أقول: القارن بين الحج والعمرة والمتمتع بينهما يفترض عليه أن يذبح فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فإن صام هذه الثلاثة أيام قبل يوم العيد فهو أفضل وإلا فله أن يصوم أيام التشريق. فالضمير في أن "يصمن" يعود على أيام التشريق.
٣٨٧٥ - * روى مسلم عن نبيشة الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله".
٣٨٧٦ - * روى مالك عن محمد بن شهاب الزهري ﵀ أن رسول الله ﷺ "بعث عبد الله بن حذافة أيام منى يطوف، يقول: إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله".
٣٨٧٧ - * روى النسائي عن بشر بن سحيم ﵁ "أن النبي ﷺ أمره أن ينادي في أيام التشريق: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وهي أيام أكل وشرب".
٣٨٧٨ - * روى مسلم عن كعب بن مالك ﵁ "أن رسول الله ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فناديا: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب".
٣٨٧٩ - * روى أحمد عن أبي الشعثاء قال: أتينا ابن عمر في اليوم الأوسط من أيام التشريق قال: فأتي بطعام فأتي القوم وتنحى ابن له قال فقال له: ادن فاطعم، فقال: إني صائم، قال: فقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "إنها أيام طعم وذكر".
- الصيام بعد النصف من شعبان:
٣٨٨٠ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ
стр. 2522
يقول: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا".
وفي رواية الترمذي (١) "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا".
وهذا الحديث محمول على من يضعفه الصوم، والحديث بعده مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان وهذا عند أكثر الفقهاء.
٣٨٨١ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه".
أقول: استثناء من له عادة بالصوم أن يصوم نفلاً قبيل رمضان أصل استند عليه الحنفية في أن من صام يوم الشك نافلة فلا حرج عليه، ومن تحقيقات الشافعية يحرم صوم النصف الأخير من شعبان الذي منه يوم الشك، إلا الورد أو نذر مستقر في ذمته أو قضاء لنفل أو فرض أو كفارة أو وصل صوم ما بعد النصف بما قبله ولو بيوم النصف.
٣٨٨٢ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين، إلا أن يوافق ذلك يوماً كان يصومه أحدكم".
٣٨٨٣ - * روى الشيخان عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أما صمت من سرر هذا الشهر؟ - يعني: آخر شعبان- قال: لا، قال: إذا أفطرت فصم يومين".
стр. 2523
وفي رواية (١) قال: "أصمت سرر هذا الشهر؟ قال: أظنه يعني رمضان".
وفي أخرى (٢) "من سرر شعبان"، قال البخاري: "وشعبان" أصح.
وفي رواية (٣) أبي داود قال: "هل صمت من سرر شعبان شيئاً؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يوماً".
وفي أخرى (٤) قال: "يومين".
أقول: أخذ بهذا الحديث الحنفية فأجازوا أن يتنفل الإنسان قبل رمضان مباشرة بل أجازوا صيام يوم الشك بنية النفل فإن كان من رمضان وقع عنه لأن رمضان معيار لا يسع غيره، وظاهر الحديث أن الرسول ﷺ ندب من لم يصم أواخر شعبان أن يصوم يومين في ما بعد رمضان تنبيهاً على عظمة أجر صيام الأيام الأخيرة من شعبان.
- في يوم الشك:
٣٨٨٤ - * روى أبو داود عن صلة بن زفر قال: "كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه من شعبان، أو رمضان، فأتينا بشاة مصلية، فتنحى بعض القوم، فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام هذا اليوم قد عصى أبا القاسم ﷺ ".
قال الحافظ في "الفتح": وله متابع بإسناد حسن أخرجه ابن أبي شيبة، وقال الترمذي: حديث عمار حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس،
стр. 2524
وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه.
أقول: هذا محمول على من يحتاط بزعمه لرمضان ومن ههنا فإن الحنفية كرهوا أن يصوم الرجل يوم الشك بنية رمضان أو بنية متلومة أي مترددة بأن كان من رمضان جعله من رمضان وإن كان من شعبان جعله نفلاً، والصورة الوحيدة التي أجازها الحنفية أن يصوم يوم الشك نفلاً، وقد أشرنا إلى ذلك.
فائدة: عرف الحنفية يوم الشك فقالوا:
هو آخر يوم من شعبان يوم الثلاثين إذا شك بسبب الغيم أمن رمضان هو أو من شعبان. فلو كانت السماء صحوا ولم ير الهلال أحد فليس بيوم الشك وحكمه: أنه مكروه تحريماً إذا نوى أنه من رمضان أو من واجب آخر. ولا يكره صومه نفلاً جازماً به بلا ترديد بينه وبين صوم آخر، فلا يصام يوم الشك إلا تطوعاً. وقال المالكية: يكره صومه للاحتياط على أنه من رمضان ولا يجزئه صومه عن رمضان، وجاز صومه لمن اعتاد الصوم تطوعاً وقضاء عن رمضان سابق، وكفارة عن يمين أو غيره ولنذر يوم معين، ويندب الإمساك يوم الشك ليتحقق الحال فإن ثبت رمضان وجب الإمساك لحرمة الشهر.
وقال الشافعية: يوم الشك: هو يوم الثلاثين من شعبان في حال الصحو، وإذا تحدث الناس برؤية الهلال ليلته، ولم يعلم من رآه ولم يشهد برؤيته أحد. وحكمه: أنه يحرم ولا يصح التطوع بالصوم يوم الشك، وكذلك يحرم صوم يوم أو يومين قبل رمضان، ويجوز صوم يوم الشك عن القضاء والنذر والكفارة ولموافقة عادة تطوعه، ونحوه مما له سبب يقتضي الصوم، ويجب الإمساك على من أصبح يوم الشك مفطراً ثم تبين أنه من رمضان، ثم يقضيه بعد رمضان فوراً، وإن صامه متردداً بين كونه نفلاً من شعبان أو فرضاً من رمضان، لم يصح فرضاً ولا نفلاً إن ظهر أنه من رمضان. وقال الحنابلة في تحديد يوم الشك كالشافعية، وفي حكمه كما قال المالكية. والخلاصة: إن صوم يوم الشك مكروه عند الجمهور، حرام عند الشافعية، جائز تنفلاً عند الحنفية.
стр. 2525
- النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم لذاته:
٣٨٨٥ - * روى البخاري عن جويرية ﵂ أن رسول الله ﷺ "دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري".
أقول: يوم الجمعة يشبه أن يكون يوم عيد، فلذلك كره صيامه تنزيهاً إلا إذا قرن بغيره.
٣٨٨٦ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو بعده" هذا لفظ البخاري.
وعند مسلم (١) "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده".
وله في أخرى (٢): أن النبي ﷺ قال: "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم".
٣٨٨٧ - * روى البزار عن عامر بن لدين الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن يوم الجمعة عيدكم فلا تصوموه إلا أن تصوموا قبله أو بعده.
٣٨٨٨ - * روى الشيخان عن محمد بن عباد قال: "سألت جابر بن عبد الله وهو
стр. 2526
يطوف بالبيت: أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم ورب هذا البيت".
زاد البخاري في رواية (١) "يعني: أن ينفرد بصيامه".
٣٨٨٩ - * روى ابن ماجة عن ابن مسعود قال: قلما رأيت رسول الله ﷺ يفطر يوم الجمعة.
- في صيام يومي السبت والأحد:
٣٨٩٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجر فليمضغه".
