ولا يتنفس في الإناء".
وفي رواية لمسلم (١): أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه.
وفي رواية الترمذي (٢): أن النبي ﷺ نهى أن يمس الرجلُ ذكرهُ بيمينه.
٤٥١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى".
٤٥٢ - * روى أبو داود عن حفصة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وعطائه، ويجعل شماله لما سوى ذلك".
٤٥٣ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج لحاجته تبعتُه أنا وغلامٌ منا، معنا إداوةٌ من ماء- يعني: يستنجي به.
وفي رواية قال (٣): "كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمِلُ أنا وغلامٌ نحوي إداوة من ماء، وعنزةً، يستنجي بالماء".
وفي أخرى (٤): "أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً، وتبعه غلامٌ ومعه ميضاةٌ، وهو أصغرنا، فوضعها عند سدرةٍ، فقضى رسول الله ﷺ حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء".
стр. 317
أقول: هذا دليل على أن الماء وحده يكفي كما أن الحجر وحده يكفي والجمع بينهما أفضل قال العلماء وصفة الاستنجاء بالماء أن يفرغ الماء على يده اليسرى قبل أن يلاقي بها الأذى ثم يغسل القبل ثم يغسل الدبر ويوالي صب الماء ويدلكه بيده اليسرى ويسترخي قليلاً حتى ينقيَ.
٤٥٤ - * روى الترمذي عن مُعاذة بنت عبد الرحمن أن عائشة قالت: "مُرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم منه، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله".
٤٥٥ - * روى النسائي عن جرير بن عبد الله ﵄ قال: "كنتُ مع النبي ﷺ ، فأتى الخلاء، فقضى الحاجة، ثم قال: "يا جرير، هات طهوراً" فأتيته بالماء، فاستنجى، وقال بيده، فدلك بها الأرض".
قوله: (ودلك بها الأرض): دليل على أنه يستحب لمن استنجى أن يغسل يده بصابون أو نحه قياساً على الدلك في الأرض من أجل إزالة ما يمكن أن يكون قد تبقى من رائحة.
٤٥٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جاءني جبريل، فقال: يا محمد، إذا توضأت فانتضح".
٤٥٧ - * روى مالك عن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي "أنه سمع عمر بن الخطاب يتوضأ وضوءاً لما تحت إزاره".
أقول: المراد بالأثر: الانتضاح الذي ذكره الحديث السابق.
стр. 318
٤٥٨ - * روى البزار عن انس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأهل قباء: "إن الله قد أحسن الثناء عليكم في الطهور، فما ذاك؟ " قالوا: تجمع في الاستنجاء بين الأحجار والماء.
٤٥٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجارٍ يستطيب بهن، فإنها تُجزئ عنه".
أقول: تحدث الفقهاء عن صفة الاستنجاء بالحجارة فقالوا: يمسح بالحجر الأول من الأمام إلى الخلف، وبالثاني من الخلف إلى الأمام وبالثالث كالأول إذا كانت الخصية مدلاة، وكالثاني إذا كانت الخصية غير مدلاة، والمرأة تبتدأ من الأمام إلى الخلف وتثني وتثلث كذلك وقال الشافعية يبدأ بالأول من مقدم الصفحة اليمنى ويديره برفق إلى محل ابتدائه، وبالثاني من مقدم اليسرى ويديره كذلك، ويُمِرُّ الثالث على صفحته ومسربته جميعاً.
(مراقي الفلاح ٩ والمهذب ١/ ٢٧).
٤٦٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجارٍ، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "إنها رِكْسٌ".
٤٦١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال (١): قال رسول الله
стр. 319
صلى الله عليه وسلم: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم، فإنه زادُ إخوانكم من الجن".
وقال: وقد روى عنه أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن .. الحديث بطوله. فقال الشعبي: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تستنجوا بالروث ... " وذكر الحديث.
وفي رواية النسائي (١) أن رسول الله ﷺ نهى أن يستطيب أحدُكم بعظمٍ أو روثة.
وفي رواية أبي (٢) داود قال: "قدم وفد الجن على النبي ﷺ ، فقالوا: يا محمد، انْه أمتك أن يستنجوا بعظمٍ أو روثةٍ أو حُمَمَةٍ، فإن الله جعل لنا فيها رزقاً، فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
٤٦٢ - * روى البخار يعن أبي هريرة ﵁ قال: اتبعْتُ النبي ﷺ وقد خرج لحاجته، وكان لا يلتفتُ - فدنوتُ منه، فقال: "ابغني أحجاراً أستنفضُ بها" أو نحوه، طولا تأتني بعظمٍ ولا روث"، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتها إلى جنبه، وأعرضتُ عنه، فلما قضى أتبعه بهن.
وفي رواية (٣) ذكرها رزين وهي في البخاري قال: قال رسول الله ﷺ : "ابغني أحجاراً أسْتَنْفِضُ بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة" قلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفدُ جنِّ نصيبين - ونعم الجنُّ - فسألوني
стр. 320
الزاد، فدعوتُ الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثةٍ إلا وجدوا عليها طعماً".
أقول: من قوله ﵇ (استنفض بهن): فهم العلماء أن الاستبراء يكون بنتر وسلت خفيفين ثلاثاً بأن يجعل إصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله والإبهام فوقه، ثم يسحبه برفق حتى يخرج ما فيه من البول وذلك حتى يغلب على الظن نقاوة المحل من البول، واستبراء المرأة أن تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها، والاستبراء عموماً يختلف باختلاف الناس والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه.
(مراقي الفلاح ٨ والمهذب ١/ ٣٧) و (الفقه الإسلامي ١/ ١٩٤).
стр. 321
مسائل وفوائد
- ليس على من نام أو خرج منه ريح استنجاء باتفاق العلماء.
- الأظهر عند الشافعية ألا استنجاء لدود أو بعر بدون لوث.
- استبراء كل إنسان بحسبه، فبعض الناس يحتاجون لانقطاع رشح البول إلى مشي أو تنحنح أو انتظار قليل، فعلى كل إنسان أن يعرف حاله وأن يتصرف على ضوء ذلك وألا يسمح للوسوسة أن تغلبه.
- ذكر بعض فقهاء الحنفية أن الإنسان إذا كان يطول رشح بوله أو غلبت عليه الوسوسة فبإمكانه أن يدخل فتيلة صغيرة من ورق لين يمتص إلى داخل الذكر بحيث لا تظهر فهذه تمتص الرشح، وما دام الرشح لم يخرج خارج الذكر فإنه لا ينقض الوضوء، وقد كره بعضهم مثل هذا واعتبره بعضهم نوع معالجة فيها مصلحة خاصة لمن يريد استعجال الوضوء ولا يطمئن إلى انقطاع الرشح ..
- هناك حالات لا تكفي فيها الحجارة أو الورق أو ما ينوب منابها فلابد من الماء وقت ذاك، من هذه الحالات إذا جف النجس الخارج، وإذا انتقل عن المحل أو تجاوز مقدار الدرهم زائداً عن المحل، أو طرأ عليه شيء رطب أجنبي فوسع دائرة النجاسة، أو كان الخارج من منفذ غير عادي كما يحدث أثناء العمليات وتلوث ما حول المكان، ففي هذه الحالات يتعين استعمال الماء كما يتعين استعمال الماء عند المالكية من المني والمذي ودم الحيض كما يتعين عند المالكية في إزالة بول المرأة بكراً أو ثيباً لتعدية المخرج إلى جهة المقعدة عادة.
- يجوز عند الحنفية: الاستنجاء بمائع غير الماء إذا كان يقلع النجاسة كماء الورد والخل ومر معنا أن الماء المستعمل عندهم يزيل النجاسة الحسية.
- قال الحنفية: يكره الاستنجاء بأدنى شيء له قيمة، واتفق الفقهاء على أن الاستنجاء يكون بطاهر قالع غير محترم.
- ينشف الصائم مقعدته قبل القيام لئلا تجذب المقعدة شيئاً من الماء ولا يبالغ في إدخال
стр. 322
يده خشية الإفطار.
يندب لمريد الحاجة أن يلبس نعليه ويستر رأسه ويدخل الخلاء برجله اليسرى ويخرج برجله اليمنى ويعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى لأنه أسهل لخروج الخارج، ولا يتكلم إلا لضرورة، ولا يطيل المقام أكثر من قدر الحاجة، ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، ويكره أن يستنجي بماء في موضعه بل ينتقل عنه إن لم يكن معداً لذلك، ويستحب ألا ينظر إلى السماء ولا إلى فرجه ولا إلى ما يخرج منه، وأن يسبل ثوبه شيئاً فشيئاً حين يقوم، ويحرم قضاء الحاجة على القبر المحترم، ويكره عند القبر.
- مر معنا أن النجاسة غير المرئية التي لا تزيد جرم الماء، إذا مر عليها الماء يطهرها ويبقى الماء طاهراً، فلو أن إنساناً كان بحيث يراه النسا كان ذكره متنجساً بمذي أو بول لكنه جاف فإنه يستطيع أن يصب الماء وهو ساتر عورته بمئزر أو سروال، فيطهر المحل والماء الذي يصيب ثيابه طاهر. (انظر حاشية ابن عابدين ١/ ٢٢٣ فما بعدها) و (الشرح الصغير ١/ ٨٧ فما بعدها) (والمهذب ١/ ٢٧) و (المغني ١/ ١٥٠ فما بعدها).
стр. 323
الفقرة الخامسة: في الوضوء ونواقضه
عرض عام لأحكام الوضوء:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١).
فالإجماع منعقد على أن الطهارة من الحدث الأصغر بالوضوء ومن الحدث الأكبر بالغسل لابد منها لصحة الصلاة.
وبالوضوء والغسل تنتظم الطهارة والنظافة في حياة المسلم، وفي ذلك راحة الروح، والروح والقلب والعقل والجسد كلها تتأثر بالوضوء والغسل.
وقد أجمع العلماء على أن غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس فرائض في الوضوء وزاد المالكية والحنابلة والشافعية النية فريضة خامسة وأوجب الشافعية والحنابلة الترتيب وأوجب المالكية أيضاً الدلك، وأوجب الحنابلة والمالكية الموالاة، فتكون أركان الوضوء سبعة عند المالكية بإضافة النية والدلك والموالاة إلى الأربعة المذكورة في القرآن، وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب، وسبعة عند الحنابلة بإضافة النية والترتيب والموالاة. وحدُّ الوجه طولاً ما بين منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى الذقن، ويدخل في ذلك العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى، وحدُّ الوجه عرضاً ما بين شحمتي الأذنين والبياض الذي بين العذار والأذن من الوجه عند الحنفية والشافعية، وقال المالكية والحنابلة إنه من الرأس.
ويدخل في غسل اليدين المرفقان، والمرفقان ملتقى عظم العضد وذراعه، فالمرفقان فما دونهما يفترض غسلهما في الوضوء، والكعبان داخلان في غسل الرجلين وهما العظمان الناتئان عند مفصل القدم فهذه الثلاثة: الوجه واليدان والرجلان يفترض غسلها، والغسل إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر وأقله قطرتان في الأصح، والفرض هو الغسل مرة أما تكرار
стр. 324
الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس بفرض.
ومسح الرأس فريضة، والمسح هو إمرار اليد المبتلة على العضو، والرأس منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا ويدخل فيه الصدغان مما فوق العظم الناتئ من الوجه، ويفترض عند الحنفية مسح ربع الرأس مرة بمقدار الناصية فوق الأذنين لا على طرف ضفيرة، وقال المالكية والحنابلة في أرجح الوايتين عند الحنابلة: يجب مسح جميع الرأس وليس على الماسح نقض ضفائر شعره ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر. والظاهر عند الحنابلة وجوب الاستيعاب للرجل وأما المرأة فيجزئها مسح مقدم الرأس فقط.
وقال الشافعية: الواجب مسح بعض الرأس ولو شعرة واحدة في حد الرأس بألا يخرج بالمد عنه من جهة نزوله.
والنية هي أن ينوي المتطهر بقلبه أداء الفرض أو رفع الحدث أو استباحة ما تجب الطهارة له. والحنفية يرون أن النية سنة، ووقتها قبل الاستنجاء، وقال الحنابلة: وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء، وقال المالكية: وقتها عند غسل الوجه، وقيل أول الطهارة، وقال الشافعية: وقتها عند غسل أول جزء من الوجه مقترنة بذلك.
أما الترتيب وهو سنة مؤكدة عند الحنفية والمالكية وفريضة عند الحنابلة والشافعية فهو تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد الآخر كما ورد في النص القرآني أي: غسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين، وأما الموالاة وهي سنة عند الشافعية والحنفية، وفريضة عند المالكية والحنابلة، فهي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يُعدُّ فاصلاً في العرف، أو هي المتابعة بغسل العضو اللاحق قبل جفاف السابق في حال اعتدال المناخ.
وأما الدّك: فإنه سنة عند الحنفية والشافعية والحنابلة وقال المالكية هو فريضة والدلك هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه، ويكون بباطن الكف لا بظاهر اليد ويندب أن يكون الدلك خفيفاً وتتحقق الفريضة بالمرة الواحدة.
стр. 325
وسنن الوضوء وآدابه كثيرة ستمر معنا من خلال عرض النصوص، ونعرضها ههنا بشكل سريع باختصار شديد كما هي في المذهب الحنفي:
سنن الوضوء سبع عشرة: غسل اليدين إلى الرسغين والتسمية والسواك في ابتداء الوضوء والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة، والاستنشاق بثلاث غرفات، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، وتخليل الأصابع، وتثليث الغسل، واستيعاب الرأس بالمسح مرة، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، والدلك، والولاء، والنية، والترتيب كما نص الله تعالى في كتابه، والبداءة بالميامن ورؤوس الأصابع ومقدم الرأس.
أما آداب الوضوء فهي خمسة عشر:
مسح الرقبة لا الحلقوم، الجلوس في مكان مرتفع، واستقبال القبلة، وعدم الاستعانة بغيره، وعدم التكلم بكلام الناس، والجمع بين نية القلب وفعل اللسان، والدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو، وإدخال خنصره في صماخ أذنيه، وتحريك خاتمه الواسع فإن كان الماء لا يصل إلا بالتحريك كان واجباً، والمضمضة والاستنشاق باليد اليمنى، والامتخاط باليسرى، والتوضؤ قبل دخول الوقت لغير المعذور، والإتيان بالشهادتين بعده، وأني شرب من فضل الوضوء قائماً، وأن يقول: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. ومن آدابه قراءة سورة القدر وصلاة ركعتين في قوت الكراهة ومن الآداب: تعاهد موقيه وكعبيه وعرقوبيه وإخمصيه.
وهناك اختلافات يسيرة بين المذاهب في السنن والآداب فبعض السنن تدخل في الآداب عند البعض وبعض الآداب تدخل في السنن وبعض السنن هنا تدخل في الواجبات أو الفرائض عند البعض كما مر معنا بالنسبة للنية والترتيب والدلك والموالاة.
والوضوء عند الحنفية خمسة أنواع: ١ - فرض كأن يكون للصالة سواء كانت فرضاً أو نفلاً أو صلاة جنازة أو سجدة تلاوة ولمس القرآن، ٢ - واجب للطواف حول الكعبة وقال الجمهور إنه فرض ٣ - مندوب وهو التوضؤ لكل صلاة ولمس الكتب الشرعية وللنوم وعقب
стр. 326
الاستيقاظ من النوم مباشرة وقبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم، ومعاودة الوطء، ولقراءة القرآن وللأذان والإقامة وإلقاء خطبة والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة وبعد ارتكاب خطيئة وبعد قهقهة خارج الصلاة، وبعد غسل ميت وحمله وللخروج من خلاف العلماء ٤ - وضوء مكروه كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول ٥ - وضوء حرام كالوضوء بماء مغصوب أو بماء يتيم.
وشروط وجوب الوضوء ثمانية: العقل والبلوغ والإسلام والقدرة على استعمال الماء الطهور الكافي ووجود الحدث وعدم الحض والنفاس وضيق الوقت فلا يفترض الوضوء حالاً في أول الوقت ويفترض إذا ضاق الوقت.
وشروط صحة الوضوء ثلاثة: ١ - عموم البشرة بالماء الطهور ٢ - إزالة ما يمنع وصول الماء إلى العضو ٣ - انقطاع كل ما ينقض الوضوء قبل البدء به لغير المعذور، واعتبر الجمهور غير الحنفية الإسلام شرط صحة لا شرط وجوب.
ومن مكروهات الوضوء: الإسراف في صب الماء ولطم الوجه أو غيره بالماء، والتكلم بكلام الناس، والاستعانة بالغير بلا عذر، والتوضؤ في موضع نجس، ومبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق وترك سنة من سنن الوضوء.
ونواقض الوضوء: ١ - كل خارج من أحد السبيلين معتاد أو غير معتاد إلا لعذر، فالعذر له أحكامه. ٢ - الولادة من غير رؤية دم، فالصحيح عند الحنفية أن المرأة لا تكون حينئذ نفساء وإنما عليها الوضوء. ٣ - الخارج النجس من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد إذا سال إلى موضع يلحقه حكم التطهير عند الحنفية. ٤ - القيء عند الحنفية والحنابلة، وعند الحنفية على تفصيل، فالحنفية يقولون: إنما ينقض إذا كان ملء الفم وهو ما لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف ٥ - غيبة العقل أو زواله بالمخدرات أو المسكرات أو بالإغماء أو بالجنون أو بالصرع أو بالنوم على تفصيلات في النوم. ٦ - لمس المرأة الأجنبية عند الشافعية أما عند الحنفية لا ينقض الوضوء إلا المباشرة الفاحشة وهي أن يلامس كل عضو من كل عض منها، وعند المالكية والحنابلة إذا التقت بشرتا الرجل والمرأة حال اللذة أو الشهوة بتفصيل عند المالكية ٧ - من الفرج القبل أو الدبر عند الجمهور غير
стр. 327
الحنفية أما المالكية فينتقض الوضوء عندهم بمس الذكر لا بمس الدبر ٨ - القهقهة في الصلاة عند الحنفية دون غيرهم ٩ - أكل لحم الإبل عند الحنابلة دون غيرهم لحديث مرسل ١٠ - غسل الميت عند أكثر الحنابلة دون غيرهم ١١ - الشك في الوضوء عند المالكية وقال الجمهور لا ينتقض الوضوء بالشك فمن تيقن الوضوء وشك بالحدث فهو متوضئ ١٢ - كل ما أوجب الغسل فهو بالضرورة ناقض للوضوء.
هذا ولأصحاب الأعذار أحكامهم الخاصة، ويحرم بالحدث الأصغر الصلاة والطواف ومس المصحف وينوب عن غسل الرجلين المسح على الخفين بشروطه وينوب عن الوضوء التيمم بشروطه.
(انظر: حاشية ابن عابدين ١/ ٦٣ وبعدها و ١/ ٩٠ وبعدها) و (الشرح الصغير ١/ ١٠٤ وما بعدها)، (المغني ١/ ١١٠ وما بعدها)، (المهذب ١/ ١٥ وما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٢١٤ وما بعدها).
وإلى عرض النصوص:
- فضل الوضوء:
٤٦٣ - * روى مالك عن أبي هريرة رفعهُ: "ألا أدُلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا بلى يا رسول الله قال: "إسباغُ الوضوء على المكاره وكثرةُ الخُطا إلى المسجد وانتظارُ الصلاة، بعد الصلاة فذلكم الرباط ثلاثاً".
٤٦٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسل الله صلى الله عليه سلم قال: (١) "إذا توضأ
стр. 328
العبد المسلم- أو المؤمن - فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطرِ الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب".
٤٦٥ - * روى مسلم عن عقبة بن عامر [الجهني] ﵁ قال: كانت علينا رعايةُ الإبل، فجاءت نوبتي أرعاها، فروَّحْتُها بالعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائماً يُحدث الناس، وأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين يُقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة" فقلت: ما أجوَدَ هذا؟ فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجودُ، فنظرتُ، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: إني قد رأيتك قد جئت آنفاً، قال: "ما منكم من أحدٍ يتوضأ، فيُبْلِغُ الوضوء، أو يسبغُ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
في رواية (١) الترمذي عن أبي إديرس الخولاني، وأبي عثمان [النهدي]: أن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فُتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء".
أقول: قول عقبة (فأدركت رسول الله ﷺ قائماً): نموذج على تذكير رسول الله ﷺ وتعليمه لأصحابه، وبهذا الحديث نستأنس بما جرت عليه عادة العلماء أن يخصصوا ما بين
стр. 329
المغرب والعشاء للوعظ والتعليم وبعضهم يخصص ما بعد العشاء لذلك، لأن الناس يكونون في الغالب قد فرغوا من أعمالهم الدنيوية.
٤٦٦ - * روى مسلم عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فأسن الوضوء، خرجت خطاياهُ من جسده، ثم تخرجُ من تحت أظفاره".
وفي رواية (١) أن عثمان توضأ ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ هكذا غُفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة".
٤٦٧ - *روى الطبراني عن سعد بن عمارة أخى بني سع بن بكر وكانت له صحبة أن رجلاً قال له عظني في نفسي يرحُمك الله. قال: إذا انتهيت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء فإنه لا صلاة لمن لا وضوء له ولا إيمان لمن لا صلاة له، ثم إذا صليت فصلِّ صلاة مودع واترك طلب كثير من الحاجات فإنه فقرٌ حاضرٌ وأجمعِ اليأس مما عند الناس فإنه هو الغني وانظر ما تعتذر منه من القول الفعل فاجتنبه.
٤٦٨ - * روى مالك عن عبد الله الصُّنابحي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض: خرجت خطاياه من فيه، فإذا استنثر
стр. 330
خرجت الخطايا من أنفه، وإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه، حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه، خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيهُ إلى المسجد وصلاته نافلة له".
٤٦٩ - * روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرُك وأتوبُ إليك كُتب في رقٍّ، ثم طبع بطابعٍ، ثم رُفِعَ تحت العرش فلم يُكْسَرْ إلى يوم القيامة".
٤٧٠ - * روى النسائي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعتُ عمرو بن عبسة يقول: قلتُ لرسول الله ﷺ : كيف الوضوء؟ قال: "أما الوضوء: فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما، خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، فإذا مضمضت واستنشقت منخريك، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك، اغتسلت من عامةِ خطاياك كيوم ولدتك أمُّكَ" قال أبو أمامة: فقلتُ: يا عمرو بن عبسة، انظر ما تقول، أكل هذا يُعْطَى في مجلس واحدٍ؟ فقال: أما والله لقد كبرتْ سني، ودنا أجلي، وما بي من فقرٍ فأكذِبَ على رسول الله ﷺ ، ولقد سمعتهُ أُذناي، ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ .
٤٧١ - * (١) روى الطبراني عن أبي أمامة قال: إذ وضعت الطهور مواضعه قعْدت مغفوراً
стр. 331
لك. فقال الرجل: يا أبا أمامة: أرأيت إن قام يصلي تكونُ له نافلة؟ قال: لا إنما النافلة للنبي ﷺ ، كيف تكون له نافلة وهو يسعى في الذنوب والخطايا، تكون له فضيلة وأجراً.
٤٧٢ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر رفعه: رجلان من أُمتي يقوم أحدهما من الليل فيعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقدٌ، فيتوضأ، فإذا وضأ يده انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقده وإذا مسح رأسه انحلت عقدة وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة فيقول الرب تعالى: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ما سألني عبدي فهو له.
٤٧٣ - * روى مالك عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ "استيقموا ولن تُحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمنٌ".
٤٧٤ - * روى البزار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من بات طاهراً بات في شعاره ملكٌ فلا يستيقظ من ليل إلا قال الملك اللهم اغفر لعبدك كما بات طاهراً".
٤٧٥ - * روى مسلم عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتمَّ الوضوء كما أمرهُ الله، فالصلوات الخمس كفارةٌ لما بينهُنَّ".
стр. 332
٤٧٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرةِ فقال: "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنا بكمْ إن شاء الله لاحقون، وددْتُ أني قد رأيتُ إخواننا" قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: "بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ، وأنا فرطُهمْ على الحوض"، قالوا: يا رسول الله كيف تعرفُ من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: "أرأيت لو كان لرجل خيلٌ غُرٌّ محجلة في خيلٍ دهمٍ بهمٍ، ألا يعرفُ خيله"؟ قالوا: بلى، قال: "فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطُهُمْ على الحوض، فليُذادنَّ رجالٌ من حوضي كما يُذادُ البعير الضالُّ، أناديهم: ألا هلُمَّ، ألا هلُمَّ، ألا هلُمَّ، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: فسحقاً، فسحقاً، فسُحقاً".
صفة الوضوء:
٤٧٧ - * روى الشيخان عن عثمان بن عفان رض الله عنه قال حُمران مولى عثمان: إن عثمان دعا بإناءٍ، فأفرغ على كفيه ثلاث مرارٍ، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرارٍ، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرارٍ إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غُفر له ما تقدم من ذنبه".
٤٧٨ - * روى أبو داود عن حُمْران: رأيتُ عثمان توضأ .. فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، وقال فيه: ومسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: "من توضأ دون هذا كفاه" ولم يذكر أمر الصلاة.
стр. 333
وله في أخرى (١) عن ابن أبي مُليكة قال: رأيتُ عثمان بن عفان يسأل عن الوضوء؟ فدعا بماء، فأتى بميضأة، فأصغى على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء، فتمضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده اليسرى ثلاثاً، ثم أدخل يده فأخذ ماء، فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ.
٤٧٩ - * روى أحمد عن حمران بن أبان قال رأيت عثمان بن عفان دعا بوضوء وهو على باب المسجد فغسل يديه ثم مضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاث مرات ثم مسح برأسه وأمر بيديه على ظاهر أذنيه ثم مر بهما على لحيته ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاث مرات ثم قام فركع ركعتين ثم توضأت لكم كما رأيت رسول الله ﷺ .
ثم ركعت ركعتين كما رأيته ركع قال: ثم قال: قال رسول الله ﷺ حين فرغ من ركعتيه "من توضأ كما توضأتُ ثم ركع ركعتين لا يحدثُ فيهما نفسه غُفِر له ما بينهما وبين صلاته بالأمس".
أقول: إن تعليم عثمان وعلي ﵄ الناس الوضوء وهما خليفتان نموذجان على سنن الخلافة الراشدة وطبيعتها وفطريتها وتواضع أصحابها ومعرفتهم بوظائفهم.
٤٨٠ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ قال عبد خيرٍ: أتانا عليُّ ﵁، فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنعُ بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا، فأتى بإناء فيه ماء، وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه، فغسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده الشمال ثلاثا، ً ثم جعل يده في الإناء، فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء
стр. 334
رسول الله ﷺ فهو هذا.
وفي رواية (١) قال: صلى عليَّ الغداة، ثم دخل الرحبة، فدعا بماء، فأتاه الغلامُ بإناء فيه ماء وطستٍ، قال: فأخذ الإناء بيده اليمنى، فأفرغ على يده اليسرى، وغسل كفيه ثلاثاً، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً ... ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة، يعني الرواية الأولى، قال: ثم مسح رأسه: مقدمه ومؤخره مرة ... ثم ساق الحديث نحوه.
وفي أخرى (٢) قال: رأيتُ علياً ﵁ أُتي بكرسي، فقعد عليه، ثم أُتي بكوزٍ من ماءٍ، فغسل يده ثلاثاً، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد ... وذكر الحديث.
٤٨١ - * روى النسائي عن الحسين بن عليٍّ قال: دعاني أبي عليُّ بوضوءٍ فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاث مراتٍ، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحةً واحدةً ثم غسل رجلهُ اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائماً، فقال: ناولني، فناولته الإناء الذي فيه فضل وضوئه، ثم شرب من فضل وضوئه قائماً، فعجبتُ، فلما رآني، قال: لا تعجبْ، فإني رأيتُ أباك النبي ﷺ يصنعُ مثل ما رأيتني صنعتُ يقول: لوضوئه هذا وشُرْبِ فضل وضوئه قائماً.
وللترمذي (٣) [عن عبد خيرٍ] مثله، وفيه فإذا فرغ من طهوره أخذ من فضل طهوره بكفه فشربهُ.
стр. 335
٤٨٢ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس قال: رأيت النبي ﷺ توضأ فغرف غرفة فمضمض استنشق، ثم غرف غرفة فغسل وجهه، ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى، وغرف غرفة فغسل يده اليسرى، وغرف غرفة فغسل يده اليسرى، وغرف غرفة فمسح رأسه وباطن أذنيه وظاهرهما وأدخل أصبعيه فيهما، وغرف غرفة فغسل رجله اليمنى، وغرفة فغسل رجله اليسرى.
٤٨٣ - *روى الشيخان عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري ﵁ قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عيه وسلم، فدعا بإناء، فأكْفَأ منه على يديه، فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ .
وفي رواية (١): فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه.
وفي رواية (٢) قال: أتى رسول الله ﷺ ، فأخرجنا له ماء في تورٍ من صفرٍ، فتوضأ، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه، فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه.
وفي رواية (٣) للبخاري: أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين.
стр. 336
وله في أخرى (١): أنه رأى رسول الله ﷺ ... فذكر وضوءه، قال: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما.
وللترمذي (٢) بسند حسن صحيح: غسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين وغسل رجليه مرتين، ومسح برأسه مرتين.
٤٨٤ - * روى أحمد عن يزيد بن البراء بن عازب وكان أميراً بعُمان فكان كخير الأمراء قال: قال أبي اجتمعوا فلأرينكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ وكيف كان يصلي فإني لا أدري ما قدر صحبتي إياكم. قال فجمع بنيه وأهله ودعا بوضوءٍ فتمضمض واستنثر وغسل وجهه ثلاثاً وغسل يده اليمنى ثلاثاً وغسل هذه ثلاثاً يعني اليسرى ثم مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وغسل هذه الرجل يعني اليمنى ثلاثاً وغسل هذه الرجل يعني اليسرى ثلاثاً. ثم قال: هكذا ما ألوت أن أيكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ.
أقول: إنما يفترض الغسل والمسح في الوضوء مرة مرة ويسن الغسل ثلاثاً باتفاق، وبعضهم كره مسح الرأس ثلاثاً وبعضهم أجازه وحمل من كره تثليث المسح رواية تكرار المسح على أنه مسحها من مقدم الرأس إلى قفاه ثم أعادها كما مر في رواية سابقة والأمر واسع.
٤٨٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كيف الطُّهُور؟ "فدعا بماءٍ في إناءٍ"، فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح، بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل
стр. 337
رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم - أو ظلم وأساء".
وفي رواية (١) النسائي مختصراً قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ ، يسأله عن الوضوء؟ فأراه: ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم".
٤٨٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه توضأ فغسل وجهه، وأخذ غرفة من ماءٍ، فتمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماءٍ، فجعل بها هكذا - أضافها إلى يده الأخرى - فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماءٍ فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماءٍ فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماءٍ فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى، فغسل بها رجله - يعني اليسرى- ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ.
وله في أخرى (٢) قال: توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة، لم يزد على هذا.
٤٨٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أخبرني عمر بن الخطاب: أن رجلاً توضأ، فترك موضع ظُفرٍ على قدمه، فأبصره النبي ﷺ ، فقال: "ارجعْ فأحسنْ وضوءك. قال فرجع فتوضأ ثم صلى".
أقول: رأينا أن من شروط صحة الوضوء استيعاب المحل المفروض فمن لم يستوعب لا يصح وضوءه ولا تصح صلاته وعلى مذهب الذين لا يعتبرون الموالاة فريضة فإنه يكفي لمن أهمل شيئاً مما يفترض استيعابه أن يغسل المحل المهمل فقط.
стр. 338
٤٨٨ - * روى أحمد عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ رأى رجلاً يُصلي وفي ظهر قدمه لمعةٌ قدر الدرهم لم يُصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة.
٤٨٩ - * روى الشيخان عن بعد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: تخلفَ عنا النبي ﷺ في سفرةٍ سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويلٌ للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثاً.
وللبخاري (١): وقد أرهقنا العصرُ.
وفي أخرى (٢): وقد حضرتْ صلاةُ العصر.
ولمسلم (٣) قال: رجعنا مع النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كُنَّا بماءٍ بالطريق تعجل قومٌ عند العصر، فتوضؤوا وهم عجالٌ، فانتهينا إليهم وأعقابُهم تلوحُ لم يمسها الماء، فقال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار، أسبِغُوا الوضوء".
فائدة: (نمسح على أرجلنا) انتزع منه البخاري أن الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الرجل وفي إفراد مسلم: فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، (فتح الباري ١/ ٢١٣).
стр. 339
أقول: فلا متكأ في الرواية الأولى لمن شذ فقال: يكفي مسح الأرجل عن غسلها، ذلك خلاف ما استقر عليه الإجماع.
قال في الدين الخالص (١/ ٢٢٦).
بعد عرض أدلة وجوب الغسل للرجلين:
والرسول ﵌، قد بين للأمة أن المفروض عليهم وهو غسل الرجلين لا مسحهما. فتواترت الأحاديث عن الصحابة في حكاية وضوئه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكلها مصرحة بالغسل، ولم يأت في شيء منها المسح إلا في مسح الخفين (فإن) كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها للغسل والمسح، فالواجب الغسل بما وقع منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من البيان المستمر جميع عمره، وإن كانت غير مجملة، فقد ورد في السنة الأمر بالغسل وروداً ظاهراً. ومنه الأمر بتخليل الأصابع، فإنه يستلزم الأمر بالغسل، لأن المسح لا تخليل فيه، بل يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ أ. هـ.
(قال) في حجة الله البالغة (١/ ٧٥): ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء فأنكروا غسل الرجلين متمسكين بظاهر الآية. فإنه لا فرق عندي بين من قال بهذا القول، وبين من أنكر غزوة بدر وأحد مما هو كالشمس في رابعة النهار ا. هـ.
٤٩٠ - * روى ابن خزيمة عن ابن مسعود أمرنا رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء.
٤٩١ - * روى أحمد عن أبي هريرة (رفعه) "ويلٌ للأعقاب وبطون الأقدام من النار".
стр. 340
٤٩٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: والله ما خَصَّنا رسول الله ﷺ بشيءٍ دون الناس، إلا ثلاثة أشياء، فإنه أمرنا: أن نُسبغَ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا نُنْزِيَ الحُمرَ على الخيل.
ونقل ابن خزيمة عن أحد رواة الحديث معللاً للنهي عن إنْزاء الحُمر على الخيل: إن الخيل كانت في بني هاشم قليلة فأحب أن تكثر فيهم.
٤٩٣ - * روى ابن خزيمة عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلىصلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه".
٤٩٤ - * روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵁: توضأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضأُ، فلما بلغ رأسهُ غرف غرفة من ماءٍ، فتلقاها بشماله، حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقْطُر، ثم مسح من مُقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه.
٤٩٥ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم".
٤٩٦ - * روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
стр. 341
٤٩٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله لعيه وسلم قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
فائدة: قال النووي في الأذكار وجاء في التسمية أحاديث ضعيفة، ثبت عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا أعلم في التسمية في الوضوء حديثاً ثابتاً ... إلخ عن شرح الزبيدي على الإحياء.
أقول: الظاهر أن التسمية ثابتة في السنة لكن حملها الحنفية على الندب أي لا وضوء كاملاً وذلك لما ورد أن النبي ﷺ علم الأعرابي الوضوء ولم يذكر التسمية ولأن لبعض العلماء كلاماً في ثبوت ذلك في السنة.
قال البغوي (١/ ٤١٠): قال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لو ترك التسمية أعاد الوضوء وذهب أكثر العلماء إلى أن تركها لا يمنع صحة الطهارة، والخبر إن ثبت فمحمول على نفي الفضيلة وتأوّله جماعة على النية وجعلوا الذكر ذكر القلب وهو أن يذكر أنه يتوضأ لله امتثالاً لأمره.
والتسمية سنة الواجب في ظاهر مذهب أحمد ورواية عنه أنها واجبة في الغسل والوضوء والتيمم، (المغني ١/ ١٠٢).
٤٩٨ - * روى النسائي وابن السني عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يتوضأ، فسمعته يقول: "اللهم اغفِرْ لي ذنبي، ووسِّعْ لي في داري، وبارك لي في رزقي".
стр. 342
٤٩٩ - * روى الطبراني في الصغير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا تبرحُ تكتبُ لك الحسنات حتى تحدِثَ من ذلك الوضوء ... ".
أقول: قد مر معنا من قبل أنه يندب للمتوضيء أن يختم وضوءه بالشهادتين وبالدعاء: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وقوله سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك".
التخليل والسواك:
٥٠٠ - * روى الترمذي والحاكم عن ابن عباسٍ رفعه: "إذا توضأت فخلِّلْ أصابع يديك ورجليك".
٥٠١ - * روى الترمذي عن لقيط بن صبرة: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، قال "أسبغ الوضوء وخللْ بين الأصابع، وبالغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً".
٥٠٢ - * روى أبو يعلي عن شقيقٍ قال توضأ عثمان بن عفان فخلل أصابع رجليه وقال رأيت رسول الله ﷺ فعل ذلك.
٥٠٣ - * روى أحمد عن المستورد بن شدادٍ ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ يدلُكُ أصابع رجليه بخنصره.
стр. 343
٥٠٤ - * روى الترمذي عن حسان بن بلال المزني قال: "رأيت عمار بن ياسر توضأ، فخلل لحيته، فقيل له - أو قال: فقلت له - أتخللُ لحيتك؟ قال: وما يمنعني؟ ولقد رأيت النبي ﷺ يُخللُ "لحيتهُ".
أقول: يُسن تخليل اللحية الكثّة بكف ماء من أسفلها وتخليل أصابع اليدين والرجلين باتفاق الفقهاء.
٥٠٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"- وفي أخرى (١): "لولا أن أشق على أمتي، أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة".
٥٠٦ - * روى مسلم "لولا أن أشق على المؤمنين" - وفي رواية (٢): "على أمتي - لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وفي رواية (٣) أبي داود: "لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة".
٥٠٧ - * روى أحمد بإسناد حسن "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلوةٍ بوضوء ومع كل وضوءٍ بسواكٍ".
٥٠٨ - * روى أبو داود عن زيد بن خالد الجُهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن أشُق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، قال أبو
стр. 344
سلمة - هو ابن عبد الرحمن-: فرأيتُ زيداً يجلسُ في المسجد، وإن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك".
٥٠٩ - * روى الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "لزمتُ السواك حتى خشيتُ أن يُدردني".
٥١٠ - * أخرج أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يُوضع له ووضؤه وسواكه، فإذا قام من الليل تخلى، ثم استاك".
٥١١ - * روى مسلم عن شُريح بن هانئ قال: "سألت عائشة: بأي شيءٍ كان يبدأُ رسول الله صلى الله علي وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك".
٥١٢ - * روى الشيخان عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يَشُوصُ فاهُ بالسواك".
وفي أخرى (١) لمسلم "أنه كان إذا قام ليتهجَّدَ".
وفي رواية (٢) النسائي قال: "كنا نؤمَرُ بالسواك إذا قمنا من الليل: أن نَشُوص أفوانا بالسواك".
стр. 345
٥١٣ - * روى الطبراني عن زيد بن خالد الجُهني قال ما كان رسول الله ﷺ يخرج من بيته لشيءٍ من الصلوات حتى يستاك.
٥١٤ - * روى أحمد عن عائشة ﵂ قالت: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "السواكُ مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرب".
٥١٥ - * روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "أتيتُ رسول الله ﷺ وهو يستنُّ بسواك بيده، ويقول: "أُغْ أُغْ"، والسواك في فيه، كأنه يتهَوَّعُ".
وعند (١) مسلم قال: "دخلت على النبي ﷺ وطرف السواك على لسانه" وعند أبي (٢) داود قال: "أتينا رسول الله ﷺ نستحملُه، فرأيته يستاكُ على لسانه".
قال أبو داود: قال سليمان "دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك، وقد وضع السواك على طرف لسانه، وهو يقول: "إهْ إهْ- يعني: يتهوَّع" قال مسدَّد: كان حديثاً طويلاً اختصرتُه.
وعند النسائي (٣) قال: "دخلت على رسول الله ﷺ وهو يسْتَنُّ، وطرف السواك على لسانه، وهو يقول: "عأْ عأْ".
стр. 346
٥١٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أكثرتُ عليكم في السواك".
٥١٧ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أراني في المنام أتسوَّكُ بسواكِ، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت الأصغر منهما، فقيل لي: كبِّرْ، فدفعته إلى الأكبر منهما".
٥١٨ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستنُّ وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك: أن كبِّرْ، أعْطِ السواك أكبرهما.
٥١٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يستاك فيُعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاكُ، ثم أغسله وأدفعه إليه".
٥٢٠ - * روى الطبراني عن أبي خيرة الصُّبَاحي قال: كنتُ في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ فزودنا الأراك نستاكُ به. فقلنا يا رسول الله: عندنا الجريدُ ولكنا نقبلُ كرامتك وعطيتك فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفرْ لعبد القيس إذ أسلموا طائعين غير مُكْرهين إذ قعد قومٌ لم يُسلموا إلا خزايا موتورين".
أقول (١): السواك أو ما ينوب منابه من فرشاة أو خرقة أو إصبع لتنظيف الأسنان وما حولها من سنن الفطرة، وهو مسنون في كل وقت وسنة عند الحنفية لكل وضوء عند المضمضمة ومن فضائل الوضوء عند المضمضة عند المالكية، وعند الشافعية والحنابلة سنة عند الوضوء بعد غسل الكفين وقبل المضمضة ولتغير رائحة الفم أو الأسنان بنوم أو أكل أو جوع أو
стр. 347
سكوت طويل أو كلام كثير، وهو سنة مستحبة عند كل صلاة، ويتأكد للصلاة ولتغير الفم واصفرار السنان ولقراءة القرآن أو حديث شرعي أو علم شرعي أو ذكر لله تعالى، أو لدخول منزل أو عند الاحتضار وفي السحر وبعد الوتر، وقال الشافعية ويسن التخلل قبل السواك وبعده من آثار الطعام، ويكره عند الشافعية والحنابلة السواك للصائم بعد الزوال ولا يكره عند المالكية والحنفية.
ويستاك الإنسان بيده اليمنى مبتدئاً بالجانب الأيمن عرضاً بالنسبة للأسنان لا طولاً من ثناياه إلى أضراسه اليمنى ثم إلى أضراسه اليسرى أما اللسان فيسن أن يستاك فيه طولاً ولا يستعمل للاستياك شيئاً يؤذي (الفقه الإسلامي ١/ ٣٠٠ - ٣٠٣).
غسل اليدين:
٥٢١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري: أين باتتْ يدهُ؟ ".
وفي رواية (١) قال: "إذا استيقظ أحدكم فليفرغ على يده ثلاث مرات قبل أن يدخل يده في إنائه، فإنه لا يدري فيما باتت يدُه؟ ".
وفي رواية (٢) "حتى يغسلها" - ولم يقل: ثلاثاً.
وقد أخرج (٣) البخاري هذا المعنى بزيادة قال: إن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدُكم فليجعلْ في أنفه، ثم لينثُر، ومن استجمر فليوترْ، وإذا استيقظ أحدُكم من نومه فيغسل يده قبل أن يُدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتتْ يدُه".
стр. 348
وأخرج الموطأ (١) رواية البخاري بزيادة، وأخرج أبو داود الرواية (٢) الأولى: وله (٣) وللترمذي (٤) "حتى يُفرغ عليها مرتين أو ثلاثاً".
ولأبي داود (٥) أيضاً "فإنه لا يدري أين بات يدُهُ؟ " أو أين كانت يده تطوفُ؟ ".
فائدة: قال في (حجة الله البالغة): معناه أن بعد العهد بالتطهر والغفلة عنهما ملياً مظنة لوصول النجاسة والأوساخ إليهما مما يكون إدخال الماء معه تنجيساً له أو تكديراً أو شناعة (١/ ١٨٠).
قال الشيخ وهبي وغسل اليدين إلى الرسغين سنة في الوضوء كان بعد الاستيقاظ من النوم أولاً، والله أعلم.
٥٢٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمِسْ يدَهُ في إنائه أو في وضوئه، حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين أتت يده منه".
الاستنثار والاستنشاق والمضمضة:
٥٢٣ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر".
وفي رواية (٦) عن أبي هريرة وأبي سعيد مثله.
стр. 349
وفي رواية (١) لمسلم عن أبي هريرة- يبلُغُ به النبي ﷺ قال: "إذا استجمر أحدكم فليستجمر وتراً، وإذا توضأ أحدُكم فليجعلْ في أنفه ماءً، ثم لينتثر".
وفي أخرى (٢): أنه ﷺ قال: "إذا توضأ أحدُكم فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثرْ".
٥٢٤ - * روى النسائي عن علي بن أبي طالب ﵁: دعا بوضوءٍ، فمضمض، واستنشق، ونثر بيده اليسرى، ثم قال: هذا طهور نبي الله ﷺ ".
٥٢٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن زيد بن عاصم بن عمرو بن عوف المازني ﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ : مضمض واستنشق من كفٍّ واحد فعل ذلك ثلاثاً".
٥٢٦ - * روى الجماعة عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ شَرِبَ لبناً، فدعا بماءٍ، فمضمض، وقال: "إن له دسماً".
٥٢٧ - * روى البخاري عن سويد بن النعمان ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ عام خيبر، حتى إذا كنا بالصهباء- وهي من أدنى خيبر - صلى رسول الله ﷺ العصر، فلما
стр. 350
صلى دعا بالأطعمة فلم يُؤتَ إلا بالسويق، فأمر به، فثُري، وأكل وأكلنا، ثم قام النبي ﷺ إلى المغرب، فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ".
٥٢٨ - * روى مالك عن أبان بن عثمان ﵀ أن عثمان بن عفان أكل خُبزاً ولحماً، ثم مضمض وغسل يديه، ومسح بهما وجهه، ثم صلى، ولم يتوضأ".
أقول: تندب للإنسان المضمضة إذا قام إلى الصلاة بعد طعام أو شراب يبقى أثره في الفم وفي الأصل فإنه يندب للإنسان السواك عند كل صلاة.
٥٢٩ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثرْ ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيتُ على خياشيمه".
٥٣٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "استنثروا مرتين بالغتين، أو ثلاثاً".
أقول: المضمضة والاستنشاق والاستنثار سنن مؤكدة عند الجمهور غير الحنابلة، فالمشهور عند الحنابلة أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء وفي الغُسْل.
٥٣١ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ من رواية نُعيم بن عبد الله المُجْمِر عنه: أن النبي ﷺ قال: "إن أُمَّتي يُدْعَونَ يوم القيامة غُرًّا مُحجَّلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّتَه فليفعل".
стр. 351
وفي رواية (١) قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ: فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال لي: هكذا رأيتُ النبي ﷺ يتوضأ، وقال: قال النبي صلى الله ليعه وسلم: "أنتم الغُرُّ المحجلون يوم القيامة: من إسباغ الوضوء" فمن استطاع منكم فليُطل غُرته وتحجيله.
وفي أخرى (٢) أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً مُحجلين، من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل".
ولمسلم (٣) من رواية أبي حازم قال: كنت خلْفَ أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمُدُّ يده حتى تبلُغ إبطَهُ، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فرُّوخَ، أنتم هاهنا؟ لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلُغ الحِلْيَةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوءُ".
٥٣٢ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ : "ما من أمتي أحدٌ إلا وأنا أعرفُه يوم القيامة" قالوا يا رسول الله من رأيت ومن لم تر قال "من رأيت ومن لم أر غراً محجلين من آثار الطهور".
أقول: إطالة الغرّة تكون بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه والتحجيل يكون بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين إلى ما فوق المرفقين والكعبين وهما مندوبان عند الجمهور، ويكره المالكية إطالة الغرة وتأولوا أحاديث إطالة الغرة.
стр. 352
- في مقدار الماء:
٥٣٣ - *روى الشيخان عن أنس بن مالك رض الله عنه قال: كان النبي ﷺ يغتسل بالصَّاعِ إلى خمسة أمْدادٍ، ويتوضأ بالمُدِّ.
وفي رواية (١) كان يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكُّوك.
وفي رواية (٢): بخمس مكاكيَّ.
وفي رواية الترمذي (٣): أن رسول الله ﷺ قال: "يُجزيءُ في الوضوء رطلان ماءٍ".
وفي أخرى (٤) له: أنه كان يتوضأ بالمكُّوك، ويغتسل بخمس مكاكيكَ.
٥٣٤ - * روى مسلم عن سفينة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُغسِّلُه الصاعُ من الماء من الجنابة، ويوضئه المدُّ.
٥٣٥ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "يجزيءُ من الوضوء المُدُّ ومن الجنابة الصاعُ" فقال له رجل: لا يكفينا ذلك يا جابر؟ فقال: قد كفى من هو خيرٌ منك وأكثرُ شعراً.
стр. 353
قال: ابن خزيمة في قوله ﷺ : "يجزيءُ من الوضوء المد"، دلالة على أن توقيت المد من الماء للوضوء، أن ذلك يجزيءُ، لا أنه لا يجوز النقصان منه ولا الزيادة فيه.
٥٣٦ - * روى أبو داود عن أم عُمارة ﵂ أن النبي صلى الله ليه وسلم توضأ، فأُتِيَ بإناءٍ فيه ماء قدر ثلثي المدِّ.
وزاد النسائي (١): قال شعبة: فأحفظُ: أنه غسل ذراعيه، وجعل يدلكُهما، ومسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما.
أقول: من مكروهات الوضوء الإسراف في صب الماء بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية أو ما يزيد على الكفاية، ومن الإسراف الزيادة على الثلاث في الغسلات وعلى المرة الواحدة في المسح عند الجمهور غير الشافعية، والكراهة تنزيهية إلا إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلات الثلاثة من أعمال الوضوء فتكون الكراهة تحريمية أما إذا زاد للنظافة أو للطمأنينة، ونحوها فلا كراهة، والإسراف في الماء الموقوف على الوضوء كالماء المُعَدِّ للوضوء في المساجد كراهته تحريمية.
- آداب تتعلق بالوضوء:
١ - استعمال الطيب:
٥٣٧ - * روى الطبراني عن يزيد بن أبي عبيدٍ أن سلمة بن الأكوع كان إذا توضأ يأخذ المِسْكَ فيديفُه في يده ثم مسح به لحيته.
стр. 354
٢ - إحسان الوضوء:
٥٣٨ - * روى أحمد عن عبد الملك بن عمير قال سمعت شبيباً أبا روح من ذي الجلاع أنه صلى مع النبي ﷺ فقرأ بالروم فتردد في آية فلما انصرف قال: "إنه لُبِسَ علينا القرآن إن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء".
٣ - التوضؤ لكل صلاة:
٥٣٩ - * روى البخاري عن أنس كان رسول الله ﷺ يتوضأُ لكلِّ صلاةٍ، قيل كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزيءُ أحدنا الوضوء مالم يُحدِثْ.
٥٤٠ - * روى مسلم عن بريدة أن النبي ﷺ يوم الفتح صلى الصلوات بوضوءٍ واحدٍ فقال عمر: فعلت شيئاً لمْ تكُنْ تفعلهُ قال: "عمداً فعلتُهُ يا عمر".
٥٤١ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بوضوءٍ واحد.
стр. 355
٥٤٢ - * روى ابن خزيمة عن محمد بن يحيى بن حبان سأل عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهرٍ عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة ابن أبي عامر الغسيل حدثها أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً كان أو غير طاهرٍ، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة ووُضع عنه الوضوء إلا من حدث. وكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك، ففعله حتى مات.
هذا حديث يعقوب بن إبراهيم، غير أن محمد بن منصور قال: وكان يفعله حتى مات.
٤ - التيامن:
٥٤٣ - * روى الستة عن عائشة كان النبي ﷺ يحب التيامُن ما استطاع في شأنهِ كله في طوهره وترجُّله وتنعُّله.
٥ - كراهة الكلام في الوضوء:
٥٤٤ - * روى ابن خزيمة عن المهاجر بن قُنْقُذ بن عمر بن جدعان: أنه أتى النبي ﷺ وهو يتوضأ، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه رسول الله ﷺ حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كرهت أن أذكُر الله إلا على طُهْر" أو قال: "على طهارة". وكان الحسنُ يأخذ به.