عهد رسول الله ﷺ صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو سلت، أو زبيب، فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء" قال نافع: قال عبد الله: "فعدل الناس بعد نصف صاع من بر"، قال: "وكان عبد الله يعطي التمر، فأعوز أهل المدينة التمر عاماً، فأعطى الشعير".
أقول: رأينا أن المالكية يجيزون أن تقدم صدقة الفطر حتى ما قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، وبعض الفقهاء يجيزون أداءها في كل رمضان والأمر واسع، والعبرة أن تؤدى قبل صلاة العيد، فإذا لم تؤد قبل صلاة العيد أديت بعده فإذا أخرت عن اليوم الأول فلابد من أدائها ولكن يأثم من أخرها وينقص أجره.
٣٩٧٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن ثَعْلبَةَ أو ثَعْلبَةُ بن عبد الله بن أبي صعير ﵀ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "زكاة الفطر صاع من بر، أو قمح عن كل اثنين، صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى. أما غنيكم، فيزكيه الله، وأما فقيركم: فيرد الله تعالى عليه أكثر مما أعطى" زاد في رواية (١): "غني أو فقير".
وفي رواية (٢): "قام رسول الله ﷺ خطيباً، فأمر بصدقة الفطر، صاع تمر، أو صاع شعير، عن كل رأس" زاد في رواية (٣) "أو صاع بر، أو قمح، بين اثنين- ثم اتفقا- عن الصغير والكبير، والحر والعبد".
وفي أخرى (٤): "أن رسول الله ﷺ خطب الناس قبل الفطر بيومين ... فذكر الحديث بمعناه".
стр. 2592
٣٩٧٣ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر، قال: لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر والزبيب والشعير، ولم تكن الحنطة.
٣٩٧٤ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: أخبرني رسول الله ﷺ أن أحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت في جوف الليل فجعل يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . فقال دعني: فإني محتاج فخليت سبيله. فقال رسول الله ﷺ بعد ما صلى الغداة: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة أو قال البارحة؟ قلت: يا رسول الله اشتكى حاجة فخليته وزعم أنه لا يعود. فقال: أما أنه قد كذبك، وسيعود. قال: فرصدته وعلمت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ ، قال: فجاء، فجعل يحثو من الطعام. فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فشكى حاجة فخليت عنه، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : "ما فعل أسيرك الليلة أو البارحة؟ " قلت يا رسول الله: شكى حاجة فخليته وزعم أنه لا يعود فقال: "أما أنه قد كذبك وسيعود" وعلمت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ . فجاء، فجعل يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . فقال: دعني حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن- قال وكانوا أحرص شيء على الخير- قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فإنه لن يزال معك من الله حافظ. ولا يقربك الشيطان حتى تصبح، فخليت سبيله. فقال له رسول الله: "ما فعل أسيرك يا أبا هريرة؟ فأخبره، فقال: "صدقك وإنه لكاذب، تدري من تخاطب منذ ثلاث ليال، ذاك الشيطان".
أقول: أوردنا هذا النص ها هنا مع أنه قد ورد في أمكنة أخرى لأنه يدل على أن صدقة الفطر كانت تجمع عند أبي هريرة فهذا أصل لما ندعو إليه من أن توجد مؤسسات تجمع الزكوات وصدقات الفطر والأضاحي وتنظم توزيعها على مستحقيها.
стр. 2593
٣٩٧٥ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، وأن عبد الله بن عمر كان يؤدي قبل ذلك بيوم ويومين.
стр. 2594
خاتمة
لقد نوع الله العبادات الإسلامية، فمنها العبادة الجسمية، ومنها العبادة المالية ومنها العبادة الجسمية المالية.
والعبادات كلها تسمو بالنفس وتروضها على فعل الخير وترك الشر ولا تتحقق صياغة النفس البشرية بما يحقق العبودية لله تعالى إلا إذا أدى الإنسان العبادات، فهي غذاء للإيمان وتحرير للنفس من الكفران، وشكر لله، بالطريق الذي شرعه، ولا تغني عبادة مفروضة عن عبادة مفروضة أخرى، فلكل محله في بناء صرح العبودية لله تعالى. وكل منها يكمل الآخر.
وقد مر معك في هذا الجزء ما له علاقة في عبادة الصوم والاعتكاف وصدقة الفطر. وها نحن ندلف إلى الجزء السابع من هذا القسم وهو في: عبادة الحج والعمرة والأضحية والعقيقة.
стр. 2595
الجزء السابع
في الحج والعمرة والهدي والأضاحي
وفي العتيرة والعقيقة
وفيه مقدمة وعرض إجمالي وأبواب
* المقدمة والعرض الإجمالي.
стр. 2596
مقدمة
شيء عادي أن نبدأ هذا الجزء بفضل مكة والمدينة اللتين فيهما المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ وإليهما تشد الرحال، فالكلام عنهما مرتبط ارتباطاً مباشراً بفعل الناس في الحج، ونحر الهدي يوم النحر للحاج هو في معنى الأضحية في هذا الجزء لغير الحاج، فهناك تناسب بين الهدي وبين الأضحية، ولذلك جعلنا الأضحية في هذا الجزء خاصة وإن سبب الحكم واحد، هو فداء الله لإسماعيل ﵇، والهدي مرتبط بالحج، وبين العمرة والحج صلة، بل تلازم أحياناً وفي كل الأحوال، فبينهما تشابه فناسب ذلك أن تكون هذه الأبحاث كلها في هذا الجزء:
الحج والعمرة والهدي والأضاحي، ولأن أبحاث العقيقة والعتيرة تشبه أبحاث الأضاحي من وجه فقد ألحقناه بها هنا.
وممن تحدث عن هذه المواضيع في مكان واحد صاحب نيل الأوطار فقد ذكر الحج والعمرة والهدي وأعقبها بذكر العقيقة والعتيرة، ونحن قد جعلنا هذه الأبحاث كلها في جزء.
ولا شك أن الحج والعمرة ونحر الهدي والأضاحي لله من العبادات الرئيسية بالإسلام، فالحج أحد أركان الإسلام، والعمرة عبادة حتى اعتبرها بعضهم فريضة ونحر الهدي، والأضاحي هو مظهر الشكر على ما رزقنا الله من بهيمة الأنعام ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (١).
وقد جاء جزء الحج بعد جزء الصوم، لأن الصوم هو الركن الرابع والحج هو الركن الخامس، ولأن فريضة الحج في الزمان تأتي بعد الخروج من صيام رمضان فأشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة، والصوم مران للجسد والنفس، والحج كذلك، وجاء جزء الحج قبل جزء الجهاد للتناسب بينهما فأفضل الجهاد حج مبرور، فكما أن الجهاد فيه بذل للنفس والمال في سبيل الله فالحج فيه بذل للمال وبذل للجهد في سبيل الله .
وقد أدخلنا في هذا الجزء الأبواب التالية:
الباب الأول: في الحرمين الشريفين وبعض أحكامهما وفي المساجد الثلاثة ومسجد قباء.
стр. 2597
الباب الثاني: في فضل الحج والعمرة وبعض آدابهما وأحكامهما.
الباب الثالث: في أشهر الحج وفي عشر ذي الحجة وفي يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.
الباب الرابع: في المواقيت.
الباب الخامس: في أحكام الإفراد والقران والتمتع وفسخ الحج والعمرة.
الباب السادس: في الإحصار والفوات والفدية والاشتراط.
الباب السابع: في الإحرام ولباسه وفي التلبية وما يحل للمحرم وما يحرم عليه وفي الجنايات على الإحرام والحج.
الباب الثامن: في الطواف وأنواعه.
الباب التاسع: في السعي بين الصفا والمروة.
الباب العاشر: في الوقوف بعرفة ثم بالمزدلفة والإفاضة منهما.
الباب الحادي عشر: في رمي جمرة العقبة يوم النحر وفي رمي الجمار بعد ذلك.
الباب الثاني عشر: في الحلق والتقصير للحج والعمرة وفي التحلل الأصغر والأكبر.
الباب الثالث عشر: في ترتيب أفعال يوم النحر.
الباب الرابع عشر: في المبيت بمنى أيام التشريق.
الباب الخامس عشر: في التكبير في أيام التشريق وما قبلها.
الباب السادس عشر: في خطبة ﵊ في عرفة ومنى.
الباب السابع عشر: في التحصيب.
الباب الثامن عشر: في عدد حجاته ﵊ وعمراته.
الباب التاسع عشر: في معالم من مسيره ﵊ من المدينة وإليها.
стр. 2598
الباب العشرون: في الحج عن الغير وحج الصبي والعبد والمجنون.
الباب الحادي والعشرون: في الهدي.
الباب الثاني والعشرون: في الأضاحي والعقيقة والعتيرة والفرع.
стр. 2599
عرض إجمالي
- لقد بنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود. وفي الحج والعمرة يتحقق هذا المقصد والله أدب المسلم على الذكر والشكر والعبادة وحفظ اللسان، وفي الحج والعمرة يمارس الإنسان هذا كله: بالتلبية وبالدعاء والتكبير والتسليم وضبط اللسان وتعظيم شعائر الله بما شرع الله من طواف ونحر ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١).
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (٢).
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣).
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ .....﴾ (٤).
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٥).
وللحج فوائد فردية وجماعية:
فهو يكفر للذنوب ويطهر النفس من شوائب المعاصي ويعيدها إلى الصفاء والإخلاص مما يؤدي إلى تجديد الحياة ورفع معنويات الإنسان، وتقوية الأمل وحسن الظن بالله تعالى. والحج يعود الإنسان الصبر وتحمل المتاعب ويعلم الانضباط والتزام الأوامر، فيستعذب الألم في سبيل إرضاء الله تعالى ويدفع إلى التضحية والإيثار. ويؤدي بلا شك إلى تعارف أبناء الأمة على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم وإمكان تبادل المنافع العادية فيما بينهم والمذاكرة في شؤون المسلمين العامة وتعاونهم صفاً واحداً أمام أعدائهم. ويشعر الحاج بقوة الرابطة الأخوية مع المؤمنين في جميع أنحاء الأرض ويحس الناس أنهم حقاً متساوون. ويساعد الحج على نشر الدعوة الإسلامية ودعم نشاط الدعاة في أنحاء المعمورة على النحو الذي بدأ به النبي ﷺ نشر دعوته بلقاء وفود الحجيج كل عام.
стр. 2600
- الحج لغة: القصد مطلقاً، وشرعاً: قصد الكعبة لأداء أفعال مخصوصة وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، واتفق العلماء على فرضية الحج مرة في العمر بدليل الكتاب والسنة. وأجمعوا على أنه لا يجب إلا مرة واحدة والزائد على ذل تطوع وقد يجب أكثر من مرة لعارض نذر وقد يحرم الحج بمال حرام. وذكر الشافعية والمالكية والحنفية أنه مع عصيان الحاج بمال حرام، فإنه يصح الحج فرضاً أو نفلاً، وخالف الحنابلة فلم يجيزوا ذلك.
وقد يكره الحج كالحج بلا إذن ممن يجب استئذانه.
وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: يجب الحج بعد توفر شروطه على الفور في العام الأول. وقال الشافعية: وجوب الحج على التراخي.
- شروط الحج: وشروط الحج إما عامة للرجال والنساء أو خاصة بالنساء. أما الشروط العامة فمنها ما هو شروط وجوب وصحة أداء: وهو الإسلام والعقل، ومنها ما هو شرط للوجوب والإجزاء: وهو البلوغ والحرية، ومنها ما هو شرط للوجوب فقط: وهو الاستطاعة البدنية منها والمالية والأمنية والشروط الخاصة بالنساء اثنان: أحدهما أن يكون معها زوجها أو محرم لها والثاني: أن لا تكون معتدة من طلاق أو وفاة (١).
- والأعمال الرئيسية في الحج:
إحرام، وطواف، وصلاة، وسعي بين الصفا والمروة، ووقوف بعرفات، ووقوف بالمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار، والذبح، والتحلل.
- والعمرة حج أصغر وأعمالها الرئيسية:
الإحرام والطواف والصلاة والسعي بين الصفا والمروة والتحلل من الإحرام.
وطواف العمرة واحد وهو ركن وأما الطواف في الحج فأنواع: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، وما استطاع الإنسان أن يكثر من الطواف فمشروع له أن يفعل، وعبادة الطواف حول البيت تشبه عبادة الملائكة في الطواف حول العرش.
والسعي بين الصفا والمروة واحد في العمرة، وواحد في الحج على خلاف بالنسبة للقارن
стр. 2601
هل يكفيه طواف واحد عن حجة وعمرة وسعي واحد أو لابد من طوافين وسعيين؟ والسعي بين الصفا والمروة تذكير لنا ببدء قصة البيت إذ جاء إبراهيم طاعة لله بهاجر وإسماعيل ﵈، فأسكنهما حيث لا طعام ولا ماء ولا أنيس، فكانت عاقبة التسليم والتوكل أن أصبحت حركة هاجر المتلهفة من شعائر الله إلى يوم القيامة.
والإحرام ونية الحج أو العمرة أو نيتها مع ما يستتبع ذلك من مطلوبات من تجرد من المخيط للرجال وكشف للوجه للنساء والامتناع عن محظورات الإحرام من حلق أو قص أظافر أو تطيب أو تغطية للرأس من الرجل أو تغطية للوجه من المرأة والامتناع عن الصيد والرفث، ليرى الإنسان نعمة الله عليه إذا أباح له اللباس والطيب والارتفاق والصيد والحياة الزوجية فيقوم بالشكر، وفي الأمن الذي يناله الإنسان داخل الحرم وفي إقبال الشعوب كلها على الحرم واجتماعهم والتقائهم على عبادة الله فيه ربط للشعوب كلها برابطة الإسلام، وصهر للشعوب كلها بهذا الإسلام، وفي ذلك حياة للناس جميعاً: تجديد لإسلامهم ورفع لمعنوياتهم ودمج لمقاصدهم وتحريك لعواطفهم وإلزام بعضهم ببعض ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ (١).
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٢).
- وحَجَّة رسول الله ﷺ حُجة على الناس فلقد قال ﵊: "خذوا عني مناسككم".
وحجته ﵊ معروفة محفوظة لم يُختلف فيها إلا على حيثيات بسيطة وقد مرت معنا في سيرته ﵊، ولكنه بسبب وجود نصوص كثيرة وأفعال كثيرة وأعداد غفيرة فلابد أن تكثر المسائل وأن تتعدد الأجوبة من أهل العلم، ومن ههنا كان هناك أشياء في الحج محل إجماع عند الفقهاء وهناك مسائل وقع فيها خلاف، وكلما كثر عدد الحجاج رؤيت الرحمة في اختلاف الفقهاء فرأي واحد لا يسع الحجاج في المسائل المختلف فيها ما دام الإنسان على فتوى الراسخين في العلم من أهل الفتوى فلا حرج عليه ويبقى المسلم متشوقاً لأن يقتدي برسوله ﵊ إلا من اضطرته الظروف للأخذ برخص أهل العلم.
стр. 2602
قال سفيان الثوري ﵀: "إنما العلم رخصة من ثقة وأما التشدد فيعرفه كل الناس".
- والاختلاف بين الفقهاء لا يكون في الغالب حول المشروعية وإنما حول درجة الإلزام، فهذا يقول بالإباحة وهذا يقول بالسنية أو الوجوب أو الفرضية، وقليلة هي المسائل التي يتراوح فيها الاجتهاد بين التحريم والفرضية أو الوجوب والكراهة.
ومن المعلوم أنه يجوز لمريد النسك أن يجمع بين الحج والعمرة بإحرام واحد وذلك القارن، وله أن يفرد الحج بإحرام وهو المفرد، وله أن يعتمر أولاً ثم يتحلل ثم يحج وهو المتمتع، وعلى القارن والمتمتع دم على خلاف، هل ذلك دم شكر، أم دم جزاء؟ فمن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وقد يقع الحاج في مخالفات وهي على أنواع فمنها ما لا يوجب شيئاً، ومنها ما لا يوجب دماً، ومنها ما يوجب صدقة، ومنها ما يخير المبتلى به بين الدم والصوم والصدقة.
وإذا أُحصر الحاج أو المعتمر أو حصر فحال حصره أو إحصاره دون إتمامه عمرته أو حجه فماذا عليه أن يفعل؟
وهناك حالات يفسد فيها الحج أصلاً أو يفوت فما الحكم؟
كل هذه بعض مباحث هذا الجزء وستمر معنا تفصيلاً بإذن الله تعالى.
- والمقصود الأعظم من الحج والعمرة: هو تعظيم البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١).
وإنما شرعت المناسك كلها لهذا المقصد، وقد أرى الله إبراهيم المناسك، وتوارثت العرب هذه المناسك، ولذلك فقد كانت فكرة الحج والعمرة معروفتين للعرب لكن العرب لطخت حرمة البيت بالشرك وأدخلت على العبادة ما يتنافى معها من طواف الرجال والنساء عراة إلا إذا أعطتهم قريش ما يوارون به سوءاتهم، ومن مثل إحداث التصفيق
стр. 2603
والصفير في الصلاة عند البيت.
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١) أي تصفيقاً وتصفيراً. كما أهملت قريش بعض المناسك: فكانت لا تخرج للوقوف في عرفات وجاء الإسلام تصحيحاً وتوضيحاً وزيادة خير وبر فأدخل على المناسك ما كملها.
- قلنا إن المقصود الأعظم للحج وهو تعظيم البيت، وإنما شرعت المناسك كلها لهذا ولو أننا تأملنا الأفعال الرئيسية في الحج لوجدنا ذلك.
وعندنا أن الأفعال الرئيسية هي ما اعتبره الأئمة أو بعضهم ركناً من أركان الحج أو واجباً من واجباته ومجموع ذلك في الحج:
الإحرام، والوقوف بعرفة، والوقوف بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، وذبح هدي التمتع والقران للقادر عليهما أو صيام عشرة أيام، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، وصلاة ركعتين بعده، والسعي بين الصفا والمروة، والمبيت بمنى أيام التشريق أو اثنين منهما للمتعجل، ورمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق أو في اثنين منها للمتعجل، وطواف الوداع لغير الحائض، وعدم إتيان ما يناقض الإحرام. ولو أنك تأملت لوجدت أن الإحرام من الهيئات لتعظيم البيت حتى يقرب الإنسان البيت على هيئة وعلى وضع معين، وأن الوقوف بعرفات من أجل أن يجتمع الناس كلهم في صعيد واحد؛ لينطلقوا إلى تعظيم البيت، وكذلك الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها ورمي جمرة العقبة، إعلان بالحرب لمن يصد عن البيت وذلك برجم المكان الذي وسوس فيه إبليس لأبينا إبراهيم ﵇ ليثنيه عن طاعة الله في شأن إسماعيل. والذبح تقرباً إلى الله ليفدي الإنسان نفسه فيطوف بالبيت ولا ذنب له، والحلق أو التقصير والعودة إلى اللباس والطيب من أجل أن يعظم الإنسان البيت وهو على أكمل هيئة، والسعي بين الصفا والمروة طاعة لله في دائرة البيت، ورمي الجمار بعد ذلك للتأكيد أن من تعظيمنا للبيت تأكيدنا على رمي من يصدنا عن طاعة رب البيت بعد الطواف فيه، وطواف الوداع تعظيم للبيت آخر العهد به، وصلاة ركعتين بعد
стр. 2604
كل طواف تعظيم لرب البيت وجمع بين الطواف والصلاة وهما النسكان الرئيسيان (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) (١).
وهناك وجهات نظر للأئمة في قوة الإلزام لبعض هذه الأمور، وفي بعض ما يمكن أن يترخص فيه الحاج عند الضرورة أو المشقة، وحول سنية بعض الأفعال أو عدم سنيتها، وكل ذلك سنراه تفصيلاً إن شاء الله تعالى.
- و الحج مدرسة متكاملة: فهو رمز على استسلام الإنسان لله في أعمال الحج التي ذكرنا، ورمز ارتباط الأمة بإبراهيم ﵇ وبراءته من اليهود والنصارى، ورمز للوحدة الإسلامية بعيداً عن فروق اللون والجنس واللغة، ومظهر عملي للأخوة الإسلامية والمساواة بين الكبير والصغير والعربي والأعجمي، وفيه من مشاعر العطف ومعاني الولاء لله والتجرد عن الدنيا والعزم الخالص على تجديد الصلة بالله ما فيه.
وهو مدرسة في الصبر والجهد والأخشيشان والعبودية لله والإنفاق في سبيله وتحمل الأذى والمشاق وإلجام الشهوات والنزوات.
كما يذكرنا ويربطنا بالجيل الأول الذي عاش هناك حياة الاضطهاد من أجل العقيدة، ويذكرنا بمراكز الإسلام الأولى حيث لامست الأرض أقدام إبراهيم ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه ليقوي ذلك في نفوسنا رابطنا بوطننا الروحي وقبلتنا الوحيدة ويوحد منطلقاتنا وتطلعاتنا وآمالنا (٢).
стр. 2605
الباب الأول
في الحرمين الشريفين وبعض أحكامهما
وفي المساجد الثلاثة ومسجد قباء
وفيه مقدمة وفصول
стр. 2606
مقدمة
- لمكة والمدينة حرمة خاصة فبهما الحرمان الشريفان اللذان لهما أحكام خاصة، وفي مكة والمدينة المسجدان الشريفان اللذان يأتي بعدهما في الشرف المسجد الأقصى ويأتي بعد هذه المساجد الثلاث في الفضيلة مسجد قباء، فهذه المناطق وهذه المساجد لها فضلها وحرمتها وشرفها ولها أحكامها وخصوصياتها، وفي موضوع المناسك هناك حرم وإحرام ومواقيت.
ومن أحكام الحرم المكي حرمة الصيد فيه، وحرمة قطع حشيشه وشجره إلا ما استثني، وحرمة دخوله لمن كان خارجه وليس من أهله إلا بإحرام على رأي أكثر الفقهاء، ومن أحكامه حرمة حمل السلاح فيه إلا لضرورة، وحرمة الإلحاد فيه (١) والاعتداء فيه وحرمة القتال فيه، ووجوب إعطاء الأمن لكل من دخله على خلاف في الطريقة التي يعامل بها من جنى خارجه أما الجاني فيه فلا خلاف في أنه يؤاخذ على جنايته.
وقد دعل الله بيته فيه وفرض على الخلق أن يحجوا إلى بيته ويعظموه، وجعل في زمزم بجانب البيت بركة، وجعل للصلاة في المسجد الحرام ميزة خاصة، كما جعل في الحرم بركة لأهله، تأتيهم الخيرات من كل مكان، وجعل للقائمين بحقوقه من أهله وغيرهم منافع دنيوية وأخروية.
والقول الراجح أن أفضل مكان في العالم هو مكة، والمدينة تشارك مكة في أنها حرم لا يقطع حشيشها وشجرها إلا ما استثنى ولا يجوز الصيد في حرمها، وقد جعل الله فيها بركة وفيها مسجد رسول الله ﷺ الذي له شرفه الخاص وللصلاة فيه أجر لا يزيد عليه فيه أي مسجد إلا المسجد الحرام وفيها قبر رسول الله ﷺ ومثواه وقد جعل الله في تربتها شفاء وجعل للمعتدي عليها وللمسيء فيها خزياً وندامة.
وكما أن لمسجد رسول الله ﷺ فضله وحرمته فإن لمسجد قباء في المدينة المنورة فضله وحرمته إذا كان المسجد الأقصى ثالث الحرمين في الحرمة والفضل فإن هذا كله جعلنا نعقد الفصول التالية في هذا الباب:
الفصل الأول: في فضل مكة. شرّفها الله- وفي بعض معالمها.
стр. 2607
الفصل الثاني: في فضل المدينة وبعض معالمها.
الفصل الثالث: في المساجد الثلاثة ومسجد قباء.
الفصل الرابع: في نصوص تتحدث عما يجري لمكة والمدينة.
стр. 2608
الفصل الأول
في فضل مكة- شرفها الله- وبعض معالمها
стр. 2609
- في فضل مكة وما خصها الله به:
٣٩٧٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لمكة: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك".
٣٩٧٧ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عدي بن الحمراء ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ واقفاً على الحزورة وهو يقول: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت".
٣٩٧٨ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفَّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يختلى خلاه، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم: فقال: إلا الإذخر".
стр. 2610
وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يعضد عضاهها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، ولا يختلى خلاها، قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؟ قال: إلا الإذخر". وفي أخرى (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "حرم الله مكة، فلم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمعرف، فقال العباس: إلا الإذخر، لصاغتنا وقبورنا"- وفي رواية (٣): "ولسقف بيوتنا- فقال: إلا الإذخر، فقال عكرمة: هل تدري: ما ينفر صيدها؟ هو أن تنحيه من الظل وتنزل مكانه".
٣٩٧٩ - * روى الشيخان عن أبي شريح العدوي ﵁ قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة-: "إئذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به: أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، ولا يعضد فيها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من
стр. 2611
نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ليبلغ الشاهد الغائب، فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فاراً بدم، ولا فاراً بخربة".
وأخرجه الترمذي أيضاً نحوه، وقال في آخره: "ثم إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين، إما أن يقتلوا، أو يأخذوا العقل" قال البخاري: الخربة: الجناية والبلية، وقال الترمذي: ويروى: "بخزية".
عمرو بن سعيد: كان أميراً على المدينة المنورة من قبل يزيد بن معاوية وكان يخطب على منبر المدينة ويحث الناس على قتال ابن الزبير الذي لم يبايع، وتحصن بمكة فأعترض عليه أبو شريح ﵁.
٣٩٨٠ - * روى أحمد عن ابن عباس رفعه: "نعم المقبرة هذه" قال ابن جريج: يعني مقبرة مكة.
٣٩٨١ - * روى أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه ولكن قد رضي بما تحقرون".
стр. 2612
٣٩٨٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن حبشي قال: قال رسول الله ﷺ : "من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار" يعني من سدر الحرم.
- في فضل الكعبة والحجر الأسود:
٣٩٨٣ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عمرو بن العاص قال: لما أهبط الله آدم من الجنة قال: إني مهبط معك بيتاً أو منزلاً يطاف حوله كما يطاف حول عرشي ويصلى عنده كما يصلى حول عرشي فلما كان زمن الطوفان رفع وكان الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه فبوأه لإبراهيم فبناه من خمسة أجبل حراء وثبين ولبنان وجبل الطور وجبل الخير فتمتعوا منه ما استطعتم.
٣٩٨٤ - * روى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو قال: وضع البيت قبل الأرض بألفي سنة فكان البيت زبدة بيضاء حين كان العرش على الماء وكانت الأرض تحته كأنها جفنة قد حيت منه.
٣٩٨٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن، وإنما سودته خطايا بني آدم".
وعند النسائي (١): أن النبي ﷺ قال: "الحجر الأسود من الجنة".
стр. 2613
٣٩٨٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق".
٣٩٨٧ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لهذا الحجر لساناً وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق".
٣٩٨٨ - * روى الترمذي عن ابن عمرو بن العاص رفعه: "إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب".
- في بناء المسجد الحرام:
٣٩٨٩ - * روى البخاري عن عمرو بن دينار وعبيد الله أبي يزيد (رحمهما الله) قال: "لم يكن على عهد رسول الله ﷺ للمسجد حائط، كانوا يصلون حول البيت، حتى كان عمر، فبنى حوله حائطاً، قال عبيد الله: جدره قصير فعلاه ابن الزبير".
٣٩٩٠ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: "ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة، اقتصروا عن قواعد إبراهيم، فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله "لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت"، فقال عبد الله بن عمر: "لئن كانت عائشة سمعت هذا من
стр. 2614
رسول الله ﷺ ، ما أرى أن رسول الله ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم". وفي رواية (١) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية- أو قال: بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر". وفي أخرى (٢) قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ثم لبنيتها على أساس إبراهيم، فإن قريشاً استقصرت بناءه، وجعلت له خلفاً" قال هشام: يعني باباً. وفي رواية أخرى (٣) قالت: سألت النبي ﷺ عن الجدر: أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: "إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض" وفي رواية (٤): أن الأسود بن يزيد قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك كثيراً، فما حدثتك في الكعبة؟ قلت: قالت لي: قال النبي ﷺ : "يا عائشة، لولا أن أهلك حديث عهدهم- قال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس منه، وباب يخرجون منه، ففعله ابن الزبير".
وللبخاري (٥): "أن النبي ﷺ قال لعائشة: لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم" فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه، قال يزيد- هو ابن رومان-: "وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم ﵇ حجارة كأسنمة
стр. 2615
الإبل، قال جرير بن حازم: فقلت له- يعني ليزيد بن رومان- أين موضعه؟ فقال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ها هنا، قال جرير: فحرزت من الحجر ستة أذرع أو نحوها".
ولمسلم (١) من حديث سعيد بن ميناء قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي- يعني عائشة- قالت: قال لها النبي ﷺ : "يا عائشة، لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلت لها باباً شرقياً، وباباً غربياً، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة" وله في أخرى (٢) عن عطاء بن رباح قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يجرئهم- أو يحربهم- على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا علي في الكعبة: أنقضها، ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وهي منها، وتدع بيتاً أسلم الناس عليه، وأحجاراً أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ ، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدَّهُ، فكيف ببيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثاً، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث، أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيها أمر من السماء، ثم صعد رجل، فألقى منها حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوا حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة، فستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه، قال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي ﷺ قال: "لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقوي على بنيانه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع، ولجعلت له باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرج منه"، قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى أبدى أساً، فنظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة: ثمانية عشر ذراعاً، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه، فلما قتل ابن الزبير: كتب الحجاج إلى عبد الملك
стр. 2616
ابن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس قد نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله: فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر: فرده إلى بنائه؛ وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بناته". وله في أخرى (١) من رواية عبد الله بن عبيد بن عمير، والوليد بن عطاء، عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: "وفد الحارث على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال: ما أظن أبا حبيب- (يعني ابن الزبير) - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى، أنا سمعته منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حدثان عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريباً من سبعة أذرع".
هذا حديث عبد الله بن عبيد، وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النبي ﷺ : "ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقياً وغربياً، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: قلت: لا، قال: تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه، فسقط" قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، قال: فنكت ساعة بعصاه، ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل".
وله في أخرى (٢) عن أبي قزعة أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت، إذ قال: قاتل الله ابن الزبير، حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر، فإن قومك قصروا في البناء" فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا، فقال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير.
стр. 2617
وللنسائي (١) مثل رواية البخاري، إلى قوله: "كأسنمة الإبل" وزاد: "متلاحكة".
٣٩٩١ - * روى الطبراني في الكبير عن عروة قال: لما احترقت الكعبة تثلمت فقال ابن الزبير: لو مسكن أحدكم كان هكذا ما رضي حتى يغيره، بنحو حديث عطاء. وفيه: أنه حفر حتى وقع على أساس إبراهيم فكان يدخل العتلة من جانب من جوانبها فتهتز جوانبها جميعاً وأن طولها يوم هدمها ثمانية عشر ذراعاً فقال ابن له: زد فيها تسعة. وزاد أيضاً فيها ثلاث دعائم، وأن عبد الملك كتب إلى الحجاج أن سد الباب الذي زاده ابن الزبير وتكبسها على ما كانت عليه وتطرح عنها ما زاد من الحجر ففعل وأن البناء الذي فيه اليوم بناء ابن الزبير إلا ما غيَّر الحجاج من ناحية الحجر وكبسه الذي كبسه.
стр. 2618
٣٩٩٢ - * روى الطبراني في الكبير عن أبي الطفيل إن الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم وكانت قدر ما يقتحمها العناق وغير مسقوفة وإنما تسدل عليها ثيابها سدلاً والركن الأسود موضوع على سورها وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة، وانكسرت سفينة قرب جدة فأخذ قريش خشبها وروميا ناراً كان فيها فقالوا: نبني بهذا الخشب بيت ربنا، فلما أرادوا هدمه إذا هم بحية مهيلة على سور البيت كلما دنا أحدنا ليأخذ من حجارة البيت سعت إليه فاجتمعوا عند المقام فضحوا إلى الله: أردنا تشريف بيتك وتزيينه فإن كنت ترضى بذلك وإلا فافعل ما تشاء، فإذا هم بطائر أعظم من النسر غرس مخاليبه في رأس الحية فانطلق بها نحو أجياد فهدموها وبنوها بحجارة الوادي ورفعوها في السماء عشرين ذراعاً فبينا النبي ﷺ يحمل حجارة من أجياد وضاقت عليه نمرة فذهب يضعها على عاتقه فنودي يا محمد أستر عورتك وذلك أول ما نودي قبل البعثة بخمس سنين.
- في ما يهدى إلى المسجد الحرام من مال:
٣٩٩٣ - * روى أبو داود عن شقيق أبي وائل أن شيبة بن عثمان قال له: قعد عمر ﵁ في مقعدك الذي أنت فيه، فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة، قلت: ما أنت بفاعل، قال: بلى، لأفعلن، قلت: ما أنت بفاعل قال: لم؟ قلت: لأن رسول الله ﷺ قد رأى مكانه، وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال، فلم يخرجاه، فقام فخرج".
وفي رواية (٣) البخاري قال: "جلست مع شيبة بن عثمان الحجي على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجس عمر، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيه صفراء
стр. 2619
ولا بيضاء إلا قسمته، قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، فقال: هما المران أقتدي بهما" وفي رواية (١): "إلا قسمتها بين المسلمين، فقلت: ما أنت بفاعل، قال: لم يفعله صاحباك، قال: هما المرآن يقتدى بهما".
قوله (لقد هممت أن لا أدع فيه صفراء ولا بيضاء إلا قسمته): المراد بذلك ما كان يهدى إلى الكعبة من حلي وغيرها تعظيماً فيدخر فيها، وكان النبي ﷺ يريد إنفاق هذا الكنز كما في حديث عائشة عند مسلم: (لولا أن قومك حديث عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله)، ففيه دلالة أنه لم ينفقه رعاية لقلوب قريش لا أنه وقف لا يجوز صرفه في غير الحرم، ثم تورع عمر عن إنفاقها تمسكاً بما مات عليه النبي ﷺ وصاحبه. انظر (الفتح ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧).
٣٩٩٤ - * روى الطبراني في الكبير عن جبير بن مطعم سمع النبي ﷺ يقول لعثمان بن طلحة حين دفع إليه مفتاح الكعبة: "هاؤم غيبه قال: "فلذلك تغيب المفتاح".
- في بعض معالم مكة:
٣٩٩٥ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد فقال: أي واد هذا؟ فقالوا: وادي الأزرق، فقال: كأني أنظر إلى موسى ﵇ فذكر من لونه وشعره شيئاً لم يحفظه داود- واضعاً إصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية ماراً بهذا الوادي، قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: هرشى أو لفت، فقال: كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف (خلبة) ماراً بهذا الوادي ملبياً".
стр. 2620
٣٩٩٦ - * روى أبو يعلى والطبراني في الأوسط عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "كأني أنظر إلى موسى بن عمران في هذا الوادي محرماً بين قطوانيتين".
٣٩٩٧ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بيتاً يظللك من الشمس؟ فقال: لا، إنما هو مناخ لمن سبق إليه".
- في فضل زمزم:
٣٩٩٨ - * روى الشيخان عن ابن عباس: سقيت النبي ﷺ من ماء زمزم فشرب وهو قائم. وفي رواية (١): استسقى وهو عند البيت فأتيته بدلو.
٣٩٩٩ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ "كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله".
٤٠٠٠ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رفعه: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام الطعم وشفاء السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت ثقبة بحضر موت كرجل الجراد من الهوام تصبح تتدفق وتمسي لا بلال فيها".
стр. 2621
٤٠٠١ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال: "كنا نسميها شفاعة- يعني زمزم- وكنا نجدها نعم العون على العيال".
٤٠٠٢ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رفعه: "إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم".
٤٠٠٣ - * روى ابن ماجة عن جابر رفعه "زمزم لما شرب له".
٤٠٠٤ - * روى ابن خزيمة عن جعفر، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فذكر الحديث بطوله، وقال: ثم أفاض رسول الله ﷺ إلى البيت- يعني يوم النحر- فأتى بني عبد المطلب- وهم يسقون على زمزم- فقال: "إنزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم"، فناولوه دلواً فشرب منه.
- النهي عن حمل السلاح بمكة بلا حاجة:
٤٠٠٥ - * روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: "كنت مع ابن عمر ﵄ حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه، فلزقت قدمه بالركاب، فنزلت فنزعتها، وذلك بمنى، فبلغ الحجاج، فجاء يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ فقال ابن مر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم، ولم يكن السلاح يدخل الحرم".
وفي رواية (١): عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: "دخل الحجاج على ابن
стр. 2622
عمر، وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ قال: صالح: قال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله، يعني: الحجاج".
٤٠٠٦ - * روى مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة".
٤٠٠٧ - * روى أحمد عن أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ بعثه ببراءة إلى أهل مكة "لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ مدة فأجله إلى مدته والله بريء من المشركين ورسوله". قال: فسار بها ثلاثاً ثم قال لعلي ﵇ "الحقه فرد علي أبا بكر وبلغها، قال: ففعل فلما قدم على النبي ﷺ بكى قال: يا رسول الله حدث في شيء قال: "ما حدث فيك إلا خير ولكن أمرت ألا يبلغه إلا أنا أو رجل مني".
٤٠٠٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن بن عوف ثم أردف رسول الله ﷺ بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة: فأذن معنا على يوم النحر في أهل منى ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف في البيت عريان.
أقول: يستفاد من مجموع الروايات أن أبا بكر كان أمير الحج ومكلفاً بالتبليغ ببراءة ثم جعل التبليغ ببراءة لعلي ﵁، وأما قول أبي هريرة (إنه كان في المؤذنين) أي كان هو وجماعة مع علي يساعدونه في التبليغ إذ لا يمكن أن يبلغ بمفرده. أنظر الفتح (٨ - ٣١٨).
стр. 2623
الفصل الثاني
في فضل المدينة وبعض معالمها
стр. 2624
- في فضل المدينة:
٤٠٠٩ - * روى أحمد عن أبي عبد الله القراط أنه سمع سعد بن مالك وأبا هريرة يقولان: قال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لأهل المدينة في مدينتهم وبارك لهم في صاعهم وبارك لهم في مدهم، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك وإني عبدك ورسولك وإن إبراهيم سألك لأهل مكة، وإني أسألك لأهل المدينة كما سألك إبراهيم لمكة ومثله معه، إن المدينة مشبكة بالملائكة، على كل نقب منها ملكان يحرسانها، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، من أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء.
٤٠١٠ - * روى الشيخان عن عبد الله بن زيد المازبي ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لها- وفي رواية ودعا لأهلها- وإني حرمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة".
٤٠١١ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها".
٤٠١٢ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "خرجنا مع
стр. 2625
رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بحرة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : ائتوني بوضوء، فتوضأ ثم قام، فاستقبل القبلة، فقال: اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك، ودعا لأهل مكة، وأنا عبدك ورسولك، أدعوك لأهل المدينة: أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثلي ما باركت لأهل مكة، مع البركة بركتين".
٤٠١٣ - * روى الشيخان عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة".
وفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم".
٤٠١٤ - * روى مالك في الموطأ عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤوا به إلى النبي ﷺ فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه، قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر".
وفي رواية (٢) أن رسول الله ﷺ "كان يؤتى بأول الثمر، فيقول: اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدنا، وفي صاعنا، بركة مع بركة، ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان".
стр. 2626
٤٠١٥ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقب منها ملك، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون".
٤٠١٦ - * روى أحمد عن سعد- يعني ابن أبي وقاص- قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل سبع تمرات عجوة ما بين لابتي المدينة على الريق لا يضره يومه ذلك حتى يمسي" قال فليح: وأظنه قال: وإن أكلها حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح، قال عمر- يعني ابن عبد العزيز- انظر يا عامر ما تحدث به عن رسول الله ﷺ قال: أشهد ما كذبت على سعد ولا كذب سعد على رسول الله ﷺ .
٤٠١٧ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله سمى المدينة طابة".
٤٠١٨ - * روى مالك في الموطأ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد".
стр. 2627
٤٠١٩ - * روى مالك في الموطأ عن جابر ﵁ قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محموماً- وفي رواية (١): فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة- فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى فخرج الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ : إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصع طيبها".
٤٠٢٠ - * روى مسلم عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنها طيبة- يعني المدينة- وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة".
٤٠٢١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر، فنظر إلى جدرات المدينة، أوضع راحلته، وإن كان على دابة حركها من حبها".
стр. 2628
وفي رواية (١): "دوحات المدينة".
- حرمة المدينة:
٤٠٢٢ - * روى مسلم عن عتبة بن مسلم ﵀ قال: قال نافع بن جبير: إن مروان بن الحكم خطب الناس، فذكر مكة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج، فقال: "مالي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها، وقد حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها وذلك عندنا في أديم خولاني، إ، شئت أقرأتكه؟ فسكت مروان، ثم قال: قد سمعت بعض ذلك" وفي رواية (٢) عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها يريد المدينة".
٤٠٢٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن الحارث بن نافع الجهني أنه سأل جابر بن عبد الله فقال: لنا غنيم وغلمان ونحن وهم بثرير وهم يخبطون على غنمهم هذه الثمرة يعني الحبلة، قال خارجة: وهي ثمر السمر فقال جابر: لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله ﷺ ولكن هشواً هشاً ثم قال جابر: إن كان رسول الله ﷺ ليمنع أن يقطع المسد، قال خارجة: والمسد مرود البكرة.
стр. 2629
٤٠٢٤ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبي حرم وحرمي المدينة اللهم إني أحرمها بحرمك أن لا يأوى منها محدث ولا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولا تؤخذ لقطتها إلا لمنشدها".
٤٠٢٥ - * روى الطبراني في الكبير عن يحيى بن عمارة عن جده أبي حسن المازني قال: "دخلت الأسواف فأثرت قال القواريري مرة فأخذت دبسيين وأمهما ترشرش عليهما وأنا أريد أن آخذهما، قال: فدخل علي أبو حسن فأخذ متيخة فضربني بها، فقالت امرأة منا يقال لها مريم: لقد تعست من عضده من تكسير المتيخة قال: وقال لي: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ حرم ما بين لابتي المدينة".
٤٠٢٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن سلام قال: "ما بين كذا وأحد حرام حرمه رسول الله ﷺ ما كنت لأقطع به شجرة ولا أقتل به طائراً".
٤٠٢٧ - * روى مالك في الموطأ عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه "وجد غلماناً قد ألجؤوا ثعلباً إلى زاوية، فطردهم عنه، قال مالك: لا أعلم إلا أنه قال: أفي حرم رسول الله ﷺ يصنع هذا؟ "
٤٠٢٨ - * روى الشيخان عن أبي هريرة قال: "حرم رسول الله ﵌ ما بين لابتي المدينة وجعل أثني عشر ميلاً حول المدينة حمى".
стр. 2630
٤٠٢٩ - * روى مالك في الموطأ عن أبي هريرة ﵁ قال: "لورأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال رسول الله ﷺ : "ما بين لابتيها حرام".
وفي رواية (١): قال: "حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة" قال أبو هريرة: "فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، قال: وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى".
٤٠٣٠ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إني حرمت ما بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم مكة" ثم قال الراوي: كان أبو سعيد يأخذ- أو قال: يجد- أحدنا في يده الطير، فيفكه من يده، ثم يرسله.
٤٠٣١ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم أن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ أخبره "أنه زار عبد الله بن عياش المخزومي، فرأى عنده نبيذاً وهو بطريق مكة. فقال له أسلم: إن هذا لشراب يحبه عمر بن الخطاب، فحمل عبد الله بن عياش قدحاً عظيماً، فجاء به إلى عمر بن الخطاب، فوضعه في يده، فقربه عمر إلى فيه، ثم رفع رأسه، فقال عمر: إن هذا لشراب طيب فشرب منه، ثم ناوله رجلاً عن يمينه، فلما أدبر عبد الله بن عياش ناداه عمر بن الخطاب، فقال: أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ قال عبد الله: فقلت: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله ولا في بيته شيئاً، ثم قال عمر: أنت القائل لمكة خير من المدينة؟ فقلت: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله ولا في بيته شيئاً، ثم انصرف".