وقال ابن حجر كما في (سبل السلام ٢/ ١٧١) ورجاله ثقات إلا أنه مضطرب وقد أنكره مالك، وقال أبو داود هو منسوخ، وقال الصنعاني: وقال النسائي: هذا حديث مضطرب، وقال أبو داود عن مالك أنه قال هذا كذب. قال في (عون المعبود ٢/ ٢٩٦): وقد طعن في هذا الحديث جماعة من الأئمة: مالك بن أنس وابن شهاب والأوزاعي والنسائي فلا تغتر بتحسين الترمذي وتصحيح الحاكم وإن ثبت تحسينه فلا يعارض حديث جويرية بنت الحارث وهو أن النبي دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة قال: "أصمت أمس؟ " قالت: لا، قال: "تريدين أن تصومي غداً؟ " قالت: لا، قال: "فأفطري".
стр. 2527
وهذا أدل على جواز صيام يوم السبت.
وقال الطيبي كما في (العيون ٢/ ٢٩٦): قالوا النهي عن الإفراد كما في الجمعة والمقصود مخالفة اليهود فيهما، والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور وما افترض: يتناول المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم الكفارة وفي معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء أو وافق ورداً وزاد ابن الملك: وعشر ذي الحجة ... اهـ، وقد جمع بعض العلماء بين النصوص وقالوا إنما يكره صيام يوم السبت لمن يخصه بالصيام لذاته أي لكونه يوم السبت. أما إذا وافق يوم السبت عرفة أو ورداً أو عادة كأن يصوم يوماً ويفطر يوماً فهذا لا شيء فيه البتة. وسبب كراهية تخصيص يوم السبت لذاته لأن اليهود تعظمه.
انظر (سنن الترمذي ٣/ ١٢٠) وحديث رقم (٧٤٤) فكل هذا يدل على أن التحريم غير وارد وأن الكراهة ثم تكونت لمن خصصه لذاته وقد رأيت أن العلماء المقدمين المتقدمين طعنوا في الحديث.
وممن طعن فيه ابن القيم إذ قال: إن الحديث غير محفوظ وإنه شاذ .. وكان الزهري يقول عن حديث النهي عن صوم يوم السبت: إنه حديث حمص يريد تضعيفه. وانظر (التلخيص ٢/ ٢١٦).
٣٨٩١ - * روى الطبراني في الكبير عن كريب قال: أرسلني ناس إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر لها صوماً؟ فقالت: السبت والأحد ويقول: "هما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم".
أقول: الظاهر أن للنية دخلاً في صيام يوم السبت أو يوم الأحد، فمن صام أحدهما تعظيماً له فذلك مكروه، ومن صام أحدهما مخالفة لليهود أو النصارى فذلك مستحب.
وفي جميع ما سبق يتبين أنه لا يجوز النهي عن صيام يوم السبت إذا وافق سنة مؤكدة أو عادة لمسلم ونحو ذلك والله أعلم.
стр. 2528
- النهي عن مواصلة الصوم والنهي عن صيام الدهر:
٣٨٩٢ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه، فقيل له: يا رسول الله إنك تواصل إلى السحر فقال: "إني أواصل إلى السَّحَرِ، وربي يطعمني ويسقيني".
أقول: كره بعض الفقهاء أن يواصل الإنسان يومين أو ثلاثة أو أكثر دون أن يفطر بينهما، ورخص بعضهم بمواصلة الصوم إلى السحر، وذكر ابن كثير عن بعض الصحابة أنهم كانوا يواصلون من باب الرياضة لأنفسهم، والظاهر: أن الوصال إذا كان معالجة لمرض حسي أو معنوي فهو جائز، وإذا كان أثراً عن حالة روحية خاصة فهو جائز وإلا فهو مكروه لما يترتب عليه من ضعف.
٣٨٩٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﷺ يواصل من السَّحَرَ إلي السَّحَرِ".
٣٨٩٤ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ "نهى ن الوصال، قالوا: إنك تواصل؟ قال: "إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى".
وفي رواية (١) "لست مثلكم".
وللبخاري (٢) "أن النبي ﷺ واصل، فواصل الناس، فشق عليهم، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: "لست كهيئتكم، إني أظل أطعم وأسقى".
стр. 2529
٣٨٩٥ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك (ضي الله عنه) قال: "واصل رسول الله ﷺ في آخر شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: "لو مُدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي- أو قال: لست مثلكم- إني أظل يطعمني ربي ويسقيني".
وفي رواية (١) قال: قال النبي ﷺ : "لا تواصلوا، قالوا إنك تواصل؟ قال: "لست كأحد منكم، إني أبيت أطعم وأسقى".
وأخرج الترمذي الثانية، وقال: "إن ربي يطعمني ويسقيني".
أقول: إن سماح رسول الله ﷺ لمن أراد الوصال أن يواصل ليريه عجزه دليل عند بعض الفقهاء على أن صوم الوصال غير محرم إلا إذا ثبت ضرره أو أدى إلى تعطيل واجبات أخرى.
٣٨٩٦ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: نهاهم رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني". إلا أن البخاري قال: "نهى"، ولم يقل: "نهاهم" وقال: ولم يذكر عثمان- يعني: ابن أبي شيبة- أحد رواته "رحمة لهم".
٣٨٩٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم
стр. 2530
يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا".
وللبخاري (١): أن النبي ﷺ قال: "إياكم والوصال- مرتين- فقيل: إنك تواصل؟ قال: إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون". ولمسلم نحوه (٢)، ولم يقل: "مرتين" وقال: "إنكم لستم في ذلك مثلي".
وله في أخرى (٣) مثله، وقال: "اكلفوا ما لكم به طاقة".
٣٨٩٨ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني، وساق يسقيني".
٣٨٩٩ - * روى الطبراني عن عمرو بن سلمة قال: "سئل ابن مسعود عن صوم الدهر فكرهه".
أقول: إذا تجنب الإنسان الصوم يومي العيد وأيام التشريق ولم يضعفه صوم الدهر عن واجب ولم يشق عليه فهو مأجور إن شاء الله تعالى.
٣٩٠٠ - * روى أحمد عن مجاهد قال: دخلت أنا ويحيى بن جعدة على رجل من
стр. 2531
الأنصار من أصحاب الرسول ﷺ قال ذكر عند النبي ﷺ مولاة لبني عبد المطلب فقال: إنها قامت الليل وتصوم النهار فقال رسول الله ﷺ : "لكني أنا أنام وأصلي وأفطر فمن اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني إن لكل عمل شرة ثم فترة فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل ومن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى".
٣٩٠١ - * روى النسائي عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ قال: "من صام الأبد فلا صام ولا أفطر".
وفي أخرى (٢) إلى قوله: "فلا صام".
٣٩٠٢ - * روى النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام الأبد فلا صام ولا أفطر".
وفي أخرى (٣) قال: "بلغ النبي ﷺ أني أسرد الصوم ... وساق الحديث" قال عطاء: لا أدري كيف ذكر صيام الأبد "لا صام من صام الأبد".
٣٩٠٣ - * روى النسائي عن عمران بن حصين ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، إن فلاناً لا يفطر نهاراً الدهر، قال: "لا صام ولا أفطر".
أقول: الظاهر من هذا النص أنه وارد في إنسان لا يفطر الأيام المنهي عن صيامها، فمثل هذا دخل في دائرة البدعة إذ تصور ما ليس قربة: قربة، فمثل هذا يخشى على صيامه ألا يتقبل.
стр. 2532
٣٩٠٤ - * روى النسائي عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: "قيل يا رسول الله، إن فلاناً لا يفطر نهاره الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر".
أقول: قوله ﵇: لا صام ولا أفطر: أي هو ليس له أجر الصائم ولا يرتفق كالمفطرين.
٣٩٠٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : "إنك لتصوم الدهر، وتقوم الليل؟ قلت: نعم. قال: إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونفهت له النفس، لا صام من صام الأبد، صوم ثلاثة أيام: صوم الدهر كله. قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: فصم صوم داود، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى".
وفي أخرى (١) قال له: "ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل؟ فلا تفعل، فإن لعينك حظاً، ولنفسك حظاً، ولأهلك حظاً، فصم وأفطر، وصل ونم، وصم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تسعة".
وفيه "لا صام من صام الأبد" ثلاثاً.
وفي أخرى (٢) "أن رسول الله ﷺ ذكر له صومي، فدخل علي، فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ قال: قلت: يا رسول الله، قال: خمساً؟ قلت: يا رسول الله، قال: سبعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال: تسعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة، ثم قال النبي ﷺ : لا صوم فوق صوم داود ﵇: شطر الدهر، صم يوماً، وأفطر يوماً".
стр. 2533
ولمسلم (١): أن رسول الله ﷺ قال له: "صم يوماً، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم يومين، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي. قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم أفضل الصيام عند الله: صوم داود ﵇، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً".
وله في أخرى (٢) قال: "بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فلا تفعل، فإن لجسدك عليك حظاً، ولعينك عليك حظاً، وإن لزوجك عليك حظاً، صم وأفطر، صم من كل شهر ثلاثة أيام، فذلك صوم الدهر. قلت: يا رسول الله، إن بي قوة. قال: فصم صوم داود ﵇، صم يوماً، وأفطر يوماً، فكان يقول: يا ليتني أخذت بالرخصة".
وللنسائي عنه (٣): "ذكرت للنبي ﷺ الصوم، فقال: صم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تلك التسعة، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: صم من كل تسعة أيام يوماً، ولك أجر تلك الثمانية، فقلت: إني أقوى من ذلك: قال: فصم من كل ثمانية أيام يوماً، ولك أجر تلك السبعة، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: فلم يزل حتى قال: صم يوماً، وأفطر يوماً".
وله في أخرى (٤) قال: "أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يأتيها فيسألها عن بعلها؟ فقالت: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً منذ أتيناه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: ائتني به، فأتيته معه، فقال: كيف تصوم؟ قلت: كل يوم، قال: صم من كل جمعة ثلاثة أيام، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: صم يوماً وأفطر يومين، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصيام:
стр. 2534
صيام داود ﵇: صوم يوم، وفطر يوم".
وله في أخرى (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "بلغني أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: يا رسول الله، ما أردت بذلك إلا الخير، قال: لا صام من صام الأبد، ولكن أدلك على صوم الدهر: ثلاثة أيام من كل شهر، قلت: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم خمسة أيام، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم عشراً، فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم صوم داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً".
وله في أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام صيام داود ﵇ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً".
وقد أطال النسائي في تخريج طرق هذا الحديث، ومن جملة طرقه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم أزل أطلب إليه حتى قال: خمسة أيام، وقال: ثلاثة أيام من الشهر، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم أزل أطلب إليه حتى قال: صم أحب الصيام إلى الله : صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً".
أقول: إنما كان صوم داود أفضل من غيره لأن المجاهدة فيه أظهر، ولأن قوة الإنسان تبقى معه عادة، ومن قوله ﵊: اقرأ القرآن في شهر. أخذ العلماء فكرة تجزئة القرآن على ثلاثين جزئاً. وفي قوله ﵇: (هجمت له العين ونفهت له النفس) معجزة من معجزات الإسلام إذا راعى مطالب الجسد وإمكانات النفس، ودين يراعي الجسد هذه المراعاة ويسوس النفس هذه السياسة هو الدين الذي يتلاءم مع الفطرة.
إن كثيراً من الأديان والمذاهب تعذب الجسد وتصادم الفطرة ولا تحسن سياسة النفس
стр. 2535
البشرية، فهذه الأديان والمذاهب تجعل أصحابها في تناقض معها ومع ما يدينون به، وهذا الذي لا تجده في الإسلام. وبهذه المناسبة نشير إلى أن كثيراً من الناس لا يحسنون سياسة أنفسهم ولا يحسنون سياسة غيرهم، فيفشلون في التربية ويفشلون في غير ذلك إن في السياسة أو في الحرب أو في الإدارة.
- حديث جامع:
٣٩٠٦ - * روى مسلم عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: "إن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ من قوله، فلما رأى عمر غضبه قال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً- وفي رواية (١) - وببيعتنا بيعة نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه، فقال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر- أو قال: لم يصم ولم يفطر- قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: ويطيق ذاك أحد؟ قال: كيف بمن يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: "ذاك صوم داود ﵇ قال: كيف بمن يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك. ثم قال رسول الله ﷺ : ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان: فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".
وفي رواية (٢) مثله ونحوه، إلى قوله: "ذاك صوم أخي داود ﵇، قال: وسئل عن صوم يوم الإثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، وفيه بعثت، وفيه أنزل علي، قال: فقال: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان: صيام الدهر، قال: وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: يكفر السنة الماضية والباقية، قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: يكفر السنة الماضية".
стр. 2536
وفي رواية (١) أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الإثنين؟ فقال: فيه ولدت، وفيه أنزل عليَّ".
قال ابن الأثير (فغضب رسول الله) يشبه أن يكون غضب رسول الله من مسألته إياه عن صومه كراهية أن يقتدي به السائل في ذلك فيعجز عنه ويسأمه ويمله، أو أنه يفعله فيكون من غير نية وإخلاص، فقد "كان رسول الله ﷺ يواصل وينهى أمته عن الوصال" وقد ترك بعض النوافل خوفاً من أن تقتدي به أمته فيعجزوا.
قال ابن الأثير (وددت أني طوقت) يقول: ليتني طوقت هذا الأمر، أي: لتيه جعل داخلاً في طاقتي وقدرتي، ولم يكن ﷺ عاجزاً عن ذلك غير مطيق له لضعف فيه، ولكنه يحتمل أنه إنما خاف العجز عنه للحقوق التي تلزمه لنسائه، لأن ذلك يخل بحظوظهن منه.
أقول: قوله ﵇: "ذلك يوم ولدت فيه وفيه أنزل علي": يدل على أن يوم ميلاده من أيام الله، والله تعالى قال في القرآن: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ ومن ها هنا أخذ بعضهم فكرة تعظيم يوم المولد واعتبروا هذا الحديث دليلاً يدل على الجواز!!
٣٩٠٧ - * روى مالك عن بن أنس ﵀ أنه سمع أهل العلم يقولون: "لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، وهي: أيام منى، ويوم الأضحى، ويوم الفطر فيما بلغنا، وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك".
٣٩٠٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان أبو طلحة قلما يصوم على عهد رسول الله ﷺ ، فلما مات رسول الله ﷺ ما رأيته مفطراً إلا يوم فطر أو أضحى".
- فائدة: علقنا على قوله ﵇ (هجمت له العين ونفهت له النفس) على أنه مظهر من مظاهر مراعاة الإسلام لمطالب الجسد وتلاؤمه مع النفس البشرية، وهذا موضوع كبير
стр. 2537
يحسن أن يخص بالتأليف، فمن معالم الإسلام الكبرى حسن سياسته للنفس البشرية، ولا عجب فالله منزل الإسلام هو خالق النفس البشرية وهو أعلم بها.
