فيه، ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة، أو يدعها. فإن كان مسجداً لا يجمع فيه الجمعة، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه، فإني لا أرى بأساً بالاعتكاف فيه، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١)، فعم الله المساجد كلها ولم يخص شيئاً منها".
وقال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الاعتكاف: الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢).
وبعد هذا فهل يسمع لأحد محدث يقول لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة حارماً عظم الأمة الإسلامية من ثواب وفضل هذه العبادة؟ اللهم لا ...
والخلاصة:
١ - إن حديث حذيفة معلل بالاضطراب فمرة روي موقوفاً ومرة مرفوعاً ومرة على الشك فروي: "لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام" وروي "إلا في المساجد الثلاثة" كما روي "أو مسجد جماعة". وبالشذوذ لتفرده، ورد الصحابة له بأنه نسي أو أخطأ.
٢ - مخالفة الإجماع.
٣ - وقوع النسخ فيه عند بعض العلماء.
٤ - مخالفته لعموم الآية ولا يصلح مخصصاً لما ذكرنا من العلل.
٥ - أن بعض طرقه من طريق هشام بن عمار وهو ضعيف عند الأكثر.
стр. 2557
ما يجوز للمعتكف من الأفعال:
٣٩١٤ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ "كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه".
زاد في رواية (١): "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً".
وفي رواية (٢): "كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان".
وفي رواية (٣) قالت عائشة ﵂: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة".
وفي أخرى لأبي داود (٤) قالت: "كان رسول الله ﷺ يكون معتكفاً في المسجد، فيناولني رأسه من خلل الحجرة، فأغسل رأسه".
وفي رواية (٥): "فأرجله وأنا حائض".
وفي أخرى لأبي داود (٦) قالت: "كان رسول الله ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر ولا يعرج يسأل عنه".
وفي رواية (٧) قالت: "والسنة للمعتكف ألا يعود مريضاً ولا يشيع جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة، إلا لما لابد منه، قالت: ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع".
стр. 2558
قال الحافظ في (الفتح ٤/ ٢٧٣) عند الحديث رقم (٢٠٢٩).
وحوائج الإنسان: فسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه، ووقع عند أبي داود رقم (٢٤٧٣) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه". قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: قالت السنة (وفي الفتح البتة وهو تصحيف) وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج إلا لحاجة، وما عداه ممن دونها. وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة، أو عاد مريضاً، أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر. وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إن شرط شيئاً من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد.
٣٩١٥ - * روى الشيخان عن علي بن الحسين ﵂ أن صفية زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً"- أو قال: شيئاً-.
وفي رواية (١): أنها جاءت تزوره في المسجد في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان- وفيه: حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة- ثم ذكر معناه، وقال فيه: "إن
стр. 2559
الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم".
ومن الرواة (١) من قال: عن علي بن الحسين: أن النبي ﷺ أتته صفية.
قوله: مبلغ الدم، أي: كمبلغ الدم، ووجه الشبه بين طرفي التشبيه: شدة الاتصال وعدم المفارقة، وكان الشافعي في مجلس ابن عيينة، فسأله عن هذا الحديث، فقال: إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر، إن ظنا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما بمكانها، نصيحة لهما في الدين قبل أن يقذف الشيطان في قلوبهما أمراً يهلكان به.
قال الحافظ في (الفتح ٤/ ٢٨٠):
وفي الحديث من الفوائد جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائريه، والقيام معهم والحديث مع غيرهم، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف، وبيان شفقته ﷺ على أمته، وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم، وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان، والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافياً نفياً للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء، ويعتذر بأنه يجرب بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصنف والله أعلم. وفيه إضافة بيوت أزواج النبي ﷺ إليهن، وفيه جواز خروج المرأة ليلاً، وفيه قول: سبحان الله عند التعجب وقد وقعت في الحديث لتعظيم الأمر وتهويله، وللحياء من ذكره.
٣٩١٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر قال: بني لنبي الله ﷺ بيت من سعف اعتكف في رمضان، حتى إذا كان ليلة أخرج رأسه فسمعهم يقرؤون. فقال: "إن المصلي
стр. 2560
إذا صلى يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجيه، يجهر بعضكم على بعض". يريد إنكار الجهر بعضهم على بعض.
стр. 2561
مسائل وفوائد
- الاعتكاف غير المنذور مستحب باتفاق العلماء. وقال الحنفية: الاعتكاف ثلاثة أنواع:
١ - الواجب وهو المنذور.
٢ - السنة المؤكدة على سبيل الكفاية: فهي اعتكاف العشر الأخير من رمضان.
٣ - المستحب وهو في أي وقت سوى العشر الأخير.
والصوم شرط لصحة الاعتكاف المنذور فقط وغير شرط في التطوع. قال المالكية: الاعتكاف قربة ونافلة من نوافل الخير ومندوب إليه بالشرع أو مرغب فيه شرعاً للرجال والنساء لاسيما في العشر الأواخر من رمضان. ويجب بالنذر. وقال الشافعية والحنابلة: الاعتكاف سنة أو مستحب كل وقت إلا أن يكون نذراً، فيلزم الوفاء به.
- إنه من المناسب في عصرنا حيث كثر الانشغال في الدنيا أن يعمد الإنسان إلى قضاء الكثير من وقته في المسجد وأن ينوي الاعتكاف فيه مدة مكثه فيه وأن يملأ هذا الوقت بالذكر وتلاوة القرآن والفكر والتدبر، وقد ندب بعض العلماء أخذاً بأقل الأقوال في الاعتكاف لكل داخل إلى مسجد أن ينوي الاعتكاف فيه مدة مكثه فيه، فإننا نرجو لمن أكثر من هذه الاعتكافات المجزأة أن يدخل في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله".
ويشترط لصحة الاعتكاف ما يلي:
١ - الإسلام. ٢ - العقل أو التمييز. ٣ - كونه في المسجد للرجل عند الحنفية.
٤ - النية اتفاقاً: وأضاف الشافعية: إن كان الاعتكاف فرضاً لزمه تعيين النية للفرض، لتميزه عن التطوع.
٥ - الصوم شرط مطلقاً عند المالكية، وشرط عند الحنفية في الاعتكاف المنذور فقط دون غيره من التطوع، وليس بشرط عند الشافعية والحنابلة فيصح بلا صوم، إلا أن ينذره مع الاعتكاف، ويصح عند الجمهور غير المالكية اعتكاف الليل وحده إذا لم يكن منذوراً.
стр. 2562
٦ - الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس شرط عند الجمهور.
٧ - إذن الزوج لزوجته: شرط عند الحنفية والشافعية والحنابلة. ورأى المالكية أن اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها صحيح مع الإثم.
- اتفق الفقهاء على أنه يلزم المعتكف في الاعتكاف الواجب البقاء في المسجد لتحقيق ركن الاعتكاف وهو المكث والملازمة والحبس، ولا يخرج إلا لعذر شرعي أو ضرورة أو حاجة. قال الحنفية: يجوز للمعتكف الخروج في اعتكاف النفل أو السنة المؤكدة لأن الخروج ينهي الاعتكاف ولا يبطله، لكن لو شرع في المسنون وهو العشر الأواخر من رمضان بنية ثم أفسده، يجب عليه قضاؤه، وذلك مقتضى التفريع على مذهب أبي يوسف، قال ابن عابدين في "حاشيته على الدر المختار":
ثم رأيت المحقق ابن الهمام قال: ومقتضى النظر لو شرع في المسنون أعني العشر الأواخر بنيته ثم أفسده أن يجب قضاؤه تخريجاً على قول أبي يوسف في الشروع في نفل الصلاة ناوياً أربعاً لا على قولهما. اهـ. أي يلزمه قضاء العشر كله لو أفسد بعضه كما يلزمه قضاء أربع لو شرع في نفل ثم أفسد الشفع الأول عند أبي يوسف لكن صحح في "الخلاصة" أنه لا يقضي إلا ركعتين كقولهما نعم اختار في شرح المنية قضاء الأربع اتفاقاً في الراتبة كالأربع قبل الظاهر والجمعة وهو اختيار الفضلي وصححه في "النصاب" وتقدم تمامه في النوافل وظاهر الرواية خلافه وعلى كل فيظهر من بحث ابن الهمام لزوم الاعتكاف المسنون بالشروع وأن لزوم قضاء جميعه أو باقيه مخرج على قول أبي يوسف أما على قول غيره فيقضي اليوم الذي أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه وإنما قلنا أي باقيه بناءً على أن الشروع ملزم كالنذر وهو لو نذر العشر يلزمه كله متتابعاً ولو أفسد بعضه قضى باقيه على ما مر في نذر صوم شهر معين والحاصل أن الوجه يقتضي لزوم كل يوم شرع فيه عندهما بناءً على لزوم صومه بخلاف الباقي لأن كل يوم بمنزلة شفع من النافلة الرباعية وإن كان المسنون هو اعتكاف العشر بتمامه اهـ ابن عابدين (الحاشية ٢/ ١٣١).
وحرم على المعتكف اعتكافاً واجباً الخروج إلا لعذر شرعي كأداء صلاة الجمعة والعيدين، فيخرج في وقت يمكنه إدراكها مع صلاة سنة الجمعة قبلها، ثم يعود وإن أتم اعتكافه في
стр. 2563
الجامع الآخر صح وكره، ويجوز للمعتكف الخروج لحاجة طبيعية أو لحاجة ضرورية، ويفسد اعتكافه بالخروج لعيادة مريض أو تشييع جنازة، وإن تعينت عليه إلا أنه لا يأثم، كما في المرض والأكل والشرب والنوم والعقد المحتاج إليه لنفسه أو عياله كبيع ونكاح ورجعة يكون في معتكفه. فلا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلعة، لأنه قد يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته، لكن يكره تحريماً البيع لتجارة وإحضار المبيع أو السلعة إلى المسجد، ومبايعة غير المعتكف فيه مطلقاً لأن المسجد محرر عن حقوق العباد. وأما الأكل والشرب والنوم لغير المعتكف في المسجد، فمكروه إلا لغريب كما في أشباه ابن نجيم، وقال ابن كمال: لا يكره الأكل والشرب والنوم فيه مطلقاً مقيماً كان أو غريباً، مضطجعاً أو متكئاً، رجلاه إلى القبلة أو إلى غيرها.
وقال الشافعية: إنما يصح الاعتكاف في المسجد، سواء في سطحه أو غيره التابع له، والجامع أولى بالاعتكاف فيه من غيره للخروج من خلاف من أوجبه، وإن نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة تعين، ولزمه أن يعتكف فيه.
والخلاصة: أن المالكية والشافعية يجيزون الاعتكاف في أي مسجد والحنفية والحنابلة يشترطون كونه في المسجد الجامع، ولا يجوز عند الجمهور الاعتكاف في مسجد البيت ويجوز ذلك للمرأة عند الحنفية. ويستحب للمعتكف التشاغل على قدر الاستطاعة ليلاً ونهاراً بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى والاستغفار والفكر القلبي في ملكوت السموات والأرض والصلاة على النبي ﷺ . ويندب الاعتكاف في رمضان لاسيما في العشر الأخير من رمضان بالاتفاق.
يندب مكث المعتكف ليلة العيد إذا اتصل اعتكافه بها، ليخرج منه إلى المصلى، فيصل عبادة بعبادة ويجتنب المعتكف كل ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال ولا يكثر الكلام لأن من كثر كلامه كثر سقطه. ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش، ولا يتكلم المعتكف إلا بخير، ولا بأس بالكلام لحاجته ومحادثة غيره. ويكره تحريماً عند الحنفية: إحضار المبيع في المسجد، ويكره عقد ما كان للتجارة، ويكره عند الشافعية: الإكثار من اتخاذ موضع للبيع والشراء أو العمل الصناعي والحجامة والفصد إن أمن تلويث المسجد وإلا حرم. ومما يبطل الاعتكاف الخروج بلا عذر شرعي والجماع ليلاً أو نهاراً لأن الوطء في الاعتكاف حرام
стр. 2564
بالإجماع. والحيض والنفاس والوقوع في كبيرة كالغيبة والنميمة والقذف يبطل الاعتكاف عند المالكية في أحد قولين مشهورين، ولا يبطله عند الجمهور وفي قول مشهور آخر عند المالكية. مع ترتيب الإثم.
