٤٥٩٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: "لما قفل النبي ﷺ من حُنينٍ اعتمر من الجعرانة ثم أمر أبا بكرٍ على تلك الحجةِ".
أقول: في لفظ الجعرانة لغتان: (الجِعْرانة) و (الجِعِرانة) ".
٤٥٩٣ - * روى الطبراني في الكبير عن زيد ابن أرقم أن رسول الله ﷺ "حجَّ بعد ما هاجر حجةٌ واحدةٌ لم يحُجَّ بعدها: حَجَّةَ الوداعِ".
٤٥٩٤ - * رو الشيخان عن أنس أن رسول الله ﷺ "اعتمر أربع عمرٍ من العام المقُبل في ذي القعدة وعمرة من جعرانة حيثُ قسم غنائم حُنينٍ في ذي القعدة وعمرةً في حجته".
٤٥٩٥ - * روى البزار عن جابر أن النبي ﷺ "اعتمر ثلاث عمرٍ كلها في ذي القعدة: إحداهن زمن الحديبية والأخرى في صلح قريش والأخرى مرجعه من الطائف زمن حُنينٍ من الجعرانة".
٤٥٩٦ - * روى الترمذي عن مُحرش الكعبي أن رسول الله ﷺ "خرج من الجعرانة ليلاً معتمراً فدخل مكة ليلاً فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائتٍ، فلما زالت الشمس من الغد خرج في بطن سرفٍ حتى جاء مع الطريق طريق جعٍ ببطن سرف فمنْ أجل ذلك خفيتْ عمرتهُ على الناس" (١).
стр. 2943
٤٥٩٧ - * روى أبو داود: "دخل النبي ﷺ الجعرانة فجاء إلى المسجد فركع في المسجد ما شاء الله ثم احرم ثم استوى على راحلته فاستقبل بطن سرف حتى أتى طريق المدينة فأصبح بمكة كبائتٍ".
٤٥٩٨ - * روى البخاري عن عروة "كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة وإنا لنسمع صوتها بالسواك تستن فقلت: يا أبا عبد الرحمن، اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم فقلت لعائشة: أي أمتاه، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه، وابن عمر يسمع، ما قال: لا ولا نعم سكت" (١).
* * *
стр. 2944
الباب التاسع عشر
في معالم من مسيره ﵊
من المدينة وإليها
стр. 2945
٤٥٩٩ - * روى البخار يعن عبد الله بن عباس "﵄" قال: "لما قَدِمَ النبي ﷺ مكة، استقبله أغيْلِمةُ بني عبد المطلب، فحمل واحداً بين يديه، وآخرَ خلفه".
وفي رواية (١) قال: "ذُكِر عند عكرمة شرُّ الثلاثة، فقال: قال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ ، وقد حمل قُثَمَ بين يديه، والفضل خلفه- أو قُثَم خلفه، والفضل بين يديه - فأيهم أشرُّ؟ وأيهم أخيرُ؟ ".
أقول: قوله (أيهم أشر): أي لا شرير بينهم.
٤٦٠٠ - * روى الستة إلا مالكاً عن العلاء بن الحضرمي رفعه: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نُسكه ثلاثاً".
وفي رواية (٢) "للمهاجر إقامةُ ثلاثٍ بعد الصدْر، كأنه لا يزيد عليها".
أقول: كأن الراوي يرى أن من طاف طواف الوداع ثم بقي ثلاثة أيام في مكة بعده فلا عليه أن يعيد طواف الوداع فإن زاد على ذلك أعاد الطواف، ومن الفقهاء من ذهب إلى أن أي طواف بعد طواف الإفاضة ينوب مناب طواف الوداع.
стр. 2946
٤٦٠١ - * روى البخار يعن نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر ﵄ قال: "إن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الخليفة- حين يعتمرُ، وفي حجتهِ حين حج - تحتَ سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزو، وكان في تلك الطريق، أو حج أو عمرةٍ: هبط بطن وادٍ، فإذا ظهر من بطن وادٍ أناخ بالبطحاء التي على الشفير الوادي الشرقية، فعرس ثم حتى يُصبح، ليس عند المسجدِ الذي بحجارةٍ، ولا على الأكمة التي عليها المسجدُ، كان ثم خليجٌ يُصلي عبد الله نده، في بطنه كُتبٌ كان رسول الله ﷺ يصلي، فدحا السيلُ فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبدُ الله يصلي فيه، قال نافع: وإنَّ عبد الله بن عمر حدثهُ: أن رسول الله صلى جنب المسجد الصغير الذي دون المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء وقد كان عبد الله يعلمُ المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله، تنزلُ ثم عن يمينك حين تقومُ في المسجد وتصلي، وذلك المسجدُ على حافةِ الطريق اليُمنى، وأنت ذاهبٌ إلى مكة، بينه وبين المسجد الأكبر: رميةٌ بحجرٍ أو نحوُ ذلك، وإن ابن عمر كان يصلي إلى العِرْقِ الذي عند مُنْصَرَفِ الروْحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتنى ثَمَّ مسجدٌ، فلم يكن عبد الله يُصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره وراءه، ويُصلي أمامه إلى العرقِ نفسه، وكان عبد الله يروحُ من الروحاء، فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان، فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة، فإن مر به قبل الصبح بساعةٍ أو من آخر السحر: عرسَ حتى يُصلي بها الصُّبح، وإن عبد الله حدثه (١): أن النبي ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين
стр. 2947
الطريق، ووُجاه الطريق في مكان بطح سهل حين يُفضِي في أكمةٍ دوين بريدِ الرُّويثة بميلين، وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها وهي قائمة على ساقٍ، وفي ساقها كُثُبٌ كثيرةٌ، وإن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي ﷺ صلى في طرف تلعةٍ تمضي وراء العرْجِ، وأنت ذاهبٌ إلى هضبةٍ عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثةٌ، على القبور رَضْمٌ من حجارة عن يمين الطريق عند سلمات الطريٌ، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيُصلي الظهر في ذلك المسجد، وإن عبد الله بن عمر حدثه: أن رسول الله ﷺ نزل عند سرحاتٍ بكُراعٍ هرشى، عند يسار الطريق في مسيل دون هرشي، لك المسيل لاصقٌ بكُراع هرشى، بينه وبين الطريق قريبٌ من غَلْوةٍ، وكان عبد الله يُصلي إلى سرحةٍ هي أقرب السرحات إلى الطريق، وهي أطولهن، وإن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي ﷺ كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قِبَلَ المدينةِ حين تنزلُ من الصفراء وأنت تنزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق، وأنت ذاهبٌ إلى مكة ليس بين منزل رسول الله ﷺ وبين الطريق إل رميةٌ بحجرِ، وإن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي ﷺ كان ينزل بذي طُوى، ويبيت حتى يُصبح، يُصلي الصبح حين يقدم مكة، ومُصلى رسول الله صلى الله لعيه وسلم ذلك على أكمةٍ غليظةٍ، ليس في المسجد الذي بُني ثَمَّ، ولكن أسفل من ذلك على أكمةٍ غليظةٍ، وإن عبد الله حدثه (١): أن النبي ﷺ استقبل فُرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بُني ثم يسار المسجد
стр. 2948
بطرفٍ الأكمة، ومصلى النبي ﷺ أسفل منه على الأكمة السوداء، تدعُ من الأكمة عشرةَ أدرعٍ أو نحوها، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة".
وأخرج البخاري من حديث موسى بن عُقبة قال: "رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويُحدث: أن أباه كان يُصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يُصلي في تلك الأمكنة، وسألت سالماً؟ فلا أعلم إلا أنه وافق نافعاً في الأمكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء".
٤٦٠٢ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ "دخل مكة من الثنية العليا التي عند البطحاء، وخرج من الثنية السُّفْلى".
قال ابن خزيمة: فقول ابن عمر: "دخل النبي ﷺ مكة من الثنية العليا" دالٌّ على أن الثنية ليست من مكة، والثنية من الحرم ووراءها أيضاً من الحرم، وكذا من الحرم وما وراءها أيضاً من الحرم إلى العلامات التي أعلمت بني الحرم وبين الحلِّ. فكيف يجوز أن يقال: دخل النبي ﷺ مكة من مكة، فلو كانت الثنية من مكة وكداء من مكة لما جاز أن يقال دخل النبي ﷺ مكة من الثنية ومن كداء.
وقد يجوز أن يحتج بأن جميع الحرم من مكة لقوله ﷺ "إن مكة حرّمها الله يوم خلق السماوات والأرض" فجميع الحرم قد يجوز أن يقع عليه اسم مكة، إلا أن المتعارف عند الناس أن مكة موضع البناء المتصل بعضه ببعض، يقول القائل: خرج فلان من مكة إلى منى ورجع من منى إلى مكة، وإذا تدبرت أخبار النبي ﷺ في المناسك وجدت ما يشبه هذه اللفظة كثيراً في الأخبار، فأما عرفة وما وراء الحرم فلا شك ولا مرية أنه ليس من مكة. والدليل على أن النبي ﷺ نفر من منى يوم الثالث من أيام التشريق.
٤٦٠٣ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر، قال: أهل مرةٌ من ذي الحُليفة من عند الشجرة، وأن رسول الله ﷺ لما جاء ذا طوى بات حتى يُصلي الصُّبح، فاغتسل ثم دخل من أعلى مكة من كُداي، وخرج حين خرج من كُدي من أسفل مكة (١).
стр. 2949
٤٦٠٤ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "إن النبي ﷺ أُتِيَ وهو في مُعَرَّسِه من ذي الحُليفةِ في بطن الوادي، فقيل له: إنك ببطحاء مباركةٍ. قال موسى - هو ابن عقبة - وقد أناخ بنا سالمٌ في المناخ من المسجد الذي كان عبد الله يُنيخ به، يتحرى مُعرس رسول الله ﷺ ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبني القِبلَةِ، وسطاً من ذلك" وللنسائي (١): "أن رسول الله ﷺ أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، وصلى بها".
أقول: قوله: (أُتِيَ): إشارة إلى أنه أوحي إليه، وفي النص دلالة على أن مُعَرَّس رسول الله ﷺ من ذي الحليفة مُبارك.
٤٦٠٥ - * روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي ﷺ "دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي عند البطحاء وخرج من الثنية السفلى".
وزاد في رواية (٢): "إذا خرج من مكة يصلي في مسجد الشجرة وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح".
٤٦٠٦ - * روى الشيخان عن عائشة أن رسول الله ﷺ "دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كُدي وكان عروة يخل منهما جميعاً وكان أكثر ما يدخل
стр. 2950
من كداء وكان أقربهما إلى منزله".
٤٦٠٧ - * روى مسلم عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل لدخول مكة (١).
* * *
стр. 2951
الباب العشرون
في الحج عن الغير وحج الصبي والعبد والمجنون
стр. 2952
عرض إجمالي
العبادات ثلاثة أنواع:
أ- عبادات مالية محضة: كالزكاة والكفارة وتوزيع الأضاحي، ويجوز النيابة فيها بالاتفاق في حالتي الاختيار والضرورة، لأن المقصود انتفاع أهلها بها، وذلك حاصل بأي شخص أصيل أو نائب.
ب- عبادة بدنية محضة: كالصلاة والصوم، لا تجوز فيها النيابة لأن المقصود هو إتعاب النفس ولا يحصل بالإنابة.
ج- عبادة مركبة - بدنية ومالية معاً -: كالحج يجوز فيها النيابة عند العجز أو الضرورة لأن المشقة المقصودة تحصل بفعل النفس، وتحصل أيضاً بفعل الغير إذا كان بماله، فهذه العبادة تختلف عن الصلاة باشتمالها على القربة المالية غالباً بالإنفاق في الإسفار.
وجمهور العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقة والهدي للميت وقالوا: للإنسان أني جعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو تلاوة قرآن بأن يقول: اللهم اجعل ثواب ما أفعل لفلان، وقال الحنفية: من لم يجب عليه الحج بنفسه لعذر كالمريض ونحوه وله مال، يلزمه أن يحج رجلاً عنه ويجزئ عن حجة الإسلام، أي أنه تجوز النيابة في الحج عند العجز فقط لا عند القدرة بشرط دوام العجز إلى الموت، وتجب عند الشافعية الاستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته، ولم يحج، إذا كان له تركة، وإلا فلا يجب على الوارث، ويجوز للأجنبي الحج عنه سواء أوصى به أم لا.
ويجوز أن يكون النائب رجلاً عن امرأة والعكس: امرأة عن رجل بلا خلاف بين العلماء. لكن يكره عند الحنفية إحجاج المرأة لاشتمال حجها عادة على نوع من النقصان، فإنها لا ترمل في الطواف وفي السعي بين الصفا والمروة ولا تحلق.
ويجوز عند الجمهور الحج عن الغير الذي مات ولم يحج أو عن المريض الحي الذي عجز عن الحج وله مال، واشترط الحنفية لذلك عشرين شرطاً أهمها: نية النائب عن الأصيل عند الإحرام، وأن يكون الأصيل عاجزاً عن أداء الحج بنفسه وله مال، ووجوب الحج عن الأصيل وأن يحرم النائب من الميقات على النحو الذي طالب به الأصيل، وأهلية النائب
стр. 2953
لصحة الحج، وأن يحرم بحجة واحدة، وأن يفرد الحج عن احد لو أمره رجلان بالحج.
أما المجنون فلا حج عليه، وإن حج ثم صحا فعليه أن يعيد الحج، وكذلك الصبي غير البالغ لا حج عليه، فإن حج وبلغ أعاد الحج.
[البدائع (٢/ ١٢٤) الشرح الصغير (٢/ ١٥)، بداية المجتهد (١/ ٣٠٩)، مغني المحتاج (١/ ٤٦٨)، المغني (٣/ ٢٢٧)، الفقه الإسلامي (٣/ ٣٨)].
стр. 2954
٤٦٠٨ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان الفضلُ ابن عباس رديفَ رسول الله ﷺ ، فجائَتْه امرأةٌ من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظرُ إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرفُ وجه الفضل إلى الشقِّ الآخرِ، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركتْ أبي شيخاً كبيراً لا يستطيعُ أن يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع".
وفي أخرى (١) للنسائي عنه: قال: "إن رجلاً قال: يا نبي الله، إن أبي مات ولم يحج، أفأحُجُّ عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دينٌ أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدينُ الله أحقُّ".
وفي أخرى (٢) له نحوه، وقال فيها: "وهو شيخٌ كبيرٌ لا يثبتُ على الراحلة، وإن شددتُه خشيتُ أن يموتَ".
٤٦٠٩ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس يقول: قال فلان الجُهنيُّ: يا رسول الله، إن أبي مات وهو شيخٌ كبيرٌ لم يحُجَّ، أو لا يستطيعُ الحجَّ. قال: "حُجَّ عنْ أبيكَ".
٤٦١٠ - * روى أحمد عن سودة قالت: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحج قال: "أرأيتك لو كان على أبيك دينٌ فقضيت عنه قُبِلَ منك؟ قال: نعم قال: فاللهُ أرحم، حُجَّ عنْ أبيكَ".
стр. 2955
٤٦١١ - * روى الترمذي عن أبي رزين العُقيلي ﵁ قال: "يا رسول الله، إن أبي شيخ كبيرٌ، لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن؟ قال له: حُجَّ عن أبيك واعتمر".
٤٦١٢ - * روى البزار عن أنس بن مالك، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي مات ولم يحج حجة الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت لو كان على أبيك دينٌ أكنت تقضيه عنه قال: نعم، قال: فإنه دينٌ عليه فاقضه".
٤٦١٣ - * روى النسائي عن عبد الله بن الزبير ﵄ "أن رجلاً من خثعم جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ الركوب، وأدركتهُ فريضةُ الله في الحج، فهل يُجزيء أن أحُجَّ عنه؟ قال: أنت أكبرُ ولده؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان على أبيك دينٌ، أكنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فحُجَّ عنه".
٤٦١٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "أتى رجلٌ النبي ﷺ ، فقال: إن أختي نذرتْ أن تحُجَّ، وإنها ماتتْ؟ فقال النبي ﷺ : لو كان عليها دينٌ أكنت قاضيهُ؟ قال: نعم، قال: فاقض الله فهو أحقُّ بالقضاء".
وفي رواية (١): "أن امرأةً من جُهينة جاءتْ إلى النبي صلى اله عليه وسلم، فقالت: إن أُمِّي نذرت
стр. 2956
أن تحُج، فلم تحُج حتى ماتتْ، أفأحُجُّ عنها؟ قال: حُجِّي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء".
وللنسائي (١): "أن امرأة سألت النبي ﷺ عن أبيها مات ولم يحُجَّ؟ قال: حُجِّي عن أبيك".
قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث: قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وفيه استفتاء الأعلم، وفيه فضل بر الوالدين بعد الوفاة، والتوصل إلى براءة ما في ذمتهم.
٤٦١٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: "إن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شُبْرُمة، قال: ومنْ شُبْرُمة؟ قال: أخٌ لي، أو قريبٌ لي، فقال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فحُجَّ عن نفسك، ثم حُجَّ عن شُبْرُمة".
أقول: يجوز للإنسان أن يحج عن غيره، ولو لم يحج عن نفسه مع الكراهة. والحديث محمول على الكراهة لا على نفي الجواز.
٤٦١٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ لقيَ ركباً بالروحاء. فقال: مَنِ القومُ؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: منْ أنتَ؟ قال: رسول الله، فرفعت إليه امرأةٌ صبياً، فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم، ولك أجر".
وفي رواية (٢): عن كُريبٍ مرسلاً: "أن رسول الله ﷺ مر بامرأةٍ وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله، فأخذت بضبعَي صبيٍّ كان معها، فقالت: ألهذا حجٌّ
стр. 2957
يا رسول الله؟ فقال: نعم، ولك أجرٌ".
قال النووي في شرح مسلم: وفي هذا حجة للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعاً، وهذا الحديث صريح فيه، وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه قال أصحابه: وإنما فعلوه تمريناً له ليعتاده فيفعله إذا بلغ، وهذا الحديث يرد عليهم. قال القاضي: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع، ولا يلتفت إلى قولهم، بل هو مردود بفعل النبي ﷺ وأصحابه وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه ويجري عليه أحكام الحج ويجب فيه الفدية ودم الجيران وسائر أحكام البالغ؟ فأبو حنيفة يمنع ذلك كله ويقول: إنما يجنب ذلك تمريناً على التعليم، والجمهور يقولون: تجري عليه أحكام الحج في ذلك، ويقولون: حجه منعقد يقع نفلاً لأن النبي ﷺ جعل له حجاً. قال القاضي: وأجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام إلا فرقة شذت فقالت: يجزئه ولم يلتفت العلماء إلى قولها وقال النووي: قوله: "ولك أجر" معناه بسبب حملها له وتجنبها إياه. وما يجتنبه المحرم وفعل ما يفعله المحرم والله أعلم. وأما الولي الذي يحرم عن الصبي، فالصحيح عند أصحابنا: أنه الذي يلي ماله، وهو: أبوه، أو جده، أو الوصي، أو القيم من جهة القاضي، أو القاضي أو الإمام، وأما الأم، فلا يصح إحرامها عنه، إلا أن تكون وصيته أو قيمته من جهة القاضي. وقيل: إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة وإن لم يكن لهم ولاية المال. هذا كله إذا كان صغيراً لا يميز، فإن كان مميزاً أذن له الولي فأحرم، فلو أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه، لم ينعقد على الأصح، وصفة إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بنفسه: جعلنه محرماً والله أعلم.
٤٦١٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما صبي حجَّ ثم بلغ الحنث عليه حجةٌ أخرى. وأيما أعرابيٍّ حجَّ ثم هاجر فعليه أنْ يحُجَّ حجةً أخرى. وأيما عبدٍ حجَّ ثم عُتِقَ فعليه حجةٌ أخرى" (١).
стр. 2958
أقول: إن إعادة الأعرابي حجته بعد الهجرة كانت ثم نسخت.
٤٦١٨ - * روى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "حجَّ بي أبي مع رسول الله ﷺ في حجة الوداعِ، وأنا ابن سبع سنين".
٤٦١٩ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس، قال: مر عليُّ بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنتْ، أمر عمر برجمها، فردها عليٌّ، وقال لعمر: يا أمير المؤمنين أترجم هذه؟ قال: نعم. قال: أما تذكُر أن رسول الله ﷺ قال: "رُفِعَ القلم عن ثلاثةٍ، عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتى يحتلم". قال: صدقت، فخلى عنها.
قال ابن خزيمة: وفيه دليل عندي على أنَّ المجنون إذا حجَّ به في حال جُنونه ثم أفاق لم يُجْزِه كالصبيِّ.
٤٦٢٠ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "إذا حج الصبيُّ فهي له حجةٌ حتى يعقل، فإذا عقل فعليه حجةٌ أخرى، وإذا حج الأعرابيُّ فهي له حجةٌ، فإذا هاجر فعليه حجةٌ أخرى".
قال ابن خزيمة: هذه اللفظة: "وإذا حج الأعرابيُّ" من الجنس التي كنت أقول إنه في بعض الأوقات دون جميع الأوقات. وهذه اللفظة إن صحت عن النبي ﷺ فإنما كان هذا الحكم قبل فتح النبي ﷺ مكة، فلما فتحها وخبر ﷺ أنه لا هجرة بعد الفتح استوى الأعرابيُّ والمهاجرُ في الحجِّ، فجاز عن الأعرابي إذا حج، كما يجوز عن المهاجر لسقوط الهجرة وبطلانها بعد فتح مكة (١).
* * *
стр. 2959
الباب الحادي والعشرون
في الهدي
стр. 2960
عرض إجمالي
للهدْي شأن كبير في الحج، فإذا كان للأضحية شأنها، فشأن الهدي أكبر، ومن قرأ القرآن وفهم معناه وقرأ نصوص السنة أدرك ما للهدي من شأن كبير في الحج.
والهدي: يطلق على ما يذبحه الحاج أو المعتمر سواء لقرانه أو تمتعه أو بسبب حصره أو بسبب جنايته على الحج أو العمرة أو كان تطوعاً، فقد سمى الله كل ذلك هدياً، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤).
والتعبد بإراقة دم الأنعام شريعة دائمة، فهي من أعظم الشعائر التعبدية وبقدر ما يعتني الإنسان بها يكون له أجره، فذلك من تعظيم شعائر الله ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٥).
و الهدي في اللغة: اسم لما يُهدى، وفي الشرع: هو ما يهدى إلى الحرم من الأنعام. وسوقُ الهدي سنة لمن أراد أن يحرم بحج أو عمرة، والهدي: بدنة أو بقرة أو شاة، وقد يطلق الدم أو النسك على الهدي، والمراد بالنسك أو الدم هو الذبيحة وهي الشاة لإجماع المسلمين على أن الشاة مجزية في الفدية عن حلق الشعر أو قلم الظفر ونحو ذلك، والمجزيء من الهدي بالاتفاق: ما يجزيء في الأضحية، وهو الثني فصاعداً (أي ما تم له سنة من الغنم وما تم له سنتان من البقر وما تم له خمس سنين من الإبل) ولا يجزيء في الهدي مقطوع الأذن أو أكثرها، ولا مقطوع الذنب، ولا اليد ولا الرجل ولا الذاهبة العين، ولا العجفاء ولا العرجاء، والذكر والأنثى في الهدي سواء.
و الهدي نوعان: واجب وتطوع، أما هدي التطوع: فهو ما يقدمه الإنسان قربة إلى الله تعالى بدون إيجاب سابق، والأفضل عند الجمهور سوق الهدي من بلده، فإن لم يكن،
стр. 2961
فمن طريقه من الميقات أو غيره، والمستحب أن يكون ما يهديه سميناً حسناً.
و الهدي الواجب نوعان: واجب بالنذر في ذمته للمساكين أو على الإطلاق، فإن نذر وجب عليه، لأنه قربة، فيلزمه بالنذر، وواجب بغير النذر، كدم التمتع والقرآن، والدماء الواجبة تكون بترك واجب أو فعل محظور، والواجب من الهدي بغير النذر عند المالكية خمسة أنواع: هدي المتعة والقرآن، وكفارة الوطء، وجبر ما تركه من الواجبات كرمي الجمار والمبيت بمنى والمزدلفة وغير ذلك، وهدي الفوات، وجزاء الصيد، وعند الشافعية والحنابلة الهدي الواجب بغير النذر ينقسم إلى قسمين: منصوص عليه في القرآن، ومقيس على المنصوص، أما المنصوص عليه: فهو أربعة أنواع: دم التمتع، وجزاء الصيد، وفدية دفع الأذى كحلق، وفدية الإحصار، وأما المقيس على المنصوص عليه فهو نوعان: أحدهما لترك نسك يجبر تركه وهو خمسة: ترك الإحرام من الميقات، وترك المبيت بمزدلفة، وبمنى، وترك الرمي، وطواف الوداع، ويقاس على دم التمتع، ويقاس عليه أيضاً دم الفوات، وهو ذبح شاة، فإن عجز صام عشرة أيام، والثاني: الترفه وهو خمسة أيضاً: الوطء في فرج أو غيره، واللمس بشهوة، والقبلة، والتطيب، واللباس.
شروط هدي التمتع: من اعتمر في أشهر الحج، فطاف وسعى، ثم أحرم بالحج من عامه ولم يكن خرج من مكة إلى ما تقصر فيه الصلاة، عليه دم بالإجماع، ويمكن تلخيص شروط وجوب الدم على التمتع بما يأتي وهي خمسة:
١ - أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
٢ - أن يحج من عامه.
٣ - ألا يسافر بين العمرة والحج سفراً بعيداً تقصر في مثله الصلاة، وهذا رأي الحنابلة.
٤ - أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج.
٥ - ألا يكون من حاضري المسجد الحرام: وهذا متفق عليه، فلا يجب دم المتعة على حاضري المسجد الحرام، فإن لم يجد المتمتع الهدي ينتقل إلى صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه، وإذا لم يصم المتمتع الثلاثة أيام في الحج فإنه يصومها بعد ذلك باتفاق أئمة المذاهب، والأظهر عند الشافعية أنه يلزمه أن يفرق في قضائها بينها بين السبعة.
الأكل من الهدي: يرى الحنفية أنه يجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقرآن، إذا
стр. 2962
بلغ الهدي مَحِلَّه، لأنه دم نسك، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا كدماء الكفارات والنذور وهدي الإحصار والتطوع إذا لم يبلغ محله، ومحله: منى أو مكة، وقرر المالكية: أن صاحب الهدايا يأكل منها كلها إلا من أربعة: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله، فنحره، فإن أكل من هذه الأربعة، فعليه بدل البهيمة إلا النذر المعين للمساكين يضمن فقط بقدر أكله منه، وما سوى هذه الأربعة يجوز لصاحبها الأكل منها مطلقاً: قبل المحل وبعده، وهو كل هدي وجب أو ندب في حج أو عمرة.
والمتطوع به يجوز لصاحبه - كالأضحية- الأكل منه اتفاقاً. ويلزمه التصدق بقدر ما ينطلق عليه الاسم، وهو أقل متموَّل، والأفضل إذا أراد تقسيمه أن يأكل منه ثلثه، ويهدي للأغنياء ثلثه ويتصدق بثلثه، وقال الحنابلة: لا يأكل الإنسان من كل واجب بنذر أو بتعين إلا من هدي التمتع والقرآن دون ما سواهما، ولأن دم المتعة والقرآن دماً نسك فأشبها التطوع، ويستحب أن يأكل من هدي التطوع، والمستحب أن يأكل اليسير منها، وإن أكل مما منع من أكله أو أعطى الجازر منها شيئاً أو باع شيئاً منها أو أتلفه، ضمنه بمثله لحماً، وإن أطعم غنياً مما يجوز له الأكل منه على سبيل الهدية جاز.
قال الحنفية: لا يجوز ذبح هدي المتعة والقرآن إلا في يوم النحر لأنه دم نسك، والصحيح أن يجوز دم التطوع قبل يوم النحر، وذبحه يوم النحر أفضل، ويجوز ذبح بقية الهدايا أي وقت شاء، ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم، وقال المالكية: يجب على المتعمد نحر الهدي بمنى بشروط ثلاثة: إن سبق الهدي في إحرامه بحج، ووقف به بعرفة كوقوفه هو في كونه بجزء من الليل، وكان النحر في أيام النحر، أما فدية المحظور من لبس أو طيب ونحوهما: وهي الشاة أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى فلا تختص بأنواعها الثلاثة بمكان أو زمان فيجوز تأخيرهما لبلده أو غيره في أي وقت شاء.
وقال الشافعية: وقت ذبح الهدي إن كان تطوعاً أو بنذر: وقت الأضحية، أما إن كان بسبب فعل حرام أو ترك واجب فلا يختص بوقت، ومكان الذبح للمحصر مكان حصره أو الحرم، ولغير المحصر: جميع الحرم، وقال الحنابلة: فدية الأذى بحلق رأس أو غيره: في الموضع الذي حلق في، وما عدا فدية الشعر من الدماء يكون بمكة، وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم، والأفضل نحر ما وجب بحجٍ بمنى، وما وجب بعمرةٍ بمكة، ويجزئ
стр. 2963
ما وجب بفعل محظور غير صيد، خارج الحرم، ولو بلا عذر، والأفضل عند الجمهور في البدن: النحر، وفي البقر والغنم: الذبح، والأولى بالاتفاق أن يتولى الإنسان ذبح الهدي بنفسه إن كان يحسن ذلك، لأنه قربة، وإن ذبح الهدي غير صاحبه أجزأه، والمستحب أن يشهد ذبحه، والأفضل أن يتولى تفريق اللحم بنفسه، ويباح للفقراء الأخذ من الهدي إذا لم يدفع إليهم إما بالإذن الصريح أو بالإذن دلالة، وأجاز الحنفية أن يتصدق بلحم الهدي على مساكين الحرم وغيرهم، وعلى مساكين الحرم أفضل إلا أن يكون غيرهم أحوج، ويتصدق بجلال الهدايا وخطامها، وقال المالكية كالحنفية: يوزع لهم الهدي والخطام والجلال على المساكين، ويرى الشافعية أن جزاء الصيد وفدية الأذى كحلق وتقليم أظفار ودم التمتع والقرآن يذبح ويتصدق به على مساكين الحرم.
وأما رأي الحنابلة: فهو أن كل هدي أو إطعام لترك نسك أو فوات أو فعل محظور فهو لمساكين الحرم، إن قدر على إيصاله إليهم إلا أن فدية الأذى توزع على المساكين في الموضع الذي حلق فيه، ويصح تفرقة اللحم أو إعطاؤه لمساكين الحرم مذبوحاً أو حياً لينحروه، وإلا استرده ونحره، فإن أبى أو عجز، ضمنه. ومساكين الحرم: من كان فيه من أهله، أو وارد إليه من الحاج وغيرهم وهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم، ويجوز إباحة الذبيحة لهم، وما جاز تفريقه بغير الحرم، لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة في رأي الجمهور، ويجوز الانتفاع بالهدي عند الضرورة أو الحاجة.
فقال المالكية: يجوز له ركوبه إن احتاج إليه، ولا يشرب من اللبن وإن فضل عن الفصيل، وقال الحنفية: من ساق بدنة، فاضطر إلى ركوبها أو حَمْلِ متاعه عليها، ركبها وحملها، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها وإذا ركبها أو حملها فانتقصت فعليه ما انتقص منها، وإن كان لها لبن لم يحلبها، وإن صرفه لنفسه تصدق بمثله أو قيمته لأنه مضمن عليه.
وقال الحنابلة: له ركوب الهدي على وجه لا يضر به، وللمهدي شرب لبن الهدي، لأن بقاءه في الضرع يضر به، فإذا كان ذا ولد لم يشرب إلا ما فضل عن ولده، وقال الشافعية: للمحتاج دون غيره أن يركب الهدي المنذور ويشرب من لبنه ما فضل عن ولده، ولو تصدق به، كان أفضل، ولو كان عليه صوف لا منفعة له في جزه، ولا ضرر عليه في تركه، لم يجز له جزه، وإن كان عليه في بقائه ضرر، جاز له جزه، وينتفع به، فلو تصدق به كان أفضل.
стр. 2964
و تقليد الهدي: هو أن يعلق في عنق الهدي قلادة مضفورة من حبل أو غيره ويعلق بها نعلان أو نعل.
و الإشعار: أن يشق سنام البدنة اليمن عند الشافعية والحنابلة، أو الأيسر عند المالكية، والتقليد هو المستحب بالاتفاق، أما الإشعار فمختلف فيه، فقال الحنفية: الإشعار مكروه لأنه مثلة، ولا يجب.
التعريف بالهدايا: وهو إحضارها عرفة، فإن عرَّف بهدي المتعة والقرآن والتطوع فحسن، ويقلد هدي التطوع والمتعة والقرآن إذا كان من الإبل والبقر لأنه دم نسك، فيليق به الإظهار والشهرة، تعظيماً لشعائر الإسلام، وأما الغنم فلا يقلد، وكل ما يقلد يخرج به إلى عرفات، ومالا فلا.
وقال المالكية: يستحب تقليد الهدي وإشعاره وتجليله، والإشعار والتقليد والتحليل كله في الإبل، وأما البقر فتقلد وتشعر ولا تحلل وأما الغنم فلا تقلد ولا تشعر ولا تحلل.
وقال الشافعية: إن ساق هدياً تطوعاً أو منذوراً، فإن كان بدنة، أو بقرة استحب له أن يقلدها نعلين لهما قيمة ليتصدق بهما، وأن يشعرها أيضاً، وإن ساق غنماً قلدها خُرَبَ القُرَب: وهي عراها وآذانها ولا يشعرها، ويكون تقليد الجميع والإشعار وهي مستقبلة القبلة، والبدنة باركة، وإذا قلد النعم وأشعرها، لم تصر هدياً واجباً، على المذهب الصحيح المشهور، وقال الحنابلة كالشافعية: يسن التقليد للهدي سواء أكان إبلاً أو بقراً أو غنماً، ويسن إشعار الإبل والبقر.
وقال الحنفية: من ساق هدياً فعطب- أي هلك - فإن كان تطوعاً فليس عليه غيره، وإن كان عن واجب فعليه أن يقيم غير مقامه، وإن أصابه عيب كبير، أقام غيره مقامه، وإذا عطبت البدنة في الطريق: فإن كان تطوعاً نحرها، وصبغ نعلها بدمها، وضرب بقلادتها المصبوغة بدمها صفحتها، ولم يأكل منها صاحبها ولا غيره من الأغنياء، ليعلم الناس أنه هدي، فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء، وإن كانت البدنة واجبة، أقام غيرها مقامها، وصنع بها ما شاء لأنها ملكه كسائر أملاكه، قال المالكية: إذا عطب هدي التطوع قبل محله، ينحره ويخلي بينه وبين الناس، ولا يأكل منه، فإن أكل منه، فعليه بدله، وأما ولد الهدي المولود: فإن ولد قبل التقليد فيستحب نحره، وإن ولد بعد التقليد أو
стр. 2965
الإشعار، فيجب حمله إلى مكة على غير أمه إن لم يمكن سوقه، وكذلك قال الشافعية: إن عطب الهدي وخاف أن يهلك، نحره وغمس نعله التي قلده إياها في دمه، وضرب به صفحته تركه موضعه ليعلم من مر به أنه هدي فيأكله، فإن كان تطوعاً فله أن يفعل به ما شاء من بيع وذبح وأكل وإطعام لغيره، وتركه وغير ذلك، وإن كان منذوراً: لزمه ذبحه، فإن تركه حتى هلك لزمه ضمانه ولا يجوز للمهدي ولا للسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه بلا خلاف، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه بلا خلاف، ويجوز للفقراء من يغر رفقة صاحب الهدي الأكل منه بالإجماع، وإذا تلق المهدي الهدي لزمه على المذهب ضمانه بأكثر الأمرين من قيمته ومثله وإن أتلف الهدي أجنبي وجبت عليه القيمة ويشتري بها المثل، وإذا اشترى هدياً ثم نذر إهداءه ثم وجد به عيباً لم يجز له رده بالعيب لأنه تعلق به حق الله تعالى فلا يجوز إبطاله وإذا تلف الهدي قبل بلوغ المنسك أو بعده وقبل التمكن من ذبحه فلا شيء عليه لأنه أمانة لم يفرط فيها، وإن ذبح الهدي أجنبي بغير إذن صاحبه، أجزأه عن النذر لأن ذبحه لا يحتاج إلى قصده، ويلزم الذابح أرش نقصه، وإذا ولد الهدي أو الأضحية المتطوع بهما، فالولد ملك لصاحبه كالأم، يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره كالأم، وأما ولد المنذور فيتبع الأم بلا خلاف، ومذهب الحنابلة كالشافعية إجمالاً.
[فتح القدير (٢/ ٣٢١ فما بعده)، اللباب شرح الكتاب (١/ ٢١٥ - ٢٢٠)، الشرح الصغير (٢/ ١١٩ - ١٢٩)، المهذب (١/ ٢٣٥ - ٢٢٧)، المغني (٣/ ٤٧٠ فما بعد و ٣/ ٥٤٣ - ٥٥٤)، الفقه الإسلامي (٣/ ٢٩٥ فما بعد)].
стр. 2966
النصوص
- اختيار الهدي:
٤٦٢١ - * روى مالك في الموطأ عن عُروة بن الزُّبير ﵄ "كان يقولُ لبنيه: يا بنيَّ، لا يُهدينَّ أحدُكم من البُدْنِ شيئاً يستحيي أن يُهديهُ لكريمه، فإن الله أكرمُ الكُرماء وأحقُّ من اختير له".
- هدي النبي ﷺ :
٤٦٢٢ - * روى أحمد عن جابرٍ قال: "أهدي رسول الله ﷺ إلى البيت غنماً".
٤٦٢٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ " أن رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية هدايا كان فيها جملٌ لأبي جهلٍ كان في رأسه بُرة فضةٍ"، وقال ابن منهالٍ: "من ذهب".
زاد النُّفيلي: "يُغيظُ بذلك المشركين".
- ما يسن في الهدي وما لا يسن:
٤٦٢٤ - * روى مالك في الموطأ عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدير التيمي المدني ﵀ "رأى رجلاً متجرداً بالعراق، فسأل الناس عنه؟ فقالوا: أمر بهديه أن يُقلدَ، فلذلك تجرد، قال ربيعة: فلقيتُ عبد الله بن الزبير، فذكرتُ له ذلك، فقال: بدعةٌ، وربِّ الكعبة" (١).
стр. 2967
٤٦٢٥ - * روى مالك في الموطأ عن نافعٍ مولى ابنتِ عمر "أن ابن عمر ﵄ كان إذا أهدى هدياً من المدينة قلده وأشعره بذي الحُليفةِ، يُقلده قبل أن يُشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجهٌ للقبلة، يُقلده بنعلين، ويُشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق معه، حتى يُوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفعُ به معهم إذا دفعوا، فإذا قدِمَ منى غداة النحر نحره قبل أن يحْلِقَ أو يقصر، وكان هو ينحرُ هديهُ بيده، يصفُّهُنَّ قياماً، ويوجههن إلى القبلة، ثم يأكل ويُطعِمُ".
وفي رواية (١): "أن ابن عمر كان إذا طعن في سنام هدي هوهو يشعره، قال: باسم الله، والله أكبر".
وفي أخرى (٢): "أن ابن عمر كان يقول: الهديُ ما قُلد وأُشعر ووُقف به بعرفة".
٤٦٢٦ - * روى الترمذي عن وكيع ﵀ قال: "إشعارُ البُدْنِ وتقليدُها سُنَّةٌ، فقال له رجل من أهل الرأي: روى عن إبراهيم النخعي، أنه قال: هو مُثْلَةٌ، فغضب وكيع، وقال: أقول لك: أشعر رسول الله ﷺ بُدنةُ، وهو سُنَّة، وتقول: قال إبراهيم؟ ما أحقك أن تُحبس حتى تنزع، ثم لا تخرج حتى تنزع عن مثل هذا القول".
وقد أخرجه الترمذي، إلا أن أول لفظه: "إن وكيعاً قال لرجل ممنْ ينظرُ في الرأي: أشعر رسول الله ﷺ ، ويقول أبو حنيفة، هو مُثلةٌ، فقال الرجل: إنه قد رُوي عن إبراهيم ... " وذكر الحديث.
٤٦٢٧ - * روى أحمد ع عطاء بن يسار عن نفرٍ من بني سلمة قالوا: كان النبي ﷺ جالساً فشق ثوبه فقال: "إني واعدتُ هدياً يُشعرُ اليوم".
стр. 2968
٤٦٢٨ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ عند رسول الله ﷺ فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه فنظر القومُ إلى رسول الله ﷺ فقال: "إني أُمرْتُ ببُدني التي بعثتُ بها أن تُقلدَ اليوم وتُشعرَ على ما كذا وكذا فلبستُ قميصاً ونسيتُ فلم أكُنْ أُخْرِجُ قميصي من رأٍي" وكان بعث ببدنةٍ من المدينة وأقام بالمدينة.
- ركوب البُدْن بالمعروف حتى يجد ظهراً:
٤٦٢٩ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوقُ بدنة، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها، فقال إنها بدنة، فقال: اركبها، ويلكَ، في الثانية، أو في الثالثة".
وللبخاري (١): "أن نبي الله ﷺ رأى رجلاً يسوقُ بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنةٌ، قال: اركبها، قال: إنها بدنةٌ، قال: اركبها، قال: فلقد رايته راكبها يساير النبي ﷺ ، والنعلُ في عُنُقها".
ولمسلم (٢) نحوه، وقال فيه: "بدنةً مُقلدةً".
وله في أخرى (٣) بنحوه، وفيه أنه قال: "ويلك، اركبها، فقال: بدنةٌ يا رسول الله، فقال: ويلك اركبها، ويلك اركبها".
قال الحافظ في الفتح: واستدل به على جواز ركوب الهدي سواء كان واجباً أو متطوعاً به، لكونه ﷺ لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك، فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك.
стр. 2969
وقال - القائل هو الحافظ-: وفي الحديث تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وزجر من لم يبادر إلى ذلك، وتوبيخه، وجواز مسايرة الكبار في السفر، وأن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها.
٤٦٣٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوقُ بدنةً، قال: اركبها، قال: إنها بدنةٌ، قال: اركبها، قال: إنها بدنةٌ، قال: اركبها- ثلاثاً".
وفي رواية (١) نحوه، وقال في الثالثة: "اركبها ويلك".
وفي رواية (٢) مسلم نحوه، وفي آخره: "فقال- في الثالثة، أو الرابعة-: اركبها، ويلك، أو ويحَكَ".
وفي أخرى (٣) قال: "مُرَّ على النبي ﷺ ببدنةٍ - أو هديةٍ - فقال: اركبها، قال: إنها بدنة أو هديةٌ، فقال: اركبها، قال: إنها بدنةٌ أو هديةٌ قال: "وإنْ".
٤٦٣١ - * روى مسلم عن جابر ﵁ "سُئِلَ عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: اركبها بالمعروفِ، إذا أُلْجِئتَ إليها حتى تجد ظهراً".
وفي رواية (٤) مثله، ولم يقل: "إذا أُلْجِئْتَ إليها".
стр. 2970
- التقليد والإشعار للهدي:
٤٦٣٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "صلى النبي ﷺ الظهر بذي الحُليفةِ، ثم دع بناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوتْ به على البيداء أهل بالحج".
وفي رواية الترمذي (١): "أن النبي ﷺ قلد نعليْنِ، وأشعر الهدي في الشقِّ الأيمنِ بذي الحُليفةِ، وأماط عنه الدم".
وفي رواية لأبي داود (٢) بمعناه وقال: "ثم سلت الدم بيده".
وفي أخرى (٣): "بإصبعه".
وفي رواية النسائي (٤): "أن رسول الله ﷺ أشعر بُدْنَهُ من الجانب الأيمن وسلت الدم عنها وأشعرها".
وفي أخرى (٥) له: "أن النبي ﷺ لما كان بذي الحُليفةِ أمر ببُدْنِهِ فأشعر في سنامها من الشق الأيمن، ثم سلت عنها الدم، وقلدها نعلين. فلما استوتْ به راحلتهُ على البيداء أهل".
زاد في أخرى (٦): "فلما استوتْ به على البيداء، لبَّى وأحْرَم عند الظُّهَرِ وأهلَّ بالحجِّ".
стр. 2971
قال النووي في شرح مسلم: إشعار الهدي علامة له. وهو مستحب ليعلم أن هدي. فإن دخل رده واجده، وإن اختلط بغيره تميز، ولأن فيه إظهار شعار، وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله.
وقال النووي: في هذا الحديث استحباب الإشعار والتقليد في الهدايا من الإبل وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعة لأنه مثلة، وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار، وأما قوله: إنه مثلة، فليس كذلك، بل هذا كالفصد والحجامة والختان والكي والوسم، وأما محل الإشعار، فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف انه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمني، وقال مالك: في اليسرى، وهذا الحديث يرد عليه.
أقول: هناك أفعال يراعى بها ظرف آنيّ ولا يكون لها حكم التشريع الدائم، وهذه الأفعال لا يعرفها إلا المجتهد، والظاهر أن أبا حنيفة اعتبر الإشعار مراعاة لظرف، فإذا انتهى هذا الظرف لم يعد الحكم على حاله، ومن هاهنا كره الإشعار، وهذا الباب الذي ذكرناه لا يعطى إلا لمجتهد إلا تعطلت أحكام الشريعة.
٤٦٣٣ - * روى النسائي عن عائشة ﵂ قالت: "إنَّ رسول الله ﷺ أشعر بُدْنَهُ".
٤٦٣٤ - * روى البخاري عن المِسْوَرِ بن مخرمة ومروان بن الحكم ﵄ قالا: "خرج رسول الله ﷺ زمن الحُديبية في بضع عشرة مائةٍ من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحُليفة قلد رسول الله الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة".
قال الحافظ في الفتح: وفي هذا الحديث مشروعية الإشعار، وفائدته: الإعلام بأنها صارت هدياً ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، حتى لو اختلطت بغيرها تميزت (١)، أو ضلت
стр. 2972
عرفت، أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم الشرع وحث الغير عليه، وأبعد من منع الإشعار، واعتل باحتمال أنه كان مشروعاً قبل النهي عن المُثلة، فإن النسخ لا يصارُ إليه بالاحتمال، بل رفع الإشعار في حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المُثلة بزمان.
٤٦٣٥ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "أهدى رسول الله ﷺ مَرةٌ إلى البيت غنماً فقلدها".
وفي رواية (١) البخاري ومسلم أيضاً وأبي داود مثله، وأسقط "فقلدها".
وفي أخرى (٢) للبخاري ومسلم قالت: "فتلْتُ لهدي رسول الله ﷺ تعني: القلائد - قبل أنْ يُحرِمَ".
وفي رواية (٣) الترمذي والنسائي، قالت: "كنتُ أفْتِلُ قلائد هدي رسول الله ﷺ ، كلها غنماً، ثم لا يُحْرِمُ".
وفي أخرى (٤) للنسائي إلى قوله "غنماً" ولم يذكر الإحرام.
قال النووي في شرح مسلم: أما تقليد الغنم، فهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من السلف والخلف إلا مالكاً، فإنه لا يقول بتقليدها. قال القاضي عياض: ولعله لم يبلغه الحديث الثابت في ذلك، قلت: - القائل النووي - قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة بالتقليد، فهي حجة صريحة في الرد على من خالفها، واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها
стр. 2973
عن الجرح، ولأنه يستتر بالصوف، وأما البقرة يستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد كالإبل.
- تجليل البُدْن:
٤٦٣٦ - * روى مالك في الموطأ عن نافعٍ مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يُحل بدنُه القباطي والأنماط والحُلل، ثم يبعثُ بها إلى الكعبةِ، فيكسُوها إياها".
وفي رواية (١): "أن مالكاً سأل عبد الله بن دينارٍ: ما كان عبد الله ابن عمر يصنعُ بجلال بُدْنِه حين كُسيتِ الكعبةُ هذه الكسوة؟ قال: كان يتصدق بها".
وفي رواية (٢): "أن ابن عمر كان لا يشُقُّ جلال بُدنهِ، ولا يُجللُها حتى يغدو من منَى إلى عرفة".
- عن كم تجزيء البقرة والبدنة:
٤٦٣٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنَّا نتمتعُ مع رسول الله ﷺ بالعُمرة، فنذبحُ البقرة عن سبعةِ، نشتركُ فيها".
وفي رواية (٣): قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية: البدنة عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ".
стр. 2974
وفي أخرى (١): قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مُهلين بالحجِّ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه ونسلم: أن نشترك في الإبل والبقر، كلُّ سبعةٍ منا في بدنةٍ".
وفي أخرى (٢) قال: "اشتركنا مع رسول الله ﷺ في الحج والعُمرة، كل سبعةٍ في بدنة، فقال رجلٌ لجابرٍ: أيُشتركُ في البدنة ما يُشترك في الجزُور؟ قال: ما هي إلا من البُدْن، وخص جابر الحديبية. فقال: نحرنا يومئذٍ سبعين بدنةً، اشتركنا: كل سبعةٍ في بدنة".
وفي رواية (٣): لأبي داود قال: قال النبي ﷺ : "البقرةُ عن سبعةٍ، والجزورُ عن سبعة".
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: الجزور - بفتح الجيم - وهي البعير. قال القاضي: وفرق هنا بين البدنة والجزور، لأن البدنة والهدي: ما ابتديء إهداؤه عند الإحرام، والجزور: ما اشترى بعد ذلك لينحر مكانها، فتوهم السائل: أن هذا أخف في الاشتراك، فقال في جوابه: إن الجزور لما اشتريت للنسك صار حكمهما كالبدن.
٤٦٣٨ - * روى أحمد عن حُذيفة قال: "شرك رسول الله ﷺ في حجته بين المسلمين في البقرة سبعةً".
٤٦٣٩ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينارٍ ﵀ قال: "كان يرى عبد الله بن عمر يُهدي في الحج بدنتين، وفي العُمرة بدنةً، بدنةً، قال: ورأيته في العمرة ينحرُ بدنةً وهي قائمةٌ في دار خالد بن أسيدٍ، وكان فيها منزلهُ، قال: ولقدْ رأيته طعنَ في لبةِ بدنتهِ، حتى خرجت الحربةُ من تحتِ كتفها".
стр. 2975
- مكان نحرها:
٤٦٤٠ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "وكُلُّ فجاج مكة طريقٌ ومنحرٌ".
٤٦٤١ - * روى مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: "منْ نذر بدنةً فإنه يُقلدها بنعلين، ويُشعرها ثم ينحرها عند البيت أو بمنى يوم النحر، ليس لها محل دون ذلك، ومن نذر جزوراً من الإبل والبقر فلينحرها حيثُ شاء".
- النحر عن الغير:
٤٦٤٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نحر رسول الله ﷺ عن نسائه في حجته بقرةً".
وفي رواية (١) قال: "نحر رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحرِ".
٤٦٤٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله صلى الله عيه وسلم ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهُن".
٤٦٤٤ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ نحر عن آل محمدٍ في حجة الوداع بقرةً واحدةً".
٤٦٤٥ - * روى ابن خزيمة تحت عنوان إجازة الذبح والنحر عن المتمتعة بغير أمرها وعلمها عن عائشة "فلما كنا بمنى أُتيتُ بلحمِ بقرةٍ، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لحمُ بقرٍ ضحى رسول الله ﷺ عن نساءه بالبقر".
стр. 2976
٤٦٤٦ - * روى أبو داود عن غرفة بن الحاث الكندي ﵁ قال: "شهدتُ رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وأُتي بالبُدْنِ فقال: أدْعُوا لي أبا حسنٍ، فدُعي له عليٍّ ﵁ فقال: خُذْ بأسفل الحربة، ففعل، وأخذ رسول الله ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها البُدْن وهي معقُلةُ اليد اليسرى، قائمةٌ على ما بقي من قوائمها، وذلك يوم النحر بمنى، فلما فرغ ركب بغلتَهُ وأردف علياً".
٤٦٤٧ - * روى أبو داود عن جابر ﵁ "أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا ينحرُنَ البدنة معقولة اليُسْرى قائمةً على ما بقي من قوائمها".
٤٦٤٨ - * روى الشيخان عن زياد بن جُبيرٍ قال: "رأيتُ ابن عمر ﵄ أتى على رجلٍ قد أناخ بدنته ينحرُها، فقال: ابعثها قياماً مقيدةً، فهذه سُنةُ محمدٍ ﷺ ".
قال الحافظ في الفتح: وفي هذا الحديث استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة. وعن الحنفية: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وفيه تعليم الجاهل وعدم السكوت على مخالفة السنة وإن كان مباحاً، وفيه أن قول الصحابي: من السنة كذا، مرفوع عند الشيخين لاحتجاجهما بهذا الحديث في صحيحهما (١).
стр. 2977
٤٦٤٩ - * روى رزين عن أبي موسى الأشعري ﵁ "أمر بناته أن يُضحينَ بأيديهن، ووضع القدم على صفحة الذبيحة، والتكبير والتسمية عند الذبح".
٤٦٥٠ - * روى أبو داود عن عليٍّ ﵁ قال: "لما نحر رسول الله ﷺ بُدنهُ، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرتُ سائرها".
وفي رواية (١): "أن رسول الله ﷺ نحر بعض هديه ونحر غيره بعضه".
- ما يصنع بالهدي إذا هلك في الطريق:
٤٦٥١ - * روى مسلم عن موسى بن سلمة المُحبقِ الهُذلي ﵀ قال: "انطلقتُ أنا وسنانُ بن سلمة معتمرين، قال: وانطلق سنان معه ببدنة، يسوقها، فأزحفت عليه بالطريق، فعيي بشأنها، إن هي أُبدعتْ كيف يأتي بها؟ فقال: لئن قدمتُ البلد لأستخفين عن ذلك، فأصبحت فلما نزلنا البطحاء قال: انطلقْ إلى ابن عباس نتحدثْ إليه، قال: فذكر له شأن بدنته، فقال: على الخبير سقطت: بعث رسول الله ﷺ ست عشرة بدنة مع رجلٍ، وأمرهُ فيها. فمضى، ثم رجع، فقال: يا رسول الله" كيف أصنعُ بما أُبدع عليَّ منها؟ قال: انحرها ثم اصبُغَ نعلها في دمها، ثم اجعلهُ على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رُفقتك".
وفي رواية (٢): "أن ابن عباس قال: إن ذُؤيباً أبا قُبيصة حدثه: أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبُدن، ثم يقول: إن عطب منها شيءٌ، فخشيت عليها موتاً فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها ثم، اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحدٌ من أهل رُفقتك".
وفي رواية أبي داود (٣): "أن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ فُلاناً الأسلميَّ،
стр. 2978
وبعث معه بثماني عشرة بدنة، فقال: أرأيت إن أزحف عليَّ منها شيءٌ؟ قال: تنحرُها، ثم تصبُغُ نعلها في دمها، ثم اضربها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك- أو قال: من أهل رُفقتك".
وفي رواية (١): "ثم اجعلهُ على صفحتها" مكان "اضربها".
٤٦٥٢ - * روى الترمذي عن ناجية الخزاعي (رضي الله نه) قال: قلت: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطبتْ من الهدي؟ قال رسول الله ﷺ : "كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها، ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل بينها وبين الناس يأكلونها".
وأخرجه أبو داود (٢)، وقال: ناجية الأسلميُّ، وهذا لفظه: "أن رسول الله ﷺ بعث معه بهديٍ، وقال: إنْ عطبت منها شيءٌ فانحرهُ، ثم اصبْغْ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس".
وأخرجه الموطأ (٣)، عن عروة: "أن صاحب هدي رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطبتْ من الهدي؟ قال رسول الله ﷺ : كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها، ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل بينها وبين الناس يأكلونها".
وقال الترمذي: حديث ناجية حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل
стр. 2979
العلم، قالوا في هدي التطوع إذا عطب: لا يأكل هو ولا أحد من أهل رفقته، ويخلي بينه وبين الناس يأكلونه، وقد أجزأ عنه، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: إن أكل منه شيئاً غرم مقدار ما أكل منه.
٤٦٥٣ - * روى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب ﵀ قال: "من ساق بدنة تطوعاً فعطبتْ، فنحرها ثم خلي بينها وبين الناس يأكلونها، فليس عليه شيء. وإن أكل منها أو أمر من يأكل منها غرمها".
قال مالك: وحدثني ثورُ بن زيد عن ابن عباس مثل ذلك.
قال الزرقاني في شرح الموطأ: مثل ذلك المروي عن سعيد بن المسيب، وروي ذلك أيضاً عن عمر وعلي وابن مسعود وعليه جماعة فقهاء الأمصار.
٤٦٥٤ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "من أهدى بدنةً، ثم ضلت أو ماتتْ، فإنها إنْ كانت نذراً أبدلها، إنْ كانت تطوعاً، فإن شاء أبدلها، وإن شاء تركها".
٤٦٥٥ - * روى ابن خزيمة عن عائشة "أنها ساقتْ بدنتين فأضلتهما، فأرسل إليها ابن الزبير بدنتين فنحرتهما ثم وجدت الأوليين فنحرتهما أيضاً، ثم قالت: هكذا السنةُ في البدن".
- ذبح ولد الهدي معه:
٤٦٥٦ - * روى الترمذي عن حُجية بن عديٍّ ﵀ قال: قال عليٌّ ﵁: "البقرةُ: عن سبعةٍ، قلت: فإن ولدتْ؟ قال: اذبحْ ولدها معها. قلتُ (١):
стр. 2980
فالعرجاءُ؟ قال: إذا بلغت المنسك، قلت: فمكسورةُ القرن؟ قال: لا بأس. أُمرنا- أو أمرنا رسول الله ﷺ : أن نستشرف العينين والأذنين".
أقول: قوله: (فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك): يفيد أن مذهب الإمام علي ﵁ أن العرجاء إذا كانت قادرة أن تمشي إلى المذبح بنفسها فإنه يجوز ذبحها في الهدي.
٤٦٥٧ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "إذا نُتجت البدنةُ فليُحمل ولدُها حتى يُنحر معها، فإن لم يوجد له محملٌ حُمل على أمه حتى يُنحر معها".
- الأكل من لحوم الهدي:
٤٦٥٨ - * روى مسلم عن عطاء بن أبي رباح قال: قال جابر ﵁: "كُنَّا لا أنكل من لحوم بُدننا فوق ثلاثٍ، فأرخص لنا رسول الله ﷺ ، فقال: كلُوا وتزودوا. قال ابن جريج: قلت لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم".
وفي رواية (١) قال: "كُنا نتزودُ لحوم الهدي على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة".
وفي رواية (٢): "لحومَ الأضاحي".
وفي أخرى (٣) قال: "كُنا لا نُمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ، فأمر النبي ﷺ أن نتزود منها، ونأكُلَ منها - يعني: فوق ثلاث".