حكم الأمان: يقتضي الأمان ثبوت الأمن والطمأنينة للمستأمنين، فيحرم قتل رجالهم وسبي نسائهم وأولادهم واغتنام أموالهم واسترقاقهم ولا يجوز أيضاً ضرب الجزية عليهم، لأن فعل شيء مما ذكر غدر والغدر حرام، ويشمل حكم الأمان نفس المستأمن وأولاده الصغار وماله عند الحنابلة والحنفية استحساناً لأن الإذن بالدخول يقتضي ذلك وقال الشافعية: يدخل في الأمان: مال المستأمن وأهله بلا شرط إن كان الإمام هو الذي أعطى الأمان ويرى المالكية: أن الأمان يتبع الشرط.
صفة الأمان: يرى الحنفية أن الأمان عقد غير لازم حتى لو رأى الإمام المصلحة في النقض نقضه، لأن جوازه عندهم مشروط بتحقيق المصلحة، ويرى جمهور الفقهاء أن الأمان عقد لازم من جانب المسلمين، ويبقى اللزوم مع بقاء عدم الضرر، لأن الأمان حق على المسلم فليس له نبذه إلا لتهمة أو مخالفة.
ما ينتقض به الأمان: إذا كان الأمان مؤقتاً إلى مدة معلومة ينتهي بمضي الوقت من غير حاجة إلى النقض، وإن كان الأمان مطلقاً غير محدد بوقت: فانتقاضه عند الحنفية إما بنقض الإمام لكن يخبرهم بالنقض ثم يقاتلهم، وإما بطلب العدو نقضه. وأجاز جمهور الفقهاء للإمام أن ينبذ عقد الأمان إذا حصل فقط ضرر للمسلمين.
مدة الأمان: إذا دخل الحربي إلى دار الإسلام مستأمناً، لم يمكن من الإقامة فيها سنة فما فوقها، لئلا يصير عيناً للأعداء وعوناً علينا.
أقول: ومدة الإقامة للحربي يقدرها أهل الحل والعقد في دار الإسلام.
و مكان الأمان: دار الإسلام: فللمستأمن التنقل في كل البلاد الإسلامية إلا إذا قيد الأمان في موطن معين أو كان القيد شرعياً، والقيد الشرعي مختلف في تحديده بين الفقهاء ففي رأي أبي حنيفة: يجوز للكافر دخول أي مكان في دار الإسلام. ومنع الشافعية والحنابلة غير المسلم ولو لمصلحة من دخول حرم مكة. وأجاز المالكية لغير المسلم دخول حرم مكة دون البيت الحرام بأمان لمدة ثلاثة أيام أو بحسب الحاجة في تقدير المصلحة من قبل الإمام. ولا يجوز عند المالكية لغير المسلم استيطان جزيرة العرب. وعلى الإمام مراقبة كل أمان يصدر من الأفراد، وعلى التخصيص، أمان المرأة والعبد والصبي ونحوهم، ولكن لا يتوقف عند أكثر الفقهاء نفاذ الأمان على إجازة الإمام.
стр. 3047
واشترط الحنفية والمالكية: أن يكون الأمان لمصلحة، لأن الحرب مع العدو مستمرة، واكتفى الشافعية والحنابلة عدم وجود الضرر من الأمان ولا تشترط المصلحة. فلا يجوز الأمان لجاسوس ونحوه، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام (١).
٣ - الهدنة: إنه لا يصح أن تقاد الحروب بلا نظر إلى الأرباح والخسائر، ولا يصح أن تقاد دون مراعاة لطاقات الأمة وطاقات الأفراد ودون مراعاة الظروف، ومن هاهنا كانت الهدنة جزءاً مما اعتادته الأمم في حروبها، وقد أقر الإسلام مبدأ الهدنة، وأشرنا من قبل إلى أنه من الحالات التي تُنهى بها الحرب حالة الهدنة، وللفقهاء في الهدنة كلام كثير، وللمسلمين خلال التاريخ قراراتهم الكثيرة في موضوع الهدنة وذلك كله مما يُستأنس به إذا ما كتبت أحكام الهدنة وتاريخها.
و الهدنة: هي مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره ، سواء فيهم من يقر على دينه ومن لم يقر دون أن يكونوا تحت حكم الإسلام. وعاقدُها هو الإمام أو نائبه باتفاق الفقهاء فإن عقدها أحد الأفراد عُد ذلك افتياتاً على الإمام أو نائبه، ولم يصح العقد عند الجمهور ويصح عند الحنفية إذا تلاه فريق من المسلمين بغير إذن الإمام وإذا توافرت المصلحة للمسلمين فيه، وصيغتها: لفظ الموادعة أو المصالحة، وركنها: الإيجاب والقبول. وشرطها: أن يكون المسلمون في حال من ضعف والكفار أقوياء. والحقيقة أن هذا الشرط حالة من الحالات التي يطلب فيها باتفاق العلماء وجود المصلحة من عقد الهدنة، والمصلحة كما تتحقق حال ضعفنا، تتحقق بأغراض أخرى كرجاء إسلام الكفار أو قعد الذمة أو التعاون معهم لدفع عدوان غيرهم أو لإقرار السلام، وتبادل المنافع الاقتصادية ونحوها.
ولا بأس بأن يتم الصلح على عوض مالي يدفعه المسلمون إلى الكفار عند الاضطرار، أو يدفعه الأعداء للمسلمين إذا كان في الدفع مصلحة للمسلمين، لأن الله تعالى أباح لنا الصلح مطلقاً فيجوز ببدل أو بغير بدل ولأن المقصد من الصلح هو دفع الشر والخطر فيجوز بأية وسيلة هذا باتفاق الفقهاء.
стр. 3048
حكم الهدنة: يترتب على المصالحة إنهاء الحرب بين المتحاربين ويأمن الأعداء على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم.
صفة عقد الهدنة: قرر الجمهور أن الهدنة عقد لازم لا يجوز نقضه إلا إذا وجدت خيانة أو غدر من العدو، بقيام أمارات تدل عليه، وإن لم توجد فيجب الوفاء لهم بالعهد.
ما ينتقض به عقد الهدنة: قال الحنفية: إذا كانت الهدنة مؤقتة ينتهي العقد بانتهاء المدة المحددة دون حاجة إلى النبذ، وقال الجمهور: تنتقض الهدنة إذا نقضها العدو بقتال أو بمناصرة عدو آخر أو قتل مسلم أو أخذ مال، أو بسب الله تعالى أو القرآن الكريم أو رسوله ﷺ أو التجسس على المسلمين، أو الزنا بمسلمة ونحوها.
مدة الهدنة: اتفق الفقهاء على إن عقد الصلح مع العدو لابد من أن يكون مقدراً بمدة معينة، فلا تصلح المهادنة إلى الأبد من غير تقدير بمدة وإنما هي عقد مؤقت لأن الصلح الدائم يفضي إلى ترك الجهاد ومع هذا الاتفاق فإنهم اختلفوا في المدة التي تجوز بها الهدنة فقال الشافعية: إذا كان بالمسلمين قوة فتجوز الهدنة لمدة أربعة أشهر فما فوقها إلى ما دون سنة في الأظهر، فإن كان بالمسلمين ضعف فتجوز لعشر سنين فقط فما دونه بحسب الحاجة لأن هذا غاية مدة الهدنة، لأنه ﷺ هادن قريشاً في الحديبية هذه المدة على المعتمد. فإن لم يقو المسلمون طوال تلك المدة فلا بأس أن يجدد الإمام مدة مثلها أو دونها على رجاء أن يقوموا، وإذا انقضت المدة والحاجة باقية استؤنف العقد وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد. وقال الحنفية والمالكية: ليس للهدنة مدة معينة وإنما تقدير المدة راجع إلى اجتهاد الإمام قدر الحاجة، لأن المهادنة عقد جاز لمدة عشر سنين فتجوز الزيادة عليها كعقد الإجارة (١).
الذمة والجزية: إن من صور انتهاء الحرب بين المسلمين وغيرهم صورة قبول الكافين باعطاء الجزية والدخول في ذمة المسلمين على شروط متفق عليها أو على شروط يمليها أمير المسلمين. والجزية: هي رمز الخضوع للإسلام والمسلمين وهي لا توضع إلا على من يستطيع القتال بالقوة أو بالفعل فلا توضع على غيرهم، وتسقط عنهم إذا شاركوا المسلمين في قتالهم أو لم يستطع المسلمون أن يحموهم، وهي تشبه في عصرنا البدل العسكري عن الخدمة الإجبارية من وجه ما.
стр. 3049
وباحث الجزية في الفقه الإسلامي واسعة اقتضتها كثرة الصور التي واجهها المسلمون، وأما الشروط التي يمكن أن تكون بين المسلمين وبين غيرهم في حالة خضوع غير المسلمين للمسلمين فهي منوطة برأي الأمير على حسب المصلحة، وقد كان بعض الأمراء يكثرون من الشروط وبعضهم يُقِل.
ولا شك أن عصرنا يحتاج إلى مواثيق جديدة بين المسلمين وبين غيرهم في أقطارهم، ويمكن أن يلحظ في هذه المواثيق القوة والضعف والمصلحة وعدمها، والوضع المحلي والوضع العالمي.
وكل ما قاله الفقهاء وما حدث في التاريخ مما أجازه الفقهاء يمكن أن نستأنس به في أوضاعنا المعاصرة، ومما قاله العلماء في موضوع الذمة والجزية:
الذمة في اللغة: العهد وهو الأمان، وعند الفقهاء: هو التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والذب عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم، ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه لكن قال المالكية: إن عقدها غير الإمام فيأمنون، ويسقط عنهم القتل والأسر، وللإمام النظر بأن يمضيها أو يردهم لمأمنهم.
و صيغة العقد: إما لفظ صريح يدل عليه مثل لفظ العهد والعقد على أسس معينة، وإما فعل يدل على قبول الجزية.
شروط العقد ثلاثة:
١ - ألا يكون المعاهد من مشركي العرب، فإنه لا يقبل منهم إل الإسلام أو القتال وإنما يعقد عقد الذمة مع أهل الكتاب، ويعقد هذا العقد أيضاً مع المجوس لأن لهم شبهة كتاب، وهذا الشرط متفق عليه بين الحنفية والشافعية والحنابلة.
٢ - ألا يكون المعاهد مرتداً، لأن حكمه القتل إذا لم يتب، وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء.
٣ - أن يكون العقد مؤبداً. وهذا شرط متفق عليه أيضاً.
شروط المكلفين بالجزية: في الجملة: اتفق الفقهاء على اشتراط البلوغ والحرية
стр. 3050
والذكورة، فلا جزية على امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا معتوه ولا زَمِنٍ ولا أعمى ولا مفلوج ولا شيخ كبير، لأنها وجبت بدلاً عن القيام بقتال الأعداء وهم لا يقاتلون لعدم الأهلية، ولا جزية على فقير غير مكتسب لعدم الطاقة ولا على الرهبان الذي لا يخالطون الناس إذ لا يقاتلون، ولا جزية على العبد بأنواعه، وخالف الشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم في الفقير والمريض فلم يجيزوا إسقاط الجزية بالأعذار. ويترتب على عقد الذمة إنهاء الحرب بين المسلمين وغيرهم وعصمة نفوس الكفار وأموالهم وبلادهم وأعراضهم فلا يجوز استباحتها بعد انعقاد العقد.
والجزية نوعان: جزية صُلحية، وهي جزية توضع بالتراضي والصلح، فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق فلا حد لها ولا لمن تؤخذ منه إلا ما يقع عليه الصلح - وجزية عُنوية تفرض فرضاً: وهي التي يبتدئ الإمام وضعها إذا غلب المسلمون على الكفار واستولوا على بلادهم وأقرهم الإمام على أمرهم، واتفق الفقهاء على أن عقد الذمة عقد لازم من ناحية المسلمين فلا يملك المسلمون نقضه بأي حال. وأما بالنسبة لغير المسلمين فهو عقد غير لازم لكنه لا ينتقض عند الحنفية إلا بأحد أمور ثلاثة: وهي أن يسلم الذمي أو يلحق بدار الحرب، أو يغلب الذميون على موضع فيحاربوننا، ولا ينتقض عهدهم بغير المذكور، لأن التزام الجزية باق ويستطيع الحاكم أن يجبرهم على أدائها.
ويرى جمهور الفقهاء: أن عهد الذمي ينتقص بمنعه أداء الجزية، أو امتناعه من تطبيق أحكام الإسلام العامة أو الاجتماع على قتال المسلمين لأن هذه الأمور من مقتضى عقد الذمة فارتكابها يخالف مقتضى العقد فيوجب نقض المعاهدة، وكذلك قالوا - ما عدا الشافعية-: ينتقض العقد بارتكاب المعاصي. واتفق الفقهاء على أن أهل الذمة ملتزمون بتطبيق أحكام الإسلام المدنية والجنائية وأما العبادات ونحوها مما يدينون به كشرب الخمور وتربية الخنازير وأكلها فيتركون وما يدينون بدون تظاهر.
آراء الفقهاء في مقدار الجزية ووقت أدائها ومسقطاتها: يرى الحنفية والحنابلة أن الجزية يختلف مقدارها بحسب حال المكلف بها، فإن كان غنياً فيجب عليه ثمانية وأربعون درهماً في السنة، وإن كان متوسط الحال فعليه أربعة وعشرون درهماً: وإن كان فقيراً عاملاً فعليه اثنا عشر درهماً. وقال المالكية: مقدار الجزية أربعون درهماً وينقص عن
стр. 3051
الفقير بحسب وسعه وطاقته، وقال الشافعية مثل الحنفية والحنابلة: أقل الجزية دينار لكل سنة، ويؤخذ من متوسط الحال ديناران ومن غني أربعة دنانير، وتسقط الجزية باعتناق الإسلام باتفاق الفقهاء وتسقط بالموت عند الحنفية والمالكية، ولا تسقط بالموت عند الشافعية والحنابلة، وعند الصاحبين وسائر الأئمة: لا تتداخل الجزية، وتجب الجزيات كلها لأنها عوض فتعتبر بمنزلة سائر الحقوق المالية كالدية والزكاة وغيرهما.
- ولأهل الذمة حقوق هي:
١ - التزام تقريرهم في بلادنا إل الحرم المكي في رأي الجمهور غير أبي حنيفة.
٢ - وجوب الكف عنهم بسبب عصمة أنفسهم وأموالهم بالعقد.
٣ - عدم التعرض لكنائسهم ولا لخمورهم وخنازيرهم ما لم يظهروها.
وقال الأوزاعي والثوري وفقهاء الشام والمالكية على المشهور في مذهبهم: تؤخذ الجزية من كل كافر سواء أكان من العرب أم من العجم من أهل الكتاب أم من عبدة الأصنام. ويجب أداء الجزية عند الحنفية في أول السنة لأنها تجب لحماية الذمي في المستقبل، وعند سائر المذاهب: تجب الجزية في آخر السنة لأنه مال يتكرر بتكرار الحول، أو يؤخذ في آخر كل حول كالزكاة (١).
٥ - متى يجوز التحيز والتحرّف للقتال ؟
يجوز للمسلم ولظروف صعبة أن يقاتل حتى يستشهد، ويجوز له أن يرمي بنفسه على العدو حتى يستشهد على شرط أن يُنكي فيهم، لكن الله تعالى أجاز للمسلمين التحرف لقتال أو التحيز إلى فئة، ومما قاله العلماء:
ويجب على المجاهدين حال التحام القتال وفي أثناء المعركة الثبات أمام عدوهم إذا غلب على ظنهم أنهم يقاومونهم، فإن غلب على ظن المقاتلين المسلمين أنهم سيُغلبون ويُقتلون، فلا بأس أن يفروا من عدوهم منحازين إلى فئة يستنصرون بها من المسلمين، ولا عبرة بالعدد، حتى إن الواحد إذا لم يكن معه سلاح فلا بأس أن يفر من اثنين مسلحين أو من واحد
стр. 3052
مسلح أو بسبب عجز لمرض ونحوه (١).
- خامساً: أثر الحرب:
١ - في أموال العدو:
في الأنفال والسَّلَب والغنائم: ما يكون على قتيل الكفار في المعركة من ثياب، وما يملكه من سلاح وعتاد ومركوب، يسمى سلباً، ولمن قتله من المسلمين أن يأخذه إما بشكل مطلق، أو بأن أعلن الأمير أن له ذلك، وقد يُنَفِّل الأمير فرداً أو عصابة أو جيشاً كل ما يغنمون، فهذا الذي يسمى نفلاً في بعض الاصطلاحات، وهو مهم في التشجيع على القتال إذ أن للأمير أن يقول من قتل قتيلاً فله سلبه وما يملك، فهذا يشجع بعض المسلمين على قتال الكافرين وخاصة في حروب المرتدين الذين يظلمون المسلمين ويأخذون أموالهم. وإذا ربح المسلمون معركة فهناك الغنائم والأصل فيها أن تكون أربعة أخماسها للمقاتلين، وخمسها لأهل الخمس كما نص عليهم القرآن وسنن عمر ﵁ بموافقة كثير من الصحابة أن تستثنى الأراضي، فتُحبس على ملك المسلم، وقد جدتْ مستجدات في عصرنا بأن أصبحت هناك جيوش نظامية يأخذ أفرادها رواتبهم من الدولة، وأثناء الحرب يدخل في القتال جنود احتياطيون يأخذون رواتبهم من الدولة، فهل تكون الغنائم- إذا لم ينص الأمير على شيء - للدولة، أو أن الأراضيين وما يدخل في دائرة السلاح والعتاد يكون للدولة ولأمة، وما سواها يكون للمقاتلين؟ الظاهر أن كلاً من الأمرين تجيزه الفتوى، وقد تكلم الفقهاء في الغنائم والأنفال والسلب وجاءت نصوص في ذلك، وفي هذه السلسلة كلام عند النصوص إذا اقتضت الحاجة، وهاهنا ننقل بعض ما قاله العلماء في السلب والنفل والغنيمة.
١ - النفل في اللغة: عبارة عن الزيادة. وفي الاصطلاح: عبارة عما خصه الإمام لبعض المجاهدين تحريضاً لهم على القتال، والتنفيل: تخصيص بعض المجاهدين بالزيادة كأني قول ولي الأمر: من قتل قتيلاً فله سلبه أو يقول لسرية: ما أصبتم فهو لكم. وهذا جائز لما فيه من تحريض على القتال. والسلبُ: هو ثياب المقتول وسلاحه الذي معه ودابته التي ركبها
стр. 3053
بما عليها وما كان معه من مال. مذهب الحنفية والمالكية: أن القاتل لا يستحق سلب المقتول إلا بإذن الإمام وقال الشافعية والحنابلة: يستحق للقاتل سلب المقتول في كل حال بدون إذن الإمام.
٢ - الفيء في اللغة: الرجوع، واصطلاحاً: هو المال الذي يؤخذ من الحربيين من غير قتال أي بطريق الصلح كالجزية والخراج.
٣ - الغنيمة في اللغة: الفوز بالشيء بلا مشقة، واصطلاحاً هي ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة بطريق القهر والغلبة.
وبعد أن بينا أن عصرنا يحتاج إلى الأخذ بأكثر من رأي في الغنائم فيما يشبه رأي الإمام مالك ﵁، نبين حكم الغنائم عند الفقهاء، فخلاصة الأحكام الأصلية في تقسيم الغنائم: أنها تقسم إلى خمسة أخماس فالأربعة الأخماس للغانمين ويسهم فيها للرجل المقاتل ممن دخل المعركة واقعاً أو حكماً.
أما المرأة والصبي المميز والذمي فيُرْضخ لهم أي يعطون من خمس الغنيمة الذي سنذكره حسب رأي الإمام.
وأما مقدار استحقاق المقاتل فيرى الحنفية أنه للفارس سهمان وللراجل سهم، ويرى الجمهور أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم.
أما الخمس الآخر فالجمهور يرون أنه خمسة أسهم: سهم المصالح: وهو سهم لله ولرسوله وسهم لذوي القربى: وهم بنو هاشم من أولاد فاطمة وغيرها، وثلاثة أسهم كما هو نص الآية: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١) ويرى الحنفية أن الخمس يقسم ثلاثة أسهم: سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل.
أما ذكر الله تعالى في الخمس فهو افتتاح للتبرك، وسهم النبي ﷺ سقط بموته، وسهم ذوي القربى ينتقل عندهم إلى من كان فقيراً منهم تحت سهم المساكين ...
стр. 3054
أما الإمام مالك فيرى أن أمر القسمة موكول إلى نظر الإمام ومصروف في مصالح المسلمين (١).
٢ - أثر الحرب في أشخاص العدو وأساراه وسباياه:
الأسارى والسبى: لاشك أنه جد جديد في عصرنا ينبغي أن يلاحظ في موضوع الأسارى والسبي، وفي الأصل فإن الأمير وُضِعَ أمام خيارات متعددة في شأن الأسارى والسبي، فالأمير في عصرنا يستطيع أن يختار من الاجتهادات ما يناسب المصلحة والعصر، كأن يعفو أو يفادي مثلاً، وها نحن ننقل شيئاً من كلام الفقهاء لنرى سعة الاجتهادات التي يمكن أن يتخير منها الأمير.
الأسرى: هم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأسرهم أحياء. والسبي: هم النساء والأطفال.
حكم السبي: يعرف حكم السبي ببحث الأحوال التي قد يتعرضون لها وهي: القتل والاسترقاق، والمن والفداء، أما القتل بعد الأسر فلا يجوز للنساء والذراري أي الأولاد باتفاق العلماء سواء أكانوا من أهل الكتاب، أو من قوم ليس لهم كتاب، فإن اشترك النساء والأولاد في القتال مع قومهم بالفعل، أو بالرأي، جاز قتلهم في أثناء القتال وبعد الأسر عند جمهور الأئمة لوجود العلة في قتل الأعداء وهي المقاتلة. خالف الحنفية في حالة القتل بعد الأسر، فلم يجيزوا قتل المرأة والصبي والمعتوه الذي لا يعقل، لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة، وهم ليسوا من أهل العقوبة، وأما الرق: فإنه إذا لم يجز قتل السبي بعد الأسر، فإن المالكية يرون أن الإمام يخير حينئذ بين الاسترقاق والمن والفداء في شأن السبايا، وقال الحنفية: يسترقهم الإمام، سواء أكانوا من العرب أم من العجم، وقال الشافعية والحنابلة: يصيرون أرقاء بنفس السبي ويقسمون مع الغنائم، وأما المن: فقد أجاز المالكية أن يمن الإمام على السبي بإطلاق سراحهم إلى بلادهم بدون مقابل. وكذلك أجاز الشافعية والحنابلة لولي الأمر المنَّ على السبي ولكن بشرط استطابة أنفس الغانمين. ولم يجز الحنفية المن مطلقاً.
стр. 3055
وأما الفداء: فقد أجازه المالكية، وأجازه الشافعية على مال أو أسرى من المسلمين في أيدي الأعداء بعد تعويض الغانمين عنهم من سهم المصالح، ولم يجز الحنفية والحنابلة الفداء بالسبي، لا على مال ولا على أسرى من المسلمين في أيدي قومهم.
حكم الأسرى: اتفق الفقهاء على أن لولي الأمر أن يفعل بالنسبة للأسرى ما يراه الأوفق لمصلحة المسلمين، ويختار أحد أمور حددها كل واحد من أصحاب المذاهب بما هداه إليه اجتهاده؛ فمذهب الحنفية: أن ولي الأمر مخير في الأسرى بين أمور ثلاثة: إما القتل وإما الاسترقاق وإما تركهم أحراراً ذمة للمسلمين إلا مشركي العرب والمرتدين، ويجوز باتفاق الحنفية المن على الأسرى تبعاً للأراضي، كيلا يُشغَل الفاتحون بالزراعة عن الجهاد، ومذهب الشافعية والحنابلة: أن الإمام أو من استنابه يفعل ما هو الأصلح والأحفظ للإسلام والمسلمين، يفعل ذلك بالاجتهاد لا بالتشهي.
فخلاصة مذهب الحنفية في الأسرى: أن الإمام مخير بين القتل والاسترقاق استدلالاً بواقعة بني قريظة وبقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ (١) وأن ذلك لا يكون إلا لمن كان مأسوراً أما غير الأسير فلا تتحكم بقتله فدل ذلك على جاز قتله. واعتبروا قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٢) منسوخاً بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) لكن أجازوا المفاداة بالمال أو الأسرى عند الحاجة (٤).
وخلاصة مذهب الشافعي وأحمد: أن الإمام مخير بين القتل والاسترقاق والفداء بالمال أو الأسرى أو المن (٥) والأدلة في ذلك كثيرة سترد في عرض النصوص.
ورأي المالكية: أن الإمام مخير بخمسة أمور: الأربعة المذكورة، والجزية (٦).
стр. 3056
- سادسا: حكم استيلاء الكفار:
هناك صورة مضادة لاستيلاء المسلمين وهي: ما إذا استولى الكافرون على شيء من أرض الإسلام وبلادهم فكيف يكون الحكم القضائي إذا دخل في يوم ما في دائرة الدعوة والقضاء الإسلاميين؟ ثم إن هناك صورة ما إذا استولى المرتدون على أرض فما حكم تصرفاتهم خلال مرحلة الاستيلاء؟ إنه يترتب على الجواب مسائل كثيرة وفروع كثيرة، ويحتاج ذلك إلى فتاوى تكافئ الواقع والمستجدات، وها نحن ننقل لك من كلام العلماء ما يُستأنس به:
استيلاء الكفار على أموال المسلمين؛ قال جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية: يملك الكفار أموال المسلمين أو الذميين في دار الإسلام بالقهر والغلبة، إلا أن الحنفية قالوا: لا يثبت تملكهم لأموالنا إلا بالإحراز في دار الحرب، وقال الشافعية: لا يملك الكافر مال المسلم أو الذمي بطريق الغنيمة.
واستدل الشافعية بحديث عمران بن حصين قال: أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ وامرأة من المسلمين، فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد ناموا، فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا أرغى حتى أتت العضباء، فأتت ناقة ذلولاً فركبتها ثم توجهت قبل المدينة ونذرت: لئن نجاها الله لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عُرفت الناقة، فأتوا بها رسول الله ﷺ ، فأخبرته المرأة بنذرها، فقال: "بئس ما جزيتها، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في معصيةٍ".
وكذلك يدل ظاهر حديث ابن عمر على مثل هذا، وهو أنه أغار له فرس فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون، فردت عليه في زمان رسول الله ﷺ ، وهما حديثان ثابتان. وأما الأثر الذي يدل على ملك الكفار على المسلمين فقوله ﵊: "وهل ترك لنا عقيلٌ من منزلٍ" يعني أنه باع دوره التي كانت له بمكة بعد هجرته منها ﵊ إلى المدينة. واستدلوا بأن العلماء قد أجمعوا على أن لكفار غير ضامنين لأموال المسلمين، فلزم عن ذلك أن الكفار ليسوا بغير مالكين للأموال، فهم مالكون، إذ لو كانوا غير مالكين لضمنوا (١).
стр. 3057
خاتمة العرض
وبعد، فإن الأصل أن يُدير إمام المسلمين أمر القتال، والأصل في الإمام أن يكون مجتهداً عنده قدرة على إدارة القتال، وهذان الشرطان يحتاجهما عصرنا كثيراً لمستجداته الكثيرة في التقدم العلمي والتقني والإداري وأنواع الأسلحة وتعدد الظروف التي تواجه المقاتل، والفتاوى الكثيرة التي تحتاجها الأحداث اليومية. كل ذلك يحتاج إلى اجتهاد وإلى كفاءة إدارية.
стр. 3058
الفصل الأول
في فضل الرباط والجهاد في سبيل الله
стр. 3059
- فضل الرباط في سبيل الله:
٤٧٣٥ - * روى الترمذي عن عثمان بن عفان ﵁ قال يوماً على المنبر: إني كنت كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ، مخافة - أو قال: كراهية- تفرقكم عني، ثم إني قد بدا لي أن أحدثكموه، ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من ألف يومٍ فيما سواه من المنازل".
٤٧٣٦ - * روى الترمذي عن محمد بن المنكدر ﵀ قال: "مر سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط وهو في مرابط له، وقد شق المقام عليه وعلى أكثر أصحابه، فقال لهم سلمان: ألا أحدثكم بحديث سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى، قال: سمعت يقول: "رباط يوم في سبيل الله أفضل - أو قال: خيرٌ - من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً وقي من فتنة القبر وفتانيه، ونما له عمل إلى يوم القيامة".
وأخرج مسلم (١) عن سلمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباطُ يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان".
وفي رواية للنسائي (٢) قال: "من رابط يوماً وليلةً في سبيل الله، كان له كأجر صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً جرى له مثل ذلك من الأجر، وأجري عليه الرزقُ، وأمن الفتان".
٤٧٣٧ - * روى الطبراني في الكبير عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3060
"كل عملٍ ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله فنه يُنمى له عمله ويُجرى عليه رزقه إلى يوم القيامة"
٤٧٣٨ - * روى الطبراني في "الكبير" عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: "من سن سُنة حسنة فله أجرها ما عُمل بها في حياته وبعد مماته حتى تُترك، ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تُترك، ومن مات مرابطاً في سبيل الله جرى عليه عمل المرابط حتى يُبعث يوم القيامة".
٤٧٣٩ - * روى الطبراني عن أبي الدرداء عن رسول الله قال: "رباطُ شهرٍ خيرٌ من صيام دهرٍ، ومن مات مُرابطاً في سبيل الله أمِنَ من الفزع الأكبر وغُدي عليه برزقه وريحٍ من الجنة ويجري عليه أجر المجاهد حتى يبعثه الله ".
أقول: حيثما كان الإنسان في مكان يتوقى هجوم أعداء الإسلام على أهل الإسلام وكان ينوي القتال في سبيل الله إذا كان الجهاد فرض عين فهو في رباط، ومن تطوع في جيش ينوي قتال أعداء الإسلام أو دفع الشر عن الإسلام وأهله فهو في رباط إن شاء الله تعالى.
٤٧٤٠ - * روى الطبراني في "الأوسط" عن أنس بن مالك قال: سُئل رسول الله ﷺ عن أجر الرباط فقال: "من رابط يوماً حارساً من وراء المسلمين، كان له أجرُ من خلفَهُ ممنْ صام وصلى".
- فضل الغدوة والروحة في سبيل الله:
٤٧٤١ - * روى الشيخان عن سهل بن سعدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكُم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحةُ يروحها العبد في سبيل الله (١)، أو
стр. 3061
الغدوة، خيرٌ من الدنيا وما عليها".
٤٧٤٢ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لغدوةٌ في سبيل الله، أو روحةٌ، خيرٌ من الدنيا وما فيها".
٤٧٤٣ - * روى أحمد عن سفيان بن وهب الخولاني أنه كان تحت ظل راحلة رسول الله ﷺ يوم حجة الوداع أو أن رجلاً حدثه ذلك ورسول الله ﷺ على كورٍ فقال رسول الله ﷺ : "هل بلغت" فظننا أنه يريدنا فقال: نعم ثم أعاده ثلاث مراتٍ وقال فيما يقول: "روحةٌ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وغزوةٌ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وإن المؤمن على المؤمن عرضه ونفسه حرمةٌ كما حرم هذا اليوم".
٤٧٤٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لقابُ قوسٍ في الجنة خيرٌ مما طلعت عليه الشمس أو تغربُ".
وقال: "لغدوةٌ أو روحةٌ في سبل الله خيرٌ مما تطلعُ عليه الشمس أو تغرب".
وأخرج مسلم (١) ذكر "العدوة والروحة" في حديث، قال: "ولروحةٌ في سبيل الله أو غدوةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها".
стр. 3062
٤٧٤٥ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "غدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ، خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم؛ أو موضع قده في الجنة، خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأةً من نساء أهل الجنة اطلعتْ إلى أهل الأرض لأضاءت الدنيا، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها - يعني خمارها - خيرٌ من الدنيا وما فيها".
٤٧٤٦ - * روى مسلم عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "غدوةٌ في سبيل الله، أو روحةٌ، خيرٌ مما طلعت عليه الشمس وغربت".
- أجر من قاتل في سبيل الله ولو زمناً يسيراً:
٤٧٤٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رجلٌ من أصحاب رسول الله صلى الله لعيه وسلم بشعب، فيه عيينةٌ من ماء عذب، فأعجبته لطيبها فقال: لو أقمت في هذا المكان أعبد الله، وأعزل شري عن الناس؟ سأستأذن في ذلك رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ : "لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله ساعة، أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم فيدخلكم الجنة؟ قالوا: بلى، قال: فاغزوا في سبيل الله، فإنه من قاتل في سبيل الله فُواق ناقة، لتكون كلمةُ الله هي العليا، وجبت له الجنةُ، والغدوة في سبيل الله، أو الروحةُ، خيرٌ من الدنيا وما فيها - أو قال: خيرٌ مما طلعتْ عليه الشمس".
٤٧٤٨ - * (١) روى أبو داود عن معاذ بن جبلٍ ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ
стр. 3063
يقول: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً من نفسه، ثم مات أو قُتل، كان له أجر شهيد، ومن جُرح جرحاً في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن خرج به خُراجٌ في سبيل الله، فإن عليه طابع الشهداء".
- الخارج في سبيل الله ضامن على الله:
٤٧٤٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تضمن الله لمن خرج في سبيله - لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي، وإيماناً بي، وتصديقاً برسلي- فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة، والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما من كلمٍ يكلم ي سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلم، لونه لونُ دمٍ، وريحه ريحُ مسكٍ، والذي نفسُ محمد بيده، لولا أنْ يشُقَّ على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجدُ سعةً فأحملهُم، ولا يجدون سعةً، ويشقُّ عليهم أنْ يتخلفوا عني، والذي نفس محمدٍ بيده، لوددتُ أن أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل".
وأخرج البخاري (١) الفصل الأول، قال: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله - لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله وتصديقٌ بكلماته - أن يدخله الجنة، أو يرده إلى مسكنه بما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ".
وله في أخرى (٢) قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مثلُ المجاهد في سبيل
стр. 3064
الله. والله أعلم بمن يُجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه: أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالماً مع أجرٍ أو غنيمةٍ".
وله في أخرى (١) "تضمن الله لمن خرج في سبيله - وذكر مع الفصل الذي أوله: لولا أن أشق على المسلمين ما تخلفت خلاف سرية- بنحو ما تقدم".
وفي رواية (٢) لهما قال: "انتدب الله لمن خرج في سبيله - لا يخرجه إلا جهادٌ في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسولي - فهو على ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة".
وفي رواية الموطأ (٣) قال رسول الله ﷺ : "تكفل الله لمن جاهد في سبيله" وذكر رواية البخاري الأولى.
وفي أخرى (٤) له قال: "انتدب الله لمن يخرجُ في سبيله - لا يخرجه إلا الإيمان بي، والجهادُ في سبيلي - أنه ضامنٌ حتى أدخله الجنة، بأيها كان، إما بقتلٍ، أو وفاةٍ، أو أردهُ إلى مسكنه الذي يخرج منه، نال ما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ".
٤٧٥٠ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يعني يقول الله-: "المجاهد في سبيلي هو على ضمانٌ إن قبضته أورثته الجنة، وإن رجعته رجعتُه بأجرٍ أو غنيمةٍ".
٤٧٥١ - * روى النسائي عن - عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ فيما
стр. 3065
يحكي عن ربه- قال: "أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل الله، ابتغاء مرضاتي، ضمنت له، إن رجعته أرجعهُ بما أصاب من أجر أو غنيمةٍ، وإن قبضته غفرت له ورحمته".
٤٧٥٢ - * روى أبو داود عن أبي أسامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة كلهم ضامنٌ على الله: رجلٌ خرج غازياً في سبيل الله، فهو ضامن على الله ، حتى يتوفاه الله، فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل راح إلى المسجد، فو ضامنٌ على الله ، حتى يتوفاه الله فيدخله الجنة، ورجلٌ دخل بيته بسلامٍ، فهو ضامنٌ على الله ".
٤٧٥٣ - * روى أحمد عن حُميد بن هلال كان رجلٌ من الطفاوة طريقه علينا، يأتي على الحي فيحدثهم قال: أتيتُ المدينة في عيرٍ لنا، فبعنا بضاعتنا ثم قلت لأنطلقن إلى هذا الرجل فلآتين من بعدي بخبره، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يُريني بيتاً قال: إن امرأة كانت فيه فخرجت في سريةٍ من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزة وصيصتها التي تنسجُ بها، قال: ففقدت عنزاً من غنمها وصيصتها قالت يا رب قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإني قد فقدت نزاً من غنمي وصيصتي وإني أنشدك عنزي وصيصتي قال فجعل رسول الله ﷺ يذكر له شدة مناشدتها لربها ﵎ قال رسول الله ﷺ : فأصبحت غنزُها ومثلُها وصيصتها ومثلها، وهاتيك، فائتها فاسألها، إن شئت قال قلت: بل أُصدقُكَ" (١).
стр. 3066
- تمني رسول الله ﷺ أن يُقتل ثم يحي ثلاثاً لما للشهادة من أجر:
٤٧٥٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشُق على أمتي ما تخلفتُ عن سريةٍ، ولكن لا أجد حمولةً، ولا أجدُ ما أحملهم عليه، ويشقُّ عليَّ أن يتخلفوا عني، ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت، ثم أحييت ثم قتلت، ثم أحييتُ".
وللبخاري (١) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيبُ أنفسهم بأن يتخلفوا عني، ولا أجدُ ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، ولوددت أني أقتلُ في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتلُ".
وله في أخرى (٢) قال: "والذي نفسي بيده، لوددتُ أني أقاتلُ في سبيل الله، فأقتلُ، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل "فكان أبو هريرة يقولهن ثلاثاً "أشهدُ بالله".
ولمسلم (٣) أيضاً قال: "والذي نفس محمدٍ بيده لولا أن أشق على المؤمنين ما قعدتُ خلف سريةٍ تغز في سبيل الله، ولكن لا أجد سعةً فأحملهم، لوا يجدون سعة، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي".
٤٧٥٥ - * روى البخاري عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: أخبرنا نبينا عن رسالة ربنا "أنه من قتل منا صار إلى الجنة، في نعيم لم ير مثله قط، ومن بقي منا ملك رقابكم".
стр. 3067
٤٧٥٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر أنعمر قال يوم أحُدٍ لأخيه: خذْ درعي يا أخي، قال: أريد من الشهادة مثل الذي تريد. فتركاها جميعاً".
- ما جاء فيمن جرح أو كُلِمَ في سبيل الله:
٤٧٥٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مكلومٍ يُكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة، وكلمهُ يدمى، اللونُ لون دمٍ، والريح ريح مسكٍ".
وفي رواية (١) قال: "كل كَلْمٍ يُكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طُعنتْ، تفجرُ دماً، اللونُ لونُ دمٍ، والعرفُ عرفُ المسك".
وفي أخرى قال (٢): "والذي نفسي بيده لا يكلم أحدٌ في سبيل الله- والله أعلمُ بمن يكلمُ في سبيله - إلا جاء يوم القيامة واللون لونُ دمٍ، والريحُ ريحُ المسك".
وفي رواية لمسلم (٣) قال: "لا يكلمُ أحدٌ في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكلمُ في سبيل - إلا جاء يوم القيامة وجرحُه يثعب، اللونُ لون الدم، والريح ريحُ المسك".
٤٧٥٨ - * روى النسائي عن عبد الله بن ثعلبة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : زمِّلوهُم بدمائهم، فإنه ليس يكلم أحدٌ في سبيل الله إلا أتى يوم القيامة جُرحه يدمى، لونه لونُ الدم، وريحه ريحُ المسك".
стр. 3068
- مثل المجاهد في سبيل الله كالصائم القانت:
٤٧٥٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، ما يعدِلُ الجهاد في سبيل الله؟ قال: "لا تستطيعونه"، فأعادوا عليه مرتين، أو ثلاثاً كل ذلك يقول: "لا تستطيعونه"، ثم قال: "مثل المجاهدِ في سبيل الله، كمثل الصائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيامٍ ولا صلاةٍ حتى يرجع المجاهدُ في سبيل الله".
وفي رواية الموطأ (١): أن رسول الله ﷺ قال: "مثلُ المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيامٍ حتى يرجع".
وفي رواية النسائي (٢) قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يُجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد".
وفي رواية البخاري والنسائي (٣): أن رجلاً قال: "يا رسول الله، دُلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ فقال: من يستطيع ذلك؟ فقال أبو هريرة: فإن فرس المجاهد ليستنُّ يمرحُ في طوله، فيكتب له حسناتٍ".
- بيان أي الجهاد أفضل وأي الناس أفضل:
٤٧٦٠ - * روى النسائي عن طارق بن شهابٍ ﵁ أن رجلاً، سأل النبي
стр. 3069
صلى الله عليه وسلم، وقد وضع رجْلَهُ في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطان جائر".
٤٧٦١ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أتى رجلٌ رسول الله ﷺ ، فقال: "أيُّ الناس أفضلُ؟ قال: مؤمن يُجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، قال ثم من؟ قال: ثم رجلٌ في شعبٍ من الشعاب يعبد الله - وفي رواية: يتقي الله - ويدعُ الناس من شره".
وفي رواية أبي داود (١): "أي المؤمنين أكمل؟ قال: رجلٌ يجاهدُ في سبيل الله بنفسه وماله، ورجلٌ يعبدُ الله في شعبٍ من الشعاب، قد كفى الناس شرهُ".
٤٧٦٢ - * روى أبو يعلي عن جبارٍ يبلغ به قال: "أفضل الجهاد من عُقر جواده وأهريق دمه".
ورواه الطبراني في الوسط وله في المعجم الصغير، عن جابر قال: قيل يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه يده" قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "أن تهجر ما كره ربك " قيل: فأيُّ الجهاد أفضلُ؟ قال: "من عُقِرَ جواده وأهريق دمه".
٤٧٦٣ - *روى أحمد عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله" قال: فإن لم أستطع ذلك؟ قال: تُعين صانعاً أو تصنعُ لأخرق" قال: فإن لم أستطع ذلك؟ قال: احبس نفسك عن الشر فإنها صدقة تصدقُ بها عن نفسك".
стр. 3070
٤٧٦٤ - * روى الطبراني في الكبير عن الشِّفاء قالت: سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجلٌ: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله وجهادٌ في سبيله وحجٌّ مبرورٌ".
٤٧٦٥ - *روى الطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ خرج ذات يومٍ فسار على راحلته، وأصحابُه معه لم يتقدمْ منهم أحد بين يديه، فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله أسأل الله أن يجعل يومنا قبل يومك، أرأيت إن كان شيءٌ، ولا يُرينا الله ذلك، أيُّ الأعمال نعملها بعدك. فسألت رسول الله ﷺ السائل عبادة* - قال- أي معاذ: الجهادُ في سبيل الله، قلت- القائل عبادة*-: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال- القائل النبي ﷺ : "نِعْمَ الشيءُ الجهاد في سبيل الله، وعاد بالناس أملكُ من ذلك"، قال: "الصيام والصدقة؟ قال: "نِعم الشيء الصيام والصدقة وعاد بالناس أملك من ذلك" فذكر معاذ كل خيرٍ يعلمه، كل ذلك يقول رسول الله ﷺ "وعاد بالناس أملك من ذلك"، قال يا رسول الله عاد بالناس أملك من ذلك؟ فأشار رسول الله ﷺ إلى فيهِ قال: الصمتُ إلا من خيرٍ، قال: وهل نؤاخذُ بما تكلمتْ ألسنتنا؟ فضرب رسول الله ﷺ على فخذ معاذٍ ثم قال: ثكلتك أمك وما شاء الله أن يقول، وهل يكُبُّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به ألسنتهم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت عن شرٍّ، قولوا خيراً تغنموا واسكتوا عن شر تسلموا".
٤٧٦٦ - * (١) روى أحمد عن معاذ ولفظه: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك فلما
стр. 3071
رأيته خَليا قلت يا رسول الله: أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: "بخ، لقد سألت عن عظيم وهو يسير على من يسره الله عليه، تقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة، وتلقى الله لا تشرك به شيئاً. أولا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه: أي رأس الأمر فالإسلام وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد".
- بيان فضل رجل ممسك بعنان فرسه:
٤٧٦٧ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الا أخبركم بخير الناس؟ رجلٌ ممسكٌ بعنانٍ فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجلٌ معتزلٌ في غُنيمةٍ له يؤدي حق الله فيها، ألا أخبركم بشرِّ الناس؟ رجلٌ يسأل بالله ولا يعطي به".
وأخرج الموطأ (١) عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ ، مُرسلاً، قال: "ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟ رجلٌ آخذٌ بعنان فرسه يُجاهد في سبيل الله، ألا أخبركم بخير الناس منزلةً بعدهُ؟ رجلٌ معتزلٌ في غُنيمة يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد الله لا يشرك به شيئاً.
وفي رواية (٢) النسائي: "ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: رجلٌ آخذٌ برأٍ فرسه في سبيل الله، حتى يموت أو يُقتل، وأخبركم بالذي يليه؟ قلنا: نعم يا رسول الله، قال: رجلٌ معتزل في شعبٍ من الشعاب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شر الناس، وأخبركم بشر الناس؟ قلنا: نعم يا رسول الله، قال: الذي يسألُ بالله ولا يُعطي به".
стр. 3072
٤٧٦٨ - *روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مِنْ خيرِ معاشِ الناس لهم: رجلٌ ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطيرُ على متنه، كلما سمع هيعةً، أو فزعةً، طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانهُ، أو رجل في غُنيمة في شعفةٍ من هذه الشعاف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبدُ ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خيرٍ".
٤٧٦٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تعس عبدُ الدينار، وعبد الدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض"، قال البخاري: وزاد عمرو ابن مرزُقِ عن عبد الرحمن بن دينار عن أبيه عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "تعسَ عبد الدينار، عبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتُقش، طُوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرةٌ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإنْ شفع لم يُشفعْ" (١).
стр. 3073
- لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم:
٤٧٧٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يلجُ النار رجلٌ بكى من خشية الله، حتى يعودَ اللبنُ في الضَّرع ولا يجتمعُ على عبدٍ غبارٌ في سبيل الله ودُخانُ جهنم".
وزاد النسائي (١) في أخرى "في منخريْ مسلم أبداً".
وللنسائي أيضاً (٢) قال: "لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل الله ودُخانُ جهنم في جوفِ عبدٍ أبداً، ولا يجتمعُ الشُّحُ والإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبداً" وفي أخرى (٣) "في قلبِ مسلمٍ".
٤٧٧١ - * روى أحمد عن عائشة أن مكاتباً لها دخل عليها ببقيةٍ مكاتبته فقالت له ما أنت بداخلٍ على غير مرتك هذه، فعليك بالجهاد في سبيل الله فإني سمعتُ رسول الله ﷺ قول: "ما خالط قلب امرئٍ مسلم رهجٌ في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار".
٤٧٧٢ - * روى النسائي عن سبرة بن أبي فاكه ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرُقهِ، قعد في طريق الإسلام فقال:
стр. 3074
تُسلمُ وتذرُ دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه وأسلم، وقعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر، وتذرُ أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تُجاهد؟ فهو جهدُ النفس والمال، فتقاتل فتقتلُ، فتنكح المرأة ويقسم المال؟ فعصاه فجاهد، قال رسول الله ﷺ : فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أنْ يدخلَهُ الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخلهُ الجنة، أو وقصته دابته كان حقاً على الله أنْ يدخله الجنةَ".
٤٧٧٣ - * روى النسائي عن فُضالة بن عبيدٍ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أنا زعيمٌ والزعيم الحميلُ - لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيتٍ في ربضِ الجنة، وببيتٍ في وسط الجنة، وأنا زعيمٌ لمن آمن بي وجاهد في سبيل الله ببيتٍ في ربض الجنةِ، وبيتٍ في وسط الجنة، وبيتٍ في أعلى غُرفِ الجنة، من فعلَ ذلك، لم يدعْ للخير مطلباً، ولا من الشرِّ مهرباً، يموتُ حيث شاء أنْ يموتَ".
٤٧٧٤ - * روى البخاري عن أبي عبس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما اغبرتْ قدما عبدٍ في سبيل الله، فتمسَّهُ النارُ".
٤٧٧٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "عينان لا تمسهما النارُ: عينٌ بكتْ من خشية الله، وعينٌ باتتْ تحرُسُ في سبيل الله" (١).
стр. 3075
٤٧٧٦ - * روى أبو يعلي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "عينان لا تمسهما النار أبداً: عين باتت ثكلى في سبيل الله، وعينٌ بكت من خشية الله".
٤٧٧٧ - * روى أحمد عن أبي ريحانة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فأتينا ذات يومٍ على شرفٍ فبتنا عليه فأصابنا بردٌ شديدٌ حتى رأيتُ من يحفرُ في الأرض حفرة يدخل فيها ويُلقي عليه الجحفة- يعني التُّرْسَ - فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ من الناس قال: "من يحرسنا الليلة وأدعو الله له بدعاءٍ يكون فيه فضلاً؟ " فقال رجلٌ من الأنصار: أنا يا رسول الله، قال: "ادنُهْ"، فدنا فقال: "من أنت؟ " فتسمى له الأنصاري ففتح رسول الله ﷺ بالدعاء فأكثر منه، قال أبو ريحانة فلما سمعت ما دعا به رسول الله صلى الله علي وسلم قلت: أنا رجلٌ آخر فقال "ادنهُ" فدنوت فقال: "من أنت؟ " فقلت أبو ريحانة فدعا لي بدعاء هو دون ما دعا للأنصاريِّ، ثم قال: "حُرمت النارُ على عين دمعتْ أو بكت من خشية الله، وحُرِّمت النارُ على عينٍ سهرت في سبيل الله" وقال: حُرمت النارُ على عينٍ أخرى ثالثةٍ لم يسمعها محمد بن سميرٍ.
- بيان أنه لا يجتمع كافر وقاتله في النار:
٤٧٧٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اثنان لايجتمعان في النار اجتماعاً يضر أحدهما الآخر، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: مؤمنٌ قتل كافراً، ثم سدد".
وفي رواية (١) "لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً".
стр. 3076
وفي رواية النسائي (١) قال: "لا يجتمعان في النار: مسلمٌ قتل كافراً، ثم سدد وقارب، ولا يجتمعان في جوف مؤمن: غبارٌ في سبيل الله، وفيحُ جهنم، ولا يجتمعان في قلب عبدٍ: الإيمانُ والحسدُ".
أقول: كون الحسد الإيمان لا يجتمعان في قلب واحد، فهذا يدل على فظاعة الحسد، فهو مرض من أمراض النفس التي يجب أن يطهر الإنسان نفسه منها هي وبقية أمراض القلوب.
- الجهاد في سبيل الله يرفع صاحبه في الجنة مائة درجة:
٤٧٧٩ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، وجبت له الجنة" فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله، فأعادها عليه، ثم قال: "وأخرى يرفعُ الله بها العبد مائة درجةٍ في الجنةِ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض". قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الجهادُ في سبيل الله، الجهادُ في سبيل الله".
٤٧٨٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحجَّ: كان حقاً على الله أن يُدخله الجنة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها، فقالوا: أولا نُبشر الناس بقولك؟ فقال: إن في الجنة مائة درجةٍ، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنةِ، وفوقَهُ عرشُ الرحمن، ومنهُ تفجرُ أنهارُ الجنةِ".
стр. 3077
- الجنة تحت ظلال السيوف:
٤٧٨١ - * روى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الجنةُ تحت ظلالِ السيوف".
٤٧٨٢ - * روى مسلم عن أبي موسى (رضي الله نه) قال ابنهُ أبو بكرٍ: سمعتُ أبي وهو بحضرة العدوِّ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن أبواب الجنةِ تحت ظلال السيوف" فقام رجلٌ رثُّ الهيئة، فقال: يا أبا موسى، أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعمْ، فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه، فألقاها، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتِلَ".
٤٧٨٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن عمرو بن أُفيشٍ "كان له رباً في الجاهلية، فكره أن يُسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أُحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحُدٍ، قال: أين فلانٌ، قالوا: بأحُدٍ، فلبس لأمته، وركب فرسه، وتوجه قبلهُمْ، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو، قال: إني قد آمنتُ، فقاتل حتى جُرح، فحُمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذٍ، فقال لأخته: سليه: أحميةً لقومك، أم غضباً لهم، أم غضباً لله ﵎؟ قال: بل غضباً لله ولرسوله، فمات فدخل الجنة، وما صلى لله ﵎ صلاةً".
стр. 3078
- أجر من رمى بسهم في سبيل الله:
٤٧٨٤ - * روى النسائي عن أبي نجيحٍ السُّلمي ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "من بلغ بسهمٍ فهو له درجةٌ في الجنة، فبلغتُ يومئذ ستة عشر سهماً، قال: وسمعتُ النبي ﷺ يقول: من رمي بسهم فهو له درجةٌ في الجنة، فبلغتُ يومئذ ستة عشر سهما، قال: وسمعتُ النبي ﷺ يقول: من رمى بسهمٍ في سبيل الله، فهو له عدلُ محررٍ".
وفي رواية (١) الترمذي: "عدْل رقبةٍ محررةٍ".
٤٧٨٥ - * روى النسائي عن شُرحبيل بن السمطِ ﵁ قال لعمرو بن عبسة: حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ويقول: "من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهمٍ في سبيل الله فبلغ العدُوَّ، أو لم يبلغْ، كان له كعتقِ رقبةٍ مؤمنةٍ، ومن أعتقَ رقبةً كانت فداءه من النار عُضوا عُضْوا".
وأخرج الترمذي (٢) ذكر الشيب وحدهُ.
وأخرج أبو داود (٣) منه ذكر العتق وحدهُ.
وأخرج النسائي (٤) من طريق أخرى نحوه، إلا أنه قدم رمي السهم، وقال فيه: "أخطأ أمْ أصاب" وثنى بالعتقِ، وثلث بالشيب، وقال فيه: "في سبيل الله".
стр. 3079
٤٧٨٦ - * روى النسائي عن شرحبيل بن السمط ﵁ قال لكعب بن مُرةَ "يا كعبُ، حدثنا حديثا عن رسول الله ﷺ ، واحذرْ، قال: سمعتُه يقول: "منْ شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نوراً يوم القيامة"، فقال له: حدثنا عن النبي ﷺ شيبةً في سبيل الله، كانت له نوراً يوم القيامة"، فقال له: حدثنا عن النبي ﷺ واحذر، قال: سمعته يقول: "ارمُوا، من بلغ العدُو بسهمٍ رفعهُ الله به درجةً" فقال ابن النحام: يا رسول الله، وما الدرجة؟ قال: "أما إنها ليستْ بعتبةِ أمِّكَ، ولكن ما بين الدرجتين مائةُ عام".
- عون الله للمجاهد:
٤٧٨٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتبُ الذي يريد الأداء، والنكاحُ الذي يريد العفاف" وفي رواية بدل "المكاتب": المِدْيانُ الذي يريد الأداء".
- أجر القافل من الغزو:
٤٧٨٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: إن النبي ﷺ قال: "قفلةٌ في سبيل الله كغزوةٍ" (١).
стр. 3080
- من كان كافراً ثم أسلم فاستشهد:
٤٧٨٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يضحك الله تعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله، ثم يستشهد فيتوب الله على القاتل، فيسلم فيقاتل في سبيل الله، فيستشهد".
- أجر من احتبس فرساً- أو ما في معناها - في سبيل الله:
٤٧٩٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، فن شبعه وريَّهُ وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" يعني حسناتٍ.
٤٧٩١ - * روى مسلم عن أبي مسعودٍ جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ إلى النبي ﷺ فقال: هذه في سبيل الله، قال ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقةٍ، كلُّها مخطُومةٌ".
٤٧٩٢ - * روى الترمذي عن (خُريم بن فاتكٍ) رفعَهُ: "من أنفق نفقةً في سبيل الله كُتبتْ له بسبعمائة ضعفٍ" (١).
стр. 3081
- فضل مقام الرجل في الصف:
٤٧٩٣ - * روى الطبراني عن عمران بن حُصينٍ أن رسول الله ﷺ قال: "مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل من عبادته ستين سنةً".
٤٧٩٤ - * روى الطبراني عن مجاهد عن يزيد بن شجرة وكان يزيدُ بن شجرة ممنْ يُصدقُ قوله فعلهُ قال: خطبنا فقال: يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم ما أحسن نعمة الله عليكم نرى من بين أحمر وأخضر وأصفر وفي الرجال ما فيها، وكان يقول: إذا صف الناس للصلاة وصفوا للقتال فُتحت أبواب السماء وأبواب الجنة وأبواب النار وزُين الحورُ العين واطلعن فإذا أقبل الرجل قلن اللهم انصُره وإذا أدبر احتجبن منه وقلن اللهم اغفر له، فانهكوا وجوه القوم فدىً لكم أبي وأمي ولا تُخزُوا الحور العين فإن أول قطرةٍ تنضحُ تكفرُ عنه كل شيءٍ عمله وتنزل إليه زوجتان من الحور يمسحان وجهه ويقولان قد أنى لك ويقول قد أنى لكم، ثم يُكسى مائة حُلةٍ ليس من نسج بني آدم ولكن من نبت الجنة لو وُضعن بين إصبعين لوسعته وكان يقول: أنبئت أن السيوف مفاتيح الجنة.
- فضل دم يهراق في سبيل الله:
٤٧٩٥ - * روى الترمذي عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس شيءٌ أحبَّ إلى الله من قطرتين، وأثرين: قطرة دموعٍ من خشية الله، وقطرة دم تُهراقُ في سبيل الله، وأما الأثران: فأثرٌ في سبيل الله، وأثرٌ في فريضةٍ من فرائض الله" (١).
стр. 3082
- المجاهد مظنة محبة الله:
٤٧٩٦ - * روى أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثةٌ يحبهُم الله وثلاثةٌ يشنؤهم الله: الرجل يلقى العدو في فئةٍ فيصبُ لهم نحرهُ حتى يُقتل أو يفتح لأصحابه، والقومُ يسافرون فيطول سُراهم حتى يُحُّبوا أن يمسوا الأرض فينزلون فيتنحى أحدهم فيُصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه جاره فيصبر على أذاه حتى يُفرق بينهما بموتٍ أو ظعنٍ، والذين يشنؤهم الله: التاجر الحلاف، والفقير المختال، والبخيل المنانُ".
- الحثُّ على مجاهدة النفس:
٤٧٩٧ - * روى الترمذي عن فُضالة بن عبيدٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المجاهدُ من جاهدَ نفسهُ".
أقول: مجاهدة النفس إنما تكون بحملها على أمر الله وبطلبها كمالات العبودية، ومن ذلك حملها على الجهاد في سبيل الله بكل أنواع الجهاد (١).
стр. 3083
الفصل الثاني
في وجوب الجهاد وصدق النية فيه وآدابه
وبعض أحكامه وأسباب تتعلق به
стр. 3084
- الأمر بالجهاد:
٤٧٩٨ - * روى أبو داود عن أنس، رفعه: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".
٤٧٩٩ - * روى أحمد عن عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "جاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد في سبيل الله ﵎ بابٌ من أبواب الجنة يُنجي الله ﵎ به من الهم والغمِ".
٤٨٠٠ - * روى الشيخان عن عائشة، رفعتهُ: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونية وإذا استنفرتم فانفروا".
٤٨٠١ - * روى الطبراني عن غزية بن الحرث أن شباباً من قريشٍ أرادوا أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ فنهاهم آباؤهم فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح إنما هو الجهادُ ذو النية". وفي روايةٍ عن غُزيةَ أيضاً أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا هجرة بعد الفتح إنما هي ثلاث، الجهادُ والنيةُ والحشرُ".
- من لم يغزُ أو يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق:
٤٨٠٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغزُ، ولم يُحدثْ به نفسه، مات على شُعبةٍ من النفاق" (١).
стр. 3085
قال ابن المبارك: فنرى أن ذلك كان على عهدِ رسول الله ﷺ .
قال النووي في "شرح مسلم": هذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقد قال غيره: والمراد أن من فعل هذا، فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترْك الجهاد أحدُ شعبِ النفاق، وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها، لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها.
- الترهيب من ترك الجهاد:
٤٨٠٣ - * روى النسائي عن سلمة بن نُفيلٍ الكنديُّ، كنت جالساً عند النبي ﷺ فقال رجلٌ: يا رسول الله أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح وقالوا لا جهاد وقد وضعت الحربُ أوزارها فأقبل ﷺ بوجهه وقال: "كذبُوا، الآن جاء القتال ولا يزالُ من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويزيغُ الله لهم قلوب أقوامٍ ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحي إليّ: إني مقبوض غير ملبث وأنتم تتبعوني، ألا فلا يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام" وفي رواية: "وأنتم تتبعوني أقتاداً يضرب بعضكم رقاب بعض" مستنكراً ذلك منهم رسول الله ﷺ .
٤٨٠٤ - * روى البخاري عن أبي أمامة سمعتُ النبي ﷺ ورأى سكةً أو شيئاً من آلةِ الحرث يقول: "لا يدخلُ هذا بيت قومٍ إلا أدخله الله الذُّلَّ".
٤٨٠٥ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لثوبان: "كيف بك يا ثوبان إذا تداعتْ عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام تصيبون منه. قال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: أمن قلةٍ بنا؟ قال: لا، أنتم يومئذٍ كثيرٌ ولكن يُلقى في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهنُ يا رسول الله؟ قال: حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال" (١).