وعند أبي داود: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده، أو كفه، على رأسه من شدة الحر ... وذكر الحديث".
٣٧٤٥ - * روى أبو يعلى عن جابر أن النبي ﷺ صام في رمضان فاشتد الصوم على رجل من أصحابه فجعلت ناقته تهيم به تحت ظلال الشجر فأخبر النبي ﷺ فأمره فأفطر ثم دعا رسول الله بإناء فيه ماء فوضعه على يده فلما رأى الناس شرب فشربوا.
٣٧٤٦ - * روى الطبراني عن عثمان بن أبي العاص قال: الإفطار في السفر رخصة.
٣٧٤٧ - * روى البزار عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يصوم في السفر ويفطر ويصلي ركعتين لا يدعهما يقول: لا يزيد عليهما يعني الفريضة.
أقول: في هذا النص إشارة إلى قصر الصلاة الرباعية في السفر.
٣٧٤٨ - * روى أبو داود عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ "أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة في رمضان، فلا يفطر ولا يقصر".
أقول: الغابة مكان قريب من المدينة وهو معروف، وفعل ابن عمر يدل على أن السفر القريب لا يحل فيه الفطر ولا القصر وهو الذي استقر عليه باجتهاده.
٣٧٤٩ - * روى الجماعة عن عائشة ﵂ "أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال
стр. 2452
للنبي ﷺ أأصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام- فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر".
وفي رواية (١) "إني أسرد الصوم".
وفي أخرى (٢) "سأله عن الصوم في السفر؟ ".
٣٧٥٠ - * روى أبو داود عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵄ قال: "قلت لرسول الله ﷺ : إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر- يعني: رمضان- وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً، أفأصوم يا رسول الله أعظم لجري، أو أفطر؟ قال: أي ذلك شئت يا حمزة".
وفي رواية النسائي (٣) "أنه سأل رسول الله ﷺ عن الصوم في السفر؟ فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر".
وفي أخرى (٤): "إن شئت أن تصوم فصم، وإن شئت أن تفطر فأفطر".
وفي أخرى (٥) "إني أجد قوة على الصيام في السفر؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
وفي أخرى (٦) قال: "كنت أسرد الصيام على عهد رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني أسرد الصيام في السفر، فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
стр. 2453
وفي أخرى (١) "إني أجد في قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح قال: هي رخصة من الله ، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه".
٣٧٥١ - * روى الترمذي عن محمد بن كعب قال: "أتيت أنس بن مالك ﵁ في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب سفره، ودعا بطعام، فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب".
أقول: هذه فتوى صحابي وهو وإن قال إنه سنة فهذا فهمه للسنة، والذي عليه الاجتهاد أن المسافر لا يحق له الإفطار بمجرد العزم على السفر، بل بتلبسه بالسفر (بتجاوزه العمران) مع أن رأي الجمهور أنه لا يحل له الإفطار في اليوم الأول من السفر إلا إذا سافر قبل الفجر وتعرضنا قبل قليل للمسألة لكن لو أفطر المسافر الذي سافر بعد طلوع الفجر فعليه القضاء فقط ولا كفارة عليه كما نص الحنفية وغيرهم.
٣٧٥٢ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ "أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر".
٣٧٥٣ - * روى أبو داود عن عبيد بن جبير قال: "كنت مع أبي بصرة الغفاري، صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه- قال جعفر في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة- قال: اقترب، قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ قال جعفر في حديثه: فأكل".
أقول: هذا النص كسابقه.
стр. 2454
- الفطر للحامل والمرضع عند المشقة:
٣٧٥٤ - * روى أحمد عن رجل من بني عبد الله بن كعب- اسمه: أنس بن مالك- أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر، ورخص له الإفطار، وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما".
وفي أخرى لأبي داود (١) وللترمذي (٢) قال: "أغارت علينا خيل لرسول الله ﷺ وكنت قد أسلمت، قال: فانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فوجدته يتغدى، فقال لي: اجلس وأصب من طعامنا هذا، فقلت: إني صائم، فقال: اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام: إن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر، ووضع عنه الصوم، ووضع عن الحامل والمرضع الصيام، والله لقد قالهما النبي ﷺ كليهما أو أحدهما- قال: فإذا ذكرت ذلك تلهفت على أن لم آكل من طعام رسول الله ﷺ ".
وفي رواية النسائي (٣) قال: "أتيت رسول الله ﷺ في إبل لي، كانت أخذت، فوافقته وهو يأكل، فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم، فقال: ادن أخبرك عن ذلك: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة.
وفي رواية (٤) له عن رجل- ولم يشمه- قال: "أتيت النبي ﷺ وهو يتغدى، قال:
стр. 2455
هلم إلى الغداء، فقلت: إني صائم، قال: هلم أخبرك عن الصوم: إنه وضع عن المسافر نصف الصلاة، والصوم، ورخص للحبلى والمرضع".
أقول: جواز الإفطار للمرضع والحامل مقيد بأن خافتا على أنفسهما أو ولديهما، أما حيث لا خوف معتبر فلا يجوز لهما الإفطار، والخوف المعتبر إنما يكون بتجربة أو إعلام طبيب، وخوف الإصابة بالمرض لها أو لولدها تعتبر مما يخاف منه وتجيز لها الإفطار. ثم إن الجمهور- الأئمة الأربعة- على أن عليها القضاء وبعضهم جمع لذلك الفدية كما مر.
٣٧٥٥ - * روى مالك بن أنس ﵀ بلغه: أن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام؟ فقال: تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكيناً، مداً من حنطة بمد النبي ﷺ ".
- الفطر للشيخ الهرم:
٣٧٥٦ - * روى مالك بن أنس ﵀ "بلغه: أن أنس بن مالك كبر حتى كاد لا يقدر على الصيام، فكان يفتدي".
٣٧٥٧ - * روى الطبراني عن قتادة "أن أنساً ضعف عن الصوم قبل موته عاماً فأفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً".
стр. 2456
٣٧٥٨ - * روى الطبراني عن مجاهد "أن قيس بن السائب كبر حتى مرت به ستون عن المائة وضعف عن الصيام فأطعم عنه. وفي رواية (١) سمعت قيس بن السائب يقول: إن شهر رمضان يفتديه الإنسان يطعم فيه كل يوم مسكيناً فأطعموا عني مسكيناً لكل يوم صاعاً وكان رسول الله ﷺ شريكاً لي في الجاهلية فخير شريك لا يماري ولا يساري".
٣٧٥٩ - * روى أبو يعلى عن أيوب بن أبي تميمة قال: "ضعف أيوب عن الصوم فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم".
أقول: اعتبر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أنه غير منسوخ، والتقدير عندهم: وعلى الذين لا يطيقونه فدية طعام مسكين.
وفعل أيوب محمول على أنه وصل إلى حالة من الشيخوخة لم يعد يطيق فيها الصوم فأفطر وفدى.
стр. 2457
مسائل وفوائد
- من مات وعليه صيام شيء من رمضان فله حالان أحدهما: أن يموت قبل إمكان الصيام إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم، فلا شيء عليه عند أكثر العلماء لعدم تقصيره ولا إثم عليه، لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حكمه إلى غير بدل كالحج وبناء عليه: إن مات المريض أو المسافر، وهما على حالهما، لم يلزمهما القضاء، الحال الثاني: أن يموت بعد إمكان القضاء، فلا يصوم عنه وليه أي لم يجب صومه عنه عند أكثر الفقهاء، ويستحب عند الحنابلة للولي أن يصوم عن الميت (صوم النذر) لأنه أحوط لبراءة الميت وهل يجب الإطعام عنه من التركة؟ قال الحنفية والمالكية: أن أوصى بالإطعام، أطعم عنه وليه لكل يوم مسكيناً نصف صاع من تمر أو شعير. وقال الشافعية في الجديد والحنابلة على الراجح: الواجب أن يطعم عنه لكل يوم مد طعام لكل مسكين.
والواجب أن يكون فقط من ثلث التركة إن أوصى وإن لم يوص لا يلزم عند الحنفية ومالك وإن تبرع به الولي أو غيره صح وله الثواب.
مسألة- مريض الربو إذا احتاج للمعالجة جاز له الفطر.
مسألة- امتحان الطالب لا يجيز فطره إلا إذا وصل إلى حالة خاف فيها على نفسه أو على عضو من أعضائه بسبب الصوم فعندئذ يجوز له الفطر.
- فائدة حول صيام أصحاب الأعمال الشاقة: قال ابن عابدين (٢/ ٤٤٧) في الحاشية بعد أن نقل عن مشايخ المذهب ما نقل قال: والذي ينبغي في مسألة المحترف [حرفة شاقة مجهدة لا يستطيع معها الصيام] أن يقال إذا كان عنده ما يكفيه وعياله لا يحل له الفطر لأنه يحرم عليه السؤال من الناس فالفطر أولى وإلا فله العمل بقدر ما يكفيه ولو أداه إلى الفطر يحل له إذا لم يمكنه العلم في غير ذلك مما لا يؤديه إلى الفطر وكذا لو خاف هلاك زرعه أو سرقته ولم يجد من يعمل له بأجرة المثل وهو يقدر عليها لأن له قطع الصلاة لأقل من ذلك لكن لو كان أجر نفسه في العمل مدة معلومة فجاء رمضان فالظاهر إن له الفطر وإن كان عنده ما يكفيه إذا لم يرض المستأجر بفسخ الإجارة كما في الظئر فإنه يجب عليها
стр. 2458
الإرضاع بالعقد ويحل لها الإفطار إذا خافت على الولد فيكون خوفه على نفسه أولى تأمل هذا ما ظهر لي والله تعالى أعلم ا. هـ الحاشية.
- السائق الذي يسافر باستمرار يرخص له بالفطر لأنه مسافر، ويقضي ما أفطر خلال السنة بأن يفرق هذه الأيام أو يصومها في فصل الشتاء حيث يقصر النهار.
стр. 2459
الفصل السادس
فيما يفطر الصائم وما لا يفطره
وما يترتب على من اعتبر مفطراً
стр. 2460
عرض إجمالي
- ما لا يفسد الصوم عند الحنفية:
١ - الأكل والشرب أو الجماع ناسياً.
٢ - إنزال المني بنظر أو فكر.
٣ - القطرة أو الاكتحال في العين.
٤ - الحجامة.
٥ - السواك ولو مبلولاً بالماء.
٦ - المضمضة والاستنشاق ولو فعلهما لغير وضوء.
٧ - الاغتسال أو السباحة أو التلفف بثوب مبتل.
٨ - الاغتياب ولو كان آثماً.
٩ - نية الفطر ولم يفطر.
١٠ - دخول الدخان، أو الغبار، أو أثر طعم الأدوية إلى الحلق بلا صنع الصائم.
١١ - خلع الضرس ما لم يبتلع شيئاً من الدم أو الدواء.
١٢ - صب ماء أو دهن أو حقنة في الإحليل، أو دخول ماء في الأذن بسبب خوض نهر.
١٣ - ابتلاع النخامة واستنشاق المخاط عمداً أو ابتلاعه.
١٤ - القيء قهراً أو عودة القيء بنفسه ولم يتعمد القيء ولا إرجاعه وكان أقل من ملء الفم عند أبي يوسف، والقيء أقل من ملئ الفم عمداً فلا يفطر.
стр. 2461
١٥ - أكل ما بين الأسنان إذا علق فيها قبل الفجر وكان دون الحمصة، لأنه تبع لريقه.
١٦ - إذا أصبح جنباً ولو استمر يوماً بالجنابة.
١٧ - الحقن بأنواعها في العضل أو تحت الجلد أو في الوريد.
١٨ - شم الرائح العطرية كالورد أو الزهر أو الطيب.
- حكم الإمساك بعد الفطر بعذر:
قال الحنفية: يجب الإمساك بقية اليوم على من فسد صومه ولو بعذر ثم زال لحرمة الوقت بالقدر الممكن وعليهم القضاء إلا الصبي والكافر لعدم توافر الخطاب التكليفي لهما عند طلوع الفجر عليهما، وقال المالكية: إمساك بقية اليوم يؤمر به من أفطر في رمضان خاصة أو في نذر واجب عمداً أو إكراهاً أو نسياناً، لا من أفطر لعذر مبيح، فمن أفطر لجل عذر يباح له الفطر، ثم زال عذره، لا يستحب له الإمساك. لكن يندب إمساك يوم الشك بقدر ما جرت العادة فيه بثبوت الشهر من المارين في الطريق من السفارة، وذلك بارتفاع النهار. ويجب الإمساك في حال الإفطار نسياناً في صوم النفل، لا في الإفطار العمد، وفي الصوم الذي يجب فيه التتابع ككفارة الظهار والقتل. ويرى الشافعية: أنه يلزم الإمساك من تعدى بالفطر كأنه أكل، عقوبة له ومعارضة لتقصيره، أو من نسي النية من الليل وفي يوم الشك إن تبين كونه من رمضان ويجب قضاؤه على الفور على المتعمد. ويرى الحنابلة: أنه يلزم الإمساك من أفطر بغير عذر، أو أفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع أو يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أو الناسي لنية الصوم ونحوهم، بلا خلاف بين العلماء. ويلزم الإمساك أيضاً على الراجح كل من زال عذره في أثناء النهار، وعليه القضاء.
- ما يفسد الصوم عند الحنفية نوعان:
نوع يوجب القضاء فقط، ونوع يوجب القضاء والكفارة.
أولاً: ما يوجب القضاء فقط دون الكفارة: ١ - أن يتناول ما ليس بغذاء ولا في معنى
стр. 2462
الغذاء وهو الدواء: وهو تناول كل شيء لا يقصد به التغذي عادة ولا يميل إليه الطبع.
٢ - أن يتناول غذاء، أو دواء لعذر شرعي كمرض أو سفر أو إكراه أو خطأ أو إهمال أو شبهة.
٣ - إذا قضى شهوة الفرج غير كاملة أي صورة أو معنى: كأن أنزل المني بوطء ميتة أو بهيمة أو صغيرة لا تشتهى، أو بمفاخذة أو تبطين أو قبلة أو لمس أو عبث بباطن الكف، أو وطئت المرأة وهي نائمة، أو قطرت في فرجها دهناً ونحوه.
ثانياً: ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معاً: ١ - تناول غذاء أو ما في معناه بدون عذر شرعي.
٢ - أن يقضي شهوة الفرج كاملة أي صورة ومعنى: وهو الجماع، وتجب الكفارة على المرأة اتفاقاً إن مكنت من نفسها ولو صغيراً أو مجنوناً.
- ما يفسد الصوم عند الشافعية نوعان:
نوع يوجب القضاء فقط ونوع يوجب القضاء والكفارة.
الأول: ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط:
١ - وصول شيء مادي (عين) إلى الجوف ولو قل كسمسمة، أو ما لا يؤكل عادة كحصاة أو تراب من منفذ مفتوح كالفم والأنف والأذن والقبل والدبر وجرح الدماغ إذا كان عمداً.
٢ - ابتلاع النخامة وهي ما ينزل من الرأس أو يصعد من الجوف، أما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها فلا يفطر.
٣ - سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق المشروع إلى جوفه في حال المبالغة في ذلك.
٤ - الاستقاءة أي تعمد القيء، حتى لو تيقن على الصحيح أنه لم يرجع شيء إلى جوفه لأن المفطر عينها.
٥ - الاستنماء وخروج المني بلمس وقبلة ومضجعة بلا حائل لأنه إنزال عن مباشرة عينها.
٦ - أن يتبين الغلط بالأكل نهاراً بسبب طلوع الفجر أو لعدم غروب الشمس، إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه.
стр. 2463
الثاني: ما يوجب القضاء والكفارة والتعزير: يجب القضاء والكفارة مع التعزير وإمساك بقية اليوم بشيء واحد وهو الجماع الذي يفسد صوم يوم من رمضان بشروط أربعة عشر وهي:
١ - أن يكون ناوياً للصوم ليلاً.
٢ - ٣ - ٤ - أن يكون متعمداً مختاراً، عالماً بالتحريم.
٥ - أن يحدث الجماع في رمضان.
٦ - أن يفسد الصوم بالجماع وحده.
٧ - أن يكون آثماً بهذا الجماع فلا كفارة على صبي، ولا على صائم مسافر أو مريض جامع بنية الترخص أو بغيرها في الأصح.
٨ - أن يكون معتقداً صحة صومه: فلا كفارة على من جامع عامداً بعد الأكل ناسياً ونظن أنه أفطر بالأكل، لأنه يعتقد أنه غير صائم، وإن كان الأصح بطلان صومه بهذا الجماع.
٩ - ألا يكون مخطئاً.
١٠ - ألا يجن أو يموت بعد الوطء في أثناء النهار الذي جامع فيه قبل الغروب.
١١ - أن يكون الوطء منسوباً إليه.
١٢ - أن يكون الجماع بإدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها.
١٣ - أن يتم الجماع في فرج ولو دبراً، أو ميتة أو بهيمة.
١٤ - أن يكون واطئاً لا موطوءاً.
وحدوث السفر أو المرض أو الإغماء أو الردة بعد الجماع لا يسقط الكفارة لتحقق هتك حرمة الصوم قبل ذلك، لأن المرض والسفر لا ينافيان الصوم فيتحقق هتك حرمته، وأما طروء الردة فلا يبيح الفطر ويجب قضاء اليوم الذي أفسده على
стр. 2464
الصحيح مع الكفارة. وخلاصة آراء المذاهب في أهم المواضع السابقة: أن الجماع في نهار رمضان موجب للقضاء والكفارة والإمساك بقية النهار وكذلك الأكل والشرب عمداً عند الحنفية والمالكية خلافاً لغيرهم قياساً على الجماع، بجامع انتهاك حرمة الشهر، ويفطر الصائم بالاتفاق بالقيء عمداً أو بتناول أي شيء مادي يصل إلى الجوف عمداً، ولا يفطر بالفصد اتفاقاً كما لا يفطر عند الجمهور بالأكل ونحوه ناسياً، ويفطر عند المالكية ولا يفطر بالأكل مكرهاً عند الشافعية والحنابلة. ويفطر عند الحنفية والمالكية، ولا يفطر عند الحنابلة بغلبة ماء المضمضة ويفطر بها عند المالكية، وأما عند الشافعية فيفطر في حالة المبالغة أو العبث والتبرد أو الزيادة على الثلاث، ولا يفطر بالاكتحال عند الشافعية والحنفية، ويفطر به عند المالكية والحنابلة إن وجد طعم الكحل في الحلق. ولا يفطر عند الجمهور بالحقنة في الإحليل، ويفطر بها عند الشافعية. ولا يفطر عند الجمهور بنبش الأذن بعود أو إدخاله فيها، ويفطر به عند الشافعية ولا يفطر بالحجامة عند الجمهور وإنما تكره ويفطر بها عند الحنابلة ولا يفطر بإنزال المذي عند الحنفية والشافعية، ويفطر عند المالكية والحنابلة في حال التقبيل أو المباشرة فيما دون الفرج، أما في حالة تكرار النظر فال يفطر به عند الحنابلة، ويفطر في رأي المالكية به أو بالتفكر عند الاستدامة أو الاعتياد، وتتداخل الكفارة فلا تجب إلا واحدة بتكرر الإفطار في أيام عند الحنفية وتتعدد الكفارة بتعدد الإفطار في أيام مختلفة عند الشافعية والحنابلة والمالكية.
وأجمع العلماء على أن من ارتد يفسد صومه، فإذا عاد إلى الإسلام في نفس اليوم عليه القضاء وسواء كانت الردة باعتقاد ما يكفر أو التلفظ بكلمة الكفر أو رد ما هو قطعي متواتر ونحو ذلك مما هو ناقض للشهادتين.
- قضاء الصوم وحكمه:
يجب باتفاق الفقهاء على من أفطر يوماً وأكثر من رمضان، بعذر كالمرض والسفر والحيض ونحوه، أو بغير عذر كترك النية عمداً أو سهواً على التفصيل في وقت النية كما مر معنا. ويأثم المفطر بلا عذر، ووقت قضاء رمضان ما بعد انتهائه ويندب تعجيل القضاء إبراء للذمة ومسارعة إلى إسقاط الواجب، ويكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع بصوم، وأما إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان أخر فقال الجمهور: يجب عليه بعد صيام رمضان
стр. 2465
الداخل القضاء والفدية. وقال الحنفية: لا فدية عليه سواء أكان التأخير بعذر أم بغير عذر. وتتكرر الفدية عند الشافعية بتكرر الأعوام. واتفق أكثر الفقهاء على أنه يستحب موالاة القضاء أو تتابعه لكن لا يشترط التتابع والفور في قضاء رمضان.
- الكفارة وموجبها:
إفساد صوم رمضان خاصة عمداً قصداً لانتهاك حرمة الصوم من غير مبيح للفطر، فلا كفارة على من أفطر في قضاء رمضان عند الجمهور ولا كفارة على الناسي والمكره. والكفارة واجبة بالفطر في رمضان فقط دون غيره إن افطر فيه لدى الحنفية والمالكية منتهكاً لحرمته، أي غير مبال بها بأن تعمدها اختياراً بلا تأويل قريب على حد تعبير المالكية. وكان الفطر بجماع ونحوه وبأكل ونحوه عند الحنفية والمالكية. وأنواع الكفارة: ثلاثة: عتق، وصيام، وإطعام: فالعتق تحرير رقبة مؤمنة عند الجمهور غير الحنفية، وقال الحنفية: ولو كانت غير مؤمنة، والصيام عند العجز عن الرقبة: صيام شهرين متتابعين ليس فيهما يوم عيد ولا أيام التشريق، ولا يجزئه الصوم إن قدر على العتق قبل البدء بالصوم فلو قدر على العتق في أثناء الصوم ولو في آخر يوم لزمه العتق عندا لحنفية ولم يلزمه عند الجمهور الانتقال عن الصوم إلى العتق، إلا أن يشاء أن يعتق فيجزئه، ويكون قد فعل الأولى أي يندب له عتق الرقبة، ولا يستأنف إن أفطر ناسياً أو لعذر، أو لغلط في العدد، ولا يضر الفطر بحيض ونفاس وجنون وإغماء مستغرق لأن كلاً منها ينافي الصوم مع كونه اضطرارياً. والإطعام عند عدم استطاعة الصوم: إطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين عند الجمهور مد من القمح بمد النبي ﷺ أو نصف صاع من تمر أو شعير، وعند الحنفية مدان أو يغديهم ويعشيهم غداء وعشاء مشبعين أو غدائين أو عشائين، والأصح عند الشافعية: أن له العدول عن الصوم إلى الإطعام لغلمة: أي شدة الحاجة للنكاح.
- حكم الفدية: الوجوب وسببها:
١ - العجز عن الصيام فتجب باتفاق الفقهاء على من لا يقدر على الصوم بحال، وهو الشيخ الكبير والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً.
стр. 2466
٢ - وتجب الفدية أيضاً بالاتفاق على المريض الذي لا يرجى برؤه، لعدم وجوب الصوم عليه.
٣ - وتجب الفدية كذلك عند الجمهور (غير الحنفية) مع القضاء على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدهما، أما إن خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر وعليهما القضاء فقط بالاتفاق. ولا تجب عليهما الفدية مطلقاً عند الحنفية.
٤ - وتجب الفدية أيضاً مع القضاء عند الجمهور (غير الحنفية) على من فرط في قضاء رمضان، فأخره حتى جاء رمضان آخر مثله بقدر ما فاته من الأيام ولا تجب الفدية على من اتصل عذره.
تجزئ كفارة واحدة عند الحنفية عن جماع وأكل متعمد متعدد في أيام لم يتخلله تكفير، ولو من رمضانين على الصحيح، فإن تخلل تكفير لا تكفي كفارة واحدة في ظاهر الرواية، ومن عجز عن الكفارة استقرت في ذمته، والمعتبر حاله حين التكفير فإن قدر على خصلة فعلها.
رأي الحنفية: أن الكفارة تسقط بعد الإفطار بطروء حيض أو نفاس أو مرض مبيح للفطر في يومه الذي أفسده عامداً.
انظر فيما مضى: (الهداية وفتح القدير: ٢/ ٣٢٧ - ٣٥٠)، (القوانين الفقهية: ٨٠، ٨١، ٨٣)، (الشرح الصغير: ١/ ٦٩٨ - ٧٦٢)، (المهذب ١/ ١٨٣ - ١٨٥)، (المغني: ٣/ ١٠٢ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٦٥٢ فما بعدها).
стр. 2467
- حكم القيء:
٣٧٦٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض".
وعند أبي داود (١) "من ذرعه القيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض".
لا يعتبر الفيء مفطراً عند الحنفية ولو استقاء إذا كان أقل من ملء الفم، فهم قد حملوا الحديث على من استقاء ملء الفم.
٣٧٦١ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يقول: "من استقاء وهو صائم، فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه قضاء".
أقول: إن كان قد ذرعه القيء حتى لو رجع شيء قليل فليس عليه القضاء عند الحنفية أما لو رجع شيء كثير فعليه القضاء.
٣٧٦٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استقاء الصائم أفطر، وإذا ذرعه القيء لم يفطر".
٣٧٦٣ - * روى البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء والحجامة والاحتلام".
стр. 2468
٣٧٦٤ - * روى أبو داود عن معدان بن أبي طلحة أن أبا الدرداء حدثه: "أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني: أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وضوءه".
أقول: هذا محمول عند الحنفية في حال صحة الحديث على أن القيء كان في غير رمضان، أو كان في رمضان كأثر عن مرض يبيح الفطر.
- الحجامة للصائم:
٣٧٦٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم".
وعند أبي داود (١) "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم".
وفي أخرى (٢) "أن رسول الله ﷺ احتجم صائماً محرماً".
وعند الترمذي (٣) "احتجم النبي ﷺ وهو محرم صائم".
وفي رواية أخرى (٤) "احتجم فيما بين مكة والمدينة وهو محرم صائم".
وفي أخرى (٥) "احتجم وهو صائم".
стр. 2469
وقد أعلَّ العلماء الروايات التي تجمع بين الصيام والإحرام والحجامة، والصواب رواية البخاري ومسلم: احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم ... فجمع بعض الرواة اللفظتين فوقع الوهم.
٣٧٦٦ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد".
وعند البخاري (١): قال ثابت البناني "سئل أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف".
الحجامة: أخذ دم من الإنسان على طريقة معينة ومثلها في الحكم: أخذ الدم المعتاد في عصرنا.
٣٧٦٧ - * روى مالك عن محمد بن شهاب الزهري ﵀ "أن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، كانا يحتجمان وهما صائمان".
٣٧٦٨ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ "كان يحتجم وهو صائم، ثم ترك ذلك بعد، فكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر".
٣٧٦٩ - * روى البزار عن أبي سعيد قال: إنما كرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف.
٣٧٧٠ - * روى الترمذي عن رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
стр. 2470
قال ابن الأثير: (أفطر الحاجم والمحجوم) من ذهب إلى أن الحجامة تفطر فهو ظاهر، ومن قال: إنها لا تفطر، فمعناه: أنهما تعرَّضا للإفطار، أما المحجوم: فللضعف الذي يلحقه من ذلك، فربما أعجزه عن الصوم، وأما الحاجم: فلا يأمن أن يصل إلى حلقه شيء من دم المحجوم فيبلعه، أو من طعمه، وهذا كما يقال: أهلك فلان نفسه: إذا كان يتعرض للمهالك، وكقوله ﷺ : "من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين" يريد أنه قد تعرض للذبح، وقيل: هذا على سبيل الدعاء عليهما، كقوله ﵊ فيمن صام الدهر: "لا صام ولا أفطر" المعنى: بطل أجرهما، فكأنهما صارا مفطرين غير صائمين.
أقول: اتفق العلماء على أن الحاجم والمحجوم لا يفطران والنصوص الواردة في إفطار الحاجم والمحجوم إما أنها منسوخة وإما أنها محمولة على وجه من وجوه المجاز، أو أنها محمولة على أن إفطار الحاجم والمحجوم كان في حادثة خاصة ولسبب عارض، والفطر في هذه الحالة محمول على أنه ذهاب الأجر.
٣٧٧١ - * روى البزار عن أبي رافع أنه دخل على أبي موسى وهو يحتجم ليلاً فقال لو كان نهاراً فقال: تأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم وقد قال رسول الله ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم".
٣٧٧٢ - * روى الطبراني عن جابر أن النبي ﷺ أمر أبا طيبة فوضع المحاجم مع غيبوبة الشمس ثم أمره مع إفطار الصائم فحجم ثم سأله "كم خراجك؟ " قال صاعين فوضع النبي ﷺ صاعاً.
٣٧٧٣ - * روى أبو داود عن ثوبان ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
стр. 2471
٣٧٧٤ - * روى أبو داود عن شداد بن أوس ﵁ قال: "بينما هو يمشي مع رسول الله ﷺ ... " فذكر نحوه.
وفي رواية (١) "أن رسول الله ﷺ أتى رجلاً بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم".
- الكحل للصائم
٣٧٧٥ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك "أنه كان يكتحل وهو صائم".
٣٧٧٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: نعم".
أقول: من المعلوم أن الدهون ترشح إلى داخل جسم الإنسان من خلال المسام فليس كل رشح إلى داخل الجسم يفطر، وعلى هذا فقد أخطأ الحنفية ومن وافقهم ممن قال إن الكحل والقطرة في العين يفطران بسبب الإحساس بالكحل أو بالقطرة في الحلق، فما ذلك إلا رشح.
القبلة للصائم إن كان يملك نفسه:
٣٧٧٧ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "إن كان رسول الله ﷺ ليقبِّل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت".
стр. 2472
وفي أخرى (١) قالت: "كان النبي ﷺ يُقبِّل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه".
ولمسلم (٢) عن عروة "أن عائشة أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يقبِّلها وهو صائم".
وفي رواية (٣) ابن عيينة قال: "قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أسمعت أباك يحدِّ عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم؟ فسكت ساعة، ثم قال: نعم".
وفي أخرى (٤) قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إربه، كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه؟ ".
وفي أخرى (٥) "أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه، وأنه كان يباشر وهو صائم".
وفي أخرى (٦) "أنه كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه".
وفي أخرى (٧) قالت: "كان النبي ﷺ يقبل في شهر الصوم".
وفي أخرى (٨) "يقبِّل وهو صائم في رمضان".
وأخرج (٩) الموطأ الرواية الأولى، وله في أخرى (١٠) "بلغه: أن عائشة ﵂ كانت إذا ذكرت أن رسول الله ﷺ يقبِّل وهو صائم، تقول: وأيكم أملك لنفسه من رسول الله ﷺ ؟ ".
وللترمذي (١١) "أنه كان يباشرني وهو صائم، وكان أملككم لإربه".
стр. 2473
أقول: من قول عائشة: (وكان أملككم لإربه) فهم بعض الفقهاء أن من كان يخشى عليه أن تجره مقدمات الجماع إلى الجماع، فالقبلة وغيرها من مقدمات الجماع في حقه مكروهة.
٣٧٧٨ - * روى مسلم عن عمر بن أبي سلمة- ربيب النبي ﷺ "أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ : سل هذه- لأم سلمة- فأخبرته: أن رسول الله ﷺ يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له".
وفي رواية (١) الموطأ عن عطاء بن يسار "أن رجلاً قبَّل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته، فسألت أم سلمة، فأخبرتها: أن رسول الله ﷺ يفعله، فأخبرت زوجها، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ ، إن الله يحل لرسوله ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة فوجدت عندها رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما لهذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ قالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ ، يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده".
٣٧٧٩ - * روى مسلم عن حفصة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبِّل وهو صائم".
стр. 2474
٣٧٨٠ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: أهوى إلي رسول الله ﷺ ليقبلني، فقلت: إني صائمة. قال: "وأنا صائم"، فقبلني.
٣٧٨١ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ يصيب من الرؤوس وهو صائم".
أقول: أي يقبل رؤوس أزواجه.
٣٧٨٢ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ يظل صائماً لا يبالي ما قبل من وجهي حتى يفطر". وقال يوسف: "فقبل ما شاء من وجهي". وقال الزعفراني: "فقبَّل أي مكان شاء من وجهي".
٣٧٨٣ - * روى ابن خزيمة عن عمر بن الخطاب أنه قال: هششت يوماً، فقبَّلت وأنا صائم، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: صنعت اليوم أمراً عظيماً. قبلت وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم"؟ قال: فقلت: لا بأس بذلك. فقال رسول الله ﷺ قال الربيع أظنه قال- "ففيم"؟.
٣٧٨٤ - * روى مالك عن عبد الله بن عباس ﵂ "كان يرخص فيها للشيخ الكبير، ويكرهها للشاب" أخرجه الموطأ، وهذا لفظه "أنه سئل عن القبلة للصائم؟ فأرخص فيها للشيخ الكبير وكرهها للشاب".
قال ابن عبد البر: أظن من فرق بينهما ذهب إلى قول عائشة: أيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ ، أي: أملك لنفسه وشهوته، قال: وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة أنه ﷺ رخص في القبلة للشيخ، وهو صائم ونهى عنها الشاب، وقال: الشيخ يملك إربه، والشاب يفسد صومه، ففهم من التعليل: أنه دائم مع تحريك الشهوة بالمعنى
стр. 2475
المذكور، وأن التعبير بالشيخ والشاب جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم وأحوال الشباب في قوتها، فلو انعكس الأمر لانعكس الحكم.
٣٧٨٥ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ أن عبد الله بن عمر "كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم".
أقول: تأتي المباشرة بمعنى الجماع، وتأتي بمعنى مس البشرة فيما دون الجماع، وقد وردت كلمة المباشرة في القرآن وأريد بها الجماع وهو مباح في الليل محرم في النهار للصائم، وجاءت المباشرة في السنة وأريد بها مس البشرة بالبشرة فيما دون الجماع، وهي مباحة للصائم إن لم تؤد إلى محظور، وبهذه المناسبة قال ابن خزيمة ﵀:
"إنما خاطب الله جل ثناؤه نبيه ﷺ وأمته بلغة العرب أوسع اللغات كلها، التي لا يحيط بعلم جميعها أحد غير نبي، والعرب في لغاتها توقع اسم الواحد على شيئين، وعلى أشياء ذوات عدد، وقد يسمى الشيء الواحد بأسماء، وقد يزجر الله عن الشيء، ويبيح شيئاً آخر غير الشيء المزجور عنه، ووقع اسم الواحد على الشيئين جميعاً على المباح وعلى المحظور، وكذلك قد يبيح الشيء المزجور عنه ووقع اسم الواحد عليهما جميعاً، فيكون اسم الواحد واقعاً على الشيئين المختلفين، أحدهما مباح، والآخر محظور، واسمهما واحد. فلم يفهم هذا من سفه لسان العرب، وحمل المعنى في ذلك على شيء واحد، يوهم أن الأمرين متضادان، إذ أبيح فعل مسمى باسم وحظر فعل تسمى بذلك الاسم سواء. فمن كان هذا مبلغه من العلم، لم يحل له تعاطي الفقه ولا الفُتيا، ووجب عليه التعلم أو السكت إلى أن يدرك من العلم ما يجوز معه الفُتيا وتعاطي العلم. ومن فهم هذه الصناعة علم أن ما أبيح غير ما حظر، وإن كان اسم الواحد قد يقع على المباح وعلى المحظور جميعاً فمن هذا الجنس الذي ذكرت أن الله دل في كتابه أن مباشرة النساء في نهار الصوم غير جائز لقوله ﵎: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) فأباح الله مباشرة النساء والأكل والشرب بالليل، ثم أمرنا بإتمام الصيام إلى
стр. 2476
الليل على أن المباشرة المباحة بالليل المقرونة إلى الأكل والشرب هي الجماع المفطر للصائم، وأباح الله بفعل النبي المصطفى ﷺ المباشرة التي هي دون الجماع في الصيام، إذ كان يباشر وهو صائم. والمباشرة التي ذكر الله في كتابه أنها تفطِّر الصائم هي غير المباشرة التي كان النبي ﷺ يباشرها في صيامه. والمباشرة اسم واحد واقع على فعلين، إحداهما مباحة في نهار الصوم، والأخرى محظورة في نهار الصوم مفطرة للصائم.
ومن هذا الجنس قوله : (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (١) فأمر ربنا جل وعلا بالسعي إلى الجمعة، والنبي المصطفى ﷺ قال: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ايتوها تمشون وعليكم السكينة". فاسم السعي يقع على الهرولة، وشدة المشي، والمضي إلى الموضع. فالسعي الذي أمر الله به أن يسعى إلى الجمعة هو المضي إليها، والسعي الذي زجر النبي ﷺ عنه عند إتيان الصلاة هو الهرولة وسرعة المشي، فاسم السعي واقع على فعلين، أحدهما مأمور، والآخر منهي عنه.
- الجنابة لا تفطر الصائم:
٣٧٨٦ - * روى الشيخان عن عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: "إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنباً من جماع، غير احتلام، في رمضان ثم يصوم".
وفي أخرى (٢) عن عبد الرحمن بن أبي بكر "أن مروان أرسله إلى أم سلمة، يسأل عن الرجل يصبح جنباً، أيصوم؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من جماع، لا حلم، ثم لا يفطر ولا يقضي".
وفي أخرى (٣) قالت عائشة: "كان النبي ﷺ يدركه الفجر في رمضان جنباً من غير
стр. 2477
حلم، فيغتسل ويصوم".
وفي رواية (١) للبخاري: قال أبو بكر بن عبد الرحمن: "كنت أنا وأبي، فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة، فقالت: أشهد على رسول الله ﷺ : إن كان ليصبح جنباً من جماع غير احتلام، ثم يصوم، ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك".
وفي أخرى (٢) لمسلم: أن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من غير احتلام، ثم يصوم".
وفي أخرى (٣) للبخاري عن أبي بكر بن عبد الرحمن "أن أباه عبد الرحمن: أخبر مروان: أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه: أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم، فقال مروان لعبد الرحمن: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة، ومروان يومئذ على المدينة، قال أبو بكر: فكره ذلك عبد الرحمن، ثم قدِّر لنا أن نجتمع بذي الحليفة، وكانت لأبي هريرة هنالك أرض، فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمراً، ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكر قول عائشة وأم سلمة، فقال: كذلك حدثني الفضل بن العباس، وهن أعلم".
وفي رواية (٤) عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر عند مسلم قال: "سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصوم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن- يعني: لأبيه- فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن، وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، فكلتاهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً من غير حلم، ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة ورددت عليه ما يقول، قال: فجئنا أبا هريرة- وأبو بكر حاضر ذلك كله- فذكر
стр. 2478
له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتا لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم. ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ ، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك".
قال يحيى بن سعيد: قلت لعبد الملك: أقالتا "في رمضان؟ " قال: كذلك "كان يصبح جنباً من غير حلم، ثم يصوم".
وفي رواية أخرى لمسلم (١) عن عائشة "أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه- وهي تسمع من وراء الباب- فقال: يا رسول الله: تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال رسول الله ﷺ : وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي".
وفي رواية النسائي (٢): قال سليمان بن يسار: "دخلت على أم سلمة، فحدثتني: أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنباً من غير احتلام، ثم يصوم".
وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته: "أنها قرَّبت إلى النبي ﷺ مشوياً، فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ".
قال ابن خزيمة: أحال- أي أبو هريرة- الخبر على مليء صادق بار في خبره إلا أن الخبر منسوخ لا أنه وهم ولا غلط، وذلك أن الله ﵎ عند ابتداء فرض الصوم على أمة محمد ﷺ كان حظر عليهم الأكل والشرب في ليل الصوم بعد النوم، وكذلك الجماع، فيشبه أن يكون خبر الفضل بن العباس: "من أصبح وهو جنب فلا يصوم في ذلك الوقت" قبل أن يبيح الله الجماع إلى طلوع الفجر، فلما أباح الله تعالى الجماع إلى طلوع الفجر كان للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم، إذ الله لما أباح الجماع إلى طلوع الفجر كان العلم محيطاً بأن المجامع قبل طلوع الفجر يطرقة فاعلاً ما قد أباحه الله له في نص تنزيله، ولا سبيل لمن هذا فعله إلى الاغتسال إلا بعد طلوع الفجر،
стр. 2479
ولو كان إذا أدركه الصبح قبل أن يغتسل لم يجز له الصوم، كان الجماع قبل طلوع الفجر بأقل وقت يمكن الاغتسال فيه محظوراً غير مباح. وفي إباحة الله الجماع في جماع الليل بعدما كان محظوراً بعد النوم، بان وثبت أن الجنابة الباقية بعد طلوع الفجر بجماع في الليل مباح لا يمنع الصوم. فخبر عائشة وأم سلمة ﵄ في صوم النبي ﷺ بعد ما كان يدركه الصبح جنباً ناسخ لخبر الفضل بن عباس، لأن هذا الفعل من النبي ﷺ يشبه أن يكون بعد نزول إباحة الجماع إلى طلوع الفجر.
- عدم فطر من أكل أو شرب وهو ناس:
٣٧٨٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".
وعند الترمذي (١) "من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله".
وعند أبي داود (٢) "أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم؟ فقال: الله أطعمك وسقاك".
٣٧٨٨ - * روى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل أو شرب ناسياً في رمضان فلا قضاء عليه ولا كفارة".
- من ظن أن الشمس غربت فأفطر ولم تكن غربت عليه القضاء فقط:
٣٧٨٩ - * روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم، ثم طلعت الشمس. وقيل لهشام: أفأمروا بالقضاء؟
стр. 2480
قال: بد من قضاء؟ ".
قوله: (بد من قضاء) استفهام إنكار محذوف الأداة، والمعنى: لابد من قضاء، ووقع في رواية أبي ذر: لابد من القضاء.
- في القضاء:
٣٧٩٠ - * روى مالك عن مولى ابن عمر ﵃ أن ابن عمر كان يقول: "يصوم قضاء رمضان متتابعاً من أفطر من مرض أو في سفر".
قال الزرقاني في (شرح الموطأ): مذهب ابن عمر وجوب تتابع القضاء، وكذا روي عن علي والحسن والشعبي، وبه قال أهل الظاهر، وذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة إلى استحبابه فقط، وبه قال جمع من الصحابة، وإن كان القياس التتابع إلحاقاً لصفة القضاء بصفة الأداء، وتعجيلاً لبراءة الذمة، ولكن لم يجب لإطلاق الآية.
٣٧٩١ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان".
قال يحيى بن سعيد "ذلك عن الشغل من النبي ﷺ ، أو بالنبي ﷺ ".
وفي رواية (١) "وذلك لمكان رسول الله ﷺ ".
ولمسلم (٢) قالت: "إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان".
وعند الموطأ (٣) وأبي داود (٤) قالت: "إن كان علي الصيام من رمضان، فما أستطيع
стр. 2481
أصومه حتى يأتي شعبان".
وفي رواية الترمذي (١) قالت: "ما كنت أقضي ما يكون علي من رمضان إلا في شعبان، حتى توفي رسول الله ﷺ ".
٣٧٩٢ - * روى مالك عن القاسم بن محمد ﵀ أنه كان يقول: "من كان عليه قضاء رمضان، فلم يقضه وهو قوي على صيامه حتى جاء رمضان آخر، فإنه يطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة، وعليه مع ذلك القضاء".
أقول: وجوب الفدية مع القضاء قال به بعض الأئمة، ولم يره الحنفية وآخرون.
- في الصوم عن الميت الذي عليه قضاء الصوم:
٣٧٩٣ - * روى النسائي عن ابن عباس قال: "لا يصلي أحدٌ عن أحدٍ ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة".
٣٧٩٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄: "من مات وعليه صيام شهر، فليطعم مكان كل يوم مسكيناً".
وقال الترمذي: واختلف أهل العلم في هذا الباب، فقال بعضهم: يصام عن الميت، وبه يقول أحمد وإسحاق، قالا: إذا كان على الميت نذر صيام يصام عنه، وإذا كان عليه قضاء رمضان أطعم عنه، وقال مالك وسفيان والشافعي: لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ.
٣٧٩٥ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من مات وعليه صوم صام عنه وليه".
стр. 2482
قال ابن الأثير (صام عنه وليه) هذا فيه مذهبان، أحدهما: أن يصوم الولي عن المولى عليه، وإليه ذهب قوم من أصحاب الحديث، وهو مذهب الشافعي في القول القديم، والآخر: أن يكون المراد به: الكفارة، فعبر عنها بالصوم إذ كانت تلازم الصوم، وعلى هذا أكثر الفقهاء.
٣٧٩٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصح، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه".
٣٧٩٧ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس "أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهراً فماتت، فسأل أخوها النبي ﷺ ، فأمره النبي ﷺ أن يصوم عنها".
أقول: ذهب الحنفية والجمهور إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد، وإنما تجب الكفارة على الورثة في تركة الميت إذا أوصى بها، وإذا أوصى فإنما تجب من الثلث وإذا لم يترك شيئاً لم تجب على الورثة وإن أوصى، وعلى ذلك حملوا النصوص الواردة في هذا المعنى. وذهب بعض الأئمة إلى أن صوم الولي يكفر عن الميت. وخصص بعض الأئمة الصيام عن الميت حال النذر فقط جمعاً بين النصوص إذ ورد في بعضها مطلق الأمر بالصيام عن الميت. وبعضها ورد بالأمر بالصيام عمن نذر، وبعض نص على أن لا يصوم أحد عن أحد.
٣٧٩٨ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك".
стр. 2483
وفي رواية (١) قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى".
وفي أخرى (٢) قال: "إن أختي ماتت".
وفي رواية الترمذي (٣) قال: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين" وذكر ... الحديث مثل الثانية.
وفي رواية لأبي داود (٤) والنسائي (٥) "أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها الله: أن تصوم شهراً، فنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها- أو أختها- إلى رسول الله ﷺ ، فأمرها أن تصوم عنها".
أقول: أخذ بظاهر هذا الحديث الحنابلة فأجازوا أن يصوم الولي عن الميت ولم يأخذ الحنفية ومن وافقهم بظاهره. بل أولوه على أن المراد دفع الفدية عن الميت لمن أراد ذلك من الأولياء.
٣٧٩٩ - * روى مسلم عن بريدة ﵁ قال: "بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: وجب أجرك، وردها عليك الميراث، فقالت: يا رسول الله، وإنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها".
стр. 2484
- في الكفارة:
٣٨٠٠ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂: "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق، فقال: مالك: قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى: العرق، فقال: أين المحترق؟ قال: أنا، قال: تصدق بهذا".
وفي رواية (١) قال: "وطئت امرأتي في رمضان نهاراً، قال: تصدق، قال: ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره أن يتصدق به".
وفي أخرى (٢): "أتى رجل إلى النبي ﷺ في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله، احترقت، احترقت، فسأله رسول الله ﷺ : ما شأنه؟ فقال: أصبت أهلي، قال: تصدق، فقال: والله يا نبي الله، مالي شيء، وما أقدر عليه، قال: اجلس، فجلس، فبينا هو على ذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام، فقال رسول الله: أين المحترق آنفاً؟ فقام الرجل، فقال رسول الله ﷺ : تصدق بهذا، فقال: يا رسول الله، على غيرنا؟ فو الله إنا لجياع، ما لنا شيء، قال: فكلوه".
وله في أخرى (٣) قال- بهذه القصة: "فأتي بعرق فيه عشرون صاعاً".
٣٨٠١ - * روى ابن خزيمة عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ في ظل فارع، فأتاه رجل من بني بياضة، فقال، يا نبي الله احترقت. قال له النبي ﷺ "مالك"؟.
стр. 2485
قال: وقعت بامرأتي، وأنا صائم، وذلك في رمضان فقال له رسول الله ﷺ : "اعتق رقبة". قال: لا أجده قال: "أطعم ستين مسكيناً". قال: ليس عندي، قال: "اجلس". فجلس، فأتي رسول الله ﷺ بعرق فيه عشرون صاعاً، فقال: "أين السائل آنفاً؟ " قال: ها أنا ذا يا رسول الله. قال: "خذ هذا فتصدق به". قال: يا رسول الله على أحوج مني ومن أهلي!! فوالذي بعثك بالحق ما لنا عشاء ليلة. قال النبي ﷺ : "فعد به عليك وعلى أهلك".
قال ابن خزيمة: إن ثبتت هذه اللفظة: بعرق فيه عشرون صاعاً، فإن النبي ﷺ أمر هذا المجامع أن يطعم كل مسكين ثلث صاع من تمر، لأن عشرين صاعاً إذا قسم بين ستين مسكيناً كان لكل مسكين ثلث صاع. ولست أحسب هذه اللفظة ثابتة، فإن في خبر الزهري: أتي بمكتل فيه خمسة عشر صاعاً، أو عشرون صاعاً. هذا في خبر منصور بن المعتمر عن الزهري. فأما هقل بن زياد فإنه روى عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: خمسة عشر صاعاً. قد خرجتهما بعد، ولا أعلم أحداً من علماء الحجاز والعراق قال: يطعم في كفارة الجماع كل مسكين ثلث صاع في رمضان. قال أهل الحجاز: يطعم كل مسكين مداً من طعام، تمراً كان أو غيره. وقال العراقيون: يطعم كل مسكين صاعاً من تمر. فأما ثلث صاع، فلست أحفظ عن أحد منهم. قال ابن خزيمة: قد يجوز أن يكون ترك ذكر الأمر بصيام شهرين متتابعين في هذا الخبر إنما كان لأن السؤال في هذا الخبر إنما كان في رمضان قبل أن يقضي الشهر، وصيام شهرين متتابعين لهذه الحوبة لا يمكن الابتداء فيه إلا بعد أن يقضى شهر رمضان، وبعد مضي يوم من شوال. فأمر النبي ﷺ المجامع بإطعام ستين مسكيناً، إذ الإطعام ممكن في رمضان لو كان المجامع مالكاً لقدر الإطعام، فأمره النبي ﷺ مما يجوز له فعله معجلاً، دون ما لا يجوز له فعله إلا بعد مضي أيام وليالي والله أعلم. ولست أحفظ في شيء من أخبار أبي هريرة أن السؤال من المجامع قبل أن ينقضي شهر رمضان فجاز إذا كان السؤال بعد مضي رمضان أن يؤمر بصيام شهرين، لأن الصيام في ذلك الوقت للكفارة جائز. اهـ.
وفي الروايات القادمة توضيح أنه أمره فيما أمره بصيام شهرين متتابعين وقد أخرجها
стр. 2486
البخاري وغيره وسننقل لابن حجر توضيحاً يبين فيه التوثيق بالروايات التي ذكرت عشرين صاعاً والتي ذكرت خمسة عشر صاعاً.
٣٨٠٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاء رجل، فقال: يا رسول الله هلكت، قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: اجلس، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر- والعرق: المكتل الضخم- قال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فو الله؟ ما بين لابتيها- يريد: الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك".
وفي رواية (١): "فوالذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، قال: خذه".
وفي رواية (٢) نحوه، وقال: "بعرق فيه تمر، وهو الزنبيل"، ولم يذكر "فضحك حتى بدت أنيابه".
وفي أخرى (٣): "أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً".
وفي رواية الموطأ (٤) قال: "إن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ : أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، فقال: لا
стр. 2487
أجده، فأتي رسول الله ﷺ بعرق تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به، فقال: يا رسول الله، ما أجد أحداً أحوج مني، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، قال: كله".
وله في أخرى (١) عن سعيد بن المسيب قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يضرب فخذه، وينتف شعره، ويقول: هلك الأبعد، فقال له رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قال: أصبت أهلي وأنا صائم في رمضان، فقال له رسول الله ﷺ : هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: لا، فقال: هل تستطيع أن تهدي بدنة؟ فقال: لا، قال: فاجلس، فأتي رسول الله ﷺ بعرق ... وذكر الحديث"، وقال فيه: "فقال: كله، وصم يوماً مكان ما أصبت".
قال مالك: قال عطاء: فسألت ابن المسيب: "كم في ذلك العرق من التمر؟ فقال: ما بين خمسة عشر صاعاً إلى عشرين".
وفي رواية أبي داود (٢) قال: "أتى رجل النبي ﷺ ، فقال: هلكتن فقال: ما شأنك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: فهل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: اجلس، فأتي رسول الله ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: تصدق به، فقال: يا رسول الله، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت ثناياه، قال: فأطعمه إياهم".
قال مسدد في موضع آخر: "أنيابه".
وفي رواية (٣) بهذا الحديث بمعناه، وزاد: قال الزهري: "وإنما كان هذا رخصة، فلو أن رجلاً فعل ذلك اليم لم يكن له بد من التكفير".
وزاد في أخرى (٤): قال الأوزاعي: "واستغفر الله".
стр. 2488
وله في أخرى (١) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ أفطر في رمضان- بهذا الحديث- قال: فأتي بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعاً، وقال فيه: كله أنت وأهل بيتك، وصم يوماً، واستغفر الله".
وفي رواية (٢) الترمذي مثل رواية أبي داود الأولى، وقال فيها: "بعرق فيه تمر، والعرق: المكتل الضخم، وقال: حتى بدت أنيابه، قال: خذه فأطعمه أهلك".
قال ابن حجر (٤/ ١٦٩):
ولم يعين في هذه الرواية- أي رواية أبي هريرة السابقة- مقدار ما في المكتل من التمر بل ولا في شيء من طرق الصحيحين في حديث أبي هريرة، ووقع في رواية ابن أبي حفصة "فيه خمسة عشر صاعاً" وفي رواية مؤمل عن سفيان "فيه خمسة عشر أو نحو ذلك" وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثوري عن ابن خزيمة "فيه خمسة عشر أو عشرون" وكذا هو عند مالك وعبد الرزاق في مرسل سعيد بن المسيب، وفي مرسله عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعاً، ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة "فأتى بعرق فيه عشرون صاعاً" قال البيهقي: قوله عشرون صاعاً بلاغ بلغ محمد بن جعفر يعني بعض رواته، وقد بين ذلك محمد بن إسحق عنه فذكر الحديث وقال في آخره: قال محمد بن جعفر فحدثت بعد أنه كان عشرين صاعاً من تمر. قلت: ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدد "فأمر له ببعضه" وهو يجمع الروايات، فمن قال إنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة، ويبين ذلك حديث علي عند الدارقطني "تطعم ستين مسكيناً لكل مسكين مد" وفيه "فأتي بخمسة عشر صاعاً فقال أطعمه ستين مسكيناً" وكذا في رواية حجاج عن الزهري عند الدارقطني في حديث أبي هريرة، وفيه رد على الكوفيين في قولهم إن واجبه من القمح ثلاثون صاعاً ومن غيره ستون صاعاً،
стр. 2489
ولقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعاً، وعلى أشهب في قوله لو غداهم أو عشاهم كفى تصدق الإطعام، ولقول الحسن: يطعم أربعين مسكيناً عشرين صاعاً أو بالجماع أطعم خمسة عشر، وفيه رد على الجوهري حيث قال في الصحاح: المكتل يشبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعاً لأنه لا حصر في ذلك، وروي عن مالك أنه قال: يسع خمسة عشر أو عشرين ولعله قال ذلك في هذه القصة الخاصة فيوافق رواية مهران وإلا فالظاهر أنه لا حصر في ذلك والله أعلم. اهـ.
أقول: فخلاصة رأي الجمهور تبعاً للأحاديث والآثار السابقة: أن الواجب خمسة عشر صاعاً من تمر أو شعير أو نحوه والصاع أربعة أمداد، فلكل فقير مد، والصاع عندهم يعادل ٢٧٥١ غراماً فيكون المد يعادل ٦٨٧ غراماً تقريباً. أما الحنفية وسفيان الثوري فقالوا: يجب ٦٠ صاعاً من شعير أو تمر أو ثلاثين صاعاً من قمح، أخذاً بحديث سلمة بن صخر الذي فيه: (فأطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر وكل أنت وعيالك). والوسق= ٦٠ صاعاً، وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٢٢١٣) والترمذي (١٢٠٠) وحسنه وهو كذلك، والجمهور أخذوا بالروايات المذكورة آنفاً، قال الخطابي: وهو- رأي الحنفية- أحوط الأمرين كذا في المعالم.
فائدة: قال ابن دقيق العيد: المراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة، بخلاف زكاة الفرض فإن فيها النص على الإيتاء وصدقة الفطر فإن فيها النص على الأداء، وفي ذكر الإطعام ما يدل على وجود طاعمين فيخرج الطفل الذي لم يطعم كقول الحنفية، ونظر الشافعي إلى النوع فقال: يسلم لوليه، وذكر الستين ليفهم أنه لا يجب ما زاد عليها، ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك. وذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار. وأما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر
стр. 2490
رمضان على الولاء فلما أفسد منه يوماً كان كمن أفسد الشهر كله من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده. وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين. ثم إن هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حق الله وهو الصوم، وحق الأحرار بالإطعام، وحق الأرقاء بالإعتاق، وحق الجاني بثواب الامتثال. وفيه دليل على إيجاب الكفارة بالجماع خلافاً لمن شذ فقال لا تجب مستنداً إلى أنه لو كان واجباً لما سقط بالإعسار، اهـ (الفتح ٤/ ٢٦٦).
ويرى بعض العلماء أنه لا يجزئ الإطعام لستة مساكين عشرة أيام أو لمسكين ستين يوماً ونحو ذلك مما يعادل إطعام الستين وأجاز ذلك الحنفية لأنه يحقق المراد ... انظر المصدر السابق.
تتمة: في كفارة من أفطر بطعام أو شراب عامداً:
قال في (الجوهر النقي ٤/ ٢٢٥) في "نوادر الفقهاء": لابن بنت نعيم: أجمعوا أن من أكل أو شرب في نهار رمضان عامداً بلا عذر فعليه القضاء والكفارة إلا الشافعي قال: لا كفارة عليه اهـ. والأكل والشرب عمداً في انتهاك حرمة الشهر مثل الوطء، على أن الشافعي لم يقتصر بالكفارة على الجماع في الفرج بل أوجبها في وطء البهيمة والوطء الذي في الدبر واستدل الفقهاء بنصوص أيضاً في ذلك:
عن عائشة أنه ﵊ سأل الرجل فقال: "أفطرت في رمضان؟ فأمره بالتصدق بالعرق" رواه النسائي في الكبرى وصحح إسناده في الجوهر النقي، ووجه الدلالة أنه لم يسأله بماذا أفطر. بتصرف يسير.
عن أبي هريرة ﵁ "أن رجلاً أكل في رمضان فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً" رواه الدارقطني: ٢/ ١٩١ وقال: فيه أبو معشر هو نجيح وليس بالقوي اهـ.
أقول: وقد وثقه بعض العلماء. انظر: (تذهيب التهذيب ١٠/ ٤٣٠ - ٤٣١)، وانظر: (الإعلاء ٩/ ١٢٠ - ١٢٤).