ومن مظاهر أن التكليف مراعى فيه طبيعة النفس البشرية قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ (١). فهناك إذن طبيعة للنفس البشرية، نحن مأمورون بمجاهدتها ومراعاتها، فمن فطن للمجاهدة ولم يفطن للمراعاة لم يحسن سياسة نفسه، ولا سياسة غيره، والمراعاة ملحوظة في النصوص القرآنية والنصوص النبوية: كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (أي كلهم كفاراً) ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
وقوله ﵊: (فصم وأفطر).
وقوله ﵇: (لكل عامر شرة ولكل شرة فترة). وأمثال ذلك كثير في نصوص الكتاب والسنة.
ومن ها هنا فإن المتصدرين للدعوة لابد أن يكون واضحاً لديهم كيف يجمعون بين المجاهدة والمراعاة لطبيعة النفس البشرية وكيف يقودون ويربون من خلال مراعاة طبيعة النفس البشرية، وهذا باب واسع لا يدركه إلا من عرف دقائق السياسات النبوية، وهذا يحتاج إلى مطالعات واسعة للكتاب والسنة، وتربية على يد شيوخ كُمَّل.
стр. 2538
الباب الثاني
في الاعتكاف وليلة القدر وساعة الاستجابة
كل ليلة وقيام رمضان وصلاة التراويح
وفيه مقدمة وفصول
* المقدمة.
стр. 2539
مقدمة
كنا ذكرنا في جزء الصلاة النصوص التي تتعلق في قيام رمضان وصلاة التراويح. وعرضنا بعض أدلة سنية العشرين ركعة ولذلك فإننا سنقتصر على ذكر صلاة التراويح هنا في العرض الإجمالي، وستكون نصوص هذا الباب فصلين: الفصل الأول: في الاعتكاف، الفصل الثاني: في ليلة القدر وساعة الاستجابة. وها أنت مع العرض الإجمالي لمباحث هذا الباب.
عرض إجمالي
إن المسلم بحاجة إلى برنامج يومي مليء بالعبادة، وبحاجة إلى يوم في الأسبوع يجدد فيه حيوية الإقبال على الله تعالى، وبحاجة إلى موسم سنوي يدخل فيه دورة روحية جسدية تجدد صلته مع الله تعالى، وإلى مرتكز في عمره يعتبر ميلاداً جديداً للمسلم الحق. ولقد كانت صلوات المسلم في يومه وأذكاره ودعواته وتلاوته للقرآن وإقباله على العلم هي غذاء المسلم اليومي، وكان يوم الجمعة هو المجدد لحيوية الإيمان في الأسبوع، وكان رمضان هو المجدد لحيوية الصلة مع الله في السنة، وكان الحج ذلك الميلاد الجديد للمسلم الحق.
إن رمضان دورة روحية كاملة لمن أقام حقه، فأدى فرائضه ونافلته، به يمتلئ قلب المؤمن نوراً وتقوى فيعفي على آثار عام، ويبعث الهمة للتعبد في عام جديد، فهو في صيامه تعويد للنفس وللجسد على ضبط الشهوات، وهو في قيامه وصلاة التراويح فيه يغذي القلب بنور الإيمان ويعود المسلم على حسن الإقبال على الله، وهو بما سُنَّ فيه من اشتغال بالقرآن والذكر، وانصراف عن اللغو والفحش يصقل قلب المسلم وهو بما سن فيه من اعتكاف يصفي القلب والروح، ويغسل درن النفس، وهو في كونه مظنة ليلة القدر يبعث الداعية المسلم إلى البحث عن القُرْبِ والقُرَبِ، وهكذا إن رمضان هو الدورة الروحية العظمى في كل عام، وقد مر معنا ماله علاقة بالصوم عامة وصوم رمضان خاصة كما مر معنا من قبل حديث عن الصلوات والدعوات والأذكار وتلاوة القرآن في رمضان وغيره.
وهاك حديثاً عن الاعتكاف وليلة القدر وصلاة التراويح.
стр. 2540
أولاً: الاعتكاف:
لم يزل النساك يتقربون إلى الله بالخلوات، والخلوة المسنونة التي داوم عليها رسول الله ﷺ بعد الهجرة هي اعتكافه السنوي الذي كان أكثر ما كان في العشر الأواخر من رمضان، وقد اعتاد المسلمون أن يجعلوها خلوتهم السنوية، والاعتكاف في الأصل سنة، ولكن من نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان وتلبس به، فعلى مقتضى فهم الكمال بن الهمام لمذهب أبي يوسف: أنه يجب عليه الإتمام فإن لم يعتكف شيئاً من العشر الأواخر بعد نيتها والشروع فيها وجب عليه قضاؤها كلها وإذا بدأ فيها ولم يتابع فعليه قضاء ما بقي من العشر، أما على قول أبي حنيفة ومحمد: فعليه قضاء اليوم الذي فسد فيه اعتكافه فقط.
وكذلك من نوى الاعتكاف يوماً أو أياماً وتلبس بذلك فإنه يجب عليه أن يعتكف ما نوى وأن يصوم أثناء اعتكافه وذلك مقتضى مذهب أبي يوسف ومن لم يرد أن يقيد نفسه فيكفي أن ينوي الاعتكاف في المسجد ما دام فيه، ففي هذه الحالة لا يلزمه إلا أدنى مكث، أما إذا نذر اعتكاف العشر الأواخر أو غيرها فقد اتفق الفقهاء على لزوم الاعتكاف وفي كل الأحوال لابد وأن يرافق الاعتكاف المنذور صوم. ومن المستحب للمسلم إذا دخل مسجداً أن ينوي الاعتكاف فيه كما يستحب له أن يملأ وقت الاعتكاف بالذكر والعلم وتلاوة القرآن.
ولعله من المستحسن إذا اعتكف الإنسان في العشر الأواخر من رمضان أو في غيره أن ينظم وقته، فيخصص لكل نوع من الأذكار وقتاً، ويخصص للعلم وقتاً، ويخصص لتلاوة القرآن وقتاً، ويخصص للمذاكرات الإيمانية أو الوعظ وقتاً وبشكل عادي فإن من يعتكف العشر الأواخر في رمضان يشارك في صلاة التراويح وفي صلاة التهجد، ويخص الليالي التي هي مظنة ليلة القدر بمزيد عناية، فيكثر من الدعاء.
فالمرجو لمن قام بحق رمضان أن يخرج نقياً من الذنوب طاهر القلب من كل ما يعكره.
والاعتكاف لغة: اللبث وملازمة الشيء. وشرعاً: قال الحنفية: هو اللبث في المسجد الذي تقام فيه الجماعة مع الصوم ونية الاعتكاف. فاللبث ركنه لأنه ينبئ عنه، فكان
стр. 2541
وجوده به والصوم في الاعتكاف المنذور والنية من شروطه ويكون من الرجل في مسجد جماعة ومن المرأة في مسجد بيتها، ويكره للمرأة في المسجد ولا يصح في غير موضع صلاتها من بيتها. وعبارة الشافعية: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية، والحكمة فيه: صفاء القلب بمراقبة الله والإقبال والانقطاع إلى العبادة في أوقات الفراغ متجرداً لله تعالى من شواغل الدنيا وأعمالها فهو من أشرف الأعمال وأحبها إلى الله إذا كان عن إخلاص لله سبحانه، وأفضله في العشر الأواخر من رمضان وهو مستحب كل وقت وأقله عند الحنفية نفلاً: مدة يسيرة غير محدودة وإنما بمجرد المكث مع النية ولو نواه ماشياً على المفتى به، وأقله عند المالكية: يوم وليلة ولا يصح من مفطر.
والأصح عند الشافعية: أنه يشترط في الاعتكاف لبث قدر يسمى عكوفاً بحيث يكون زمنها فوق زمن الطمأنينة في الركوع ونحوه. واقله عند الحنابلة: ساعة أي ما يسمى به معتكفاً لابثاً، ولو لحظة فالجمهور على الاكتفاء بمدة يسيرة، والمالكية يشترطون لأقله يوماً وليلة. والأفضل الاعتكاف في المسجد الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله لئلا يحتاج إلى الخروج إليها. ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة فله فعل المنذور من اعتكاف أو صلاة في غيره. وإن نذر الاعتكاف أو الصلاة في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى، لم يجزئه في غيرها لفضل العبادة فيها على غيرها فتتعين بالتعيين وله شد الرحال إلى المسجد الذي عينه من الثلاثة وأفضلها المسجد الحرام ثم مسجد النبي ﷺ ، ثم المسجد الأقصى.
وقال المالكية: مكان الاعتكاف هو المساجد كلها.
وقال الشافعية: لا يجوز للمعتكف أني خرج من المسجد لغير عذر، وله أن يخرج إلى منارة المسجد ليؤذن فيها، ولو كانت خارج المسجد، ويجوز أن يمضي إلى البيت للأكل، ولا يبطل اعتكافه، ويخرج لصلاة الجنازة وعيادة المريض في اعتكاف التطوع، ولا يخرج في اعتكاف الفرض، فإن خرج في الحالين- الجنازة وعيادة المريض- بطل اعتكافه. ويلزمه الخروج لصلاة الجمعة إذا كان الاعتكاف في غير الجامع، ويلزمه الخروج لأداء شهادة إن تعين عليه، لأنه تعين لحق آدمي فقُدِّم على الاعتكاف، ولا يبطل اعتكافه على الراجح لأنه مضطر إلى الخروج، وللمعتكفة أن تخرج إذا طلقت لتعتد، ولا يبطل اعتكافها أيضاً
стр. 2542
لاضطرارها إلى الخروج، ومن مرض مرضاً لا يؤمن معه تلويث المسجد كإطلاق الجوف وسلس البول، خرج كما يخرج لحاجة الإنسان ولا ينقطع التتابع على المشهور الصحيح. وإن أغمي عليه فأخرج من المسجد لم يبطل اعتكافه، لأنه لم يخرج باختياره، وإن حاضت المعتكفة خرجت من المسجد، لأنه لا يمكنها المقام في المسجد ولم يبطل اعتكافها إن كان في مدة لا يمكن حفظها من الحيض وإذا طهرت بنت عليه، وإن خاف من ظالم فخرج واستتر لم يبطل اعتكافه، ويجوز للمعتكف أن يلبس ما يلبسه في غير الاعتكاف.
انظر فيما سبق: (فتح القدير: ٢/ ٣٩١ فما بعدها)، (المغني: ٣/ ١٨٤)، (المهذب: ١/ ١٩٠ - ١٩٢)، (الفقه الإسلامي: ٢/ ٧٠٥ فما بعدها).
ثانياً: ليلة القدر:
يستحب في رمضان طلب ليلة القدر بأن يتطلع إليها المسلم ويقبل على الله فيها لما فيها من خيرات وبركات ولما تضاعف بها أجور الأعمال، قال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر) (١) وقد يخص بعض الناس في ليلة القدر بما لا يخص به غيرهم من انكشاف شيء من الغيب، فذلك فضل رباني وانكشاف غيبي والكشف ممكن في الشريعة، والعبرة بصدق المخبر وألا يتعارض كلامه مع الوحي المعصوم، ولا يجب علينا أن نصدقه فيما قال لاحتمال التوهم فيما شاهد ولو كان صادقاً. وأهم ما ينبه عليه العلماء في إحياء ليلة القدر أن تصلى فريضة المغرب وفريضة العشاء جماعة، وأن ينوي المسلم أن يصلي الفجر في جماعة، ففي الحديث الصحيح "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله". لكن المسلم يحرص على أن يقضي ليلة القدر في الذكر وفي الصلاة والدعاء ومما قاله العلماء: "يستحب طلب ليلة القدر، لأنها ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة، ترجى إجابة الدعاء فيها وهي أفضل الليالي حتى ليلة الجمعة، وهي مختصة بليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان" على القول الراجح، وأرجح الأقوال عند العلماء أنها في ليلة السابع والعشرين من رمضان، والحكمة في إخفائها: أن يجتهد الناس في طلبها، ويجدوا في العبادة طمعاً في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة، واسمه
стр. 2543
الأعظم في أسمائه. والمستحب أن يدعو المؤمن فيها بأني قول "اللهم إنك عفو، تحب العفو فاعف عني" وأما علاماتها أن الشمس تطلع في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها، ولا شك أن ذلك علامة لها عندما تكون الشمس مشرقة والسماء صافية.
ثالثاً: صلاة التراويح وقيام الليل وصلاة التهجد:
وردت النصوص الكثيرة في قيام رمضان وفي أن رسول الله ﷺ صلى بعضاً من الوقت قيام رمضان جماعة، ثم ترك الجماعة خوفاً من أن يفرض قيام الليل على أمته.
وقد رأى المسلمون أن العلة قد انتفت بوفاة الرسول ﷺ لذلك أجمعوا على قيام الليل جماعة في رمضان، واختلفوا في بعض الأمور. وقد رأى عمر ﵁ أن يجمع الناس على عشرين ركعة سوى الوتر، وقد استقر العمل في الحرمين الشريفين على أن تصلى التراويح عشرين ركعة جماعة بعد صلاة سنة العشاء في كل شهر رمضان، واستقر أهل الحرمين على أن يصلوا التهجد جماعة في النصف الأخير من رمضان بعد منتصف الليل، ولم تثر معركة في الماضي حول الجواز وعدمه بالنسبة لعدد الركعات، ولكن بعض الناس في عصرنا استحدثوا الاعتراض على ما فعلته الأمة وعلى رأسها عمر ﵁ في عدد ركعات صلاة التراويح ، فقامت بذلك معركة جدلية اضطر فيها بعض العلماء أن يكتبوا تحقيقات حول هذه الشؤون وها نحن ننقل لكم بعضاً مما قاله أهل العلم في ذلك:
قال الشيخ الصابوني:
تسمى صلاة قيام رمضان "صلاة التراويح" لأنها صلاة طويلة، ذات ركعات عديدة، يستريح فيها المصلون بعد كل أربع ركعات، ثم يتابعون الصلاة، فلذلك سميت صلاة التراويح.
عدد ركعات صلاة التراويح:
صلاة التراويح من النوافل المؤكدة كما دلت على ذلك الأحاديث الشريفة وهي عشرون ركعة من غير صلاة الوتر، ومع الوتر تصبح ثلاثاً وعشرين ركعة .. على ذلك اتفقت الأمة، سلفاً وخلفاً، من عهد الخليفة الراشد "عمر بن الخطاب"- رضي الله عنه
стр. 2544
وأرضاه- إلى زماننا هذا .. لم يخالف في ذلك فقيه من الأئمة الأربعة المجتهدين، إلا ما روي عن إمام دار الهجرة "مالك بن أنس"﵁ القول بالزيادة فيها إلى (٣٦) ست وثلاثين ركعة- في الرواية الثانية عنه- محتجاً بعمل أهل المدينة، فقد روي عن نافع أنه قال: "أدركت الناس يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة يوترون منها بثلاث". [شرح المهذب ٣/ ٥٢٧].
أما الرواية المشهورة عنه، وهي التي وافق فيها "الشافعية والحنابلة والأحناف" فهي أنها (٢٠) عشرون ركعة وعلى ذلك اتفقت المذاهب الأربعة ..
أدلة الأئمة المجتهدين:
(أ) احتج أئمة المذاهب على أنها عشرون ركعة، مما رواه البيهقي [٢/ ٤٩٦] وغيره بالإسناد الصريح الصحيح عن "السائب بن يزيد" ﵁ الصحابي المشهور- أنه قال: "كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب- ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة" [وهو حديث صحيح انظر شرح السنة ٤/ ١٢٠ - ١٢٢].
(ب) واحتجوا أيضاً بما رواه مالك في الموطأ، والبيهقي أيضاً عن "يزيد بن رومان" قال: "كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب- ﵁ بثلاث وعشرين ركعة".
يعني يصلون التراويح عشرين ركعة ويوترون بثلاث ركعات.
(ج) واحتجوا كذلك بما روي عن الحسن أن عمر- ﵁ جمع الناس على "أبي بن كعب" فكان يصلي لهم عشرين ركعة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الثاني، فإذا كان العشر الأواخر من رمضان تخلف "أُبي" فصلى في بيته، فكانوا يقولون: أبق أبي.
هذا وقد حكى ابن قدامة في المغني الإجماع على أنها عشرون ركعة، ورد على مالك- ﵀ في روايته الثانية: أنها ست وثلاثون ركعة، فقال ما نصه:
"وقيام شهر رمضان عشرون ركعة- يعني صلاة التراويح- وهي سُنَّة مؤكدة، وأول من سنها رسول الله ﷺ ونسبت التراويح إلى عمر بن الخطاب- ﵁ لأنه جمع
стр. 2545
الناس على "أبي بن كعب" فكان يصليها بهم، فقد روي أنه خرج ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس يصلون في المسجد أوزاعاً- أي متفرقين- فقال عمر: "لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، فجمعهم على "أبي بن كعب" ثم خرج ليلة أخرى والناس يصلون وراء إمامهم، فقال: نعمت البدعة هذه" ثم قال: "والمختار عند أبي عبد الله ﵀ يريد أحمد بن حنبل- فيها عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك: ست وثلاثون ركعة، وتعلق بفعل أهل المدينة، ولنا أن عمر- ﵁ لما جمع الناس على "أبي بن كعب" كان يصلي لهم عشرين ركعة، وروى مالك عن "يزيد بن رومان" قال: "كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة".
وعن علي- ﵁ "أنه أمر رجلاً يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة" وهذا كالإجماع، ثم قال: ولو ثبت أن أهل المدينة كلهم فعلوه- أي صلوا ستاً وثلاثين ركعة- لكان ما فعله عمر، وأجمع عليه الصحابة في عصره، أولى بالاتباع، وقال بعض أهل العلم: إنما فعل هذا أهل المدينة، لأنهم أرادوا مساواة أهل مكة، فإن أهل مكة يطوفون سبعاً بين كل ترويحتين، فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات، وما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ أولى وأحق أن يتبع، وقد روي أن علياً- ﵁ مر على المساجد وفيها القناديل في شهر رمضان، فقال: "نور الله على عمر قبره، كما نور علينا مساجدنا".
وقال أحمد- ﵀: "يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم، والأمر على ما يحتمله الناس، وقال القاضي: لا يستحب النقصان عن ختمة في الشهر، ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة، كراهية المشقة على من خلفه". انتهى كلام ابن قدامة.
قال الشيخ الصابوني: والمشهور في مذهب الإمام مالك أنها عشرون ركعة، وبذلك يكون إجماع الأئمة الأربعة المجتهدين على أفضلية العشرين، فقد جاء في كتاب "أقرب المسالك على مذهب الإمام مالك" للشيخ الدردير (١/ ٥٥٢) ما نصه: "والتراويح برمضان وهي عشرون ركعة، بعد صلاة العشاء، يسلم من كل ركعتين غير
стр. 2546
الشفع والوتر، وندب الختم فيها- أي التراويح- بأن يقرأ كل ليلة جزءاً، يفرقه على عشرين ركعة وندب الانفراد بها في بيته إن لم تعطل- صلاته في بيته- المساجد عن صلاتها بها جماعة، فإن لزم بها تعطيل المساجد، فالأوْلى إيقاعها في المساجد جماعة".
وهكذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها عشرون ركعة، لإجماع الصحابة على ذلك في عهد عمر الفاروق، فقد قال الإمام ابن عبد البر: "هو الصحيح عن أبي بن كعب أنه صلى التراويح بهم عشرين ركعة، من غير خلاف بين الصحابة".
وفي مختصر المزني أن الإمام الشافعي- ﵀ قال: "رأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين، وأحب إلي عشرون، لأنه روي عن عمر، وكذلك بمكة يقومون عشرين ركعة، يوترون بثلاث".
وقال الإمام الترمذي في جامعه المسمى "سنن الترمذي" [٣/ ١٧٠/ عند حديث ٨٠٦]: "أكثر أهل العلم على ما روي عن عمر، وعلي، وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ : عشرين ركعة وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وقال الشافعي: وهكذا أدركت ببلدنا بمكة يصلون عشرين ركعة" اهـ.
وقال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ٢١٠): "اختار مالك- في أحد قوليه- وأبو حنيفة والشافعي وأحمد القيام بعشرين ركعة سوى الوتر".
وقال الإمام النووي في المجموع (٣/ ٥٢٦) ما نصه: "مذهبنا أنها عشرون ركعة، بعشر تسليمات غير الوتر وذلك خمس ترويحات، والترويحة أربع ركعات بتسليمتين".
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد وداود وغيرهم، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء.
وقال مالك: التراويح تسع ترويحات وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر.
واحتج أصحابنا بما رواه البيهقي بالإسناد الصحيح عن "السائب بن يزيد" الصحابي- ﵁ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب- ﵁ في شهر
стр. 2547
رمضان بعشرين ركعة وكانوا يقومون بالمائتين وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام.
وعن يزيد بن رومان قال: "كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب- ﵁ بثلاث وعشرين ركعة" رواه مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان.
ورواه البيهقي لكنه مرسل فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر. [انظر لتصحيح حديث العشرين ركعة كتاب شرح السنة للبغوي وما علقه عليه الشيخ شعيب الأرناؤوط (٤/ ١١٦ - ١٢٥) وقد نقلنا بعض فوائده في باب الصلاة].
وقال البيهقي: يجمع بين الروايتين بأنهم كانوا يقومون بعشرين ركعة. ويوترون بثلاث. وروى البيهقي عن علي- ﵁ أيضاً قيام رمضان بعشرين ركعة. المجموع (٣/ ٥٢٦).
وقال ابن تيمية في الفتاوى: "ثبت أن أبي بن كعب، كان يقوم بالناس عشرين ركعة في رمضان، ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة، لأنه قام بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره منكر".
وفي مجموعة الفتاوى النجدية، أن الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ذكر في جوابه عن عدد ركعات التراويح أن عمر- ﵁ لما جمع الناس على أبي بن كعب كانت صلاتهم عشرين ركعة.
فهذه النقول الكثيرة، عن أئمة علماء المسلمين، سلفاً وخلفاً، تثبت بما لا يحتمل الشك، أن ما عليه المسلمون اليوم، من صلاة التراويح "عشرين ركعة" هو الحق الذي لا محيد عنه، وهو الذي تأكد بعمل الصحابة- رضوان الله عليهم جميعاً- وبإجماع [المذاهب الأربعة] ... وهو الذي أمر به عمر الفاروق- ﵁ الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه، كما صح بذلك الحديث الشريف.
فهل يعقل أن يجمع المسلمون، على شيء منكر مبتدع من أمور الدين، ويسكت عنه الناس، وفيهم "العلماء، والفقهاء، والمحدثون" وتمر أحقاب وأجيال ولا ينكر أحد هذا
стр. 2548
المنكر؟! إن كان ذلك بدعة ومنكراً.
يقول ابن تيمية- ﵀ الفتاوى (٢/ ٤٠١): "إن نفس قيام رمضان، لم يوقت فيه النبي ﷺ عدداً معيناً، بل كان هو ﷺ لا يزيد على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات .. فلما جمعهم عمر- ﵁ على "أبي بن كعب" كان يصلي بهم عشرين ركعة، ثم يوتر بثلاث .. وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات .. لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة.
ثم كانت طائفة من السلف، يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث .. وهذا كله سائغ فكيفما قام بهم في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن.
ثم قال ابن تيمية: والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين أفضل، فهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشرين وبين الأربعين، وإن قام بأربعين غيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي ﷺ ، لا يزاد فيه ولا ينقص فقد أخطأ". ا. هـ الصابوني.
أقول: مهما صلى الإنسان من قيام رمضان منفرداً أو من صلاة التراويح جماعة قليلاً أو كثيراً فلا حرج عليه، لكن الحرج في أن ينكر أن تكون صلاة التراويح عشرين ركعة، فذلك اعتبار ما ليس بدعة: بدعة، قال فقهاء الحنفية: من لم ير صلاة التراويح عشرين ركعة فهو مبتدع وذلك لأنه يسفه أئمة العدل وخاصة المسلمين وعامتهم خلال العصور.
стр. 2549
الفصل الأول
في الاعتكاف
стр. 2550
- اعتكاف رسول الله ﷺ وزمانه ومكانه ومدته:
٣٩٠٩ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه بعده.
وفي رواية (١): كان يجاور العشر الأواخر من رمضان، "ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان".
وفي رواية (٢) كان يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة، جاء مكانه الذي اعتكف فيه، قال: فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها، فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة فضربت فيه قبة، وسمعت زينب، فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغداة، أبصر أربع قباب، فقال: "ما هذا؟ " فأخبر خبرهن. فقال: "ما حملهن على هذا؟ البر؟ انزعوها، فلا أراها" فنزعت، فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال.
وفي أخرى (٣) كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف، صلى الفجر ثم دخل معتكفه ثم ذكر نحوه ... إلى أن قال: فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر، نظر فإذا الأخبية، فقال: "آلبر يردن؟ "، فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال.
стр. 2551
ورواية الموطأ (١): أن رسول الله ﷺ أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه، وجد أخبية: خباء عائشة وخباء حفصة، وخباء زينب، فلما رآها سأل عنها؟ فقيل له: هذا خباء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : "آلبر تقولون بهن" ثم انصرف فلم يعتكف، حتى اعتكف عشراً من شوال.
وأخرجه الترمذي (٢) عن عائشة وأبي هريرة معاً مختصراً، قال: كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله .
وله في أخرى (٣) عن عائشة: كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل في معتكفه. وأخرجه أبو داود (٤) مثل رواية البخاري ومسلم الأولى.
وأخرجه أيضاً عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، قالت: فأمر ببنائه فضرب، فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب، قالت: وأمر غيري من أزواج النبي ﷺ ببنائها فضرب، فلما صلى الفجر، نظر إلى الأبنية، فقال: "ما هذه؟ آلبر يردن؟ آلبر يردن" وفي رواية (٥): "آلبر يردن؟ " مرة واحدة- فأمر ببنائه فقوض، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول، يعني من شوال.
стр. 2552
وفي رواية (١) قال: اعتكف عشرين من شوال.
وأخرجه النسائي (٢) بنحو من رواية البخاري ومسلم الآخرة.
أقول: الأصل عند الحنفية في اعتكاف المرأة أن يكون في مسجد بيتها الذي تخصصه لصلاتها، واعتكافها في المسجد مكروه، والنص الذي مر معنا يدل على أن الاعتكاف جائز في أي وقت من العام، وأنه يصح أن يكون أكثر من عشرة أيام، وأكثر الحنفية يفهمون أن من نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، وباشر ذلك، أنه يجب عليه الإتمام، وإذا نقض اعتكافه فعليه قضاؤه، وظاهر هذا النص أنه ليس عليه قضاء، بدليل أن أزواج النبي ﷺ بعد أن نوين الاعتكاف وتركنه لم يطالبن بالقضاء، غير أن اعتكاف رسول الله ﷺ في شوال يمكن أن يكون دليلاً لمن يذهبون إلى أن على من نقض الاعتكاف بعد أن نواه القضاء، والأصل في الاعتكاف أن يكون فيه صوم، فمن اعتكف في غير رمضان إذا كان اعتكافه منذوراً أو قضاء فلابد فيه من الصوم عند الحنفية وآخرين.
٣٩١٠ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
وزاد مسلم في رواية أخرى (٣)، قال نافع: وقد أراني ابن عمر المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد. وأخرجه أبو داود (٤) بزيادة مسلم.
стр. 2553
٣٩١١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يعتكف كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين".
٣٩١٢ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاماً، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين".
٣٩١٣ - * روى أبو داود عن أبي بن كعب ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان .. " وذكر مثله.
مسألة في مكان الاعتكاف:
الذي أجمع عليه العلماء أنه يجوز الاعتكاف في أي مسجد إلا ما نقل عن حذيفة واشترط بعضهم أن يكون مسجداً جامعاً تقام فيه الجمعة حتى لا يخرج للجمعة ولا تضيع عليه وهذا رواية عن مالك كما قال أبو حنيفة بأنه يصح للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها. أما ما روي عن حذيفة فهو أن لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أخرجه الطحاوي في (مشكل الآثار ٤/ ٢٠).
عن أبي وائل؛ قال: قال حذيفة لعبد الله: الناس عكوف بين دارك ودار أبي موسى؛ لا تغير؟! وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، ومسجد بيت المقدس". قال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا. البيهقي (٤/ ٣١١).
ووردت هذه الرواية موقوفة على حذيفة (المصنف لعبد الرزاق رقم (٨٠١٤/ ٤/ ٣٤٧) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٧/ ٩٦٦٩) ومعجم الطبراني الكبير (٩٥٠٨، ٩٥١٠، ٩٥١١) (٩/ ٣٤٩).
стр. 2554
لكن روي عنه أيضاً أنه قال أما أنا- أي حذيفة- فقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، الطبراني (٩٥٠٩) وفيه انقطاع وروي عنه أنه قال: "كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح" الدارقطني (٢/ ٢٠٠) لكنه ضعيف.
وقد رد العلماء ما روي عن حذيفة أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة بأمور:
١ - الاضطراب الواقع فيها فقد رويت موقوفة ومرفوعة.
٢ - أنه إنما اعترض على اعتكاف الناس بين بيت عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري وأنه لا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد وبهذا يجمع بين الروايات وإن كانت روايتا الدارقطني والطبراني فيها انقطاع ...
٣ - أن حذيفة ربما قال ذلك اجتهاداً منه ويؤيد هذا الروايات الموقوفة عنه.
٤ - إن صحت رفع الروايات فقد اعترض على اجتهاده جمهور الصحابة وقالوا لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا وكذا موقف التابعين والأئمة من بعدهم وإذا كان كذلك فلا يجوز الادعاء أن السنة هو ما أجمع المسلمون على تركه ..
٥ - قال ابن حزم في (المحلي ٥/ ١٩٦) مؤكداً صحة الاعتكاف بأي مسجد مستدلاً بقوله تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد).
فإن قيل: فأين أنتم عما رويتموه من طريق سعيد بن منصور: حدثنا سفيان- هو ابن عيينة- عن جامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سلمة، قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: قد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال مسجد جماعة"؟
قال: هذا شك من حذيفة، أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك، ولو أنه ﵇ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" لحفظه الله تعالى علينا، ولم يدخل فيه شكاً، فيصح يقيناً أنه ﵇ لم يقله قط.
٦ - قال الطحاوي: إن حديث حذيفة منسوخ (٤/ ٢٠) من مشكل الآثار.
стр. 2555
٧ - إن ابن مسعود لم يختلف مع حذيفة- ﵃ جميعاً- حول فهم الحديث وإنما حول إثباته فأشار ابن مسعود له لعلك أخطأت أو نسيت وهذا يدل على أن الفهم واحد لكن حذيفة يثبت، وابن مسعود ينفي أصل الحديث كله ... وبالتالي لا يؤول أنه لا اعتكاف كاملاً ...
٨ - إن الإجماع الواقع من العلماء ينهي الخلاف الواقع بين الصحابة فكيف إذا كان جمهور الصحابة على جواز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة؟. المجموع شرح المهذب (٦/ ٥١١).
٩ - إن الذهبي صحح الحديث عن حذيفة لكنه نص على غرابته فلو كان هذا السنة لنقل عن الصحابة ولم يكن غريباً (السير ١٥/ ٨١).
١٠ - إنه لا يصح أن يقال إن الحديث مخصص للآية: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ لأن جمهور الأصوليين القائلين بتخصيص الآحاد للقرآن- وهم عدا الحنفية- اشترطوا للتخصيص أموراً منها أن لا يكون الحديث معلولاً وقد أعل هذا الحديث- حديث حذيفة- بأمور الغرابة والتفرد والشذوذ، ومخالفة ما عليه عمل الصحابة، ورد ابن مسعود له (لعلك نسيت أو أخطأت) فلا يصلح مخططاً واشترط لصحة تخصيص الآحاد للقرآن الإجماع على صحته ولم يحصل لهذا الحديث هذا الأمر.
١١ - إن حديث حذيفة الذي روى عنه الطحاوي: في سنده هشام بن عمار وفيه كلام كثير ومع توثيق بعض العلماء له قد روى المناكير، وقال أبو داود: حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها وكبر فصار يتلقن ... إلى آخر ما قيل فيه، ورجح كثير من العلماء ضعفه.
انظر ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٢ - ٣٠٤) أم الحديث الذي يرويه البيهقي مع صحة سنده فقد رواه موقوفاً ومرفوعاً كما أنه شك فقال لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام أو قال إلا في المساجد الثلاثة وهذا اضطراب.
١٢ - وأخيراً ننقل قولين لعلمين من أعلام الحديث والفقه يؤكدان أن إجماع الأمة على جواز الاعتكاف في المساجد غير المساجد الثلاثة قال الإمام مالك في الموطأ في كتاب الاعتكاف: "الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع
стр. 2556
فيه، ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة، أو يدعها. فإن كان مسجداً لا يجمع فيه الجمعة، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه، فإني لا أرى بأساً بالاعتكاف فيه، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١)، فعم الله المساجد كلها ولم يخص شيئاً منها".
وقال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الاعتكاف: الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢).
وبعد هذا فهل يسمع لأحد محدث يقول لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة حارماً عظم الأمة الإسلامية من ثواب وفضل هذه العبادة؟ اللهم لا ...
والخلاصة:
١ - إن حديث حذيفة معلل بالاضطراب فمرة روي موقوفاً ومرة مرفوعاً ومرة على الشك فروي: "لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام" وروي "إلا في المساجد الثلاثة" كما روي "أو مسجد جماعة". وبالشذوذ لتفرده، ورد الصحابة له بأنه نسي أو أخطأ.
٢ - مخالفة الإجماع.
٣ - وقوع النسخ فيه عند بعض العلماء.
٤ - مخالفته لعموم الآية ولا يصلح مخصصاً لما ذكرنا من العلل.
٥ - أن بعض طرقه من طريق هشام بن عمار وهو ضعيف عند الأكثر.
стр. 2557
ما يجوز للمعتكف من الأفعال:
٣٩١٤ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ "كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه".
زاد في رواية (١): "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً".
وفي رواية (٢): "كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان".
وفي رواية (٣) قالت عائشة ﵂: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة".
وفي أخرى لأبي داود (٤) قالت: "كان رسول الله ﷺ يكون معتكفاً في المسجد، فيناولني رأسه من خلل الحجرة، فأغسل رأسه".
وفي رواية (٥): "فأرجله وأنا حائض".
وفي أخرى لأبي داود (٦) قالت: "كان رسول الله ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر ولا يعرج يسأل عنه".
وفي رواية (٧) قالت: "والسنة للمعتكف ألا يعود مريضاً ولا يشيع جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة، إلا لما لابد منه، قالت: ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع".
стр. 2558
قال الحافظ في (الفتح ٤/ ٢٧٣) عند الحديث رقم (٢٠٢٩).
وحوائج الإنسان: فسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه، ووقع عند أبي داود رقم (٢٤٧٣) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه". قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: قالت السنة (وفي الفتح البتة وهو تصحيف) وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج إلا لحاجة، وما عداه ممن دونها. وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة، أو عاد مريضاً، أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر. وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إن شرط شيئاً من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد.
٣٩١٥ - * روى الشيخان عن علي بن الحسين ﵂ أن صفية زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً"- أو قال: شيئاً-.
وفي رواية (١): أنها جاءت تزوره في المسجد في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان- وفيه: حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة- ثم ذكر معناه، وقال فيه: "إن
стр. 2559
الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم".
ومن الرواة (١) من قال: عن علي بن الحسين: أن النبي ﷺ أتته صفية.
قوله: مبلغ الدم، أي: كمبلغ الدم، ووجه الشبه بين طرفي التشبيه: شدة الاتصال وعدم المفارقة، وكان الشافعي في مجلس ابن عيينة، فسأله عن هذا الحديث، فقال: إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر، إن ظنا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما بمكانها، نصيحة لهما في الدين قبل أن يقذف الشيطان في قلوبهما أمراً يهلكان به.
قال الحافظ في (الفتح ٤/ ٢٨٠):
وفي الحديث من الفوائد جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائريه، والقيام معهم والحديث مع غيرهم، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف، وبيان شفقته ﷺ على أمته، وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم، وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان، والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافياً نفياً للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء، ويعتذر بأنه يجرب بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصنف والله أعلم. وفيه إضافة بيوت أزواج النبي ﷺ إليهن، وفيه جواز خروج المرأة ليلاً، وفيه قول: سبحان الله عند التعجب وقد وقعت في الحديث لتعظيم الأمر وتهويله، وللحياء من ذكره.
٣٩١٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر قال: بني لنبي الله ﷺ بيت من سعف اعتكف في رمضان، حتى إذا كان ليلة أخرج رأسه فسمعهم يقرؤون. فقال: "إن المصلي
стр. 2560
إذا صلى يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجيه، يجهر بعضكم على بعض". يريد إنكار الجهر بعضهم على بعض.