٤١٠٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً، أو ليثنينهما".
أقول: في النص دلالة أن عيسى بن مريم ﵇ سيحج البيت بعد نزوله من السماء.
стр. 2662
مسائل وفوائد
أجاز أبو حنيفة للكافر دخول المساجد كلها، حتى المسجد الحرام من غير إذن ولو لغير حاجة، وأجاز المالكية لغير المسلم دخول الحرم المكي، دون البيت الحرام بإذن أو بأمان، ولا يجوز عندهم مطلقاً دخول الكافر مسجداً إلا بإذن، وقال الشافعية والحنابلة: يمنع غير المسلم من دخول حرم مكة، ويجوز عندهم للكافر، لحاجة دخول المساجد الأخرى غير المسجد الحرام بإذن المسلمين.
- حد الحرم المكي: من طريق المدينة على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن على سبعة أميال، ومن طريق العراق على تسعة أميال، ومن الطائف وبطن نمرة على طريق عرفات على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال، ومن جدة على عشرة أميال، ومن بطن عرفة أحد عشر ميلاً. وهذه الحدود ليست هي المواقيت.
- استحب الشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة المجاورة بمكة، أو المدينة لمن لم يخف الوقوع بمحظور، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى كراهتها، خوفاً من التقصير في حرمتها.
- يستحب لمن دخل مكة الدعاء، والاغتسال وأن يدخل مكة من ثنية كداء.
- وينبغي على قول الجمهور، لمن يأتي من غير الحرم، أن لا يدخل مكة إلا محرماً بحج أو عمرة.
- يحرم صيد الحرم بالإجماع على الحلال والمحرم، إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً. ويحرم قطع شجر الحرم، ونباته الرطب الذي ينبت بنفسه.
- تغلظ الدية على القاتل، الذي قتل في حرم مكة، وإن كان القتل خطأ، سواء أكان القاتل والمقتول معاً في الحرم، أو أحدهما فيه، والآخر من خارجه.
- يستحب لمن دخل الحرم زيارة أهم المعالم التاريخية بمكة، كقبر إسماعيل ﵇، وغار ثور، وغار حراء، وزيارة قبور من كان بمكة، والمدينة من الصحابة والتابعين والأئمة.
وجبل حراء أو جبل النور: يقع في شمال مكة على بعد خمسة كيلو مترات، وعلى يسار
стр. 2663
الذاهب إلى عرفات، وفيه ابتداء نزول الوحي على النبي ﷺ ، بأول سورة العلق. وغار ثور: يقع جنوبي مكة على بعد ستة أميال منها، وهي ملجأ النبي ﷺ وصاحبه أثناء الهجرة، لمدة ثلاثة أيام. ومنى: قرية تقع على مسافة سبعة كيلو مترات من مكة، فيها الجمرات الثلاث الصغرى والوسطى والكبرى، وفيها مسجد الكبش، ومسجد البيعة، ومسجد الحيف الكبير.
وعرفات: جبل، يقع على مسافة خمس وعشرين كيلو متراً في الجنوب الشرقي من مكة، وفي شماله يقع جبل الرحمة.
- حد حرم المدينة جنوباً، وشمالاً بريد في بريد، ما بين عائر إلى ثور، وشرقاً وغرباً بريد في بريد، ما بين لابتي المدينة، والبريد: أربعة فراسخ: والفرسخ ثلاثة أميال، والميل: كان يساوي حوالي ٢ كم، أي أن البريد يساوي ٢٤ كم.
- يحرم صيد المدينة وشجرها على الحلال والمحرم، كمكة عند الجمهور.
- ويستحب زيارة المسجد النبوي الشريف وزيارة قبر الرسول ﷺ وصاحبيه.
ويستحب للزائر أن ينوي مع زيارته ﷺ ، التقرب إلى الله تعالى وأن يكثر من الصلاة والتسليم على النبي ﷺ في طريقه، وأن يغتسل قبل دخول المدينة، ثم يقصد المسجد فيصلي تحية المسجد في الروضة الشريفة، ثم يأتي القبر الكريم، ثم يسلم على رسول الله ﷺ وصاحبيه، ولا يرفع صوته، ولا يجوز أن يطاف بقبر النبي ﷺ ، ويكره مسحه باليد وتقبيله.
- يسن لزائر المدينة أن يأتي المشاهد بها، وهي نحو ثلاثين موضعاً منها: مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس في المدينة، ومسجد المصلى، الذي كان يصلي فيه الرسول ﷺ صلاة العيدين، ومسجد الفتح، ومسجد القبلتين، والبقيع ودار أبي أيوب الأنصاري، ودار عثمان بن عفان.
وتزار قرية بدر، وجبل ثور، وأحد، وهو على بعد أربعة كيلو مترات شمال المدينة، وفي سفحة قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁، وعلى مقربة منه مقابر الصحابة الذين أستشهدوا في غزوة أحد ﵃.
стр. 2664
- الناس بالنسبة للإحرام ثلاثة أقسام:
١ - آفاقي وهو من كان خارج دائرة المواقيت فيحرم منها.
٢ - من سكان الحل، وهي المنطقة بين دائرة المواقيت، وحدود الحرم، فهؤلاء يحرمون في الحل، أي خارج حدود الحرم.
٣ - من سكان منطقة الحرم المكي، فهؤلاء يحرمون في الحج من داخل الحرم، وفي العمرة من الحل.
- بنيت الكعبة المشرفة خمس مرات: بناء الملائكة أو آدم، وبناء إبراهيم على القواعد الأولى، وبناء قريش في الجاهلية بحضور الرسول ﷺ قبل البعثة، وقد ضاقت بهم النفقة عن إتمامه على قواعد إسماعيل ﵇، فأخرجوا منها الحجر، ثم بناء ابن الزبير حين أحترقت، فأدخل فيها الحجر كما كانت على قواعد إسماعيل، ثم بناء الحجاج بن يوسف، حيث أعادها كما كانت قبل بناء ابن الزبير، وهذا البناء هو الموجود اليوم.
أما المسجد النبوي، فقد بناه الرسول ﷺ وصحابته الكرام في مبدأ الهجرة.
وقد تم توسيع الحرم في عهد عمر، ثم عثمان، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المهدي ثم في عهد العثمانين، ثم جاءت التوسيعات السعودية.
[انظر فيما مضى (المجموع ٧/ ٤٤٠) (إعلام الساجد بأحكام المساجد لزركشي ص ٦٣ فما بعدها)، (فتح القدير ٢/ ٣٣٥)، (الفقه الإسلامي ٣/ ٣١٨ فما بعدها)].
- فيما يلي بعض المسافات والمساحات منقولة من كتاب (أحكام الحج والعمرة) للشيخ أحمد البيانوني ﵀:
стр. 2665
المسافات بالأمتار
ارتفاع الكعبة المعظمة ... ١٥ م
طول ضلعها الشمالي والجنوبي ... ١٠.١ م
طول ضلعها الشرقي والغربي ... ١٢ م
ارتفاع بابها من الأرض ... ٢ م
من الصفا إلى المروة ... ٣٧٤ م
ما بين الميلين الأخضرين ... ٧٠ م
من المسجد الحرام إلى المعلى ... ١٠٠٠ م
من جمرة العقبة إلى الوسطى ... ١٥٦ م
من الجمرة الوسطى إلى الصغرى ... ١١٦ م
من جمرة العقبة إلى الصغرى ... ٢٨٢ م
المساحة بالأمتار المربعة
مساحة المسجد النبوي الذي بناه الرسول ﷺ ٢٤٧٥
مساحة زيادة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ... ١١٠٠
مساحة زيادة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ... ٤٩٦
مساحة زيادة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ﵀ ... ٢٣٦٩
مساحة زيادة الخليفة العباسي المهدي ﵀ ... ٢٤٥٠
مساحة زيادة الملك الأشرف قايتباي ﵀ ... ١٢٠
مساحة زيادة السلطان عبد المجيد العثماني رحمه الله
стр. 2666
مساحة التوسعة السعودية ... ٦٠٢٤
المساحة الكلية للمسجد النبوي ... ١٦٣٢٧
المسافات البرية بالكيلومتر
من جدة إلى مكة المكرمة ... ٧٣ كم
من جدة إلى المدينة المنورة ... ٣٧٨ كم
من جدة إلى الطائف ... ١٧٥ كم
من جدة إلى ينبع ... ٣٣٥ كم
من جدة إلى المطار ... ٥ كم
من جدة إلى وادي فاطمة ... ٨٥ كم
من جدة إلى الحديبية ... ٤٨ كم
من مكة إلى عرفات ... ٢٥ كم
من مكة إلى الطائف ... ١٣٥ كم
من المدينة إلى ينبع ... ٢١٢ كم
من المدينة إلى المطار ... ١٤ كم
- وفيما يلي مخططات لمنطقة المواقيت والحل والحرم، ومن كتاب فقه العبادات على مذهب الإمام مالك بن أنس للشيخ محمد بشير الشقفة حفظه الله.
стр. 2667
ذو الحليفة: ميقات أهل المدينة. الجحفة: ميقات أهل الشام. ذات عرق: ميقات أهل العراق. قرن المنازل: ميقات أهل نجد. يلملم: ميقات أهل اليمن وكل من مر بأحد هذه المواقيت ولم يكن من أهله يجب عليه أن يحرم منه وتعتبر جدة من منطقة الحل لتنصيص الفقهاء على ذلك.
стр. 2668
الباب الثاني
في فضل الحج والعمرة وبعض آدابهما وأحكامهما
وفيه عرض إجمالي ونصوص ومسائل وفوائد
стр. 2669
عرض إجمالي
- الحج:
- أجمع المسلمون على فرضية الحج للمستطيع، وقد اختلفوا في تعريف الاستطاعة، وأجمع المسلمون على مشروعية العمرة، واختلفوا هل هي فرضية أو واجبة أو سنة؟ واختلفوا هل تكرر في العام؟ واتفقوا على أنه يجوز القران بين الحج والعمرة، كما يجوز التمتع بين العمرة والحج في أشهر الحج، واتفقوا على جواز العمرة وندبها بعد أيام التشريق، واختلفوا في مشروعيتها أيام التشريق.
واختلفوا هل يجب الحج على الفور، أو أنه على التراخي؟ واختلفوا في مشروعية السفر للمرأة إلى الحج إذا لم تجد محرماً، أو زوجاً، وإذا وجدت فهل يجب عليها نفقته إذا لم يكن مريداً للحج في الأصل؟
- و شروط وجوب الحج: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة وأمن الطريق، والمحرم أو الزوج للمرأة.
- أركان الحج عند الحنفية: الإحرام، والوقوف بعرفة، ومعظم طواف الإفاضة. وأما النية فشرط، ولابد من الترتيب بين هذه الفرائض. و واجبات الحج خمسة: السعي، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمال والحلق، أو التقصير وطواف الصدر.
- و سنن الحج: غسل الإحرام، والتطيب له والنطق بما نوى، والتلبية، ودخول مكة ليلاً أو نهاراً، والابتداء بطواف القدوم لغير المكي من الحجر الأسود، واستلام الحجر في كل شرط، والمبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة، ورمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر.
- وقال المالكية: أركان الحج أربعة: الإحرام، والسعي، والحضور بعرفة ليلة النحر، وطواف الإفاضة. وواجبات الإحرام: التجرد من المخيط، وكشف الرأس للذكر، والتلبية ووصلها بالإحرام.
- وقال الشافعية: أركان الحج خمسة: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي والحلق أو التقصير.
- وواجبات الحج خمسة: الإحرام من الميقات الزماني والمكاني، والرمي والمبيت
стр. 2670
بمزدلفة، والمبيت بمنى، وطواف الوداع.
و سنن الحج العامة: الإفراد والتلبية، وطواف القدوم، وركعتا الطواف، وإلقاء الإمام أربع خطب: خطبة يوم السابع من ذي الحجة ظهراً، وخطبة يوم عرفة، وخطبة يوم النحر، وخطبة في اليوم الثاني من أيام التشريق، والأغسال المسنونة وشرب ماء زمزم.
- وقال الحنابلة: أركان الحج أربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف والسعي. وواجبات الحج سبعة: إحرام من الميقات، ووقوف بعرفة نهاراً للغروب، ومبيت بمزدلفة، ومبيت بمنى، ورمي الجمرات مرتباً، وحلق أو تقصير، وطواف وداع.
- و مكان الإحرام: الميقات. وزمانه: هو وقت الحج والعمرة، وإذا أراد الشخص الإحرام يغتسل تنظيفاً، أو يتوضأ ويتجرد الذكر من المخيط، ويلبس إزاراً ورداء جديدين، ثم مغسولين، والمرأة إحرامها في وجهها، ويتطيب في بدنه قبل الإحرام عند الجمهور ويصلي ركعتين الإحرام ويلبي. ويقطع التلبية عند الجمهور- غير المالكية- عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة بأول حصاة يرميها.
ويحرم الشخص بأحد أنواع ثلاثة: الإفراد، والتمتع، والقران.
- وأجاز جمهور الفقهاء إدخال الحج على العمرة، بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة، ويكون قارناً بلا خلاف. ولا يجوز إدخال العمرة على الحج، ولا يصير قارناً عند الجمهور، وقال الحنفية: يصير قارناً ويعتبر مسيئاً.
- واتفق العلماء على واجبين من واجبات الحج وهما: الوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، واختلفوا في الباقي. فزاد الحنفية: السعي والحلق، أو التقصير وطواف الوداع. وزاد المالكية: طواف القدوم، والحلق أو التقصير، والمبيت بمنى. وزاد الشافعية: الإحرام من الميقات الزماني والمكاني، والمبيت بمنى وطواف الوداع. بينما زاد الحنابلة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة نهاراً، والمبيت بمنى، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع، والوقوف بالمزدلفة واجب باتفاق المذاهب. وأما إتيان المشعر الحرام فهو سنة. ورأي الجمهور- غير الحنفية- أن زمان الوقوف بالمزدلفة هو الليل. وترك الوقوف يوجب الدم.
стр. 2671
- ورمي الجمار واجب اتفاقاً، وتجوز الإنابة في الرمي، لمن عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس أو كبر سن أو حمل المرأة، ويدخل وقت رمي جمرة العقبة من نصف ليلة النحر عند الشافعية والحنابلة. وبعد طلوع الشمس يوم العيد عند المالكية والحنفية. ورمي الجمرات الثلاث أيام التشريق بعد زوال الشمس كل يوم بالاتفاق.
ويشترط للرمي: أن يكون بيد، ويكون المرمي حجراً عند الجمهور، وأن يكون كحصى الخزف عند المالكية، وأن يسمى الفعل رمياً، وأن يقع الحصى في المرمى، وأن يرمي السبع، واحدة واحدة وترتيب الجمرات، وتؤخذ حصى الجمار من مزدلفة، أو من أي مكان غير نجس، وإن تأخر الرمي عن وقته أو فات، وجب الدم.
- والمبيت بمنى ليلتي التشريق واجب عند الجمهور- غير الحنفية-. أما المبيت فيها ليلة الثامن من ذي الحجة فهو سنة.
والحلق أو التقصير نسك واجب عند الجمهور- غير الشافعية-، ومقدار الواجب: أخذ قدر الأنملة من شعر الرأس والحلق أفضل، والأصلع الذي لا شعر له يستحب إمرار الموسى على رأسه عند الجمهور، ويجب عند الحنفية.
وحكم الحلق أو التقصير: صيرورة المحرم حلالاً فيحل له كل شيء، إلا النساء عند الحنفية، وعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة، والصيد والطيب عند المالكية.
- ومن سنن الحج: الغسل والتطيب، للإحرام وركعتا الإحرام والتلبية بعينها عقب الإحرام، ولابد من ذكر بعد الإحرام وطواف القدوم عند الجمهور، والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة، والتحصيب، وخطب الحج ثلاثة.
- التحلل من الحج: وللحج تحللين: أصغر وأكبر. أما الأول: فيحصل بفعل اثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة، والحلق وطواف الإفاضة، وأما الثاني: فيحصل بفعل الشيء الثالث من الأشياء السابقة.
- والمبيت بمنى في فعل رسول الله ﷺ يكون قبل الخروج لعرفات وبعده، ما قبله: سنة، وما بعده: فيه خلاف، هل هو، واجب أو سنة؟ وفي كل الأحوال هو مظهر من مظاهر التنظيم والترتيب والرفق بالأمة، فلولا الخروج إلى منى قبل عرفات لحدث ضغط
стр. 2672
شديد على مكة وأهلها، وكذلك الأمر بعد عرفات ورمي الجمار إعلان حرب مستمرة على الشيطان الذي يحاول أن يمنعنا من تنفيذ أوامر الله، كما حاول أن يمنع أبانا إبراهيم عن القيام بأمر الله في ذبح إسماعيل، فعندما نرمي فكأننا نقول بلسان الحال إننا سننفذ أمر الله مهما عظم رغماً عن أنف الشيطان.
- والوقوف بعرفات ثم بالمزدلفة تطهير للنفس قبل طواف الإفاضة، الذي هو طواف الركن، ثم هو تنظيم للانطلاق الموحد نحو البيت، وتنظيم للتجمع الذي يسبق مراغمة الشيطان بالرمي وتعظيم البيت بالطواف، والذبح تقديم شكر لله على أن أباح لنا بهيمة الأنعام وضيافة لأهل الحرم وقاصديه وزواره. والتحلل من الإحرام بالحلق قبل الطواف، والعودة إلى لبس المخيط قبل الطواف بالبيت والتطيب الذي يرافق ذلك تعظيم للبيت، إذ نطوف به طواف الركن ونحن على أحسن حال، من أجل إقامة شعائر ومشاعر.
- و العمرة: لغة: الزيارة. وشرعاً: قصد الكعبة للنسك وهو الطواف والسعي، وهي سنة مؤكدة مرة واحدة في العمر عند الحنفية والمالكية، وفرض على التراخي عند الشافعية والحنابلة، وشروط العمرة هي شروط الحج واتفق العلماء على أن العمرة تجوز في أي وقت من أوقات السنة، إلا أنها تكره عند الحنفية في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق الثلاثة كراهة تحريم، ولا يكره عند الجمهور تكرار العمرة في السنة الواحدة.
وأما ميقات العمرة، فمن كان مقيماً بمكة فميقاته من أدنى الحل ولو بأقل من خطوة من أي جانب شاء وأما أهل الحل والآفاق فميقاتهم للعمرة هو ميقاتهم للحج.
- و أركان العمرة: أربعة عند الشافعية: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير، وأركانها عند المالكية والحنابلة: ثلاثة فهم لم يعتبروا الحلق أو التقصير ركناً، أما عند الحنفية فاللعمرة ركن واحد هو الطواف.
- واجبات العمرة: واجب العمرة عند المالكية: الحلق أو التقصير وزاد الحنابلة واجباً: الإحرام من الحل، بينما زاد الحنفية: السعي.
стр. 2673
- وتفسد العمرة بالجماع قبل أن يطوف أربعة أشواط عند الحنفية، وقبل تمام السعي عند المالكية، وقبل التحلل عند الشافعية.
[انظر فيما مضى: (الاختيار ١/ ١٣٩ فيما بعد) و (الهدية العلائية ص ٢٥١ فما بعد) و (كفاية الاختيار ١/ ١٣٤ فما بعد) و (الشرح الصغير ٢/ ١٦ فما بعد) و (الفقه الإسلامي ٣/ ٨٨ فما بعد)].
стр. 2674
النصوص
- في فضل الحج:
- الحج المبرور أفضل الجهاد:
٤١٠٨ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قلت "يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ قال: "لكن أفضل الجهاد وأجمله: حج مبرور، ثم لزوم الحصر، قالت: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ ".
وفي رواية (١) قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نخرج فنجاهد معك؟ وإني لا أرى عملاً في القرآن أفضل من الجهاد، قال: "لا، ولكن أحسن الجهاد وأجمله: حج البيت، حج مبرور".
أقول: إن النص يحتمل أن أفضل شيء للمرأة- وهو جهاد-: أن تحج وأن تلازم بيتها.
٤١٠٩ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة".
٤١١٠ - * روى الطبراني في الكبير والأوسط عن الحسين بن علي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني جبان وإني ضعيف فقال: "إلى جهاد لا شوكة فيه الحج".
أقول: عندما يكون الجهاد فرض كفاية فالحج يسع أمثال السائل من حيث الأجر أما عندما يكون الجهاد فرض عين فلا ينوب شيء عنه.
стр. 2675
٤١١١ - * روى ابن خزيمة عن عائشة أم المؤمنين: قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: "عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة".
- الحج والعمرة ينفيان الذنوب والفقر:
٤١١٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والفقر، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة، وما من مؤمن يظل يومه محرماً إلا غابت الشمس بذنوبه".
٤١١٣ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد".
- فضل التلبية:
٤١١٤ - * روى الترمذي عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلم يلبي، إلا لبى ما على يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا".
٤١١٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر، قيل: يا رسول الله بالجنة؟ قال: نعم".
стр. 2676
- الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة:
٤١١٦ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرةُ إلى العمرةِ، كفارة لما بينهما، والحج المبرور: ليس له جزاء إلا الجنة".
وفي رواية (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج لله فلم يرث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه".
٤١١٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. قيل: وما بره؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام".
٤١١٨ - * روى أبو داود عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة" شك الراوي، أيتهما قال.
- فضل العمرة في رمضان:
٤١١٩ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان: "ما منعك أن تكوني حججت معنا" قالت:
стр. 2677
ناضحان كانا لأبي فلان- زوجها- حج هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي أرضاً لنا، قال: فعمرة في رمضان تقضي حجة، أو حجة معي".
وفي رواية (١): "فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة"، وفي رواية النسائي (٢) قال: قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار: "إذا كان رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة".
٤١٢٠ - * روى البخاري تعليقاً عن جابر ﵁ قال: لما رجع النبي ﷺ من حجته، قال لأم سنان الأنصارية: "ما منعك من الحج" قالت: ليس لنا إلا ناضحان، أبو فلان- تعني زوجها- حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضاً لنا، قال: فإن عمرة في رمضان تقضي حجة، أو حجة معي".
٤١٢١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "إنه حين أراد رسول الله ﷺ الحج قالت امرأة لزوجها: أحجني مع رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندي ما أحجك عليه، فقالت: أحجني على جملك فلان، قال: ذاك حبيس في سبيل الله، قالت: فائت رسول الله ﷺ ، فسله، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك، فقلت: ما عندي ما أحجك عليه،
стр. 2678
قالت: أحجني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله، قال: وإنها أمرتني أن أسألك: ما يعدل حجة معك؟ فقال رسول الله ﷺ : أقرأها مني السلام ورحمة الله، وأخبرها أنها تعدل حجة معي: عمرة في رمضان".
٤١٢٢ - * روى مالك في الموطأ عن أبي بكر بن عبد الرحمن ﵀ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إني كنت قد تجهزت للحج، فاعترض لي، فقال لها رسول الله ﷺ : "اعتمري في رمضان، فإن عمرة فيه كحجة".
وأخرجه أبو داود (١) عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: أخبرني رسول مروان الذي أرسل إلى أم معقل، قال: جاء أبو معقل حاجاً مع النبي ﷺ فلما قدم قالت أم معقل: قد علمت أن علي حجة، فانطلقا يمشيان، حتى دخلا عليه، قال: فقالت: يا رسول الله، إن علي حجة، وإن لأبي معقل بكراً، قال أبو معقل: صدقت، جعلته في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ : أعطها فلتحج عليه، فإنه في سبيل الله، فأعطاها البكر، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة قد كبرت وسقمت، فهل من عمل يجزئ عني من حجتي؟ فقال: "عمرة في رمضان تجزئ حجة".
أقول: العمرة في رمضان تعدل من حيث الأجر الحج مع رسول الله ﷺ ولكنها لا تجزئ عن الحج المفروض أو الحج المنذور.
- الحاج والمعتمر والغازي: وفود الله:
٤١٢٣ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر".
٤١٢٤ - * روى البزار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الحجاج والعمار وفد
стр. 2679
الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم".
- أفضل الحج:
٤١٢٥ - * روى الترمذي عن أبي بكر الصديق ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل: أي الحج أفضل؟ قال: "العج والثج".
٤١٢٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : "من الحاج؟ قال: الشعث التفل، قال: وأي الحج أفضل؟ قال: العج والثج، قال: وما السبيل؟ قال: الزاد والرحلة".
٤١٢٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة".
- الحج يهدم ما كان قبله:
٤١٢٨ - * روى البزار عن أبي هريرة رفعه: "يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج".
стр. 2680
٤١٢٩ - * روى ابن خزيمة عن ابن شماسة، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلاً، وقال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله أبسط يمينك لأبايعك فبسط يده، فقبضت يدي فقال: "مالك يا عمرو" قال: أردت أن أشترط. قال: "تشترط ماذا"؟ قال: أن يغفر لي. قال: "أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله".
- فضل الوفود على الله في كل خمسة أعوام:
٤١٣٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقول: إن عبداً أصححت له بدنه وأوسعت عليه في الرزق لم يغد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم".
- أفضل الأعمال التي أمرنا بها:
٤١٣١ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: "أمرتم بإقامة أربع: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، والحج الحج الأكبر والعمرة الحج الأصغر".
٤١٣٢ - * روى أحمد عن عمرو بن عبسة قال: قال رجل: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة، قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد،
стр. 2681
قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقتهم، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده، وأهريق دمه. قال رسول الله ﷺ : ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلها: حجة مبرورة أو عمرة".
- فضل أعمال الحج:
٤١٣٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبادة بن الصامت قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ فتخطى إليه رجلان: رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسبق الأنصاري الثقفي فقال رسول الله ﷺ للثقفي: إن الأنصاري قد سبقك بالمسألة، فقال الأنصاري: لعله يا رسول الله أن يكون! عجل مني فهو في حل قال: فسأل الثقفي عن الصلاة فأخبره ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري إن شئت خبرتك بما جئت تسأل عنه، فإن شئت تسألني فأخبرك؟ فقال يا رسول الله تخبرني قال: جئت تسألني: مالك من الأجر إذا أممت البيت العتيق، ومالك من الأجر في وقوفك في عرفة، ومالك من الأجر في حلق رأسك، ومالك من الأجر إذا ودعت البيت، فقال الأنصاري: والذي بعثنك بالحق ما جئت أسألك عن غيره، قال: فإن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق أن لا ترفع قدماً أتضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة ورفعت لك درجة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله يقول لملائكته يا ملائكتي! ما جاء بعبادي؟ قالوا: جاءوا يلتمسون رضوانك والجنة، فيقول الله : فأني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم عدد أيام الدهر وعدد رمل عالج. وأما رميك الجمار: قال الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وأما حلقك رأسك فإنه ليس من شعرك من شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نوراً يوم القيامة، وأما البيت إذا ودعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك".
٤١٣٤ - * روى البزار عن ابن عمر قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ في مسجد منى،
стр. 2682
فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسألك فقال: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت وإن شئتما أن أمسك فعلت؟ فقالا: أخبرنا يا رسول الله، فقال الثقفي للأنصاري: سل، فقال أخبرني يا رسول الله، فقال: "جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام ومالك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف ومالك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة ومالك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة ومالك فيه، وعن رميك الجمار ومالك فيه، وعن حلقك رأسك ومالك فيه، وعن طوافك بالبيت بعد ذلك ومالك فيه مع الإفاضة، فقال: والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك قال: فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفاً ولا ترفعه إلا كتب الله ل كبه حسنة ومحا عنك خطيئة، وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل، وأما طوافك بالصفا والمروة بعد ذلك كعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله ﵎ يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاؤوني شعثاً من كل فج عميق يرجون جنتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمدخور لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة وتمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول اعمل فيما يستقبل فقد غفر لك ما مضى".
- في فرضية الحج:
٤١٣٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس، قد فرض عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، ثم قال: ذروني ما تركتكم، ولو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم، وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم
стр. 2683
على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
٤١٣٦ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) قالوا يا رسول الله، كل عام؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢).
٤١٣٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄: "أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله ﷺ ، فقال: الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة، فمن زاد فتطوع".
وفي رواية النسائي (٣): أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب عليكم الحج، فقال الأقرع بن حابس التميمي: كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ثم إذا لا تسمعون، ولا تطيعون، ولكنه حجة واحدة".
٤١٣٨ - * روى أبو داود عن أبي وافذ الليثي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأزواجه في حجة الوداع: "هذه، ثم ظهور الحصر".
٤١٣٩ - * روى البخاري عن إبراهيم ﵀ عن أبيه عن جده "أن عمر أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها: في الحج وبعث معهن عبد الرحمن بن عوف وعثمان ابن عفان".
стр. 2684
٤١٤٠ - * روى الطبراني في الكبير عن أبي أمامة قال: "قام رسول الله ﷺ في الناس فقال: إن الله كتب عليكم الحج فقام رجل من الأعراب فقال: أفي كل عام فعلق كلام رسول الله ﷺ وغضب ومكث طويلاً ثم مكث فقال: من هذا السائل: فقال الأعرابي: أنا يا رسول الله فقال: ويحك يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض من شيء وحرمت عليكم مثل خف بعير لوقعتم. فأنزل الله عند ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ - الآية".
- شروط وجوب الحج:
٤١٤١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ما يوجب الحج؟ قال: "الزاد والراحلة".
٤١٤٢ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك راحلة، وزاداً يبلغه إلى بيت الله الحرام، ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
стр. 2685
٤١٤٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد الحج، فليتعجل".
٤١٤٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رفعه: "إيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى".
أقول: يندب للأعرابي إن هاجر أن يعيد حجه وكان ذلك أول الإسلام ولم يعد هذا الندب قائماً؛ لوصول أحكام الإسلام إلى البدوي والحضري.
- مشروعية العمرة:
٤١٤٥ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن العمرة: واجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمر هو أفضل".
٤١٤٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "العمرة واجبةط.
стр. 2686
أقول: كل نفل بدأ به الإنسان يجب عليه إتمامه عند الحنفية، فالحنفية فهموا أن العمرة مندوبة ولكن من بدأها فعليه أن يتمها وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله). (١)
стр. 2687
مسائل وفوائد
- قد يجب الحج أكثر من مرة لعارض كنذر؛ لأن النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقرب المقصودة وكذلك يجب في حالة القضاء عند إفساد التطوع.
وقد يحرم الحج كالحج بمال حرام، وقد يكره كالحج بلا إذن لمن يجب استئذانه، كأحد أبويه المحتاج إلى خدمته، وكالدائن الغريم لمدين لا مال له يقضي به، وكالكفيل لصالح الدائن.
- لا يجب الحج على الصغير؛ لأنه غير مطالب بالأحكام الشرعية، ولو حج ثم بلغ؛ فعليه حجة الإسلام وما فعله قبل البلوغ يكون تطوعاً.
- لو حج المجنون والصبي الذي لا يعقل (غير المميز)؛ لم يصح أداؤه منه؛ لأن أداءه يتوقف على العقل، ولا يجوز للصبي المميز أن يحرم إلا بإذن وليه وهو الأب أو الجد عند عدم الأب.
- ليس للزوجة الإحرام نفلاً (تطوعاً) إلا بإذن الزوج، لتفويت حقه، وللزوج إن أحرمت زوجته بغير إذنه تحليلها منه، لأن حقه لازم، فملك إخراجها من الإحرام كالاعتكاف وتكون كالمحصر، لأنها في معناه.
- ليس للوالدين منع ولدهما من حج الفرض والنذر ولا تحليله منه، ولا يجوز للولد طاعتهما فيه، أي في ترك الحج الواجب أو التحليل لأنه فرض عين فلم يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة.
- أمن المرأة هو بالإضافة إلى أمن الطريق: أن يكون معها محرم بالغ عاقل أو مراهق مأمون غير فاسق والقرابة المطلوبة أن تكون قرابة برحم أو صهرية أو زوج، ويكره تحريماً أن تحج المرأة بغير المحرم أو الزوج إذا كان بينها وبين مكة مدة سفر: فلو حجت بلا محرم إذا كان المكان قريباً من مكة جاز بلا كراهة، والأصح أنه لا يجب عليها التزوج عند فقد المحرم. ولا تسافر المرأة مع أخيها رضاعاً في زماننا؛ لغلبة الفساد، لكراهة الخلوة بها كحماه الشابة.
стр. 2688
- وضابط المحرم عند العلماء: من حرم عليه نكاحها على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة فخرج بالتأبيد: زوج الأخت وزوج العمة وخرجت أم الموطؤة بشبهة، وبنتها، وخرجت الزوجة الملاعنة.
- لو تكلف واحد ممن له عذر فحج عن نفسه أجزأه عن حجة الإسلام إذا كان عند الحنفية بالغاً عاقلاً حراً، لأنه من أهل الفرض فإذا تحمل الحرج وقع الحج موقعه.
- للأبوين وإن علا أحدهما منع الولد من الإحرام بتطوع حج أو عمرة، وليس لهما المنع من الفرض، وليس للزوج عند الجمهور منع الزوجة من حج الفرض، لأنه واجب على الفور، ولو أحرمت بالفرض لم يكن له تحليلها إلا أن يضر ذلك به، وقال الشافعية: للزوج منع زوجته من الحج الفرض والمسنون؛ لأن حقه على الفور والنسك على التراخي.
- للسيد منع عبده من الحج الفرض أو المسنون ويتحلل إذا منعه كالمحصر وليس له منعه من الإتمام إذا أحرم بإذنه.
- للمستحق الدائن منع الموسر من السفر وليس له التحليل، وليس للمدين أن يتحلل بل يؤدي الدين. فإن كان الدين مؤجلاً لم يمنعه الدائن من السفر.
стр. 2689
الباب الثالث
في أشهر الحج وفي عشر ذي الحجة وفي يوم
عرفة ويوم النحر وأيام التشريق
стр. 2690
- الأشهر الحرم:
٤١٤٧ - * روى البخاري تعليقاً عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة".
أقول: وأشهر الحج عند المالكية هي: الأشهر الثلاثة كلها: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. أما عند الجمهور: فأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة. ويبتدئ وقت الإحرام من أول شوال في أول ليلة عيد الفطر ويمتد لفجر يوم النحر، فإن قدم الإحرام بالحج على هذه الأشهر جاز إحرامه وانعقد حجاً عند الحنفية والحنابلة والمالكية، لكن لا يجوز له شيء من أفعال الحج إلا في أشهره. أما الشافعية: فقد رأوا أنه إن أحرم شخص بالحج في غير أشهره؛ انعقد إحرامه بالعمرة.
