مسائل وفوائد
- قال الحنفية: الشهيد الذي تنطبق عليه أحكام الدنيا هـ من قتله أهل الحرب، أو أهل البغي، أو قطاع الطرق، أو اللصوص في منزله ليلاً أو نهارً بأي آلة. وكان مسلماً مكلفاً طاهراً، ولم يرتث بعد انقضاء الحرب، والإرتثاث: أن يأكل أو يشرب أو يداوي، أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل، أو ينقل من المعركة حياً، أي وهو يعقل.
- قال الحنفية: يكفن الشهيد بثيابه، ويصلي عليه، ولا يغسل إذا كان مكلفاً طاهراً، وأما الجنب والحائض والنفساء إذا استشهد، فيغسل عند أبي حنيفة، كما يغسل الصبي والمجنون، وقال الصاحبان: لا يُغسلان. وقال الجمهور: لا يغسل الشهيد ولا يكفن ولا يصلي عليه، ولكن تزال النجاسة الحاصلة من غير دم لأنها ليست من أثر الشهادة، ويدفن الشهيد بثيابه بعد تنحية الجلود والسلاح عنه ويستحب دفن الشهيد في مصرعه الذي قتل فيه. والبالغ وغيره سواء.
- كل من مات بسبب مرض أو حادث أو دفاع عن النفس أو نقل من قلب المعركة حياً، أو مات في أثناء طلب العلم، أو ليلة الجمعة، فهو شهيد آخرة. وحكم هؤلاء الشهداء في الدنيا أن الواحد منهم يغسل ويكفن ويصلي عليه اتفاقاً كغيره من الموتى. أما في الآخرة فله أجر الشهداء يوم القيامة.
стр. 3152
الفصل الرابع
الفروسية والرمي وذكر الخيل
стр. 3153
- الحث على إجادة الفروسية والرمي:
٤٩٦٣ - * روى أصحاب السنن عن أبي هريرة رفعهُ: "لا سبق إلا في خُف أو حافر أو نصلٍ".
أقول: إن المسلم ينبغي أن يكون أقدر خلق الله على استعمال وسائل القتال والسلاح، وينبغي أن يكون هذا شغله الشاغل، فقديماً كان للفروسية والرمي حظ كبير من حياة المسلم، وينبغي في عصرنا أن يكون للمسلم مهارات في استعمال أدوات القتال ووسائل الرمي الحديثة، وقد بدأنا بفضل الله نشهد في جيوش الأمة الإسلامية تفوقاً ونبوغاً، ونحن نحتاج إلى مزيد، فالارتقاء بالفرد وبالجيوش تدريباً وسعة أفق ينبغي أن يكون شغل القيادات السياسية والعسكرية.
٤٩٦٤ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قلنا يا رسول الله ﷺ والخيلُ تمزعُ منا أو تنزعُ فقال قائل يا رسول الله أكان هذا في الكتاب السابق قال: "نعم".
أقول: الظاهر أن في النص إشارة إلى ما حدث أخيراً من تقلص دور الخيل في حياة الناس، وذلك من معجزات النبوة.
٤٩٦٥ - * روى أبو داود عن ابن عمر "أن النبي ﷺ سابق بين الخيل وفضل القُرح في الغاية" (١).
стр. 3154
٤٩٦٦ - * روى أحمد عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ سبق بين الخيل وراهن".
٤٩٦٧ - * روى الطبراني عن ابن عمر أن النبي ﷺ سابق بين الخيل وجعل بينها سبقاً وجعل فيها مُحللا وقال: "لا سبق إلا في حافرٍ أو نصلٍ".
٤٩٦٨ - * روى أحمد عن أبي لبيد لمازة بن زيارٍ قال: "أُرسلت الخيل زمن الحجاج فقلنا لو أتينا الرهان فأتيناهُ، ثم قلنا: لو ملنا إلى أنس بن مالكٍ فسألناه هل كنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: فأتيناه فقال: نعم لقد راهن على فرس يقال له سبحةُ فسبق الناس فهش لذلك وأعجبه".
أقول: إن اشتغال المسلمين بالسبق كان في الماضي مظهراً من مظاهر التدريب، وكان رسول الله ﷺ يشجع على ذلك ويشرف عليه، ومن التشجيع على ذلك جواز الرهان بشروطه كما سيأتي معنا في مسائل وفوائد هذا الفصل وقد فرع على هذا الموضوع فقهاء المسلمين كثيراً من المسائل.
٤٩٦٩ - * روى الستة عن ابن عمر: "أجرى رسول الله ﷺ ما ضُمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع وما لم يُمر من الثنية إلى مسجد بني زُريق فكنتُ في من أجرى فطفف بي الفرسُ المسجد. قال سفيان: من الحفياء إلى الثنية خمسةُ أميالٍ أو ستةٌ" (١).
стр. 3155
وفي رواية: ستةٌ أو سبعةٌ ومن الثنية إلى مسجد بني زُريق ميل أو نحوه.
٤٩٧٠ - * روى البخاري عن أنس كانت لرسول الله ﷺ ناقة يُقال لها العضباء لا تُسبق فجاء أعرابي على قعود فسبقها فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه فقال ﷺ : "حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعهُ".
٤٩٧١ - * روى الطبراني عن عياض الأشعري قال: قال أبو عبيدة من يراهنني قال شاب أنا إنْ لم تغضب، قال: فسبقه، قال فلقد رأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان وهو خلفه على فرس عُري.
٤٩٧٢ - * روى مسلم عن فُقيم اللخمي قلت لعقبة بن عامرٍ: تختلفُ بين هذين الغرضين وأنت شيخ كبير ويشق عليك؟ فقال لولا كلام سمعت من رسول الله ﷺ لم أعانه قلت وما ذاك؟ قال سمعته يقول: "من تعلم الرمي ثم تركه فليس مني أو قد عصى".
٤٩٧٣ - * روى أصحاب السنن عن عقبة بن عامر رفعه: "إن الله تعالى ليدخلُ بالسهم الواحد ثلاثة نفرٍ الجنة: صانعهُ يحتسبُ في عمله الخير، والرامي به، والممدد به فارموا واركبوا وأحبُّ إلى أن ترموا من أن تركبوا، كل لهو باطلٌ (١)، ليس من اللهو محمود، إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله
стр. 3156
فإنهن من الحق ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبةً عنه فإنها نعمةُ تركها أو قال كفرها".
أقول: كل أنواع اللهو التي وردت في الحديث تحقق مقاصد محمودة، أما اللهو المجرد الذي ليس له منفعة شرعية، بعضه مكروه وبعضه محرم، ومن هذا النص الذي مر معنا ندرك أهمية صناعة السلاح وحسن استعماله وخاصة الرمي، والرمي في عصرنا على أنواع كثيرة، وكله مما ينبغي أن يتقنه المسلمون ومن أجل الإتقان فلا عبرة بالخسائر المالية التي تترتب على ذلك.
٤٩٧٤ - * روى الطبراني عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: رأيتُ جابر بن عبد الله وجابر ابن عبيد الله الأنصاري يرتميان، فمد أحدهما فجلس فقال له الآخر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهوٌ إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين وتأديبه فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة".
٤٩٧٥ - * روى مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستُفتحُ عليكم أرضون، ويكفيكم الله، فلا يعجزْ أحدكم أن يلهو بأسهمه".
أقول: إن التدريب في حالات السلم والرخاء مطلوب من المسلمين، فلا ينبغي أن يتوقف التدريب في حال من الأحوال.
٤٩٧٦ - * روى البزار عن سعد بن أبي وقاص رفعه قال: "عليكم بالرمي فإنه خيرٌ - أو من خير - لهوكم" (١).
стр. 3157
٤٩٧٧ - * روى البخاري عن سلمة بن الأكوع "خرج النبي ﷺ على نفرٍ من أسلم ينتضلون فقال: ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال: "ما لكم لا ترموا؟ فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال ارموا وأنا معكم كلكمْ".
أقول: من مهمات الأمير المسلم أن يكون له إشرافه ومتابعته وتشجيعه للتدريب عامة والرمي خاصة.
٤٩٧٨ - * روى أحمد عن عُتبة بن عبد السلمى "أن النبي ﷺ قال لأصحابه: قوموا فقاتلوا، قال: فرمى رجل بسهمٍ فقال النبي ﷺ : أوجب هذا" أوجب أي وجبت له الجنة أي استحق دخولها.
٤٩٧٩ - * روى الطبراني عن ثُمامة قال: "كان أنس يجلسُ ويُطرح له فراشٌ ويجلس عليه ويرمي ولده بين يديه فخرج علينا يوماً نحن نرمي فقال: يا بني: بئس ما ترمون ثم أخذ القوس فرمى فما أخطأ القرطاس".
أقول: من آداب المسلم أن يمتلك قدرات متفوقة. في إصابة الهدف وذلك مطلوب في كل نوع من أنواع السلاح لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ فـ (من) في الآية لبيان الجنس، وقد فسر رسول الله القوة بالرمي فإذاً كل أنواع الرمي مطلوبة من المسلم وكل ما يركب للمعركة مطلوب من المسلم، فالصناعة الحربية والإعداد بالعتاد والسلاح والتدريب على ذلك كل ذلك داخل في الآية (١).
стр. 3158
- أنواع الخيل وإكرام خيل الجهاد وما يقوم مقامه وفضل ذلك:
٤٩٨٠ - * روى أبو داود عن أبي وهب الجُشمي ﵁ قال محمد بن مُهاجر عن عقيل بن شبيب عن أبي وهب: أن رسول الله ﷺ قال: "عليكم من الخيل بكل كُميتٍ أغر مُحجلٍ، أو أشقر أغر محجل، أو أدم أغر محجلٍ" وفي رواية (١): "عليكم بكل أشقر أغر محجل، أو كميت أغر ... فذكر نحوه" قال محمد بن مهاجر: "فسألته: لِمَ فضل الأشقر؟ قال: لأن النبي ﷺ بعث سريةٌ، فكان أول من جاء بالفتح صاحب أشقر".
وفي رواية النسائي (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحبُّ الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها، ولا تٌقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كُميتٍ أغر مُحجلٍ، أو أشقرٍ أغر محجلٍ، أو أدهمٍ أغر محجلٍ".
وأخرج أيضاً هو والنسائي (٣) باقي الرواية مفردة عن ذكر التسمي "وذكر الصفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأعجازها - أو قال: أكفالها - وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار".
أقول: إن تخير نوع السلاح ونوع العتاد من أسباب النجاح في الحرب، فكثيراً ما يتوقف النجاح في الحرب على نوع السلاح أو العتاد، ولذلك كله أصل في السنة.
стр. 3159
٤٩٨١ - * روى أحمد عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير واليُمن إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها قلدوها ولا تقلدوها الأوتار".
أقول: لا زال للخيل دور بسيط في عصرنا، فبعض المهمات لا يصلح فيها إلا الخيل، والسنة النبوية تحضنا على أن نبقى للخيل اعتباراً مستمراً إلى قيام الساعة.
٤٩٨٢ - * روى الترمذي عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "خيرُ الخيل الأدهم الأقرح الأرثمُ، ثم الأقرح المحجل، طُلق اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت، على هذه الشية".
٤٩٨٣ - * روى عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يُمْنُ الخيل في شقرها" وقال الترمذي: "في الشقر".
٤٩٨٤ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان السلفُ يستحبون الفحولة من الخيل، ويقولون: هي أحسنُ وأجرى". وعن راشد بن سعد مثله (١).
стр. 3160
قال: وقال راشد بن سعد: كان السلف يستحبون الفحولة. لأنها أجرأ وأيسر، قال الحافظ في الفتح: وقوله: أجرأ وأيسر، بهمز أجرأ من الجرأة، وبغير الهمز من الجري، وأجسر بالجيم والسين المهملة من الجسارة، وحذف المفضل عليه اكتفاء بالسياق، أي من الإناث أو المخصية، وروى أبو عبيدة في كتاب الخيل له: عن عبد الله بن محيريز نحو هذا الأثر وزاد: وكانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات، وروى الوليد بن مسلم في الجهاد له من طريق عبادة بن نسي وابن محيريز أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات، ولما خفي من أمور الحرب، ويستحبون الفحول في الصفوف والحصون، لما ظهر من أمور الحرب، وروي عن خالد بان الوليد أنه كان لا يقاتل إلا على أنثى، لأنها تدفع البول، وهي أقل صهيلاً، والفحل يحبسه في جريه حتى ينفق ويؤذي بصهيله.
٤٩٨٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يكرهُ الشكال من الخيل". زاد في راية (١) " والشكال: أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياضٌ، وفي يده اليسرى، أو يده اليمنى ورجله اليسرى". وفي رواية الترمذي (٢) "أنه كان يكره الشكال في الخيل". وفي رواية النسائي (٣) مثله، وقال: والشكالُ من الخيل: أن تكون ثالث قوائمة محجلةً، وواحدةٌ مطلقةً، أو تكون الثلاثة مطلقةً، وواحدةٌ محجلةً، وليس يكون الشكال إلا في رجلٍ، ولا يكون في اليد. وقيل: هو اختلاف الشية ببياضٍ في خلافٍ.
٤٩٨٦ - * روى البخاري عن عروة بن الجعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير: الأجر، والمغنم، إلى يوم القيامة", وفي رواية نحوه، وليس فيها "الأجرُ والمغنمُ".
стр. 3161
٤٩٨٧ - * روى الطبراني عن أبي كبشة صاحب رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: "الخيل الخيل معقود في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها والمنفقُ عليها كالباسط يده بالصدقة".
٤٩٨٨ - * روى أبو يعلي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الخير معقودٌ بنواصي الخيل إلى يوم القيامة ومثل المنفق عليها كالمتكفف بالصدقة".
٤٩٨٩ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "البركةُ في نواصي الخيل" وفي رواية (١): "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير".
٤٩٩٠ - * روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
٤٩٩١ - * روى مسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرسٍ بإصبعه، وهو يقول: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة".
٤٩٩٢ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : "الخيلُ معقودٌ
стр. 3162
في نواصيها الخير والنُّبلُ إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة وقلدوها ولا تُقلدوها الأوتار" قال عليِّ: ولا تقلدوها الأوثان.
٤٩٩٣ - * روى أحمد عن رجل من الأنصار عن النبي ﷺ قال: "الخيل ثلاثة: فرس يرتبطه الرجل في سبيل الله قيمته أجرٌ وركوبه أجرٌ وعاريته أجرٌ، وفرسٌ يغالق عليه الرجل ويراهن: قيمته وزرٌ وركوبه وزرٌ وعاريته وزرٌ وعلفه وزرٌ، وفرسٌ للبطنة فعسى أن تكون سداداً من الفقر إن شاء الله".
أقول: رباط الخيل للقمار غير جائز، أما رباطها للرهان الإسلامي المعروف فهو جائز.
٤٩٩٤ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "الخيل ثلاثةٌ: ففرسٌ للرحمن، وفرسٌ للإنسان، وفرسٌ للشيطان، فأما فرس الرحمن فالذي يرتبط في سبيل الله فعلفه وبوله وروثه - وذكر ما شاء الله - وأما فرسُ الشيطان فالذي يقامر عليه ويُراهن، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها فهي سترٌ من فقرٍ".
٤٩٩٥ - * روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد ﵀ "أن رسول الله ﷺ رُئي يمسحُ وجه فرسه بردائه، فسُئل عن ذلك؟ فقال: إني عوتبتُ الليلة في الخيل" (١).
стр. 3163
٤٩٩٦ - * روى النسائي عن أنس: "لم يكن شيء أحب إلى النبي ﷺ بعد النساء من الخيل".
٤٩٩٧ - * روى أحمد عن معقل بن يسار قال: "لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من الخيل ثم قال: غفرانك والنساء".
٤٩٩٨ - * روى النسائي عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند كل سحرٍ بكلمات يدعو بهن: اللهم خولتني من خولتني من بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحب أهله وماله - أو من أحب أهله وماله - إليه".
٤٩٩٩ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ " كان يُسمى الأنثى من الخيل فرساً".
٥٠٠٠ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كان للنبي ﷺ في حائطنا فرسٌ يقال له: اللحيفُ" قال البخاري، قال بعضهم: "اللخيفُ" بالخاء.
٥٠٠١ - * (١) روى الطبراني عن ابن عمر قال: "ما تعاطى الناس بينهم قط أفضل من
стр. 3164
الطرق يُطرق الرجل فرسه فيجري له أجره ويطرق الرجل فحله فيجرى له أجره".
٥٠٠٢ - * روى الطبراني عن أبي عامر الهوزني عن أبي كبشة الأنماري أنه أتاه فقال: اطرقني فرسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أطر فعقب له الفرس كان له كأجر سبعين فرساً حمل عليها في سبيل الله . والطبراني إلا أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أطرق فرسه مسلماً فعقب له الفرس كان له كأجر سبعين فرساً حمل عليها في سبيل الله فإن لم يعقبْ كان له كأجر فرس يحمل عليها في سبيل الله".
٥٠٠٣ - * روى أحمد عن دحية الكلبي قال: قلت يا رسول الله ألا أحمل ُلك حماراً على فرسٍ فينتجُ لك بغلاً فتركبها قال "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون".
أقول: من المعروف أن البغال تكون عقيمة فحمل الحمار على الفرس جائز مكروه يتنزه عنه العلماء، وإن ركوب البغال جائز.
٥٠٠٤ - * روى أبو داود عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: "أُهديتْ لرسول الله ﷺ بغلة، فركبها، فقال عليٌّ: لو حملنا الحمير على الخيل، فكانت لنا مثل هذه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون".
وفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ قال: "لن يُنزى حمارٌ على فرس".
٥٠٠٥ - * روى أحمد عن سويد بن هبيرة عن النبي ﷺ ، وفي رواية سمعت رسول الله
стр. 3165
صلى الله عليه وسلم قال: "خير المال مُهرةٌ مأمورةٌ أو سكةٌ مأبورةٌ".
٥٠٠٦ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "صاحب الدابة أحق بصدرها".
٥٠٠٧ - * روى البزار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ "نهى عن صبر ذي الروح وعن إخصاء البهائم نهياً شديداً".
صبر ذي الروح هو أن يوثق ذو الروح حياً ثم يرمي حتى يموت. فهو تعذيب له.
أقول: خصاء البهائم جائز لكنه مكروه (١).
стр. 3166
الفصل الخامس
في الأمان والهدنة والجزية
ونقض العهد والغدر
стр. 3167
- في عهد رسول الله ﷺ :
٥٠٠٨ - * روى أبو داود عن كعب بن مالك: أن كعب بن الأشرف، كان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كُفار قريش فكان ﷺ حين قدم المدينة وفيها مشركون يعبدون الأوثان، واليهود يؤذونه ﷺ وأصحابه فأمره الله تعالى بالصبر والعفو ففيهم نزل ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ فأبى كعبُ بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ فأمر ﷺ سعد بن معاذٍ أن يبعث إليه من يقتله فقتله محمد بن مسلمة وذكر قصة قتله فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون فغدوا إليه ﷺ وقالوا: طُرِقَ صاحبنا وقُتل، فذكر لهم ﷺ الذي كان يقول ثم دعاهم إلى أن يكتب بينهُ وبينهم كتاباً ينتهون إلى ما فيه فكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفةً.
- صلح النبي ﷺ وإجلاؤهم:
٥٠٠٩ - * روى أبو داود عن ابن عمر "أتى النبي ﷺ أهل خيبر فقاتلهم حتى: ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكاً فيه مالٌ وحُلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال ﷺ لعم حيي واسمه سعيةُ: ما فعل مسكُ حيي الذي جاء به من بني النضير؟ قال: أذهبته النفقات والحروب فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك وقد كان حيي قُتل قبل ذلك فدفع ﷺ سعيةَ إلى الزبير فمسهُ بعذاب فقال (١): قد رأيت حيياً يطوف في خربةٍ ههنا
стр. 3168
فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة فقتل ﷺ ابني أبي الحُقيق، أحدهما زوج صفية بنت حيي وسبا نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنُّكثِ الذي نكثوا وأراد أن يُجليهم منها فقالوا يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نُصلحها ونقوم عليها، ولم يكن له ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع وشيء ما بدا للنبي ﷺ .
٥٠١٠ - * روى البخاري عن نافع لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيباً فقال إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقركم ما أقركم الله وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعُدي عليه من اللي ففُدعتْ يداه ورجلاه وليس له هناك عدوٌّ غيرهم هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمدٌ وعاملنا على الأموال وشرط لنا ذلك؟ فقال عمر أظننت أني نسيت قوله ﷺ لك كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصُك ليلةً بعد ليلةٍ؟ فقال كان ذلك هزيلةً من أبي القاسم فقال كذبت يا عدو الله إنه لقول فصلٌ وما هو بالهزل فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاُ من أقتابٍ وجبالٍ وغير ذلك. وله ولمسلم (١) عن ابن عمر: "أن عمر أجلام إلى تيماء وأريحاء".
- الأمر بالوفاء بالعهود وعدم إتيان ما ينافيها:
٥٠١١ - * روى أبو داود عن سُليم بن عامر "كان بين معاوية وبين الروم عهدٌ وكان يسير نحو بلادهم ليقرُب حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاءه رجلٌ على دابةٍ أو فرسٍ وهو يقول الله أكبر وفاءٌ لا غدر، فإذا هو عمرو بن عبسة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشُدَّ عقدةً ولا يحُلَّها حتى
стр. 3169
يُقضى أمدها أو ينبذ إليهم على سواء. فرجع معاويةُ".
٥٠١٢ - * روى أبو داود عن أبي رافع "بعثني قريشٌ إلى النبي ﷺ فلما رأيته ألقي في قلبي الإسلام فقلت يا رسول الله لا أرجع إليهم أبداً فقال: "إني لا أخيسُ بالعهد ولا أحبس البُرد ولكن أرجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجعْ" فذهبت ثم أتيته ﷺ فأسلمتُ".
وقال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان فأما اليوم لا يصلح.
أقول: قال العلماء: إنما كان ذلك من النبي ﷺ لأنه كان على استيقان عودته مسلماً وكان في توفيقه مفاسد لا تخفى، حيث كان سبب لاشتهار أن النبي ﷺ يحبس الرسل، وإن لم يكن الحبس منه، ولا يجوز ذلك في من بعده ﷺ ، وذهب بعضهم إلى أن ذلك كان في زمن الحديبية حيث شرطوا أو يرد من جاء مسلماً، لكن يرد هذا الفهم أن أبا رافع القبطي مولى رسول الله ﷺ قد أسلم قبل بدر وشهد أحداً، (انظر بذل المجهود: ١٢/ ٣٨٠)، (وتهذيب التهذيب: ١٢/ ٩٢).
وقد مر قول أبي داود (هذا كان في ذلك الزمان) فحمله صاحب عون المعبود على قوله (إنه كان قبطياً) فقال: لا يصلح: أي لا يصلح أن ينسب إلى الرق أو القبط تعظيماً لشأن أصحاب النبي ﷺ .
أقول: ولا أرى ذلك ينسجم مع سياق النص، وقد نسبه العلماء في كتب التراجم إلى القبطية من باب التعريف به والتمييز له عن غيره.
ويستفاد من النص أنه يمكن للإمام أن يرد رسول العدو إذا أراد الرسول الإسلام ليحقق مصلحة راجحة للمسلمين، ما لم يخش على الرسول الفتنة. والله أعلم.
- بيان أنه يجير على المسلمين أدناهم:
٥٠١٣ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه سولم قال: "يجير على أمتي أدناهم" (١).
стр. 3170
٥٠١٤ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "إن كانت المرأة لتُجيرُ على المسلمين فيجوزُ".
٥٠١٥ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ على القوم، يعني تُجير على المسلمين".
- في الجزية:
٥٠١٦ - *روى أبو داود عن معاذ بن جبل ﵁ "أن رسول الله صلى الله عليه سلم وجههُ إلى اليمن، أمره: أن يأخذ من كل حالمٍ يعني: محتلمٍ - ديناراً. أو عدلهُ من المعافري: ثيابٍ تكون باليمن".
٥٠١٧ - * روى مالك في الموطأ عن أسلم "أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهماً مع ذلك أرزاقُ المسلمين وضيافةُ ثلاثةِ أيامٍ".
٥٠١٨ - * روى أبو داود عن بجالة بن عبدٍ - ويقال: ابن عبدةَ - ﵀ قال: "كنتُ كاتباً لجزء بن معاوية - عم الأحنف بن قيس - فجاء كتابُ عمر، قبْلَ موته بسنةٍ: أن اقتلوا كل ساحرٍ وساحرةٍ، وفرقوا بني كل ذي محرمٍ من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة، فقتلنا ثلاثة سواحر، وجعلنا نفرقُ بين كل رجلٍ من المجوس وحريمه في كتاب الله، وصنع طعاماً كثيراً، فدعاهم فعرض السيف على فخذه، فأكلوا، فلم يزمزمُوا، فألقوا وقرَ بغلٍ أو بغلين من الورق، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس (١)، حتى شهد
стр. 3171
عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجرَ".
وفي رواية البخاري (١) مختصراً قال: "كنت كاتباً لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب، قبْلَ موته بسنةٍ: فرقوا بين كل ذي محرمٍ من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر".
وفي رواية الترمذي (٢) مختصراً قال: "كنت كاتباً لجزء بن معاوية على مناذر، فجاءنا كتاب عمر: انظر موس من قبلك، فخذ منهم الجزية، فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر".
٥٠١٩ - * روى مالك في الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عمر ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعتُ النبي ﷺ يقول: "سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب".
стр. 3172
٥٠٢٠ - * روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب ﵀ قال: "بلغني: أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس فارس، وأن عثمان بن عفان أخذها من البربر".
٥٠٢١ - * روى أبو داود عن أنس "أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذوه فأتوا به فحقن له دمهُ وصالحه على الجزية".
٥٠٢٢ - * روى مالك في الموطأ عن ابن عمر "أن عمر كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ويأخذ من قطنية العُشر".
٥٠٢٣ - * روى مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد: "كنت عاملاً مع عبد الله بن عُتبة بن مسعود في زمن عمر فكنا نأخذ من النبط العُشر قال مالك سألت ابن شهاب على أي وجهٍ كان يأخذ عمر من النبط العُشر؟ فقال كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهلية فألزمهم ذلك عمر".
٥٠٢٤ - * (١) روى مسلم عن أبي هريرة رفعه: "منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مُدها ودينارها ومنعت مصر أردُبها ودينارها ثم عدتم من حيث بدأتم"، قالها زهير ثلاث مرات شهد على ذلك لحمُ أبي هريرة ودمه.
لعل في ذلك إشارة إلى توقف العمل بالجزية بسبب زوال الخلافة والحكم بغير ما أنزل
стр. 3173
الله مما نشاهده الآن. وفسره بعضهم أن فيه إشارة إلى إسلام أهل تلك البلاد.
أقول: لكن الواقع يشهد لبقاء أهل كتاب مع انقطاع الجزية فيها لما أشرنا. وفسر أنه انقطاع طاعة أهل الكتاب ويؤيده حديث أبي هريرة في الصحيح: "كيف أنتم إذا لم تحبوا ديناراً ولا درهماً، فقيل وكيف ترى ذلك كائناً؟ ... قال: "تهتك حرمة الله وذمة رسوله فيشد الله على قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم".
وذكر النووي (١٨/ ٢٠) غير هذا قولاً آخر: "أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان فيمنعون حصول ذلك للمسلمين وقد روى مسلم هذا بعد هذا الحديث بورقات عن جابر قال: يوشك أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك قال: "من قبل العجم يمنعون ذاك .. ".
- في الغدر:
٥٠٢٥ - * روى الشيخان عن ابن عمر رفعه: "إن الغادر يُنصبُ له لواءٌ يوم القيامة فيُقال هذه غدرة فلان".
٥٠٢٦ - * روى مسلم عن أبي سعيد رفعه "لكل غادرٍ لواءٌ عند أسته يوم القيامة".
وفي رواية (١): "لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُرفع له بقدر غدرته ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامةٍ".
стр. 3174
الفصل السادس
الغنائم والنفل والفيء وفي سهم النبي ﷺ
والخمس والغلول والنهبة
стр. 3175
- في الأنفال:
الأنفال: هو أن يعطي الإمام من شاء من المقاتلين زيادة على نصيبه لملحظ يراه، ورأى بعض الفقهاء أن النفل إنما يكون من الخمس الواجب لبيت المال. ومنهم من رأى أنه من خمس الخمس أي من حظ الإمام فقط، وقوم قالوا: بل من الغنيمة.
٥٠٢٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كل قسمٍ. قُسم في الجاهلية فهو على ما قُسم، وكل قسمٍ أدركه الإسلام ولم يُقسم فهو على قسم الإسلام".
٥٠٢٨ - *روى النسائي عن رافع بن خديج ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يجعلُ في قسم المغانم عشراً من الشاء ببعيرٍ".
٥٠٢٩ - * روى أحمد عن عامر بن سعد "أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعدٌ جاءه أهل العبد فكلموه أن يردَّ على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرُد عليهم".
والمراد أن رسول الله ﷺ كان قد نفل سعد بن أبي وقاص هذا الذي اقتطع منه الغلام ما اقتطع، فأبى سعد لهذا أن يتنازل عن شيء من ذلك.
٥٠٣٠ - * روى أبو داود عن أبي وهب قال: سمعتُ مكحولاً يقول: "كنتُ عبداً بمصر لامرأةٍ من هُذيل فأعتقتني، فما خرجت من مصر وبها علمٌ، إلا وقد حويت عليه، فيما أُرى، ثم أتيتُ العراق، فما خرجتُ منها وبها علمٌ، إلا وقد حويتُ عليه، فيما أرى، ثم أتيتُ الشام، فغربلتها، كل ذلك أسأل عن النفل (١)؟ فما أجد أحداً يخبرني فيه
стр. 3176
بشيء، حتى لقيتُ شيخاً يُقال له: زياد بن جارية التميمي، فقلت له: هل سمعت في النفل شيئاً؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة.
وفي رواية (١) مختصراً، قال: "كان رسول الله ﷺ يُنفلُ الثلث بعد الخُمسِ".
وفي أخرى (٢): "كان يُنفلُ الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل".
قال الخطابي: قال ابن المنذر: إنما فرق النبي ﷺ بين البدأة والقفول، لقوة الظهر عند دخولهم، وضعفه عند خروجهم، لأنهم وهم داخلون أنشط وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو، وهم عند القفول أضعف، لضعف دوابهم وأبدانهم، وهم أشهى للرجوع، فزادهم في القفول لذلك.
قال الخطابي: وكلام ابن المنذر في هذا ليس بالبيِّن، لأن فحواه يوهم أن معنى الرجعة: هو القفول إلى أوطانهم، وليس المعنى كذلك، إنما البدأة: هي إبتداء سفرٍ لغزو، فإذا نهضت سريةٌ من جملة العسكر نفلها الربع، فإن قفلوا من الغزاة ثم رجعوا، فأوقعوا بالعدو ثانية، كان لهم الثلث من الغنيمة، لأن نهوضهم بعد القفول أشق عليهم وأخطر.
٥٠٣١ - * روى الترمذي عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُنفِّلُ في البدأة الرُّبع".
стр. 3177
٥٠٣٢ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يُنفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش".
زاد في رواية (١): "والخُمسُ في ذلك كله واجبٌ".
وفي رواية (٢) قال: "نفلنا رسول الله ﷺ نفلاً، سوى نصيبنا من الخمس، فأصابني شارفٌ". والشارف من الإبل: المُسنُّ الكبير.
وفي أخرى (٣) قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في سرية قبل نجدٍ، فبلغتْ سُهماننا أحد عشر بعيراً - أو إثنى عشر بعيراً - ونفلنا بعيراً بعيراً".
وفي رواية (٤):: ونُفلوا بعيراً بعيراً، فلم يغيره النبي ﷺ ".
وفي أخرى (٥): "فأصبنا إبلاً وغنماً فبلغت سهمانُنا إثنى عشر بعيراً، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيراً بعيراً".
هذه رواية البخاري ومسلم. وأخرج الموطأ وأبو داود نحوها.
ولأبي داود (٦) أيضاً، قال: "بعث رسول الله ﷺ سريةً إلى نجدٍ، فخرجتُ معها، فأصبنا نعماً كثيراً، فنفلنا أميرُنا بعيراً بعيراً لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجلٍ منا اثنا عشر بعيراً، بعد الخُمس، وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبُنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجلٍ منا ثلاثة عشر بعيراً بنفله".
стр. 3178
٥٠٣٣ - * روى الترمذي عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله صلى الهل عيه سولم "بعث إلى جيشين، وأمر على أحدهما علياً، وعلى الآخر خالداً، وقال: إذا كان القتال فعلي، قال: فافتتح عليُّ حصناً، فأخذ منه جاريةً، قال: فكتب معي خالد إلى رسول الله ﷺ يُخبره، قال: فلما قدمتُ على رسول الله ﷺ ، وقرأ الكتاب، رأيته يتغير لونه، فقال: ما ترى في رجلٍ يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فقلت: أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، وإنما أنا رسولٌ، فسكتَ".
٥٠٣٤ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص قال: بعث إليَّ رسول الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني" قال: فأتيته وهو يتوضأ فصعد في البصر ثم طأطأهُ فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيُسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبةً صالحةً" فقلت يا رسول الله: ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله ﷺ فقال: "يا عمرو نعماً بالمال الصالح للمرء الصالح".
- في الخُمس:
الغنائم كما نوهنا في التقديم تقسم خمسة أخماس: أربعة منها للمقاتلين وخمس له حكمه الخاص. فروى أنه خمسة أسهم: لله ولرسوله سهم، لوذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم [انظر مصنف عبد الرزاق (٥/ ٢٣٨)].
كما قال تعالى (١): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى
стр. 3179
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وروى عن ابن عباس أنه أربعة أقسام: فسهم الله ورسوله ذي القربى يُعطى لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين سهم لابن السبيل.
ولما مات النبي ﷺ أسقط سهم الله ورسوله وذي القربى وبقيت الثلاثة، وكان عليٌّ يرى: أن خمس الخمس لذي القربى لكنه مع ذلك لما صار خليفة سار على هدى أبي بكر وعمر.
فمن الفقهاء من يرى أن الخمس يقسم خمسة أقسام، ومنهم نم يرى أنه أربعة بإسقاط سهم الله لأنه لافتتاح الكلام، ومنهم من يرى أنه ثلاثة، ومنهم من يرى أنه للفقير والغني كالفيء.
٥٠٣٥ - * روى مالك في الموطأ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ حين صدر من حُنين وهو يريد الجعرانة سأله الناس حتى دنتْ به ناقته من شجرة فتشبكتْ بردائه فنزعته عن ظهره فقال: "رُدوا عليَّ ردائي أتخافون أن لا أقسم بيمينك ما أفاء الله عليكم؟ والذي نفسي بيده لو أفاء الله عليكم مثل سمُر تهامة نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً" فلما نزل قام في الناس فقال "أدوا الخائط والمخيط فإن الغلول عارٌ وشنارٌ على أهله يوم القيامة" ثم تناول من الأرض وبرة من بعير أو شيئاً ثم قال: "والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخُمس والخُمس مردودٌ عليكمْ".
٥٠٣٦ - * روى أبو داود عن عمرو بن عبشة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عيه وسلم إلى بعير من المغنمٍ، فلما صلى أخذ وبرةً من جنب البعير، ثم قال: "لا يحل لي من غنائمكم مثلُ هذا، إلا الخُمس، والخمس مردودٌ فيكم".
٥٠٣٧ - * (١) روى الطبراني عن فُضالة بن عبيدٍ قال: إن أقواماً يريدون أن يستنزلوني
стр. 3180
عن ديني ولا يكونُ ذلك حتى ألقى محمداً ﷺ وأصحابه، من باع طعاماً أو علفاً مما أُصيب بأرض الروم بذهبٍ أو فضةٍ فقد وجب فيه الخُمس، خُمس الله وسهم المسلمين.
- في تقسيم الغنائم:
بسبب من تطور أدوات القتال واحتياجات بناء الجيوش وما يصرف لها من مرتبات وما تكلفه به الخزينة من إعداد، يجتهد بعض الفقهاء المعاصرين في حكم أربعة أخماس الغنيمة وأنه يمكن للإمام أن يصرفها في مصالح المسلمين ويستغني عن توزيع الغنائم بما يخصص للجند من مرتبات.
أو أنه يحكم للغنائم الثقيلة من دبابات وطائرات حكم الأرض والغنائم غير المنقولة حيث قال الإمام مالك تبقى وقفاً تصرف في مصالح المسلمين، وأكثر الفقهاء على أن يسهم في الغنيمة لمن حضر القتال ولو لم يقاتل، وإذا جاء بعد القتال فلا يسم له، وقال الإمام أبي حنيفة: إذا لحق بالجيش قبل خروجه إلى دار الإسلام واشتغل بشيء من أسبابها يسهم له.
وأكثر الفقهاء أنه يسهم للذكران الأحرار البالغين، وأما العبيد والنساء والأطفال فيرضخ لهم، والرضخ: العطية القليلة يقدرها الإمام.
وقال الجمهور يجب للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللراجل سهم، لما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قسم غنائم بدر للفارس سهمان وللراجل سهم (انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ١٨٠).
وفيما يلي عرض للنصوص تبين هدي النبي ﷺ في قسمة الغنائم.
٥٠٣٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين، وللراجل سهماً. وفي رواية بإسقاط لفظة "النفل" (١).
стр. 3181
وفي رواية أبي داود (١): أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهماً له، وسهمين لفرسه.
٥٠٣٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قام - يني: يوم بدرٍ - فقال: "إن عثمان انطلق في حاجة الله، وحاجة رسوله، وإني أبايعُ له"، فضرب له ﷺ بسهمٍ، ولم يضربْ لأحدٍ غاب غيره.
٥٠٤٠ - * روى أبو داود عن بُشير بن يسار: "لما أفاء الله على رسوله ﷺ خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهماً، جمع كل سهم مائة سهمٍ فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به الوطيحة والكتيبة وما أُحيز معهما، وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين الشق والنطاءة وما أحيز معهما، وكان سهمه ﷺ فيما أحيز معهما".
وفي رواية (٢): "الوطيح والكتيبة والسلاليم".
٥٠٤١ - * روى أبو داود عن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: "قسم رسول الله خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجاته، ونصفاً بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً".
стр. 3182
٥٠٤٢ - * روى أبو داود عن مجمع بن جارية الأنصاري، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ ، فخرجنا مع الناس نُوجفُ، فوجدنا النبي ﷺ واقفاً على راحلته عند كُراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فقال رجل: يا رسول الله، أفتح هو؟ قال: "نعم، والذي نفسُ محمدٍ بيده إنه لفتحٌ" فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً.
٥٠٤٣ - * روى أبو داود عن ابن شهابٍ: "خمس النبي ﷺ خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها ومن غاب عنها من أهل الحديبية".
٥٠٤٤ - * (١) روى الشيخان عن ابن عمر "أعطى النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرجُ منها
стр. 3183
من ثمر أو زرعٍ فكان يُعطى أزواجَهُ كل سنةٍ مائة وسقٍ: ثمانين وسقاً من تمر وعشرين وسقاً من شعيرٍ: فلما وليَ عمرُ قسم خيبر حين أجلى منها اليهود فخير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يُمضى لهن الأوساق فمنهن من اختار الأرض والماء منهن عائشة وحفصة واختار بعضهن الوسق".
٥٠٤٥ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "قدمتُ على رسول الله ﷺ في نفرٍ من الأشعريين، بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا، ولم يقسم لأحدٍ لم يشهد الفتح غيرنا".
وفي رواية أبي داود (١) قال: قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ ، حين افتتح خيبر، فأسهم لنا- أو قال: فأعطانا منها - وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر منها شيئاً، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا: جعفرُ وأصحابه، فأسهم لهم معهم.
٥٠٤٦ - * روى البخاري عن أبو هريرة أتينا النبي ﷺ هو بخيبر بعدما افتتحها فقلت: يا رسول الله أسهم لي فقال بعض بني سعيد بن العاص لا تُسهم له يا رسول الله فقلت هاذ قاتل ابن قوقل فقال: واعجباً لوبر تدلى علينا من قدوم ضأنٍ ينعى عليَّ قتل رجل مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهُني على يديه، قال عنبسةُ: فلا أدري أسهم له أم لا.
٥٠٤٧ - * روى النسائي عن ابن الزبير بن العوام ﵄ قال: "ضرب
стр. 3184
رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير، أربعة أسهم: سهم للزبير، وسهم لذي القربى بصفية بنت عبد المطلب أم الزبير، وسهمان للفرس".
٥٠٤٨ - * روى أحمد عن الزبير أن النبي ﷺ "أعطى الزبير سهماً وأمه سهماً وفرسه سهمين".
٥٠٤٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "أيُّما قرية أتيتموها، أو أقمتم فيها، فسهمكم فيها، وأيُّما قرية عصت الله ورسوله، فإن خُمسها لله ولرسوله، وهي لكمْ".
٥٠٥٠ - * روى أبو داود عبد الله بن عمر ﵄ "أن جيشاً غنمُوا في زمن رسول الله ﷺ طعاماً وعسلاً، فلم يُؤخذْ منه الخُمسُ".
وقال الخطابي: لا أعلم بين الفقهاء خلافاً في أن الطعام لا يخمس في جملة ما يخمس من الغنيمة، وأن لواجده أكله ما دام الطعام في حد القلة وقدر الحاجة، وما دام واجده مقيماً في دار الحرب.
٥٠٥١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "كنا نُصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله، ولا نرفعه".
في قوله (لا نرفعه): قال الحافظ: أي: ولا نحمله على سبيل الادخار، ويحتمل أن يريد: ولا نرفعه إلى متولي أمر الغنيمة، أو إلى النبي ﷺ ولا نستأذنه في أكله اكتفاءاً بما سبق منه من الأذن.
٥٠٥٢ - * (١) روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "أُتي رسول الله ﷺ
стр. 3185
بظبية فيها خرزٌ، فقسمها للحرة والأمة، قالت عائشة: كان أبي يقسمُ للحر والعبد".
٥٠٥٣ - * روى أبو داود عن عمير مولى أبي اللحم: "شهدتُ خيبر مع ساداتي فكلموا في رسول الله ﷺ فقلدتُ سيفاً فإذا أنا أجُره فأخبر أني ممولك فأمر لي بشيء من خرثيِّ المتاع وعرضت عليه رُقية كنت أرقي بها المجانين فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها".
- في سهم النبي ﷺ وآله:
٥٠٥٤ - * روى مسلم عن مالك بن أوس: "أرسل إليَّ عمر فجئته حين تعالى النهار فوجدته في بيته جالساً على سريره مفضياً إلى رماله متكئاً على وسادة من أدمٍ فقال إليَّ يا مال إنه قد دف أهل أبيات من قومك وقد أمرتُ فيهم برضخ فخذهُ فاقسمه بينهم قلت لو أمرت بهذا غيري قال خذه يا مال فجاء يرفأ فقال هل يا أمير لمؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعدٍ؟ فقال: نعم فأذن لهم فدخلوا ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم فأذن لهما فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا فقال القوم أجل يا أمير المؤمنين فاقضي بينهم وارحهم فقال مالك بن أوس: فخُيل إليَّ أنهم قد كانوا قدموهم لذلك فقال عمر اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرضّ أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة قالوا: نعم ثم أقبل على العباس وعليٍّ فقال أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمان أنه ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة؟ قالا: نعم قال: إن الله خص رسوله بخاصة لم يخصص بها أحداً غيره فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
وفي رواية (١): "ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ
стр. 3186
فقسم ﷺ بينكم أموال بني النضير فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال فكان يأخذ منه نفقة سنةٍ ثم يجعل ما بقي أسوة المال ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمان ذلك؟ قالوا: نعم ثم نشد عباساً وعلياً بذلك قالا: نعم قال: فلما توفي ﷺ فجئتما تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر قال ﷺ : "لا نورث ما تركناه صدقة" ثم توفي أبو بكر وأنا وليُّ رسول الله ﷺ وولي أبو بكر فوليتها ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحدٌ فقلتم ادفعها إلينا فقلت: إن شئتم دفعتها إليكم على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل ﷺ فأخذتماها بذلك، أكذلك؟ قالا نعم، قال: جئتماني لأقضي بينكما لا والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فرُداها إليَّ".
ومن رواياته (١): "قال عمر كانت أموالُ بني النضير، مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجفْ عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركابٍ فكانت للنبي خاصةً فكان يُنفقُ على أهله نفقة سنةٍ منها ويحبس لأهله قوت سنتهم وما بقي جعله في الكُراع والسلاح عدةً في سبيل الله".
ومنها: "اقض بيني وبين هذا الظالم استبا".
ومنها (٢): "اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن، وفيه: قال أبو بكر قال ﷺ : "لا نورث ما تركناه صدقة" فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفي أبو بكر فقلت أنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبو بكر فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً والله يعلم ني لصادق بار تابع للحق فوليتها".
ومنها (٣): قال أبو داود "إنما سألا أن يكون يُصيرهُ نصفين بينهما لا أنهما جهلا أن النبي ﷺ قال لا نورث ما تركناه صدقةٌ فإنهما كانا لا يطالبان إلا الصواب فقال عمر: لا أقوعُ عليه اسم القسم أدعه على ما هو".
стр. 3187
وللنسائي (١): قال مجاهد: الخمس الذي لله وللرسول كان النبي ﷺ وقرابته لا يأكلون من الصدقة شيئاً فكان له خمس الخمس، ولقرابته خمس الخمس، ولليتامى مثل ذلك وللمساكين مثل ذلك ولابن السبيل مثل ذلك: قال النسائي: قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ثم حكى عن عمر: أنه قال: في آخر حديثه: "واعلموا أن ما غنمتم من شيء ... " الآية هذه لهؤلاء، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ إلى ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هذه هؤلاء ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال الزهري هذه لرسول الله ﷺ خاصةً قرى عرينة وفدك وكذا ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ... وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاستوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له في هذا المال حق إلا بعض من تملكون من أرقائكم ولئن عشتُ إن شاء الله ليأتين على كل مسلم حقه. وبين أبو داود فقال: قال الزهري: قال عمر: هذه فذكره وقال الحميدي: زاد البرقاني في روايته: "فغلب على هذه الصدقة عليُّ فكانت بيد عليٍّ ثم كانت بيد حسن بن علي ثم كانت بيد حُسينٍ ثم كانت بيد عليٍّ بن الحسين ثم كانت بيد الحسن بن الحسن ثم كانت بيد زيد بن الحسن ثم بيد عبد الله بن الحسن ثم ولاها بنو العباس".
قوله (الكاذب الآثم الغادر الخائن):
قال المازري: هذا اللفظ الذي وقع: لا يليق ظاهره بالعباس، وحاشا لعلي ﵁ أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف، فضلاً عن كلها، ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبي ﷺ أو لمن شهد له بها، لكنا مأمورين يحسن الظن بالصحابة ﵃، ونفي كل رذيلة عنهم، وإذا انسدت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى رواتها. وإذا كان هذا اللفظ لابد من إثباته، ولم يضف الوهم إلى رواته، فأجود ما حمل عليه: أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه، لأنه بمنزلة ابنه، وقال ما لا يعتقده، وما يعلم براءة ابن أخيه منه. ولعله قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطيء فيه، وأن هذه الأوصاف يتصف
стр. 3188
بها لو كان يفعل عن قصد، وأن علياً ﵁ كان لا يراها موجبة لذلك في اعتقاده.
قال المازري: وكذا قول عمر: "إنكما جئتما أبا بكر، فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً" وكذلك ذكر عن نفسه أنهما ريا كذلك، وتأويل هذا على نحو ماس بق. وهو أن المراد: أنكما تعتقدان أن الواجب أن تفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر، فنحن على مقتضى رأيكما، لو أتينا ما أتينا ونحن معتقدان ما تعتقدانه: لكنا بهذه الأوصاف، أو يكون معناه: أن الأيمان إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف، ويتهم في قضاياه، فكأن مخالفتهما لنا تشعر من رآها أنكما تعتقدان لك فينا. والله أعلم.
قال المازري: وأما الاعتذار عن علي والعباس ﵄ في أنهما ترددا إلى الخليفتين، مع قوله ﷺ : "لا نورث، ما تركنا صدقة" وتقرير عمر ﵁، أنهما يعلمان ذلك، فأمثل ما فيه: ما قاله بعض العلماء: أنهما طلبا أن يقسماها بينهما نصفين ينتفعان بها على حسب ما ينفعهما الإمام بها لو وليها بنفسه، فكره عمر أن يوقع عليها اسم القسمة لئلا يظن مع تطاول الأزمان: أنها ميراث، وأنهما ورثاها، لا سيما وقسمة الميراث بين البنت والعم نصفان: فيلتبس ذلك، ويظن أنهم تملكوا ذلك.
ومما يؤيد ما قلناه: ما قاله أبو داود: "أنه لما صارت الخلافة إلى علي ﵁، لم يغيرها عن كونها صدقة" وبنحو هذا احتج السفاح، فإنه لما خطب أول خطبة قام بها في الناس، قام إليه رجل قد علق في عنقه المصحف. فقال "أنشدك الله إلا ما حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف، فقال: من هو خصمك؟ قال: أبو بكر، في منعه فدك. قال: أظلمك؟ قال: نعم. قال: فمن بعده؟ قال: عمر. قال: أظلمك؟ قال: نعم. وقال في عثمان كذلك. قال: فعلى ظلمك؟ فسكت الرجل، فأغلظ له السفاح".
قال القاضي عياض: وقد تأول قوم طلب فاطمة ﵂ ميراثها من أبيها على أنها تأولت الحديث - إن كان بلغها - قوله ﷺ : "لا نورث" على الأموال التي لها بال، فهي التي لا تورث ... لا ما يتركون من طعام وأثاث وسلاح. وهذا التأويل خلاف ما ذهب إليه أبو بكر وعمر ﵄، وسائر الصحابة ﵃ أجمعين.
وأما قوله ﷺ : "ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عاملي" فليس معناه: إرثهن منه، بل لكونهن محبوسات عن الأزواج لسببه، أو لعظم حقهن في بيت المال
стр. 3189
لفضلهن، وقدم هجرتهن، وكونهن أمهات المؤمنين. كذلك اختصصن بمساكنهن لم يرثها ورثتهن.
قال القاضي: وفي ترك فاطمة ﵂ منازعة أبي بكر ﵁ بعد احتجاجه عليها بالحديث: التسليم للإجماع على القضية، وأنها لما بلغها الحديث، وبين لها التأويل تركت رأيها، ثم لم يكن منها ولا من أحد من ذريتها بعد ذلك طلب الميراث. ثم لما ولي علي ﵁ الخلافة لم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر فدل على أن طلب علي والعباس ﵄: إنما كان طلب تولي القيام بها بأنفسهما، وقسمتها بينهما كما سبق، قال: وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر ﵄، فمعناه: انقباضها عن لقائه، وليس هذا من الهجران المحرم الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء.
وقوله في الحديث: "فلم تكلمه" يعني: في هذا الأمر. أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة، ولا اضطرت إلى لقائه تكليمه، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته.
قال: وأما قول عمر: "جئتماني تكلماني. وكلمتكما واحدة، جئت يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك؟ وجاءني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها؟ " ففيه إشكال، مع إعلام أبي بكر لهم قبل هذا الحديث، وأن النبي ﷺ قال: "لا نورث".
وجوابه: أن كل واحد إنما طلب القيام وحده على ذلك، ويحتج هذا بقربه بالعمومة، وهذا بقرب امرأته بالبنوة وليس المراد: أنهما طلبا ما علما منع النبي ﷺ لهما منه، ومنعهما منه أبو بكر ﵁، وبين لها دليل المنع، واعترفا له بذلك.
قال العلماء: وفي هذا الحديث: أنه ينبغي أن يولي أمر كل قبيلة سيدهم، ويفوض إليه مصلحتهم، لأنه أعرف بهم وأرفق بحالهم، وأبعد من أن يأنفوا من الانقياد له. لهذا قال الله : ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) وفيه جواز نداء الرجل باسمه من غير كنية.
стр. 3190
٥٠٥٥ - * روى أبو داود عن المغيرة "أن عمر بن عبد العزيز جمع بني مروان حين استخلف فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدكُ فكان يُنفقُ منها ويعود منها على صغير بني هاشم ويزوج منها أيمهُم وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى فكانت كذلك في حياته فلما أن ولي أبو بكر عمل فيها بما عمل ﷺ حتى مضى لسبيله، فلما أن ولي عمر عمل فيها بمثل ما عملا حتى مضى لسبيله ثم أُقطعها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز فرأيت أمراً منعه ﷺ فاطمة ليس لي بحق وإني أشهدكم أني رددتها على ما كانتْ".
- في الصفي:
٥٠٥٦ - * روى أبو داود عن عامر الشعبي "كان للنبي ﷺ يدعى الصفيُّ إن شاء عبداً أو أمةً أو فرساً يختاره قبل الخُمس".
٥٠٥٧ - * روى أبو داود عن قتادة، "كان النبي ﷺ إذا غزا بنفسه كان له سهمُ صفيٌّ يأخذه من حيث شاء فكانت صفيةُ من ذلك السهم وكان إذا لم يغزُ بنفسه ضُرب له بسهمٍ ولم يُخير".
٥٠٥٨ - * روى أبو داود عن يزيد بن عبد الله كنا بالبصرة فإذا رجلٌ أشعثٌ بيده قطعةَ أديم أحمر قلنا كأنك من أهل البادية؟ قال: أجل، قلنا: ناولنا هذه القطعة التي في يدك فناولناها فإذا فيها: "منْ محمدٍ رسول الله إلى بني زهير بن أقيش إنكمْ إن شهدتمْ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآتيتم الخمس من المغنم وسهم رسول الله وسم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله" فقلنا: من كتب هذا الكتاب؟ قال: النبي ﷺ .
أقول: خُص النبي ﷺ بثلاثة أمور من الغنيمة إذا لم تكن تحل له الصدقات، فخص بالخمس يضعه في مواضعه، وبالصفي وهو ما يصطفيه من عرض المغنم قبل القسمة من سيف أو غلام أو ما أحب، وخص بسهمه ﷺ (١).