انظر فيما سبق: (فتح القدير: ٢/ ٣٨٩ فما بعدها)، (المغني: ٣/ ١٨٣ فما بعدها)، (الشرح الصغير: ١/ ٧٢٥)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٦٩٧ فما بعدها).
стр. 2565
الفصل الثاني
في ليلة القدر وساعة الاستجابة
стр. 2566
- فضل ليلة القدر:
٣٩١٧ - * روى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال: دخل رمضان فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم".
- وقت ليلة القدر وعلاماتها:
٣٩١٨ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي ﷺ : "أرى رؤياكم تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" وفي رواية (١) قال: "رأى رجل أن ليلة القدر، ليلة سبع وعشرين، فقال النبي ﷺ : "أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر" وفي رواية (٢): أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: "إن ناساً منكم قد أروا أنها في السبع الأول، وأري ناس منكم أنها في السبع الغوابر، فالتمسوها في العشر الغوابر".
وللبخاري (٣): "أن ناساً أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن ناساً أروا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ : "التمسوها في السبع الأواخر" ولمسلم (٤) أن النبي ﷺ قال: "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر".
стр. 2567
وفي أخرى (١) قال رسول الله ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر- يعني ليلة القدر- فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن عن السبع البواقي" وفي أخرى (٢): "من كان ملتمسها، فليلتمسها في العشر الأواخر" وفي أخرى (٣) قال: "تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر- أو قال: في التسع الأواخر".
٣٩١٩ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن عمر، سمعت أبي يقول: جاوز أصحاب النبي ﷺ السبع الأوسط من رمضان، فقال النبي ﷺ : "من كان منكم متحرياً فليتحرها في السبع الأواخر".
٣٩٢٠ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان".
وفي رواية (٤) قالت: "كان رسول الله ﷺ يجاور العشر الأواخر في رمضان، ويقول: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان".
٣٩٢١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر" وقال حرملة: "فنسيتها".
стр. 2568
٣٩٢٢ - * روى الطبراني في الكبير عن الفلتان بن عاصم قال: أتيت النبي ﷺ وإنا لجلوس ننتظره إذ خرج علينا وفي وجهه الغضب فجلس طويلاً لا يتكلم ثم سري عنه فقال: "إني خرجت إليكم وقد تبينت لي ليلة القدر ومسيح الضلالة فخرجت إليكم لأبينها فلقيت في المسجد رجلين يتلاحيان، بينهما الشيطان، فحجزت بينهما فاختلست مني في العشر الأواخر وأما مسيح الضلالة فإنه أجلح الجبهة ممسوح العين عريض النحر فيه دماء ابن العزى أو عبد العزى بن فلان" وفي رواية "أما ليلة القدر فالتمسوها في العشر الأواخر".
أقول: في النص دلالة على أن التلاحي بين المسلمين يرفع الله به بركات وخيرات، فليبتعد كل مسلم عن أن يلاحي أخاه أو يخاصمه.
٣٩٢٣ - * روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: "خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة".
٣٩٢٤ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس، قال: كان عمر يدعوني مع أصحاب محمد ﷺ ، فيقول لي: لا تكلم حتى يتكلموا. قال: فدعاهم فسألهم عن ليلة القدر، فقال: أرأيتم قول رسول الله ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر" أي ليلة ترونها؟ قال: فقال بعضهم: ليلة إحدى، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال، آخر: خمس، وأنا ساكت. قال، فقال: مالك لا تتكلم، قال: قلت: إن أذنت لي يا أمير المؤمنين تكلمت، قال: فقال: ما أرسلت إليك إلا لتتكلم، قال: فقلت: أحدثكم برأيي؟ قال: عن ذلك نسألك.
стр. 2569
قال، قلت: السبع. رأيت الله ذكر سبع سماوات، ومن الأرض سبعاً، وخلق الإنسان من سبع، ونبت الأرض سبع، قال، فقال: هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لا أعلم؟ ما هو قولك نبت الأرض سبع؟ قال: فقلت: إن الله يقول: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا﴾ إلى قوله ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (١) والأب نبيت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس. قال: فقال عمر: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه بعد. إني والله ما أرى القول إلا كما قلت. وقال: قد كنت أمرتك أن لا تكلم حتى يتكلموا، وإني آمرك أن تتكلم معهم.
٣٩٢٥ - * روى البزار عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر وتراً".
٣٩٢٦ - * روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا، فأتى النبي ﷺ فقال: "من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه، فإني رأيت هذه الليلة، ورأيتني أسجد في ماء وطين". فلما رجع إلى معتكفه، هاجت السماء، فمطرنا، فوالذي بعثه بالحق، لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم، وكان المسجد على عريش، فلقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين.
وفي رواية نحوه، إلا أنه قال: حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة
стр. 2570
التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر".
وفي أخرى (١): كان النبي ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي، ويستقبل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه قام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس، وأمرهم بما شاء الله، ثم قال: "كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه" ثم ذكره وفيه: فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين ... الحديث.
- الاعتكاف وسط الشهر كان ابتداءً:
٣٩٢٧ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له، فلما انقضين أمر بالبناء فقوض ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد".
وفي رواية (٢) اعتكف العشر الأول ثم اعتكف العشر الأوسط ثم اعتكف العشر الأواخر.
٣٩٢٨ - * روى البخاري عن أبي سلمة: "انطلقت إلى أبي سعيد، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل فنتحدث؟ فخرج، فقلت: حدثني ما سمعت من رسول الله ﷺ في ليلة القدر، قال: اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأول من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن الذي تطلب أمامك، ثم قام النبي ﷺ خطيباً
стр. 2571
صبيحة عشرين من رمضان، فقال: "من كان اعتكف مع النبي فليرجع، فإني رأيت ليلة القدر، وإني أنسيتها، وإنها في العشر الأواخر في وتر، إني رأيت كأني أسجد في طين وماء"، وكان سقف المسجد جريد النخل، وما نرى في السماء شيئاً، فجاءت قزعة فمطرنا، فصلى بنا النبي ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة النبي ﷺ وأرنبته، تصديق رؤياه.
٣٩٢٩ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: "أتيت وأنا نائم في رمضان فقيل لي إن الليلة ليلة القدر قال: فقمت وأنا ناعس فتعلقت ببعض أطناب رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فإذا هو يصلي فنظرت في تلك الليلة فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين".
٣٩٣٠ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن عبيد الصنابحي قال: "خرجنا من اليمن مهاجرين، فقدمنا الجحفة ضحى، فأقبل علينا راكب، فقلت له: الخبر فقال: دفنا رسول الله ﷺ منذ خمس، قلت: ما سبقك إلا بخمس، هل سمعت في ليلة القدر شيئاً؟ قال: أخبرني بلال مؤذن رسول الله ﷺ : أنها أول السبع من العشر الأواخر".
٣٩٣١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: قلت: "يا رسول الله، إن لي بادية أكون فيها، وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد، فقال: انزل ليلة ثلاث وعشرين، قيل لابنه: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر، فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد، فجلس عليها ولحق بباديته".
وفي رواية الموطأ (١): أنه قال لرسول الله ﷺ "إني رجل شاسع الدار، فمرني ليلة أنزل
стр. 2572
لها، فقال رسول الله ﷺ : "انزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان".
وفي رواية مسلم (١): قال عبد الله بن أنيس: إن رسول الله ﷺ قال: "أريت ليلة القدر، ثم أنسيتها، وأراني صبيحتها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه، وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين".
٣٩٣٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "التمسوها في أربع وعشرين".
٣٩٣٣ - * روى أحمد عن بلال أن رسول الله ﷺ قال: "ليلة القدر ليلة أربع وعشرين".
أقول: لا يبعد أن تكون ليلة القدر متنقلة بين الأيام، فإن أبا حنيفة ﵀ يرى أنها في السنة كلها، وقد جاءت النصوص وقد تعدد الخبر فيها عن ليلة القدر وذلك يدل على تنقلها ليجتهد فيها الناس بالعبادة، والأحوط أن يجتهد الإنسان في العبادة طوال العام ليوافقها جزماً فإن لم يطق ذلك فليجتهد رمضان كله فإن لم يطق ذلك فليجتهد العشر الأواخر فإن لم يطق ذلك فليجتهد في ليالي الوتر من العشر الأواخر.
٣٩٣٤ - * روى مسلم عن زر بن حبيش ﵀ قال: سمعت أُبي بن كعب ﵁ يقول: وقيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: "من قام السنة أصاب ليلة القدر: فقال أبي: "والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان- يحلف لا يستثني- ووالله إني لأعلم أي ليلة هي؟ هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء، لا شعاع لها" وفي رواية (٢) قال: "سألت أبي ابن كعب، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب
стр. 2573
ليلة القدر، فقال: ﵀، أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، ثم حلف- لا يستثني- أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ فقال: بالعلامة- أو بالآية- التي أخبرنا رسول الله ﷺ : أنها تطلع الشمس يومئذ، لا شعاع لها".
وفي رواية (١) أبي داود مثل الثانية ونحوها، وفيها قال: "قلت: يا أبا المنذر، أنى علمت ذاك؟ قال: بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ ، قال: قلت لزر: ما الآية؟ قال: تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست، ليس لها شعاع حتى ترتفع".
وفي رواية الترمذي (٢) نحوها، وله في أخرى (٣) قال: قلت لأبي بن كعب: "أنى علمت أبا المنذر أنها ليلة سبع وعشرين؟ قال: بلى، أخبرنا رسول الله ﷺ : أنها ليلة صبيحتها الشمس ليس لها شعاع، فعددنا وحفظنا، والله لقد علم ابن مسعود: أنها في رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا".
أقول: عندما تكون السماء صافية ليس دون الشمس سحاب فإنها ترى صبيحة ليلة القدر كما وصفت بالحديث. وللناس تعليلات لذلك والمشاهدة والتتبع يقضيان بذلك، ولا نحب أن نعلل لهذه الظاهرة ما دام النص ساكتاً عن التعليل.
٣٩٣٥ - * روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ عن النبي ﷺ في ليلة القدر قال: "ليلة سبع وعشرين".
قال الحافظ في (الفتح ٤/ ٢٦٢): وقد روى أحمد من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: أتيت وأنا نائم، فقيل لي: الليلة ليلة القدر، فقمت وأنا ناعس، فتعلقت ببعض أطناب رسول الله ﷺ فإذا هو يصلي، قال: فنظرت في تلك الليلة، فإذا هي ليلة أربع وعشرين، وقد أشكل هذا مع قوله في الطريق الأخرى: إنها في وتر، وأجيب بأن الجمع ممكن بين الروايتين أن يحمل ما ورد مما ظاهره الشفع أن يكون
стр. 2574
باعتبار الابتداء بالعدد من آخر الشهر فتكون ليلة الرابع والعشرين هي السابعة، ويحتمل أن يكون مراد ابن عباس بقوله: "في أربع وعشرين" أي: أول ما يرجى من السبع البواقي، فيوافق ما تقدم من التماسها في السبع البواقي.
٣٩٣٦ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ في ليلة القدر: ليلة طلقة لا حارة ولا باردة تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة.
أقول: وصف ليلة القدر بأنها طلقة لا حارة ولا باردة قد يكون لذلك العام الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ بدليل الروايات التي تذكر أن رسول الله ﷺ صلى صبيحة ليلة القدر وأرض المسجد مبتلة من المطر، ويمكن الجمع بين النصين بأنه يمكن وجود المطر مع عدم البرد.
٣٩٣٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ في ليلة القدر: "اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، ثم سكت".
٣٩٣٨ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ سئل عن ليلة القدر فقال: "هي في العشر الأواخر، قم في الثالثة أو الخامسة".
٣٩٣٩ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود قال سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر فقال: "كنت أعلمتها ثم انفلتت مني فاطلبوها في سبع يبقين أو ثلاث يبقين".
٣٩٤٠ - * روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان متحريها
стр. 2575
فليتحرها ليلة سبع وعشرين وقال: تحروها ليلة سبع وعشرين" يعني ليلة القدر.
٣٩٤١ - * روى الترمذي عن عيينة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي فقال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة، فقال: "ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: "التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو في ثلاث، أو آخر ليلة" قال: وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، فإذا دخل العشر اجتهد".
٣٩٤٢ - * روى البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ ليخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال النبي ﷺ : "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، فعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة".
٣٩٤٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "هي في العشر، في سبع يمضين، أو في سبع يبقين" يعني: ليلة القدر. وفي رواية (١): أن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان- يعني ليلة القدر- في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى".
٣٩٤٤ - * روى البزار عن أنس أن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر: في التاسعة والخامسة والسابعة".
٣٩٤٥ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب ﵀ قال: "من شهد العشاء من ليلة القدر في جماعة: فقد اخذ بحظه منها".
стр. 2576
٣٩٤٦ - * روى أحمد عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير عليل فمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لليلة القدر فقال: "عليك بالسابعة".
٣٩٤٧ - * روى أحمد عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن فإن الله ﵎ يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهي ليلة وتر تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليله" وقال رسول الله ﷺ : "إن أمارة ليلة القدر: أنها صافية بلجة كأن فيها حتى يصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر البدل لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ".
أقول: يحتمل النص أن يكون هذا صفة ليلة القدر في سنة من السنين، أو في كل سنة حيث تكون السماء صافية أو في بعض الأماكن. ويدل على ذلك الحديث التالي.
٣٩٤٨ - * روى أحمد عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر" رواه أحمد وزاد ابنه "في العشر الأواخر من رمضان في وتر فإني قد رأيتها ثم نسيتها وهي ليلة قطر وريح- أو قال-: مطر أو ريح".
стр. 2577
٣٩٤٩ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليلة القدر ليلة السابعة أو التاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى".
٣٩٥٠ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "في ليلة القدر أنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى".
٣٩٥١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ ، فقال: "أيكم يذكر ليلة طلع القمر وهو مثل شق جفنة؟ ".
أقول: هذا يدل على أن لليلة القدر ببعض السنين وبعض الأمكنة علامات كونية، وليس شرطاً أن تكون كل هذه العلامات في كل السنين وكل الأمكنة.
وقوله: شق جفنة: الشق هو النصف، والجفنة القصعة، قال القاضي: فيه إشارة إلى أنها إنما تكون في أواخر الشهر لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر. اهـ.
٣٩٥٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي ذر، قال: صمنا مع النبي ﷺ في رمضان، فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا، حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا، في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت، يا رسول الله ﷺ لو نفلنا بقية ليلتنا هذه؟ قال: "إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة". ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه، فقام بنا حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح. قلت- القائل أبو ذر-: وما الفلاح؟
стр. 2578
قال: السحور.
أقول: هذا النص يدل على أهمية بقاء المصلي مع إمامه حتى ينتهي الإمام من الصلاة إلا إذا كان هناك ضرورة وهذا من الأدب الرفيع الذي أدب به الإسلام المسلم مع شيوخه وأئمته، فحتى في الاجتماع لا ينصرف إلا بإذنهم إلا إذا كانت هناك ضرورة أو حاجة، وللمسلم في ذلك أجر كبير إذا كانت له نية صالحة.
٣٩٥٣ - * روى ابن خزيمة عن أبي ذر، قال: قام بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قال: "ما أحسب ما تطلبون إلا وراءكم"، ثم قام ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قال: "ما أحسب ما تطلبون إلا وراءكم" ثم قمنا ليلة سبع وعشرين إلى الصبح.
قال ابن خزيمة: هذه اللفظة: "إلا وراءكم" هو عندي من باب الأضداد، ويريد: أمامكم، لأن ما قد مضى هو وراء المرء، وما يستقبله هو أمامه، والنبي ﷺ إنما أراد: ما أحسب ما تطلبون- أي ليلة القدر- إلا فيما تستقبلون، لا أنها في ما مضى من الشهر وهذا كقوله : ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (١) يريد: وكان أمامهم.
٣٩٥٤ - * روى ابن خزيمة عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رسول الله ﷺ رجل من قضاعة، فقال له: يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت الشهر، وقمت رمضان، وآتيت الزكاة، فقال النبي ﷺ : "من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء".
٣٩٥٥ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: "سمعت رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان ولم يكن رسول الله ﷺ جمع الناس على القيام".
стр. 2579
٣٩٥٦ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن أبي لبيد، سمع أبا سلمة يقول: "سألت عائشة، فقلت أي أمه، أخبريني عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل. فقالت: كانت صلاته بالليل في شهر رمضان وفيما سوى ذلك ثلاث عشرة ركعة" هذا حديث عبد الجبار وقال أبو هاشم: "أتيت عائشة فسألتها عن صلاة رسول الله ﷺ في شهر رمضان فقالت: كانت صلاته ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر".
٣٩٥٧ - * روى مسلم نع جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة".
стр. 2580
الباب الثالث
في صدقة الفطر
стр. 2581
مقدمة
ذكر الله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١) بين آيات الإنفاق في سورة البقرة وفي ذلك إشارة إلى أن من الحكمة أن يضع الإنسان الصدقات مواضعها، وصدقة الفطر لها أهمية خاصة في الإسلام، لذلك كانت في الواجبات وهي تتكرر سنوياً، وتجب على كل من ملك النصاب عن نفسه وأولاده الصغار وعبيده وإمائه صبيحة عيد الفطر ولو لم يحل على النصاب الحول عند الحنفية، وأوجبها بعضهم على من ملكها وملك قوته وقوت عياله ليومه وليلته.
وهي تؤدي دورها الذي شرعت من أجله ولو أنفقت عفوياً، ولكن لو أنها نظمت فإنها تؤدي دوراً أعظم في خدمة الفقراء والمحتاجين. فلو أن مؤسسة خيرية قامت في كل حي وفي كل قرية فنظمت جمع الزكوات وصدقة الفطر والأضاحي ونظمت توزيعها فلعله يكون في ذلك خير كثير، مع ملاحظة أن وجود هذه المؤسسات لا يلغي حق صاحب الزكاة وصدقة الفطر والأضحية في أن يوزع ما وجب عليه على من يستحق ذلك، فكثيراً ما يفطن الأفراد لما لا تفطن له المؤسسات، كما أنه كثيراً ما تفطن المؤسسات لما لا يفطن له الأفراد.
стр. 2582
العرض الإجمالي
- شرعت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة، عام فرض صوم رمضان. وحكمتها: جبر نقص الصوم، وإغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد، وحكمها عند الحنفية: أنها واجبة على كل مسلم صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى عاقلاً أو مجنوناً، إذا كان مالكاً لمقدار النصاب. وقال الجمهور: زكاة الفطر واجبة على كل حر صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى من المسلمين، وتجب عند الجمهور على كل من ملك قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، فمن ملك فاضلاً عما يحتاجه لنفسه ولمن تلزمه مؤنته من مسكن وخادم يحتاج إليه ودابة وثياب ونحوها من الحاجات الأصلية وجبت عليه الفطرة، حتى عند المالكية لو كان قادراً على الفطرة بالاستدانة مع رجاء الوفاء، لأنه قادر حكماً، ومن لزمه فطرة نفسه، لزمه فطرة من تلزمه نفقته بقرابة كوالديه الفقيرين، أو زوجته أو ملك رقيق إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم.
هذا عند الجمهور أما عند الحنفية ومن وافقهم: فلا تجب عليه عن زوجته ووالديه الفقيرين وأولاده الكبار البالغين إذا كانوا فقراء، إنما هؤلاء تسقط عنهم وعمن يعولون إذا كانوا فقراء.
- ووقت وجوب زكاة الفطر عند الحنفية: بطلوع الفجر من يوم عيد الفطر، فمن مات قبل ذلك، لم تجب فطرته، ومن أسلم أو ولد بعد طلوع الفجر لم تجب فطرته، ويجوز تقديمها قبل يوم الفطر، وإن أخروها عن يوم الفطر قبل صلاة العيد لم تسقط وكان عليهم إخراجها وتكون صدقة، وقال الجمهور: تجب زكاة الفطر بغروب شمس ليلة عيد الفطر أي أول ليلة العيد، فمن مات بعد الغروب تجب عليه، أما من ولد أو أسلم بعد الغروب أو كان معسراً وقت الوجوب ثم أيسر بعده، فلا فطرة عليه عند الجمهور، لعدم وجود سبب الوجوب وعليه الفطرة عند الحنفية. ولا تسقط عند الجمهور بعد وجوبها بموت ولا غيره، وتبقى في ذمته أبداً حتى يخرجها، ويجوز عند الشافعية تقديم الفطرة من أول شهر رمضان لأنها تجب بسببين: الأول: صوم شهر رمضان، الثاني: الفطر منه، ويستحب عند الشافعية ألا تؤخر عن صلاة العيد للأمر بها قبل الخروج إليها ويحرم عند الشافعية تأخيرها
стр. 2583
عن يوم العيد بلا عذر كغيبة ماله أو المستحقين، فلو أخر بلا عذر عصى وقضى. ويجوز عند المالكية والحنابلة تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين لا أكثر من ذلك.
وقد مر معنا أن الحنفية يجيزون تقديمها في رمضان مطلقاً. وأفتى بعضهم بتقديمها على رمضان أيضاً قياساً على الزكاة (انظر الحاشية ٢/ ٧٨ آخر كتاب الزكاة).
قال الجمهور: تؤدى زكاة الفطر من الحبوب والثمار المقتاتة وهي صاع، وذهب الشافعية: إلى أنها تجب من غالب قوت البلد أو المحل. ولا يجزئ عند الجمهور إخراج القيمة عن هذه الأصناف فمن أعطى القيمة لم تجزئه خلافاً للحنفية فعند الحنفية يجوز دفع القيمة، وهو الأرفق بالناس.
- واتفق الفقهاء على أنه يستحب إخراج صدقة الفطر يوم الفطر بعد الفجر قبل الصلاة، إلا أن أكثرية الفقهاء ذهبوا إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر فمن أخرها عن الصلاة ترك الأفضل، فدل على أن تأخيرها عن الصلاة مكروه تنزيهاً وأن الأمر بإخراجها قبل الصلاة للندب، ويحرم بالاتفاق تأخيرها عن يوم العيد، فتأخيرها فيه إثم، كما في إخراج الصلاة عن وقتها.
- اتفق الفقهاء على أن مصرف زكاة الفطر هو مصارف الزكاة المفروضة، ولا يجوز عند الجمهور- المالكية والشافعية والحنابلة- دفعها إلى ذمي لأنها زكاة فلم يجز دفعها إلى غير المسلمين كزكاة المال ولا خلاف في أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على ألا يجزئ أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة" وأجاز الجمهور إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة والجماعة ما يلزم الواحد.
стр. 2584
النصوص
- وجوب زكاة الفطر وحكمتها ووقتها:
٣٩٥٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".
- من تجب عليه ومقدارها:
٣٩٥٩ - * روى الترمذي عن عمرو بن شعيب ﵀ عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ بعث منادياً في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير: مدان من قمح أو سواه، أو صاع من طعام".
أقول: الصاع عند الجمهور يعادل في عصرنا ٢٠٠٠ غم تقريباً وكل مد منه يعادل ٦٧٥ غم أما عند الحنفية فالصاع= ٣٢٥٠ غم وهذا لصالح الفقراء في عصرنا. والمدان نصف صاع، فالنص على أن المُدَّين من القمح، أو الصاع من سواه يدل على أن نصف الصاع من القمح هو المعيار لصدقة الفطر وهو الشيء الذي نجده في فدية الصوم، فما ذكره معاوية مما سنراه له أصل في السنة. وهذا الذي أخذ به الحنفية وهو أن نصف الصاع من القمح هو صدقة الفطر، وهو يعدل حوالي ٢ كغم تقريباً من أوزاننا الحالية. فإذا عرفنا أن الحنفية يجيزون دفع القيمة، وإذا تذكرنا أن سعر الخبز معروف لكل إنسان، أدركنا سهولة تطبيق المذهب الحنفي في عصرنا، فثمن ٢ كغ من الخبز هو فطرة الفرد الواحد ويزيد على ذلك قليلاً للفارق بين الخبز والقمح، فإذا كان الإنسان له أولاد صغار غير بالغين فإنه يخرج عن نفسه وأولاده عن كل واحد منهم نصف صاع قمح أو قيمته. فإذا دفع عن زوجته وأولاده الكبار أجزأهم وإلا فهم مسؤولون عن أنفسهم إن كانوا يملكون شيئاً وجب عليهم. وإن كانوا فقراء
стр. 2585
لا تجب عليهم. وإن كان لأولاده الصغار ولزوجته مال فلو أن يدفع عنهم من مالهم إن لم يشأ أن يدفع عنهم من ماله وقد كان الناس في الماضي يملكون عبيداً، فمن كان يملك عبداً يجب عليه أني خرج عنه صدقة الفطر ومن ها هنا فإن صدقة الفطر ليست شيئاً سهلاً. فعلى رأي الجمهور من كان يملك شيئاً ما فائضاً عن حاجاته الأصلية ليلة العيد فعليه صدقة الفطر هو وزوجته وذريته الصغار ورقيقه، وقد رأينا أن مذهب المالكية أنه تجب صدقة الفطر حتى على من كان قادراً على الاستدانة ويرجو الوفاء. وهكذا فإن صدقات الفطر تكاد تكون على المجموع الكلي لعدد أفراد الأمة إلا قليل، وهذه الصدقات لصالح هذا القليل فلو أنها نظمت ودفعت لمستحقيها الذين هم مصارف الزكاة لكانت حلاً لكثير من المشكلات الآنية بل الدائمة.