- متى يحرم الحاج:
٤١٤٨ - * روى البخاري تعليقاً عن ابن عباس ﵄ قال: "من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج".
стр. 2691
- متى يهل الحاج:
٤١٤٩ - * روى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة بن الزبير ﵃ "أن عبد الله بن الزبير: أقام بمكة تسع سنين يهل بالحج لهلال ذي الحجة، وعروة معه يفعل ذلك".
أقول: الإهلال بالحج أو بالعمرة والدخول الكامل بهما هو: أن يغتسل مريد الحج أو العمرة، ثم يصلي ركعتين لله تعالى سنة الدخول في الإحرام، ثم يقول بعد الصلاة: اللهم إني أريد الحج إن كان مريداً للحج، وإن كان مريداً للعمرة يقول: اللهم إني أريد العمرة فيسره لي وتقبله مني أو فيسرها لي وتقبلها مني، وإذا أراد القران بينهما قال: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني، ثم يقول: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك. والركن من هذه الأفعال هو مجرد نية الإحرام مع أي ذكر لله تعالى. وأما التجرد عن المخيط ولبس لباس الإحرام فهو واجب، وأما الصلاة ولفظ التلبية فهما سنتان.
٤١٥٠ - * روى البخاري تعليقاً عن عطاء بن أبي رباح ﵀ "سئل عن المجاور: متى يلبي بالحج؟ فقال: كان ابن عمر إذا أتى متمتعاً يلبي بالحج يوم التروية، إذا صلى الظهر واستوى على راحلته".
стр. 2692
- فضل العشر الأوائل من ذي الحجة:
٤١٥١ - * روى البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ولم يرجع من ذلك بشيء".
٤١٥٢ - * روى أحمد عن أبي عبد الله مولى عبد الله بن عمرو قال: حدثنا عبد الله بن عمرو ونحن نطوف بالبيت قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام العمل أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا من خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع حتى تهراق مهجة دمه"، قال عنده: هي أيام العشر، وفي رواية (١): كنت عند رسول الله ﷺ قال فذكر فقال: ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه العشر فذكر نحوه.
أقول: المراد بالعشر: العشر الأوائل من ذي الحجة.
٤١٥٣ - * روى البزار عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر- يعني عشر ذي الحجة- قيل ولا مثلهن في سبيل الله قال: ولا مثلهن في سبيل الله إلا من عفر وجهه في التراب، وذكر يوم عرفة فقال: يوم مباهاة، فذكر الحديث".
стр. 2693
أقول: قوله عن يوم عرفة "يوم مباهاة": أي يباهي الله بالواقفين بعرفة الملائكة؛ لأنه بذلك يظهر سر خلقه لآدم ذريته.
٤١٥٤ - * روى الطبراني في الكبير عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام الأعمال فيها أفضل من أيام العشر، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله".
٤١٥٥ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير".
- فضل يوم عرفة:
٤١٥٦ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو يتجلى، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ".
٤١٥٧ - * روى مالك في الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: "ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر، ولا أدحر ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما أري يوم بدر، فإنه قد رأى
стр. 2694
جبريل يزع الملائكة".
٤١٥٨ - * روى مالك في الموطأ عن عمرو بن شعيب- وطلحة بن عبيد الله بن كريز- عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".
٤١٥٩ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: "كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
٤١٦٠ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثاً غبراً".
٤١٦١ - * روى أحمد عن عبد الله بن العاص أن النبي ﷺ قال: "إن الله يباهي ملائكته بأهل عرفة عشية عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً".
أقول: الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، والركنية تتحقق بأن يقف الإنسان ولو لحظة، ولو مر مروراً أو كان مغمى عليه وهو ناو الحج في أي لحظة من زوال يوم التاسع إلى فجر يوم العاشر، والواجب أن يقف شيئاً من نهار وجزءاً من ليل مهما كان قليلاً،
стр. 2695
والسنة أن يقف بعد الزوال وبعد أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم، ويستمع على خطبة أمير الحجاج، وأن يشتغل بالذكر والدعاء حتى تغرب الشمس، فإذا غربت اندفع مع الناس من عرفات إلى مزدلفة، ويسن له أن يقف على جبل الرحمة من عرفات أو يكون قريباً منه وأن يدعو عنده.
- فضل يوم النحر:
٤١٦٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن قرط ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم الأيام عند الله: يوم النحر، ثم يوم القر، قال ثور: هو اليوم الثاني ... الحديث".
٤١٦٣ - * روى الطبراني عن ابن أبي أوفى ﵁ كان يقول: "يوم النحر يوم الحج الأكبر، يهراق فيه الدم، ويوضع فيه الشعر، ويقضى فيه التفث وتحل فيه الحرم".
أقول: أفعال يوم النحر هي: رمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق، والطواف، وهذا الطواف الذي يتم فيه هو الذي يسمى طواف الإفاضة أو الزيارة وهو الطواف المفروض في الحج، ومن لم يطف ورمى وحلق أو رمى وذبح وحلق فقد تحلل التحلل الأصغر وحل له كل شيء إلا النساء فإذا طاف فقد حل له كل شيء حرم عليه بسبب الإحرام حتى النساء، وهو التحلل الأكبر.
٤١٦٤ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: "يوم النحر".
стр. 2696
٤١٦٥ - * روى أبو داود عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، فقال: "أي يوم هذا؟ " فقالوا: يوم النحر، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر".
٤١٦٦ - * روى البخاري عن ابن شهاب: عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: يوم النحر يوم الحجر الأكبر. قال ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون الناس يوم النحر: "ألا لا يحج بعد اليوم مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". قال ابن شهاب: وكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة.
стр. 2697
الباب الرابع
في المواقيت
وفيه عرض إجمالي ونصوص
стр. 2698
عرض إجمالي
جعل الله الكعبة قبلة المصلين وأحاطها بمسجد له أحكامه الخاصة، وأحاطها هي والمسجد بمنطقة، هذه المنطقة تسمى الحرم ولها أحكامها الخاصة بها ولها فضلها العظيم، وأحاط منطقة الحرم بمنطقة تسمى الحل وهي منطقة لها أحكامها، فلا يصح أن يتجاوز من أراد النسك حدود الحل إلا محرماً، وهناك اتجاه فقهي أنه لا يجوز لغير أهل منطقة الحل أن يتجاوزوا حدود الحل إلا محرمين بحج أو عمرة وهذه الحدود التي لا يصح أن يتجاوزها مريد النسك إلا محرماً وتسمى المواقيت، فالمواقيت جمع ميقات، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع والمراد به: الوقت والمكان اللذان يحرم منهما الحاج وينشئ النية. ولأهل كل قطر ميقاتهم، ولا يجوز لمريد النسك بالإجماع أن يجاوز الميقات إلا محرماً بحج أو عمرة إلا وجب عليه دم أو العودة إليه فإن قدم الإحرام على الميقات جاز بالاتفاق. وأهل الآفاق هم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقتت لهم، ولمن مر عليها من غيرهم، وميقات من كان بمكة مكياً أو آفاقياً: الحرم، وميقات أهل الحل: دويرة أهلهم أو من حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم. أما أهل الآفاق: فميقات أهل المدينة: ذو الحليفة وتعرف اليوم بآبار علي وتبعد عن المدينة ٩ كم وعن مكة المكرمة ٤٥٠ كم وميقات أهل الشام ومصر والمغرب: الجحفة وهي بعد قرية رابغ بقليل في طريق الذاهب إلى مكة عن طريق تبوك، وتبعد عن مكة ٢٠٤ كم.
وميقات أهل العراق وغيرهم من أهل المشرق: ذات عرق وهي موضع في الشمال الشرقي من مكة وتبعد عنها ٥٤ كم. وميقات أهل اليمن: يلملم وهو جبل جنوبي مكة يبعد عنها ٤٥ كم. وميقات أهل نجد والكويت: قرن المنازل، وتقع شرقي مكة وتبعد عنها ٥٤ كم. ومن تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه الدم لكن إن عاد إليه قبل تلبسه بنسك سقط عنه الدم عند الصاحبين والشافعية والحنابلة. وقال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات ولبى سقط عنه الدم وإن لم يلب لا يسقط.
وبما أن أهل الشام الآن يمرون بميقات أهل المدينة وبالجحفة، فيخيرون بالإحرام منهما، لأن الواجب على من مر بميقاتين ألا يتجاوز أخرهما إلا محرماً، ومن الأول أفضل.
стр. 2699
وإذا تجاوز الإنسان الميقات بنية الإقامة في مكان غير الحرم جاز له ذلك، ومن حاذى الميقات: كأن سلك طريقاً في بر أو بحر أو جو بين ميقاتين فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب ويحرم من محاذاة أقرب الميقاتين إليه، وإن كان الآخر أبعد إلى مكة فإن استويا فيه إليه، أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة. وإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه، احتاط فأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً، لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز فالاحتياط فعل ما لا شك فيه. وإن لم يحاذ ميقاتاً مما سبق، أحرم على مرحلتين ٨٩ كم من مكة، إذ لا ميقات أقل مسافة من هذا القدر. ويستحب عند الجمهور لكل داخل إلى مكة لا يتكرر دخوله الإحرام، ويكره الدخول بغير إحرام، فمن دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة والزيارة وعيادة المريض فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الإحرام ولا يجب مطلقاً، وقال مالك وأحمد: يلزمه. وقال أبو حنيفة: إن كانت داره في الميقات أو أقرب إلى مكة جاز دخوله بلا إحرام وإلا فلا، وقال جمهور الفقهاء: الإحرام من الميقات أفضل من الإحرام من دويرة أهله لأنه الموافق للأحاديث الصحيحة ولفعل النبي ﷺ وأصحابه فإنهم أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل، وأحرم النبي بحجة الوداع من الميقات بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية.
[انظر: (فتح القدير ٢/ ١٣١ - ١٣٤) (الشرح الصغير ٢/ ١٨ - ٢٥) (المهذب ١/ ٢٠٢ - ٢٠٤) (المغني ٣/ ٢٥٧ فما بعد) (الفقه الإسلامي ٣/ ٦٨)].
стр. 2700
النصوص
- المواقيت:
٤١٦٧ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل المدنية: من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام: من الجحفة، ويهل أهل نجد: من قرن" قال ابن عمر: وذكر لي، ولم أسمع: أن رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن: من يلملم".
٤١٦٨ - * روى مسلم عن أبي الزبير ﵀: "أن جابراً ﵁ سئل عن المهل؟ فقال: سمعت- أحسبه رفع إلى النبي ﷺ قال: مهل أهل المدينة: من ذي الحليفة، والطريق الآخر: الجحفة، ومهل أهل العراق ذات عرق، ومهل أهل نجد: من قرن، ومهل أهل اليمن: من يلملم".
٤١٦٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق: ذات عرق".
وفي رواية النسائي (١): "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة؛ ذو الحليفة، ولأهل الشام ومصر: الجحفة، ولأهل العراق: ذات عرق، ولأهل اليمن: يلملم.
٤١٧٠ - * روى أبو داود عن الحارث عن عمرو السهمي ﵀ قال: "أتيت رسول الله ﷺ ، وهو بمنى- أو بعرفات- وقد أطاف به الناس، فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت عرق لأهل العراق".