يا رسول الله! ما شأن الناس، حلُّوا ولم تحِل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبدْتُ رأسي، وقلدْتُ هديِ، فلا أُحِلُّ حتى أنْحَرَ".
٤٥٣٧ - * روى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "مَنْ عقص رأسهُ، أو ضفرَ، أو لبَّدَ، فقد وجب عليه الحِلاقُ".
وفي أخرى (١) قال: "من ضفر فليحْلِقْ، ولا تُشَبِّهُوا بالتلبيدِ".
قال الزرقاني في شرح الموطأ: ولا يجزيه التقصير، وإلى ذلك ذهب الجمهور، منهم: مالك، والثوري، وأحمد، والشافعي في القديم. وقال في الجديد كالحنفية: لا يتعين إلا إن نذر، أو كان شعره خفيفاً لا يمكن تقصيره.
(لا تشبهوا بالتلبيد): لا تشبهوا الضفر بالتلبيد، لأنه أشد منه فيجوز التقصير عند عمر ﵁ لمن لبد دون من ضفر (م).
٤٥٣٨ - * روى الطبراني في الكبير عن الأزْرَقِ بن قيسٍ قال: "كنتُ جالساً إلى ابن عمر فسأله رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أحرمْتُ وجمعتُ شعري، فقال: أما سمعتَ عمر في خلافته قال: منْ ضفَرَ رأسهُ أو لبدَهُ فليحْلِقْ، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني لم أضفِرْهُ ولكني جمعتُه فقال ابن عمر: عنز وتيسٌ وتيسٌ وعنزٌ".
أقول: قول ابن عمر (عنز وتيس وتيس وعنز) أي أنهما واحد، وإن اختلفت المسميات.
- في الأخذ من اللحية والشارب:
٤٥٣٩ - * روى مالك في الموطأ عن نافع - مولى ابن عُمَرَ ﵄ كان إذا حلقَ
стр. 2907
في حج أو عمرةٍ أخذ من لحيته وشاربه".
- ترك شعر الرأس لمن أراد الحج خلال الأشهر الحرم:
٤٥٤٠ - * روى مالك في الموطأ عن نافعٍ "أنْ ابن عمر كان إذا أفطرَ من رمضان، وهو يريدُ الحج، لم يأخذْ من رأسه ولا من لحيته شيئاً، حتى يحُجَّ".
قال مالك: وليس ذلك على الناس.
- سنة النساء التقصير:
٤٥٤١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسَ على النساء الحلقُ، وإنما على النساء التقصيرُ".
٤٥٤٢ - * روى الترمذي عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ : أن تحْلِقَ المرأةُ رأسها".
وزاد رزينٌ في كتابه في الحج والعمرة فقال: "إنما عليها التقصيرُ".
قال الترمذي: وروى هاذ الحديث عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عائشة أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقاً، ويرون أن عليها التقصير.
٤٥٤٣ - * روى مالك في الموطأ عن نافعٍ مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يقول: "المرأة المُحْرِمة: إذا أحَلَّتْ لم تمتشط حتى تأخُذَ من قُرُون رأسها، وإن كان لها هديٌ لم تأخُذْ من شعرِها شيئاً حتى تنحَرَ هدْيَهَا" (١).
стр. 2908
- فضل التحليق:
٤٥٤٤ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارْحَم المُحَلِّقينَ، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين".
قال البخاري: وقال الليثُ عن نافعٍ: "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ: مرة، أو مرتَيْنِ".
وقال عُبيدُ الله: "حدثني نافع قال في الرابعة: والمُقْصِّرينَ".
وفي رواية (١) قال: "حَلَقَ رسولُ الله ﷺ ، وحلق طائفةٌ من أصحابه، وقصر بعضهم، فقال رسول الله: رَحِمَ الله المُحَلِّقينَ، مرة أو مرتين، ثم قال: والمقصرين".
٤٥٤٥ - * روى أحمد عن مالك بن ربيعة أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقولُ: "اللهم اغفر للمُحَلِّقينَ اللهم اغفر للمُحَلِّقينَ" قال: يقول رجلٌ من القومِ: والمقصرين، فقال رسول الله ﷺ في الثالثة أو الرابعة-: والمقصرين. ثم قال: فأنا يومئذٍ محلوقُ الرأسِ فما يسُرُّني بحلْقِ رأسي حُمُرُ النعم أو خطر عظيم".
أقول: قوله (وأنا يومئذ محلوق الرأس): القائل هو راوي الحديث.
٤٥٤٦ - * روى ابن ماجة عن ابن عباس "قيل: يا رسول الله لم ظاهرت للمحلقين
стр. 2909
ثلاثاً وللمقصرين واحدة؟ قال: "إنهم لم يشكوا".
٤٥٤٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفرْ للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، وللمُقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال: وللمقصرين".
٤٥٤٨ - * روى مسلم عن أم الحُصين ﵂ "أنها سمعت النبي ﷺ في حجةِ الوداع، دعا للمُحلقين ثلاثاً، وللمُقصرين مرة واحدةً".
هذا الحديث يدل على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع. قال النووي في شرح مسلم: هذا هو الصحيح المشهور، وحكى القاضي عياض عن بعضهم أن هذا كان يوم الحديبية حين أرهم بالحَلْقِ، فما فعله أحد لطمعهم بدخولِ مكة في ذلك الوقت، وذكر عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، ثم قال النووي: فلا يبعد أن النبي ﷺ قاله في الموضعين، قال الحافظ في الفتح: بل هو المتعين، لتضافر الروايات بذلك في الموضعين، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخلفهم النبي ﷺ وصلح قريشاً على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم النبي ﷺ بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو ﷺ قبلهم، ففعل فتبعوه، فحلق بعضهم، وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره عند ابن ماجة وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة، قال: "لأنهم لم يَشُكُّوا".
- ماذا يحل بالتحلل الأصغر:
٤٥٤٩ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عُمر ﵄ "أن عمر قال (١):
стр. 2910
"من رمى الجمرة، ثم حلق، أو قصر، ونحر هدياً - إن كان معه - فقد حل له ما حرُمَ عليه، إلا النساء والطيب، حتى يطوف بالبيتِ".
وفي رواية (١): "أن عمر: خطبَ الناس في عرفة، فعلمَهُمْ أمر الحجِّ، فقال لهم فيما قال: إذا جئتُمْ مني غداً، فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرُمَ على الحاجِ إلا النساء والطيب، لا يمس أحدٌ نساءاً ولا طيباً حتى يطُوفَ بالبيتِ".
أقول: هذا مذهب عمر: أن الطيب كالنساء لا يحل لمن رمى وحلق، والمعتمد أن الطيب يحل وهو الذي ترجحه النصوص.
٤٥٥٠ - * روى البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من رمى الجمرة بسبعِ حصياتٍ: الجمرة التي عند العقبةِ ثم انصرف فنحر هدياً ثم حلق فقد حل له ما حرُمَ عليه من شأن الحج" قال الهيثمي: له أثرٌ موقوفٌ عليه وفيه "إلا النساء".
٤٥٥١ - * روى ابن خزيمة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميْتُم وحلقْتُمْ فقد حلَّ لكم الطيبُ والثيابُ إلا النكاحَ".
- متى يتم التحلل الأكبر:
٤٥٥٢ - * روى الشيخان عن عمرو بن دينارٍ ﵀ قال: "سألنا ابن عمر: أيقعُ الرجلُ على امرأتِه في العمرة قبل أنْ يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: قدِمَ رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت سبعاً، ثم صلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢).
стр. 2911
زاد في (١) روايةٍ: "وسألتُ جابر بن عبد الله؟ فقال: لا يقرُبُ امرأته، حتى يطوف بين الصفا والمروة".
وأخرج النسائي (٢) الأولى، ولم يذكر الزيادة.
٤٥٥٣ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ كان يقول: "لا يطوفُ بالبيت حاج ولا غيرُ حاج إلا حل، قيل لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: منْ قول الله : ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣) قيل: فإن ذلك بعد المُعرَّفِ؟ فقال: كان ابن عباسٍ يقول: هو بعْدَ المُعَرَّفِ وقبْلَهُ. وكان يأخْذُ ذلك من أمرِ رسول الله ﷺ حين أمرهُمْ أن يحِلُّوا في حجةِ الوداع".
وفي رواية (٤) "قال: قال له رجلٌ من بني الهُجيم: ما هذه الفُتيا التي تشغَّفَتْ - أو تشعَّبَتْ - بالناس: إن منْ طاف بالبيت فقد حلَّ؟ فقال: سُنَّةُ نبيكم صلى الله عليه وسلمن وإنْ رَغِمْتُمْ".
وفي أخرى (٥): قال: "قِيلَ لابن عباسٍ: إنَّ هذا الأمر قد تفَشَّغَ النّاسِ ... وذكر الحديث".
قال النووي في شرح مسلم: وهذا الذي ذكره ابنُ عباسٍ هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافة سوى ابن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفاتٍ ويرمي ويحلق ويطوف
стр. 2912
طواف الزيارةِ، فحينئذ يحصل له التحللان، ويحصل التحلل الأول باثنين من هذه الثلاثة التي هي جمرةُ العقبةِ، والحَلْقُ، والطَّوافُ.
أقول: يحتمل أن يكون هناك توهمات عند الرواة ودمج للكلام بعضه ببعض، فقد يكون قسم من الكلام له علاقة بالعمرة فحمله الناس على الحج، وحتى لو كان الكلام عن العمرة فقد يكون قد حذف شيء من كلامه.
٤٥٥٤ - * روى الشيخان عن حفصة أم المؤمنين ﵂ قالت: "إن النبي ﷺ أمر أزواجَهُ أنْ يحلُلْنَ عام حجةِ الوداعِ، قالت حفصةُ، فقلت: فما يمنعُك أنْ تحِلَّ؟ قال: إني لبدْتُ رأسي، وقلدْتُ هديي، فلا أحِلُّ حتى أنْحَرَ هديي".
وفي رواية (١): أنَّ حفصة قالت: "قلتُ للنبي ﷺ : ما شأنُ الناس حلُّوا ولمْ تَحِلَّ من عُمْرَتِكَ؟ قال: إني قَلَّدْتُ هديي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتى أحِلَّ من الحجِّ".
وفي رواية (٢): "فلا أُحِلُّ حتى أنْحَرَ".
في النص اختصار، فالتحلل يكون بالحلق بعد النحر، إنما لم يتحلل رسول الله ﷺ كما أحل أصحابه لأنه لم يتمتع، وقد مر معنا هذا من قبل.
٤٥٥٥ - * روى مالك في الموطأ عن مالك بن أنسٍ ﵀ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: جاء رجلٌ إلى القاسم بن محمدٍ فقال: "إني أفضْتُ، وأفضْتُ معي بأهلي، ثم عدلْتُ إلى شعبٍ، فذهبتُ لأدنُوَ منها، فقالتْ: إني لم أُقَصِّرْ منْ شعْرِي بعدُ،
стр. 2913
فأخذتُ من شعرها بأسناني، ثم وقعتُ بها، فضحِكَ القاسمُ، فقال: مُرْها فلتأخُذ بالجَلَمَيْن من شعرها".
قال مالك: وأنا أستحِبُّ أن يُهراق في مثل هذا دمٌ، لقول ابن عباسٍ: "من نسي من نُسكه شيئاً فليُهْرقْ دماً".
أقول: أجاز الحنفية للمحرم أن يحلل غيره بالحلق والتقصير، فمتى أنهى الإنسان أفعال الحج أو العمرة لم يحرم على محرم آخر أن يحلله بالحلق وهي قضية خلافية.
стр. 2914
الباب الثالث عشر
في ترتيب أفعال يوم النحر
стр. 2915
عرض إجمالي
الأفعال المطلوبة من الحاج يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة هي: الرمي، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة.
والرمي المطلوب في هذا اليوم هو: رمي جمرة العقبة.
والسنة تقديم الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة، وذهب الحنفية إلى وجوب الترتيب بتقديم الرمي ثم الذبح - إن كان- ثم الحلق ثم الطواف.
وذهب المالكية إلى وجوب تقديم الرمي على الحلق والطواف ولا يجب تقديم الرمي على النحر، ولا النحر على الحلق والطواف، ولا الحلق على الطواف.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم وجوب الترتيب بين هذه الأفعال.
ويحصل التحلل الأصغر عند الحنفية بالرمي والحلق، فيحل له ما كان محظوراً بسبب الإحرام، إلا النساء ويحصل التحلل الأكبر بطواف الإفاضة.
ويحصل التحلل الأصغر عند المالكية برمي جمرة العقبة والحلق.
ويحصل التحلل الأصغر عند الشافعية والحنابلة باثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف.
стр. 2916
النصوص
٤٥٥٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ : "وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجلٌ، فقال: لم أشعر، فحلقتُ قبل أن أذبح؟ فقال: أذبح ولا حرج، فجاء آخرُ، فقال: لم أشعُر، فنحرتُ قبل أن أرمي؟ قال: أرْمِ، ولا حرج، فما سُئِلَ النبي ﷺ يومئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ، إلا قال: افعَلْ، ولا حرج".
وفي رواية (١): "أنهُ شهد النبي ﷺ يخطُبُ يوم النحْرِ، فقام إليه رجل، فقال: كنتُ أحسِبُ أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر، فقال: كنت أحسِبُ أن كذا قبل كذا، حلقْتُ قبل أن أنْحَر، نحرتُ قبل أنْ أرمي، وأشباه ذلك. فقال النبيُّ ﷺ : افعَلْ، ولا حرج، لهن كلهن، فما سُئل يومئذٍ عن شيءٍ، إلا قال: افعَلْ، ولا حرج".
وفي أخرى (٢) قال: "وقف رسول الله ﷺ على ناقته - ثم ذكر نحوه".
وفي أخرى (٣) قال: فما سمعته سُئل يومئذٍ عن أمرٍ مما ينسى المرءُ، أو يجهلُ: من تقديم بعض الأمور على بعضٍ، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ : "افعَلُوا ذلك، ولا حرج".
وفي أخرى (٤) قال: سمعتُ رسول الله ﷺ وأتاه رجلٌ يوم النحر وهو واقفٌ عند الجمرة - فقال: يا رسول الله، حلقتُ قبل أنْ أرمي؟ قال: أرمِ، ولا حرج، وأتاه آخر، فقال: إني ذبحتُ قبل أن أرمي؟ قال: أرمِ ولا حرج، وأتاه آخر، فقال: إني أفضتُ إلى البيت، قبل أن أرمي؟ قال: أرْمِ ولا حرج".
стр. 2917
وفي رواية الترمذي (١) مختصراً: "أن رجلاً سألهُ، فقال: حلقْتُ قبل أنْ أذبح؟ قال: أذبح ولا حرج، وسأله آخر، فقال: نحرتُ، ولم أرمِ؟ قال: ارمِ، ولا حرج".
أقول: الترتيب بين الرمي والذبح والحلق من فعل رسول الله ﷺ ، وقد آوجب الحنفية الدم على من لم يرتب، واعتبروا تساهله ﵊ مع الناس يومذاك لأنه لم يكن سبق إليهم بشيء، فالأحاديث التي تنفي الترتيب كلها منسوخة عندهم.
٤٥٥٧ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ قِيلَ له في الذبحِ، والحَلْقِ، والرَّمي، والتقديم، والتأخير؟ فقال: لا حرج".
وفي رواية (٢) للبخاري أيضاً قال: "كان النبيُّ ﷺ يُسألُ يوم النحرِ بمنى؟ فيقول: لا حرج، فسأله رجلٌ، فقال: حلقْتُ قبل أنْ أذبح؟ فقال: اذبح، ولا حرج، قال: رميتُ بعدما أمسيتُ؟ فقال: لا حرج".
وفي أخرى (٣) له "أنه سُئِلَ عمن حلقَ قبل أن يذْبَح، ونحوه؟ فقال: لا حرج، لا حرجَ".
وفي أخرى (٤) له قال: "قال رجلٌ للنبي ﷺ : زُرتُ قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج".
وفي أخرى (٥): "أنه سُئلَ في حجته عن الذبح قبْلَ الرمي؟ وعن الحلق قبل الذبح؟ فأومأ بيده: لا حرج".
أقول: قوله: (زرت قبل أن أرمي): مقصود به طوفا الزيارة.
стр. 2918
٤٥٥٨ - * روى البخاري تعليقاً عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سُئلَ رسول الله ﷺ : عَمَّنْ حلق قبل أن يذبح، ونحوه؟ فقال: لا حرج لا حرج".
٤٥٥٩ - * روى أبو داود عن أسامة بن شريك ﵁ قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ حاجاً، فكان الناسُ يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله، سعيتُ قبْلَ أن أطوف، وأخرْتُ شيئاً أو قدمْتُ شيئاً؟ فكان يقول: لا حرج، إلا على رجلٍ اقترضَ عرض رجلٍ مُسْلمٍ وهو ظالمٌ، فذلك الذي حَرِجَ وهلك".
٤٥٦٠ - * روى مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر "أن ابن عمر ﵄ لقي رجلاً من أهله يُقال له: المُجَبَّرِ، قد أفاض، ولم يحْلِقْ ولم يُقصِّرْ، جهِلَ ذلك، فأمرَهُ عبد الله بن عمر أن يرجع فيَحْلِقَ، أو يُقَصِّرَ، ثم يرجع إلى البيت، فيُفِيضَ".
مسألة:
الحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها عند الشافعية والحنابلة، فلا دم على من أخر الحلق عن أيام منى أو قدمه على رمي، أو نحر أو طاف قبل رمي ولو كان عالماً، فمتى أتى به أجزأه كطواف الزيارة والسعي، ولأن الأصل عدم التوقيت ويبقى الحاج محرماً حتى يأتي بما عليه من الحلق والطواف والسعي، ولكن الأفضل عملها يوم النحر، ويكره تأخيرها عن يوم النحر، ويكون تأخيرها عن أيام التشريق أو عن خروجه من مكة أشد كراهة (١).
* * *
стр. 2919
الباب الرابع عشر
في المبيت بمنى أيام التشريق
стр. 2920
عرض إجمالي
حد منى: ما بين وادي مُحَسِّر وجمرة العقبة، وهي شعب طوله نحو ميلين وعرضه يسير أما الجبال المحيطة به فما أقبل منها عليه فهي من منى وما أدبر منها فليس من منى.
حكم المبيت بمنى: المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة اتفاقاً، لكن للفقهاء رآيان في المبيت بمنى ليلة التشريق، أما الرأي الأول: فهو للحنفية فإنهم قالوا: المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة، وكذلك المبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة سنة أيضاً. وأما الرأي الثاني فهو للجمهور: وهو أن المبيت بمنى ليلتي التشريق واجب، فمن تركه كان عليه دم عند المالكية والشافعية.
قال المالكية: المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر واجب، لكن رخص مالك جوازاً لراعي الإبل فقط بعد رمي العقبة يوم النحر أن ينصرف إلى رعيه، ويترك المبيت في هاتين الليلتين، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر، فيرمي لليومين: اليوم الثاني الذي فاته وهو في رعيه. والثلث الذي حضر فيه، ثم إن شاء أقام لرمي الثالث من أيام الرمي، وكذا رخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة. وقال الشافعية: المبيت بمنى ليلتي التشريق واجب اتباعاً للسنة، فمن ترك المبيت في منى وجب عليه دم، ويسقط مبيت منى ومزدلفة والدم عن المعذورين وهم الرِّعاء وأهل السقاية، ويسقط مبيت منى ومزدلفة أيضاً عمن له عذر آخر، كمن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه أو مال معه، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يكون به مرض يشق معه المبيت أو نحو ذلك، وقال الحنابلة: السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى، والمبيت بمنى ليالي منى واجب، لكن إن ترك المبيت بمنى، فلا شيء عليه كما قال الحنفية، وروي عن أحمد أيضاً: في الليالي الثلاث دم.
стр. 2921
النصوص
٤٥٦١ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول ليالي منىً: "لا يبيتن أحدٌ من الحاج وراء عقبةِ منى".
للعلماء مذهبان في المبيت بمنى أيام الرمي، فمنهم من أوجبه ومنهم من اعتبره سنة.
٤٥٦٢ - * روى مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: زعموا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يبعثُ رجالاً يدخلون الناس من وراء العقبة".
٤٥٦٣ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن العباس استأذن رسول الله ﷺ أن يمكُث ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له".
٤٥٦٤ - * روى مالك في الموطأ عن أبي البداح عاصم بن عدي ﵀ عن أبيه: أن رسول الله ﷺ : "رخص لرعاءِ الإبل في البيتوتة عن منىً، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفْرِ".
قال مالك: تفسير ذلك - فيما نُرى، والله أعلم-: أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفْر الأول، ويرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضي أحدٌ شيئاً حتى يجب، عليه فإذا وجب عليه ومضى، كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم في النفر فقد فرغُوا، وإن أقاموا إلى الغَدِ رموْا مع الناس يوم النفْرِ الآخر، ونفرُوا.
وفي رواية الترمذي (١) قال: "أرخص لرعاءِ الإبل في البيتُوتَةِ عن منىً، يرمون يومَ
стр. 2922
النحر، ثم يجمعون رمي يومين بعد يوم النحر، فيرمونهُ في أحدهما".
قال: قال مالك: ظننتُ: أنه قال: في الأول منهما، ثم يرمون يوم النفرِ.
وفي أخرى (١) له ولأبي داود والنسائي: "أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء: أن يرمُوا يوماً، ويدعو يوماً".
وفي أخرى للنسائي (٢): "أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء في البيتوتة، يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعدهُ، يجمعونهما في أحدهما".
* * *
стр. 2923
الباب الخامس عشر
في التكبير في أيام التشريق وما قبلها
стр. 2924
عرض إجمالي
من السنن المأثورة عن النبي ﷺ : التكبير في يوم عرفة وأيام التشريق.
وذهب الجمهور إلى أن هذا التكبير سنة وذهب الحنفية إلى وجوب هذا التكبير مرة، ويندب ما زاد على هذا، ومدته عند أبي حنيفة من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم العيد أي ثماني صلوات، وعند الصاحبين وعند الحنابلة وفي قولٍ عند الشافعية: من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق أي ثلاث وعشرون صلاة.
وعند المالكية وفي الأظهر عند الشافعية: من ظهر يوم النحر؛ لأنها أول صلاته بمنى بعد انتهاء التلبية إلى صبح آخر أيام التشريق لأنها آخر صلاته بمنى أي خمس عشرة فريضة.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يسن التكبير في المنازل والطرقات والأسواق قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١) وهي أيام التشريق.
ويسن التكبير لرؤية الأنعام في عشر ذي الحجة وهي الأيام المعلومات قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٢).
стр. 2925
٤٥٦٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ "كان يُكبرُ في فُسطاطِه، ويكبرُ الناس لتكبيره دُبُر الصلاة، وفي غير وقت الصلاة، وإذا ارتفع النهار، وعند الزوال، وإذا ذهب يرْمي".
وفي رواية (١): "أنه كان يُكبرُ في قُبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيُكبرون، ويكبرُ أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً".
وفي أخرى (٢): "كان يُكبرُ بمنى تلك الأيام، وخلفَ الصلاة، وعلى فراشه، وفي فُسطاطه، ومجلسه، وممشاهُ في تلك الأيام جميعاً".
٤٥٦٦ - * روى البخاري تعليقاً عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ "كانا يخرُجان إلى السُّوقِ في أيام العَشْرِ يُكبِّرانِ، ويُكبِّرُ الناسُ بتكبيرهما".
* * *
стр. 2926
الباب السادس عشر
في خطبه ﵊
في عرفة ومنى
стр. 2927
٤٥٦٧ - * روى الطبراني في الكبير عن المِسْوَرِ بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله ﷺ بعرفاتٍ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعدُ: فإنَّ أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمسُ على رؤوس الجبال كأنها عمائمُ الرجال في وجوهها وإنا ندفَعُ بعد أن تغيب، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمسُ منبسطةً".
أقول: الضمير في قوله: (وكانوا) يعود إلى أهل الشرك والجاهلية، فهم الذين كانوا يفيضون من مزدلفة بعد طلوع الشمس.
٤٥٦٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : في حجةِ الوداعِ: "ألا أيُّ شهرٍ تعلمونه أعظمُ حُرْمةً؟ "ٍقالوا: ألا بلدُنا هذا، قال: "ألا أيُّ يومٍ تعلمونه أعظمُ حرمةً؟ " قالوا: ألا يومنا هذا. قال: "فإنَّ الله ﵎ قدْ حرَّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقِّها، كحُرَمةِ يومكم هذا في بلدكُمْ هذا، في شهرِكُم هذا، ألا هلْ بلَّغتُ؟ "، ثلاثاً - كلُّ ذلك يُجيبونه: ألا نعمْ! - قال: ويْحَكم، - أو ويلكمْ - لا ترجِعُنَّ بعدي كفاراً يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ".
قوله: (لا تَرْجِعنَّ بعدي كفاراً): قال الإمام النووي في شرح (مسلم: ٢/ ٥٥، ٥٦): في معناه سبعة أقوال:
أحدها: أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق.
والثاني: كفر النعمة وحق الإسلام.
стр. 2928
والثالث: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه.
والرابع: فعل كفعل الكفار.
والخامس: حقيقة الكفر، ومعناه: لا تكفروا، بل دوموا مسلمين.
والسادس: -حكاه الخطابي وغيره- أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه: إذا لبسه. قال الأزهري في كتاب "تهذيب اللغة": يقال للابس السلاح: كافر.
والسابع: قاله الخطابي: لا يكفر بعضكم بعضاً، فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً، وأظهر الأقاويل، الرابع، وهو اختيار القاضي ﵀.
ثم إن الرواية "يضرب" برفع الباء، هذا هو الصواب. وكذا رواه المتقدمون والمتأخرون وبه يصح المقصود هنا.
ونقل القاضي عياض أن بعض العلماء ضبطه بإسكان الباء، قال القاضي: وهو إحالة للمعنى، والصواب الضم.
وأما قوله ﵊: "بعدي" فقال القاضي عياض: قال الهروي: معناه: بعد فراقي من موقفي هذا، وكان هذا يوم النحر يعني في حجة الوداع، أو يكون بعدي، أي خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به، أو يكون قد تحقق ﵊ أن هذا لا يكون في حياته، فنهاهم عنه بعد مماته.
٤٥٦٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر، فقال: "يا أيها الناس، أي يوم هذا؟ " قالوا: يومٌ حرامٌ، قال: "وأيُّ بلدٍ هذا؟ " قالوا: بلدٌ حرام، قال: "فأيُّ شهرٍ هذا؟ " قالوا: شهرٌ حرامٌ، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحُرْمةِ يومكُم هذا، في بلدكُم هذا، في شهركم هذا"- فأعادها مراراً - ثم رفع رأسه فقال: "اللهم مهل بلغتُ؟ اللهم هل بلغتُ" قال ابن عباس: فوالذي نفس يبيده إنها لوصيته إلى أُمَّته (١)،
стр. 2929
"فليُبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضكمْ رقابَ بعضٍ".
٤٥٧٠ - * روى أحمد عن عبد المجيد العُقيلي قال: "انطلقنا حُجاجاً ليالي خرج يزيدُ ابن المهلب وقد ذُكِرَ لنا أن ماءً بالعالية يقال له الرجيعُ فلما قضينا مناسكنا جئنا حتى أتينا على بئر عليها أشياخُ مخضوبون يتحدثون، قلنا هذا الذي صحب رسول الله ﷺ أين بيتُهُ قالوا نِعْمَ بيته وأومؤا: ها ذاك بيته قال: فانطلقنا حتى أتينا البيت فسلمنا فأذن لنا فإذا شيخٌ كبيرٌ مضطجعٌ يقال له: العَدَّاءُ بن خالدٍ الكلابيُّ قلت أنت الذي صحبتَ رسول الله ﷺ قال نعم ولولا هُو الليل لأقرأتُكم كتاب رسول الله ﷺ إليَّ، فمن أنتم؟ قلنا من أهل البصرة قال: مرحباً بكم، ما فعل يزيد ابن المهلب؟ قلنا هو هناك يدعو إلى كتاب الله وسُنة النبي ﷺ قال: فيما هو من ذاك قلنا أيا نتبعُ؟ هؤلاء أو هؤلاء يعني أهل الشام أو يزيد؟ قال: إن تقعدوا تفلحوا وترشدوا ولا أعلمه إلا قال ثلاث مرات: رأيت رسول الله ﷺ يوم عرفة وهو قائمٌ في الركابين ينادي بأعلى صوته يا أيها الناسُ: أيُّ يوم يومُكم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلمُ قال: أيُّ شهرٍ شهرُكُم هذا؟ قالوا: الله ورسول أعلم قال: فأيُّ بلدٍ بلدُكم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلمُ قال: شهركم شهرٌ حرامٌ قال: فقال: ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ﵎ فيسألكم عن أعمالكم، قال: ثم رفع يديه إلى السماء قال: اللهم اشهد عليهم، ذكر مراراً فلا أدري كم ذكر".
٤٥٧١ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قسم يومئذٍ في أصحابه غنماً فأصاب سعدُ بن أبي وقاصٍ تيساً فذبحهُ فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلفٍ فقام تحت ثدي ناقته وكان رجُلاً صيتاً فقال: اصرخْ: أيها الناس، أتدرون أي شهرٍ هذا فصرخ فقال الناس: الشهر الحرام فقال: اصرخْ (١):
стр. 2930
أتدرون أي بلدٍ هذا؟ قالوا: البلد الحرام قال: اصرخْ أتدرون أي يومٍ هذا، قالوا: الحج الأكبر فقال: اصرخ فقل: إن رسول الله ﷺ قدْ حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمةِ شهركم هذا وكحُرْمةِ بلدكُم هذا وكحُرْمة يومكم هذا، فقضى رسول الله ﷺ حجهُ وقال حين وقف بعرفة: هذا الموقفُ وكلُّ عرفة موقفٌ، وقال حين وقف على قُزَحٍ: هذا الموقِفُ وكل مزدلفة موقفٌ".
٤٥٧٢ - * روى ابن خزيمة عن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خُطبته يوم عرفة في حجة الوداع: "اعلموا: إنَّ دماءكُم وأموالكمُ وأعراضكُمْ حرامٌ عليكم كحُرْمةِ يومكُم هذا وكحُرْمَةِ شهركم هذا وكحرمة بلدكم هذا".
٤٥٧٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن سراء بنت نبهان وكانتْ - ربةَ بيتٍ في الجاهلية - قالت: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: هل تدرون أي يومٍ هذا؟ وهو الذي تدعون يوم الرَّوسِ؟ قالوا: اللهُ ورسوله أعلم، قال: إنَّ ذا أوسطُ أيام التشريق: قال: هل تدرون أي بلدٍ هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: هذا مشعرُ الحرام، ثم قال: إني لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليُبلغْ أقصاكم أدناكم ألا هل بلغْتُ، فلما قَدِمنا المدينة لم نلبَثْ إلا قليلاً حتى مات ﷺ ".
٤٥٧٤ - * روى البزار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خطب فقال: "أيُّ يومٍ هذا" قالوا: يومٌ حرامٌ. قال: "فإنَّ دماءَكُم وأموالكمُ عليكُمْ حرامٌ كحُرْمَةِ يومِكُم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".
٤٥٧٥ - * روى الطبراني في الكبير عن كلثوم بن جبير بقصةٍ فيها (١): إن الذي قتل عماراً
стр. 2931
بصفين أخبر أنه سمع النبي ﷺ خطب يوم العقبة فقال: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضكم رقاب بعض" وفي القصة: لا رجل أبين ضلالاً منه، لأنه سمع من النبي ﷺ ما سمع ثم قتل عماراً.
٤٥٧٦ - * روى أحمد عن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خُطبة النبي ﷺ في وسط أيام التشريق فقال: "يا أيها الناسُ: إن ربَّكُم واحدٌ ألا لا فضل لعربيّ على عجمي ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ولا أسود على أحمر ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله ﷺ ثم قال: أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يومٌ حرامٌ ثم، قال: أيُّ بلدٍ هذا؟ قالوا: بلدٌ حرامٌ قال: فإن الله قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم- قال ولا أدري قال: وأعراضكْم أم لا- كحُرمةِ شهركم هذا في بلدكم هذا. أبلَّغْتُ؟ قالوا: بلغ رسول الله ﷺ قال ليُبَلِّغْ الشاهد الغائب".
أقول: الظاهر أن رسول الله ﷺ خطب في موقفه بعرفة، وخطب يوم النحر في أكثر من مكان وعند جمرة العقبة، وخطب أوسط أيام التشريق وكان يلح على حرمة الدماء والأموال، لتأصل عادة سفك الدماء وسلب الأموال عند العرب، ولما يعلم بما سيجري على أمته.
٤٥٧٧ - * روى الطبراني في الكبير عن عبادة بن عبد الله بن الزبير قال: كان ربيعةُ ابن أمية بن خلفٍ الجُمحيِّ وهو الذي كان يصرخُ يوم عرفة تحت ناقة رسول الله ﷺ وقال له رسول الله ﷺ : أصرخْ، وكان صيتاً: أيُّها الناسّ أتدرون أي شهرٍ هذا فرخ فقالوا: نعمْ الشهر الحرام، قال: فإن الله قد حرم دماءكم وأموالكم إلى أنْ تلقوا ربكم كحُرْمةِ شهركم هذا ثم قال: اصرخْ: هل تدرون أيَّ بلدٍ هذا؟ فصرخ (١). فقالوا: البلدُ الحرامُ قال: فإن دماءكُم وأموالكُم عليكم حرامٌ إلى يوم تلقونه كحرمة
стр. 2932
بلدكم هذا، ثم قال: اصرخ: أيُّ يومٍ هذا فصرخَ فقالوا: هذا يومٌ حرامٌ وهذا يومُ الحجِّ الأكبر قال: فإن الله قد حرم عليكم دماءكم إلى يوم تلقونه كحُرمةِ يومكم هذا".
٤٥٧٨ - * روى أبو يعلي عن وابصة بن معبد الجهني قال: "شهدتُ رسول الله ﷺ في حجة الوداع وهو يخطب وهو يقول: يا أيها الناس أي شهرٍ أحرمُ؟ قالوا: هذا الشهر قال: أي يومٍ أحرمُ، قالوا: هذا وهو يوم النحر قال: فأيُّ بلد أعظمُ عند الله حرمةً قالوا: هذا قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم محرمةٌ عليكم كحرمةِ يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم، فرفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم اشهدْ ثم قال: ليُبلغ الشاهدُ منكم الغائب، قال وابصةُ وإنا شهدنا وغِبْتُمْ ونُبَلِّغْكُم كما قال رسول الله ﷺ ".
٤٥٧٩ - * روى ابن خزيمة عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فذكر الحديث، وقال: فأجاز رسول الله حتى أتى عرفة، حتى إذا زاغتُ الشمس أمر بالقصواء فرُحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، فقال: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحُرْمة يومكم هذا، في بلدكم هذا. ألا وإن كل شيء من أهل الجاهلية موضوعٌ تحت قدمي هاتين، ودماءُ الجاهلية موضوعةٌ، وأول دم أضعهُ، دماءنا: دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مُسترضعاً في بني سعدٍ فقتلته هُذيل. وربا الجاهلية موضوعٌ، وأولُ ربا أضعه ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوعٌ، اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يُوطين فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مُبرحٍ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم مسئولون عني ما أنتم قائلون؟ " فقالوا (١): نشهد إنكَ
стр. 2933
قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويُنكسها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد".
قال ابن خزيمة: قد بينتُ في كتاب النكاح، أن قوله: لا يُوطين فرشكم أحداً تكرهونه، إنما أراد وطء الفراش بالأقدام، كما قال رسول الله ﷺ : "لاتجلسْ على تكرمتِه إلا بإذنه" وفراشُ الرجل تكرمته ولم يردْ ما يتوهمه الجهال إنما أراد وطأ الفروج.
٤٥٨٠ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي ﵁ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ ونحن في منازلنا، ففُتِّحتْ أسماعُنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يُعلمهمْ مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه السبابتين، ثم قال: بحصى الخذف، ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مُقدم المسجد، وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد. قال: ثم نزل الناس بعدُ".
وفي رواية (١): عن عبد الرحمن بن معاذٍ عن رجلٍ من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "خطب النبي ﷺ الناس بمنى، ونزلهم منازلهم، فقال: لينزل المهاجرون هاهنا - وأشار إلى ميمنة القِبْلة - والأنصار هاهنا - وأشار إلى ميسرة القبلة - ثم قال: لينزل الناس حولهم".
أقول: فيما فعله الرسول ﷺ أصل في الترتيب والتنظيم، وأنه يراعى في الترتيب لذوي الفضل حقوقهم.
٤٥٨١ - * روى أبو داود عن الهِرْماس بن زيادٍ الباهلي ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يخطبُ الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى".
٤٥٨٢ - * روى أبو داود عن ابن أبي نجيحٍ ﵀ عن أبيه، عن رجلين من بني بكرٍ قالا: "رأينا رسول الله ﷺ يخطُبُ بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته،
стр. 2934
وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمِنَى".
٤٥٨٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمر قال: كان العربُ يُحِلُّون عاماً شراً وعاماً شهرين ولا يُصيبون الحج إلا في كل ستةٍ وعشرين سنةً مرةً وهو النسيءُ الذي ذكر الله في كتابه فلما كان عام حجَّ أبو بكر بالناس وافق ذلك العام الحج فسماه الله الحج الأكبر ثم حج رسول الله ﷺ من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلةَ فقال رسول الله صلى الله لعيه وسلم: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" (١).
стр. 2935
مسائل وفوائد
من كلام الفقهاء في خطب الحج:
للفقهاء رأيان في عدد خطب الحج: أما الرأي الأول: فهو للحنفية والمالكية والحنابلة أن الخطب ثلاثة: الخطبة الأولى: في السابع من ذي الحجة. تسن هذه الخطبة في مكة عند الكعبة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر، وهي أول الخطب، يعلمهم فيها الإمام مناسك الحج، وهي خطبة واحدة لا جلوس فيها، وكون هذه الخطبة هي الأولى هو مذهب الجمهور، واعتبر عند الحنابلة خطبة يوم عرفة في الأولى، وإذا كان يوم التروية يوم الجمعة، خرج بهم الإمام عند الشافعية قبل الفجر، لأن السفر يومها بعد الفجر وقبل الزوال حرام، وإذا كان يوم عرفة يوم جمعة، جاز خروج الحجاج بعد الفجر، وجاز الخروج مطلقاً يوم التروية وغيره عند الحنابلة، سواء قبل الفجر أو قبل الزوال.
الخطبة الثانية يوم عرفة: وهي خطبتان خفيفتان بعرفات قبل الصلاة اتفاقاً يجلس بينهما الخطيب كما في الجمعة، يعلمهم في الأولى المناسك من موضع الوقوف بعرفة ووقته، والدفع من عرفات، ومبيتهم في المزدلفة، وأخذ الحصى لرمي الجمار ويحثهم على إكثار الذكر والدعاء بالموقف، وقال المالكية والشافعية: يبدأ المؤذن والإمام يخطب أو بعد فراغه من الخطبة، ويفرغ من الخطبة الثانية مع فراغ المؤذن، وقال الحنابلة: يأمر الإمام بالأذان بعد الخطبة، ثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم، اتباعاً للسنة.
الخطبة الثالثة: عند الشافعية، وهي الثانية عند الحنابلة: يوم النحر (العيد) بمنى: وهي خطبة واحدة، يعلِّم الإمام فيها الناس مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي، ولأن يوم النحر تكثر فيه أفعال الحج، ويحتاج الناس إلى تعلم أحكام ذلك فكانت الخطبة محتاجاً إليها؛ لأجل هذا الغرض، كيوم عرفة، والخطبة الثالثة عند الجمهور: وهي الرابعة عند الشافعية: ثاني أيام منى، وهي خطبة واحدة متفق عليها، يعلم الإمام فيها الناس حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم.
[البدائع (٢/ ١٥١)، والدر المختار (٢/ ٢٣٦)، الشرح الصغير (٢/ ٥٤)، مغني المحتاج ٠١/ ٤٩٥)، المغني (٣/ ٤٠٧ و ٤٤٥ فما بعد)، الفقه الإسلامي (٣/ ٢١٢)].
* * *
стр. 2936
الباب السابع عشر
في التحصيب
стр. 2937
عرض إجمالي
من سنن الحج - في مذهب الحنفية - التحصيب: وهو النزول بوادي المحَصَّب أو الأبطح: وهو موضع بين منى ومكة عند مدخل مكة بين الجبلين إلى المقبرة المسماة بالحجون، ينزل بها ساعة، فإنه سنة؛ لأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ نزلوا بالأبطح.
ومن مندوبات الرمي بمنى - في مذهب المالكية - وما بعده التحصيب: نزول غير المتعجل بعد رمي جمار اليوم الثالث بالمحصب- بطحاء خارج مكة - ليصلي فيه أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كما فعل النبي ﷺ ، وأما المتعجل فلا يندب له ذلك.
ومن سنن الرمي في منى- على مذهب الحنابلة- يسن إذا نفر من منى النزول بالأبطح وهو المحصب وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة، فيصلي به الظهرين والعشاءين، ويهجع يسيراً، ثم يدخل مكة.
والخلاصة أن التحصيب: سنة عند الحنفية والحنابلة، ومستحب عند غيرهم، مع الاتفاق أنه ليس من المناسك التي يلزم فعلها.
стр. 2938
٤٥٨٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال خالد بن الحارث: "سُئل عبيد الله عن المحصب؟ فحدثنا عن نافعٍ قال: نزل بها النبي ﷺ وعمرُ وابن عمر".
وعن نافع أن ابن عمر: "كان يصلي بها - عيني بالمُحصَّبِ- الظهر والعصر - أحسبه قال: والمغرب - قال خالد: لا أشك في العشاء - ويهجعُ، ويذكر ذلك عن رسول الله ﷺ ".
وفي رواية مسلم (١) عن نافعٍ: "أن ابن عمر كان يرى التحصيب سُنَّةً وكان يُصلي الظهر يوم النفر بالحصبة. وقال نافع: قد حصب رسول الله ﷺ والخلفاءُ بعدهُ".
وفي أخرى (٢) عن سالم: "أن أبا بكرٍ وعمر وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح".
وفي رواية الموطأ (٣) عن نافع: "أن ابن عمر كان يُصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ثم يدخل مكة من الليل، فيطوفُ بالبيت".
وفي رواية الترمذي (٤): قال: "كان النبي ﷺ وأبو بكرٍ وعمر وعثمان ينزلون الأبطح".
وفي رواية أبي داود (٥) قال: "صلى رسول الله ﷺ الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع بها هجعةً، ثم دخل مكة وطاف، وكان ابن عمر يفعله".
وفي أخرى له (٦): "أن ابن عمر كان يهجعُ هجعةً بالبطحاء، ثم يدخُل مكة، ويزعُمُ أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك".
стр. 2939
قال النووي في شرح مسلم: ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث في نزول النبي ﷺ بالأبطح يوم النفر وهو المحصب، وأن أبا بكر وعمر وابن عمر والخلفاء كانوا يفعلونه، وأن عائشة وابن عباس كانا لا يقولان به، ويقولان: هو منزل اتفاقي لا مقصود، فحصل خلاف بين الصحابة ﵃، ومذهب الشافعي ومالك والجمهور: استحبابه اقتداء برسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين وغيرهم، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه، ويستحب أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل أو كله اقتداء برسول الله ﷺ .
٤٥٨٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ "أن رسول الله ﷺ بعد ثالثةٍ في المحصبْ ورقد رقدةً، ثم ركب إلى البيت، فطاف به يُودِّعهُ".
٤٥٨٦ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "ليس التحصيبُ بشيءٍ، إنما هو منزلٌ نزلهُ رسول الله ﷺ ".
٤٥٨٧ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "نُزول الأبطح ليس بسُنةٍ إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج".
وفي أخرى (١) لمسلم عن سالم: "أن أبا بكرٍ وعمر وابن عمر كانوا ينزلُون الأبطح".
стр. 2940
قال الزهري: وأخبرني عروةُ عن عائشة: "أنها لم تكُنْ تفعلُ ذلك، وقالت: إنما نزلهُ رسول الله ﷺ لأنه كان منزلاً أسمح لخروجه".
٤٥٨٨ - * روى مسلم عن أبي رافعٍ ﵁ قال: "لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئتُ فضربتُ فيه قبتهُ، فجاء فنزل".
٤٥٨٩ - * روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من الغد يوم النحر - وهو بمنى - نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيثُ تقاسموا على الكفر - يعني بذلك المحصب وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب - أو بني المطلب - أن لا ينكاحوهم ولا يبايعوهم حتى يُسلموا إليهم النبي ﷺ .
٤٥٩٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب قال: "من السُّنة النزولُ بالبطح عشية النفرِ".
٤٥٩١ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ قبلَ يوم التروية بيومٍ: "منزلنا غداً إن شاء الله بالخيفِ الأيمن حيثُ استقسمَ المشركون".
أقول: فالمحصب كان محط رحل رسول الله ﷺ أثناء دخوله مكة وأثناء خروجه إلى عرفات وأثناء نفره من منى، وأثناء سفره من مكة، وهذا يستأنس به بأن يكون لكل حاج محط رحل فإن كان المحصب فهو أجود لكنه لا يسع الناس الآن (١).
* * *
стр. 2941
الباب الثامن عشر
في عدد حجاته ﵊ وعمراته
стр. 2942
٤٥٩٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: "لما قفل النبي ﷺ من حُنينٍ اعتمر من الجعرانة ثم أمر أبا بكرٍ على تلك الحجةِ".
أقول: في لفظ الجعرانة لغتان: (الجِعْرانة) و (الجِعِرانة) ".
٤٥٩٣ - * روى الطبراني في الكبير عن زيد ابن أرقم أن رسول الله ﷺ "حجَّ بعد ما هاجر حجةٌ واحدةٌ لم يحُجَّ بعدها: حَجَّةَ الوداعِ".
٤٥٩٤ - * رو الشيخان عن أنس أن رسول الله ﷺ "اعتمر أربع عمرٍ من العام المقُبل في ذي القعدة وعمرة من جعرانة حيثُ قسم غنائم حُنينٍ في ذي القعدة وعمرةً في حجته".
٤٥٩٥ - * روى البزار عن جابر أن النبي ﷺ "اعتمر ثلاث عمرٍ كلها في ذي القعدة: إحداهن زمن الحديبية والأخرى في صلح قريش والأخرى مرجعه من الطائف زمن حُنينٍ من الجعرانة".
٤٥٩٦ - * روى الترمذي عن مُحرش الكعبي أن رسول الله ﷺ "خرج من الجعرانة ليلاً معتمراً فدخل مكة ليلاً فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائتٍ، فلما زالت الشمس من الغد خرج في بطن سرفٍ حتى جاء مع الطريق طريق جعٍ ببطن سرف فمنْ أجل ذلك خفيتْ عمرتهُ على الناس" (١).
стр. 2943
٤٥٩٧ - * روى أبو داود: "دخل النبي ﷺ الجعرانة فجاء إلى المسجد فركع في المسجد ما شاء الله ثم احرم ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سرف حتى أتى طريق المدينة فأصبح بمكة كبائتٍ".
٤٥٩٨ - * روى البخاري عن عروة "كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة وإنا لنسمع صوتها بالسواك تستن فقلت: يا أبا عبد الرحمن، اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم فقلت لعائشة: أي أمتاه، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه، وابن عمر يسمع، ما قال: لا ولا نعم سكت" (١).
* * *
стр. 2944
الباب التاسع عشر
في معالم من مسيره ﵊
من المدينة وإليها
стр. 2945
٤٥٩٩ - * روى البخار يعن عبد الله بن عباس "﵄" قال: "لما قَدِمَ النبي ﷺ مكة، استقبله أغيْلِمةُ بني عبد المطلب، فحمل واحداً بين يديه، وآخرَ خلفه".
وفي رواية (١) قال: "ذُكِر عند عكرمة شرُّ الثلاثة، فقال: قال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ ، وقد حمل قُثَمَ بين يديه، والفضل خلفه- أو قُثَم خلفه، والفضل بين يديه - فأيهم أشرُّ؟ وأيهم أخيرُ؟ ".
أقول: قوله (أيهم أشر): أي لا شرير بينهم.
٤٦٠٠ - * روى الستة إلا مالكاً عن العلاء بن الحضرمي رفعه: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نُسكه ثلاثاً".
وفي رواية (٢) "للمهاجر إقامةُ ثلاثٍ بعد الصدْر، كأنه لا يزيد عليها".
أقول: كأن الراوي يرى أن من طاف طواف الوداع ثم بقي ثلاثة أيام في مكة بعده فلا عليه أن يعيد طواف الوداع فإن زاد على ذلك أعاد الطواف، ومن الفقهاء من ذهب إلى أن أي طواف بعد طواف الإفاضة ينوب مناب طواف الوداع.