٣٩٦٠ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر ﵁: "أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط".
٣٩٦١ - * روى ابن خزيمة عن قيس بن سعد، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله.
أقول: من هذا النص وأدلة أخرى أخذ الحنفية أن صدقة الفطر واجبة، فهي فوق المندوب ودون الفريضة القطعية.
٣٩٦٢ - * روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب". زاد في رواية (١) "فلما جاء معاوية، وجاءت السمراء، قال: أرى مداً
стр. 2586
من هذه يعدل مدين".
وفي رواية (١) "كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر: صاعاً من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر". وفي أخرى قال: "كنا نطعم الصدقة صاعاً من شعير" لم يزد على هذا.
وفي أخرى (٢) "كنا نخرج زكاة الفطر ورسول الله ﷺ فينا، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك من ثلاثة أصناف: صاعاً من تمر، صاعاً من أقط، صاعاً من شعير، فلم نزل نخرجه حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من بر تعدل صاعاً من تمر".
قال أبو سعيد: "فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك".
وفي رواية (٣) "فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، ما عشت".
أقول: ما رآه معاوية من أن نصف الصاع من القمح يعدل الصاع من التمر والشعير والأقط له أصل في السنة كما رأينا وله أصل من حيث إن نصف الصاع من القمح هو المعيار في فدية الصوم والذي يبدو أن نصف الصاع من القمح كان ثمنه يعد الصاع من الأصناف التي تخرج منها صدقة الفطر، ومع أن الأسعار الآن قد تغيرت فلا زالت الفتوى عند الحنفية وآخرين على أن صدقة الفطر نصف صاع القمح، لأنهم اعتبروا ذلك هو المعيار الأصيل في صدقة الفطر.
٣٩٦٣ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري قال: "أخرجنا في صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط أو صاعاً من سلت".
стр. 2587
٣٩٦٤ - * روى أحمد عن أبي هريرة: "في زكاة الفطر على كل حر وعبد وذكر وأنثى صغير أو كبير فقير أو غني: صاع من تمر أو نصف صاع من قمح" قال معمر: بلغني أن الزهري كان يرويه إلى النبي ﷺ .
٣٩٦٥ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".
٣٩٦٦ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر".
أقول: نفي الزكاة عن العبد والفرس هو المراد بالنص، أما صدقة الفطر فإنها تجب في العبد دون الفرس.
٣٩٦٧ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس، قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نؤدي زكاة رمضان صاعاً من طعام عن الصغير والكبير والحر والمملوك: من أدى سلتاً قبل منه وأحسبه قال: ومن أدى دقيقاً قُبل منه، ومن أدى سويقاً قبل منه.
أقول: من مثل هذا النص رأى الحنفية أن القيمة تجزئ، فالمسلم بالخيار أن يخرج نصف صاع من قمح أو صاعاً من غيره من طعام أو قيمة ذلك.
٣٩٦٨ - * روى أبو داود عن الحسن البصري ﵀ قال: "خطب ابن عباس في آخر رمضان، على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم، وكأن الناس لم يعلموا، فقال: من ها هنا من أهل المدينة، قوموا إلى إخوانكم فعلموهم، فإنهم لا يعلمون، ثم قال: فرض رسول الله ﷺ هذه الصدقة: صاعاً من تمر، أو من شعير، أو نصف صاع
стр. 2588
من قمح، على كل حر أو مملوك، ذكر أو أنثى صغير أو كبير، فلما قدم علي رأى رخص السعر، فقال: قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعاً من كل شيء؟ ".
قال حميد- وهو الطويل-: وكان الحسن يرى صدقة رمضان على من صام.
وفي رواية النسائي (١)، بعد قوله: "فإنهم لا يعلمون": "أن رسول الله ﷺ فرض صدقة الفطر على الكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى: نصف صاع من بر، أو صاعاً من تمر أو شعير". وفي أخرى للنسائي (٢) مختصراً: قال ابن عباس- في صدقة الفطر- "صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط" والراجح أن الحسن لم يلق ابن عباس فها هنا إرسال.
أقول: إن رواية حميد الطويل أن الحسن كان يرى صدقة الفطر على من صام مذهب مرجوح للروايات الكثيرة التي تعمم صدقة الفطر على الكبير والصغير دون استثناء.
٣٩٦٩ - * روى أحمد عن أسماء بنت أبي بكر "أنها كانت تخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها الحر منهم والمملوك مدين من حنطة أو صاعاً من تمر بالمد الذي يقتانون به". وفي رواية عنها "أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ بالمد الذي يقتات به أهل المدينة، يفعل ذلك أهل المدينة كلهم".
أقول: المُدَّان نصف صاع فالروايات متضافرة إذن على أن نصف الصاع من القمح يجزئ عن الصاع من طعام سواه، وهذا يؤيد ما ذهب إليه الحنفية وأن ما رآه معاوية لم يكن رأياً ليس له أصل أو انفرد به.
٣٩٧٠ - * روى ابن خزيمة عن أسماء بنت أبي بكر "أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في
стр. 2589
عهد رسول الله ﷺ بالمد الذي يقتات به أهل المدينة، أو الصاع الذي يقتاتون به، يفعل ذلك أهل المدينة كلهم".
أقول: قول أسماء ﵂: يخرجون زكاة الفطر في عهد الرسول ﷺ بالمد الذي يقتات به أهل المدينة، دليل على أن الأصل في صدقة الفطر التسهيل على مخرجها، فما توافر له مما يجزئ عن صدقة الفطر يخرجه.
٣٩٧١ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل عبد أو حر، صغير أو كبير".
وفي رواية (١) "على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين".
زاد في رواية (٢) "فعدل الناس به نصف صاع [من] بر".
وفي رواية (٣) "فكان ابن عمر يعطي التمر، فأعوز أهل المدينة التمر، فأعطى شعيراً، وكان ابن عمر يعطي على الصغير والكبير، حتى إن كان ليعطي عن بني، وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين".
قال البخاري: "عن بني" يعني: بني نافع، ومعنى: "يعطون" ليجمعوا لهم، فإذا كان يوم الفطر أخرجوه حينئذ.
وفي رواية (٤) قال: "أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر: صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، قال عبد الله: فجعل الناس عدله مدين من حنطة".
وللبخاري (٥) قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعاً من تمر، أو صاعاً من
стр. 2590
شعير، على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة".
ولمسلم (١) "أن رسول الله ﷺ : فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين" ... وذكر نحوه إلى آخره.
ولهما في رواية (٢) مختصرة "أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر: أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة".
وفي حديث الموطأ (٣) "أن ابن عمر كان يخرج زكاة الفطر عن غلمانه الذين بوادي القرى وبخيبر".
وله في أخرى (٤) "أنه كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر، إلا مرة واحدة، فإنه أخرج شعيراً". وله في أخرى (٥) "أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده، قبل الفطر بيومين أو ثلاثة".
وللترمذي (٦) "أن رسول الله ﷺ كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر".
ولأبي داود (٧) قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر: أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، قال: وكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين".
وله في أخرى (٨)، وللنسائي (٩)، قال: "كان الناس يخرجون صدقة الفطر على
стр. 2591
عهد رسول الله ﷺ صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو سلت، أو زبيب، فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء" قال نافع: قال عبد الله: "فعدل الناس بعد نصف صاع من بر"، قال: "وكان عبد الله يعطي التمر، فأعوز أهل المدينة التمر عاماً، فأعطى الشعير".
أقول: رأينا أن المالكية يجيزون أن تقدم صدقة الفطر حتى ما قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، وبعض الفقهاء يجيزون أداءها في كل رمضان والأمر واسع، والعبرة أن تؤدى قبل صلاة العيد، فإذا لم تؤد قبل صلاة العيد أديت بعده فإذا أخرت عن اليوم الأول فلابد من أدائها ولكن يأثم من أخرها وينقص أجره.
٣٩٧٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن ثَعْلبَةَ أو ثَعْلبَةُ بن عبد الله بن أبي صعير ﵀ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "زكاة الفطر صاع من بر، أو قمح عن كل اثنين، صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى. أما غنيكم، فيزكيه الله، وأما فقيركم: فيرد الله تعالى عليه أكثر مما أعطى" زاد في رواية (١): "غني أو فقير".
وفي رواية (٢): "قام رسول الله ﷺ خطيباً، فأمر بصدقة الفطر، صاع تمر، أو صاع شعير، عن كل رأس" زاد في رواية (٣) "أو صاع بر، أو قمح، بين اثنين- ثم اتفقا- عن الصغير والكبير، والحر والعبد".
وفي أخرى (٤): "أن رسول الله ﷺ خطب الناس قبل الفطر بيومين ... فذكر الحديث بمعناه".
стр. 2592
٣٩٧٣ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر، قال: لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر والزبيب والشعير، ولم تكن الحنطة.
٣٩٧٤ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: أخبرني رسول الله ﷺ أن أحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت في جوف الليل فجعل يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . فقال دعني: فإني محتاج فخليت سبيله. فقال رسول الله ﷺ بعد ما صلى الغداة: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة أو قال البارحة؟ قلت: يا رسول الله اشتكى حاجة فخليته وزعم أنه لا يعود. فقال: أما أنه قد كذبك، وسيعود. قال: فرصدته وعلمت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ ، قال: فجاء، فجعل يحثو من الطعام. فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فشكى حاجة فخليت عنه، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : "ما فعل أسيرك الليلة أو البارحة؟ " قلت يا رسول الله: شكى حاجة فخليته وزعم أنه لا يعود فقال: "أما أنه قد كذبك وسيعود" وعلمت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ . فجاء، فجعل يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . فقال: دعني حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن- قال وكانوا أحرص شيء على الخير- قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فإنه لن يزال معك من الله حافظ. ولا يقربك الشيطان حتى تصبح، فخليت سبيله. فقال له رسول الله: "ما فعل أسيرك يا أبا هريرة؟ فأخبره، فقال: "صدقك وإنه لكاذب، تدري من تخاطب منذ ثلاث ليال، ذاك الشيطان".
أقول: أوردنا هذا النص ها هنا مع أنه قد ورد في أمكنة أخرى لأنه يدل على أن صدقة الفطر كانت تجمع عند أبي هريرة فهذا أصل لما ندعو إليه من أن توجد مؤسسات تجمع الزكوات وصدقات الفطر والأضاحي وتنظم توزيعها على مستحقيها.
стр. 2593
٣٩٧٥ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، وأن عبد الله بن عمر كان يؤدي قبل ذلك بيوم ويومين.
стр. 2594
خاتمة
لقد نوع الله العبادات الإسلامية، فمنها العبادة الجسمية، ومنها العبادة المالية ومنها العبادة الجسمية المالية.
والعبادات كلها تسمو بالنفس وتروضها على فعل الخير وترك الشر ولا تتحقق صياغة النفس البشرية بما يحقق العبودية لله تعالى إلا إذا أدى الإنسان العبادات، فهي غذاء للإيمان وتحرير للنفس من الكفران، وشكر لله، بالطريق الذي شرعه، ولا تغني عبادة مفروضة عن عبادة مفروضة أخرى، فلكل محله في بناء صرح العبودية لله تعالى. وكل منها يكمل الآخر.
وقد مر معك في هذا الجزء ما له علاقة في عبادة الصوم والاعتكاف وصدقة الفطر. وها نحن ندلف إلى الجزء السابع من هذا القسم وهو في: عبادة الحج والعمرة والأضحية والعقيقة.
стр. 2595
الجزء السابع
في الحج والعمرة والهدي والأضاحي
وفي العتيرة والعقيقة
وفيه مقدمة وعرض إجمالي وأبواب
* المقدمة والعرض الإجمالي.