٤٦٤٦ - * روى أبو داود عن غرفة بن الحاث الكندي ﵁ قال: "شهدتُ رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وأُتي بالبُدْنِ فقال: أدْعُوا لي أبا حسنٍ، فدُعي له عليٍّ ﵁ فقال: خُذْ بأسفل الحربة، ففعل، وأخذ رسول الله ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها البُدْن وهي معقُلةُ اليد اليسرى، قائمةٌ على ما بقي من قوائمها، وذلك يوم النحر بمنى، فلما فرغ ركب بغلتَهُ وأردف علياً".
٤٦٤٧ - * روى أبو داود عن جابر ﵁ "أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا ينحرُنَ البدنة معقولة اليُسْرى قائمةً على ما بقي من قوائمها".
٤٦٤٨ - * روى الشيخان عن زياد بن جُبيرٍ قال: "رأيتُ ابن عمر ﵄ أتى على رجلٍ قد أناخ بدنته ينحرُها، فقال: ابعثها قياماً مقيدةً، فهذه سُنةُ محمدٍ ﷺ ".
قال الحافظ في الفتح: وفي هذا الحديث استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة. وعن الحنفية: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وفيه تعليم الجاهل وعدم السكوت على مخالفة السنة وإن كان مباحاً، وفيه أن قول الصحابي: من السنة كذا، مرفوع عند الشيخين لاحتجاجهما بهذا الحديث في صحيحهما (١).
стр. 2977
٤٦٤٩ - * روى رزين عن أبي موسى الأشعري ﵁ "أمر بناته أن يُضحينَ بأيديهن، ووضع القدم على صفحة الذبيحة، والتكبير والتسمية عند الذبح".
٤٦٥٠ - * روى أبو داود عن عليٍّ ﵁ قال: "لما نحر رسول الله ﷺ بُدنهُ، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرتُ سائرها".
وفي رواية (١): "أن رسول الله ﷺ نحر بعض هديه ونحر غيره بعضه".
- ما يصنع بالهدي إذا هلك في الطريق:
٤٦٥١ - * روى مسلم عن موسى بن سلمة المُحبقِ الهُذلي ﵀ قال: "انطلقتُ أنا وسنانُ بن سلمة معتمرين، قال: وانطلق سنان معه ببدنة، يسوقها، فأزحفت عليه بالطريق، فعيي بشأنها، إن هي أُبدعتْ كيف يأتي بها؟ فقال: لئن قدمتُ البلد لأستخفين عن ذلك، فأصبحت فلما نزلنا البطحاء قال: انطلقْ إلى ابن عباس نتحدثْ إليه، قال: فذكر له شأن بدنته، فقال: على الخبير سقطت: بعث رسول الله ﷺ ست عشرة بدنة مع رجلٍ، وأمرهُ فيها. فمضى، ثم رجع، فقال: يا رسول الله" كيف أصنعُ بما أُبدع عليَّ منها؟ قال: انحرها ثم اصبُغَ نعلها في دمها، ثم اجعلهُ على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رُفقتك".
وفي رواية (٢): "أن ابن عباس قال: إن ذُؤيباً أبا قُبيصة حدثه: أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبُدن، ثم يقول: إن عطب منها شيءٌ، فخشيت عليها موتاً فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها ثم، اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحدٌ من أهل رُفقتك".
وفي رواية أبي داود (٣): "أن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ فُلاناً الأسلميَّ،
стр. 2978
وبعث معه بثماني عشرة بدنة، فقال: أرأيت إن أزحف عليَّ منها شيءٌ؟ قال: تنحرُها، ثم تصبُغُ نعلها في دمها، ثم اضربها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك- أو قال: من أهل رُفقتك".
وفي رواية (١): "ثم اجعلهُ على صفحتها" مكان "اضربها".
٤٦٥٢ - * روى الترمذي عن ناجية الخزاعي (رضي الله نه) قال: قلت: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطبتْ من الهدي؟ قال رسول الله ﷺ : "كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها، ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل بينها وبين الناس يأكلونها".
وأخرجه أبو داود (٢)، وقال: ناجية الأسلميُّ، وهذا لفظه: "أن رسول الله ﷺ بعث معه بهديٍ، وقال: إنْ عطبت منها شيءٌ فانحرهُ، ثم اصبْغْ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس".
وأخرجه الموطأ (٣)، عن عروة: "أن صاحب هدي رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطبتْ من الهدي؟ قال رسول الله ﷺ : كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها، ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل بينها وبين الناس يأكلونها".
وقال الترمذي: حديث ناجية حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل
стр. 2979
العلم، قالوا في هدي التطوع إذا عطب: لا يأكل هو ولا أحد من أهل رفقته، ويخلي بينه وبين الناس يأكلونه، وقد أجزأ عنه، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: إن أكل منه شيئاً غرم مقدار ما أكل منه.
٤٦٥٣ - * روى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب ﵀ قال: "من ساق بدنة تطوعاً فعطبتْ، فنحرها ثم خلي بينها وبين الناس يأكلونها، فليس عليه شيء. وإن أكل منها أو أمر من يأكل منها غرمها".
قال مالك: وحدثني ثورُ بن زيد عن ابن عباس مثل ذلك.
قال الزرقاني في شرح الموطأ: مثل ذلك المروي عن سعيد بن المسيب، وروي ذلك أيضاً عن عمر وعلي وابن مسعود وعليه جماعة فقهاء الأمصار.
٤٦٥٤ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "من أهدى بدنةً، ثم ضلت أو ماتتْ، فإنها إنْ كانت نذراً أبدلها، إنْ كانت تطوعاً، فإن شاء أبدلها، وإن شاء تركها".
٤٦٥٥ - * روى ابن خزيمة عن عائشة "أنها ساقتْ بدنتين فأضلتهما، فأرسل إليها ابن الزبير بدنتين فنحرتهما ثم وجدت الأوليين فنحرتهما أيضاً، ثم قالت: هكذا السنةُ في البدن".
- ذبح ولد الهدي معه:
٤٦٥٦ - * روى الترمذي عن حُجية بن عديٍّ ﵀ قال: قال عليٌّ ﵁: "البقرةُ: عن سبعةٍ، قلت: فإن ولدتْ؟ قال: اذبحْ ولدها معها. قلتُ (١):
стр. 2980
فالعرجاءُ؟ قال: إذا بلغت المنسك، قلت: فمكسورةُ القرن؟ قال: لا بأس. أُمرنا- أو أمرنا رسول الله ﷺ : أن نستشرف العينين والأذنين".
أقول: قوله: (فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك): يفيد أن مذهب الإمام علي ﵁ أن العرجاء إذا كانت قادرة أن تمشي إلى المذبح بنفسها فإنه يجوز ذبحها في الهدي.
٤٦٥٧ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "إذا نُتجت البدنةُ فليُحمل ولدُها حتى يُنحر معها، فإن لم يوجد له محملٌ حُمل على أمه حتى يُنحر معها".
- الأكل من لحوم الهدي:
٤٦٥٨ - * روى مسلم عن عطاء بن أبي رباح قال: قال جابر ﵁: "كُنَّا لا أنكل من لحوم بُدننا فوق ثلاثٍ، فأرخص لنا رسول الله ﷺ ، فقال: كلُوا وتزودوا. قال ابن جريج: قلت لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم".
وفي رواية (١) قال: "كُنا نتزودُ لحوم الهدي على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة".
وفي رواية (٢): "لحومَ الأضاحي".
وفي أخرى (٣) قال: "كُنا لا نُمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ، فأمر النبي ﷺ أن نتزود منها، ونأكُلَ منها - يعني: فوق ثلاث".
стр. 2981
وفي أخرى (١) لمسلم: "أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد: كلوا وتزودوا وادخروا".
وأخرج (٢) الموطأ والنسائي هذه الرواية الآخرة، وزادا فيها: "وتصدقُوا".
٤٦٥٩ - * روى البخاري عن سالم بن عبد الله ﵀ أن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "كلوا من الأضاحي ثلاثاً، فكان عبد الله يأكل بالزيت حين ينفرُ من منى، من أجل لحُوم الهدْي".
وفي رواية (٣): أنه ﷺ "نهى أنْ تُؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ، قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ".
ولمسلم (٤) من رواية نافع: أن النبي ﷺ قال: "لا يأكلْ أحدٌ من أضحيته فوق ثلاثة أيامٍ".
قال الحميدي: وزاد أبو مسعود الدمشقي: "أن ابن مر كان إذا كان بمنى فأمسى من اليوم الثالث من أيام مني سأل الذي يصنعُ طعامه: من أين لحمه الذي قدمه؟ فإن أخبره أنه من هديه، لم يأكلهُ".
أقول: كل ما ورد من نهي عن الأكل فوق ثلاث من لحوم الأضاحي أو الهدي فهو منسوخ.
٤٦٦٠ - * روى النسائي عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نُسُككم فوق ثلاث ليالٍ".
стр. 2982
٤٦٦١ - * روى أبو داود عن نُبيشة الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنا كُنا نهيناكم عن لُحومها: أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم، جاء الله بالسعة، فكلوا وادخرو وائتجروا، ألا ون هذه الأيام أيام أكلٍ وشربٍ وذكر الله".
٤٦٦٢ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ "أن رسول الله ﷺ ضحى بأضحيةٍ، ثم قال لي: أصلحْ لنا لحمها. قال: فما زلتُ أطعمه منها حتى قدِمنا المدينة".
قوله: "أصلح لي لحم هذه" إلخ فيه تصريح بجواز ادخار لحم الأضحية فوق ثلاث وجواز التزود منه وأن التزود منه في الأسفار لا يقدح في التوكل ولا يخرج المتزود عنه وأن الأضحية مشروعة للمسافر كما تشرع للمقيم، وبه قال الجمهور. وقال النخعي وأبو حنيفة: لا أضحية على المسافر. قال النووي: وروي هذا عن علي ﵁. وقال مالك وجماعة: لا تشرع للمسافر بمنى ومكة.
٤٦٦٣ - * روى الطبراني في الكبير عن علقمة أن عبد الله بن مسعودٍ "بعث معه بهدي فقال: كل أنتَ وأصحابُك ثلثاً وتصدقْ بثلثٍ وابعثْ إلى أخي عُتبة بثلثٍ، قلت لسفيان: تطوعٌ؟ قال: نعم".
٤٦٦٤ - * روى ابن خزيمة عن جابرٍ، قال: "أمر رسول الله ﷺ من كل جزورٍ ببضعةٍ فجُعلتْ في قدرٍ فطُبِخَتْ، وأكلوا من اللحم وحسوا من المرقِ" (١).
стр. 2983
٤٦٦٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن قُرْطٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القرِّ - قال ثور: وهو اليوم الثاني - قال: وقرب لرسول الله ﷺ بدناتٌ خمسٌ، أو ستٍّ، فطفقن يزدلفن إليه، بأيتهن يبدأ؟ قال: فلما وجبت جنوبُها - قال: فتكلم بكلمةٍ خفيفةٍ لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع".
قال في النيل: قوله "يزدلفن" أي يقتربن وأصل الدال تاء ثم أبدلت منه ومنه المزدلفة لاقترابها إلى عرفات ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي هذه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ حيث تسارع إليه الدواب التي لا تعقل لإراقة دمها تبركاً به فيالله العجب من هذا النوع الإنساني كيف يكون هذا النوع البهيمي أهدى من أكثره وأعرف، تقرب إليه هذه العجم لإزهاق أرواحها؟! وفري أوداجها وتتنافس في ذلك وتتسابق إليه ومع كونها لا ترجو جنة ولا تخاف ناراً ويبعد ذلك الناطق العاقل عنه مع كونه ينال بالقرب منه النعيم الآجل والعاجل ولا يصيبه ضرر في نفس ولا مال حتى قال القائل مظهراً لشدة حرصه على قتل المصطفى ﷺ . أين محمد لا نجوت إن نجا وأراق الآخر دمه وكسر ثنيته فانظر إلى هذا التفاوت الذي يضحك منه إبليس ولأمر ما كان الكافر شر الدواب عند الله.
قوله "من شاء اقتطع" أي من شاء أن يقتطع منها فليقتطع. هذا محل الحجة على جواز انتهاب الهدي والأضحية.
- لا يعطى الجزار من البدن:
٤٦٦٦ - * روى الشيخان عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "بعثني النبي ﷺ ، فقمت على البُدْنِ، فقسمتُ لحومها، ثم أرمني فقسمتُ جلالها وجُلودها" (١).
стр. 2984
وفي رواية (١): "قال: أمرني النبي ﷺ : أن أقوم على البُدْنِ، ولا أعطي عليها شيئاً في جزارتها".
وفي رواية (٢): قال: أمرني النبي ﷺ : أن أقوم على بدنهِ، وأتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، ولا أُعطيَ الجزار منها. وقال: نحن نعطيه من عندنا".
قال في نيل الأوطار: قوله "وأن لا أعطي الجازر منها شيئاً" فيه دليل على أنه لا يُعطى الجازر شيئاً البتة وليس ذلك المراد أنه لا يُعطى لأجل الجزارة لا لغير ذلك. وقد بين النسائي ذلك في روايته من طريق شعيب بن إسحق عن ابن جريج.
قال ابن خزيمة: والمراد أنه يقسمها كلها على المساكين إلا ما أمر به من أن يأخذ من كل بدنة بضعة كما في حديث جابر عن مسلم "والحديث" يدل على أنه لا يجوز إعطاء الجازر من لحم الهدي الذي نحره على وجه الأجرة. قال القرطبي: ولم يرخص في إعطاء الجازر منها لأجل أجرته إلا الحسن البصري وعبد الله بن عبيد بن عمير انتهى. وقد روي عن ابن خزيمة والبغوي أنه يجوز إعطاؤه منها إذا كن فقيراً بعد توفير أجرته من غيرها. وقال غيرهما: إن القياس ذلك لولا إطلاق الشارع المنع، وظاهره عدم جواز الصدقة والهدية كما لا يجوز الأجرة؛ وذلك لأنها قد تقع مسامحة من الجازر في الأجرة لأجل ما يعطاه من اللحم وإعطائها حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع، فكذلك الجلود والجلال. وأجاز الأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور، وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويصرف عنه مصرف الأضحية.
٤٦٦٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن زيدٍ أنه شهد النبي ﷺ عند المنحَرِ هو ورجلٌ
стр. 2985
من الأنصار فقسم رسول الله ﷺ ضحايا فلم يُصبهُ ولا صاحبهُ شيءٌ وحلقَ رأسَهُ في ثوبه وأعطى فقسم منه على رجال وقلَّم أظفاره فأعطى صاحبه من شعره فإنه عندنا لمخضوبٌ بالحنياء والكتْم. وفي رواية أنه شهد النبي ﷺ عند المنحرِ ورجلٌ من قريشٍ وهو يقسمُ أضاحي فلم يصبه شيء ولا صاحبه فحلق رسول الله صلى الله لعيه وسلم رأسه في ثوبٍ فأعطاهُ فقُسمَ على رجال - فذكر نحوه.
стр. 2986
الباب الثاني والعشرون
في الأضاحي والعقيقة والعتيرة والفرع
وفيه عرض إجمالي وفصول
الفصل الأول: في الأضحية
الفصل الثاني: في العقيقة
الفصل الثالث: في العتيرة والفرع
стр. 2987
العرض الإجمالي
- الأضحية: هي ما يذبح من النعم تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر، وهي سنة مؤكدة عند الجمهور غير الحنفية، ويكره تركها للقادر عليها، وهي عند الحنفية واجبة مرة كل عام على المقيمين من أهل الأمصار.
ويشترط لصحة الأضحية سلامة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة وكون التضحية في وقت مخصوص.
والفقهاء على أن المُطالب بالأضحية هو المسلم الحر البالغ العاقل المستطيع، ويشترط لجواز إقامة التضحية على المكلف نية الأضحية، واشترط الحنفية أيضاً أن لا يشارك المضحي فيماي صح فهي الشركة من لا يريد القربة رأساً، وإنما أراد اللحم.
ويدخل وقت التضحية عند الحنفية عند طلوع فجر يوم الأضحى إلا أنه لا يذبح من كان مقيماً إلا بعد أداء صلاة العيد ولو قبل الخطبة، وعند المالكية يبتديء وقت التضحية لإمام صلاة العيد بعد الصلاة والخطبة وغير الإمام يذبح في اليوم الأول بعد ذبح الإمام، وقال الشافعية والحنابلة: يدخل وقت التضحية بمضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفتان بعد طلوع شمس يوم النحر.
ويستمر وقت التضحية إلى قبيل غروب شمس اليوم الثالث من أيام النحر على أن أفضل وقت لها هو اليوم الأول قبل زوال الشمس، وقال الشافعية إلى آخر أيام التشريق وهو اليوم الثالث بعد العاشر.
- واتفق العلماء على أن الأضحية لا تصح إلا من نعمٍ: إبل وبقر وغنم بسائر أنواعها.
واتفق الفقهاء على جواز التضحية بالثني فما فوقه من الإبل والبقر والغنم، واختلفوا في الجذع من الضأن فقال الحنفية والحنابلة: يجزيء الجذع العظيم أو السمين من الغنم ابن ستة أشهر ودخل في السابع، وقال الشافعية والمالكية: يجزيء الجذع من الضأن إذا أتم السنة الأولى ودخل في الثانية.
واتفق الفقهاء على أن الشاة والمعز لا تجوز أضحيتهما إلا عن واحد- إلا ما روي عن
стр. 2988
مالك بأن الشاة تجزيء عن أهل البيت الواحد جميعاً - وتجزيء البدنة أو البقرة عن سبعة أشخاص.
- وأربع لا تجوز في الأضاحي بالاتفاق: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعرجاء، والعجفاء، ويجوز أن يضحي بالجمَّاء والخصي والجرباء السمينة، وتكره التضحية بالشرقاء والخرقاء والجذعاء.
ويستحب للمضحي عند الحنفية ربط الأضحية قبل أيام النحر بأيام وأن يذبح بنفسه أو أن يحضر الذبح إن لم يكن يحسن الذبح ويستحب أن يتوجه الذابح إلى القبلة، ويكره لمن اشترى أضحية أن يحلبها أو يجز صوفها أو ينتفع بها ركوباً أو حملاً.
ويجوز الأكل من الأضحية المتطوع بها، أما المنذورة فيحرم الأكل منها.
والمستحب أن يجمع المضحي في حالة التطوع بين الأكل منها والتصدق والإهداء.
ويستحب لمن أراد الأضحية أن يمسك عن حلق شعره وأظفاره من بداية شهر ذي الحجة.
وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية، ودلت الأحاديث على أنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر، وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها، ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض.
- والحكمة من تشريع الأضحية: هي شكر الله على نعمه المتعددة، وعلى بقاء الإنسان من عام لعام، ولتكفير السيئات عنه، وللتوسعة على أسرة المضحي وغيرهم، فلا يجزيء فيها دفع القيمة، بخلاف صدقة الفطر التي يقصد منها سد حاجة الفقر، وإن اختلف في صدقة الفطر هل تدفع القيمة فيها أم لا؟
[اللباب شرح الكتاب (٢/ ٢٣٢)، المهذب (١/ ٢٤٠)، الشرح الصغير (٢/ ١٤١)، الفقه الإسلامي (٣/ ٥٩٤)].
стр. 2989
الفصل الأول
في الأضاحي
стр. 2990
- في أضحية الرسول ﷺ :
٤٦٦٨ - * روى الترمذي عن أبي بكرة ﵁ "أن النبي ﷺ خطب، ثم نزل، فدعا بكبشين، فذبحهما".
وفي رواية النسائي (١): "ثم انصرف يوم النحر إلى كبشين أملحيْن، فذبحهُما، وإلى جزيعةٍ من الغنم فقسمها فينا".
٤٦٦٩ - * روى الطبراني في الكبير عن النعمان بن أبي فاطمة "انه اشترى كبشاً أقرن أعين وأن النبي ﷺ رآه فقال: كأن هذا الكبش الذي ذبح إبراهيمُ، فعمد رجلٌ من الأنصار فاشترى للنبي ﷺ من هذه الصفة فأخذه النبي ﷺ فضحى به".
٤٦٧٠ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُضحي بكبشٍ أقرن فحيلٍ، ينظرُ في سوادٍ، ويأكل في سوادٍ، ويمشي في سوادٍ".
٤٦٧١ - * روى أبو داود عن نافع أن النبي ﷺ "كان يذبحُ أضحيتهُ بالمصلى، وكان ابن عمر يفعله".
стр. 2991
قال في النيل: قوله "كان يذبح وينحر بالمصلى" فيه استحباب أن يكون الذبح والنحر بالمصلى وهو "الجبانة" والحكمة في ذلك أن يكون بمرأى من الفقراء فيصيبون من لحم الأضحية.
٤٦٧٢ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ "أن رسول الله ﷺ نحر سبعَ بدناتٍ بيده قياماً، وضحى في المدينة بكبشين أقرنين أملحين".
وفي رواية (١): "ضحى بكبشين أقرنين أملحين، يذبَحُ، ويُكَبِّرُ، ويسمي، ويضع رجله على صفحتهما".
وفي رواية (٢) البخاري ومسلم قال: "ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين، فرأيته واضعاً قدمهُ على صفاحهما، يُسمي ويكبر، فذبحهما بيده".
زاد في رواية (٣): "أقرنين".
وفي أخرى (٤) للبخاري: "أنه كان يضحي بكبشين أقرنين، ويضع رجلهُ على صفحتهما، ويذبحهما بيده".
وفي أخرى (٥) لمسلم بنحوه، ويقول: "بسم الله، والله أكبر".
وفي أخرى (٦) للبخاري قال: "كان النبي ﷺ يُضحي بكبشين وأنا أضحي
стр. 2992
وللنسائي (١) قال: "خطبنا رسول الله ﷺ ، ثم انكفأ إلى كبشين أملحين، فذبحهما".
قال في النيل: قوله "فذبحهما بيده"" فيه استحباب تولي الإنسان ذبح أضحيته بنفسه، فإن استناب، قال النووي: جاز بلا خلاف، وإن استناب كتابياً، كره كراهة تنزيه، وأجزأه ووقعت التضحية عن الموكل. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا مالكاً في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صبياً وامرأة حائضاً، لكن يكره توكيل الصبي. وفي كراهة توكيل الحائض وجهان. انتهى.
٤٦٧٣ - * روى أحمد عن أبي الخير أن رجلاً من الأنصار حدثه عن رسول الله ﷺ أنه أضجع أضحيته ليذبحها فقال رسول الله ﷺ للرجل: "أعني على ضحيتي" فأعانه.
٤٦٧٤ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله صلى الله عيه وسلم ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجههما: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) بسم الله، الله أكبرُ، اللهم منكَ ولكَ منْ محمدٍ وأمتهِ".
قوله "فقال حين وجههما، وجهت" إلخ فيه استحباب تلاوة هذه الآية عند توجيه الذبيحة للذبح (النيل).
- فضل الأضحية:
٤٦٧٥ - * روى ابن ماجة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما عمِلَ
стр. 2993
ابنُ آدم يوم النحر عملاً أحبَّ إلى الله من هراقةِ دمٍ وإنه لتأتي يوم القيامةِ بقرونِها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقعُ من الله بمكانٍ قبْلَ أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً".
قال في النيل: وأحاديث الباب تدل على مشروعية الأضحية؛ ولا خلاف في ذلك كما في "البحر" وأنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر، وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها، ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض، وأنها سنة إبراهيم لقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، وأن للمضحي بكل شعرة من شعرات أضحيته حسنة، وأن يُكره لمن كان ذا سعة تركها، وأن الدراهم لم تنفق في عمل صالح أفضل من الأضحية، ولكن إذا وقعت لقصد النسك وتجردت عن المقاصد الفاسدة، وكانت على الوجه المطابق للحكمة في شرعها.
- هل هي واجبة ؟
٤٦٧٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن رجلاً سأل ابن عمر عن الأضحية: أواجبةٌ هي؟ فقال: ضحى رسول الله والمسلمُون، فأعادها عليه، فقال: أتعقِلُ؟ ضحى رسول الله ﷺ والمسلمونَ".
وقد اختلف العلماء في الأضحية، فمنهم من قال: سنة مؤكدة، كسفيان الثوري، أو ابن المبارك، والشافعين ورواية عن أحمد وأبي يوسف، ومنهم من قال بالوجوب الذي بين الفرض والسنة، كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر، ومنهم من قال بالفرض الذي هو والوجوب شيء واحد، وهو رواية عن أحمد وقول بعض المحدثين.
٤٦٧٧ - * (١) روى ابن ماجة عن أبي هريرة: رفعه: "من كان له سعة ولم يضحِّ فلا
стр. 2994
يقربنَّ مصلانا".
العلماء مختلفون في حكم الأضحية فمنهم، من قال إن الأضحية غير واجبة بل سنة وهم الجمهور. وقال النووي: وممن قال بهذا: أبو بكر، وعمر، وبلال، وأبو مسعود البدري، وسعيد بن المسيب، وعلقمة والأسود، وعطاء، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، وإسحق، وأبو ثور، والمزني، وابن المنذر، وداود، وغيرهم انتهى. وحكاه في "البحر" أيضاً عمن ذكر من الصحابة وعن ابن مسعود وابن عباس وحكاه أيضاً عن العترة والشافعي وأبي يوسف ومحمد. وقال ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والليث وبعض المالكية: إنها واجبة على الموسر، وحكاه في "البحر" عن مالك، وقال النخعي: واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى وقال محمد بن الحسن: واجبة على المقيم بالأمصار. والمشهور عن أبي حنيفة أنه قال: إنما نوجبها على مقيم يملك نصاباً، كذا قال النووي. قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين.
- ما يستحب لمن أراد الأضحية: من ترك شعر رأسه وأظفاره:
٤٦٧٨ - * روى مسلم عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتُمْ هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يُضحي: فليُمْسكْ عن شعره وأظفاره".
وفي أخرى (١): قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كان له ذبحٌ يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يُضحِّيَ".
ولمسلم (٢) عن عمرو بن مسلم بن عمار الليثي قال: "كُنا في الحمام قُبيل الأضحى، فاطلى فيه أناسٌ، فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا وينهى عنه،
стр. 2995
فلقيت سعيد بن المسيب، فذكرت ذلك له، فقال: يا ابن أخي، هذا حديث قد نُسيَ وتُرك، حدثتني أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث بمعناهُ".
قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء فيمن دخلت عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي، فقال سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي: إنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية. وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه وليس بحرام. وقال أبو حنيفة: لا يكره. وقال مالك في رواية: لا يكره. وفي رواية: يكره، وفي رواية: يحرم في التطوع دون الواجب. واحتج من حرم، بهذه الأحاديث، واحتج الشافعي والآخرون بحديث عائشة، قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلده ويبعث به ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر هديه" رواه البخاري ومسلم.
قال الشافعي: البعث بالهدي، أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك، وحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه.
٤٦٧٩ - * روى مالك في الموطأ عن نافعٍ مولى ابن عمر "أن عبد الله بن عمر ﵄ ضحى مرة بالمدينة، قال نافع: فأمرني أن أشتري له كبشاً فحيلاً أقرنَ، ثُمُّ أذبحه يوم الأضحى في مُصلى الناس، قال نافع: ففعلتُ، ثم حُمل إلى عبد الله بن عمر، فحلق رأسه حين ذُبح الكبشُ، وكان مريضاً لم يشهد العيد مع الناس. قال نافع: فكان عبد الله بن عمر يقول: ليس حِلاقُ الرأس بواجب على من ضحى، فقد فعله ابن عمر".
٤٦٨٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أُمِرتُ بيومِ الأضحى عيداً جعلهُ الله لهذه الأمة" (١) قال لهُ
стр. 2996
رجل: يا رسول الله! أرأيت إن لم أجدْ إلى منيحةٍ أنثى، أفأضحي بها؟ قال: "لا، ولكن خذْ من شعرك وأظفارك، وتقصُّ شاربك، وتحلقُ عانتك، فذلك تمامُ أضحيتك عند الله".
- وقت ذبح الأضاحي بعد صلاة العيد:
٤٦٨١ - * روى الشيخان عن جُندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "شهدت الأضحى يوم النحر مع رسول الله ﷺ ، فلم يعدُ أن صلى، وفرغ من صلاته وسلم، فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذبحتْ قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: من كان ذبح قبل أن يُصلي فليذبح مكانها أخرى".
وفي أخرى (١) قال: "صلى النبي ﷺ يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح، وقال: منْ ذبح قبل أن يُصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله".
٤٦٨٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجالٌ، فنحروا، فظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه ومسلم من كان نحر قبلهُ أنْ يعيد بنحرٍ آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ .
٤٦٨٣ - * روى مالك في الموطأ عن عويمر بن الأشقر ﵁: "ذبح صحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى، وأنه ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فأمره أن يعود بضحيةٍ أخرى".
стр. 2997
٤٦٨٤ - * روى مالك في الموطأ عن بُشير بن يسارٍ "أن أبا بُردة بن نيارٍ ﵁ ذبح ضحيتهُ قبل أن يذبح رسول الله ﷺ يوم الأضحى، فزعم أن رسول الله ﷺ أمره أن يعُود بضحيةٍ أخرى، قال أبو بُردة: لا أجدُ إلا جذعاً، قال: وإنْ لم تجدْ إلا جذعاً فاذبحْ".
٤٦٨٥ - * روى الشيخان عن البراء بن عازب ﵁ قال: "ذبح أبو بُردة ابن نيار قبْلَ الصلاة، فقال النبي ﷺ : أبدِلْهَا، فقال: يا رسول الله، ليس عندي إلا جذعةٌ؟ - قال شعبةُ: وأظُنُّه قال: هي خيرٌ من مُسنَّةٍ- فقال رسول الله ﷺ : اجعلها مكانها، ولنْ تُجْزِيء عن أحدٍ بعدك".
ومنهم من لمْ يذكُرِ الشكَّ في قوله: "هي خيرٌ من مُسنَّةٍ".
وفي رواية (١): أن النبي ﷺ قال: "إن أول ما نبدأ به في ومنا هذا: نُصلِّي، ثم نرجعُ فننحرُ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبلُ، فإنما هو لحم قدمَهُ لأهله، ليس من النُّسُك في شيءٍ وكان أبو بُردة بن نيارٍ قد ذبح، فقال: عندي جذعةٌ خيرٌ من مُسنةٍ، فقال: اذبحها، ولن تُجزئ عنْ أحدٍ بعدكَ".
وفي أخرى (٢) قال: "ضحى خالٌ له: أبو بُردة - قبل الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ : شاتُكَ شاةُ لحمٍ، فقال: يا رسول الله، إن عندي داجناً جذعةً من المعزِ؟ قال: اذبحها ولا تصلح لغيرك، ثم قال: من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نُسكه، وأصاب سُنَّة المسلمين".
قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث من الفوائد: أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبي ﷺ ، وأنه قد يخص بعض أمته بحكم ويمنع غيره عنه ولو كان بغير عذر، وأن خطابه للواحد يعم جميع المكلفين حتى يظهر دليل الخصوصية، وفيه إن الإمام يعلم الناس في خطبة
стр. 2998
العيد أحكام النحر، وفيه جواز الاكتفاء في صحة الأضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور، وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع، وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد من غير لحم الأضحية، لقوله: إنما هو لحم قدمه لأهله، وفيه كرم الرب ، لكونه شرع لعبيده الأضحية مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذبح، ثم من تصدق أثيب وإلا لم يأثم.
٤٦٨٦ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله أن رجلاً ذبح قبل أن يُصلي النبي ﷺ عتوداً جذعاً فقال النبي ﷺ : لا تجزيء عن أحدٍ بعدك، ونهى أن يذبحوا حتى يُصلوا".
٤٦٨٧ - * روى أحمد عن أبي بُردة بن نيارٍ قال: شهدتُ العيد مع رسول الله ﷺ قال: فخالفتْ امرأتي حيث غدوتُ إلى الصلاة إلى أُضحيتي فذبحتها فصنعت منها طعاماً، قال: فلما صلى بنا رسول الله ﷺ وانصرفتُ إليها جاءتني بطعامٍ قد فُرغ منه فقلت: أني هذا؟ فقالت: أضحيتك ذبحناها وصنعنا لك طعاماً لتغدَّى منها إذا جئت، قال فقلتُ لها: والله لقد خشيت أن يكون هذا لا ينبغي، قال: فجئت رسول الله ﷺ فذكرتُ ذلك له فقال: ليستْ بشيءٍ فضحِّ، قال: فالتمستُ مُسنةً فما وجدتها، قال: فالتمسْ جذعاً من الضأن فضحِّ، قال: فرخص له رسول الله ﷺ في الجذع من الشأن فضحى به حيث لم يجد المُسنة".
فهذا يدل على أن وقت الأضحية بعد صلاة العيد مع الإمام (١).
стр. 2999
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنها لا يجوز التضحية قبل طلوع الفجر، وأما إذا لم يكن ثم إمام فالظاهر أنه يعتبر لكل مضح بصلاته. وقال ربيعة فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس؛ لا تجزئه، وبعد طلوعها تجزئه.
- مدة أيام النحر للأضحية:
٤٦٨٨ - * روى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر ﵄ قال: "الأضحى: يومان بعد يوم الأضحى". قال مالكُ: وبلغني عن علي بن أبي طالب مثلهُ.
قال الزرقاني في شرح الموطأ: وإلى هذا ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وأكثر العلماء، وقال الشافعي وجماعة: الأضحى يوم النحر وثلاثة أيام بعده.
٤٦٨٩ - * روى أحمد عن جبير بن مطعمٍ عن النبي ﷺ قال: "كل عرفاتٍ موقفٌ وارفعوا عن عُرنة، وكلُّ مزدلفة موقفٌ وارفعوا عن محسرٍ، وكل فجاج منى منحرٌ وكل أيام التشريق ذبحٌ".
وقد استدل بالحديث على أن أيام التشريق كلها أيام ذبح وهي يوم النحر وثلاثة أيام بعده وكذلك روي في الهدي عن علي ﵇ أنه قال: أيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، وكذا حكاه النووي عنه في شرح مسلم وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي ﵌ أنه قال: "كل منى منحر وكل أيام التشريق ذبح" وروي من حديث جبير بن مطعم وفيه انقطاع. ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر قال يعقوب بن سفيان أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون انتهى. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: إن وقت الذبح يوم النحر ويومان بعده. قال النووي: وروي هذا عن عمر بن الخطاب ﵁ وعلي ﵇ وابن عمر وأنس حكى ابن القيم عن أحمد أنه قال (١): هو قول غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ووقع الخلاف في
стр. 3000
جواز التضحية في ليالي أيام الذبح. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور والجمهور: إنه يجوز مع كراهة. وقال مالك في المشهور عنه وعامة أصحابه ورواية عن أحمد: أنه لا يجزيء؛ بل يكون شاة لحم، ولا يخفى أن القول بعدم الإجزاء وبالكراهة يحتاج إلى دليل، ومجرد ذكر الأيام في حديث الباب وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم اللقب؛ لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي والعكس مشهور متداول بين أهل اللغة لا يكاد يتبادر غيره عند الإطلاق (النيل).
- كم سن الأضحية ؟
٤٦٩٠ - * روى مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يقول في الضحايا والبُدن "الثنيُّ، فما فوقهُ".
٤٦٩١ - * روى مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر قال: "كان ابن عمر ﵄ ينفي منها ما لم تُسن - يعني: ما ليس بثني - وينفي منها ما نقص من خلقها".
قال محقق الجامع: في الموطأ: "كان ابن عمر يتقي من الضحايا والبدن التي لم تسن" قال الزرقاني في شرح الموطأ: روي بكسر السين من السن، لأن معروف مذهب ابن عمر أنه لا يضحي إلا بثني المعز والضأن والإبل والبقر. وروي بفتح السين. قال ابن قتيبة: أي لم تنبت أسنانها، كأنها لم تعط أسنانها. كما تقول: لم يلبن، ولم يسمن، ولم يعسل: أي لم يعط ذلك وقال غيره: معناه: بل تبدل أسنانها. وهذا أشبه مذهب ابن عمر، لأنه يقول بالأضاحي والبدن الثني فما فوقه، ولا يجوز عنده الجذع من الضأن، وهذا خلاف الآثار المرفوعة وخلاف الجمهور الذين هم حجة على من شذ عنهم قاله ابن عبد البر.
٤٦٩٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال (١): قال رسول الله
стр. 3001
صلى الله عليه وسلم: "لا تذبحوا إلا مُسنَّة إلا أن يعسُر عليكم فتبحوا جذعةَ من الضأن".
قال النووي: قال العلماء: المسنة: هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مجمع عليه ما نقله القاضي عياض. قال النووي: وأما الجذع من الضأن فمذهبنا ومذهب كافة العلماء أنه يجزيء سواء وجد غيره أم لا.
والجذع من الضأن: ما أكمل سنة، وهو قول الجمهور، وقيل: دونها، والضأن أسرع إجذاعاً من الماعز، وأما الجذع من المعز: فهو ما دخل في السنة الثانية، ومن البقر: ما أكمل السنة الثالثة، ومن الإبل، ما دخل في السنة الخامسة، قاله الحافظ في الفتح.
وقال في النيل: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع ولا يجزيء إلا إذا عسر على المضحي وجود المسنة. وقد قال ابن عمر والزهري إنه لا يجزيء الجذع من الضأن ولا من غيره مطلقاً. قال النووي: ومذهب العلماء كافة أنه يجزيء سواء وجد غيره أم لا، وحملوا هذا الحديث على الاستحباب، والأفضل وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لا تجزيء بحال وقد أجمعت الأمة على أنه ليس على ظاهره، لأن الجمهور يجوِّزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه فيتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من الاستحباب كذا قال النووي.
وقوله "جذعة من الضأن" الجذع من الضأن ماله سنة تامة. هذا هو الأشهر عن أهل اللغة وجمهور أهل العلم من غيرهم. وقيل: ماله ستة أشهر. وقيل: سبعة. وقيل: ثمانية. وقيل: عشرة. وقيل: إن كان متولداً بين شاتين فستة أشهر، وإن كان بين هرمين ثمانية (١).
стр. 3002
وفيه دليل على أن جذعة المعز لا تجزئ في الأضحية. قال النووي: وهذا متفق عليه اهـ.
٤٦٩٣ - * روى الشيخان عن عقبة بن عامرٍ ﵁ "أن النبي ﷺ أعطاه غنماً يقسمها على صحابته، فبقي عتودٌ، أو جديٌ، فذكره للنبي صلى الله عيه وسلم فقال: ضحِّ به أنت".
وفي رواية (١) قال: "قسم رسول الله ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعُقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله، أصابني جذعٌ، فقال: ضحِّ به".
قال الحافظ في الفتح: زاد البيهقي في رواية من طريق يحيى بن أبي كثير عن الليث: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك". قال البيهقي: إن كانت هذه الزيادة محفوظة، كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة.
٤٦٩٤ - * روى أبو داود عن عاصم بن كُليبٍ عن أبيه ﵁ قال: "كُنا مع رجلٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، يُقال له: مُجاشعٌ من بني سُليمٍ، فعزت الغنمُ، فأمر منادياً فنادى: إن رسول الله ﷺ كان يقول: إن الجذع من الضأن يُوفيْ مما يُوفي منه الثنيُ".
وفي رواية (٢): "الجذعُ يُوفي مما يُوفيِّ منه الثنيُّ".
وفي رواية (٣) النسائي: قال: كنا في سفرٍ، فحضر الأضحى، فجعل الرجل يشتري منا المُسنة بالجذعتين والثلاثة. فقال لنا رجلٌ من بني مُزينة: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فحضر هذا اليوم، فجعل الرجل يطلب المسنة بالجذعتين والثلاثة، فقال رسول الله
стр. 3003
صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الجذع يُوفيِّ مما يُوفيِّ منه الثنيُّ".
٤٦٩٥ - * روى أحمد عن أم بلالٍ أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "ضحُّوا بالجذع من الضأن فإنه جائزٌ".
٤٦٩٦ - * روى الترمذي عن أبي كباشٍ ﵀ قال: جلبتُ غنماً جُذعانا إلى المدينة، قُرب الأضحى، فكسدتْ عليَّ، فلقيتُ أبا هريرة فسألته؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نِعمَ- أو نعمتِ - الأضحيةُ الجذعُ من الضأن، فانتهبها الناس".
أقول: الجذع عند الحنفية الذي تجوز الأضحية به ما زاد سنه على ستة أشهر، لكنه لو أدخل بني أبناء العام لم يعرف.
٤٦٩٧ - * روى الترمذي عن أبي أُمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ الأضحية: الكبشُ، وخير الكفن: الحُلَّةُ".
- ما لا يجوز في الأضاحي:
٤٦٩٨ - * روى أبو داود عن عُبيد بن فيروز ﵀ قال: سألنا البراء عما لا يجوز في الأضاحي؟ فقال: قام فينا رسول الله ﷺ وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: أربعٌ - وأشار بأبرع أصابعه (١) - لا تجوز في الأضاحي: العوراء بيِّن عورها، والمريضة بيِّن مرضها، والعرجاء بَيِّنٌ ظلعها، والكسيرُ التي لا تُنقي
стр. 3004
قال: قلت: فإني أكره أن يكون في السن نقصٌ؟ قال: ما كرهت فدعه، ولا تُحرمه على أحدٍ".
وفي رواية (١) الترمذي: "أن البراء قال: قال النبي ﷺ : "لا يُضحي بالعرجاء بين ظلعها، ولا العوراء بين عورها، ولا بالمريضة بينٌ مرضها، ولا بالعجفاء التي لا تنقي".
وفي رواية (٢) الموطأ نحو رواية أبي داود والنسائي، إلى قوله: "لا تُنْقي" وجعل بدل "الكسير": "العجفاء".
وقال النووي: وأجمعوا أن العيوب الأربعة المذكورة في حدي البراء لا تجزيء التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها، كالعمى وقطع الرجل وشبهه.
قوله "أربع لا تجوز" إلخ فيه دليل على أن متبينة العور والعرج والمرض لا يجوز التضحية بها إلا ما كان من ذلك يسيراً غير بين، وكذلك الكسير التي لا تنقي بضم التاء الفوقية وإسكان النون وكسر القاف أي التي لا نِقْي لها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ وفي رواية الترمذي والنسائي والعجفاء بدل الكسير. (النيل).
٤٦٩٩ - * روى الترمذي عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينَ والأذُنَ، وأنْ لا نُضحي بمقابلة: ولا مدابرةٍ، ولا شرقاء".
زاد في رواية (٣): "والمقابلة: ما قُطع طرفُ أذنها، والمدابرةُ: ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء، والخرقاء: المثقوبة".
стр. 3005
وفي رواية (١) أبي داود والنسائي قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينُ والأذن، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة ولا مدابرةٍ، ولا خرقاء، ولا شرقاء".
قال أبو داود: قال زهيرٌ وهو ابن معاوية: فقلت لأبي إسحاق: - وهو السبيعي - أذكر "عضباء؟ " قال: لا. قلتُ: فما المقابلة؟ قال: يُقطعُ طرفُ الأذن: قلت: فما المدابرةُ؟ قال: يقطع من مؤخرِ الأذن قلت: فما الشرقاءُ؟ قال: تُشقُّ الأذن. قلت: فما الخرقاء؟ قال: تُخرقُ أذنها للسمة.
وأخرج النسائي (٢) مثل رواية الترمذيُّ الأولى بغير زيادةٍ.
وفي أخرى (٣) لهم: "أن رسول الله ﷺ : نهى أن يُضحى بعضباء الأذن والقرن".
قيل لابن المسيب: ما الأعضبُ؟ قال: المكسور النصف فما فوقه.
- عمن تجزئ الأضحية ؟
٤٧٠٠ - * روى مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر "أن ابن عمر ﵄ لم يكن يُضحي عما في بطن المرأة".
стр. 3006
٤٧٠١ - * روى مالك في الموطأ عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: "ما كنا نضحي بالمدينة إلا بالشاة الواحدة، يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد، فصارت مباهاة".
٤٧٠٢ - * روى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن هشام- وقد أدرك النبي ﷺ "أن أمة أتت به النبي ﷺ فمسح برأسه ودعا له، كان يُضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله".
٤٧٠٣ - * روى الطبراني في الكبير عن حُذيفة بن أسيدٍ قال: "رأيتُ أبا بكر وعمر ﵄ وما يضحيان مخافة يُستنُّ فحملني أهلي على الجفا بعد أن علمتُ من السنة حتى أني لأضحي عن كل".
قال ابن رشد: "في عدد ما يجزئ من الضحايا عن المضحين، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك: يجوز أن يذبح الرجل الكبش أو البقرة أو البدنة مضحياً عن نفسه وعن أهل بيته الين تلزمهم نفقته بالشرع، وكذلك عنده بالهدايا، وأجاز الشافعي وأبو حنيفة وجماعة: أن ينحر الرجل البدنة عن سبع، وكذلك البقرة مضحياً أو مهدياً، وأجمعوا على أن الكبش لا يجزئ إلا عن واحد، إلا ما رواه مالك من أنه يجزئ أن يذبحه الرجل عن نفسه وعن أهل بيته لا على جهة الشركة بل إذا اشتراه مفرداً".
قال في نيل الأوطار: قوله "يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته" فيه دليل على أن الشاة تجزئ عن أهل البيت؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في عهده ﷺ والظاهر اطلاعه فلا ينكر عليهم ويدل على ذلك أيضاً حديث: "على كل أهل بيتٍ في كل عامٍ أضحيةٌ" نيل الأوطار (١).
стр. 3007
٤٧٠٤ - * روى أحمد عن الشعبي قال: سألت ابن عمر قلت: الجزور والبقرة تجزئ عن سبعةٍ؟ قال يا شعبي ولها سبعة أنفس قال: قلت: إن أصحاب محمدٍ ﷺ يزعمون أن رسول الله ﷺ سن الجزور عن سبعةٍ والبقرة عن سبعةٍ قال: فقال ابن عمر لرجل أكذاك يا فلان قال: نعم قال: ما شعرتُ بهذا.
٤٧٠٥ - * روى الترمذي عن ابن عباس "كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة سبعةٌ وفي البعير عشرةٌ".
وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة. وإن كان قد روي من حديث رافع بن خديج ومن طريق ابن عباس وغيره "البدنة عن عشرة" وقال الطحاوي: وإجماعهم على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة دليل على أن الآثار في ذلك غير صحيحة، وإنما صار مالك لجواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته أو هديه. وخالفه في ذلك أبو حنيفة والثوري على وجه الكراهة لا على وجه عدم الإجزاء (النيل).
٤٧٠٦ - * روى أبو يعلي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أُتي بكبشين أقرنين أملحين عظيمين موجوءين فأضجع أحدهما وقال: "بسم الله والله أكبر عن محمدٍ وأمته من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ".
٤٧٠٧ - * روى الطبراني في الأوسط والكبير عن أبي هريرة ﵁ قال: "ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين أحدهما عنه وعن أهل بيته، والآخر عنه وعن منْ لم يُضحي من أمته" (١).
стр. 3008
٤٧٠٨ - * روى البزار عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلى وخطب أتى بأحدهما وهو في مُصلاه فذبحه ثم قال: "اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ" ثم يؤتى بالآخر فيذبحه ثم يقول: اللهم هذا من محمد وآل محمدٍ" فيطعمهما جميعاً المساكين. ويأكل هو وأهله منهما، قال فلبثنا سنين ليس أحد من بني هاشم يُضحِّي، قد كفانا الله برسول الله ﷺ الغرمَ والمؤونة.
قال الشوكاني: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قول أحمد وإسحق واحتجَّا بحديث أن النبي ﷺ ضحى بكبش فقال: "هذا عمن لم يضح من أمتي". وقال بعض أهل العلم: لا تجزئ الشاة إلا عن نفس واحدة، وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم. اهـ.
- جواز الأكل من الأضحية:
٤٧٠٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا ضحى أحدكم فليأكلْ من أضحيته".
٤٧١٠ - * روى البخاري عن عابس بن ربيعة ﵁ قال: قلت لعائشة: "أنهى النبي ﷺ أنْ تؤكل لحم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه، فأراد أن يُطعم الغنيُّ الفقير، وإنْ كنا لنرفعُ الكراع فنأكله بعد خمس عشرة ليلة، قلت: وما اضطركم إليه؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام، حتى لحق بالله تعالى" (١).
стр. 3009
وفي رواية الترمذي (١): قال عابس: قلت لأمِّ المؤمنين عائشة: "أكان رسول الله ﷺ ينهى عن لحوم الأضاحي؟ قالت: لا، ولكن قلما كان يُضحيَّ من الناس، فأحبَّ أنْ يطعم من لم يُضحِّ، فلقد كنا نرفعُ الكراع فنأكله بعد عشرة أيام". وأخرج النسائي (٢) الأولى.
وله في أخرى (٣) قال: "سألت عائشة عن لحوم الأضاحي؟ فقالتْ: كنا نخبأ الكراع لرسول الله ﷺ شهراً، ثم يأكله".
وفي رواية البخاري (٤) عن عمرة بنت عبد الرحمن: "أن عائشة قالت: الضحيةُ كُنَّا نُملح منه، فنقدم به النبي ﷺ المدينة، فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيامٍ، وليست بعزيمة، ولكن أراد أن نُطعم منه، والله أعلم".
وفي رواية لمسلم (٥) عن عبد الله بن واقدٍ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثٍ. قال عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: فذكرتُ ذلك لعمرة فقالت: صدق. سمعتُ عائشة تقول: دفَّ أهل أبياتٍ من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله ﷺ فقال رسول الله: ادخروا ثلاثاً".
وفي رواية (٦): "لثلاثٍ، ثم تصدقوا بما بقي، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجملون منها الودك. فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاثٍ، فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفتْ، فكلوا وتصدقوا وادخروا".
стр. 3010
قال في النيل: وفي الباب عن نبيشة الهذلي عند أحمد وأبي داود وزاد بعد قوله "وادخروا وائتجروا" أي اطلبوا الأجر بالصدقة.
٤٧١١ - * روى الشيخان عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من ضحى منكم فلا يُصبحن بعد ثالثةٍ وفي بيته منه شيءٌ، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهدٌ فأردتُ أن تُعينوا فيهم".
٤٧١٢ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ "كان غائباً فقدم، فقدم إليه لحمٌ، قيل: هذا لحمُ ضحايانا. فقال: أخروه لا أذوقه. قال: ثم قمتُ فخرجتُ، حتى آتي أخي قتادة بن النعمان - وكان أخاه لأمه -، وكان بدرياً فذكرت ذلك له، فقال: إنه قد حدث بعدك أمرٌ".
وفي رواية (١): "وقد حدث بعدك أمر نقضاً لما كانوا ينهون عنه من أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيامٍ".
وفي رواية (٢) الموطأ: "فخرج أبو سعيد فسأل عن ذلك، فأُخبر أن رسول الله ﷺ قال: "نيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ، فكلوا وتصدقوا وادخروا ونهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكرٍ حرامٌ، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها
стр. 3011
ولا تقولوا هجراً- يعني - لا تقولوا سوءاً".
وفي رواية (١) النسائي نحو رواية البخاري.
وفي أخرى (٢) له: "أن أبا سعيدٍ قال: إن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيامٍ، فقدم قتادة بن النعمان وكان أخا أبي سعيد لأمه، وكان بدرياً، فقدموا إليه من لحم الأضاحي، فقال: أليس قد نهى رسول الله ﷺ عنه؟ قال أبو سعيد: إنه قد حدث فيه أمرٌ، إن رسول الله ﷺ نهى أن نأكله فوق ثلاثة أيامٍ، ثم رخص لنا أن نأكله وندخر".
٤٧١٣ - * روى أحمد عن أبي سعيد قال: "كان رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل لحوم نسكنا فوق ثلاثٍ قال: فخرجتُ في سفر ثم قدمتُ على أهلي وذلك بعد الأضحى بأيامٍ قال فأتتني صاحبتي بسلقٍ قد جعلتْ فيه قديداً فقلت لها: أني لك هذا القديدُ؟ قالت: من ضحايانا، فقلت لها: ألم ينهنا رسول الله ﷺ عن أن نأكلها فوق ثلاثٍ؟ قال: فقالت: إنه قد رخص للناس بعد ذلك".
٤٧١٤ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ، فشكوا إلى رسول الله ﷺ : أن لهم عيالاً وحشماً وخدماً، فقال: كلوا وأطعموا وادخروا- أو قال: واحبسُوا - شكَّ الراوي".
стр. 3012
٤٧١٥ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذو الطول على من لا طول له. فكلوا ما بدا لكم، وأطعمُوا وادخروا" (١).
стр. 3013
مسائل وفوائد
- إن اشترى فقير شاة بنية الأضحية، صارت واجبة، لأن الشراء للأضحية ممن لا أضحية عليه، يجري مجرى الإيجاب، وهو النذر بالتضحية عرفاً.
- إن ولدت الأضحية ولداً يذبح ولدها مع الأم، وإن باعه يتصدق بثمنه، لأن الأم تعينت للأضحية.
- يجوز عند الجمهور الاشتراك في الأضحية إذا كانت من الإبل أو البقر، فيصح اشتراك سبعة في بقرة أو ناقة إذا ساهم كل واحد منهم بالسبع، ولا يصح أكثر من سبعة وله المساهمة بأقل من سبع.
- يشترط لجواز إقامة التضحية على المكلف بها: نية الأضحية، فلا تجزئ الأضحية بدونها لأن الذبح قد يكون للحم وقد يكون للقربة، والفعل لا يقع قربة بدوننية.
- اشترط الحنفية أن لا يشارك المضحي فيما يصح فيه الشركة من لا يريد القربة رأساً، وإنما أراد اللحم، فلو اشترك سبعة في بعير أو بقرة كلهم يريد القربة إلا واحداً منهم يريد اللحم، لا تجزئ الأضحية عن الجميع، لأن القربة في إراقة الدم وذلك لا يتجزأ، لأنها فعل أو ذبح واحد.
- اتفق العلماء على أن أفضل وقت التضحية هو اليوم الأول قبل زوال الشمس، لأنه هو السُّنة.
- قال الحنفية: إن ضلت الشاة أو سرقت، فاشترى أخرى ثم وجدها فالأفضل ذبحهما، وإن ذبح الأولى جاز، وكذا الثانية لو قيمتها كالأولى أو أكثر.
- إذا أخطأ الناس في تعيين يوم العيد، فصلوا وضحوا، ثم بان لهم أنه يوم عرفة، أجزأتهم الصلاة والتضحية عند الحنفية، لأنه لا يمكن التحرز عن مثل هذا الخطأ، فيحكم بالجواز صيانة لجمع المسلمين.
- إذا وجبت الأضحية بإيجاب صاحبها، فضلت أو سرقت بغير تفريط منه، فلا ضمان
стр. 3014
عليه عند الحنابلة لأنها أمانة في يده، فإن عادت إليه ذبحها سواء أكان في زمن الذبح أو فيما بعده.
- إذا أوجب المرء أضحية صحيحة سليمة من العيوب، ثم حدث بها عيب يمنع الإجزاء، ذبحها وأجزأته عند غير الحنفية.
- إن عين الشخص أضحية، فذبحها فضولي غيره بغير إذنه، أجزأت ن صاحبها ولا ضمان عليه.
- يحرم بيع جلد الأضحية وشحمها ولحمها وأطرافها ورأسها وصوفها وشعرها ووبرها ولبنها الذي يحلبه منها بعد شرائها، واجبة كانت أو تطوعاً.
-لا يجوز إعطاء الجزار أو الذابح جلدها أو شيئاً منها كأجرة للذبح، فإن أعطي شيئاً من الأضحية لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل هو أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها.