← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وتُدْبِرُ في المسجد في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يَرُشُّون شيئاً من ذلك. وفي رواية (١) أبي داود قال: كنتُ أبيتُ في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنتُ فتي شاباً عزباً، وكانت الكلاب تبول وتُقبلُ وتُدبر في المسجد ... الحديث". (تبول وتقبل وتدبر في المسجد) أراد بقوله: تبول وتقبل وتدبر في المسجد، أنها تبول خارج المسجد، ثم تُقْبلُ وتدبر في المسجد عابرةً، إذْ لا يجوز أن يترك الكلاب حتى تمتهن المسجد وتبول فيه، وإنما كان عبورها فيه حيث لم يكن له أبواب، وأما البول فلا. [ابن الأثير]. ٣٩٥ - * روى أبو داود عن داود بن صالح بن دينارٍ التمار عن أُمِّه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة، قالت: فوجدتُها تُصلي، فأشارت إليَّ: أن ضعيها، فجاءت هرةً فأكلت منها، فلما انصرفت عائشةُ من صلاتا أكلتْ من حيثُ أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجسٍ، إنما هي من الطوافين عليكم، وإني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه سلم يتوضأ بفضلها. أقول: مر معنا من قبل الإشارة إلى الأسآر، وأن الحنفية يقولون: إن الحكم على سؤر الشارب يختلف بحسب طهارة أو نجاسة لحم الشارب، لأن المؤثر في الحكم مخالطة لعاب الشارب للماء أو لغيره، ولما كان الكلب عندهم نجساً فسؤره نجس، وأما بالنسبة للهرة فسؤرها المائي طاهر مطهر، لكنه يكره عندهم استعماله تنزيهاً مع وجود غيره، عند المالكية: أن سؤر الكلب طاهر، وغسل الإناء الذي ولغ فيه سبع مرات إنما هو عبادة، وأما الهرة فسؤرها طاهر إلا إذا رؤي في فمها نجاسة فيكون سؤرها نجساً ويقولون بكراهة استعمال الماء كالحنفية، قوال الشافعية والحنابلة: سؤر الكلب نجس، وسؤر الهرة طاهر ولا يكره استعماله، والقائلون بنجاسة سؤر الكلب، يقولون بنجاسته إذا شرب من الماء القليل مع ملاحظة الاختلاف في حد القلة والكثرة، ويشهد له: أن بعض الروايات تذكر الإناء، وقد رأينا أن المالكية يقولون بأن غسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرات أمر تعبدي

стр. 282

لا للنجاسة، والشافعية والحنابلة والحنفية: أن الغسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب للنجاسة، إلا أن الحنفية يعتبرون الثلاثة الأولى فريضة وما سوى ذلك مندوب، والظاهر أن الحكمة في استعمال التراب هي: مراعاة الجانب الصحي. حكم الفأرة وتطهير ما وقعت فيه ونحوها: ٣٩٦ - * روى البخاري عن ميمونة ﵂ أن رسول الله ﷺ : "سُئل عن فأرةٍ وقعت في سمنٍ؟ فقال: "ألقُوها وما حولها، وكلوا سمنكُمْ". ٣٩٧ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقعت الفأرةُ في السمن، فإذا كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربُه". أقول: من المطهرات عند الحنفية عزل الجزء المتنجس عن غيره إذا أمكن ذلك، فيطهر الدهن الجامد والسمن الجامد والدبس الجامد بعزل الجزء المتنجس، فإن وقعت النجاسة في مائع كالزيت والسمن الذائب لا يقبل الطهارة عند الجمهور، وعند الحنفية: يطهر بصب الماء عليه بقدره ثلاث مرات أو يوضع في إناء مثقوب ثم يصب عليه الماء فيعلو الدهن ويرفع بشيء أو يفتح الثقب حتى يذهب الماء ومن هذا نعرف موقف الحنفية فيما إذا وقعت فأرة في الدهن الذائب أو الزيت فماتت فيه، فإنهم يخرجونها ويطهرون الدهن بما ذكرنا ويحملون الحديث في إهراق السمن المائع على الندب، هذا إذا ماتت الفأرة، أما إذا بقيت حية فإنها لا تنجس ما وقعت فيه، وقال الحنابلة إذا وقعت الفأرة أو الهرة ونحوهما في مائع أو ماء يسير ثم خرجت حية فهو طاهر. (رد المحتار ١/ ٢٠٥ فما بعدها)، (المغني ١/ ٣٥ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٩٨ فما بعدها).

стр. 283

حكم الحيوان المذَكَّى: ٣٩٨ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بغلامٍ يسلخُ شاةً وما يُحْسَنُ، فقال له رسول الله ﷺ : "تَنَحَّ حتى أُريكَ"، فأدْخَل يده بين الجلد واللحم، فدخسَ بها حتى دخلتْ إلى الإبط، ثم مضى فصلى للناس، ولم يتوضأ. زاد في رواية (١): يعني (لم يمسَّ ماءً). أقول: هذا الحديث نص في طهارة الحيوان المأكول اللحم إذا ذُكِّيَ بالذبح، ومن الأشياء المتفق عليها عند الفقهاء طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية، وعلى هذا فالدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله مع اللحم، ومن كلام المالكية أن من الطاهرات الدم الباقي في العروق من الحيوان المذكي، أو في قلبه أو ما يرشح من اللحم لأنه جزء المذكى، وجزؤه طاهر، لكن ما بقي على محل الذبح هو من باقي المسفوح فهو نجس، وكذا إذا دخل شيء من الدم إلى البلعوم فوصل إلى المعدة فإنه نجس تجب الطهارة منه. حكم الدباغة والإهاب المدبوغ: ٣٩٩ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا دُبغ الإهابُ فقد طهُرَ". وفي رواية (٢): قال مرثَدُ بن عبد الله اليزني: "رأيتُ على عبد الرحمن بن وعلة السبئيِّ فروا فمسسْتُهُ، فقال مالك تمسُّه؟ قد سألتُ عبد الله بن عباس قلت: إنا نكون

стр. 284

بالمغرب، ومعنا البربرُ والمجُوس، نُؤتي بالكبش قد ذبحوه، ونحنُ لا نأكلُ ذبائحهم، ويأتونا بالسقاء يجعلون فيه الودَك؟ فقال ابن عباس: قد سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "دبِاغُه طهُورُه". وأخرج الترمذي (١) والنسائي (٢): قالا قال رسول الله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طهُر". وللنسائي (٣): أن [عبد الرحمن] بن وعلة سأل ابن عباس فقال: إنا نغْزُوا هذا المغرب، وإنهم أهل وثَنٍ، ولهم قربٌ يكون فيها اللبنُ والماء؟ فقال ابن عباس: الدباغُ طهور، قال ابن وعلة: عن رأيك، أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: عن رسول الله ﷺ ". ٤٠٠ - * روى أبو داود عن عالية بنت سُبيعٍ قالت: كان لي غنمٌ بأُحُدٍ، فوقع فيها الموتُ، فدخلتُ على ميمونة زوج النبي ﷺ ، فذكرتُ ذلك لها، فقالت لي ميمونةُ: لو أخذت جُلودها فانتفعت بها؟ قالتْ: فقلت: أو يحلُّ ذلك؟ قالت: نعم، مرَّ على رسول الله ﷺ رجالٌ من قريشٍ يجُرّثون شاةً لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "لو أخذتم إهابها؟ " قالوا: إنها ميتةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "يُطهِّرها الماءُ والقَرَظُ". ٤٠١ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : "مرَّ

стр. 285

بشاة ميتةٍ، فقال: "هلا انتفعتُم بإهابها؟ " قالوا: إنها ميتةً؟ قال: "إنما حرُم أكلها". وفي رواية (١) قال: تُصُدَّق على مولاةٍ لميمونة بشاةٍ، فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ ، فقال: "هلا أخذتُم إهابها فدبغتمُوه فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتةٌ؟ فقال: "إنما حَرُمَ أكلها". وللبخاري (٢) قال: مرَّ رسول الله ﷺ بعنزٍ ميتةٍ، فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها؟ ". ٤٠٢ - * روى مالك عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دُبغتْ. وللنسائي (٣) قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن جُلود الميتة؟ فقال: "دبغُها ذكاتُها". وفي أخرى (٤) قال: "ذكاةُ الميتة دباغُها". ٤٠٣ - * روى البخاري عن سودة بنت زمعة ﵂ قالت: ماتت لنا شاةٌ، فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبِذُ فيها حتى صار شَنًّا.

стр. 286

٤٠٤ - * روى أبو داود عن سلمة بن المحَبق ﵁ أن رسول الله ﷺ جاء في غزوة تبوك على أهل بيتٍ، فإذا قربةٌ معلقةٌ، فسأل "الماء؟ " فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتةٌ، فقال: "دباغُها طهورُها". أقول: لا خلاف بين الفقهاء أن مأكول اللحم إذا ذبح فجلده طاهر، أما جلد ميتته: فالمشهور عند المالكية والحنابلة أنه نجس دبغ أم لم يدبغ، فهو محرم لا يصح استعماله، وقال الحنفية والشافعية: تطهر الجلود النجسة بالموت وغيره بالدباغ، والحنفية يعتبرون التشميس والتتريب واستعمال المواد التي تساعد على تنشيف فضلات الجلد وتطييبه، كل ذلك دباغاً. ويشترط الشافعية استعمال المواد المعتادة في الدباغ كالقرظ وقشور الرمان وغير ذلك شرطاً للطهارة وصحة الانتفاع. ٤٠٥ - * استدل المالكية والحنابلة بما روى أحمد عن عبد الله بن عُكَيْم، قال: "كتب إلينا رسول الله ﷺ قبْلَ وفاته بشهر: "أنْ لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصبٍ". قالوا فهو ناسخ لما قبله من الأحاديث وما ورد من قوله ﷺ أيضاً أيما إهاب دبغ فقد طهر فمحمول على الطهارة اللغوية لا الشرعية فلا تجوز الصلاة به. قبله من الأحاديث وما ورد من قوله ﷺ أيضاً إيما إهاب دبغ فقد طهر فمحمول على الطهارة اللغوية لا الشرعية فلا تجوز الصلاة به.

стр. 287

ورد الآخرون أن هذا الحديث فيه اختلاف واضطراب لا يقاوم الطرق الصحيحة التي أثبتت طهارة الجلد بالدباغ ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ وحينئذ يسمى إهاباً وبعد الدباغ يسمى جلداً. (انظر نيل الأوطار ١/ ٧٣ فما بعدها) و (بداية المجتهد ١/ ٧٨) و (المغني ١/ ٦٦ وما بعدها). حكم جلود السباع: ٤٠٦ - * روى أبو داود عن أسامة الهذلي ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن جُلودِ السِّباع. أقول: قال الحنفية: إذا ذبح السبع كان جلده طاهراً في كل الأحوال، ما عدا جلد الخنزير، أما إذا مات فجلده يطهر بالدباغ إلا أننا منهيون عن استعمال بعض جلود السباع لمعان أخرى، وقال المالكية والحنابلة: إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه يكون جلده نجساً دبغ أو لم يدبغ فمن باب أولى إذا مات موتاً. حكم اللعاب والبزاق: ٤٠٧ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة رأيتُ النبي ﷺ حامِلَ الحُسينِ بن علي على عاتقه ولعابه يسيلُ عليه. أقول: وهذا يدل على أن سؤر الإنسان ولعابه طاهر.

стр. 288

٤٠٨ - * روى أبو داود عن أبي نضرة ﵁ قال: "بزَق رسول الله ﷺ في ثوبه، وحَكَّ بعضه ببعضٍ، وعن أنس مثله". بول ما يؤكل لحمه: ٤٠٩ - * روى الطبراني عن ابن سيرين قال نحر ابن مسعود جزوراً فتلطَّخَ بدمها وفرْثها وأقيمت الصلاةُ فصلى ولم يتوضأ. أقول: قال المالكية والحنابلة: بول ما يؤكل لحمه من الحيوان وروثه طاهر، وقال الشافعية والحنفية: البول والقيء والروث من الحيوان والإنسان مطلقاً نجس، ولكن الحنفية اعتبروا أن بول ما يؤكل لحمه نجساً نجاسة مخففة وكذلك روثه عند أبي يوسف ومحمد، وإذا كانت نجاسته مخففة فإنه يعفى عن مقدار ربع أدنى ثوب تجوز به الصلاة وعلى هذا يحمل تصرف ابن مسعود، أما ما أصابه من دم فهو دم ما بعد الذكاة.

стр. 289

مسائل وفوائد - قال الحنفية: الشيء الصقيل الذي لا مسام له كالسيف والمرآة والزجاج والآنية المدهونة والظفر والعظم والزبدية الصينية، وصفائح الفضة غير المنقوشة، تطهر بالمسح الذي يزول به أثر النجاسة. - قال الحنفية: الأرض وكل ما كان ثابتاً بها لاصقاً فيها كأنه جزء منها، بحيث لا يمكن نقله كالشجر والكلأ والبلاط تطهر بالجفاف سواء بالشمس أو الهواء أو بغير ذلك على شرط زوال أثر النجاسة، ومن نعلم حكم السجاد المسمى الآن بالموكيت إذا لصق في الأرض وحكم الورق الذي يلصق على الجدران فهذان ماداما ملصقين يكفي في طهارتهما الجفاف وزوال أثر النجاسة وإذا أزيل أثر النجاسة بأي شيء وترك حتى جف فقد أصبح طاهراً. - قال الحنفية- يطهر القطن وأمثاله بالندف وذهاب أثر النجاسة منه إذا كانت النجاسة قليلة. - قال الشافعية: لو طبخ لحم في نجس أو تشربت حنطة النجاسة يطهران بصب الماء عليهما. - يستعمل بعضهم لسهولة نتف الريش عن الطيور المذبوحة أن يلقوها بماء يغلي ثم يخرجونها منه وينتفون الريش بعد ذلك فعلى مذهبي الشافعية والحنفية إذا صب عليها الماء تطهر وعند الحنفية إذا صب عليها الماء تطهر وعند الحنفية تغسل ثلاثاً، هذا قبل الطبخ عند الحنفية. - قال الحنفية: إذا استحالت العين النجسة بنفسها أو بواسطة أصبحت طاهرة كالخمر إذا تخللت بنفسها أو بالواسطة، والميتة إذا صارت ملحاً، والروث إذا أحرق فصار رماداً والدهن المتنجس بجعله صابوناً، والنجاسة إذا دفنت في الأرض وذهب أثرها بمرور الزمان وكما تطهر الخمر إذا تخللت فإن وعاءها يطهر لطهارتها. - قال الحنفية: الذبح الشرعي بشروطه يطهر كل الحيوان المأكول اللحم ويطهر جلد الحيوان غير المأكول اللحم إلا الآدمي لكرامته والخنزير لنجاسة عينه. مستدلين بقوله ﷺ : دباغ الأديم ذكاته، فألحق الذكاة بالدباغ وبما أن الجلد يطهر بالدباغ فيطهر بالذكاة

стр. 290

لأن الذكاة كالدباغ، في إزالة الدماء السائلة والرطوبات النجسة فتفيد الذكاة الطهارة كالدبغ، والحديث الذي استدل به الحنفية أخرجه النسائي بلفظ سئل النبي ﷺ عن جلود الميتة فقال: "دباغها ذكاتها" وللدارقطني "طهور كل أديم دباغه" وقال الدارقطني رجال إسناده كلهم ثقات، (الفقه الإسلامي ١/ ١٠٤). - قال الحنفية: حفر الأرض وفلاحتها إذا زال أثر النجاسة يطهرها وقالوا: إذا أصيب ثوب الإنسان أو بدنه أو مكان ما بنجاسة ونسي المحل، فأي جزء يغسل يكفي للحكم بالطهارة. - قال المالكية: إذا شك الإنسان في نجاسة ثوب أو حصير أو ما أشبه ذلك يكفي النضح أو ما يشبهه للحكم بالطهارة، والنضح هو رشٌ باليد أو الفم ومثله نزول المطر. - قال الحنفية: من مشى برجل مبلولة على حصير أو سجادة أو ما أشبه ذلك وهي نجسة جافة فلا تنجس رجله وقال المالكية: من مشى برجل مبلولة على نجاسة يابسة يطهره ما بعده، وقالوا: يعفى عن طين المطر ما لم تكن النجاسة غالبة أو عينها قائمة وقالوا يكفي النضح من بول صبي لم يطعم غير الحليب، أو قيئه، قبل مضي حولين عليه. - قال الحنابلة: إذا خَفِيَ موضع النجاسة في مكان كبير، كصحراء واسعة ودار واسعة فلا حكم لها، والمحل كله طاهر. - قال الحنفية: لا ينجس شيء بموت حيوان لا دم له سائل كذبان وصرصور وخنفساء وزنبور وبق وبعوض وعقرب، ولا بموت حيوان مائي كسمك وضفدع وتمساح وسرطان وكلب ماء وخنزيره فإن هذه الأخيرة وإن كان لها دم، لكن ليس لدمها عند الحنفية حكم الدم العادي. - قال العلماء: وجميع النباتات طاهرة ولو كان يحرم استعمالها بسبب أنها سامة أو مخدرة. - قال الحنفية: كل شيء من أجزاء الحيوان والإنسان غير الخنزير، لا يسري فيه الدم سواء كان حياً أو ميتاً، مأكولاً أو غير مأكول، فهو طاهر، كالشعر والريش المجذوذ (أي

стр. 291

المقطوع) والمنقار والظلف والعصب والقرن والحافر والعظم إذا زال دسمه أو طهر مكان الدم منه، ومن ذلك ناب الفيل، أما أصول الشعر المنتوف فنجسة، وأما دمع الحي وعرقه ولعابه ومخاطه فمثل سؤره على اختلاف المذاهب في ذلك مع ملاحظة أن كل حي ولو كلباً أو خنزيراً طاهراً عند المالكية، وعلى هذا فدمعه وعرقه ولعابه ومخاطه طاهر عندهم. - قال الإمام أبو حنيفة: البيضة إذا خرجت من طير طاهرة إلا إذا كان عليها نجاسة ينبغي تطهيرها. - قال الحنفية: لو لف ثوب جاف طاهر في ثوب نجس رطب لا ينعصر الرطب لو عصر لا ينجس كما لا ينجس ثوب رطب نشر على حبل جاف نجس أو على أرض نجسة يابسة ولو تندت الأرض ولم يظهر أثر النجاسة فيه. - قال المالكية البيض الممروق وهو ما اختلط بياضه بصفاره من غير نتونة طاهر، أما البيض المذِرُ وهو ما تغير بعفونة أو زرقة أو صار دماً فنجس، فإذا كسرت بيضة وألقيت على أخواتها وكانت كذلك وأمكن عزلها، فإن ما بقي طاهر. - قال المالكية: فضلات الحيوان المباح أكله من روث وبعر وبول وخرء دجاج وحمام بل وجميع الطيور طاهرة ما لم تستعمل النجاسة أكلاً أو شرباً ففضلتها عندئذ نجسة وخرء الفأر عندهم طاهر كذلك إن لم تصل للنجاسة ولو شكاً، شأنها شأن الدجاج. - قال الشافعية: رطوبة الفرج وهي الماء الأبيض المتردد بين المذي والعرق من الإنسان أو الحيوان ولو غير مأكول طاهر. - من المتفق عليه بين الفقهاء أن ما قطع من الحي في حال حياته كإلية أو سنام جمل أو غير ذلك فحكمه حكم الميتة. - قال الحنفية: يعفي عما دون مقدار درهم وزناً (في الكيف ٣.١٧ غم) أو أقل من قدر مقعر الكف مساحة من النجاسة المغلظة من أجل الصلاة، أما النجاسة المخففة كبول ما يؤكل لحمه فيعفى عن مقدار ربع أدنى ثوب تجوز به الصلاة، وقد أفتى بعض الحنفية بأن نجاسة الكحول نجاسة مخففة، والنجاسات المخففة عند الحنفية، ما تثبت بدليل غير قطعي كبول

стр. 292

ما يؤكل لحمه وخرء طير لا يؤكل، والنجاسات المغلظة عندهم: ما ثبتت بدليل مقطوع به كالدم المسفوح والغائط والبول من غير مأكول اللحم، والخمر وخرء طير لا يزرق في الهواء كدجاج وبط وأوز، ولحم الميتة وإهابها ونجو الكلب ورجيع السباع ولعابها والقيء ملء الفم وكل ما ينقض الوضوء إذا خرج من الإناث كالعذرة والمني والمذي والدم السائل ونجاسة البعر والروث والخثي مغلظة عند أبي حنيفة مخففة عند الصاحبين لعموم البلوى. - قال الحنفية: يعفى عن رشاش بول كرؤوس الإبر في الثوب والبدن، إلا إذا كثر بحيث لو جمع لزاد عن القدر المعفو عنه، ما يعفى عن مثل ذلك في الدم الذي يصيب الجزار وعن أثر الذباب الذي يقع على نجاسة، ويعفى عما يصيب غاسل الميت من غسالته، ويعفى عن بخار النجس وغباره ورماده. - قال المالكية: وسلسل الأحداث عند المعذور وهو عندهم ما خرج بنفسه من غير اختيار كالبول والمذي والمني والغائط يسيل من المخرج بنفسه، فيعفى عنه إذا حكم لصاحبه بأنه صاحب عذر ولا يجب غسله للضرورة إذا لازم كل يوم ولو مرة، وكذلك بلل الباسور إذا أصاب البدن أو الثوب كل يوم ولو مرة، أما اليد أو الخرقة فلا يعفى عن غسلها إلا إذا كثر الرد بها إي إرجاع الباسور بأن يزيد على المرتين كل يوم. وقال المالكية: يطهر موضع الحجامة أو العملية الجراحية إذا مسح بخرقة ونحوها إلى أن يبرأ المحل، كما يعفى عما يسيل من الدمامل بنفسه أو بعصره إذا كان عصره لحاجة أما إذا عصر لغير حاجة فلا يعفى إلا عن قدر الدرهم دون ما زاد عليه. - قال الشافعية: يعفى عن القليل والكثير من دم البثرات والبقابيق والدماميل والقروح والقيح والصديد وموضع الحجامة والفصد وسلسل البول، لكن إذا عصر البثرة أو الدمل فلا يعفى إلا عن قليله فقط. كما يعفى عندهم عن قليل دم الأجنبي ويعفى عندهم عن دم الإنسان ما لم يختلط بدم أجنبي أو يختلط بدم نفسه من موضع آخر، وثياب الخمارين والأطفال والجزارين والكفار طاهرة إذا لم يظهر عليها أثر النجاسة، وكذلك ماء الميزاب الذي لا يقطع بنجاسته ويعفى عندهم عن ميتة دود الفاكهة والخل والجبن والمتخلفة فيها ما لم تخرج منه ثم تطرح فيه بعد موتها وما لم تغيّره، وعن الأنفحة المستعملة للجبن

стр. 293

والكحول المستخدم في الأدوية والعطور، ويعفى عندهم عن روث المحلوبة ونجاسة ثديها إذا وقع في اللبن حال حلبه، وعن نجاسة فم الصبي عند إرضاعه أو تقبيله وعن روث البهائم المختلط بالطين الذي يصيب عسل خلايا النحل. - قال الحنفية: طهارة النجاسة غير المرئية بغسلها ثلاثاً مع العصر أو بوضعها بماء جار أو ماله حكم الماء الجاري كأن وضعت في إناء وصب عليها الماء حتى فاض عن الإناء، أما النجاسة المرئية فطهارتها زوال عينها ويعفى عما يبقى من أثرها إذا شقَّت إزالته، بحيث يحتاج إلى غير الماء القراح كصابون مثلاً. ويطهر الثوب المصبوغ بمتنجس إذا صار الماء صافياً مع بقاء اللون ويطهر الحليب والعسل والدبس إذا أصابته نجاسة بإضافة ماء عليه وغليه على النار ثلاثاً حتى يعود كما كان، ويطهر عند بعض الفقهاء لحم طُبخ بنجس بصبِّ الماء عليه وغليه وتبريده. - إذا ولغ الكلب في إناء فالمالكية يعتبرونه طاهراً وغسله عبادة والحنفية يطهر عندهم هو وسؤر الخنزير بالغسل ثلاثاً وما زاد فمندوب، وعند الشافعية والحنابلة يغسل من ولوغ الكلب والخنزير سبع مرات إحداهن بالتراب ويتعين عند الشافعية التراب بالغسلة الأولى، ويقوم عند الحنابلة الأشنان والصابون والنخالة وأمثال ذلك مقام التواب ولو مع وجوده. - قال الحنفية إذا أصابت النجاسة شيئاً مما لا يعصر: كالحصير والسجاد والخشب فينقع في الماء ثلاث مرات ويجفف في كل مرة فيطهر والأسهل في هذا الشأن مذهب الشافعية كما عرضناه بأن يُمِرَّ الماء على النجاسة بعد إزالة جرمها. - قال الحنفية: لو وقعت ثياب المصلي كالعباءة على أرض نجسة عند السجود لا يضر ذلك. - قال المالكية: من صلى حاملاً نجاسة غير معفو عنها ولا يعلمها ثم عرفها بعد الصلاة، جازت صلاته وليس عليه إعادة وكذلك حكم النسيان عندهم وقالوا: إن لم يجد المصلي غير ثوب عليه نجاسة فإنه يصلي بذلك الثوب، وليس عليه إعادة، ولا يصلي عارياً. - من حمل بيضة استحال باطنها دماً جازت صلاته عند الحنفية بخلاف ما إذا كان

стр. 294

حاملاً قارورة فيها بول أو دم فلا تصح صلاته. - قال الحنفية: لو حمل المصلي صبياً صغيراً في الصلاة عليه نجس، تبطل صلاته إن كان الصبي لا يستمسك بنفسه، أما إذا كان يستمسك بنفسه فلا يُعدُّ حاملاً للنجاسة وتصح صلاته. - قال الشافعية: لو وصل عظمه المنكسر بنجس لفقد الطاهر فهو معذور تصح صلاته معه، ومنه يعرف حكم ما إذا نقل شيء من الإنسان في عملية من مكان إلى مكان آخر، أو نقل إليه شيء من جسم غيره، فهو معفو عنه، مع أن القاعدة التي مرت معنا أن ما أبين من الحي كميتته. - اتفق الفقهاء على أنه إن فرش على المحل النجس شيئاً ساتراً للعورة (أي غير رقيق) جازت صلاته، وقال الحنفية تجوز الصلاة على شيء سميك وجهه الأعلى طاهر والأسفل نجس ولا تصح على ثوب طاهر بطانته نجسة إذا كان مخيطاً بها. - قال الشافعية: إذا حبس في موضع نجس صلى بقدر ما يستطيع إيماءاً أو انحناءاً ولا يسجد على النجاسة في هذه الحالة ويستحب له على المذهب القديم أن يعيدها. - من النجاسات المتفق عليها: لحم الخنزير وجميع أجزائه ودم الآدمي غير الشهيد ودم الحيوان غير المائي الذي انفصل منه إذا كان مسفوحاً. والدم المسفوح نجس ولو كان من سمك وذباب عند المالكية والشافعية وبول الآدمي وقيؤه وغائطه إلا بول الصبي الرضيع فيكتفي برشه عند الشافعية والحنابلة مع أن نجس، وبول الحيوان غير المأكول اللحم وغائطه وقيؤه إلا خرء الطيور وبول الفأر عند الحنفية فيعفى عنهما في الثياب والطعام دون ماء الأواني والخمر نجسة والقيح والمذي والودي كذلك. ولحم ميتة الحيوان غير المائي الذي له دم سائل مأكول أو غير مأكول ولحوم الحيوان غير المأكول وألبانه وما انفصل أو قطع من حي في حال حياته إلا الشعر وما في معناه.

стр. 295

من النجاسات المختلف فيها: الكلب فقال الحنفية: إنه ليس بنجس العين، وفم الكلب أو لعابه هو النجس، وقال المالكية إنه طاهر وقال الشافعية والحنابلة: نجس العين. وميتة ما لا دم له سائل، اعتبره الشافعية نجساً، وأجزاء الميتة الصلبة التي لا دم فيها كالقرن والعظم والسن والحافر والخف والظلف نجسة عند غير الحنفية. والفقهاء عدا الشافعية يقولون بطهارة شعر الميتة وصوفها وريشها وجلد الميتة نجس دبغ أو لم يدبغ عند المالكية والحنابلة. أما الحنفية والشافعية فيقولون: تطهر الجلود النجسة بسبب الموت وغيره بالدباغ على اختلاف في وسائل الدباغ. وبول الحيوان المأكول اللحم وفضلاته ورجيعه اعتبره الحنفية والشافعية نجساً إلا أن الحنفية اعتبروا بول ما يؤكل لحمه نجساً نجاسة مخففة إلا روث الخيل وخثي البقر فنجس نجاسة مغلظة عند أبي حنيفة مخففة عند الصاحبين، واعتبره المالكية والحنابلة طاهراً واستثنى المالكية التي تأكل النجاسة أو تشربها. والمني عند الحنفية والمالكية نجس يجب غسل أثره وقال الحنفية إن كان رطباً فيغسل وإن جف أجزأ فيه الفرك. والمذهب الشافعي على طهارة دم البثرات ودم البراغيث وونيم الذباب وماء القروح والنفاطات وموضع الفصد والحجامة، وقال الجمهور غير الحنفية بطهارة الميت الآدمي. انظر: (الدر المختار ١/ ٢٠٥ فما بعدها)، (اللباب ١/ ٢٤ - ٣٠ و ٤٩ - ٥٤)، (المغني ١/ ٥٢ فما بعدها)، بداية المجتهد ١/ ٧٦ فما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ٦٤ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٩٢ - ١١٣ و ١/ ١٤٠ فما بعدها). * * *

стр. 296

الفقرة الرابعة: في قضاء الحاجة والاستنجاء والاستبراء عرض إجمالي القبل والدبر هما المخرجان العاديان لفضلات الإنسان، ويخرج من الدبر الغائط وهو نجس بإجماع، ويخرج من القبل البول وكذلك هو نجس بإجماع، ويخرج من قبل الرجل مذي وهو سائل رقيق يخرج أثناء الشهوة كما يخرج منه ودى وهو سائل أبيض غليظ يخرج عقب البول أحياناً يشبه المني وليس بمني، وهذه كلها تسبب الحدث الأصغر، وتفترض الطهارة منها لصحة الصلاة ويخرج من قُبُل الإنسان المني وهو سائل أبيض يخرج بدفق وبشهوة في الأحوال العادية من الرجل، ويخرج من المرأة مني ودم حيض ودم نفاس، وهذه الثلاثة عند المرأة والمني عند الرجل تسبب الحدث الأكبر وتفترض الطهارة منها لصحة الصلاة، ويخرج من المرأة عادة طهر وهو سائل أبيض يميل إلى الصفرة إذا كثر وله أحكامه كذلك في الطهارة لصحة الصلاة، وفي موضوع قضاء الحاجة التي يتلبس الإنسان بها كثيراً، تتوضع فرائض وسنن وآداب ومكروهات ومحرمات، وعلى المسلم أن يكون فقيهاً في ذلك له، ونحن في هذه الفقرة سنعرض لكثير من المسائل الفقهية بمناسبة عرضنا للنصوص المتعلقة بهذا الموضوع. ونتعرض في هذه المقدمة لبعض الاصطلاحات والتعريفات، فإن قارئ كتب الفقه تمر عليه اصطلاحات الاستنجاء والاستجمار والاستبراء والاستنزاه والاستنقاء، وهذه تعريفات وإيضاحات حولها: فالاستنجاء: إزالة نجس عن قبل أو دبر باستعمال الأحجار وما ينوب منابها كالورق أو استعمال الماء، والأصل أن الحجارة وحدها وما ينوب منابها يكفي، والماء وحده يكفي والجمع بينهما أفضل وبذلك يجتمع للإنسان طهارة ونظافة وصحة. والاستجمار: الاستنجاء بالحجارة. والاستبراء: طلب التيقن من زوال أثر الخارج من القبل أو الدبر. والاستنزاه: طلب براءة المخرج عن أثر الرشح من البول.

стр. 297

والاستنقاء: طلب نقاوة المحل الخارج من النجس. والأصل أنه لا يجوز الشروع في الوضوء حتى يطمئن المرء من زوال أثر رشح البول. قال جمهور الفقهاء: يجب الاستنجاء من كل خارج معتاد من السبيلين: كالبول أو المذي أو الغائط كما تجب الطهارة لكل مكان ومحل من ثوب أو بدن. وقال الحنفية: إذا لم تتجاوز النجاسة المخرج، فالاستنجاء سنة مؤكدة للرجال والنساء، فإذا تجاوزت النجاسة المخرج وكان المتجاوز قدر الدرهم، فعندئذ تجب إزالته بالماء، وإن زاد المتجاوز على قدر الدرهم، افترض الغسل بالماء أو بمائع له حكم الماء في قلع النجاسة، وقال الجمهور يجب الاستنجاء من كل خارج معتاد من السبيلين. (الدر المختار ١/ ٢٣٠) و (الفقه الإسلامي ١/ ١٩٢ - ١٩٣). قضاء الحاجة من بول أو غائط يضطر إليه الإنسان كثيراً، والأدب والفقه في شأنه مؤشر كبير على أشياء كثيرة، وهذه الأشياء وإن ألِفَ الناس أن يخجلوا من الحديث عنها في الأحوال العادية فإن الحديث عنها في مقام التعليم لابد منه: هناك آداب ينبغي أن تراعى في محل قضاء الحاجة. وهناك أحكام يجب أن يراعيها قاضي الحاجة. ونحب أن نلفت النظر ههنا بإجمال إلى بعض الأمور: فالأصل إذا كان الإنسان في بيته أن يراعي في المحل نظافته وأن يوجد في المحل ما يلزم للطهارة وللنظافة، وأن يكون المحل بالشكل الذي يساعد على الطهارة والنظافة وذهاب الرائحة وأن يتوافر الماء والورق وأن يكون هناك محل لتصريف الماء وملح لجمع الورق. وهناك أشياء تلاحظ من أجل الآخرين تقتضيها الذوقيات الإسلامية: البعد، تجنب قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة أو التي يجلس تحتها الناس للظل، وتجنب قضاء الحاجة في طريق الناس، وتجنب كشف العورة أمامهم، عدم التبول في الماء الراكد أو الجاري، عدم الحديث أثناء قضاء الحاجة، ترك السلام على قاضي الحاجة وعدم

стр. 298

رده إن سُلِّم عليه. التنزه من البول: ٤١٠ - * روى الشيخان عن ابن عباس: مر النبي ﷺ بقبرين يُعذبان، فقال: "إنهما ليُعذبان، وما يُعذبان في كبير، أما أحدهما، فكان لا يستترُ من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة"، ثم أخذ جريدة رطبةً، فشقها بنصفين ثم غرز في كل قبرٍ واحدة فقالوا: يا رسول الله صلى لِمَ صنعتَ هذا؟ فقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا". وفي رواية (١) (لا يستبرئ) (٢) وفي أخرى (لا يستنزهُ) بدل (لا يستتر) وعلى رواية الأكثر (لا يستتر) معناه لا يجعل بينه وبين بوله سترة أي لا يتحفظ، فتوافق رواية لا يستنزه، وفي رواية (لا يتوقى) انظر شرح (السنة ١/ ٣٧٠). قال في شرح السنة (١/ ٣٧١): قوله: "وما يُعذبان في كبيرة" معناه: أنهما لم يُعذبا في أمر كان يكبرُ ويشقُّ عليهما الاحترازُ عنه، لأنه لم يكن يشقُّ عليهما الاستتارُ عند البول، وترك النميمة، ولم يُرِدْ أن الأمر فيهما هينٌ غيرُ كبير في أمر الدين، بدليل قوله: "وإنه لكبير". قال شعيب: وقد رجح هذا التفسير ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل: المعنى: ليس بكبير في الصورة، لأن تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وإن كان كبيراً في الجملة، وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے). قال البغوي: وقوله: "لعله يُخففُ عنهما ما لم ييبسا".

стр. 299

قال أبو سليمان الخطابي: فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، فكأنه ﷺ عجل مُدة بقاء النداوة فيهما حداً لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطبِ معنى ليس في اليابس. ا. هـ. أقول: وعند بعضهم مزيد عبارة يرحم بسببها من يجاوره. ٤١١ - * روى أحمد عن أبي بكرة قال: بينما النبي ﷺ يمشي بيني وبين رجل آخر إذ أتى على قبرين فقال: "إن صاحب هذين القبرين يعذبان فأتياني بجريدة" قال أبو بكر فاستبقتُ أنا وصاحبي فأتيته بجريدة فشقها نصفين فوضع في هذا القبر واحدة وفي ذا القبر واحدة قال: "لعله يخفف عنهما ما دامتا رطبتين إنهما يُعذبان بغير كبير: الغيبة والبول". وقال أحمد "وما يعذبان في كبير وبلى وما يعذبان إلا في الغيبة والنميمة والبول". أقول: إن الاهتمام بإنقاء البول من محال الاهتمام الكبرى عند المسلمين، ولذلك يستبرئون ويستنقون، ومن المستحبات أن يبول الإنسان قعداً لئلا يصيبه رشاش البول ويكره له البول قائماً إلا لعذر، ومن المستحبات ألا يبول في مهبِّ الريح لئلا تعود النجاسة إليه، وكما يحتاط لبدنه يحتاط لثيابه. ٤١٢ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن حسنةَ قال: (انطلقُت أن وعمرو بن العاص إلى النبي ﷺ ، فخرج ومعه درقَةٌ، ثم استتر بها، ثم بال، فقلنا: انظُروا إليه يبُول كما تَبُول المرأة، فسمع ذلك، فقال، "ألم تعلموا ما لقي صاحبُ بني إسرائيل (١)؟

стр. 300

كانوا إذا أصابهم البولُ قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم، فعُذب في قبره". ٤١٣ - * روى أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "عشْرٌ من الفطرة: قَصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواكُ، والاستنشاقُ، وقصُّ الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتفُ الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء" قال مصعب: نسيتُ العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. قال البغوي: قوله: "من الفطرة" فسر أكثر أهل العلم "الفطرة" في هذا الحديث أنها السُّنة، وتأويله: أن هذه الخصال من سُنن الأنبياء صلوات الله عليهم الذين أُمرنا أن نقتدي بهم، وأولُ من أمر بها إبراهيم ﷺ فذلك قوله: (? ہ ہ ہ ہ ھ) (١). وكُره قصُّ اللحية ا. هـ، وقد ذكر ابن الرفعة بأن الشافعي ﵁ نص على التحريم (شعيب) وغسلُ البراجم: معناه: معالجةُ المواضع التي تتسخُ فيجتمعُ فيها الوسخ بالغسل والتنظيف، وأصل البراجِم: العُقَد التي تكون في ظهور الأصابع: وانتقاص الماء: هو الاستنجاء بالماء، وقيل: معناه: انتقصا البول بالماء، وهو أن يغسل ذكره، فإنه إذا غسل الذكر ارتد البول، ولم ينزل، فإن لم يغسل، نزل منه شيءٌ، وقيل: هو الانتضاح. أماكن قضاء الحاجة والأماكن المنهي عنها: أقول: حكمة الابتعاد عن الناس لقضاء الحاجة واضحة، وهي ألا يسمع الناس من قاضي الحاجة صوتاً أو يتأذوا برائحة أو يروا عورة، وهذه القضايا يحتاط لها الإنسان إذا كان منه أحد قريباً بالقدر المستطاع، وينبغي أن يلاحظ مهندسو البناء أن يضعوا الحمامات

стр. 301

والمراحيض في أمكنة يسهل الوصول إليها ويراعى فيها ما ذكرناه. ٤١٤ - * روى الترمذي عن المغيرة بن شُعبة ﵁ قال: "كنتُ مع رسول الله ﷺ في سفر، فأتى النبي ﷺ حاجته، وأبعد في المذْهب". وعند أبي داود (١) "أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذْهب أبْعَدَ". وفي رواية النسائي (٢) "أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذْهَب أبعد، قال: فذهب لحاجته وهو في بعض أسفاره، فقال: ائتني بوضوءٍ، فتوضأ ومسح على الخفين". ٤١٥ - * روى أبو داود عن اجبر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ "كان إذا أراد البزار انطلق حتى لا يراه أحدٌ". عن ابن عمر كان النبي ﷺ يذهب لحاجته في المغمس، قال نافع: نحو ميلين من مكة. للموصلي ورجاله ثقات من أهل الصحيح. أقول: قال العلماء: الاستتار وعدم كشف العورة عمن يراه واجب أثناء الاستنجاء وقضاء الحاجة لحرمته والفسق به، ويمسح المخرج من تحت الثياب، وأما الحديث أثناء قضاء الحاجة مع الغير، فإذا كانت العورات مكشوفة لبعضهم بعضاً، فذلك حرام، وإن لم تكن مكشوفة فإنه مكروه، وإذا تعارض كشف العورة مع الاستنجاء يترك الاستنجاء لوقت آخر. ٤١٦ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 302

"اتقوا اللاعنين"، قيل: "وما اللاعنان؟ قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم". ٤١٧ - * روى أبو داود عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل". أقول: قال الفقهاء: ولا يقضي حاجة تحت شجرة مثمرة لئلا تسقط عليه الثمرة، قال الشافعية: وكذا في غير وقت الثمر، وأجازه الحنابلة في غير حال الثمر إذا لم يكن المحل يستظل به الناس ويرتفقون به. ٤١٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن سرجس ﵁: "أن النبي ﷺ نهى أن يُبال في الجُحْرِ". وفي رواية النسائي (١) قال: "لا يبُولن أحدكم في جُحرٍ". أقول: الكراهة في البول في الجحر أو الشق أو الثقب بسبب ما يحتمل أن يكون فهيا من أحياء، وبعضها قد يخرج بسبب ذلك فيؤذي.

стр. 303

٤١٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مغفلٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لايبولن أحدكم في مستحمه، فإن عامة الوسواس منه". وفي رواية (١) أبي داود زيادة بعد "مستحمِّه": ثم "يغتسل فيه" وفي أخرى (٢) "ثم يتوضأ فيه ... " الحديث. وزاد القزويني أنه سمع الطنافسي يقول إنما هذا في الحفيرة، وأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير فإذا بال فأرسل عليه الماء فلا بأس. وقال ابن المبارك: قد وُسِّعَ في المُغْتَسَلِ إذا جرى فيه الماء. ٤٢٠ - * روى أبو داود عن أميمة بنت رُقيقة قالت: "كان للنبي ﷺ قدحٌ من عيدان تحت سريره يبولُ فيه من الليل". وعند النسائي (٣) "كان للنبي ﷺ : قدح من عيدانٍ يبُول فيه، ويضعه تحت السرير". أقول: وذلك يدل على جواز أن يفعل الإنسان ذلك في بيته على أن يتخلص منه في أقرب فرصة، ومن كلام الفقهاء: يحرم البول في مسجد ولو في إناء لأن ذلك لا يصح له.

стр. 304

٤٢١ - * روى الطبراني في الأوساط عن بكر بن ماعز قال سمعت عبد الله بن يزيد يحدثُ عن النبي ﷺ قال: "لا يُنقعُ بول في طستٍ في البيت فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه بول منتقعٌ ولا تبولنَّ في مغتسلك". أقول: ولهذا الحديث قلنا إن على الإنسان أن يتخلص من البول في أقرب فرصة ونحب هاهنا أن نشير إلى موضوع مهم جداً وهو أنه إذا تعارضت مصلحة الإنسان المباحة مع أدب الملائكة فللإنسان أن يفعل ماهو مصلحته، كأكله الثوم في بيته دون أن يؤذي أحداً من البشر. ٤٢٢ - * روى الطبراني عن حذيفة بن أسيد أن النبي ﷺ قال: "من آذى المسلمين في طُرقهم وجبت عليه لعنتُهم". حكم استقبال القبلة واستدبارها: ٤٢٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يستقبل القِبلةَ ولم يستدبرها في الغائط كُتبتْ له حسنةٌ ومُحي عنه سيئةٌ". ٤٢٤ - * روى الشيخان عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتُمُ الغائط فلا تستقبلوا القِبلةَ ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا"،

стр. 305

قال أبو أيوب: فلما قدِمنا الشام وجدنا مراحيض قد بُنيتْ قِبَلَ القِبلةِ، فنَنْحرِف عنها ونستغفر الله ". وفي رواية (١) الموطأ: قال رافعُ بن إسحاق - مولى لآل الشفاء، وكان يقال له: مولى أبي طلحة- أنه سمع أبا أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ وهو بمصر يقول: (والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكراييس، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا ذهب أحدُكم لغائطٍ أو بولٍ، فلا يستقبل القِبلة ولا يستدبرها بفرْجه؟ ". وأخرج النسائي (٢) رواية الموطأ. وله في أخرى (٣): أن النبي ﷺ قال: "لا تستقبلوا القِبلة، ولا تستدبروها بغائطٍ أو بولٍ ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". ٤٢٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها". وفي رواية أبي داود (٤) والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا لكم بمنزلة

стр. 306

الوالد، أعلْمُكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القِبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وكان يأمرُ بثلاثة أحجارٍ، وينهى عن الرَّوْثِ والرِّمَّة". ٤٢٦ - * روى أبو داود عن مروان الأصفر قال: "رأيتُ ابن عمر أناخ راحلتهُ مستقبلَ القِبْلَة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن، أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نُهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القِبْلة شيء يسْتُرُك فلا بأس". ٤٢٧ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقْبَضَ بعامٍ يستقبلها". ٤٢٨ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "ارْتَقَيْتُ فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيتُ النبي ﷺ يقضي حاجتهُ مستقبل الشام، مستدبر القِبْلَةِ". وفي رواية (١) للبخاري ومسلم: "أن ابن عمر كان يقول: "إن ناساً يقولون: إذا

стр. 307

قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يوماً على ظهر بيتٍ لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين، مستقبل بيت المقدس لحاجته، وقال: لعلك من الذين يُصلُّون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري والله"، قال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجُد وهو لاصقٌ بالأرض. أقول: يكره تحريماً عند الحنفية: استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة ولو في البنيان، وقال الجمهور غير الحنفية: لا يكره ذلك في المكان المُعَدِّ لقضاء الحاجة، ويحرم استقبالها واستدبارها في البناء غير المعد لقضاء الحاجة وفي الصحراء بدون ساتر مرتفع بقدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر، ولا يبعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع، ويكره استقبال عين الشمس والقمر بفرجه، ومما ينبغي أن يراعيه المسلم في بنائه أن لا يجعل المراحيض مستقبلة أو مستدبرة القبلة مراعاة للوارد في ذلك، ولفهم الحنفية في هذا الشأن، فالخروج من الخلاف حيث لا يترتب عليه ضرر أو مكروه عند الآخرين مستحب لدى العلماء. (انظر الدر المختار ١/ ٢٢٨ والشرح الصغير ١/ ٩٣ والمغني ١/ ١٦٢ - ١٦٣). حكم البول قائماً: ٤٢٩ - * روى الشيخان عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كنتُ مع النبي ﷺ ، فانتهى إلى سُباطةِ قومٍ، فبال قائماً، فتنحيتُ، فقال: "ادْنُهْ"، فدنوتُ حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ، ومسح على خفيه". وفي رواية (١) عن أبي وائل قال: "كان أبو موسى يُشددُ في البول ويبول في قارورة،

стр. 308

ويقول: إن بني إسرائيل كانت إذا أصاب جلدَ أحدهم بولٌ قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة: لوددتُ أن صاحبكم لا يُشدد هذا التشديد، فلقد رأيتُني أنا ورسول الله ﷺ نتماشى، فأتى سُباطة قومس خلف حائطٍ، فقام كما يقوم أحدكم، فبال فانتبذْتُ منه، فأشار إليَّ، فجئتُ، فقمتُ عند عقبه ﷺ ، حتى فرغ". قال الخطابيُّ: سبب بوله قائماً: إما مرض اضطره إليه، كما قد روي "أنه ﷺ بال قائماً من وجعٍ كان بمأبضْيه" والمأبِض: باطن الركبة، وقيل: للتداوي من وجع الصلب، فإنهم كانوا يتداوون بذلك من وجع أصلابهم، أو أن المكان اضطرَّه إليه، لأنه لم يجدْ للقعود سبيلاً، وفيه أن مُدافعة البول مكروهة، لأنه صلى الله لعيه وسلم (بال قائماً، في السباطة) ولم يؤخرْ ذلك، وأما إدناؤه [حذيفة] إليه مع إبعاده عند الحاجة، فلأن السباطة إنما تكون في أفنية الناس، ولا تخلو من لمار، فأدناه إليه ليستتر به. (ابن الأثير). ٤٣٠ - * روى مالك عن نافع - مولى ابن عمر ﵃ قال: "رأيتُ ابن عمر يبُولُ قائماً". قال الحافظ في الفتح: أقول: إن السنة شبه الدائمة لرسول الله ﷺ البول قاعداً، وبذلك استحب العلماء للإنسان أن يبول قاعداً إلا لعذر. ٤٣١ - * روى الترمذي عن عائشة قالت: "من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه".

стр. 309

الاستتار عند قضاء الحاجة وعدم الكلام: ٤٣٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: "أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسر إليَّ حديثاً لا أحدثُ به أحداً من الناس، وكان أحبُّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفٌ أو حائشُ نخلٍ. فقال في رواية (١): يعني: حائط نخل". ٤٣٣ - * روى أحمد عن أبي سعيد رضي الله عن قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقتُ على ذلك". من آداب قضاء الحاجة: ٤٣٤ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه".

стр. 310

أقول: يندب لمن يريد قضاء الحاجة ألا يحمل مكتوباً ذُكرَ اسم الله عليه أو فيه اسم مكرم. ٤٣٥ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر: "أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يردَّ ﵇". الأذكار المأثورة لمن يريد قضاء الحاجة: ٤٣٦ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء" يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". وفي رواية (١): "إذا أراد أن يدخل الخلاء"، وفي أخرى (٢) "كان إذا دخل الكنيف". فائدة: (إذا دخل الخلاء): يعني أراد دخول الخلاء مثل (إذا قمتم إلى الصلاة) أي إذا أردتم الصلاة وقصدتم ذلك، والمراد أن الأذكار المأثورة يستحب قولها قبل أن يدخل الإنسان موطن النجاسة أو يكشف عورته، وكذلك أذكار ما بعد قضاء الحاجة، تكون بعد ستر العورة والخروج من محل النجاسة، وإذا عطس حمد الله بقلبه. ٤٣٧ - * روى أبو داود عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن

стр. 311

هذه الحُشوش محترة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث". ٤٣٨ - * روى أحمد عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله صلى الله عيه وسلم إذا خرج من الخلاء، قال: "غُفرانك". ٤٣٩ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "ستْرُ ما بين أعين الجِنِّ وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله". حكم غسل اليدين بعد قضاء الحاجة: ٤٤٠ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال (١): "أقبَلَ رسول الله

стр. 312

صلى الله عليه وسلم من شعبٍ من الجبلِ وقد قضى حاجته، وبين أيدينا تمرٌ على تُرْسٍ، أو جحفةٍ، فدعوناه، فأكل معنا، وما مس ماء". ٤٤١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج يوماً من الخلاء، فقُدم إليه طعامٌ، فقالوا: ألا نأتيك بوضوءٍ؟ قال: "إنما أُمرت بالوضوء إذا قمتُ إلى الصلاة". وفي رواية (١) فقال: "أريدُ أن أصلي فأتوضأ؟ ". وفي أخرى (٢): "قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه الطعام، فأكل، ولم يمس ماء". أقول: يستحب لمن قضى حاجته واستنجى أن يغسل يديه، وإذا لم تكن عليهما نجاسة فلا حرج أن يأكل بهما، قد بين هذان الحديثان هذا المعنى الأخير لرفع الحرج عن الأمة. وسائل الاستنجاء وكيفيته: ٤٤٢ - * روى مسلم عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قيل له: د علمكُمْ نبيكم ﷺ كل شيءٍ حتى الخِراءةَ؟ قال: فقال: أجلْ، لقد نهانا أن نستقبل القِبْلَة بغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثةِ أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظمٍ".

стр. 313

وفي رواية (١) قال: "قال له المشركون: إنا نرى صاحبكم يعلمُكم، حتى يعلمكم الخراءة؟ فقال: أجل، إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القِبْلة، ونهى عن الرَّوْث والعظام، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار". (نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) فيه: بيان أن الاستنجاء أحدُ الطهرين، فإن لم يستعمل الماء فلابد له من الحجر، وبيان أن الاقتصار على دون الثلاثة لا يجزيء وإن أنقى، لأنه علم أن الإنقاء قد يحصل بدون الثلاثة، ومع هذا اشترط الثلاثة، وكان اشتراطها تعبداً وشرطاً في صحة الطهارة. قاله ابن الأثير وهو شافعي، وقد مر معنا أن الحنفية والمالكية عندهم العبرة للإنقاء ولا يجب عدد الثلاثة بل يستحب، وأما عدد الغسلات حال الاستنجاء بالماء فالصحيح انه مفوض إلى الرأي حتى يطمئن القلب للطهارة بيقين أو غلبة ظن. (نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه) النهيُّ عن الاستنجاء باليمين في قول أكثر العلماء: نهيُ تأديبٍ وتنزيهٍ، لأنها مرصدة للأكل والشرب وأكثر الآداب، فنُزِّهتْ عن مباشرة النجاسة. ٤٤٣ - * روى أحمد عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "إذا استجمر أحدُكم فليستجمرْ ثلاثاً". وفي رواية (٢) "إذا تغوط أحدكم فليمسحْ ثلاثَ مراتٍ".

стр. 314

٤٤٤ - * روى الطبراني عن طارق بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استجمرتم فأوتروا وإذا توضأتم فاستنثروا". ٤٤٥ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا استجمر أحدُكم فليوتر إن الله وتِر يحبُ الوتر، أما ترى أن السماوات سبعاً والأرضين سبعاً والطواف سبعاً وذكر أشياء". أقول: نصبت كلمة (سبعاً) في الحديث مع أن ظاهرها أنها خبر (أن) فمحلها الرفع، لكنها نصبت على تقدير أنها خلقت أو جعلت سبعاً والله أعلم. ٤٤٦ - * روى البزار عن علقمة قال: قال رجل من المشركين لعبد الله: إني لأحسب صاحبكم قد علمكم لك شيء حتى علمكُم كيف تأتون الخلاء، قال: إن كنت مستهزئاً فقد علمنا أن لا نستقبل القبلة بفروجنا وأحسبه قال: ولا نستنجي بأيماننا ولا نستنجي بالرجيع ولا نستنجي بالعظم ولا نستنجي بدون ثلاثة أحجار. أقول: قال الحنفية والمالكية: يستحب الاستنجاء بثلاثة أحجار، ولا يجب ويكفي ما دونه إن حصل الإنقاء أو التنظيف به، وقال الشافعية والحنابلة: الواجب الإنقاء وإكمال الثلاثة، وإن لم تكف الثلاثة وجب الإنقاء بأربعة فأكثر، وإذا زاد عن الثلاثة سن الإيتار، ويكره تحريماً عند الحنفية الاستنجاء بالنجس كالبعر والروث، كما يكره بالعظم أو الطعام كما يكره الاستنجاء بغير قالع كالزجاج ويكره الاستنجاء باليد اليمنى إلا لعذر، هناك أرواث مختلفٌ في طهارتها، فإنه يكره الاستنجاء بها لورود النص بذلك.

стр. 315

٤٤٧ - * روى الطبراني عن سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ أنه كان إذا جاء من عند رسول الله ﷺ حدث قومه وعلمهم، فقال له رجل يوماً، وهو كأنه يلعبُ ما بقي لسراقة إلا أن يعلمكم كيف التغوط؟ فقال سراقة: إذا ذهبتم إلى الغائط فاتقوا المجالس على الظل والطرائق خذوا النُّبل واستنشبوا على سوقكم واستجمروا وأوتروا. ٤٤٨ - * روى أحمد عن عائشة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يتطيب بهن فإنها تجزئ عنه". أقول: أدب قاضي الحاجة أن يهييء ما يستنجي به قبل قضائها، وأن يستجمر وتراً: أي ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، وسيمر معنا تفصيل الحكم في ذلك، ومن مثل هذا الحديث نأخذ أنه ينبغي أن يحتوي المرحاض في بيت المسلم على ورق يصلح للاستنجاء، وعلى محل يضع فيه هذا الورق بعد استعماله، وقل مثل ذلك في المراحيض العامة كمراحيض المساجد. ٤٤٩ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استجمر أحدكم فليوتِرْ". ٤٥٠ - * روى أبو داود عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا بال أحدُكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسحْ بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحداً". وللبخاري (١): "إذا بال أحدكم فلا يأخُذْ ذكره بيمينه، ولا يستَنْجِ بيمينه،

стр. 316

ولا يتنفس في الإناء". وفي رواية لمسلم (١): أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه. وفي رواية الترمذي (٢): أن النبي ﷺ نهى أن يمس الرجلُ ذكرهُ بيمينه. ٤٥١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى". ٤٥٢ - * روى أبو داود عن حفصة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وعطائه، ويجعل شماله لما سوى ذلك". ٤٥٣ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج لحاجته تبعتُه أنا وغلامٌ منا، معنا إداوةٌ من ماء- يعني: يستنجي به. وفي رواية قال (٣): "كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمِلُ أنا وغلامٌ نحوي إداوة من ماء، وعنزةً، يستنجي بالماء". وفي أخرى (٤): "أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً، وتبعه غلامٌ ومعه ميضاةٌ، وهو أصغرنا، فوضعها عند سدرةٍ، فقضى رسول الله ﷺ حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء".

стр. 317

أقول: هذا دليل على أن الماء وحده يكفي كما أن الحجر وحده يكفي والجمع بينهما أفضل قال العلماء وصفة الاستنجاء بالماء أن يفرغ الماء على يده اليسرى قبل أن يلاقي بها الأذى ثم يغسل القبل ثم يغسل الدبر ويوالي صب الماء ويدلكه بيده اليسرى ويسترخي قليلاً حتى ينقيَ. ٤٥٤ - * روى الترمذي عن مُعاذة بنت عبد الرحمن أن عائشة قالت: "مُرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم منه، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله". ٤٥٥ - * روى النسائي عن جرير بن عبد الله ﵄ قال: "كنتُ مع النبي ﷺ ، فأتى الخلاء، فقضى الحاجة، ثم قال: "يا جرير، هات طهوراً" فأتيته بالماء، فاستنجى، وقال بيده، فدلك بها الأرض". قوله: (ودلك بها الأرض): دليل على أنه يستحب لمن استنجى أن يغسل يده بصابون أو نحه قياساً على الدلك في الأرض من أجل إزالة ما يمكن أن يكون قد تبقى من رائحة. ٤٥٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جاءني جبريل، فقال: يا محمد، إذا توضأت فانتضح". ٤٥٧ - * روى مالك عن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي "أنه سمع عمر بن الخطاب يتوضأ وضوءاً لما تحت إزاره". أقول: المراد بالأثر: الانتضاح الذي ذكره الحديث السابق.

стр. 318

٤٥٨ - * روى البزار عن انس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأهل قباء: "إن الله قد أحسن الثناء عليكم في الطهور، فما ذاك؟ " قالوا: تجمع في الاستنجاء بين الأحجار والماء. ٤٥٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجارٍ يستطيب بهن، فإنها تُجزئ عنه". أقول: تحدث الفقهاء عن صفة الاستنجاء بالحجارة فقالوا: يمسح بالحجر الأول من الأمام إلى الخلف، وبالثاني من الخلف إلى الأمام وبالثالث كالأول إذا كانت الخصية مدلاة، وكالثاني إذا كانت الخصية غير مدلاة، والمرأة تبتدأ من الأمام إلى الخلف وتثني وتثلث كذلك وقال الشافعية يبدأ بالأول من مقدم الصفحة اليمنى ويديره برفق إلى محل ابتدائه، وبالثاني من مقدم اليسرى ويديره كذلك، ويُمِرُّ الثالث على صفحته ومسربته جميعاً. (مراقي الفلاح ٩ والمهذب ١/ ٢٧). ٤٦٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجارٍ، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "إنها رِكْسٌ". ٤٦١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال (١): قال رسول الله

стр. 319

صلى الله عليه وسلم: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم، فإنه زادُ إخوانكم من الجن". وقال: وقد روى عنه أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن .. الحديث بطوله. فقال الشعبي: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تستنجوا بالروث ... " وذكر الحديث. وفي رواية النسائي (١) أن رسول الله ﷺ نهى أن يستطيب أحدُكم بعظمٍ أو روثة. وفي رواية أبي (٢) داود قال: "قدم وفد الجن على النبي ﷺ ، فقالوا: يا محمد، انْه أمتك أن يستنجوا بعظمٍ أو روثةٍ أو حُمَمَةٍ، فإن الله جعل لنا فيها رزقاً، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. ٤٦٢ - * روى البخار يعن أبي هريرة ﵁ قال: اتبعْتُ النبي ﷺ وقد خرج لحاجته، وكان لا يلتفتُ - فدنوتُ منه، فقال: "ابغني أحجاراً أستنفضُ بها" أو نحوه، طولا تأتني بعظمٍ ولا روث"، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتها إلى جنبه، وأعرضتُ عنه، فلما قضى أتبعه بهن. وفي رواية (٣) ذكرها رزين وهي في البخاري قال: قال رسول الله ﷺ : "ابغني أحجاراً أسْتَنْفِضُ بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة" قلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفدُ جنِّ نصيبين - ونعم الجنُّ - فسألوني

стр. 320

الزاد، فدعوتُ الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثةٍ إلا وجدوا عليها طعماً". أقول: من قوله ﵇ (استنفض بهن): فهم العلماء أن الاستبراء يكون بنتر وسلت خفيفين ثلاثاً بأن يجعل إصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله والإبهام فوقه، ثم يسحبه برفق حتى يخرج ما فيه من البول وذلك حتى يغلب على الظن نقاوة المحل من البول، واستبراء المرأة أن تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها، والاستبراء عموماً يختلف باختلاف الناس والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه. (مراقي الفلاح ٨ والمهذب ١/ ٣٧) و (الفقه الإسلامي ١/ ١٩٤).
следующие страницы →