وفي رواية لمسلم (١): قال: "أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ : أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثياباً، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج". ففعلت، ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي: أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة".
زاد في رواية (٢) "وكان النبي ﷺ رجلاً سهلاً، إذا هويت الشيء تابعها عليه".
وفي أخرى (٣) لمسلم نحوه، وقال: "فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج، وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر: كل سبعة منا في بدنة".
وفي أخرى له (٤) عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله في ناس معي، قال: "أهللنا أصحاب محمد ﷺ بالحج خالصاً وحده، قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي ﷺ صبح رابعة من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل- قال عطاء: قال: حلوا وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم، ولكن أحلهن لهم. فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني- قال: يقول جابر
стр. 2732
بيده- كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها- قال: فقام النبي ﷺ فينا، فقال: قد علمتم: أني أتقاكم لله ، وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا، فحللنا، وسمعنا وأطعنا، قال عطاء: قال جابر: فقدم علي من سعايته فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : فأهد، وامكث حراماً، قال وأهدى له عليٌّ هدياً. فقال سراقة بن مالك ابن جعشم يا رسول الله، لعامنا هذا، أم للأبد؟ قال: للأبد".
وفي أخرى (١) له قال: "أمرنا رسول الله ﷺ ، لما أحللنا: أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح".
وفي أخرى (٢) له قال: "لم يطف النبي ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة، إلا طوافاً واحداً: طوافه الأول".
وأخرج أبو داود (٣): "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج خالصاً، لا يخالطه شيء. فقدمنا مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة فطفنا وسعينا، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نحل، وقال: لولا الهدي لحللت. فقام سراقة بن مالك، فقال: يا رسول الله، أرأيت متعتنا هذه: ألعامنا، أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ : بل هي للأبد".
أقول: من سياسات النبوة: أن يعلل رسول الله ﷺ أفعاله ليكون قناعة عند أصحابه وهذا شيء يغفل عنه كثير من الكبراء مفترضين بالناس التسليم لفعالهم بلا قيد ولا شرط ولا قناعة وفي سياسات النبوة المياسرة فيما ليس فيه ضرر ولا حرج ولا إثم ولذلك رأينا في النص: "وكان النبي ﷺ رجلاً سهلاً إذا هويت الشيء تابعها عليه".
وهو شيء يغفل عنه كثير من الناس، فبدلاً من أن يكون الأصل هو المطاوعة للزوجة والأتباع يجعلون الأصل هو المعاكسة، وهو شيء خلاف الأصل فيما لا ضرر ولا حرج ولا إثم فيه.
стр. 2733
٤٢١٥ - * روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال: بم أهللت؟ قلت: بإهلال النبي ﷺ . قال: هل سقت الهدي؟ قلت: لا. قال: فطف بالبيت والصفا والمروة، ثم حل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي، وكنت أفتي بذلك الناس، فلم أزل أفتي بذلك من يسألني في إمارة أبي بكر، فلما مات وكان عمر: إني لقائم في الموسم، إذ جاءني رجل، فقال: اتئد في فتياك، إنك لا تدري ما يحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فقلت: أيها الناس، من كنا أفتيناه بشيء فليتئد، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا. فلما قدم قلت له: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغني، أحدثت في شأن النسك؟ فقال: إن نأخذ بكتاب الله تعالى، فإن الله يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) (١) وإن نأخذ بسنة رسول الله- وقد قال: خذو عني مناسككم- فإن النبي ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي".
وفي رواية مسلم (٢) والنسائي (٣) أيضاً "أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة، فقال لهر جل: رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين، فلقيه بعد فسأله؟ فقال له عمر: قد علمت: أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت: أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم".
أقول: قوله: (ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي): الظاهر أنه قد جاء إلى زوجته وإلا فحاشاه أن يأتي إلى امرأة لا تحل له فتفعل به ذلك.
٤٢١٦ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، لا نرى إلا الحج حتى قدم رسول الله ﷺ مكة، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام
стр. 2734
ركعتين، ثم قال: "نبدأ بالذي بدأ الله به"، فبدأ بالصفا، حتى فرغ من أخر سبعة على المروة، فجاءه علي بن أبي طالب بهديه من اليمن، فقال له رسول الله ﷺ : "بم أهللت؟ " قال: قلت: "اللهم إني أهل بما أهل به رسولك.
قال ابن خزيمة: فقد أهل علي بن أبي طالب بما أهل به النبي ﷺ ، وهو غير عالم في وقت إهلاله ما الذي به أهل النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ إنما كان مهلاً من طريق المدينة، وكان علي بن أبي طالب ﵀ من ناحية اليمن، وإنما علم علي بن أبي طالب ما الذي أهل النبي ﷺ عند اجتماعهما بمكة، فأجاز ﷺ إهلاله بما أهل به النبي ﷺ ، وهو غير عالم في وقت إهلاله أهل النبي ﷺ بالحج أو بالعمرة أو بهما جميعاً. وقصة أبي موسى الأشعري من هذا الباب لما قدم على النبي ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال ﷺ : قد أحسنت، غير أن النبي ﷺ في المتعقب أمر علياً بغير ما أمر به أبا موسى، أمر علياً بالمقام على إحرامه إذ كان معه هدي، فلم يجد له الإحلال إلى أن بلغ الهدي محله، وأمر أبا موسى بالإحلال بعمرة إذ لم يكن معه هدي، ا. هـ.
أقول: إذا أراد الإنسان النسك فهو بين أن يريد الحج مفرداً أو يريد التمتع أو يريد القرآن، فإذا أراد أن يدخل في نسكه لبس لباس الإحرام وصلى ركعتين ثم قال- إن كان يريد القران-: "اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني، لبيك اللهم لبيك" ويتم التلبية، وإن أراد التمتع قال: "اللهم إني أريد العمرة" وإن أراد الحج قال: "اللهم إني أريد الحج" وبقية الأفعال واحدة ومنها المسنون ومنها الواجب.
٤٢١٧ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كانت لنا رخصة "يعني المعتة في الحج".
وفي رواية (١) قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة".
وفي أخرى (٢) قال أبو ذر: "لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني: متعة النساء، ومتعة الحج".
стр. 2735
وفي أخرى (١) نحو الأولى قال: "إنما كانت لنا رخصة دونكم".
وفي رواية أبي داود (٢) "أن أبا ذر كان يقول فيمن حج، ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك غلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ ".
وفي رواية النسائي (٣) "قال في متعة الحج: ليست لكم، ولستم منها في شيء، إنما كانت رخصة لنا أصحاب محمد ﷺ ".
وفي أخرى (٤) مختصراً قال: "كانت المتعة رخصة لنا".
قال محقق الجامع: هذه الروايات موقوفة على أبي ذر ﵁. قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: معنى هذه الروايات كلها أن فسخ الحج إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة، وهي حجة الوداع، ولا يجوز بعد ذلك، وليس مراد أبي ذر إبطال التمتع مطلقاً، بل مراده: فسخ الحج إلى العمرة، كما ذكرنا، وحكمته إبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج. "في قوله: لا تصلح المتعتان إلا لنا ... ".
قال النووي في شرح مسلم: معناه: إنما صلحتا لنا خاصة في الوقت الذي فعلناهما، ثم صارتا حراماً بعد ذلك إلى يوم القيامة، والله أعلم.
قال محقق الجامع: أما متعة النساء، فقد كانت مباحة، ثم نسخت وأصبحت حراماً إلى يوم القيامة، وأما متعة الحج، وهي فسخ الحج إلى العمرة، فهي عامة للناس جميعاً، وليست خاصة للصحابة في مذهب أحمد ومن تبعه.
٤٢١٨ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج. فنزلنا بسرف، قالت: فخرج إلى أصحابه، فقال: من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل،
стр. 2736
ومن كان معه الهدي فلا. قالت: فالآخذ بها، والتارك لها من أصحابه، قالت: فأما رسول الله ﷺ ورجال من أصحابه، فكانوا أهل قوة، وكان معهم الهدي، فلم يقدروا على العمرة، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا هنتاه؟ قلت: سمعت قولك لأصحابك: فمنعت العمرة، قال: وما شأنك؟ قلت: لا أصلي، قال: فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها، قالت: فخرجنا في حجته".
وفي رواية (١): "فخرجت في حجتي، حتى قدمنا مني، فطهرت، ثم خرجت من منى، فأفضت بالبيت، قالت: ثم خرجت معه في النفر الآخر، حتى نزل المحصب، ونزلنا معه، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: اخرج بأختك من الحرم، فلتهل بعمرة، ثم افرغا، ثم ائتيا ها هنا، فإني أنظركما حتى تأتيا، قال: فخرجنا، حتى إذا فرغت من الطواف جئته بسحر، فقال: هل فرغتم؟ قلت: نعم، فأذن بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس، فمر متوجهاً إلى المدينة".
وفي أخرى (٢) نحوه: وفي آخره: "فأذن في أصحابه بالرحيل، فخرج، فمر بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة".
وفي أخرى (٣) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: والله لوددت: أني لم أكن خرجت العام، فقال: مالك، لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري، قالت: فلما قدمت مكة، قال رسول الله ﷺ :
стр. 2737
اجعلوها عمرة، فأحل الناس، إلا من كان معه الهدي. قالت: فكان الهدي مع رسول الله وأبي بكر وعمر، وذوي اليسارة، ثم أهلوا حين أراحوا، قالت: فلما كان يوم النحر طهرت، فأمرني رسول الله ﷺ ، فأفضت. قالت: فأتينا بلحم بقر. فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله عن نسائه بالبقر، فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله، أيرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟ قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني على جمله، قالت: فإني لأذكر- وأنا حديثة السن أنعس فيصيب وجهي مؤخرة الرحل- حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللنا منها بعمرة، جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا".
وفي أخرى (١) قالت: "خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج. فقدمنا مكة، فقال رسول الله ﷺ : من أحرم بعمرة، ولم يهد، فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى، فلا يحلل حتى يحل نحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه، قالت: فحضت، فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة، ولم أهلل إلا بعمرة، فأمرني رسول الله ﷺ : أن أنقض رأسي، وأمتشط وأهل بالحج وأترك العمرة. ففعلت ذلك، حتى قضيت حجي، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرني: أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم".
وفي أخرى (٢) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً. فقدمت مكة- وأنا حائض- ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة، قالت: ففعلت. فلما قضينا الحج، أرسلني رسول الله مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك، قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا طوافاً واحداً".
стр. 2738
وفي أخرى (١) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة: فأهل رسول الله ﷺ بحج وأهل به ناس معه، وأهل معه ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة".
وفي أخرى (٢) قالت: "خرجنا مع رسول الله موافقين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : من أحب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يهل بحجة فليهل، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة، فمنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحج، وكنت فيمن أهل بعمرة، فحضت قبل أن أدخل مكة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، وذكر نحو ما سبق".
وقال في آخره: "فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة، ولا صوم".
وفي أخرى (٣) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج. فأما من أهل بعمرة: فحل. وأما من أهل بحج، أو جمع الحج والعمرة: فلم يحلوا حتى كان يوم النحر".
وفي أخرى (٤) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، لا نرى إلا أنه الحج. فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت، فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي فأحللن. قالت عائشة: فحضت فلم أطف بالبيت، فلما كانت ليلة الحصبة، قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع أنا بحجة؟ قال: أوما كنت طفت ليالي قدمنا مكة؟ قلت: لا، قال:
стр. 2739
فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة، ثم موعدك مكا كذا وكذا، قالت صفية: ما أراني إلا حابستكم، قال: عقري حلقي، أوما كنت طئفت يوم النحر؟ قالت بلى، قال: لا بأس عليك، انفري. قالت عائشة: فلقيني رسول الله ﷺ ، وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة عليها- أو أنا مصعدة، وهو منهبط منها".
وفي أخرى (١) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ نلبي، لا نذكر حجاً ولا عمرة ... " وذكر الحديث بمعناه.
وفي أخرى (٢) قالت: "قلت: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك واحد، قال: انتظري، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم، فأهلي منه، ثم ائتيا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك، أو نصبك".
وفي أخرى (٣) قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا أنه الحج، فلما كنا بسرف حضت، حتى إذا دنونا من مكة: أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي- إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة- أن يحل، قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه".
وفي أخرى (٤) قالت: "خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف أو قريباً منها حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: مالك، أنفست؟ قلت: نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت، قالت: وضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر".
стр. 2740
وللبخاري أطراف من هذا الحديث، قالت عائشة: "منا من أهل بالحج مفرداً، ومنا من قرن، ومنا من تمتع".
وفي راوية (١) قال: "جاءت عائشة حاجَّة" لم يزد.
وفي رواية (٢): "أنها قالت: يا رسول الله أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر: أن ينطلق بها إلى التنعيم، قالت: فأردفني خلفه على جمل له، قالت: فجعلت أرفع خماري، أحسره عن عنقي، فيضرب رجلي بعلة الراحلة، فقلت له: وهل ترى من أحد؟ قالت: فأهللت بعمرة، ثم أقبلنا حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ ، وهو بالحصبة".
ولمالك (٣) قالت: "قدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، حتى تطهري".
وفي رواية لأبي داود (٤): أنر سول الله ﷺ ، قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت: لما سقت الهدي- قال أحد رواته: أحسبه قال: ولحللت مع الذين أحلوا من العمرة- قال: أراد: أن يكون أمر الناس واحداً".
أقول: من سياسات النبوة في الحج تخفيف الضغط عن مكة، يظهر ذلك في مبيت الناس في منى قبل الوقوف بعرفة وبعده، ويظهر ذلك في نزوله بالمحصب بعد منى، وفي منع عبد الرحمن أخته عائشة ﵄ من كشف الوجه دليل على أن تغطية المرأة وجهها كان موجوداً منذ عصر النبوة، والجمع بين ستر عائشة وجهها وبين كونها محرمة أن حجابها كان متجافياً عن وجهها. فإحرام المرأة في وجهها، وإذا أرادت أن تستره فإنها تضع عيداناً تتقدم على رأسها وتضع حجابها على وجهها فيبقى حجابها متجافياً عنه، ويرى الحنابلة: أن المرأة إذا سترت وجهها في الإحرام بسبب الرجال فلا حرج عليها.
٤٢١٩ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً: طوافه الأول".
أقول: إنما يجب على الحاج المفرد سعي واحد فإما أن يسعى بعد طواف القدوم وهذا يكفيه وإما أن يسعى بعد طواف الإفاضة، وعلى المعتمر أن يسع. والخلاف في القارن هل يجزئه سعي واحد لحجه وعمرته؟
٤٢٢٠ - * روى مالك في الموطأ عن عائشة ﵂: كانت تقول: "الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هدياً: ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم صام أيام منى".
٤٢٢١ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: "من اعتمر في أشهر الحج: في شوال، أو ذي القعدة، أو ذي الحجة، قبل الحج، ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج، فهو متمتع إن حج، وعليه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع". قال مالك: وذلك إذا أقام حتى الحج، ثم حج من عامه.
стр. 2743
وفي راوية (١) له قال: "والله، لأن أعتمر قبل الحج وأهدي: أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج، في ذي الحجة".
٤٢٢٢ - * روى الشيخان عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر ﵄ "كان يسمع أسماء تقول، كلما مرت بالحجون: صلى الله على رسول الله ﷺ : لقد نزلنا معه ها هنا، ونحن يومئذ خفاف الحقائب، قليل ظهرنا، قليلة أزوادنا، فاعتمرنا معه، أنا وأختي عائشة، ومعنا الزبير، وفلان وفلان، فلما مسحنا أحللنا، ثم أهللنا من العشي بالحج".
أقول: تذكر الروايات الكثيرة أن رسول الله ﷺ لم يحل، فالظاهر أن الذي أحل غيره ممن كان مع أسماء والظاهر أن هذه المجموعة أهلت بالحج في اليوم الذي أحلت فيه، بينما الروايات الأخرى تذكر أن من أحل أهل بالحج يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة.
٤٢٢٣ - * روى أحمد عن كريب مولى ابن عباس أنه قال: "يا أبا عباس أرأيت قولك:
стр. 2744
ما حج رجل لم يسق الهدي معه ثم طاف بالبيت إلا حل بعمرة، وما طاف بها حاج قط ساق معه الهدى إلا اجتمعت له حجة وعمرة، والناس لا يقولون هذا؟ قال ويحك إن رسول الله ﷺ خرج ومن معه من أصحابه لا يذكرون إلا الحج فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه الهدي أن يطوف بالبيت ويحل بعمرة فجعل الرجل منهم يقول يا رسول الله إنما هو الحج فيقول رسول الله ﷺ : إنه ليس بالحج ولكنها عمرة".
٤٢٢٤ - * روى أحمد عن أبي عمر، أن أسلم قال: "حججت مع موالي فدخلت على أم سلمة زوج النبي ﷺ قلت: أعتمر قبل أن أحج؟ قالت: إن شئت فاعتمر قبل أن تحج وإن شئت فبعد أن تحج قال: فقلت إنهم يقولون من كان صرورة فلا يصلح أن يعتمر قبل أن يحج قال: فسألت أمهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت فأخبرتها بقولهن قال: فقالت نعم وأشفيك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في الحج.
أقول: المراد بالصرورة في النص: من لم يحج قبل ذلك، فكأنه كانت هناك شائعة تقول من لم يحج فليس له أن يعتمر قبل الحج، فأبطل أزواج النبي ﷺ هذه الشائعة.
стр. 2745
الباب السادس
في الإحصار والفوات والفدية والاشتراط
وفيه عرض إجمالي ونصوص
стр. 2746
عرض إجمالي
يتعلق هذا الفصل بأحكام الإحصار والفوات ورفض الإحرام ولكل حكم:
ف أما الإحصار:
فهو منع المحرم من إتمام الحج من كل الطرق، وعند الحنفية: الإحصار يكون بعدو أو مرض أو سد منافذ الطريق أو ضياع نفقة، وعند الجمهور: الإحصار يكون بعدو فقط أما من مرض أو ضاعت نفقته فإنه يصبر حتى يتمكن، فإن فاته الحج، لزمه المسير إلى مكة، فيتحلل بعمرة، وعليه القضاء. ومن ذهبت نفقته ومعه هدي، بعث بالهدي ليذبح بمكة، ويبقى على إحرامه.- ما دام سبب المنع غير العدو وسد المنافذ- حتى يصل إلى مكة فيتحلل بعمرة ويقضى. لكن له أن يشترط أن يتحلل بمرض أو عذر طارئ، فإذا أشترط، فلا شيء عليه عند الحنابلة. أما عند الحنفية والشافعي لا: فعليه دم.
والتحلل يكون بأعمال العمرة فإن لم يقدر: يذبح هدياً في مكانه الذي حصر فيه عند الجمهور، وقال الحنفية: يرسله إلى مكة ليذبح عنه، أو يرسل ثمنه إن لم يكن، فإن كان قارناً؛ فعليه دمان عند الحنفية، ودم واحد عند الشافعية والحنابلة.
فإن لم يكن مع المحصر هدي، ينتقل إلى بدله طعاماً عند الشافعية، فإن لم يقدر، يصوم عن كل مد يوماً. وعند الحنابلة: ينتقل إلى صوم عشرة أيام ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يرى الحنفية والمالكية أن للهدي بدلاً، لأنه لم يذكر في القران مع الذبح، ينوي التحلل ثم يحلق رأسه أو يقصر عند الشافعية والحنابلة، فإذا تحلل حل له كل شيء.
القضاء:
وعليه قضاء حجة وعمرة وعلى القارن حجة وعمرتان عند الحنفية.
فإن زال الحصر قبل التحلل وأدرك الهدي قبل الحج، لم يجز له التحلل، وإن أدرك
стр. 2747
الهدي دون الحج، تحلل. وإن قدر على إدراك الحج دون الهدي، يجوز له التحلل عند الحنفية.
وعند الجمهور: إذا زال الحصر قبل تحلله يمضي لنسكه، وإن زال الحصر بعد فوات الحج تحلل بعمرة، وإن فات الحج قبل زوال الحصر تحلل بهدي.
أما الفوات:
فهو أن يفوت المحرم بالحج- نفلاً أو فرضاً- الوقوف بعرفة حتى طلوع فجر يوم النحر.
فمن فاته الحج يتحلل بأفعال العمرة بإحرامه السابق ثم يقضي من عام قابل ولا دم عليه عند الحنفية. أما الجمهور فقالوا: يتحلل بعمرة ويقضي على الفور من القابل ويلزمه الهدي في وقت القضاء. ويقضي مثل ما كان قد أهل به، إن كان قارناً، وعليه دمان.
ومن اختار البقاء على إحرامه إلى العام القادم جاز.
وإذا أخطأ الناس في وقت الوقوف أجزأهم؛ لأنه بمثابة من غم عليه الهلال. فإن أصاب البعض وأخطأ الآخرين وعرف الخطأ، لم يجزئ المخطئين.
رفض الإحرام:
وهو ما لم يكن بعذر بأن يقول: أنا أرفض الإحرام وأحل، فعمل ما يعمل الحلال، فإنه يظل محرماً تلزمه أحكام المحرم فعليه في كل فعل فعله دم، وإن كان نوى ولم يتلبس بأفعال الحج ثم غير نيته؛ فليس عليه شيء.
انظر (فتح القدير ٢/ ٢٩٥ - ٣٠٣)، (الاختيار: ١٦٨)، (الشرح الصغير ٢/ ١٣٠ - ١٣٦)، (المهذب ١٢/ ١/ ٢٣٣ - ٢٣٥)، (الفقه المنهجي: ١٧٥)، (المغني ٣/ ٥٢٦ فما بعد)، (الفقه الإسلامي ٣/ ٢٨٣ - ٢٩٥).
стр. 2748
النصوص
- التحلل لعذر المرض وغيره:
٤٢٢٥ - * روى أبو داود عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل".
قال عكرمة: فسمعته يقول ذلك، فسألت ابن عباس وأبا هريرة عما قال، فصدقاه.
وزاد أبو داود في رواية (١) أخرى: "أو مرض".
٤٢٢٦ - * روى مالك في الموطأ عن سليمان بن يسار ﵀ "أن معبد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، فسأل على ذلك الماء الذي كان عليه، فوجد عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، فذكر لهم ذلك الذي عرض له، فكلهم أمره أن يتداوى بما لابد منه ويفتدي، فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه، ثم عليه حج قابل، ويهدي ما استيسر من الهدي".
٤٢٢٧ - * روى الشيخان عن كعب بن عجرة ﵁ قال: "أتى علي رسول الله ﷺ ، وأنا أوقد تحت قدر لي، والقمل يتناثر على وجهين فقال: أيؤذيك هو أم رأسك؟ قال: قلت: نعم، قال: فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة- لا أدري بأي ذلك بدأ".
وفي رواية (٢) قال: "في نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ
стр. 2749
رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) قال: فأتيته، فقال: ادنه، فدنوت، فقال: ادنه، فدنوت فقال: أيؤذيك هوآمك؟ - قال ابن عون: وأظنه قال: نعم- قال: فأمرني بفدية من صيام، أو صدقة، أو نسك: ما تيسر".
وفي أخرى (٢): "أن رسول الله ﷺ وقف عليه ورأسه يتهافت قملاً، فقال: أيؤذك هوامك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك، قال: ففي نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ...﴾ وذكر الآية، فقال لي رسول الله ﷺ : صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة، أو انسك ما تيسر".
وفي أخرى (٣): "أن النبي ﷺ مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه، ولم يتبين لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية ... وذكر نحوه".
وفي أخرى (٤): "والفرق: ثلاثة آصع" وفيه: "أو انسك نسيكة".
وفي أخرى (٥): "أو اذبح شاة".
وفي أخرى (٦): "فدعا بالحلاق فحلقه" ثم ذكر الفداء.
وفي أخرى (٧): بنحوه، وفيها: "أن النبي ﷺ قال له: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى- أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى- أتجد شاة؟ قلت: لا قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. قال كعب فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة".
стр. 2750
وفي رواية الموطأ (١): "أنه كان مع رسول الله ﷺ محرماً، فآذاه القمل، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال له: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين لكل إنسان، أو انسك بشاة، أي ذلك فعلت أجزأ عنك".
وفي رواية أبي (٢) داود: "أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية، فقال: "قد آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم، قال: فقال النبي ﷺ : احلق، ثم اذبح شاة نسكاً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين".
وفي أخرى (٣) قال: "إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين".
وفي أخرى (٤) له قال: "أمعك دم؟ قال: لا ... فذكر نحوه، وقال: بين كل مسكينين صاع".
وفي أخرى (٥): "أنه كان قد أصاب في رأسه أذى، فحلق، فأمره رسول الله ﷺ : أن يهدي هدياً بقرة".
وفي أخرى (٦) له قال: أصابني هوام في رأسي، وأنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، حتى تخوفت على بصري. قال: فأنزل الله في: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ...﴾ الآية. فدعاني رسول الله ﷺ ، فقال لي: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقاً من زببيب، أو انسك شاة، فحلقت رأسي ثم نسكت".
стр. 2751
قال في رواية (١): "أي ذلك فعلت أجزأ عنك".
٤٢٢٨ - * روى مالك في الموطأ عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر ﵀ "أنه كان مع عبد الله بن جعفر، فخرج معه من المدينة، فمروا على حسين ابن علي وهو مريض بالسقيا، فأقام عليه عبد الله بن جعفر، حتى إذا خاف الفوت خرج، وبعث إلى علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس- وهما بالمدينة- فقدما عليه، ثم إن حسينا أشار إلى رأسه، فأمر علي برأسه فحلق، ثم نسك عنه بالسقيا، فنحر عنه بعيراً".
قال يحيى بن سعيد: وكان حسني خرج مع عثمان بن عفان في سفره ذلك إلى مكة.
- الاشتراط في الحج:
٤٢٢٩ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال: أهلي بالحج واشترطي: أن محلي حيث تحبسني، قال: فأدركت".
وفي رواية (٢): "أن ضباعة أرادت الحج، فأمرها النبي ﷺ أن تشترط، ففعلت ذلك عن أمر رسول الله ﷺ ".
стр. 2752
وفي راوية الترمذي (١) وأبي داود (٢): "أنها أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، أفأشترط؟ قال: نعم، قالت: كيف أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهم لبيك، محلي من الأرض حيث تحبسني".
وللنسائي (٣) مثل الثالثة، وزاد "فإن لك على ربك ما استثنيت".
٤٢٣٠ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير وقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني. وكانت تحت المقداد بن الأسود".
أقول: إن الحنفية اعتبروا المرض عذراً من أعذار الإحصار سواء اشترط أو لم يشترط ولذلك قالوا: إذا اشترط ثم مرض وتحلل لا يسقط عنه الدم، ووافقهم الشافعية في عدم سقط الدم عنه. وقال الحنابلة: لا شيء عليه "أي المشترط".
الصبر على المرض حتى يتحلل بعمرة:
٤٢٣١ - * روى مالك في الموطأ عن أيوب بن أبي تميمة السختياني ﵀ عن رجل من أهل البصرة- كان قديماً- أنه قال: "خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، والناس، فلم يرخص لي أحد أن أحل، وأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة".
- الإحصار بالعدو والحبس:
٤٢٣٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ كان
стр. 2753
يقول: "أليس حسبكم سُنة رسول الله ﷺ ؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت والصفا والمروة، ثم حل من كل شيء، حتى يحج عاماً قابلاً، فيهدي، أو يصوم إن لم يجد هدياً؟ ".
وفي رواية (١) الموطأ: قال: "المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة".
وفي أخرى (٢) له: قال: "المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، فإن اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لابد له منها، أو الدواء، صنع ذلك، وافتدى".
- ما يجب على المتحلل:
٤٢٣٣ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: "أحصر رسول الله ﷺ ، فحلق رأسه، ونحر هديه، وجامع نساءه، حتى اعتمر عاماً قابلاً".
- بعث الهدي إلى الحرم لمن استطاع:
٤٢٣٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "إنما البدل على من نقض حجة بالتلذذ، فأما من حبسه عذر، أو غير ذلك، فإنه لا يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي- وهو محصر- نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به، لم يحل حتى يبلغ الهدي محله".
- التحلل بعمرة لمن فاته الوقوف بعرفة:
٤٢٣٥ - * روى مالك في الموطأ عن سليمان بن يسار "أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله
стр. 2754
عنه خرج حاجاً، حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة أضل رواحله، وإنه قدم على عمر ابن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال عمر: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإذا أدركك الحج قابلاً فاحجج، وأهد ما استيسر من الهدي".
٤٢٣٦ - * روى مالك في الموطأ عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵃ قالا: "ما استيسر من الهدي: هو شاة".
أقول: في النص إشارة وتفسير لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
стр. 2755
الباب السابع
في الإحرام ولباسه وفي التلبية وما يحل للمحرم
وما يحرم عليه وفي الجنايات على الإحرام والحج
وفيه عرض إجمالي ونصوص
стр. 2756
عرض إجمالي
هناك حرم وإحرام، فالحرم له حقوق لا يصح تجاوزها، ومن تجاوزها، فقد ارتكب جناية بحسب نوع هتك حرمة الحرم، والإنسان إذا أحرم ترتبت عليه بسبب إحرامه واجبات، فإذا أخل بها فإن عليه أن يفعل شيئاً في مقابل الخلل على حسب ما رتبه الشارع. قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) فهذان نموذجان على ما يحظر على المحرم، والإحرام- بمعناه العام- كما أوضحه ابن الأثير:
مصدر أحرم الرجل يحرم إحراماً: إذا أهل بالحج أو العمرة، وباشر أسبابهما وشروطهما من خلع المخيط واجتناب الأشياء التي منعه الشرع منها، كالطيب والنكاح والصيد ونحو ذلك، والأصل فيه: المنع، وكأن المحرم منع من هذه الأشياء. وأحرم الرجل: إذا دخل في الشهور الحرم، وإذا دخل الحرم. ا. هـ.
والإحرام مظهر من مظاهر تعظيم الحرم. وهو نية وعمل وامتناع عن أشياء، أما النية: فهي ركن من أركان الحج والعمرة ويترتب على الخلل فيما يلزم المحرم أو فيما يجب الامتناع عنه عقوبات.
وإذا تم الإحرام، لا يخرج منه إلا بعمل النسك الذي أحرم به، فإن أفسده، وجب قضاؤه. وإن فاته الوقوف بعرفة، أتمه عمرة وعليه القضاء، وإن أحصر أي منع عن إكماله، ذبح هدياً وقضاه، ولا ينعقد الإحرام بدون النية. فإن اقتصر على النية ولم يلب أجزأه عند الشافعية والحنابلة، وإن لبى بلا نية، لم ينعقد إحرامه، ولا يشترط قرن النية بالتلبية خلافاً للحنفية والأفضل أن ينطق بما نواه فيقول: "اللهم إني أريد الحج أو العمرة، فيسره لي وتقبله مني". وإن أراد القران قال: "اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني".
والأفضل أن يعين المحرم ما أحرم به من حج أو عمرة أو هما معاً للتعيين أفضل من الإطلاق، لأن النبي ﷺ أمر أصحابه بالإحرام بنسك معين.
стр. 2757
- قال الحنفية: لو أحرم بالحج ولم يعين حجة الإسلام وعليه حجة الإسلام، يقع عنها استحساناً؛ لأن الظاهر من حاله أنه لا يريد بإحرام الحج حجة التطوع. ويبقي نفسه في عهدة الفرض، فيحمل على حجة الإسلام بدلالة حاله، فكان الإطلاق فيه تعييناً كما في صوم رمضان. ويصح إبهام الإحرام، وهو أن يحرم بما أحرم به فلان فإن لم يكن فلان محرماً. انعقد إحرامه مطلقاً، وإن كان محرماً بنسك معين، انعقد إحرامه كإحرامه وإن تعذر معرفة إحرامه بموته كان حكمه كالناسي.
وحكم الناسي: إذا أحرم بنسك ثم نسي ما عينه أهو حج أو عمرة أو هما معاً، يكون قراناً عند الجمهور، لأنه تلبس بالإحرام يقيناً فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه فيعمل أعمال النسكين ليتحقق الخروج عما شرع فيه فتبرأ ذمته من الحج بعد إتيانه بأعماله ولا تبرأ ذمته من العمرة لاحتمال أنه أحرم بالحج.
وأجاز جمهور الفقهاء إدخال الحج على العمرة بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة واتفق العلماء على أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه عام حجه بفسخ الحج إلى العمرة. فإنه ﵊ أمر من لم يسق الهدي من أصحابه أني فسخ إهلاله بالحج إلى العمرة. ثم اختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص للصحابة في تلك السنة خاصة أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة. فقال الجمهور منهم غير الحنابلة: هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج.
ومما لا بأس به للمحرم: أن يتوسد عمامة أو وسادة أو ينغمس في ماء أو يستظل بمحمل أو نحوه ولا يضر وضع يده على رأسه، ولو طال، وللغير شد خيط عليه لصداع أو غيره ويجوز الاستظلال بمظلة أو بيت أو سيارة أو شجر أو خيمة.
- وضابط ما يحرم لبسه على المحرم: هو الملبوس والمعمول على قدر البدن أو قدر عضو منه بحيث يحيط به، إما بخياطة وإما بغير خياطة. فيشمل القميص والسراويل والجبة والخف، والقميص المنسوج غير المخيط، والدرع والجورب والملزق بعضه ببعض والمعقود في سائر أجزاء بدنه والمعتبر في اللبس العادة في كل ملبوس، إذ به يحصل الترفه، فلو ارتدى بالقميص أو القباء أو التحف بهما أو أتزر بالسراويل، فلا بأس ولا فدية ولو ألقى على
стр. 2758
جسده قباء أو عباءة وكان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد عناية، ولم تلزمه الفدية فله أن يجعل المخيط على ظهره من غير لباس ملتحفاً به أو مرتدياً. وأجاز الشافعية والحنفية للمرأة المحرمة ستر وجهها بغير اختيارها بوجود حاجز عن الوجه فقالوا: للمرأة أن تسدل على وجهها ثوباً متجافياً عنه بخشبة ونحوها، سواء فعلته لحاجة من حر أو برد أو خوف فتنة ونحوها أو لغير حاجة، فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وجهها ورفعته في الحال فلا فدية وإن كان عمداً أو وقعت بغير اختيارها فاستدامت، لزمتها الفدية.
وضابط حرمة الطيب للمحرم: هو مس الطيب بحيث يلزق شيء منه بثوبه أو بدنه كاستعمال ماء الورد والمسك وغيرهما ولا بأس أن يغتسل المحرم ويدخل الحمام؛ لأنه طهارة فلا يمنع منها، وله أن يكتحل، لأن الكحل ليس له رائحة طيبة فلا يكون طيباً ولكن لا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمي؛ لأنه نوع طيب، وإزارة شعر المحرم من جميع بدنه ولو من أنفه بالحلق أو النتف أو تقليم الأظافر حرام بالاتفاق: فلا يقلم أظفاره، ولا ينتف إبطه، ولا يحلق عانته ولا شاربه وغيرهما من شعور البدن، ولا يقص شعره وشعر غيره ولا يقتل قملة ولا برغوثاً، ولا يحك ما لا يراه من بدنه حكاً عنيفاً؛ لئلا تكون فيه قملة فتقع، وذلك كله بغير عذر فإن كان بعذر، فلا إثم.
ويحرم على المحرم عقد الزواج ولا يصح عند الجمهور إلا في حق النبي ﷺ إن ثبت تزوجه ميمونة وهو محرم. فلا يتزوج المحرم ولو بوكيل غير محرم، ولا يزوج بولاية أو وكالة، فإن فعل فالزواج باطل، وتكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب لحلال (غير محرم). ويحرم على المرأة الحلال تمكين زوجها المحرم من الجماع؛ لأنه إعانة على معصية، ويحرم على الرجل الحلال جماع زوجته المحرمة.
ويجوز للمحرم بالاتفاق أن يتجر ويصنع البضائع، ويرتجع زوجته ما دامت في عدتها.
وقال العلماء: لا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول وغير المأكول إلا المؤذي غالباً.
والصيد الممنوع: كل حيوان بري متوحش بأصل الخلقة مباح أو مملوك، فلا يحرم على المحرم ذبح الإبل والبقر والغنم، لأنها ليست بصيد، لعدم الامتناع، والصيد: هو الممتنع المتوحش، ولا يحرم الدجاج والبط الذي في المنازل ويحل صيد البحر للحلال والمحرم.
стр. 2759
والبحري: هو الذي توالده في البحر، سواء أكان لا يعيش في البحر أو يعيش في البحر والبر.
والبري: ما يكون توالده في البر، سواء أكان يعيش إلا في البر أو البر والبحر، فالعبرة للتوالد.
- ولا بأس بقتل البرغوث والبعوض والذباب والقراد والزنبور، لأنها ليست بصيد: لانعدام التوحش والامتناع، ولأن هذه الأشياء من المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً.
- ولا يقتل المحرم القملة، لا لأنها صيد، بل لما فيها من إزالة التفث، والمحرم منهي عن إزالة التفث من بدنه، فإن قتلها تصدق بشيء كما لو أزال شعرة.
وإن ذبح أو قتل المحرم صيداً فذبيحته ميتة بالاتفاق، لا يحل أكلها لأحد من محرم أو حلال.
والجناية نوعان:
أولاً: الجناية على الإحرام: وهي ارتكاب مخالفة لأعمال الحج أو العمرة، أو اقتراف محظور من محظورات الإحرام، وترك واجب من واجبات الحج ولو كان الجاني ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو محطئاً أو مغمى عليه.
ثانياً: جناية على الحرم: وهي التعرض لصيد الحرم وشجره سواء من المحرم أو غيره. إذا كان الشخص مكلفاً ولو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مخطئاً، وذلك يوجب ضمان المثل أو القيمة، وقد مر معنا في الباب الأول نصوص كثيرة تبين محظورات الحرم.
وقال الجمهور- غير الحنفية-: إذا لبس المحرم، أو حلق شعره، أو قلم أظفاره، أو تطيب، أو دهن، يخير في الفدية بين ذبح شاة يتصدق بها، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. وإذا حلق المحرم رأس حلال، أو قلم أظفاره؛ فلا فدية عليه عند الجمهور.
وإن حلق محرم رأس محرم بإذنه لا للتحلل أو حلقه حلال بإذنه؛ فالفدية على المحلوق.
وإن أتلف المحرم صيداً له مثل من النعم، ففيه مثله عند الشافعية والمالكية، وإن لم يكن له مثل، ففيه قيمة ويتخير في جزاء إتلاف الصيد المثلي بين ثلاثة أمور: ذبح مثله،
стр. 2760
والتصدق به على مساكين الحرم، أو أن يقوم المثل بالدراهم ويشتري به طعاماً لمساكين الحرم، أو يصوم عن كل مد يوماً، وغير المثلي: يتصدق بقيمته طعاماً أو يصوم عن كل مد يوماً.
وقاعدة الضمان: كل ما يضمن به الآدمي، يضمن به الصيد من مباشرة وتسبب وما جنت عليه دابته بيدها أو فمها من الصيد فالضمان على راكبها أو قائدها أو سائقها، وما جنت برجلها، فلا ضمان عليه؛ لأنه لا يمكن حفظ رجلها.
وكلما قتل صيداً حكم عليه، فيجب الجزاء بقتل الصيد الثاني، كما يجب عليه إذا قتله ابتداء، لأنه كفارة عن قتل، فاستوى فيه المبتدئ والعائد كقتل الآدمي، ولأن هذه الكفارة بدل متلف يجب به المثل أو القيمة، فأشبه بدل مال الآدمي.
محظورات الإحرام: وهي ما يحرم معلى المحرم حتى يحلق رأسه للتحلل، وهي أنواع كثيرة ترجع إلى أصول أربعة هي: لبس المخيط، وترفيه البدن، والصيد، والنساء.
١ - لبس المخيط: يحرم على الرجل وبمجرد الإحرام ستر جميع رأسه أو بعضه بكل ما يعد ساتراً سواء أكان مخيطاً أو غيره ويحرم أيضاً ستر الوجه وباقي الجسد بغير إزار ورداء.
وأما المرأة فتستر بالمخيط رأسها وسائر بدنها سوى الوجه.
٢ - ترفيه البدن: يحرم على المحرم استعمال الطيب في ثوب أو بدن ويحرم بالاتفاق تقليم الأظفار، وإزالة الشعر من جميع بدنه، ولو من أنفه بالحلق، أو النتف.
٣ - النساء: ويحرم على المحرم كذلك النساء ويشمل أمرين: عقد الزواج، والجماع ومقدماته.
أما عقد الزواج فيحرم ولا يصح عند الجمهور. وأما الجماع فيحرم على المحرم بالاتفاق الوطء في الفرج، ومقدمات الجماع من تقبيل، ولمس بشهوة، ومباشرة، وجماع فيما دون الفرج. والجماع مفسد للحج إن وقع قبل التحلل الأول عند الجمهور، وقبل الوقوف بعرفة عند الحنفية. وإذا فسد الحج بالجماع، فيجب المضي في فاسده، ويجب القضاء اتفاقاً على الفور من العام التالي.
стр. 2761
٤ - الصيد: فلا يجوز للمحرم قتل صيد البر واصطياده، أو الدلالة عليه، ويجوز له صيد البحر مطلقاً، وذبح المواشي الأنسية كالأنعام من الإبل والبقر والغنم. وإذا ذبح المحرم الصيد، صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس بالاتفاق.
ويباح للمحرم غسل الرأس بما ينظفه من الوسخ والاكتحال بما لا طيب فيه، وقتل الفواسق كالحدأة والفأرة وغير ذلك من الحيوانات التي نصت عليها السنة أنها من الفواسق، والاستظلال بالبيت والمحمل والمظلة، وأن يشد على وسطه حزام النقود وحمل السلاح وقتال العدو.
جزاء الجنايات: الجناية على الإحرام قد توجب دماً واحداً، أو أكثر، أو صدقة، أو دون ذلك، أو قيمة.
والجناية التي توجب بدنة: الجماع قبل التحلل الأول، وإذا طاف طواف الإفاضة جنباً أو حائضاً أو نفساء.
والجناية التي توجب دمين هي: جناية القارن عند الحنفية، وهي كل جناية يجب فيها على المفرد دم واحد.
والجناية التي توجب دماً واحداً إما على سبيل التخيير، أو الترتيب هي: لبس المخيط، وتغطية الرأس، والحلق، وقص الأظافر، والتطيب، ومقدمات الجماع، وترك واجب من واجبات الحج، أما ما يوجب الصدقة وهي: نصف صاع من بر، فهي عند الحنفية: إن طيب المحرم أقل من عضو، أو حلق أقل من ربع الرأس، أو طاف للقدوم أو الوداع محدثاً، أو ترك شوطاً من أشواط طواف الوداع أو السعي. أما ما يوجب أقل من نصف صاع فهو إن قتل جرادة، أو قملة عند الحنفية. أما الجناية التي توجب القيمة أو المثل فهي: جزاء الصيد وقطع النبات. وأوجب الجمهور المثل في المثلى أو القيمة.
انظر: (الاختيار ص ١٤٣ و ١٦١ - ١٦٨)، (كفاية الأخيار ص ١٣٥ و ١٤٣ - ١٤٥)، (المهذب ٦/ ٢٠٠٥ - ٢١٢)، (والشرح الصغير ٢/ ٢٥ و ٢/ ٧٤ فما بعد)، (والمغني ٣/ ٢٨٤ وما بعدها)، (والفقه الإسلامي ٣/ ١٢٤ فما بعد و ٣/ ٢٣٠ فما بعد).
стр. 2762
- دخول مكة من غير إحرام لغير مريد النسك:
٤٢٣٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء" زاد في رواية (١): "بغير إحرام".
وزاد النسائي (٢) في أخرى: "أرخى طرف العمامة بين الكتفين".
٤٢٣٨ - * روى مالك في الموطأ عن نافع "أن ابن عمر أقبل من مكة حتى إذا جاء بقديد جاءه خبر من المدينة فرجع فدخل مكة بغير إحرام".
أقول: هذان النصان أصلان لمن ذهب أن من لم يرد النسك وكانت له حاجة أخرى في مكة، فله أن يدخلها بلا إحرام.
- من صد عن الحرم:
٤٢٣٩ - * روى ابن خزيمة عن سعيد بن جبير، قال: "أتى رجل ابن عباس، فقال: إني أجرت نفسي من قوم فتركت لهم بعض أجرتي أو أجري لو يخلوا بيني وبين المناسك، فهل يجزئ ذلك عني؟ فقال ابن عباس: نعم. هذا من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣) ".
- جواز الإتجار للحاج:
٤٢٤٠ - * روى ابن خزيمة عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا قوم
стр. 2763
نكرى في هذه الوجه، وإن قومي يزعمون أنه لا حج لنا. فقال ابن عمر: ألستم تطوفون بالبيت؟ ألستم تسعون بين الصفا والمروة، ألستم، ألستم؟ إن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فسأله مثل ما سألتني، فلم يدر ما يرد عليه، حتى نزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).
فدعاه، فتلاها عليه، وقال: "أنتم حجاج".
أقول: هذا النص وأشباهه دليل لمن ذهب أنه يمكن أن يجتمع مع الحج عمل وإجارة وتجارة، وقوله: نكرى في هذا الوجه: أي نكرى في خدمة الحجيج.
٤٢٤١ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس: "أن الناس كانوا في أول الحج يبتاعون بمنى وعرفة وسوق ذي المجاز ومواسم الحج، فخافوا البيع وهم حرم فأنزل الله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) في مواسم الحج، فحدثني عبيد بن عمير أنه كان يقرؤها في المصحف".
- بدأ الإحرام والتلبية لمريد النسك:
٤٢٤٢ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن إهلال رسول الله ﷺ : من ذي الحليفة، حين استوت به راحلته".
وفي رواية (٢): "أن رسول الله ﷺ لما أراد الحج أذن في الناس فاجتمعوا، فلما أتى البيداء أحرم.
في قوله "حين استوت به راحلته".
قال الحافظ في "الفتح": وغرضه منه الرد على من زعم أن الحج ماشياً أفضل، لتقديمه في الذكر على الراكب، فبين أنه لو كان أفضل لفعله النبي ﷺ ، بدليل أنه لم يحرم حتى
стр. 2764
استوت به راحلته. وقال الحافظ أيضاً: قال ابن المنذر: اختلف في الركوب والمشي في الحج أيهما أفضل؟ فقال الجمهور: الركوب أفضل، لفعل النبي ﷺ ، ولكونه أعون على الدعاء والابتهال، ولما فيه من المنفعة.
٤٢٤٣ - * روى مالك في الموطأ عن عروة بن الزبير ﵄ "أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته أهل".
٤٢٤٤ - * روى البزار عن أنس أن النبي ﷺ "أحرم في دبر الصلاة".
أقول: السنة لمن أراد الإحرام أن يغتسل ثم يصلي ركعتين ثم يلبي في مصلاه، والظاهر أن رسول الله ﷺ : لبى بعد ما صلى، ولبى بعد ما استوت به راحلته، وكل من الناس حدث بما رأى.
٤٢٤٥ - * روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ : "كان إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد، أهل إذا أشرف على جبل البيداء".
٤٢٤٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "بيداؤكم هذه، التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد، يعني: مسجد ذي الحليفة".
стр. 2765
وفي رواية (١): "ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره".
وفي أخرى (٢) قال: "كان رسول الله ﷺ إذا وضع رجله في الغرز، واستوت به راحلته قائمة، أهل من عند مسجد ذي الحليفة".
وفي أخرى (٣): "رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهل، حين تستوي به قائمة".
قال النووي في شرح مسلم (١/ ٣٧٦): قوله: "بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله- إلخ" قال العلماء: هذه البيداء هي: الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي بقرب ذي الحليفة.
وسميت بيداء، لأنه ليس فيها بناء ولا أثر. وكل مفازة تسمى: بيداء. وأما هنا، فالمراد بالبيداء ما ذكرناه.
وقوله: "تكذبون على رسول الله ﷺ فيها" أي تقولون: إنه ﷺ أحرم منها، ولم يحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد.
وسماهم ابن عمر كاذبين، لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو وقد سبق في أول هذا الشرح في مقدمة "صحيح مسلم": أن الكذب عند أهل السنة: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، سواء تعمده، أم غلط فيها وسها. وفيه دلالة: أن ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى البيداء، وبهذا قال جميع العلماء. وفيه: أن الإحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله، لأنه ﷺ ترك الإحرام من مسجده، مع كمال شرفه.
فإن قيل: إنما أحرم من الميقات لبيان الجواز. قلنا: هذا غلط من وجهين. أحدهما: أن البيان قد حصل بالأحاديث الصحيحة في بيان المواقيت. والثاني: أن فعل رسول الله
стр. 2766
صلى الله عليه وسلم، إنما يحمل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيراً، فيفعله مرة أو مرات على الوجه الجائز لبيان الجواز ويواظب غالباً على فعله على أكمل وجوهه، وذلك كالوضوء مرة ومرتين وثلاثاً، كله ثابت، والكثير أنه ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً. وأما الإحرام بالحج، فلم يتكرر، وإنما جرى منه ﷺ مرة واحدة، فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه، والله أعلم.
٤٢٤٧ - * روى الشيخان عن نافع مولى ابن عمر قال: "كان ابن عمر ﵁ إذا دخل أدنى الحرم: أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي بها الصبح ويغتسل، ويحدث: أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك"ز
وفي رواية (١) "كان إذا صلى الغداة بذي الحليفة: أمر براحلته فرحلت ثم ركب، حتى إذا استوت به، استقبل القبلة قائماً، ثم يلبي، حتى إذا بلغ الحرم أمسك، حتى إذا أتى ذا طوى بات به، فيصلي به الغداة، ثم يغتسل، وزعم: أن النبي ﷺ فعل ذلك".
وأخرجه الموطأ مختصراً "أن ابن عمر: كان يصلي في مسجد ذي الحليفة، ثم يخرج فيركب، فإذا استوت به راحلته أحرم".
قال الحافظ في "الفتح": قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء.
- ما يفعل من أراد الإحرام وجواز الطيب له:
٤٢٤٨ - * روى البزار عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان ودهنه بشيء من زيت غير كثير".
стр. 2767
٤٢٤٩ - * روى البزار عن ابن عمر قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم".
٤٢٥٠ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال: "تطيب قبل أن تحرم".
٤٢٥١ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف، وبسطت يديها".
وفي رواية (١) نحوه، وفيه: "قبل أن يفيض بمنى".
وفي أخرى (٢): "كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك".
وفي أخرى (٣) قالت: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام".
وفي أخرى (٤) قالت: "كنت أطيب النبي ﷺ عند إحرامه بأطيب ما أجد".
стр. 2768
وفي أخرى (١) قال: "سألت عائشة: بأي شيء طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه؟ قالت: بأطيب الطيب".
وفي أخرى (٢): "كنت أطيب رسول الله ﷺ بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم، ثم يحرم".
وفي أخرى (٣): "بأطيب ما أجد، حتى أجد وبيض الطيب في رأسه ولحيته".
وفي أخرى (٤) قالت: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم".
وفي أخرى (٥) قال: "كان ابن عمر يدهن بالزيت، فذكرته لإبراهيم النخعي فقال: ما تصنع بقوله: حدثني عن عائشة: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم".
زاد في رواية (٦): "وذلك طيب إحرامه".
وفي أخرى (٧): قال محمد بن المنتشر "سألت عبد الله بن عمر: عن الرجل يتطيب، ثم يصبح محرماً؟ فقال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضح طيباً، لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك، فدخلت على عائشة فأخبرتها أن ابن عمر قال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضح طيباً، لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك، فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرماً".
стр. 2769
زاد في رواية (١): "ينضح طيباً".
ولمسلم (٢): "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه، حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت بيدي".
وفي أخرى (٣): "طيبت رسول الله ﷺ لحله وحرمه".
وفي أخرى (٤): "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو يلبي".
وللنسائي (٥) عن عائشة: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم، ولحله بعد ما رمى العقبة، قبل أن يطوف بالبيت".
وفي أخرى (٦): "طيبت رسول الله ﷺ لإحلاله، وطيبته لإحرامه طيباً لا يشبه طيبكم هذا- تعني: ليس له بقاء".
- متى يقطع الحاج والمعتمر التلبية:
٤٢٥٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يلبي المقيم، أو المعتمر، حتى يستلم الحجر".
стр. 2770
قال: وروى موقوفاً على ابن عباس.
وفي رواية الترمذي عن ابن عباس- يرفع الحديث "أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة، حين يستلم الحجر".
٤٢٥٣ - * روى ابن خزيمة عن ابن سخبرة، قال: "غدوت مع عبد الله من منى إلى عرفة، وكان عبد الله رجلاً آدم له ضفيرتان عليه مسحة أهل البادية، وكان يلبي فاجتمع عليه غوغاء من غوغاء الناس، يا أعرابي إن هذا ليس بيوم تلبية إنما هو تكبير. قال: فعند ذلك التفت إلي وقال: أجهل الناس أم نسوا، والذي بعث محمداً بالحق لقد خرجت مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفة فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتهليل أو تكبير".
٤٢٥٤ - * روى الطبراني في الكبير عن هلال بن يسار قال "حججت مع أنس بن مالك فرأيته قطع التلبية حين رأى بيوت مكة".
٤٢٥٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة".
وللبخاري (١) أيضاً: أن النبي ﷺ "أردف الفضل، فأخبر الفضل: أنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة".
وفي رواية (٢) عن الفضل: للنسائي قال: "كنت رديف رسول الله ﷺ ، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فرمى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة".