الخلفاء، وأن الأمير يعمل في الدين بقول أهل العلم، ويصير إلى رأيهم، وفيه مداخلة العلماء بالسلاطين، وأنه لا نقيصة عليهم في ذلك، وفيه فتوى التلميذ بحضرة معلمه عند السلطان وغيره، وفيه الفهم بالإشارة، وفيه طلب العلو في العلم لتشوّف الحجاج إلى سماع ما أخبر به سالم عن أبيه ابن عمر، ول ينكر ذلك ابن عمر، وفيه تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس، وفيه احتمال المفسدة الخفيفة لتحصيل المصلحة الكبيرة، يؤخذ ذلك من مضي ابن عمر إلى الحجاج، وتعليمه، وفيه الحرص على نشر العلم لانتفاع الناس به، وفيه صحة للصلاة خلف الفاسق، وأن التوجه إلى المسجد الذي بعرفة حين تزول الشمس للجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر سنة، ولا يضر التأخر بقدر ما يشتغل به المرء من متعلقات الصلاة كالغسل ونحوه.
- الدعاء في عرفات:
٤٤٨٧ - * روى النسائي عن أسامة بن زيدٍ مولى رسول الله، ﷺ ، ﵁ قال: "كنتُ ردفَ رسول الله ﷺ بعرفاتٍ، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خِطامُها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافعٌ يده الأخرى.
ينبغي للحاج أن يجتهد يوم عرفة بالدعاء بما يستطيع.
- في فضل عرفة:
٤٤٨٨ - * روى أحمد عن عبد العزيز بن قيس العبدي قال: سمعت ابن عباس يقول (١): كان فلانٌ رِدْفَ رسول الله ﷺ يوم عرفة فجعل الفتى يلاحظُ النساء وينظرُ إليهن فقال له
стр. 2872
رسول الله ﷺ : "ابن أخي إن هذا يومٌ من ملك فيه سمعهُ وبصره ولسانهُ غُفر له".
- في صوم يوم عرفة للحاج وأنه لا يستحب له ذلك:
٤٤٨٩ - * روى البخاري عن أم الفضل بنت الحارث "أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه".
- الدفع إلى المزدلفة والجمع بين الصلاتين فيها:
٤٤٩٠ - * روى الشيخان عن أسامة بن زيدٍ ﵄ قال: "دفع رسول الله ﷺ من عرفة، حتى إذا كان بالشعْبِ نزل فبال، ثم توضأ، ولم يُسبغْ الوضوء فقلت: الصلاة يا رسول الله، فقال: الصلاة أمامك، فركب، فلما جاء المزدلفة. نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيرهُ في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلى، ولم يُصلِّ بينهما".
وفي رواية (١) قال: "ردفْتُ رسول الله ﷺ من عرفاتٍ، فلما بلغ الشعب الأيسر، الذي دُون المزدلفة، أناخ فبال ثم جاء، فصببتُ عليه الوضوء، فتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقلت: الصلاة يا رسول الله، فقال: الصلاة أمامك، فركب رسول الله ﷺ حتى يأتي المزدلفة، فصلى، ثم ردف الفضلُ رسول الله ﷺ غداة جمعِ".
وفي أخرى (٢) نحوه، وفيه: "فركبَ، حتى إذا جئنا المزدلفة، فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يحلُّوا، حتى أقام العشاء الآخرة، فصلى، ثم حلوا، قلتُ:
стр. 2873
فكيف فعلتُمْ حين أصبحتُم؟ قال: ردِفَه الفضْلُ بن عباس، وانطلقتُ أنا في سُبَّاقِ قريش على رجلي".
وفي أخرى (١): "أن رسول الله ﷺ ، لما أتى النَّقْبَ الذي ينزله الأمراءُ، نزل فبال- ولم يقل: أهراق - ثم دعا بوضوء فتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقلت: يا رسول الله، الصلاة، قال: الصلاةُ أمامك".
وفي أخرى (٢) نحو هذه، وفيها: "أناخ راحلته، ثم ذهب إلى الغائط فلما رجع، صببتُ عليه من الإداوة، فتوضأ، ثم ركب، ثم أتى المزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء".
وفي رواية (٣) لأبي داود والنسائي عن كُريْبٍ قال: "سألتُ أسامة بن زيدٍ، قلت: أخبرني: كيف فعلتُمْ - أو صنعتمْ - عشيةَ ردفتَ رسول الله ﷺ ؟ قال: جئنا الشعب الذي يُنيخُ فيه الناس للمُعَرَّسِ، فأناخ رسول الله ﷺ ناقته ... " وذكر الحديث مثلَ الرواية الثالثة للبخاري ومسلم.
وفي رواية للنسائي (٤) قال: "أفاض رسول الله ﷺ وأنا رديفهُ فجعل يكبحُ راحلتهُ، حتى إن ذِفْرَاها لتكادُ تُصيبُ قادمةَ الرحْلِ، وهو يقول: يا أيها الناس، عليكم السكينة والوقار، فإن البرَّ ليس في إيضاع الإبل".
وفي أخرى (٥) له مختصراً "أن النبي ﷺ حيثُ أفاض من عرفة مال إلى الشعب، فقلتُ له: صل المغرب، فقال: المُصلَّى أمامك".
وفي أخرى (٦) له: "أنَّ رسول الله ﷺ نزل الشعب، الذي ينزله الأمراء، فبال، ثم
стр. 2874
توضأ وضوءاً خفيفاً. فقلت: يا رسول الله، الصلاة، فقال: الصلاةُ أمامك، فلما أتينا المزدلفة، لم يحل آخر الناس حتى صلى".
قال الحافظ في الفتح: فائدة: الماء الذي توضأ به ﷺ ليلتئذ كان من ماء زمزم، أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زيادات سنن أبيه بإسناد حسن من حديث علي بن أبي طالب ﵁، فيستفاد منه الرد على منع استعمال ماء زمزم لغير الشرب.
٤٤٩١ - * روى ابن خزيمة عن أسامة: أن النبي ﷺ أردفَهُ حين أفاض من عرفة، فأفاض بالسكينة. وقال: "أيُّها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل". قال: فما رأيت ناقته رافعةً يدها، حتى أتى جمع، ثم أردف الفضل فأمر الناس بالسكينة، وأفاض، وعليه السكينة، وقال: "ليس البر بإيجاف الخيل والإبل" فما رأيت ناقته رافعةً يدها حتى أتى منى.
- السير في الدفع إلى المزدلفة:
٤٤٩٢ - * روى الجماعة- إلا الترمذي- عن أسامة بن زيدٍ ﵄ قال عروةُ: "سُئل أسامة بن زيد- وأنا جالسٌ معه-: كيف كان رسول الله ﷺ يسيرُ في حجةِ الوداعِ حين دفع؟ فقال: كان يسيرُ العنق، فإذا وجد فُرْجَةً نصَّ - قال هشام: والنصُّ: فوق الْعَنَقِ" (١).
стр. 2875
وفي رواية (١): "فجوةٌ" بدل "فرجة".
وفي رواية (٢) نحوه، وفيه: "وكان رسول الله ﷺ أردفه من عرفاتٍ. قال: كيف كان رسول الله ﷺ يسيرُ، حين أفاض من عرفاتٍ؟ ... وذكره".
- السكينة عند الإفاضة:
٤٤٩٣ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "حججنا مع ابن مسعودٍ في خلافة عثمان قال: وقفنا بعرفة قُلنا: غابت الشمس، قال ابن مسعود: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن كان قد أصاب قال: فلا أدري كلمة ابن مسعود كانت أسرع أو إفاضة عثمان، قال: فاوْضع الناس ولم يزد ابن مسعود على العنقِ حتى أتينا جمعاً. فذكر الحديث.
٤٤٩٤ - * روى أبو داود عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: "ثم أردفَ أسامة، فجعل يُعْنِقُ على ناقته، والناسُ يضربون الإبل يميناً وشمالاً، لا يلتفتُ إليهم، ويقول: السكينة، أيها الناس، دفع حين غابت الشمس".
- من أذن وأقام لكل صلاة ووقت صلاة الفجر:
٤٤٩٥ - * روى ابن خزيمة: "أفاض عبد الله بن مسعود من عرفاتٍ على هينته لا يضربُ بعيرهُ، حتى أتى جمعَ، فنزل، فأذن فأقام، ثم صلى المغرب، ثم تعشى، ثم قام فأذن وأقام، وصلى العشاء، ثم بات بجمعٍ، حتى إذا طلع الفجر قام فأذن، وأقام ثم صلى الصبح، ثم قال: إن هاتين الصلاتين يؤخران عن وقتهما، وكان رسول الله ﷺ
стр. 2876
لا يُصليهما في هذا اليوم إلا في هذا المكان ثم وقفَ".
قال ابن خزيمة: لم يرفع ابن مسعودٍ قصة عشائه بينهما، وإنما هذا من فعلْهِ، لا عن النبي ﷺ .
٤٤٩٦ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن يزيد ﵀ قال: "خرجتُ مع عبد الله بن مسعودٍ إلى مكة، ثم قدمنا جمعاً، فصلى الصلاتين، كل صلاةٍ بأذانٍ وإقامة، والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجرُ، وقائلٌ يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لا، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن هاتين الصلاتين حُوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب والعشاء فلا يقدم الناسُ جمعاً حتى يُعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة. ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السُّنة، فما أدري: أقوله كان أسرعُ، أم دفعُ عثمان؟ فلم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر".
٤٤٩٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءهُ زجراً شديداً، وضرباً للإبل وراءهُ، فأشار بسوطه إليهم، وقال: أيُّها الناسُ عليكم بالسكينة، فإن البِرَّ ليس بالإيضاع".
وفي رواية (١) مسلم والنسائي (٢): عنه عن اخيه الفضل - وكان رديف رسول الله ﷺ أنه قال في عشية عرفة، وغداة جمع للناس، حين دفعُوا: "عليكم بالسكينة - وهو كاف ناقتهُ- حتى دخل مُحسراً- وهو من منى - قال: عليكم بحصى الخذْفِ، الذي يُرْمَى به الجمرةُ، وقال: لم يزلْ رسول الله ﷺ يُلبِّي حتى رمى الجمرة".
стр. 2877
زاد في رواية (١) بعد قوله: "حصى الخذْفِ" قال: والنبي ﷺ يُشير بيده، كما يَخْذِفُ الإنسان".
وفي أخرى لمسلم (٢) عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفة، وأسامة ردفُهُ، قال أسامة: فما زال يسيرُ على هينته، حتى أتى جمعاً".
وفي رواية (٣) أبي داود قال: "أفاض رسول الله ﷺ من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة، فقال: يا أيها الناس، عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، فما رأيتها رافعةً يديها غادية، حتى أتى جمعاً.
زاد في رواية (٤): "ثم أردف الفضل بن عباس، فقال: أيها الناس، إن البر ... وذكر الحديث - وقال عوض جمعٍ: منى".
وفي رواية النسائي (٥): عنه عن أخيه الفضل قال: "أفاض رسول الله ﷺ من عرفاتٍ، ورديفُهُ أسامة بن زيدٍ، فجالتْ به الناقةُ، وهو رافعٌ يديه، لا تُجاوزان رأسه، فما زال يسير على هينته حتى انتهى إلى جمعٍ".
٤٤٩٨ - * روى ابن خزيمة عن جعفر عن أبيه قال: دخلنا على جابرٍ، فقلت: اخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فذكر بعض الحديث، وقال: ركب القصواء حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخراتِ، وجعل حبلَ المشاة بين يديه، واستقبل القِبْلَة، فلم يزلُ
стр. 2878
واقفاً، حتى غربت الشمس وذهبت الصُّفرةُ قليلاً حين غاب القُرْصُ.
٤٤٩٩ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن النبي ﷺ أوضع في وادي مُحسرِ".
زاد فيه بشر بن السري "وأفاض من جمعٍ وعليه السكينةُ، وأمرهُمْ بالسكينةِ".
وزاد فيه أبو نعيمٍ: "وأمرهُم: أن يرْمُوا بمثل حصى الخْذْفِ، قوال لعلي: لا أراكم بعد عامي هذا".
وفي رواية أبي داود (١) والنسائي (٢): "أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينةُ، وأمرهُمْ أن يرموا بمثل حصى الخذفِ، وأوضع في وادي مُحَسِّرِ".
وفي أخرى للنسائي (٣): "أن رسول الله ﷺ لما أفاض من عرفة جعل يقول: السكينة عباد الله، ويقول بيده هكذا، وأشار أيوبُ بباطن كفه إلى السماء".
٤٥٠٠ - *روى مالك في الموطأ عن نافع مولى عبد الله بن عمر ﵁ "أن ابن عمر كان يُحرك راحلته في بطن مُحسرٍ قدر رميةٍ بحجرٍ".
٤٥٠١ - * روى أبو داود عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: "لما أصبح - يعني رسول الله ﷺ وقف على قُزَحَ. فقال: "هذا قُزَحُ، وهو الموقفُ، وجمعٌ كله موقفٌ، ونحرت هاهنا، ومنى كُلها منحرٌ، فانحروا في رحالكُمْ".
стр. 2879
وقت الإفاضة من مزدلفة:
٤٥٠٢ - * روى البخاري عن عمرو بن ميمون ﵀ قال: قال عمر: "كان أهل الجاهلية لا يُفيضُون من جمعٍ حتى تطلُع الشمسُ، وكانوا يقولون: أشرِقْ ثبيرْ، فخالفهم النبي ﷺ ، فأفاض قبل طلُوع الشمس".
وفي رواية (١) قال: "شَهِدْتُ عمر صلى بجمعٍ الصُّبْحَ، ثم وقف، فقال: إن المشركين كانوا لا يُفيضون حتى تطلُع الشمس ... " الحديث.
وللترمذي وأبي داود قالا فيه: "إن رسول الله ﷺ خَالفَهُمْ، فأفاض عُمرُ قبل أنْ تطلع الشمسُ".
- تقديم الضعفاء في الإفاضة من المزدلفة:
٤٥٠٣ - * روى الجماعة- إلا الموطأ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهلهِ".
стр. 2880
وفي أخرى (١) للترمذي وأبي داود والنسائي مثله، وزاد: "وقال لهم: لا ترمُوا الجمرة، حتى تطلع الشمسُ".
وفي أخرى (٢) لأبي داود والنسائي قال: "قدمنا رسول الله ﷺ ليلة جمعٍ: أغيلمَهَ بني عبد المطلب، على حُمراتٍ، فجعل يلطحُ أفخاذنا، ويقول: أبينيَّ، لا ترموا الجمرة، حتى تطلع الشمسُ".
وفي أخرى للنسائي (٣) عنه عن الفضلِ: "أن النبي ﷺ أمر ضعفة بني هاشم: أن ينفروا من جمعٍ بليلٍ".
وفي أخرى له (٤) عن عبد الله بن عباس قال: "أرسلني رسول الله ﷺ مع ضعفة أهله، فصلينا الصُّبح بمنى، ورمينا الجمرة".
٤٥٠٤ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: استأذنَتْ سودةُ النبي ﷺ ليلة جمعٍ، كانت ثقيلةً ثبطةً فأذن لها".
وفي رواية (٥) قالت: "كانت سودةُ امرأةً ضخمةً ثَبَطةً، فاستأذنتْ رسول الله ﷺ : أن
стр. 2881
تُفيض من جمعٍ بليلٍ، فأذن لها، فقالت عائشة: فليتني كنتُ استأذنتُ رسول الله ﷺ ، كما استأذنته سودةُ، وكانت عائشةُ لا تُفيضُ إلا مع الإمام".
وفي أخرى (١) قالت: "ودِدْتُ: أني كنتُ استأذنتُ رسول الله ﷺ ، كما استأذنتهُ سودة، فأصلي الصُّبح بمنى، فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناسُ. قال القاسم: فقلتُ لعائشة: فكانت سودة استأذنته؟ قالت: نعم، إنها كانتْ امرأةً ثقيلةً ثبطةً، فاستأذنتْ رسول الله ﷺ ، فأذن له".
وفي أخرى (٢) قالت: "نزلنا المزدلفة. فاستأذنتْ النبي ﷺ سودةُ: قبْلَ حَطْمَةِ الناس - وكانت امرأةً بطيئةً -فأذن لها، فدفعتْ قبل حطمةِ الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأنْ أكون استأذنتُ رسول الله ﷺ ، كما استأذنت سودةُ، أحبُّ إليَّ من مفْرُوحٍ به".
وفي أخرى (٣) نحوه، وفيه يقول القاسم: "الثبطةُ: الثقيلةُ".
وفيه: "وحُبسنا، حتى أصبحنا".
وفيه: "كما استأذنته سودة، فأكون أدفعُ بإذنه".
وللنسائي (٤) عن عائشة قالت: "إنما أذِنَ النبي ﷺ لسودة في الإفاضة قبل الصبح، لأنها كانت امرأةً ثبطةً".
٤٥٠٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالتْ: "أرسل النبيُّ ﷺ بأمِّ سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضتْ. فكان ذلك اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله ﷺ تعني: عندها".
стр. 2882
وفي رواية النسائي (١): "أن رسول الله ﷺ أمر إحدى نسائه أن تنفر من جمعٍ، فتأتي جمرة العقبة فترميها، وتصبح في منزلها".
٤٥٠٦ - * روى مسلم عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ "أن النبي ﷺ بعث بها من جمعٍ بليلٍ إلى منى".
وفي رواية (٢) قالت أم حبيبة: "كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ، نُغَلِّسُ من جمعٍ إلى منى". وفي أخرى (٣) "نُغَلِّسُ من مزدلفة".
٤٥٠٧ - * روى الشيخان عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ "أن عبد الله ابن عمر: كان يُقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ ".
وأخرج الموطأ (٤) عنه وعن أخيه عبيد الله: "أن أباهما كان يُقدم ضعفة أهله وصبيانه من المزدلفة، حتى يُصلوا الصبح بمنى، ويرموا قبل أن يأتي الناسُ".
٤٥٠٨ - * روى مالك في الموطأ عن فاطمة بنت المنذر ﵂ كانت ترى أسماء بنت أبي بكر بالمزدلفة، تأمر الذي يُصلي لها ولأصحابها الصبح: يُصلي لهم الصبح حين يطلع الفجرُ، ثم تركبُ، فتسير إلى مِنىً، ولا تقفُ.
стр. 2883
٤٥٠٩ - * روى مالك في الموطأ عن نافعٍ مولى ابن عمر ﵄ "أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عُبيدٍ - امرأة عبد الله بن عمر - نُفِسَتْ بالمزدلفة، فتخلفتْ هي وصفية، حتى أتتا منىً، بعد أنْ غربتْ الشمسُ من يوم النحْر، فأمرهُما ابن عمر: أن ترميا حين قدمتا منىً، ولم ير عليهما شيئاً".
٤٥١٠ - * روى مالك في الموطأ عن عطاء بن أبي رباحٍ ﵀ قال: إن مولاة أسماء بنت أبي بكر أخبرته: قالت: "جئنا مع أسماء بنت أبي بكر ﵄ منىً بغلسٍ، قال: فقلتُ لها: لقد جئنا منىً بغلس، فقالت: قد كُنَّا نصنعُ ذلك مع منْ هو خيرٌ منك".
وأخرج أبو داود (١) قال عطاء: أخبرني مُخبرٌ عن أسماء: "أنها رمتِ الجمرة، قلت: إنا رمينا الجمرة بليلٍ، قالت: إنا كنا نصنعُ هذا على عهد رسول الله ﷺ ".
وقد أخرج البخاري (٢) ومسلم (٣) والموطأ والنسائي هذا المعنى بزيادة عن عبد الله مولى أسماء "أنها نزلت ليلة جمعٍ عند المزدلفةِ، تُصلِّي، فصلَّتْ ساعةً، ثم قالت: هل غاب القمرُ؟ قلتُ: لا، ثم صلتْ ساعةً، ثم قالت: هل غاب القمرُ؟ فقلتُ نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، فمضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعتْ، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاهُ، ما ُأرانا إلا قد غسلنا، قالت: يا بُنيَّ، إن رسول الله ﷺ قد أذِنَ للظعُن" وفي رواية (٤) "قد أذن لظُعُنِهِ".
стр. 2884
قال الحافظ في الفتح: واستدل بهذا الحديث على جواز الرمي قبل طلوع الشمس عند من خص التعجيل بالضعفة وعند من لم يخصص. وخالف في ذلك الحنفية فقالوا: لا يرمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر، جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال أحمد، وإسحاق، والجمهور، وزاد إسحاق: ولا يرميها قبل طلوع الشمس، وبه قال النخعي، ومجاهد، والثوري، وأبو ثور، ورأى جواز ذلك قبل طلوع الفجر: عطاء، وطاوس، والشعبي، والشافعي، واحتج الجمهور بحديث ابن عمر الماضي واحتج إسحاق بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لغلمان بني عبد المطلب: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، وهو حديث حسن. قال: وإذا كان من رخص له منع أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخص له أولى، واحتج الشافعي بحديث أسماء هذا، ويجمع بينه وبين حديث ابن عباس، بحمل الأمر في حديث ابن عباس على الندب، ويؤيده ما أخرجه الطحاوي من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه قال: "بعثني النبي ﷺ مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر". وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر، لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه، إذا لا أعلم أحداً قال: لا يجزئه، واستدل به أيضاً على إسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة، ولا دلالة فيه، لأن رواية أسماء ساكتة عن الوقوف، وقد بينه برواية ابن عمر التي قبلها.
وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فكان بعضهم يقول: من مر بمزدلفة فلم ينزل بها فعليه دم، ومن نزل بها ثم دفع فيها في أي وقت كان من الليل فلا دم عليه ولو لم يقف مع الإمام. وقال مجاهد وقتادة والزهري والثوري: من لم يقف بها فقد ضيع نسكاً وعليه دم، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ورُوي عن عطاء. وبه قال الأوزاعي: لا دم عليه مطلقاً، وإنما هو منزل، ومن شاء به نزل، ومن شاء لم ينزل به.
قال الحافظ: وذهب ابن بنت الشافعي وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركن لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، ونقله ابن المنذر عن علقمة والنخعي، والعجب أنهم قالوا: من لم يقف بها فاته الحج، ويجعل إحرامه عمرة، واحتج الطحاوي بأن الله لم يذكر الوقوف، وإنما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وقد أجمعوا على
стр. 2885
أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج، فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضاً، قال: وما احتجوا به من حديث عروة بن مضرس رفعه قال: "من شهد معنا صلاة الفجر بالمزدلفة وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة" لإجماعهم أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام. اهـ.
وحديث عروة أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والدارقطني والحاكم، ولفظ أبي داود عنه: "أتيت رسول الله ﷺ بالموقف، يعني بجمع، قلت: جئت يا رسول الله من جبل طيئ فأكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت علي، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه". وللنسائي "من أدرك جمعاً مع الإمام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإمام والناس، فلم يدرك". ولأبي يعلي: "ومن لم يدرك جمعاً فلا حج له". وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءاً في إنكار هذه الزيادة، وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبي عن عروة، وأن مطرفاً يهتم في المتون، وقد ارتكب ابن حزم الشطط، فزعم أنه لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام، أن الحج يفوته التزاماً لما ألزمه به الطحاوي، وعند الحنفية: يجب بترك الوقوف بها دم لمن ليس به عذر، ومن جملة الأعذار عندهم الزحام.
* * *
стр. 2886
الباب الحادي عشر
في رمي جمرة العقبة يوم النحر
وفي رمي الجمار بعد ذلك
стр. 2887
عرض إجمالي
عندما فهم إبراهيم ﵇ أن الله يأمره بذبح ابنه إسماعيل ﵇ واستسلم إسماعيل، أخرجه إبراهيم إلى خارج الحرم ليذبحه فعرض له إبليس أول عرضة ليثني الوالد والولد عن تنفيذ أمر الله. فحصبه إبراهيم، ثم عرض له الثانية والثالثة، وفي كل منهما كان يحصبه، فحيثما عرض إبليس لإبراهيم في الأمكنة الثلاث التي تسمى الآن بالجمرات الثلاث. شرع لنا أن نرمي ذلك المكان تأسياً بإبراهيم ﵇، وإعلاناً منا أنها حرب على الشيطان، نرمي يوم النحر جمرة العقبة وحدها ونرمي في الأيام التالية الجمرات الثلاث وهذا عرض إجمالي لرمي الجمار وأحكامه:
رمي الجمار لغة: القذف بالأحجار الصغار وهي الحصى في زمان مخصوص ومكان مخصوص وعدد مخصوص.
حكمته: أنه رمز لمقاومة الشيطان الذي يريد إيقاع الناس بالمعاصي، اقتداءً بفعل سيدنا إبراهيم ﵇ حين أراد ذبح ولده.
والجمرات ثلاث: الأولى أو الصغرى وتلي مسجد الخيف، والوسطى، وجمرة العقبة: في آخر منى من جهة مكة. وتبعد الأخيرة عن الوسطى نحو (١٥٥ متراً) ويبدأ الحاج بالأولى ويختم بالثالثة.
وجوب الرمي والإنابةُ فيه: رمي الجمار- جمرة العقبة يوم النحر، والجمار الثلاث أيام التشريق - واجب اتفاقاً، وتجوز الإنابة في الرمي لمن عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس أو كبر سن أو حمل المرأة. ويجوز التوكل عن عدة أشخاص على أن يرمي الوكيل عن نفسه أولاً كل جمرة من الجمرات الثلاث، ويستحب أن يناول النائب الحصى إن قدر ويكبر هو فيقول: (الله أكبر - ثلاثاً - لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) كما نقل عن الشافعي ﵀ ولكن يجب عند المالكية على الموكِّل دم.
وقت الرمي: أ- رمي جمرة العقبة (أو الكبرى): يدخل وقته عند الشافعية والحنابلة من نصف ليلة النحر، وعند الحنفية والمالكية بطلوع الفجر، والأفضل أن يكون بعد طلوع الشمس فهو السنة، ويستمر وقته إلى الغروب ويكره بعد ذلك لغير عذر، ويقطع المفرد بالحج والقارن التلبية عند الجمهور عند ابتداء رمي هذه الجمرة عند أول
стр. 2888
حصاة، والمعتمر يقطع التلبية عند بدء الطواف.
وقال المالكية: تقطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة إذا راح إلى الموقف، ويستمر وقت رمي هذه الجمرة إلى آخر النهار.
ب- ورمي الجمرات الثلاث أيام التشريق بعد زال الشمس في كل يوم أي بعد الظهر بالاتفاق فلا يجوز الرمي قبل الزوال ويستمر الوقت للغروب، وإنْ أخَّر الرمي إلى الليل كان قضاءاً عند المالكية، لخروج وقت الأداء وهو النهار الذي يجب فيه الرمي، وعليه دم التأخير، وقال الحنفية: إن أخر الرمي إلى الليل، ورمى قبل طلوع الفجر، جاز ولا شيء عليه، وقال الحنابلة: لا يجزيء رمي إلا نهاراً بعد الزوال، غير سقاة ورعاة فيرمون ليلاً ونهاراً.
وقال الشافعية: وقت الرمي: من الزوال إلى الغروب، فلو ترك رمي يوم تداركه في باقي الأيام.
مكان الرمي: الرمي في يوم النحر: عند جمرة العقبة، وفي الأيام الأخر عند ثلاثة مواضع: عند الجمرة الأولى، والوسطى، والعقبة، بشرط وقوع ذلك كله مكان وقوع الجمرة لا مكان الرمي، إلا إذا وقعت عند الحنفية بقرب منها.
شروط الرمي:
١ - أن يكون الرمي بيد، ويكون المرمي عند الجمهور حجراً، اتباعاً للسنة.
٢ - أن يكون الحصى كحصى الخذف.
٣ - أن يُسمى الفعل رمياً، فلا يكفي الوضع في المرمى ويشترط صد الجمرة بالرمي، فلو رمى إلى غيرها كأن رمى في الهواء فوقع في المرمى لم يكف.
٤ - أن يقع الحصى في المرمى، فإن وقع دونه، لم يجزئه بالاتفاق.
٥ - رمى السبع: واحدة واحدة، أي سبع رميات، وترتيب الجمرات بأن يبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبى اتباعاً للسنة، هذا عند الجمهور، فلو خالف الترتيب بأن قدم العقبة أو الوسطى لم يجزيء. وقال الحنفية: الترتيب بين الجمرات سنة، وإنْ شك في
стр. 2889
عدة الحصيات السبع بنى على الأقل، وحقق المطلوب يقيناً، وإن رمى دفعة واحدة لم يجزيء وحُسِبَ ذلك واحدة.
٦ - أن يكون الرمي من المحرم بنفسه، ويستنيب لعجزه، ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى ولا كون الرامي خارجاً عن الجمرة ولا الطهارة ولا طهارة الحصى، فتجزيء حصاة نجسة مع الكراهة. وتؤخذ حصى الجمار من مزدلفة أو من الطريق من مُحَسِّر وغيره أو من أي مكان غير نجس، وأخذ الحصى من مزدلفة: سنة فقط. ويكره عند الحنابلة أخذ الحصى من منى وسائر الحرم، ومن المرحاض، وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه مع الكراهة عند الحنفية، ولا يجزئه في رأي الفقهاء الآخرين، لأنها حصى مستعملة، وقد رُوي أن ما تقبل رفع، ولم يصح الحديث مرفوعاً في هذا الشأن.
مقدار ما يُرمى كل يوم عند كل موضع: تُرمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات وترمى كل جمرة من الجمرات الثلاث في أيام التشريق بسبع حصيات، فيكون الرمي في كل يوم إحدى وعشرين حصاة.
كيفية الرمي وسننه:
١ - يرفع الرجل أو الصبي بيده بالرمي حتى يرى بياض إبطه. بخلاف المرأة والخنثى.
٢ - يكون الرمي باليد اليمنى.
٣ - يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، ويستقبل العقبة ثم يرمي ولا يقف عندها لأنه لا رمي بعده، والأصل أن كل رمي بعده رمي يقف عنده، ويدعو.
٤ - يرمي - عند الشافعية- راجلاً لا راكباً إلا في يوم النفر، فالسنة أن يرمي راكباً لينفر عقبه، وقال الجمهور: يرمي راكباً أو راجلاً كيفما شاء.
٥ - يكبر مع كل حصاة، ثم يقف مستقبل القبلة ويدعو، ويذكر الله تعالى، ويهلل ويسبح بعد رمي الجمرة الأولى، بقدر قراءة سورة البقرة، وكذا بعد رمي الثانية، لا الثالثة، بل يمضي في طريقه بعد رميها للاتباع في ذلك.
٦ - يقطع التلبية عند الجمهور مع أول حصاة في رمي جمرة العقبة، وقال المالكية يقطع
стр. 2890
التلبية من ظهر يوم عرفة.
٧ - يستحب أن يكون الحجر عند الجمهور مثل حصى الخذف لا أكبر ولا أصغر وشرط المالكية ذلك، فلو رمى بأكبر منه كُرِه وأجزأه بالاتفاق.
٨ - ويستحب أن يكون الحجر طاهراً، فلو رمى بنجس كره وأجزأه، ويكره أن يرمي بما أخذه من المسجد أو من الحرم أو من الموضع النجس، ويندب عند المالكية وغيرهم تتابع الحصيات بالرمي.
حكم تأخير الرمي عن وقته: رمي الجمار واجب فإن تأخر عن وقته أو فات، وجب دم على النحو المقرر فقهاً، فقال الحنفية: إذا ترك من جمار يوم النحر حصاة أو حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد، فإنه يرمي ما ترك أو يتصدق لكل حصاة نصف صاع من حنطة إلا أن يبلغ قدر الطعام دماً فينقض ماشاء، والأصل أن ما يجب في جميعه دم يجب في أقله صدقة، وإن ترك الرمي كله في سائر الأيام إلى آخر أيام الرمي، وهو اليوم الرابع فإنه يرميها فيه على الترتيب وعليه دم عند أبي حنيفة، ولو ترك رمي الكل وهو الجمار الثلاث لزمه دم عند أبي حنيفة، لأن جنس الجناية واحد، حظَرَها إحرام واحد، فيكفيها دم واحد، فإذا ترك رمي الكل حتى غربت الشمس من آخر أيام التشريق وهو آخر أيام الرمي، يسقط عنه الرمي، وعليه دم واحد باتفاق الحنفية. وقال المالكية: إذا أخر رمي حصاة فأكثر من الجمار لليل أو ليوم بعده، وجب عليه دم، لخروج وقت الأداء وهو النهار ويقضي رمي جمرة العقبة أو اليوم الثاني أو الثالث قبل غروب اليوم الرابع، سواء آخره لعذر أم لا، أو خالف ترتيب الجمرات، وعليه دم، ويفوت الرمي بغروب الرابع وعليه دم، وقال الشافعية: إذا ترك رمي يوم أو رمي جمرة العقبة يوم النحر تداركه في باقي الأيام من أيام التشريق في الأظهر، وإن لم يتداركه فعليه دم في يوم أو يومين أو ثلاثة أو يوم النحر مع أيام التشريق، لاتحاد جنس الرمي، والمذهب: وجوب دم كامل في ترك ثلاث حصيات وفي ترك حصاة الواحدة مُدٌّ، وفي الثنتين مُدَّان، وقال الحنابلة: إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق، ترك السنة، ولا شيء عليه، ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء وإنما هو أداء مع ترك الأفضل، لأنه وقت واحد، فإن ترك الرمي أو خالف ترتيب الجمرات، وجب دم، وإن نقص حصاة أو
стр. 2891
حصاتين فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك.
ورمي الجمار يكون في أربعة أيام: اليوم الأول وهو يوم النحر تُرمى فيه جمرة العقبة فقط، والأيام الثلاثة اللاحقة ترمى فيها الجمرات الثلاث، ووقت الرمي في اليوم الرابع يبدأ منذ طلوع الفجر، ومن أراد التعجل فله أن ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق على أن يرمي الجمرات بعد الزوال، وينفر قبل الغروب، وهناك قول ضعيف عند فقهاء الحنفية ذكره ملا علي القاري: وهو أنه يصح لمن يريد النفر في منى في اليوم الثاني من أيام التشريق أن يرمي بعد طلوع الفجر ثم ينفر قياساً على اليوم الثالث، ومع ضعف هذا القول فإن كثيراً من العلماء يعملون به بسبب كثرة الحجيج وكثرة الزحام.
[انظر: (الدر المختار: ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٩) و (البدائع: ٢/ ١٣٦) و (الشرح الصغير: ٢/ ٥٨ فما بعد) و (المهذب والمغني: ٣/ ٤٢٤ فما بعد) و (الفقه الإسلامي: ٣/ ١٩٢ فما بعد)].
стр. 2892
النصوص
- مناسك إبراهيم ﵇:
٤٥١١ - * روى أحمد عن أبي الطفيل: "قلتُ لابن عباس: يزعمُ قومُك أنه ﷺ سعى بين الصفا والمروة وأنه سُنَّةٌ، قال: صدقوا إن إبراهيم لما أُمِرَ بالمناسك اعترض له الشيطانُ فسابقهُ فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطانُ فرماهُ بسبع حصاتٍ حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماهُ بسبعٍ ثم تلهُ للجبين وعلى إسمعيلَ قميصٌ أبيضٌ، قال يا أبت إنه ليس لي ثوبٌ تكفنني فيه غيرهُ فاخلعْهُ حتى تكفنني فيه فعالجه ليخلعَهُ فنودي من خلفهِ أن يا إبراهيم قد صدقْتَ الرؤيا فالتفت إبراهيم فإذا هُوَ بكبشٍ أبيض أقْرَن أعْيَن، قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتْبَعُ ذلك الضرب من الكباش، قال: ثُمَّ ذهب به جبريل إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطانُ فرماه بسبعٍ حتى ذهب ثم ذهب به جبريل إلى مِنى، قال: هذا منى مناخُ الناس ثم أتى به جمعاً قال هذا المشعرُ الحرامُ، ثم ذهب به إلى عرفة هل تدري لِمَ سُميتْ عرفة؟ قلت لا، قال: إن جبريل قال لإبراهيم هل عرفت؟ قال: نعم فمن ثُمَّ سُميتْ عرفة، هل تدري لِمَ كانت التلبيةُ؟ قلتُ وكيف كانتْ؟ قال إن إبراهيم لما أُمِرَ أنْ يؤذن في الناس بالحج خفضتْ له الجبالُ رؤسها ورُفِعَتْ له القُرى فأذَّنَ في الناس بالحج".
- في وقت الرمي:
٤٥١٢ - * روى أبو يعلي عن أم سلمة ﵂ "أنَّ رسول الله ﷺ أمرها أنْ توافي صلاة الصُّبْح يوم النحْرِ بمكةَ".
أقول: هذا حجة لمن ذهب أنه يجوز رمي جمرة العقبة قبل الفجر (١).
стр. 2893
٤٥١٣ - * روى مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر أن عمر ﵄ كان يقول: "من غربتْ له الشمسُ من أوسط أيام التشريق، وهو بمنى، فلا ينفِرَنَّ حتى يرمي الجمارَ من الغدِ".
أقول: يجوز للإنسان أن يتعجل النفر من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق على شرط أن يكون قد رمى الجمرات قبل الغروب، فإن فاته الرمي قبل الغروب فعليه أن يبيت في منى ليرمي الجمرات في اليوم الثالث ثم ينفر.
٤٥١٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يرمي يوم النحر ضُحى، وأما بعد ذلك، فبعد زوال الشمس".
٤٥١٥ - * روى البخاري عن وبرة بن عبد الرحمن السُّلَمِيِّ قال: "سألتُ ابن عمر ﵄: متى أرمي الجِمارَ؟ قال: إذا رمى إمامُك فارْمِهْ، فأعدتُ عليه المسألة، فقال: كُنَّا نتحينُ، فإذا زالت الشمس رمينا".
وفي رواية الموطأ (١) عن نافعٍ "أن ابن عمر كان يقول: "لا تُرْمى الجمارُ في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمسُ".
стр. 2894
قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقاً، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال. قال إسحاق: إن رمي قبل الزوال، أعاد، إلا في اليوم الثالث فيجزئه.
٤٥١٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ "كان يرمي الجمار إذا زالت الشمسُ".
أقول: السنة رمي الجمار بعد الزوال في أيام التشريق الثلاثة، لكن رخص بعضهم أن ترمي الجمار في اليوم الثالث بعد طلوع الشمس، وقاس بعضهم اليوم الثاني على اليوم الثالث للمتعجل، فأجازوا رمي الجمار في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد طلوع الشمس للمتعجل، وقد ذكر هذه الرخصة ملَاّ علي القاري في كتابه المناسك، وأخذ بهذه الرخصة قسم كبير من الناس.
٤٥١٧ - * روى ابن خزيمة عن أبي بَداحٍ، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا بالليل، وأن يجمعوا الرمي".
أقول: الرُّعاة من أصحاب الأعذار لأن وادي منى لا نبات فيه، ولذلك رخص لهم النبي ﷺ أن يرموا بالليل أي الليل التالي لا السابق، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن أخر الرمي عن الغروب قضاه في الليل ولا شيء عليه، وقيد بعضهم ذلك بأصحاب الأعذار وفي الحديث رخصة للرعاة وأصحاب الأعذار أن يجمعوا الرمي، أي أن يجمعوا رمي يومين في يوم.
- كيف يأتي الجمار:
٤٥١٨ - * (١) روى الترمذي عن عبد الله بن عُمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ
стр. 2895
كان إذا رمى الجِمار مشى إليها ذاهباً وراجعاً".
وفي رواية (١) أبي داود: "أن ابن عمر كان يأتي الجِمارَ في الأيام الثلاثة بعد يومِ النحر ماشياً: ذاهباً وراجعاً، ويُخبِرُ: أن رسول الله ﷺ كان يفعَلُ ذلك".
٤٥١٩ - * روى مالك في الموطأ عن القاسم بن محمدٍ ﵀ "أن الناس كانوا إذا رموا الجمار مشوا ذاهبين وراجعين، وأولْ من ركب: معاوية بن أبي سفيان".
٤٥٢٠ - * روى أحمد عن عبد الله بن عباس ﵄ أخبر ما معناه: "أن رسول الله ﷺ رمى يوم النحر راكباً، وسائر الناس ماشياً".
٤٥٢١ - * روى رزين عن عبد الله بن عباس ﵄ مثله، وزاد "وكان يرمي الثلاثة الأيام بعد يوم النحر، بعد الزوال".
وفي أخرى (٢): "أن النبي ﷺ رمى الجمْرة يوم النحر راكباً".
قال الترمذي: والعمل عليه عند بعض أهل العلم. قال النووي: مذهب مالك والشافعي وغيرهما أنه يستحب لمن وصل منى راكباً أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، ولو رماها ماشياً جاز، وأما من وصلها ماشياً فيرميها ماشياً، وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق، فالسنة أن يرمي فيهما جميع الجمرات ماشياً، وفي اليوم الثالث: يرمي راكباً وينفر، هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما، وقال أحمد وإسحاق: يستحب يوم النحر أن يرمي ماشياً. قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير
стр. 2896
وسالم يرمون مشاة، قال: وأجمعوا على أن الرمي يجزئه على أي حال رماه إذا وقع في المرمى. [م].
٤٥٢٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، وهو يقولُ: خُذوا عني مناسككُمْ، لا أدري، لعلي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه".
وفي رواية النسائي (١): "فإني لا أدري، لعلي لا أعيشُ بعد عامي هذا".
قوله (خذوا عني) لفظه في مسلم وأبي داود: لتأخذوا. وقال النووي في شرح مسلم: هذه اللام لام الأمر. ومعناه خذوا مناسككم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عني، واقبلوها واحفظوها، واعملوا بها وعلموها الناس. قال: وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
في قوله (لعلي لا أعيش) قال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع.
٤٥٢٣ - * روى الترمذي عن قدامة بن عبد الله ﵁ قال: "رأيتُ رسول الله صلى اله عليه وسلم يرمي الجِمارَ على ناقتِه، ليس ضرْبٌ ولا طرْدٌ، ولا إليك إليكَ".
стр. 2897
٤٥٢٤ - * روى أبو داود عن أم الحُصين ﵂ قالت: "حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداعِ، فرأيتُ أسامة وبلالاً، أحدهما: آخِذٌ بخطام ناقةِ رسول الله ﷺ ، والآخر: رافعٌ ثوبه يسترُه من الحرِّ، حتى رمى جمرة العقبةِ".
وفي الحديث جواز تظليل المحرمِ على رأسه وغيره، وإلى ذلك ذهب الجمهور.
في وصف الجمار:
٤٥٢٥ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الاستجمارُ تَوٌّ، ورميُ الجمار تَوٌّ، والسعيُ بين الصفا والمروة تَوٌّ، والطوافُ تَوٌّ، وإذا استجمر أحدكم، فليستجمرْ بتوٍّ".
٤٥٢٦ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ ٩ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة، وهو على راحلته-: "هاتِ، القُطْ لي، فلقطْتُ حصياتٍ من حصى الخذفِ، فلما وضعتُهن في يده، قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغُلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين".
٤٥٢٧ - * روى مسلم عن جابرٍ ﵁ قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ : رمى الجمرة بمثل حصى الخَذْفِ".
٤٥٢٨ - * روى الطبراني - في الكبير - عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال (١): أمرنا
стр. 2898
رسول الله ﷺ أن نرمي الجمار بمثل حصى الخذفِ في حجة الوداعِ.
- عدد الجمار وكيف يفعل عند الرمي:
٤٥٢٩ - * روى البخاري عن سالم بن عبد الله (رحم الله) "أن ابن عمر كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يُكبرُ مع كل حصاةٍ، ثم يتقدم فيُسهلُ، فيقوم مُستقبل القبلة طويلاً، ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو، ويرفعُ يديه، ويقومُ طويلاً، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرفُ، ويقول: هكذا رأيتُ النبي ﷺ يفعله".
وفي رواية (١) الزهري: أن رسول الله ﷺ كان إذا رمى الجمرة التي تلي المنحرَ ومسجد منى، رماها بسبع حصياتٍ، يُكبرُ كُلَّما رمى بحصاةٍ، ثم تقدم أمامها، فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو، ويطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانية، فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاةٍ، ثم ينحرف ذات الشمال، فيقفُ مستقبل البيت، رافعاً يديه يدعو، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة، فيرميها بسبع حصياتٍ، ولا يقف عندها" قال الزهري: سمعتُ سالماً يحدثُ بهذا عن أبيه عن النبي ﷺ ، وكان ابن عمر يفعله".
٤٥٣٠ - * روى الشيخان عن عبد الرحمن بن يزيد ﵀ قال: "رمى عبدُ الله ابن مسعود ﵁ جمرة العقبة، من بطنِ الوادي، بسبع حصياتٍ، يكبرُ مع كل حصاةٍ".
وفي رواية (٢): "فجعل البيت عن يساره، ومِنَى عن يمينه، قال: فقيل له: إنَّ
стр. 2899
أناساً يرمُونها من فوقها، فقال: هذا- والذي لا إله غيره - مقام الذي أُنزلتْ عليه سورة البقرة".
وفي رواية (١) الترمذي النسائي قال: "لمَّا أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي، واستقبل الكعبة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن، ثم رمى بسبع حصيات، يُكبر مع كل حصاة، ثم قال: والله الذي لا إله غيره، من هاهنا رمى الذي أنزلتْ عليه سورة البقرة".
وفي رواية أبي داود (٢) قال: لما انتهى عبد الله إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره، وعرفة عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصياتٍ، وقال: هكذا رمى الذي أُنزِلتْ عليه سورة البقرة".
(جمرة العقبة):
قال الحافظ في الفتح: هي الجمرة الكبرى، وليست من منى، بل هي حدُّ منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة. والجمرة: اسم لمجتمع الحصا، سميت بذلك، لاجتماع الناس بها، يقال: تجمر بنو فلان: إذا اجتمعوا. وقيل: إن العرب تسمي الحصى الصغار جماراً، فسميت تسمية الشيء بلازمه. وقيل: لأن إبراهيم لما عرض إبليس له فحصبه، جمر بين يديه، أي أسرع، فسميت بذلك.
(هذا الذي أنزلت عليه سورة البقرة):
قال الحافظ في الفتح: قال ابن المنير: خص عبد الله سورة البقرة بالكر، لأنها التي ذكر فيها الرمي، فأشار إلى أن فعله ﷺ مبين لمراد كتاب الله تعالى. قلت- القائل ابن حجر-: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيراً من أفعال الحج مذكور فيها، فكأنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك، منبهاً بذلك على أن أفعال الحج توقيفية، وقيل: خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يشرع الوقوف عندها بقدر
стр. 2900
سورة البقرة، والله أعلم.
قال الحافظ: واستدل بهذا الحديث على اشتراط رمي الجمرات واحدة واحدة، لقوله: يكبر مع كل حصاة، وقد قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم" وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبعة دفعة واحدة أجزأه، وفيه ما كان الصحابة عليه من مراعاة النبي ﷺ في كل حركة وهيأة، ولا سيما في أعمال الحج، وفيه التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أن من لم يكبر، فلا شيء عليه.
٤٥٣١ - * روى أبو داود عن أبي مِجْلَزٍ قال: "سألتُ ابن عباس ﵄ عن شيء من أمر الجمار؟ فقال: ما أدري: رماها رسول الله ﷺ بستٍ، أو سبعٍ".
أقول: من رمى بأقل من السبع كأن رمى بخمسة أو ستة فعليه صدقة ولا دم عليه.
٤٥٣٢ - * روى النسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ ، وبعضُنا يقول: رميتُ بسبعٍ، وبعضنا يقول: رميتُ بستٍ فلم يعبْ بعضهم على بعضٍ".
- ما يقول عند رمي الجمار:
٤٥٣٣ - * روى رزين عن عبد الله بن عمر ﵄ "كان يقولُ حين يرمي الجِمار: اللهم حج مبرورٌ، وذنبٌ مغفورٌ" (١).
...
стр. 2901
الباب الثاني عشر
في الحلق والتقصير للحج والعمرة
وفي التحلل الأصغر والأكبر
стр. 2902
عرض إجمالي
من المعروف أنه متى دخل الإنسان في الحج أو في العمرة أو في كليهما فقد حَرُمت عليه أشياء، وهي التي تسمى بمحظورات الإحرام، والشيء الذي يحرم بالإحرام لا يحل للإنسان إلا بالتحلل، والتحلل بالنسبة للمعتمر يكون بالحلق فإن لم يكن قارناً فقد حل له كل شيء حرم عليه بسبب الإحرام، أما الحاج فالتحلل في حقه على ضربين: تحلل أصغر وبه يحِل للحاج كل شيء إلا النساء، وذلك يكون بعد الحلق يوم النحر وقبل طواف الإفاضة فيصح له أن يلبس المخيط وأن يتطيب وأن يقص أظافره، لكن لا يصح له أن يجامع زوجته أو يباشرها فإذا طاف طواف الزيارة حل له ما حرم عليه بسبب الإحرام، وذلك هو التحلل الأكبر.
وقد نص ملا علي القاري في كتابه "مناسك الحج" على أن المحرم يتحلل بأن يحلق لنفسه أو يحلق له غيره فذلك سواء.
وهذا بيان لبعض آراء الفقهاء فيما يخص الحلق والتقصير:
- حكم الحلق والتقصير: الجمهور على أن الحلق أو التقصير نسك واجب، ورأي الشافعية: أن الحلق أو التقصير ركن في الحج والعمرة، لأنه نسك على المشهور، ولا حلق على المرأة بالاتفاق، وإنما عليها التقصير، فهو سنة المرأة، وتقصيرها بأن تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة، وليس على الحاج عند الحنفية إذا حلق أن يأخذ شيئاً من لحيته، لأن الواجب حلق الرأس بالنص. وقال الشافعية: يسن أن يأخذ من شاربه أو شعر لحيته شيئاً، ليكون قد وضع من شعره شيئاً لله تعالى، والأصلع الذي لا شعر على رأسه يجب عند الحنفية أن يُمِرَّ الموسي على رأسه، ويستحب عند الجمهور إمرار الموسي على رأس الأصلع.
- مقدار الواجب: الأفضل حلق جميع الرأس بالاتفاق، والرأس يقع على جميعه، فإن حلق بعض الرأس لم يجزه عند الحنفية أقل من الربع، وإن حلق ربع الرأس أجزأه مع الكراهة، والكراهة لترك المسنون. وأما تقدير التقصير: فهو عند المالكية والحنابلة بقدر الأنملة أو أزيد أو أنقص بيسير، وأوجب الحنفية ما يزيد على قدر الأنملة، حتى يحقق
стр. 2903
التقصير من جميع الشعر، ويتيقن من استيفاء قدر الواجب، فيخرج عن العهدة بيقين، وقال الشافعية: أقل إزالة شعر الرأس أو التقصير: ثلاث شعرات.
- زمان الحلق ومكانه: يرى أبو حنيفة أن الحلق يختص بالزمان والمكان فلو أخر الحلق عن أيام النحر أو حلق خارج الحرم، يجب عليه دم، وقال المالكية: لو أخر الحلق ولو سهواً لبله، ولو قربت فعليه دم، أما لو أخر الحلق عن أيام الرمي الثلاثة بعد يوم النحر، فإن حلق بمكة أيام التشريق أو بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى، فلا شيء عليه، وقال الشافعية والحنابلة في الراجح من الروايتين عندهم: يدخل وقت الرمي والذبح والحلق بنصف ليلة النحر، لكن السنة: رمي، فنحر، فحلق، فطواف إفاضة، ولا آخر عندهم لوقت الحلق وطواف الإفاضة، فلا دم على من أخر الحلق عن أيام منى.
- الأثر المترتب على الحلق أو التقصير وحكمه: هو صيرورة المحرم حلالاً، فيحل له كل شيء إلا النساء عند الحنفية، علماً أن الحلق عندهم مؤخر عن الرمي وجوباً فيحصل التحلل الأصغر بالرمي والحلق، فيبقى ما كان محرماً عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس لشهوة وعقد الزواج عند الجمهور غير الحنفية، ويحل له ما سواه، فإن حلق أو قصر ورمى العقبة، حل له عندهم كل شيء إلا النساء، وقال الشافعية والحنابلة: يحل كل شيء باثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف إلا عقد النكاح والوطء والمباشرة فيما دون الفرج وقال المالكية: يحل بالرمي والحلق كل شيء إلا النساء والصيد والطيب ولا يحل شيء من هذه الأمور إلا بطواف الإفاضة.
[انظر البدائع (٢/ ١٤٠) الشرح الصغير (٢/ ٥٩) والمغني (٣/ ٤٤) والفقه الإسلامي (٣/ ٢٠٦)].
стр. 2904
النصوص
- في ترتيب أعمال ما قبل التحلل:
٤٥٣٤ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ "أتى مِنَى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر، ثم قال للحلاقِ: خُذْ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يُعطيه الناس".
وفي رواية (١): "أنه قال للحلاق: ها، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعرهُ بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر، فحلقهُ، فأعطاه أم سُليمٍ".
وفي أخرى (٢): أنه قال: "فبدأ بالشق الأيمن، فوزعهُ: الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة".
وفي أخرى (٣) له: "أنهُ رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البُدْن فنحرها والحجامُ جالسٌ، وقال بيده- عن رأسه- فحلق شقهُ الأيمن فقسمه بين من يليه، ثم قال: احْلِقْ الشق الآخر، فقال: أين أبو طلحة؟ فأعطه إياه".
وفي أخرى (٤): "أنه لما رمى الجمرة، ونحر نُسكه وحلق، ناول الحلاق شِقَّهُ الأيمن فحلقهُ، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: احْلِقْ، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بين الناس".
وفي أخرى (٥): "أنه لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره".
стр. 2905
وأخرج أبو داود (١): الرواية الثالثة، وأولُ روايته: أن رسول الله ﷺ "رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا بذبحٍ، فذبحهُ، ثم دعا بالحلاق .. وذكر نحوها".
أقول: الملاحظ أن الرسول ﷺ رتب بين الرمي والذبح والحلق يوم النحر، وبناء عليه فقد اعتبر الحنفية أن هذا الترتيب واجب لمن عليه ذبح أو يريد الذبح، وما أفتى به الرسول ﷺ مما يخالف ذلك كان رخصة لذلك العام؛ لأنه لم يسبقه تعليم ولا بلاغ.
والحلق أو التقصير: به يتم التحلل الكامل من العمرة وبه يتم التحلل الأصغر في الحج فمن حلق فقد حل له كل شيء إلا النساء كلبس مخيط إلى غير ذلك، فإذا طاف طواف الإفاضة فقد حل له كل شيء وذلك هو التحلل الأكبر.
٤٥٣٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ "حلق في حجة الوداع وأناساً من أصحابه، وقصر بعضهم".
وفي رواية للبخاري (٢) ومسلم أيضاً، وأبي داود إلى قوله: "حجة الوداع" لم يزِدْ.
٤٥٣٦ - * روى ابن ماجة عن ابن عمر: أن حفصة زوج النبي ﷺ قالت: قلت:
стр. 2906
يا رسول الله! ما شأن الناس، حلُّوا ولم تحِل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبدْتُ رأسي، وقلدْتُ هديِ، فلا أُحِلُّ حتى أنْحَرَ".
٤٥٣٧ - * روى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "مَنْ عقص رأسهُ، أو ضفرَ، أو لبَّدَ، فقد وجب عليه الحِلاقُ".
وفي أخرى (١) قال: "من ضفر فليحْلِقْ، ولا تُشَبِّهُوا بالتلبيدِ".
قال الزرقاني في شرح الموطأ: ولا يجزيه التقصير، وإلى ذلك ذهب الجمهور، منهم: مالك، والثوري، وأحمد، والشافعي في القديم. وقال في الجديد كالحنفية: لا يتعين إلا إن نذر، أو كان شعره خفيفاً لا يمكن تقصيره.
(لا تشبهوا بالتلبيد): لا تشبهوا الضفر بالتلبيد، لأنه أشد منه فيجوز التقصير عند عمر ﵁ لمن لبد دون من ضفر (م).
٤٥٣٨ - * روى الطبراني في الكبير عن الأزْرَقِ بن قيسٍ قال: "كنتُ جالساً إلى ابن عمر فسأله رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أحرمْتُ وجمعتُ شعري، فقال: أما سمعتَ عمر في خلافته قال: منْ ضفَرَ رأسهُ أو لبدَهُ فليحْلِقْ، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني لم أضفِرْهُ ولكني جمعتُه فقال ابن عمر: عنز وتيسٌ وتيسٌ وعنزٌ".
أقول: قول ابن عمر (عنز وتيس وتيس وعنز) أي أنهما واحد، وإن اختلفت المسميات.
- في الأخذ من اللحية والشارب:
٤٥٣٩ - * روى مالك في الموطأ عن نافع - مولى ابن عُمَرَ ﵄ كان إذا حلقَ
стр. 2907
في حج أو عمرةٍ أخذ من لحيته وشاربه".
- ترك شعر الرأس لمن أراد الحج خلال الأشهر الحرم:
٤٥٤٠ - * روى مالك في الموطأ عن نافعٍ "أنْ ابن عمر كان إذا أفطرَ من رمضان، وهو يريدُ الحج، لم يأخذْ من رأسه ولا من لحيته شيئاً، حتى يحُجَّ".
قال مالك: وليس ذلك على الناس.
- سنة النساء التقصير:
٤٥٤١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسَ على النساء الحلقُ، وإنما على النساء التقصيرُ".
٤٥٤٢ - * روى الترمذي عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ : أن تحْلِقَ المرأةُ رأسها".
وزاد رزينٌ في كتابه في الحج والعمرة فقال: "إنما عليها التقصيرُ".
قال الترمذي: وروى هاذ الحديث عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عائشة أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقاً، ويرون أن عليها التقصير.
٤٥٤٣ - * روى مالك في الموطأ عن نافعٍ مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يقول: "المرأة المُحْرِمة: إذا أحَلَّتْ لم تمتشط حتى تأخُذَ من قُرُون رأسها، وإن كان لها هديٌ لم تأخُذْ من شعرِها شيئاً حتى تنحَرَ هدْيَهَا" (١).
стр. 2908
- فضل التحليق:
٤٥٤٤ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارْحَم المُحَلِّقينَ، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين".
قال البخاري: وقال الليثُ عن نافعٍ: "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ: مرة، أو مرتَيْنِ".
وقال عُبيدُ الله: "حدثني نافع قال في الرابعة: والمُقْصِّرينَ".
وفي رواية (١) قال: "حَلَقَ رسولُ الله ﷺ ، وحلق طائفةٌ من أصحابه، وقصر بعضهم، فقال رسول الله: رَحِمَ الله المُحَلِّقينَ، مرة أو مرتين، ثم قال: والمقصرين".
٤٥٤٥ - * روى أحمد عن مالك بن ربيعة أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقولُ: "اللهم اغفر للمُحَلِّقينَ اللهم اغفر للمُحَلِّقينَ" قال: يقول رجلٌ من القومِ: والمقصرين، فقال رسول الله ﷺ في الثالثة أو الرابعة-: والمقصرين. ثم قال: فأنا يومئذٍ محلوقُ الرأسِ فما يسُرُّني بحلْقِ رأسي حُمُرُ النعم أو خطر عظيم".
أقول: قوله (وأنا يومئذ محلوق الرأس): القائل هو راوي الحديث.
٤٥٤٦ - * روى ابن ماجة عن ابن عباس "قيل: يا رسول الله لم ظاهرت للمحلقين
стр. 2909
ثلاثاً وللمقصرين واحدة؟ قال: "إنهم لم يشكوا".
٤٥٤٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفرْ للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، وللمُقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال: وللمقصرين".
٤٥٤٨ - * روى مسلم عن أم الحُصين ﵂ "أنها سمعت النبي ﷺ في حجةِ الوداع، دعا للمُحلقين ثلاثاً، وللمُقصرين مرة واحدةً".
هذا الحديث يدل على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع. قال النووي في شرح مسلم: هذا هو الصحيح المشهور، وحكى القاضي عياض عن بعضهم أن هذا كان يوم الحديبية حين أرهم بالحَلْقِ، فما فعله أحد لطمعهم بدخولِ مكة في ذلك الوقت، وذكر عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، ثم قال النووي: فلا يبعد أن النبي ﷺ قاله في الموضعين، قال الحافظ في الفتح: بل هو المتعين، لتضافر الروايات بذلك في الموضعين، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخلفهم النبي ﷺ وصلح قريشاً على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم النبي ﷺ بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو ﷺ قبلهم، ففعل فتبعوه، فحلق بعضهم، وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره عند ابن ماجة وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة، قال: "لأنهم لم يَشُكُّوا".
- ماذا يحل بالتحلل الأصغر:
٤٥٤٩ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عُمر ﵄ "أن عمر قال (١):
стр. 2910
"من رمى الجمرة، ثم حلق، أو قصر، ونحر هدياً - إن كان معه - فقد حل له ما حرُمَ عليه، إلا النساء والطيب، حتى يطوف بالبيتِ".
وفي رواية (١): "أن عمر: خطبَ الناس في عرفة، فعلمَهُمْ أمر الحجِّ، فقال لهم فيما قال: إذا جئتُمْ مني غداً، فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرُمَ على الحاجِ إلا النساء والطيب، لا يمس أحدٌ نساءاً ولا طيباً حتى يطُوفَ بالبيتِ".
أقول: هذا مذهب عمر: أن الطيب كالنساء لا يحل لمن رمى وحلق، والمعتمد أن الطيب يحل وهو الذي ترجحه النصوص.
٤٥٥٠ - * روى البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من رمى الجمرة بسبعِ حصياتٍ: الجمرة التي عند العقبةِ ثم انصرف فنحر هدياً ثم حلق فقد حل له ما حرُمَ عليه من شأن الحج" قال الهيثمي: له أثرٌ موقوفٌ عليه وفيه "إلا النساء".
٤٥٥١ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميْتُم وحلقْتُمْ فقد حلَّ لكم الطيبُ والثيابُ إلا النكاحَ".
- متى يتم التحلل الأكبر:
٤٥٥٢ - * روى الشيخان عن عمرو بن دينارٍ ﵀ قال: "سألنا ابن عمر: أيقعُ الرجلُ على امرأتِه في العمرة قبل أنْ يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: قدِمَ رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت سبعاً، ثم صلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢).