٤١٦٥ - * روى أبو داود عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، فقال: "أي يوم هذا؟ " فقالوا: يوم النحر، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر".
٤١٦٦ - * روى البخاري عن ابن شهاب: عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: يوم النحر يوم الحجر الأكبر. قال ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون الناس يوم النحر: "ألا لا يحج بعد اليوم مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". قال ابن شهاب: وكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة.
стр. 2697
الباب الرابع
في المواقيت
وفيه عرض إجمالي ونصوص
стр. 2698
عرض إجمالي
جعل الله الكعبة قبلة المصلين وأحاطها بمسجد له أحكامه الخاصة، وأحاطها هي والمسجد بمنطقة، هذه المنطقة تسمى الحرم ولها أحكامها الخاصة بها ولها فضلها العظيم، وأحاط منطقة الحرم بمنطقة تسمى الحل وهي منطقة لها أحكامها، فلا يصح أن يتجاوز من أراد النسك حدود الحل إلا محرماً، وهناك اتجاه فقهي أنه لا يجوز لغير أهل منطقة الحل أن يتجاوزوا حدود الحل إلا محرمين بحج أو عمرة وهذه الحدود التي لا يصح أن يتجاوزها مريد النسك إلا محرماً وتسمى المواقيت، فالمواقيت جمع ميقات، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع والمراد به: الوقت والمكان اللذان يحرم منهما الحاج وينشئ النية. ولأهل كل قطر ميقاتهم، ولا يجوز لمريد النسك بالإجماع أن يجاوز الميقات إلا محرماً بحج أو عمرة إلا وجب عليه دم أو العودة إليه فإن قدم الإحرام على الميقات جاز بالاتفاق. وأهل الآفاق هم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقتت لهم، ولمن مر عليها من غيرهم، وميقات من كان بمكة مكياً أو آفاقياً: الحرم، وميقات أهل الحل: دويرة أهلهم أو من حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم. أما أهل الآفاق: فميقات أهل المدينة: ذو الحليفة وتعرف اليوم بآبار علي وتبعد عن المدينة ٩ كم وعن مكة المكرمة ٤٥٠ كم وميقات أهل الشام ومصر والمغرب: الجحفة وهي بعد قرية رابغ بقليل في طريق الذاهب إلى مكة عن طريق تبوك، وتبعد عن مكة ٢٠٤ كم.
وميقات أهل العراق وغيرهم من أهل المشرق: ذات عرق وهي موضع في الشمال الشرقي من مكة وتبعد عنها ٥٤ كم. وميقات أهل اليمن: يلملم وهو جبل جنوبي مكة يبعد عنها ٤٥ كم. وميقات أهل نجد والكويت: قرن المنازل، وتقع شرقي مكة وتبعد عنها ٥٤ كم. ومن تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه الدم لكن إن عاد إليه قبل تلبسه بنسك سقط عنه الدم عند الصاحبين والشافعية والحنابلة. وقال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات ولبى سقط عنه الدم وإن لم يلب لا يسقط.
وبما أن أهل الشام الآن يمرون بميقات أهل المدينة وبالجحفة، فيخيرون بالإحرام منهما، لأن الواجب على من مر بميقاتين ألا يتجاوز أخرهما إلا محرماً، ومن الأول أفضل.
стр. 2699
وإذا تجاوز الإنسان الميقات بنية الإقامة في مكان غير الحرم جاز له ذلك، ومن حاذى الميقات: كأن سلك طريقاً في بر أو بحر أو جو بين ميقاتين فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب ويحرم من محاذاة أقرب الميقاتين إليه، وإن كان الآخر أبعد إلى مكة فإن استويا فيه إليه، أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة. وإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه، احتاط فأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً، لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز فالاحتياط فعل ما لا شك فيه. وإن لم يحاذ ميقاتاً مما سبق، أحرم على مرحلتين ٨٩ كم من مكة، إذ لا ميقات أقل مسافة من هذا القدر. ويستحب عند الجمهور لكل داخل إلى مكة لا يتكرر دخوله الإحرام، ويكره الدخول بغير إحرام، فمن دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة والزيارة وعيادة المريض فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الإحرام ولا يجب مطلقاً، وقال مالك وأحمد: يلزمه. وقال أبو حنيفة: إن كانت داره في الميقات أو أقرب إلى مكة جاز دخوله بلا إحرام وإلا فلا، وقال جمهور الفقهاء: الإحرام من الميقات أفضل من الإحرام من دويرة أهله لأنه الموافق للأحاديث الصحيحة ولفعل النبي ﷺ وأصحابه فإنهم أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل، وأحرم النبي بحجة الوداع من الميقات بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية.
[انظر: (فتح القدير ٢/ ١٣١ - ١٣٤) (الشرح الصغير ٢/ ١٨ - ٢٥) (المهذب ١/ ٢٠٢ - ٢٠٤) (المغني ٣/ ٢٥٧ فما بعد) (الفقه الإسلامي ٣/ ٦٨)].
стр. 2700
النصوص
- المواقيت:
٤١٦٧ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل المدنية: من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام: من الجحفة، ويهل أهل نجد: من قرن" قال ابن عمر: وذكر لي، ولم أسمع: أن رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن: من يلملم".
٤١٦٨ - * روى مسلم عن أبي الزبير ﵀: "أن جابراً ﵁ سئل عن المهل؟ فقال: سمعت- أحسبه رفع إلى النبي ﷺ قال: مهل أهل المدينة: من ذي الحليفة، والطريق الآخر: الجحفة، ومهل أهل العراق ذات عرق، ومهل أهل نجد: من قرن، ومهل أهل اليمن: من يلملم".
٤١٦٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق: ذات عرق".
وفي رواية النسائي (١): "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة؛ ذو الحليفة، ولأهل الشام ومصر: الجحفة، ولأهل العراق: ذات عرق، ولأهل اليمن: يلملم.
٤١٧٠ - * روى أبو داود عن الحارث عن عمرو السهمي ﵀ قال: "أتيت رسول الله ﷺ ، وهو بمنى- أو بعرفات- وقد أطاف به الناس، فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت عرق لأهل العراق".
стр. 2701
- مكان الإحرام لمن كان داخل المواقيت:
٤١٧١ - * روى الجماعة إلا الموطأ والترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "وقت رسول الله لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، قال: فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن، فمهله من أهله، وكذلك، حتى أهل مكة يهلون منها".
وفي رواية (١): "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة".
- جواز محاذاة الميقات لمن لا يمر به:
٤١٧٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "لما فتح هذان المصران، أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا أن نأتي قرناً شق علينا؟ قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق".
стр. 2702
٤١٧٣ - * روى مالك عن نافع ﵀: "أن ابن عمر أهل من الفرع".
٤١٧٤ - * روى مالك ﵀: "بلغه أن رسول الله ﷺ أهل من الجعرانة بعمرة".
- جواز الإحرام قبل الميقات:
٤١٧٥ - * روى مالك ﵀ عن الثقة عنده: "أن ابن عمر أهل بحجته من إيلياء".
٤١٧٦ - * روى البخاري تعليقاً عن عثمان بن عفان ﵁ "كره: أن يحرم الرجل من خراسان وكرمان".
أقول: إنما كره الإحرام من أمكنة بعيدة لمخالفته للسنة، ولأن الإنسان يعرض نفسه للعسر وقد يعرض إحرامه للخطر.
стр. 2703
الباب الخامس
في أحكام الإفراد والقران والتمتع
وفسخ الحج والعمرة
وفيه عرض إجمالي ونصوص
стр. 2704
عرض إجمالي
إن تعظيم البيت علامة على التقوى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١). وأعظم مظاهر التعظيم للبيت التوجه بالصلاة إليه والحج والعمرة والطواف المطلق به، وسكان الحرم قادرون على العمرة في كل حين، وأما غير سكان الحرم ففرصتهم لإقامة العمرة غير ميسرة دائماً، وقد لا تتاح لهم العمرة إلا حين أدائهم الحج. ومن رحمة الله تعالى أن وسع على الناس فجعل، بإمكان الإنسان أن يعتمر وأن يحج بإحرام واحد، فيكون بذلك قارناً، قد قرن العمرة مع الحج كما أجاز للإنسان أن يعتمر أولاً ثم يحل من عمرته ثم يحرم بالحج ويسمى بذلك متمتعاً، كما أجاز له أن يفرد الحج بالإحرام، وفي ذل توسعة على الناس فالمفرد لا يجب عليه ما يجب على القارن والمتمتع من دم أو صيام، والمتمتع يحل له بعد انقضاء العمرة كل ما حرم بسبب الإحرام من تطيب وإتيان نساء، فالشارع راعى حال الناس بإجازته كلاً من الإفراد أو التمتع أو القران، وقد اختلف الفقهاء أي هذه الثلاثة أفضل، مع إجماعهم على جواز الثلاثة، فالحنفية قالوا: القران أفضل؛ لأنه أشق وهو مأثور عن النبي ﷺ ، والحنابلة قالوا: التمتع أفضل؛ لأنه سنة، وقال آخرون: إن الإفراد أفضل؛ لأنه تعظيم للحج. وعلى من تمتع أو قرن- إن كان مستطيعاً- دم. وهذا الدم: دم شكر فيأكل منه صاحبه عند الحنفية، ولا يأكل منه عند الشافعية، وإن لم يدخل القارن مكة، وتوجه إلى عرفات، فقد صار عندا لحنفية رافضاً لعمرته بالوقوف وسقط عنه دم القران وعليه دم لرفض عمرته وهو دم جبر لا يجوز أكله منه ووجب عليه قضاؤها، لأنه بشروعه فيها أوجبها على نفسه، ولم يوجد منه الأداء، فلزمه القضاء.
وإن لم يجد القارن أو المتمتع الهدي، يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج، آخرها يوم عرفة ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج جاز.
وتعتبر القدرة على الهدي في موضعه في مكة، فمتى عدمه في موضعه، جاز له الانتقال إلى الصيام، وإن كان قادراً عليه في بلده، لأن وجوبه مؤقت، وما كان وجوبه مؤقتاً
стр. 2705
اعتبرت القدرة عليه في موضعه، كالماء في الطهارة إذا عدمه في مكانه انتقل إلى التراب. ولا يجب التتابع في أيام الصوم، وإنما يندب.
- إذا لم يصم المتمتع أو القارن الأيام الثلاثة في الحج، فإنه يصومها بعد ذلك باتفاق أئمة المذاهب. ومن شرع في الصيام ثم قدر على الهدي لم يكن عليه عند الجمهور الخروج من الصوم إلى الهدي إلا إذا شاء، لأنه صوم دخل فيه لعدم الهدي.
والمرأة إذا أحرمت متمتعة، فحاضت قبل طواف العمرة، لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولأنها ممنوعة من دخول المسجد، فإن خشيت فوات الحج، أحرمت بالحج مع عمرتها، وتسير قارنة. ونتيجة للخلاف بين الحنفية والشافعية في دم القران والتمتع هل هو دم شكر أو جزاء؟ فإن الحنفية لا يجيزون ذبحه إلا يوم النحر، والشافعية يجيزون قبل ذلك.
والحنفية يجيزون أن يطعم فيه الناس جميعاً، وقد لفق الناس بين هذه الأقوال فصار الناس يذبحون قبل يوم النحر ويأكلون، وكثير من العلماء لا يرى بأساً بذلك، فالتلفيق بين أقوال العلماء في الحج غلب على العامة والخاصة إلا القليل.
стр. 2706
النصوص
- الإفراد بالحج:
٤١٧٧ - * روى الشيخان عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ "أن رجلاً من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج فإذا طاف بالبيت: أيحل، أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، فقل له: إن رجلاً كان يقول ذلك، قال: بئسما قال، قال: فتصداني الرجل. فسألني؟ فحدثته، قال: فقل له: إن رجلاً كان يخبر: أن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك؟ فذكرت له ذلك، فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدري، فقال: فما باله لا يأتيني بنفسه يسألني، أظنه: عراقياً؟ قلت: لا أدري، قال: فإنه قد كذب، قد حج رسول الله ﷺ فأخبرتني عائشة: أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة: أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به: الطواف، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع ابن الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به: الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر ما رأيت فعل ذلك: ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة، وهذا ابن عمر عندهم، أفلا يسألونه؟ ولا أحد ممن مضى، ما كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون، قد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من الطواف بالبيت، يطوفان به، ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي: أنها أقبلت هي وأختها، والزبير، وفلان، وفلان، بعمرة قط، فلما مسحوا الركن حلوا وقد كذب فيما ذكر من ذلك".
وفي رواية (١): نحوه مختصراً، وفيه ذكر عمر وعثمان، مثل أبي بكر ولم يذكر في
стр. 2707
أولها: حديث العراقي.
والمراد من الحديث أن النبي ﷺ قد طاف بالبيت ولم يكن طواف عمرة بل طواف قدوم الحاج.
(١) قال النووي في شرح مسلم: "فتصداني الرجل" أي: تعرض لي، هو في جميع النسخ "تصداني" بالنون، والأشهر في اللغة: تصدى لي.
(٢) في نسخ مسلم المطبوعة: "ثم لم يكن غيره". قال النووي في شرح مسلم: هكذا هو في جميع النسخ "غيره" بالغين المعجمة والياء. قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ، قال: وهو تصحيف، وجوابه: "ثم لم تكن عمرة" بضم العين المهملة وبالميم، وكأن السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة، على مذهب من رآه، واحتج بأمر النبي ﷺ لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة: أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده، هذا كلام القاضي.
(٣) قال النووي في شرح مسلم: فيه: أن المحرم بالحج إذا قدم إلى مكة ينبغي له أن يبدأ بطواف القدوم، ولا يفعل شيئاً قبله، ولا يصلي تحية المسجد، وهذا كله متفق عليه عندنا. وقوله: "يضعون أقدامهم" يعني: يصلون مكة، وقوله: "ثم لا يحلون" فيه التصريح بأنه لا يجوز التحلل بمجرد طواف القدوم كما سبق.
(٤) قال النووي في شرح مسلم: قوله: "فلما مسحوا الركن حلوا" هذا متأول عن ظاهره، لأن الركن: هو الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بإجماع المسلمين. فلما مسحوا الركن، وأتموا طوافهم، وسعيهم، وحلقوا، أو قصروا: حلوا، ولابد من تقدير هذا المحذوف، وإنما حذفته للعلم به. وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل إتمام الطواف (طواف الإفاضة).
ثم قال النووي: والمراد بالماسحين: من سوى عائشة، وإلا فعائشة لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع، بل كانت قارنة، ومنعها المحيض من الطواف قبل يوم النحر، وهكذا قول أسماء بعد هذا: "اعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير، وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت، أحللنا، ثم أهللنا بالحج" والمراد به أيضاً: من سوى عائشة، وهكذا
стр. 2708
تأوله القاضي عياض، والمراد: الإخبار عن حجهم مع النبي ﷺ : حجة الوداع. على الصفة التي ذكرت في أول الحديث، وكان المذكورون سوى عائشة محرمين بالعمرة، وهي عمرة الفسخ، التي فسخوا إليها، وإنما لم تستثن عائشة، لشهرة قصتها.
قال القاضي عياض: وقيل: يحتمل أن أسماء أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلتها بعد الحج، مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم. اهـ (م).
٤١٧٨ - * روى مالك في الموطأ عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ أفرد الحج".
وفي أخرى للنسائي (١): "أن رسول الله ﷺ ، أهل بالحج".
٤١٧٩ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً".
وفي رواية (٢): "أن رسول الله ﷺ ، أهل بالحج مفرداً".
٤١٨٠ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإن ذلك أتم لحج
стр. 2709
أحدكم، وأتم لعمرته: أن يعتمر في غير أشهر الحج".
٤١٨١ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ﵄ قالا: "قدمنا مع النبي ﷺ ، ونحن نصرخ بالحج صراخاً".
٤١٨٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد، قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا طفنا بالبيت، قال: "اجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي". قال: فجعلناها عمرة، فلما كان يوم التروية صرخنا بالحج وانطلقنا إلى منى".
- في القران:
٤١٨٣ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ : "قرن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافاً واحداً".
قال محقق الجامع: واستدل بالحديث من قال بكفاية الطواف الواحد المقارن. وإليه ذهب الجمهور. قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم قالوا: القارن يطوف طوافاً واحداً، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: يطوف طوافين ويسعى سعيين، وهو قول الثوري وأهل الكوفة. قال النووي: ويحكى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود والشعبي والنخعي. وقال الحافظ في "الفتح" ٣/ ٣٩٥ واحتج الحنفية بما روي عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل، وطرقه عن علي عند عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما ضعيفة. وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك، وفيه الحسن بن عمارة، وهو متروك، والمخرج في الصحيحين وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة. قال النووي: وهو قول الجمهور.
стр. 2710
٤١٨٤ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵄ قال: "كنت مع علي، حين أمره رسول الله ﷺ على اليمن، فأصبت معه أواقي، فلما قدم عليٌّ على رسول الله ﷺ وجد فاطمة قد نضحت البيت بنضوح، فغضب، فقالت: مالك؟ فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحلوا، قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال النبي ﷺ ، قال: فأتيت النبي ﷺ فقال لي: كيف صنعت؟ قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ قال: فإني سقت الهدي وقرنت، قال: وقال لي: انحر من البدن سبعاً وستين، أو ستاً وستين، وأمسك لنفسك ثلاثاً وثلاثين، أو أربعاً وثلاثين، وأمسك من كل بدنة منها بضعة".
ورواية النسائي (١) قال: "كنت مع علي بن أبي طالب، حين أمره رسول الله ﷺ على اليمن، فلما قدم على النبي ﷺ ، قال علي: فأتيت رسول الله، فقال لي رسول الله كيف صنعت؟ قلت: إني أهللت بإهلالك، قال: فإني سقت الهدي وقرنت، قال: وقال لأصحابه: لو استقبلت كما استدبرت: لفعلت كما فعلتم، ولكن سقت الهدي وقرنت".
وفي أخرى (٢) له: بنحوه، وفيها ذكر النضوح، مثل رواية أبي داود.
٤١٨٥ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال بكر بن عبد الله المزني: قال أنس: "سمعت النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعاً، قال بكر: فحدثت بذلك
стр. 2711
ابن عمر، فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنساً فحدثته، فقال أنس: ما تعدونا إلا صبياناً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجاً".
ولمسلم (١) أيضاً قال: "سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما: لبيك عمرة وحجاً".
وفي رواية (٢): "لبيك بعمرة وحج".
وأخرج أبو داود والنسائي (٣): رواية مسلم المفردة.
وفي رواية الترمذي (٤) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لبيك بحجة وعمرة".
قال النووي: قوله "لبيك عمرة وحجاً" يحتج به من يقول بالقران والصحيح المختار في حجة النبي ﷺ : أنه كان في أول إحرامه مفرداً: ثم أدخل العمرة على الحج، فصار قارناً.
وجمعنا بين الأحاديث أحسن جمع. فحديث ابن عمر هنا: محمول على أول إحرامه ﵊، وحديث أنس: محمول على أواخره وأثنائه، وكأنه لم يسمعه أولاً. ولابد من هذا التأويل أو نحوه، لتكون رواية أنس موافقة لرواية الأكثرين، والله أعلم.
٤١٨٦ - * روى النسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ وخرجنا معه فلما بلغ ذا الحليفة صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج والعمرة جميعاً، فأهللنا معه، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة وطفنا أمر الناس: أن يحلوا، فهاب القوم، فقال لهم رسول الله ﷺ : لولا أن معي الهدي لأحللت، فحل القوم، حتى حلوا إلى النساء، ولم يحل رسول الله ﷺ ، ولم يقصر إلى يوم النحر".
وفي رواية أبي داود (٥) قال: "بات رسول الله ﷺ بها- يعني بذي الحليفة- حتى
стр. 2712
أصبح، ثم ركب، حتى إذا استوت به راحلته على البيداء حمد وسبح وكبر، ثم أهل بحجة وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قضى رسول الله ﷺ الحج نحر سبع بدنات بيده قياماً" وعند البخاري (١) بنحوه.
٤١٨٧ - * روى الطبراني في الكبير والأوسط عن الهرماس قال: كنت ردف أبي فرأيت النبي ﷺ على بعير وهو يقول: "لبيك بحجة وعمرة معاً".
٤١٨٨ - * روى أبو داود عن أبي وائل ﵀ قال: قال الصبي بن معبد: كنت رجلاً أعرابياً نصرانياً، فأسلمت، فأتيت رجلاً من عشيرتي يقال له: هديم بن ثرملة، فقلت: يا هناه، إني حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، فكيف لي بأن أجمع بينهما؟ فقال: أجمعهما، واذبح ما استيسر من الهدي، فأهللت بهما، فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة، وزيد بن صوحان، وأنا أهل بهما معاً، فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيره، قال: فكأنما ألقي علي جبل، حتى أتيت عمر بن الخطاب، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إني كنت رجلاً أعرابياً نصرانياً، وإني أسلمت، وأنا حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، فأتيت رجلاً من قومي، فقال لي: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي، وإني أهللت بهما معاً، فقال عمر: هديت لسنة نبيك ﷺ ".
قال البيهقي: وهذا الحديث يدل على جواز القران.
стр. 2713
- من جمع بين الحج والعمرة يكفيه طواف وسعي واحد:
٤١٨٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد عنهما، حتى يحل منهما جميعاً".
وفي رواية النسائي (١) "أن ابن عمر: قرن الحج والعمرة، فطاف طوافاً واحد، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله".
وفي رواية البخاري ومسلم (٢): "أن ابن عمر كان يقول: من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد، ولم يحل حتى يحل منهما جميعاً".
٤١٩٠ - * روى مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله، "كلما عبد الله بن عمر ﵄، حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير، قالا: لا يضرك أن لا تحج العام، فإنا نخشى أن يكون بين الناس قتال، يحال بينك وبين البيت، قال: إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه حين حالت قريش بينه وبن البيت: أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، فانطلق حتى إذا أتى ذا الحليفة، فلبى بالعمرة، ثم قال: إن خلي سبيلي قضيت عمرتي، وإن حيل بيني وبينه، فعلت كما فعل رسول الله ﷺ ثم تلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) ثم سار، حتى إذا كنا بظهر البيداء قال: ما أمرهما إلا واحد، إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحج، أشهدكم: أني قد أوجبت حجة مع عمرتي، فانطلق، حتى
стр. 2714
ابتاع بقديد هدياً، ثم طاف لهما طوافاً واحداً.
زاد في رواية (١): "وكان ابن عمر يقول: من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد، ولم يحل حتى يحل منهما جميعاً".
وفي أخرى (٢) نحوه، وفيه: "ثم انطلق يهل بهما جميعاً، حتى قدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شيء حرم عليه، حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى: أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، قال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ ".
وفي أخرى (٣) بنحوه، وقال: "فطاف لهما طوافاً واحداً، ورأى أن ذلك مجزئ عنه وأهدى".
أقول: دمج ابن عمر ﵁ طواف القدوم بطواف العمرة، ودمج سعي العمرة بسعي الحج، وهذا مذهب الجمهور، وهناك اتجاه آخر: إنه لابد لكل من العمرة والحج من طواف وسعي منفصلين وهو الذي عليه مذهب الحنفية، فيأتي القارن بأفعال العمرة ثم يشرع بأفعال الحج.
- في التمتع:
٤١٩١ - * روى الشيخان عن علي بن أبي طالب ﵁ قال سعيد ابن المسيب: "اجتمع علي وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله النبي ﷺ ، تنهى الناس عنه؟ فقال له عثمان: دعنا عنك، قال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً.
стр. 2715
وفي رواية (١) للبخاري: "قال مروان بن الحكم: إنه شهد عثمان وعلياً بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة، فقال عثمان: تراني أنهى الناس، وأنت تفعله؟ فقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد".
وفي رواية النسائي (٢) "قال مروان: كنت جالساً عند عثمان، فسمع علياً يلبي بحجة وعمرة، فقال: ألم تكن تنهى عن هذا؟ قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يلبي بهما جميعاً، فلم أدع قول رسول الله ﷺ لقولك".
وفي أخرى (٣) "أن عثمان كان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بين الحج والعمرة، فقال علي: لبيك بحجة وعمرة معاً، فقال عثمان: أتفعلها وأنا أنهى عنها؟ فقال علي: لم أكن لأدع سنة رسول الله ﷺ لأحد من الناس".
قال الحافظ في "الفتح": وفي قصة عثمان وعلي من الفوائد: إشاعة العالم ما عنده من العلم وإظهاره، ومناظرة ولاة الأمور وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك لقصد مناصحة المسلمين، والبيان بالفعل مع القول، وجواز الاستنباط من النص، لأن عثمان لم يخف عليه أن التمتع والقران جائزان، وإنما نهى عنهما ليعمل بالأفضل كما وقع لعمر. لكن خشي علي أن يحمل غيره النهي على التحريم فأشاع جواز ذلك، وكل منهما يجتهد مأجور.
وفيه: أن المجتهد لا يلزم مجتهداً آخر بتقليده لعدم إنكار عثمان على علي مع كون عثمان الإمام إذ ذاك، والله أعلم (م).
٤١٩٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن يعلى بن أمية قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ متضمخ بالخلوق عليه مقطعات قد أحرم بعمرة قال: كيف تأمرني يا رسول الله في
стр. 2716
عمرتي فأنزل الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقال رسول الله ﷺ : من السائل عن العمرة؟ فقال: أنا. فقال: ألق ثيابك واغتسل واستنق ما استطعت وما كنت صانعاً في حجتك فاصنعه في عمرتك".
٤١٩٣ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي ﵀ "أن رجلاً سأل سعيد بن المسيب قال: أعتمر قبل أن أحج؟ فقال سعيد: نعم، قد اعتمر رسول الله ﷺ قبل أن يحج".
٤١٩٤ - * روى أبو داود عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بعسفان قال له سراقة ابن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: إن الله قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم، فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل، إلا من كان معه هدي".
أقول: في هذا الحديث: إن من كان معه هدي لا يتحلل بعد العمرة وهذا مذهب الحنفية في المتمتع إذا ساق الهدي فحكمه حكم القارن فلا يتحلل بعد العمرة بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر.
٤١٩٥ - * روى مسلم عن علي ﵁ قال عبد الله بن شقيق: "كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، فقال علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ﷺ ؟ قال: أجل، ولكنا كنا خائفين".
وفي رواية (١) النسائي: قال ابن المسيب: "حج علي وعثمان، فلما كنا ببعض الطريق: نهى عثمان عن التمتع، فقال علي: إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا، فلبى علي
стр. 2717
وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال علي: ألم أخبر أنك تنهى عن التمتع؟ قال: بلى، قال له علي: ألم تسمع رسول الله ﷺ تمتع؟ قال: بلى".
قال النووي في "شرح مسلم": المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان هي التمتع المعروف في الحج. وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم (م).
٤١٩٦ - * روى مسلم عن أبي نضرة قال: "كان ابن عباس ﵄ يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرته لجابر، فقال: على يدي دار الحديث: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء، بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة".
وفي أخرى (١): فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم.
أقول: هذا النص وأمثاله جعل الشافعية يرون أن الإفراد بالحج أفضل وهي قضية مختلف فيها.
٤١٩٧ - * روى مسلم عن مسلم القري قال: "سألت ابن عباس ﵄ عن متعة الحج، فرخص فيها وكان ابن الزبير ينهى عنها فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث: أن رسول الله ﷺ رخص فيها، فادخلوا عليها فاسألوها، قال: فدخلنا عليها، فإذا هي امرأة ضخمة عمياء، فقالت: قد رخص رسول الله ﷺ فيها".
٤١٩٨ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: تمتع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من نهى عنها: معاوية".
وفي رواية النسائي عن طاوس قال: "قال معاوية لابن عباس: أعلمت أني قصرت من رأس النبي ﷺ عند المروة؟ قال: لا. يقول ابن عباس: هذه على معاوية،
стр. 2718
ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتع النبي ﷺ ".
قال محقق الجامع:
هذا الحديث يعارضه حديث مسلم رقم (١٣٩٦): كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، وقد نهى عنهما عمر أيضاً، ويمكن أن يجاب: أن نهيهما محمول على التنزيه، ونهي معاوية على التحريم، فأوليته باعتبار التحريم. ويمكن الجمع بين فعلهما ونهيهما، بأن الفعل كان متأخراً لما علما جواز ذلك، ويحتمل أن يكون لبيان الجواز.
٤١٩٩ - * روى أحمد عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال لنفر من أصحاب النبي ﷺ : "أتعلمون أن النبي ﷺ نهى عن المتعة يعني متعة الحج قالوا: لا".
٤٢٠٠ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "لقد تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، وهذا- يعني: معاوية- كافر بالعرش".
يعني بالعرش: بيوت مكة في الجاهلية.
وفي رواية الموطأ (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣): عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن المطلب: "أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك ابن قيس، عام حج معاوية، يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال له سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: إن عمر قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعناها مع رسول الله ﷺ بأمره، وصنعها هو ﷺ ".
стр. 2719
قال محقق الجامع:
قال النووي في شرح مسلم (١/ ٤٠٢) وفي الرواية الأخرى "المتعة في الحج" أما "العرش" بضم العين والراء: وهي بيوت مكة، كما فسره في الرواية، قال أبو عبيد: سميت بيوت مكة عرشاً لأنها عيدان تنصب، وتظلل، قال: ويقال لها أيضاً "عروش" بالواو، واحدها: عرش، كفلس وفلوس، من قال: عرش. فواحدها: عريش، كقليب وقلب.
وفي حديث آخر "أن عمر ﵁: كان إذا نظر إلى عروش مكة: قطع التلبية".
وأما قوله: وهذا يومئذ كافر بالعرش، فالإشارة "بهذا" إلى معاوية بن أبي سفيان. وفي المراد بالكفر ها هنا وجهان، أحدهما- ما قاله المازري وغيره- المراد: وهو مقيم في بيوت مكة، قال ثعلب: يقال: اكتفر الرجل: إذا لزم الكفور، وهي القرى. وفي الأثر عن عمر ﵁ "أهل الكفور: هم أهل القبور" يعني: القرى البعيدة عن الأمصار، وعن العلماء. والوجه الثاني: المراد بالكفر: الكفر بالله تعالى، والمراد: أنا تمتعنا، ومعاوية يومئذ كافر على دين الجاهلية، مقيم بمكة، وهذا اختيار القاضي عياض وغيره، وهو الصحيح المختار. والمراد بالمتعة: العمرة التي كانت سنة سبع من الهجرة، وهي عمرة القضاء، وكان معاوية يومئذ كافراً، وإنما أسلم بعد ذلك عام الفتح سنة ثمان. وقيل: إنه أسلم بعد عمرة القضاء سنة سبع: والصحيح: الأول.
وأما غير هذه العمرة من عمر النبي ﷺ . فلم يكن معاوية فيها كافراً، ولا مقيماً بمكة، بل كان معه النبي ﷺ .
قال القاضي عياض: وقال بعضهم "كافر بالعرش" بفتح العين وإسكان الراء، والمراد: عرش الرحمن. قال القاضي: وهذا تصحيف. وفي هذا الحديث: جواز المتعة في الحج.
أقول: الملاحظ أن علياً ﵁ قد خالف عثمان وهو خليفة ندما رأى أن عثمان أراد أن ينهى عن سنة وأن الصحابة قد اعترضوا على معاوية وهو ولي الأمر وقتذاك؛ لأنه أراد أن ينهى عن سنة ومن ها هنا نعرف أن قول العلماء إذا أمر ولي الأمر بمباح؛ فقد
стр. 2720
أصبح واجباً: أن هذه القاعدة مقيدة بأن يكون أمره سائغاً شرعاً ويحقق مصلحة، بل ينبغي أن يكون في عصرنا مقيداً بشكل ما بإجازة الشورى من أهلها. والحقيقة أن فقه الطاعة بالمعروف من أهم الأمور في عصرنا، فكثيرون من الناس يفهمون فكرة السمع والطاعة فهماً خاطئاً.
٤٢٠١ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت عمر يقول: "والله، لا أنهاكم عن المتعة، فإنها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله ﷺ يعني: العمرة في الحج".
٤٢٠٢ - * روى الترمذي عن سالم بن عبد الله ﵀ سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: "أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله ﷺ : أأمر أبي يتبع، أم أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله ﷺ ، فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ ".
٤٢٠٣ - * روى الشيخان عن عمران بن حصين ﵁ قال: "أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء" قال البخاري "يقال: إنه عمر".
وفي رواية (١) "نزلت آية المتعة في كتاب الله- يعني: متعة الحج، ولم ينه عنها حتى مات".
وفي أخرى (٢) قال: "جمع رسول الله ﷺ وسلم بين الحج والعمرة، وتمتع نبي الله ﷺ ، وتمتعنا معه، وإن رسول الله ﷺ قد أعمر طائفة من أهله في العشر، فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه".
وفيها: "وقد كان يسلم علي، حتى اكتويت فتركت، ثم تركت الكي فعاد".
стр. 2721
وفي رواية النسائي (١) قال: "جمع رسول الله ﷺ بين حجة وعمرة، ثم توفي قبل أن ينهى عنها، وقبل أن ينزل القرآن بتحريمه".
وفي أخرى (٢) "جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينزل فيهما كتاب، ولم ينه عنهما النبي ﷺ ، قال قائل فيهما برأيه ما شاء".
وفي أخرى (٣) "أن رسول الله ﷺ قد تمتع وتمتعنا معه، قال فيها قائل برأيه".
"وفي الحديث من الفوائد: جواز نسخ القرآن ولا خلاف فيه، وجواز نسخه بالسنة وفيه اختلاف شهير. ووجه الدلالة منه قوله: ولم ينه عنها رسول الله ﷺ ، فإن مفهومه أنه لو نهى عنها لامتنعت، ويستلزم رفع الحكم. ومقتضاه جواز النسخ، وقد يؤخذ منه أن الإجماع لا ينسخ به لكونه حصر وجوه المنع في نزول آية أو نهي من النبي ﷺ ، وفيه نوع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنص" [م].
أقول: تسليم الملائكة على عمران بن حصين ﵁ دليل على أن انكشاف شيء من أمر الغيب لبعض المسلمين جائز شرعاً وواقع فعلاً، ونسأل الله أن لا يحرمنا من فضله.
٤٢٠٤ - * روى الجماعة إلا الموطأ والترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي
стр. 2722
من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه، حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضي طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم، فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ ، من أهدى فساق الهدي من الناس".
أقول: لقد كان رسول الله ﷺ قارناً بالحج، وأمر أصحابه ممن لم يسق الهدي أن يتمتع وقد يطلق التمتع على القران توسعاً، وهذا الذي نجده في كثير من الروايات، إذ يوصف حج رسول الله ﷺ بالتمتع مع أنه قارن وذلك بالتوسع بالعبارة، ثم لأن رسول الله ﷺ أقر تمتع أصحابه بل أمرهم به.
٤٢٠٥ - * روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ محرمين، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله: "من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل، فلم يكن معي هدي. فحللت، وكان مع الزبير هدي، فلم يحل، قالت: فلبست ثيابي، ثم خرجت، فجلست إلى جنب الزبير. فقال لي: قومي عني فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟ ".
وفي رواية (١): قالت: "قدمنا مع رسول الله ﷺ ، مهلين بالحج- وذكر الحديث- قال: فقال: استرخي عني، استرخي عني".
стр. 2723
قوله: قومي عني إنما أمرها بالقيام مخافة من عارض قد يبدو منه: كلمس بشهوة، أو نحوه، فإن اللمس بشهوة: حرام في الإحرام، فاحتاط لنفسه بمباعدتها، من حيث أنها زوجة متحللة، تطمع بها النفس، قاله النووي. [م].
٤٢٠٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، وكانوا- أي العرب في الجاهلية- يسمون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر: حلت العمرة لمن اعتمر، قال: فقدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة، مهلين بالحج، فأمرهم النبي ﷺ : أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: الحل كله".
قال البخاري: قال ابن المديني: قال لنا سفيان: "كان عمرو يقول: إن هذا الحديث له شأن".
وفي أخرى (١) قال: "قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج، فأمرهم: أن يجعلوها عمرة، إلا من معه هدي".
وفي أخرى (٢) قال: "أهل رسول الله ﷺ بالحج، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة، فصلى الصبح، وقال- حين صلى-: من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة".
ومنهم من قال: "فصلى الصبح بالبطحاء".
ومنهم من قال: "بذي طوى".
وعند مسلم (٣) أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة".
стр. 2724
وأخرج أبو داود (١) قال: "والله، ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة، إلا ليقطع بذاك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان بدينهم، كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدبر، ودخل صفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يُحَرِّمُونَ العمرة، حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم".
وله في أخرى (٢): قال "أهل النبي ﷺ بالحج، فلما قدم، طاف بالبيت، وبين الصفا والمروة- قال ابن شوكر: ولم يقصر، ثم اتفقا- قال: ولم يحل من أجل الهدي، وأمر من لم يكن ساق الهدي: أن يطوف ويسعى، ويقصر، ثم يحل- قال ابن منيع في حديثه: أو يحلق، ثم يحل".
وأخرج النسائي (٣) الرواية الأولى، وقال: "عفا الوبر" بدل "الأثر".
وزاد بعد قوله: "وانسلخ صفر" أو قال: "دخل صفر".
وفي أخرى (٤) للنسائي قال: "أهل رسول الله ﷺ بالعمرة، وأهل أصحابه بالحج، وأمر من لمي كن معه الهدي: أن يحل، وكان فيمن لم يكن معه الهدي: طلحة بن عبيد الله، ورجل آخر، فأحلا".
وفي أخرى (٥) له قال: "قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة، وهمي لبون بالحج، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوا".
وفي أخرى (٦) له "لأربع مضين من ذي الحجة، وقد أهل بالحج وصلى الصبح
стр. 2725
بالبطحاء، وقال: من شاء أن يجعلها عمرة فليفعل".
"بذي طوى" بفتح الطاء وضمها وكسرها، ثلاث لغات حكاهن القاضي وغيره، الأصح الأشهر: الفتح ولم يذكر الأصمعي وآخرون غيره، وهو مقصور منون، وهو واد معروف بقرب مكة. قال القاضي: ووقع لبعض الرواة في البخاري بالمد، وكذا ذكره ثابت، قاله النووي (م).
قوله ﵇: "فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة".
قال النووي في "شرح مسلم" (١/ ٣٩٣): اختلف العلماء في معناه على أقوال، أصحها وبه قال جمهورهم: معناه: أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود به بيان إبطال ما كانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحج. والثاني: معناه: جواز القران، وتقدير الكلام: دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إلى يوم القيامة. والثالث: تأويل بعض القائلين بأن العمرة ليست واجبة، قالوا: معناه: سقوط العمرة، قالوا: ودخولها في الحج معناه: سقوط وجوبها، وهذا ضعيف أو باطل، وسياق الحديث يقتضي بطلانه. والرابع: تأويل بعض أهل الظاهر أن معناه: جواز فسخ الحج إلى العمرة، وهذا أيضاً ضعيف.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٤٨٥): وتعقب بأن سياق السؤال يقوي هذا التأويل (يعني فسخ الحج إلى العمرة) بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعم من ذلك حتى يتناول التأويلات المذكورة إلا الثالث، والله أعلم.
قال محقق الجامع: والذي عليه الحنابلة هو استحباب فسخ الحج إلى العمرة لمن كان مفرداً أو (١)
стр. 2726
قارناً إذا لم يسق الهدي، وقد اتفق جمهور العلماء على جواز الأنساك الثلاثة، واختلفوا في أفضليتها، فقال الشافعي ومالك وآخرون: أفضلها الإفراد، وقال أبو حنيفة وآخرون: أفضلها القران، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتع، وهو أن يحرم بالعمرة أولاً، فإذا فرغ منها أحرم بحج.
وقد قال موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي في "المغني" (٣/ ٣٩٨): ومن كان مفرداً أو قارناً أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة، إلا أن يكون معه هدي فيكون على إحرامه، أما إذا كان معه هدي، فليس له أن يحل من إحرام الحج ويجعله بغير خلاف نعلمه. وأما من لا هدي معه ممن كان مفرداً أو قارناً فيستحب له إذا طاف وسعى أني فسخ نيته بالحج، وينوي عمرة مفردة، فيقصر ويحل من إحرامه متمتعاً إن لم يكن وقف بعرفة. قال: وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة، إلا من كان معه الهدي، وثبت ذلك في أحاديث كثيرة. قال: وقد روى فسخ الحج: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وأحاديثهم متفق عليها، ورواه غيرهم وأحاديثهم كلها صحاح.
قال محقق الجامع: هذه هي أقوال جمهور الفقهاء باختصار في جواز الأنساك الثلاثة، وخلافهم في الأفضل منها فقط. وهو رأي جمهور المحدثين والمفسرين، وجل ما هنالك أن التمتع أفضل عند الإمام أحمد ومن تبعه، وقد خالف جمهور هؤلاء العلماء في هذا: ابن حزم في "المحلى" وابن قيم الجوزية في "زاد الميعاد" فقالا بوجوب فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي، متبعين في ذلك بعض من خالف الجمهور قبلهم.
٤٢٠٧ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: قدم النبي ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس، فدخل علي وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟ فقال: "أما شعرت إني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون. قال الحاكم: يترددون- أحسب- لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا".
стр. 2727
٤٢٠٨ - * روى البخاري عن أبي جمرة قال: "سألت ابن عباس ﵄ عن المتعة؟ فأمرني بها. وسألته عن الهدي؟ فقال: فيها جزور، أو بقرة. أو شاة، أو شرك في دم. قال: وكان ناس كرهوها، فنمت، فرأيت في المنام: كأن إنساناً ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس، فحدثته، فقال: الله أكبر، الله أكبر، سُنَّة أبي القاسم ﷺ ".
وفي رواية مسلم (١): قال أبو جمرة: "تمتعت، فنهاني ناس عن ذلك، فأتيت ابن عباس فسألته عن ذلك فأمرني بها، قال: ثم انطلقت إلى البيت فنمت، فأتاني آت في منامي، فقال: عمرة متقبلة، وحج مبرور، فأتيت ابن عباس فأخبرته، فقال: الله أكبر، سُنَّة أبي القاسم ﷺ ".
٤٢٠٩ - * روى البخاري تعليقاً عن عكرمة قال: "إن ابن عباس ﵄ سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون والأنصار، وأزواج رسول الله ﷺ : في حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدي" طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: "من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله" ثم أمرنا عشية التروية: أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت،
стр. 2728
وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا، وعلينا الهدي، كما قال تعالى: (فما استيسر من الهدي، فإن لم تجدوا، فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم) إلى أمصاركم. الشاة تجزئ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله في كتابه، وسنة نبيه ﷺ ، وأباحه للناس، غير أهل مكة، قال الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وأشهر الحج التي ذكر الله: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر: فعليه دم، أو صوم. والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء".
أقول: إنما يعتبر الإنسان متمتعاً أو قارناً إذا أدى العمرة في أشهر الحج (شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة)، فمن أدى العمرة في هذه الأشهر فإن أحل بعدها فهو متمتع وإن لم يحل فهو قارن، وفي الحالتين فإن عليه دماً، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام قبل العاشر من ذي الحجة وسبعة بعدها، والأفضل أن يؤخرها حتى يرجع إلى أهله، وقوله في النص: (غير أهل مكة): كذلك قوله تعالى في القرآن بعد أن أباح التمتع: (ذلك لمن يكن أهله حاضري المسجد الحرام): ذهب أبو حنيفة إلى أن قوله "ذلك" إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ...) فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد.
وذهب الشافعي إلى أن قوله "ذلك" إشارة إلى لزوم الهدي على التمتع فيلزم الآفاقي المتمتع ولا يلزم المكي المتمتع.
٤٢١٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "أهل رسول الله ﷺ بعمرة، وأهل أصحابه بحج".
٤٢١١ - * روى ابن خزيمة عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أمر الناس عام حجة الوداع، فقال: "من أحب أن يرجع بعمرة قبل الحج فليفعل".
стр. 2729
٤٢١٢ - * روى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن أبي سلمة استأذن عمر ابن الخطاب ﵁ أن يعتمر في شوال، فأذن له، فاعتمر ثم قفل إلى أهله، ولم يحج".
٤٢١٣ - * روى البخاري عن عكرمة بن خالد المخزومي ﵀ قال: "سألت ابن عمر ﵄ عن العمرة قبل الحج؟ قال: لا بأس، اعتمر النبي ﷺ قبل الحج".
٤٢١٤ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أهل النبي ﷺ وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي وطلحة، فقدم علي من اليمن معه هدي، فقال: أهللت بما أهل به النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ أصحابه: أن يجعلوها عمرة ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا، إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: لو استقبلت. من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت. وحاضت عائشة، فنسكت المناسك كلها، غير أن لم تطف بالبيت، فلما طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بحجة؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر: أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج".
وفي رواية للبخاري (١) "أنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أقول لكم، فلولا أني سقت الهدي
стр. 2730
لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله. ففعلوا".
وفي رواية (١) له نحوه، وفيه "وقدمنا مكة لأربع خلون من ذي الحجة، فأمر النبي ﷺ : أن نطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ونجعلها عمرة ونحل، إلا من معه هدي".
وفيه "ولقيه سراقة بن مالك وهو يرمي الجمرة بالعقبة، فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصة؟ قال: بل للأبد- وذكر قصة عائشة، واعتمارها من التنعيم".
وفي أخرى (٢) له قال: "أهللنا- أصحاب محمد ﷺ بالحج خالصاً وحده. فقدم النبي ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فأمرنا: أن نحل".
وذكر نحوه، وقول سراقة، ولم يذكر قصة عائشة.
وفي أخرى (٣) له: قال "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج. فلما قدمنا مكة: أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس؟ فقال: يا أيها الناس أحلوا، فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم، قال: فأحللنا، حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر: أهللنا بالحج".
وفي أخرى (٤) للبخاري ومسلم مختصراً، قال: "قدمنا مع رسول الله ﷺ ، ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة".
стр. 2731
وفي رواية لمسلم (١): قال: "أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ : أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثياباً، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج". ففعلت، ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي: أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة".
زاد في رواية (٢) "وكان النبي ﷺ رجلاً سهلاً، إذا هويت الشيء تابعها عليه".
وفي أخرى (٣) لمسلم نحوه، وقال: "فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج، وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر: كل سبعة منا في بدنة".
وفي أخرى له (٤) عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله في ناس معي، قال: "أهللنا أصحاب محمد ﷺ بالحج خالصاً وحده، قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي ﷺ صبح رابعة من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل- قال عطاء: قال: حلوا وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم، ولكن أحلهن لهم. فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني- قال: يقول جابر
стр. 2732
بيده- كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها- قال: فقام النبي ﷺ فينا، فقال: قد علمتم: أني أتقاكم لله ، وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا، فحللنا، وسمعنا وأطعنا، قال عطاء: قال جابر: فقدم علي من سعايته فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : فأهد، وامكث حراماً، قال وأهدى له عليٌّ هدياً. فقال سراقة بن مالك ابن جعشم يا رسول الله، لعامنا هذا، أم للأبد؟ قال: للأبد".
وفي أخرى (١) له قال: "أمرنا رسول الله ﷺ ، لما أحللنا: أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح".
وفي أخرى (٢) له قال: "لم يطف النبي ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة، إلا طوافاً واحداً: طوافه الأول".
وأخرج أبو داود (٣): "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج خالصاً، لا يخالطه شيء. فقدمنا مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة فطفنا وسعينا، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نحل، وقال: لولا الهدي لحللت. فقام سراقة بن مالك، فقال: يا رسول الله، أرأيت متعتنا هذه: ألعامنا، أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ : بل هي للأبد".
أقول: من سياسات النبوة: أن يعلل رسول الله ﷺ أفعاله ليكون قناعة عند أصحابه وهذا شيء يغفل عنه كثير من الكبراء مفترضين بالناس التسليم لفعالهم بلا قيد ولا شرط ولا قناعة وفي سياسات النبوة المياسرة فيما ليس فيه ضرر ولا حرج ولا إثم ولذلك رأينا في النص: "وكان النبي ﷺ رجلاً سهلاً إذا هويت الشيء تابعها عليه".
وهو شيء يغفل عنه كثير من الناس، فبدلاً من أن يكون الأصل هو المطاوعة للزوجة والأتباع يجعلون الأصل هو المعاكسة، وهو شيء خلاف الأصل فيما لا ضرر ولا حرج ولا إثم فيه.
стр. 2733
٤٢١٥ - * روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال: بم أهللت؟ قلت: بإهلال النبي ﷺ . قال: هل سقت الهدي؟ قلت: لا. قال: فطف بالبيت والصفا والمروة، ثم حل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي، وكنت أفتي بذلك الناس، فلم أزل أفتي بذلك من يسألني في إمارة أبي بكر، فلما مات وكان عمر: إني لقائم في الموسم، إذ جاءني رجل، فقال: اتئد في فتياك، إنك لا تدري ما يحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فقلت: أيها الناس، من كنا أفتيناه بشيء فليتئد، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا. فلما قدم قلت له: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغني، أحدثت في شأن النسك؟ فقال: إن نأخذ بكتاب الله تعالى، فإن الله يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) (١) وإن نأخذ بسنة رسول الله- وقد قال: خذو عني مناسككم- فإن النبي ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي".
وفي رواية مسلم (٢) والنسائي (٣) أيضاً "أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة، فقال لهر جل: رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين، فلقيه بعد فسأله؟ فقال له عمر: قد علمت: أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت: أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم".
أقول: قوله: (ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي): الظاهر أنه قد جاء إلى زوجته وإلا فحاشاه أن يأتي إلى امرأة لا تحل له فتفعل به ذلك.
٤٢١٦ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، لا نرى إلا الحج حتى قدم رسول الله ﷺ مكة، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام
стр. 2734
ركعتين، ثم قال: "نبدأ بالذي بدأ الله به"، فبدأ بالصفا، حتى فرغ من أخر سبعة على المروة، فجاءه علي بن أبي طالب بهديه من اليمن، فقال له رسول الله ﷺ : "بم أهللت؟ " قال: قلت: "اللهم إني أهل بما أهل به رسولك.
قال ابن خزيمة: فقد أهل علي بن أبي طالب بما أهل به النبي ﷺ ، وهو غير عالم في وقت إهلاله ما الذي به أهل النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ إنما كان مهلاً من طريق المدينة، وكان علي بن أبي طالب ﵀ من ناحية اليمن، وإنما علم علي بن أبي طالب ما الذي أهل النبي ﷺ عند اجتماعهما بمكة، فأجاز ﷺ إهلاله بما أهل به النبي ﷺ ، وهو غير عالم في وقت إهلاله أهل النبي ﷺ بالحج أو بالعمرة أو بهما جميعاً. وقصة أبي موسى الأشعري من هذا الباب لما قدم على النبي ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال ﷺ : قد أحسنت، غير أن النبي ﷺ في المتعقب أمر علياً بغير ما أمر به أبا موسى، أمر علياً بالمقام على إحرامه إذ كان معه هدي، فلم يجد له الإحلال إلى أن بلغ الهدي محله، وأمر أبا موسى بالإحلال بعمرة إذ لم يكن معه هدي، ا. هـ.
أقول: إذا أراد الإنسان النسك فهو بين أن يريد الحج مفرداً أو يريد التمتع أو يريد القرآن، فإذا أراد أن يدخل في نسكه لبس لباس الإحرام وصلى ركعتين ثم قال- إن كان يريد القران-: "اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني، لبيك اللهم لبيك" ويتم التلبية، وإن أراد التمتع قال: "اللهم إني أريد العمرة" وإن أراد الحج قال: "اللهم إني أريد الحج" وبقية الأفعال واحدة ومنها المسنون ومنها الواجب.
٤٢١٧ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كانت لنا رخصة "يعني المعتة في الحج".
وفي رواية (١) قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة".
وفي أخرى (٢) قال أبو ذر: "لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني: متعة النساء، ومتعة الحج".
стр. 2735
وفي أخرى (١) نحو الأولى قال: "إنما كانت لنا رخصة دونكم".
وفي رواية أبي داود (٢) "أن أبا ذر كان يقول فيمن حج، ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك غلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ ".
وفي رواية النسائي (٣) "قال في متعة الحج: ليست لكم، ولستم منها في شيء، إنما كانت رخصة لنا أصحاب محمد ﷺ ".
وفي أخرى (٤) مختصراً قال: "كانت المتعة رخصة لنا".
قال محقق الجامع: هذه الروايات موقوفة على أبي ذر ﵁. قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: معنى هذه الروايات كلها أن فسخ الحج إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة، وهي حجة الوداع، ولا يجوز بعد ذلك، وليس مراد أبي ذر إبطال التمتع مطلقاً، بل مراده: فسخ الحج إلى العمرة، كما ذكرنا، وحكمته إبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج. "في قوله: لا تصلح المتعتان إلا لنا ... ".
قال النووي في شرح مسلم: معناه: إنما صلحتا لنا خاصة في الوقت الذي فعلناهما، ثم صارتا حراماً بعد ذلك إلى يوم القيامة، والله أعلم.
قال محقق الجامع: أما متعة النساء، فقد كانت مباحة، ثم نسخت وأصبحت حراماً إلى يوم القيامة، وأما متعة الحج، وهي فسخ الحج إلى العمرة، فهي عامة للناس جميعاً، وليست خاصة للصحابة في مذهب أحمد ومن تبعه.
٤٢١٨ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج. فنزلنا بسرف، قالت: فخرج إلى أصحابه، فقال: من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل،