن النبي ﷺ صام في رمضان فاشتد الصوم على رجل من أصحابه فجعلت ناقته تهيم به تحت ظلال الشجر فأخبر النبي ﷺ فأمره فأفطر ثم دعا رسول الله بإناء فيه ماء فوضعه على يده فلما رأى الناس شرب فشربوا.
٣٧٤٦ - * روى الطبراني عن عثمان بن أبي العاص قال: الإفطار في السفر رخصة.
٣٧٤٧ - * روى البزار عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يصوم في السفر ويفطر ويصلي ركعتين لا يدعهما يقول: لا يزيد عليهما يعني الفريضة.
أقول: في هذا النص إشارة إلى قصر الصلاة الرباعية في السفر.
٣٧٤٨ - * روى أبو داود عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ "أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة في رمضان، فلا يفطر ولا يقصر".
أقول: الغابة مكان قريب من المدينة وهو معروف، وفعل ابن عمر يدل على أن السفر القريب لا يحل فيه الفطر ولا القصر وهو الذي استقر عليه باجتهاده.
٣٧٤٩ - * روى الجماعة عن عائشة ﵂ "أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال
стр. 2452
للنبي ﷺ أأصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام- فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر".
وفي رواية (١) "إني أسرد الصوم".
وفي أخرى (٢) "سأله عن الصوم في السفر؟ ".
٣٧٥٠ - * روى أبو داود عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵄ قال: "قلت لرسول الله ﷺ : إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر- يعني: رمضان- وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً، أفأصوم يا رسول الله أعظم لجري، أو أفطر؟ قال: أي ذلك شئت يا حمزة".
وفي رواية النسائي (٣) "أنه سأل رسول الله ﷺ عن الصوم في السفر؟ فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر".
وفي أخرى (٤): "إن شئت أن تصوم فصم، وإن شئت أن تفطر فأفطر".
وفي أخرى (٥) "إني أجد قوة على الصيام في السفر؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
وفي أخرى (٦) قال: "كنت أسرد الصيام على عهد رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني أسرد الصيام في السفر، فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
стр. 2453
وفي أخرى (١) "إني أجد في قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح قال: هي رخصة من الله ، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه".
٣٧٥١ - * روى الترمذي عن محمد بن كعب قال: "أتيت أنس بن مالك ﵁ في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب سفره، ودعا بطعام، فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب".
أقول: هذه فتوى صحابي وهو وإن قال إنه سنة فهذا فهمه للسنة، والذي عليه الاجتهاد أن المسافر لا يحق له الإفطار بمجرد العزم على السفر، بل بتلبسه بالسفر (بتجاوزه العمران) مع أن رأي الجمهور أنه لا يحل له الإفطار في اليوم الأول من السفر إلا إذا سافر قبل الفجر وتعرضنا قبل قليل للمسألة لكن لو أفطر المسافر الذي سافر بعد طلوع الفجر فعليه القضاء فقط ولا كفارة عليه كما نص الحنفية وغيرهم.
٣٧٥٢ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ "أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر".
٣٧٥٣ - * روى أبو داود عن عبيد بن جبير قال: "كنت مع أبي بصرة الغفاري، صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه- قال جعفر في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة- قال: اقترب، قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ قال جعفر في حديثه: فأكل".
أقول: هذا النص كسابقه.
стр. 2454
- الفطر للحامل والمرضع عند المشقة:
٣٧٥٤ - * روى أحمد عن رجل من بني عبد الله بن كعب- اسمه: أنس بن مالك- أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر، ورخص له الإفطار، وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما".
وفي أخرى لأبي داود (١) وللترمذي (٢) قال: "أغارت علينا خيل لرسول الله ﷺ وكنت قد أسلمت، قال: فانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فوجدته يتغدى، فقال لي: اجلس وأصب من طعامنا هذا، فقلت: إني صائم، فقال: اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام: إن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر، ووضع عنه الصوم، ووضع عن الحامل والمرضع الصيام، والله لقد قالهما النبي ﷺ كليهما أو أحدهما- قال: فإذا ذكرت ذلك تلهفت على أن لم آكل من طعام رسول الله ﷺ ".
وفي رواية النسائي (٣) قال: "أتيت رسول الله ﷺ في إبل لي، كانت أخذت، فوافقته وهو يأكل، فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم، فقال: ادن أخبرك عن ذلك: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة.
وفي رواية (٤) له عن رجل- ولم يشمه- قال: "أتيت النبي ﷺ وهو يتغدى، قال:
стр. 2455
هلم إلى الغداء، فقلت: إني صائم، قال: هلم أخبرك عن الصوم: إنه وضع عن المسافر نصف الصلاة، والصوم، ورخص للحبلى والمرضع".
أقول: جواز الإفطار للمرضع والحامل مقيد بأن خافتا على أنفسهما أو ولديهما، أما حيث لا خوف معتبر فلا يجوز لهما الإفطار، والخوف المعتبر إنما يكون بتجربة أو إعلام طبيب، وخوف الإصابة بالمرض لها أو لولدها تعتبر مما يخاف منه وتجيز لها الإفطار. ثم إن الجمهور- الأئمة الأربعة- على أن عليها القضاء وبعضهم جمع لذلك الفدية كما مر.
٣٧٥٥ - * روى مالك بن أنس ﵀ بلغه: أن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام؟ فقال: تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكيناً، مداً من حنطة بمد النبي ﷺ ".
- الفطر للشيخ الهرم:
٣٧٥٦ - * روى مالك بن أنس ﵀ "بلغه: أن أنس بن مالك كبر حتى كاد لا يقدر على الصيام، فكان يفتدي".
٣٧٥٧ - * روى الطبراني عن قتادة "أن أنساً ضعف عن الصوم قبل موته عاماً فأفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً".