وفي رواية (١) قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ: فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال لي: هكذا رأيتُ النبي ﷺ يتوضأ، وقال: قال النبي صلى الله ليعه وسلم: "أنتم الغُرُّ المحجلون يوم القيامة: من إسباغ الوضوء" فمن استطاع منكم فليُطل غُرته وتحجيله.
وفي أخرى (٢) أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً مُحجلين، من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل".
ولمسلم (٣) من رواية أبي حازم قال: كنت خلْفَ أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمُدُّ يده حتى تبلُغ إبطَهُ، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فرُّوخَ، أنتم هاهنا؟ لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلُغ الحِلْيَةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوءُ".
٥٣٢ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ : "ما من أمتي أحدٌ إلا وأنا أعرفُه يوم القيامة" قالوا يا رسول الله من رأيت ومن لم تر قال "من رأيت ومن لم أر غراً محجلين من آثار الطهور".
أقول: إطالة الغرّة تكون بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه والتحجيل يكون بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين إلى ما فوق المرفقين والكعبين وهما مندوبان عند الجمهور، ويكره المالكية إطالة الغرة وتأولوا أحاديث إطالة الغرة.
стр. 352
- في مقدار الماء:
٥٣٣ - *روى الشيخان عن أنس بن مالك رض الله عنه قال: كان النبي ﷺ يغتسل بالصَّاعِ إلى خمسة أمْدادٍ، ويتوضأ بالمُدِّ.
وفي رواية (١) كان يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكُّوك.
وفي رواية (٢): بخمس مكاكيَّ.
وفي رواية الترمذي (٣): أن رسول الله ﷺ قال: "يُجزيءُ في الوضوء رطلان ماءٍ".
وفي أخرى (٤) له: أنه كان يتوضأ بالمكُّوك، ويغتسل بخمس مكاكيكَ.
٥٣٤ - * روى مسلم عن سفينة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُغسِّلُه الصاعُ من الماء من الجنابة، ويوضئه المدُّ.
٥٣٥ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "يجزيءُ من الوضوء المُدُّ ومن الجنابة الصاعُ" فقال له رجل: لا يكفينا ذلك يا جابر؟ فقال: قد كفى من هو خيرٌ منك وأكثرُ شعراً.
стр. 353
قال: ابن خزيمة في قوله ﷺ : "يجزيءُ من الوضوء المد"، دلالة على أن توقيت المد من الماء للوضوء، أن ذلك يجزيءُ، لا أنه لا يجوز النقصان منه ولا الزيادة فيه.
٥٣٦ - * روى أبو داود عن أم عُمارة ﵂ أن النبي صلى الله ليه وسلم توضأ، فأُتِيَ بإناءٍ فيه ماء قدر ثلثي المدِّ.
وزاد النسائي (١): قال شعبة: فأحفظُ: أنه غسل ذراعيه، وجعل يدلكُهما، ومسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما.
أقول: من مكروهات الوضوء الإسراف في صب الماء بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية أو ما يزيد على الكفاية، ومن الإسراف الزيادة على الثلاث في الغسلات وعلى المرة الواحدة في المسح عند الجمهور غير الشافعية، والكراهة تنزيهية إلا إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلات الثلاثة من أعمال الوضوء فتكون الكراهة تحريمية أما إذا زاد للنظافة أو للطمأنينة، ونحوها فلا كراهة، والإسراف في الماء الموقوف على الوضوء كالماء المُعَدِّ للوضوء في المساجد كراهته تحريمية.
- آداب تتعلق بالوضوء:
١ - استعمال الطيب:
٥٣٧ - * روى الطبراني عن يزيد بن أبي عبيدٍ أن سلمة بن الأكوع كان إذا توضأ يأخذ المِسْكَ فيديفُه في يده ثم مسح به لحيته.
стр. 354
٢ - إحسان الوضوء:
٥٣٨ - * روى أحمد عن عبد الملك بن عمير قال سمعت شبيباً أبا روح من ذي الجلاع أنه صلى مع النبي ﷺ فقرأ بالروم فتردد في آية فلما انصرف قال: "إنه لُبِسَ علينا القرآن إن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء".
٣ - التوضؤ لكل صلاة:
٥٣٩ - * روى البخاري عن أنس كان رسول الله ﷺ يتوضأُ لكلِّ صلاةٍ، قيل كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزيءُ أحدنا الوضوء مالم يُحدِثْ.
٥٤٠ - * روى مسلم عن بريدة أن النبي ﷺ يوم الفتح صلى الصلوات بوضوءٍ واحدٍ فقال عمر: فعلت شيئاً لمْ تكُنْ تفعلهُ قال: "عمداً فعلتُهُ يا عمر".
٥٤١ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بوضوءٍ واحد.
стр. 355
٥٤٢ - * روى ابن خزيمة عن محمد بن يحيى بن حبان سأل عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهرٍ عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة ابن أبي عامر الغسيل حدثها أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً كان أو غير طاهرٍ، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة ووُضع عنه الوضوء إلا من حدث. وكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك، ففعله حتى مات.
هذا حديث يعقوب بن إبراهيم، غير أن محمد بن منصور قال: وكان يفعله حتى مات.
٤ - التيامن:
٥٤٣ - * روى الستة عن عائشة كان النبي ﷺ يحب التيامُن ما استطاع في شأنهِ كله في طوهره وترجُّله وتنعُّله.
٥ - كراهة الكلام في الوضوء:
٥٤٤ - * روى ابن خزيمة عن المهاجر بن قُنْقُذ بن عمر بن جدعان: أنه أتى النبي ﷺ وهو يتوضأ، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه رسول الله ﷺ حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كرهت أن أذكُر الله إلا على طُهْر" أو قال: "على طهارة". وكان الحسنُ يأخذ به.
стр. 356
أقول: لا يُسلم على من يتوضأ ومن سُلم عليه فلا يجبُ عليه أن يرد السلام حتى ينتهي من وضوئه.
نواقض الوضوء:
قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (١) وذلك كناية عن الحدث من بول أو غائط.
واتفق الفقهاء أن كل خارج من أحد السبيلين معتاد كبول أو غائط أو ريح أو مذي أو ودي أو مني أو غير معتاد كدودة وحصاة ودم، قليلاً كان الخارج أو كثيراً فإنه ينقض الوضوء، والمني ينقض الوضوء ويوجب الغسل وكذلك دم الحيض والنفاس بعد الطهر واستثنى الحنفية في الأصح ريح القبل فهو غير ناقض لأنه اختلاج.
واستثنى المالكية الخارج غير المعتاد من المخرج المعتاد في حال الصحة، وأصحاب الأعذار لهم أحكامهم كما سنرى.
وقد سبق في العرض الإجمالي ذكر تعداد نواقض الوضوء. وإلى عرض النصوص.
- من النواقض: الصوت والريح:
٥٤٥ - * روى الترمذي عن علي بن طلقٍ ﵁ قال: أتى أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، الرَّجلُ منَّا يكونُ في الفلاة، فتكون منه الرُّويْحَةُ، ويكون في الماء قِلَّةٌ فقال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدكم فليتوضأْ، ولا تأتُوا النساء في أعجازهنَّ، فإن الله لا يستحي من الحقِّ".
وفي رواية (٢) أبي داود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسا أحدُكم في الصلاة فلينصرف، وليتوضأ، وليعُد الصلاة".
стр. 357
٥٤٦ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تُقْبَلُ صلاةُ من أحدث حتى يتوضأ فقال رجلٌ من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُساءٌ، أو ضُراط.
وفي رواية (١) قال: "لا وضوء إلا من حدثٍ"، قال له رجل أعجمي: ما الحدث؟ قال: فُساءٌ أو ضُراط".
- المذي والوضوء منه:
٥٤٧ - * روى الشيخان عن علي بن أبي طالب ﵁ قال محمد بن الحنفية: قالع عليٌّ: كنتُ رجلاً مذاءً، فاستحييتُ أن أسأل رسول الله ﷺ ، لمكان ابنته، فأمرتُ المقداد بن الأسود، فسأله؟ فقال: "يغسلُ ذكره ويتوضأُ".
ولأبي (٢) داود عن عروة عن علي بن أبي طالب: قال للمقداد ... فذكر نحو هذا، يعني: رواية الموطأ (٣)، قال: فسأله المقداد؟ فقال رسول الله ﷺ "ليغْسِلْ ذكره وأُنثَييه".
وله في أخرى (٤) قال: كنتُ رجلاً مَذَّاءً، فجعلتُ أغتسلُ، حتى تشقق ظهري، قال: فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله لعيه وسلم - أو ذُكِرَ له - فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعلْ، إذا رأيت
стр. 358
المذي فاغسلْ ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخْتَ الماء فاغتسلْ".
وفي رواية (١) الترمذي قال عليٌّ: سألتُ النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: "من المذي الوضوء، ومن المني الغُسْلُ".
فائدة: قال الإمام النووي في شرح حديث علي في مسلم أرسلنا المقداد وفيه "انضح فرجك" اغسله فن النضح يكون غسلا ويكون رشاً وقد جاء في الرواية الأخرى "يغسل ذكره" فتعين حمل النضح عليه ا. هـ.
٥٤٨ - * روى أبو داود عن سهل بن حنيفٍ ﵁ قال: كنتُ ألقى من المذي شدةً وعناءً، وكنتُ أُكثرُ منه الاغتسال، فسألتُ النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إنما يُجزيك من ذلك الوضوءُ"، قلتُ: يا رسول الله، كيف بما يُصيب الثوب منه؟ فقال: "يكفيك أن تأخذ كفاً من ماءٍ فتنضح به حيثُ ترى أنه أصاب من ثوبك".
٥٤٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن سعدٍ الأنصاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عما يُوجِبُ الغسل؟ وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: "ذاك المذيُ، وكلُّ فحلٍ يمذي، فلتغسِلْ من ذلك فرجك وأُنْثَييك، وتوضأْ وضوءك للصلاة".
٥٥٠ - * روى مالك عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إني لأجده ينحدر مني
стр. 359
مثل الخُريزة، فإذا وجد ذلك أحدُكم فليغسلْ ذكرهُ، وليتوضأ وضوءه للصلاة- يعني المذي".
أقول: يحتمل أن المراد بما ذكره عمر الودي فهو الذي يخرج عادة كثيفاً أبيض عقب البول.
- القيء والدم وحكم الوضوء منهما:
٥٥١ - * روى أبو داود عن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قاءَ وكان صائماً، فتوضأ، قال معدانُ: ولقيتُ ثوبان في مسجد دمشق، فسألتُه؟ فقال: صدق، وأنا صببتُ له وضوءه".
أقول: قال الحنفية والحنابلة: إن القيء ينقض الوضوء، والنقض عند الحنفية: إذا كان القيء ملء الفم وهو ما لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف، والنقض عند الحنابلة إذا كان القيء كثيراً فاحشاً وهو ما يستكثره صاحبه. وهذا حكم القيء عندهم سواء كان طعاماً أو ماء أو دماً من المعدة أو صفرا، أما البلغم والبصاق والنخامة فإنها طاهرة، والجشاء وهو الريح الذي يخرج من فم الإنسان لا ينقض الوضوء، وقال المالكية والشافعية: إن القيء لا ينقض الوضوء وحملوا هذا الحديث على أن المراد به الغسل للتنظيف.
٥٥٢ - * روى مالك عن المسور بن مخرمة أنه دخل على عمر بن الخطاب ﵁ من الليلة التي طُعن فيها، فأيقظ عمر لصلاة الصبح، فقال عمر: نعم، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى عمر، وجُرْحُ يثْعَبُ دماً.
٥٥٣ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵁ قال (١): خرجنا مع رسول الله
стр. 360
صلى الله عليه وسلم "يعني: في غزوة ذات الرِّقاع - فأصاب رجلٌ امرأة رجلٍ من المشركين، فحلف: أن لا أنتهي حتى أهريق دماً من أصحاب محمدٍ، فخرج يتبعُ أثر النبي ﷺ ، فنزل النبي ﷺ منزلاً، فقال: "مَنْ رجلٌ يكلؤُنا؟ " فانتْدِب رجلٌ من المهاجرين، ورجلٌ من الأنصار فقال: "كونا بفَمِ الشعْبِ" فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجريُّ، وقام الأنصاري يُصلي، فأتى الرجل، فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئةٌ للقوم، فرماه بسهمٍ، فوضعه فيه، ونزعه، حتى رماه بثلاثة أسهُم، ثم ركع وسجد، ثم أنبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، فلما رأى المهاجريُّ ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنتُ في سورةٍ أقرؤها، فلم أُحِبَّ أن أقطعها.
أقول: قال الحنفية: الدم والقيح والصديد ناقض للوضوء إذا سال إلى موضع يلحقه حكم التطهير وهو ظاهر الجسد، وقال الحنابلة: إذا كان الدم كثيراً بالنسبة لكل إنسان بحسبه فإنه ناقض، وقال المالكية، والشافعية: لا ينتقض الوضوء بالدم ونحوه، ولكلٍ دليله، وكل قد وجه النصوص الواردة بما يتفق مع مذهب، فمثلاً كانت حالة عمر ضرورة، وكان فعل الصحابي اجتهاداً منه، وقد طعن الحنفية في الحديث.
- حكم القبلة واللمس:
٥٥٤ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﷺ قَبَّل امرأةً من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأْ، قال عروةُ: فقلتُ لها: ومن هي إلا أنتِ؟ فضحكَتْ".
стр. 361
وفي رواية (١): "أن النبي ﷺ قبَّلها ولم يتوضأ".
وفي رواية (٢): "أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه، ثم يصلي ولا يتوضأ".
أقول: قال الحنفية إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء إلا في حالة المباشرة الفاحشة وهي أن يضع كل عضو منه على كل عضو منها دون أن يلتقي الختانان، لأنه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. وقال المالكية ينتقض الوضوء بلمس المتوضيء البالغ لشخص يُلتذ به عادة إذا كان اللمس بشهوة ولذة، والقبلة بالفم تنقض الوضوء عندهم، أما في غير الفم فإنها لا تنقض الوضوء إلا إذا كانت بشهوة، وقال الحنابلة في المشهور: ينتقض الوضوء من لمس النساء بشهوة من غير حائل إذا كان الملموس مشتهى عادة، فلا يدخل في ذلك الطفل والطفلة، وقال الشافعية ينتقض الوضوء بلمس الرجل المرأة الأجنبية غير المحرم ولو ميتة أو عجوزاً أو شيخاً هرماً من غير حائل بينما ولو من غير قصد، ولا ينقض مسُّ شعر وسن وظفر، ولا ينتقض الوضوء بلمس صغير أو صغيرة لا يشتهي أحدهما عند ذوي الطباع السليمة.
حكم الوضوء من مس الذكر:
٥٥٥ - * روى أبو داود عن طلق بن عليٍّ اليماني ﵁ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ ، فجاءه رجلٌ كأنه بدويٌّ، فقال يا نبي الله، ما ترى في مسِّ الرجل ذكرَهُ بعد ما يتوضأ؟ فقال: "وهل هو إلا مُضغةٌ منه- أو بضعةٌ منه؟ ".
وأما الترمذي (٣): فإنه لم يخرج من الحديث إلا قوله: "هل هو إلا مُضغة منه- أو بضعة منه؟ " إلا أنه أخرجه في باب ترك الوضوء من مس الذكر.
стр. 362
وأما النسائي (١) فإنه قال: قدمنا على رسول الله ﷺ فبايعناه، وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاءه رجلٌ ... وذكر الحديث.
٥٥٦ - * روى الترمذي عن بسرة بنت صفوان ﵂ أنها قالت: إن النبي ﷺ قال: "من مس ذكره فلا يُصلي حتى يتوضأُ".
وفي رواية (٢) الموطأ عن محمد بن عمرو بن حزمٍ قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: دخلتُ على مروان بن الحكم، فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء؟ فقال مروان: مِنْ مس الذكر الوضوءُ. قال عروة: ما علمتُ هذا. فقال مروان: أخبرتني بُسرة بنت صفوان، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" وأخرج أبو داود (٣) والنسائي (٤) رواية الموطأ وللنسائي (٥) نحوه، وفيه: قال عروة: فلم أزلْ أُماري مروان، حتى دعا رجلاً من حرسه، فأرسله إلى بُسرة، وسألها عما حدثت من ذلك؟ فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروانُ.
وأخرج النسائي (٦) رواية الترمذي، وله في أخرى (٧) قالت: قال رسول الله ﷺ : "من مسَّ فرجَهُ فليتوضأ".
وفي أخرى (٨): "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ".
стр. 363
- زاد في الأوسط (١) والكبير بعد ذكره أو أنثييه أو رَفغيه.
ونقل ابن خزيمة عن مالك وأحمد استحباب الوضوء من مس الذكر دون الوجوب.
أقول: قال الحنفية: لا ينتقض الوضوء بمس القبل أو الدبر، وقال المالكية: ينتقض الوضوء بمس الذكر لا بمس الدبر إذا مسه عمداً أو سهواً من غير حائل ببطن الكف أو جنبه أو ببطن إصبع وبجنبه لا بظهره، وذلك عندهم في حق البالغ والبالغة، وقال الشافعية والحنابلة: ينتقض الوضوء بمس قبل ودبر من المرأة والرجل من نفس الإنسان أو من غيره، صغيراً أو كبيراً حياً أو ميتاً ولا يفرِّق الحنابلة بين باطن الكف وظهره، والشافعية لا يرون أن ظاهر الكف وحرفه ورؤوس الأصابع وما بينها ينقض الوضوء، والذي ينقض الوضوء عندهم هو ما يستتر عند وضع إحدى الراحتين على الأخرى مع تحامل يسير وفي الإبهامين بوضع باطن أحدهما على باطن الآخر فما استتر من الكف بهذا الضابط هو الذي ينقض الوضوء، وكل من الأئمة وجه ما ورد بما يتفق مع مذهبه أو اعتبر ما خالفه منسوخاً أو ضعيفاً أو أقل صحة. (الفقه الإسلامي ١/ ٢٧٧ - ٢٧٩).
- الوضوء من النوم:
٥٥٧ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ كان ينام جالساً ثم يُصلي ولايتوضأ.
٥٥٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال قتادةُ: قال أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عيه وسلم ينامون ثم يُصلون ولا يتوضؤون، قال: قلت: أسمعته من أنس؟ قال: إيْ والله.
стр. 364
٥٥٩ - * روى أبو داود عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وكاءُ السَّهِ العينان فمن نام فليتوضأ".
أقول: هذا محمول على من نام غير ممكنٍ مقعدته من الأرض أو نام عل هيئة يتوقع معها خروج شيء منه، أما من مكن مقعدته من الأرض أو كان على هيئة لا يتوقع معها خروج شيء منه فلا ينتقض وضوؤه.
٥٦٠ - * روى أحمد عن رجل قال رأيتُ نبي الله ﷺ نام حتى نفخ ثم صلى ولم يتوضأ.
وهناك روايات تذكر أن ذلك كان في سجوده ﵊.
أقول: قال الحنفية والشافعية: إن النوم الناقض للوضوء هو الذي لم تتمكن فهي المقعدة من الأرض أو محل الجلوس الذي لا يتوقع معه خروج شيء، ولا ينتقض الوضوء عند الحنفية بالنوم حالة القيام والقعود والسجود في الصلاة وغيرها، لأن بعض الاستمساك باق إذ لو زاد لسقط، فلم يتم الاسترخاء. وقال المالكية والحنابلة: إن النوم الخفيف أو اليسير لاينقض، أما النوم الثقيل فينقض الوضوء، وتعرف النوم الثقيل عند المالكية: هو ما لم يشعر صحبه بالأصوات أو بسقوط شيء من يده أو بسيلان ريقه ونحو ذلك، فإذا شعر بذلك فنومه خفيف ولو طال زمنه فلا ينقض، والنوم اليسير ند الحنابلة: هو ما كان يسيراً عرفاً من جالس أو قائم، فهم كالشافعية في غير الجالس ويزيدون على الحنفية أن النوم الكثير في كل الأحوال ناقض، فإن نام، وشكَّ هل نومه كثير أو يسير اعتبر طاهراً وإن رأى رؤيا فهو نوم كثير.
(رد المحتار ١/ ٩٥ المغني ١/ ١٧٣ الفقه الإسلامي ١/ ٢٧٠ - ٢٧٣).
стр. 365
٥٦١ - * روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت في حديث الكسوف: قمت حتى تجلاني الغشيُ، وجعلتُ أُصبُّ فوق رأسي ماء، قال عروة: ولم تتوضأ.
هذا طرف من حديث طويل.
أقول: لم يصل الحال مع أسماء ﵂ إلى الإغماء الكامل ولذلك لم تتوضأ، أما الإغماء الكامل فإنه يذهب معه الحس وقد يترتب عليه خروج شيء من أحد السبيلين فهو أشد من النوم، فيكون ناقضاً للوضوء، والحديث اللاحق يدل على ذلك.
٥٦٢ - * روى الشيخان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة، فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ فقالت: بلى، ثَقُل النبي ﷺ فقال: "أصلي الناسُ؟ " قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله، قال: "ضعُوا لي ماء في المخضب"، قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينُوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: "أصلَّي الناسُ"؟ قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله، قال: "ضعُوا لي ماء في المخضب"، قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأُغمي عليه، ثم أفاق، فقال: "أصلي الناسُ؟ " قلنا، لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله، قال: "ضعوا لي ماء في المخصب"، قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأُغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلي الناسُ؟ " فقلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله.
الوضوء مما مست النار:
٥٦٣ - * (١) روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ وجده عبد الله بن قارظٍ يتوضأ على
стр. 366
ظهر المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوارِ أقِطٍ أكلتُها، لأني سمعتُ النبي ﷺ يقولُ: "توضئوا مما مست النارُ".
٥٦٤ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال: كان آخرُ الأمرين من رسول الله ﷺ "ترك الوضوء مما مستِ النارُ".
٥٦٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاةٍ وصلى ولم يتوضأْ"، وللبخاري (١): "أنه انتشَلَ عرقاً من قدرٍ" وفي أخرى (٢): "تعرقَ النبيُّ ﷺ كتفاً"، ولمسلم (٣): "أنهُ أكل عرقاً أو لحماً ثم صلى ولم يتوضأ، ولم يمس ماءً". وأخرج أبو داود (٤): "أكل رسول الله ﷺ كتفاً ثم مسح يدهُ بمسحٍ كان تحتهُ، ثم قام فصلى" وفي أخرى (٥): "انتهَشَ منْ كتفٍ، ثم صلى، ولمْ يتوضأ". وفي رواية (٦) النسائي قال: "شهدتُ رسول الله ﷺ أكل خُبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأْ".
стр. 367
٥٦٦ - * روى الشيخان عن ميمونة ﵂ "أن النبي ﷺ أكل عندها كتفاً، ثم صلى ولم يتوضأ".
أقول: الأكل مما طبخ لا يؤثر على نقض الوضوء، ففعل أبي هريرة إما من باب الورع، وأما لأنه لم يعرف أن الحكم قد نسخ، قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٣) (واحتج هؤلاء بحديث توضؤوا مما مست النار، واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين: أحدهما أنه منسوخ بحديث جابر ﵁، قال: كان آخر الأمرين. فذكره والجواب الثاني: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار، ا. هـ ملخصاً).
وجمع الخطابي وغيره بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب. (انظر إعلاء السنن ١/ ١٠٦).
٥٦٧ - * روى مالك عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري ﵁ "أن أنس بن مالك قدم من العراق، فدخل عليه أبو طلحة وأُبيُّ بن كعبٍ، فقرب لهما طعامً قد مسته النار، فأكلوا منه، فقام أنسٌ فتوضأ، فقال له أبو طلحة وأُبيُّ بن كعب: ما هذا يا أنسُ؟ أعراقيةٌ؟ فقال أنس: ليتني لم أفعلْ، وقام أبو طلحة وأُبيُّ بن كعبٍ، فصليا ولم يتوضأ".
قال الزرقاني في "شرح الموطأ" أي: أبالعراق استفدت هذا العلم وتركت عمل أهل المدينة المتلقي عن النبي ﷺ .
قال الزرقاني في "شرح الموطأ": فدل فعلهما وإنكارهما - وهما من هما - على أنس ورجوعه إليهما، على أن إجماع أهل المدينة على أن لا وضوء مما مست النار (١)، وهو من
стр. 368
الحجج القوية الدالة على نسخ الوضوء منه، ومن ثم ختم به الباب - يعني مالكاً في الموطأ - وهو يفيد أيضاً رد ما ذهب إليه الخطابي من حمل أحاديث الأمر على الاستحباب، إذ لو كان مستحباً ما ساغ إنكارهما عليه، والله أعلم.
٥٦٨ - * روى الطبراني عن وائل بن داود عن إبراهيم قال: الوضوء مماخرج وليس مما دخل والصوم مما دخل وليس مما خرج.
وروى هذا الحديث مرفوعاً لكن لم يصح، وروى نحوه البيهقي موقوفاً على ابن عباس بسند صحيح، وهذا من جملة أدلة من قال بعدم الوضوء مما مست النار.
٥٦٩ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ "أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأْ، وإن شئت فلا تتوضأْ"، قال: أتوضأْ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم" فتوضأ من لحوم افبل، قال: أُصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا".
وذكر النووي أن النهي نهي كراهة لما ذكر.
قال الحافظ ولي الدين العراقي: يحتمل أن يكون قوله "فإنها من الشياطين" على حقيقته، وإنها أنفسها شياطين، وقد قال أهل الكوفة: إن الشيطان كل عاتٍ متمرد من الإنس والجن والدواب أو مشبهة بها في النفرة والتشويش أو مقارنة لها، فقد روى النسائي وابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي مرفوعاً: على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسموا الله. الحديث.
٥٧٠ - * روى أبو داود عن البراء بن عازبٍ ﵁ قال: (١) "سُئلَ النبي ﷺ عن
стр. 369
الوضوء من لوحم الإبل؟ فقال: "توضؤوا منها"، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: "لا توضؤوا منها"، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: "لا تصلُّوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين"، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "صلوا فيها، فإنها بركةٌ".
وأخرج الترمذي إلى قوله: "لاتوضؤوا (١) منها".
أقول: لا ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل إلا عند الحنابلة، واعتبره غيرهم منسوخاً، أما هم فيذهبون إلى أن أكل لحم الإبل على كل حال نيئاً ومطبوخاً ينقض الوضوء علم بذلك الأكل أو لم يعلم.
جاء في إعلاء السنن:
عن: أبي أمامة ﵁ مرفوعاً: إذا كان أحدكم على وضوء فأكل طعاماً فلا يتوضأ إلا أن يكون لبن الإبل إذا شربتموه، فتمضمضوا بالماء". رواه الطبراني في الكبير والضياء (كنز العمال ٥: ٧٩) قلت: أما إسناد الطبراني فقال في مجمع الزوائد (١: ١٠٢): لم أر من ترجم أحداً منهم، وأما إسناد الضياء فصحيح على قاعدة الإمام السيوطي المذكورة في خطبة كنز العمال.
ثم قال: (فالوضوء) هنا محمول على المضمضة فإن الحديث يفسر بعضه بعضاً، (إعلاء السنن ١/ ١٠٨ - ١٠٩).
- مما يستحب له الوضوء:
٥٧١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كُنَّا لا نتوضأ من موطيءٍ، ولا نكُفُّ شعراً ولا ثوباً".
стр. 370
٥٧٢ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحبُّ إليَّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب.
٥٧٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما رجلٌ يصلي مسبلٌ إزاره، قال له رسول الله ﷺ : "اذهب فتوضأْ"، فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال رجل: يا رسول الله، مالك أمرته أن يتوضأ؟ قال: "إنه كان يصلي وهو مسبلٌ إزاره، وإن الله لا يَقبلُ صلاة رجلٍ مُسبلٍ إزاره".
أقول: هذان النصان: أصلان لما ذهب إليه بعضهم أن الإنسان إذا ارتكب كبيرة أو صغيرة يندب له أن يتوضأ فهذا إنسان خالف السنة في إسبال الإزار فأُمر أن يتوضأ بسبب ذلك وابن مسعود يرى الوضوء من الكلمة الخبيثة.
٥٧٤ - * روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى، ولم يتكلم".
أقول: اتفق الفقهاء على أن من سبقه حدث في الصلاة فالأفضل في حقه سواء كان إماماً أو مأموماً، أن يذهب ويتوضأ ويستأنف صلاته وأجازوا له أن يذهب فيتوضأ ويكمل صلاته بشروط كثيرة وتفصيلات كثيرة، ومن أدلتهم في ذلك فعل ابن عمر الذي مر معنا.
٥٧٥ - * روى أبو يعلي عن جابر قال: سُئل عن الرجُل يضحَكُ في الصلاة، قال: يعيدُ الصلاة ولا يعيد الوضوء.
أقول: قال الحنفية إذا ابتسم الإنسان في الصلاة فلا تبطل صلاته ولا ينتقض وضوؤه، والقهقهة ما يكون مسموعاً لجيرانه، والضحك ما يسمعه دون جيرانه (١)، والتبسم
стр. 371
ما لا صوت فيه وإن بدت به الأسنان.
ويستدل الحنفية لوجوب الوضوء لمن ضحك في الصلاة قهقهة بما ورد عن أبي العالية الرياض أن أعمى تردى في بئر والنبي ﷺ يصلي بأصحابه فضحك بعض من كان يصلي مع النبي ﷺ فأمر النبي من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة، رواه عبد الرزاق ورجاله رجال الصحيحين وفي آثار السنن إسناده مرسل قوي ا. هـ وللحديث روايات أخرى مسندة ومرسلة. (انظر إعلاء السنن ١ - ٩٥ - ٩٨ ونصب الراية ١/ ٤٧).
- آداب الانصراف من الصلاة لمن انتقض وضوؤه:
٥٧٦ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "من أحدث في صلاته فلينصرفْ، فإن كان في صلاة جامعةٍ، فليأخذْ بأنفه ولينصرفْ".
٥٧٧ - * روى الطبراني عن جرير أن عمر صلى بالناس فخرج من إنسان شيءٌ فقال عزمتُ على صاحب هذا إلا توضأ وأعاد الصلاة، فقال جريرٌ لو تعزمُ على كل من سمعها أن يتوضأ ويعيد الصلاة فقال نعم قلت جزاك الله خيراً فأمرهم بذلك.
وهذا دخل في باب الستر على من خرج منه ريح كما يدخل في باب الذوقيات التي يحسن بالمسلم مراعاتها.
стр. 372
حكم الشك في الوضوء:
٥٧٨ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا وضوء إلا من صوتٍ أو ريحٍ".
في رواية (١): قال: "إذا كان أحدُكم في المسجد فوجد ريحاً ين إليتيْهِ، فلا يخرجْ حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً".
في رواية (٢): مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء، أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمَعَ صوتاً أو يجد ريحاً".
في رواية (٣): أبي داود قال: "إذا كان أحدُكم في الصلاة، فوجد حركةً في دُبره: أحدث أو لم يُحدث، فأشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً.
٥٧٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يدخل إليه في صلاته أنه أحدث في صلاته ولم يُحدثْ فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته حتى يفتح مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يُحدث فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوت ذلك بأُذُنه أو يجد ريح ذلك بأنفه".
ولأحمد (٤): "إن أحدكم إذا كن في الصلاة جاءه الشيطانُ فأنس به كما يأنسُ
стр. 373
بدايته فإذا سكن له أضرط بين إليتيه ليفتنهُ عن صلاته فإذا وجد شيئاً من ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". ورجاله رجال الصحيح وهو عند أبي داود (١) باختصار كذا في مجمع الزوائد.
في رواية (٢): "فإذا سكن له زنقهُ أو ألجمهُ قال أبو هريرة فأنتم ترون ذلك أما المزنوق فتراه مائلاً وأما الملجوم فتراه فاتحاً فاه لا يذكر الله".
٥٨٠ - *روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال إن الشيطان ليطيْفُ بالرجل في صلاته ليْقطع عليه صلاته فإذا أعياه نفخ في دبره فإذا أحس أحدُكم من ذلك شيئاً فلا ينصرف حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً.
٥٨١ - * روى الشيخان عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: شُكى إلى النبي ﷺ الرجل يُخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً".
ولفظ البخاري (٣): أنه شثكي إليه الرجل الذي يُخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، ف قال: "لا ينفتلُ- أو لا ينصرفُ - حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً".
أقول: اليقين: اليقين لا يزول بالشك فمن توضأ بيقين وشك بالحدث فهو متوضيء ومن أحدث بيقين وشك بالوضوء فهو محدث.
стр. 374
مسائل وفوائد
- مر معنا أن النية واجبة عند الجمهور سنة عند الحنفية:
وقال صاحب الهداية: فالنية في الوضوء سنة عندنا، وعند الشافعي فرض، لأنه عبادة، فلا يصح بدون النية، كالتيمم. ولنا أنه لا يقع قربة إلا بالنية، لكن يقع مفتاحاً للصلاة لوقوع طهارة باستعمال الطهر بخلاف التيمم، لأن التراب غير مطهر إلا في حالة إرادة الصلاة أو هو ينبئ عن القصد. (١: ١٣).
وقال في البدائع: ولنا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١) الآية، أمر بالغسل والمسح مطلقاً عن شرط النية، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل، ولأن الأمر بالوضوء لحصول الطهارة، لقوله تعالى في آخر آية الوضوء: ولكن يريد ليطهركم، وحصول الطهارة لا يقف على النية، بل على استعمال المطهر في محل قابل للطهارة، والماء مطهر لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه. وقال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٢)، والطهور اسم الطاهر في نفسه والمطهر لغيره، والمحل قابل على ما عرف. وبه تبين أن الطهارة عمل الماء خلقة وفعل اللسان فضل في الباب، حتى لو سال عليه المطر أجزأه عن الوضوء والغسل فلا يشترط لهما النية لأن اشتراطها لاعتبار الفعل الاختياري، وبه تبين أن اللازم للوضوء معنى الطهارة ومعنى العبادة فيه من الزوائد، فإن اتصلت به النية يقع عبادة، وإن لم تتصل به لا يقع عبادة، لكنه يقع وسيلة إلى إقامة الصلاة، لحصول الطهارة، كالسعي إلى الجمعة. ا. هـ ملخصاً (١: ٢٠).
(انظر لزيادة بيان إعلاء السنن ١ - ٥١ - ٥٥).
- إذا تعمد الإنسان الحدث في الصلاة بطلت صلاته بالإجماع، وقال بعض الحنفية: إذا تعمد ذلك قبل السلام وبعد القعود مقدار التشهد جازت صلاته وكره ذلك تحريماً وعليه
стр. 375
الإعادة ما دام في الوقت، وإن سبقه الحدث بدون تعمد بطلت صلاته حالاً عند الشافعية والحنابلة وقال الحنفية إذا كان الحدث سماوياً كرعاف، بني على صلاته إنشاء بعد استكمال الطهارة والأفضل أن يستأنف الصلاة، وقال المالكية كالحنفية يجوز البناء على الصلاة في حالة الرعاف بشروط ستة: إن لم يتلطخ بالدم بما لا يزيد على الدرهم، وأن لا يتجاوز أقرب مكان ممكن للطهارة، وإن يكون المكان الذي يغسل فيه قريباً وألا يستدبر القبلة بلا عذر، وألا يطأ في طريقه نجساً وألا يتكلم خلال ذلك، ومن مثل هذا نعرف أفضلية استئناف الصلاة.
- قال الشافعية: يسن تثليث مسح الرأس، والجمهور على أنه لا يسن تكراره.
- من السنة عند الحنفية والشافعية: البداءة برؤوس الأصابع إلى المرفقين، والبدء بمقدم الرأس إلى الخلف، والبدء بأعلى على الوجه وقال المالكية: يندب البدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو سواء في ذلك الوجه أو اليدان أو الرأس أو الرجلان.
- ومن آداب الوضوء الجلوس في مكان مرتفع عن محل سقوط الغسالة واستقبال القبلة، وعدم التكلم بكلام الناس، تحريك الخاتم الواسع إذا كان الماء صل إليه حتماً، ويندب تحريك الخاتم الضيق إن علم وصول الماء وإلا فيفرض تحريكه إلا عند المالكية فإنه لا يجب تحريك الخاتم الضيق المأذون فيه، ومما ينبغي أن يراعيه المتوضيء أن تكون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى والامتخاط باليد اليسر، والتوضأ قبل دخول الوقت لغير المعذور، وترك التنشيق بالمنديل عند الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية ولم ير ذلك المالكية.
ومما ينبغي أن يراعى تخليل اللحية الكثة بأخذ شيء من الماء بالكف وإصابة اللحية من باطنها مع تخليلها بالأصابع، وتخليل أصابع اليدين بالتشبك وأصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى من أسفل خنصر الرجل اليمنى إلى خنصر الرجل اليسرى.
- قال المالكية: لا ينتقض الوضوء من السلس الذي يلازم صاحبه نصف الزمن فأكثر وإلا نقضن والسلس عندهم هو ما يسيل بنفسه لمرض: بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً أو دم
стр. 376
استحاضة وعليه أن يتداوى، وإذا انضبط معه في أي وقت أو آخره أو في وسطه وجب عليه أن يصلي حال الانضباط.
قال الشافعية: إذا أجريت لإنسان عملية فأصبح الخارج يخرج من مكان دون المعدة، ينتقض الوضوء عندهم بالخارج نتيجة لذلك، وإذا كان ما يخرج من فوق المعدة فلا ينتقض الوضوء، هذا إذا انسد المخرج المعتاد، أما إذا لم ينسد فالأصح أنه لا ينقض سواء كان المخرج تحت المعدة أو فوقها. قال المالكية والشافعية: إن الدم ونحوه لا ينقض الوضوء إلا ما كان دم استحاضة يمكن ضبطها، وعند الحنفية: إذا لم يسل الدم عن محله لا ينقض الوضوء وكذلك إذا سقط لحم من غير سيلان دم أو خرجت دودة من جرح وأنف وأذن.
- حرم المالكية والشافعية: مس القرآن بالحدث الأصغر ولو بحائل أو عود، وأجاز الحنفية والحنابلة مسه بعد أو حائل طاهرين وقال الحنفية يحرم على المحدث مس المكتوب من المصحف ولو آية على نقود أو جدار، كما يحرم مس غلاف المصحف المتصل به، ويكره لمسه بالكم تحريماً لتبعيته للامس، ويجوز للصبي مس القرآن أو لوح منه من أجل التعلم والحفظ، ولا يكره مس كتب التفسير إن كان التفسير أكثر، ويجوز حمل الحجب المشتملة على آيات قرآنية ودخول الخلاء بها ومسها ولو للجنب إذا كانت محفوظة بغلاف منفصل عنها. وقال المالكية: ويجوز المس والحمل لمعلمة ومتعلمة بالغتين وإن وجد حيض أو نفاس ولا يجوز ذلك في الجنابة، وقال الحنفية والشافعية: ويباح قلب ورقه بعود، وقال الشافعية: ولا يمنع الصبي المميز من حمل القرآن ومسه للدراسة، ويجوز عندهم حمل التمائم وما على النقد وما على الثياب المطرزة بالآيات القرآنية ككسوة الكعبة، ومن كلام الحنابلة: ويحرم بيع المصحف ولو لمسلم، ولذلك كانوا قديماً يستعملون لفظ (الاستيهاب من الوهبة) إذا أرادوا شراء مصحف وقد تساهل الناس اليوم في ذلك.
ودليل عدم جواز مس المصحف إلا لمن كان طاهراً:
٥٨٢ - * (١) روى الطبراني عن ابن عمر: - "لا يمسُّ القُرآن إلا طاهر" وانظر إعلاء
стр. 377
السنن ١/ ٢٦٨ باب أنه لا يمس القرآن إلا طاهر.
- قال في كتاب (الدين الخالص) (١/ ٢٥٠ - ٢٥١).
الدعاء بعد الوضوء: اتفق العلماء على أنه يستحب لمن توضأ أن يدعو بعد الوضوء - مستقبلاً القبلة رافعاً بصره إلى السماء - بما في حديث عمر.
٥٨٣ - * روى أحمد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء وللترمذي وزاد: "اللهم اجعلني من التوابين والمتطهرين".
(ويختم الدعاء) بما في حديث أبي سعيد الخدري:
٥٨٤ - * روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﵌ قال: "من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق ثم طبع بطابع فلا يكسر إلى يوم القيامة".
(هذا) الدعاء هو الوارد عن النبي ﵌: أما ما اعتاده بعض الناس وذكره بعض الفقهاء من الدعاء عند كل عضو كقولهم عند غسل الوجه (١): اللهم بيض
стр. 378
وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وعند غسل اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني لا تعطين كتابي بشمالي. وعند غسل اليد اليسرى: اللهم يسر ولا تعسر، فلم يثبت فيه شيء عن النبي ﵌.
قال النووي في الروضة: هذا الدعاء لا أصل له ولم يذكره الشافعي ولا الجمهور. وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث.
وقد روى فيه عليّ كرم الله وجهه من طرق ضعفة جداً أوردها علاء الدين على المتقي في كنز العمال وين ضعفها. ا. هـ.
стр. 379
الفقرة السادسة: في المسح على الخفين
عرض إجمالي
المسحُ على الخفين بدلٌ عن غسل الرجلين في الوضوء، وهو جائز في المذاهب الأربعة في السفر والحضر للرجال والنساء.
قال النووي في شرح مسلم: (وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، وصرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين: منهم (العشرة المبشرون بالجنة)، وقال الإمام أحمد فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعاً.
وكيفيته: الابتداء من أصابع القدم خطوطاً بأصابع اليد إلى الساق، والواجب في المسح عند الحنفية: قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد على ظاهر مقدم كل رجل مرة واحدة، ولا يسن تكراره، ولا مسح أسفله، والواجب عند المالكية: مسح جميع أعلى الخف ويستحب أسفله، وعند الشافعية: يكفي مسح في محل الفرض، وهو ظاهر الخف لا أسفله وحرفه وعقبه، ويسن مسح جميعه خطوطاً عندهم، وقال الحنابلة: يجزيء في المسح أن يمسح أكثر مقدم ظاهر الخف خطوطاً بالأصابع، ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه.
وشروط المسح على الخفين: لبسهما على طهارة كاملة، وأن يكون الخف طاهراً ساتراً للمحل المفروض غسله في الوضوء وهو القدم بكعبيه من سائر الجوانب لا من الأعلى، وإمكان متابعة المشي فيه بحسب المعتاد، وقدَّره الحنفية: باثني عشرة ألف خطوة، والمعتبر عند المالكية أن يمكن تتابع المشي فيه عادة، وأكثر الشافعية على أن الشرط أنه يمكن التردد فيه لقضاء الحاجات للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، ولا يشترط الحنابلة: إلا إمكان المشي فيه عرفاً واشترط الشافعية والحنابلة: ألا يكون في الخف خرق ولو كان يسيراً، وأجاز المالكية والحنفية: المسك على خف فيه خرق يسير وهو دون ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم واشترط المالكية كذلك أن يكون الخف من الجلد، وقال الشافعية: لا يجزئ المسح على منسوج لا يمنع نفوذ الماء إلى الرجل من غير محل الخرز لو صب عليه
стр. 380
لعدم صفاقته واشترط الحنفية والشافعية أن يكون الخف مانعاً من وصول الماء إلى الجسد ولكنهم أجازوا مع الجمهور المسح على الخف المصنوع من الجلود أو اللبود أو الخرق أو غيرها إذا توفرت فيها الشروط، فأجاز الحنفية المسح على الجوربين الثخينين إذا كانا يتحملان المشي فرسخاً أي اثني عشرة ألف خطوة، وإذا كان يثبت على الساق بنفسه ولا يرى ما تحته ولا يشف بحيث يرى ما وراءه، كما أجاز الحنابلة المسح على الجورب الصفيق إذا أمكن متابعة المشي فيه والذي لا يبد منه شيء من القدم.
وأجاز الشافعية والحنابلة المسح على الخف المشقوق القدم كالزربول الذي له ساق إذا شد في الأصح بواسطة العري بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى عليه، ومثله الحذاء الذي يلبسه العسكريون عادة، وإذا لبس الإنسان خفين فوق بعضهما أو ما لهما حكم الخفين فالشافعية لا يجيزون الاقتصار ف المسح على الخف الأعلى، والمذاهب الثلاثة على جوازه، واشترط المالكية والحنابلة لجواز المسح على الخف أن يكون استعماله مباحاً، فلا يصح المسح على خف مغصوب ولا عل حرير بالنسبة للرجل، واشترط الحنفية أن يكون قد بقي من مقدم القدم قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد إذا قطعت القدم لجواز المسح على الخف، ولكن يمسح خف القدم الأخرى، والمالكية لا يؤقتون وقتاً للمسح ما لم يخلعه أو تصيبه جنابة والجمهور على أن مدة المسح للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وتبدأ المدة عند الجمهور من وجود الحدث بعد اللبس، وعلى هذا من توضأ عند طلوع الفجر ولبس الخف، ثم أحدث بعد طلوع الشمس وهو مقيم، فلا تنتهي مدة المسح إلا بعد طلوع الشمس من اليوم الثاني، وإذا مسح خفيه مقيماً حالة الحضر ثم سافر أو عكس بأن مسح مسافراً ثم أقام أتم عند الشافعية والحنابلة مسح مقيم وعند الحنفية من ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليله مسح ثلاثة أيام ولياليها، ولو أقام مسافر بعد مدة مسح المقيم نزع الخف وغسل رجليه، ويُبطل المسح على الخف نواقض الوضوء والجنابة والحيض ونزع أحد الخفين أو كليهما، ولو كان النزع بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف.
وخرق الخف أكثر من القدر المعفو عنه عند الحنفية، ومجرد الخرق عند من لا يتساهل بذلك.
وإصابة الماء أكثر إحدى القدمين في الخف، ومضي المدة، وهل إذا انتهت مدة المسح أو
стр. 381
بطل بغير الجنابة هل يكفي غسل الرجلين فقط أو لابد من تجديد الوضوء كله؟ قال الحنابلة: ينبغي تجديد الوضوء كله، وقال الحنفية والمالكية والشافعية: على القول الراجح يكفي غسل الرجلين فقط إذا كان متوضئاً.
(حاشية ابن عابدين ١/ ١٧٣ فما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ١٥٢ فما بعدها)، (المهذب ١/ ٢١ - ٢٢)، (المغني ١/ ٢٨٢ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٣٢١ فما بعدها).
وإلى نصوص هذه الفقرة:
- أدلة مشروعيته:
٥٨٥ - * روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفرٍ، فقال: "يا مغيرةُ، خُذِ الإداوة"، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته وعليه جُبَّةً شامية، فذهب ليُخرج يده من كُمها فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببتُ عليه، فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خفيه، ثم صلى.
في رواية (١) كنتُ مع النبي ﷺ في سفر، فأهْويتُ لأنزِع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما".
ولمسلم (٢) أن النبي ﷺ : توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخُفين.
زاد أحمد (٣) بعد طاهرتين ثُمَّ لم أمش حافياً بعدُ.
стр. 382
٥٨٦ - * روى أبو داود عن ثوبان ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البردُ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتَّساخين.
٥٨٧ - * روى مسلم عن بلال بن رباح ﵁ أن رسول الله ﷺ : مسح على الخفين والخمار.
في رواية: أبي داود (١): أن عبد الرحمن بن عوف سأل بلالاً عن وُضوء رسول الله ﷺ ؟ فقال: "كان يخرج يقضي حاجته، فآتيه بالماء، فيتوضأ، ويمسح على عماته وموقيه".
وعند النسائي (٢) قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والخمار" وفي أخرى: على الخفين.
وله في أخرى (٣) قال: "دخل رسول الله ﷺ وبلالٌ الأسواق، فذهب لحاجته، ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالاً: ما صنع؟ فقال بلال: ذهب النبي ﷺ لحاجته، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم صلى".
رواية الترمذي اللاحقة تبين أن المراد بالمسح على العمامة بعد مسح ربع الرأس لفظه (... إنه مسح على ناصيته وعمامته) باب ما جاء في المسح على الجوربين والعمامة، وفي
стр. 383
مسلم في الوضوء (... ومسح بناصيته وعلى العمامة والخفين) فليس المراد قط: الاكتفاء بالمسح على العمامة عن مسح الناصية وبني هذا الأمر بأكثر، قول أنس ﵁، رأيت رسول الله صلى الله عيه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطريةٌ فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. رواه أبو داود في باب المسح على العمامة وسكت عنه، تمام الكلام في إعلاء السنن (١/ ٧ - ٨) (وهبي).
٥٨٨ - * روى الترمذي عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ﵁ قال: "سألتُ جابر بن عبد الله عن المسح على الخفين؟ فقال: السُّنة يا ابن أخي، وسألته عن المسح على العمامة؟ فقال: أمسَّ الشعر".
٥٨٩ - * روى الشيخان عن جرير بن عبد الله ﵁: "بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه".
قال الأعمش: قال إبراهيم: وكان أصحابُ عبد الله يُعجبُهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير بعد نزول المائدة".
٥٩٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود أنهُ كان يمسحُ على الجوربين والنعلين.
فائدة: (مسح على الجوربين والنعلين): تأويله أنه ﷺ أمرَّ اليد على الجورب للمسح قصداً، وعلى النعل تبعاً ليحصل كمال المسح وما كان مسح النعل مقصوداً وهو الظاهر، ولم نقل بمسح النعل لعدم الحاجة إليه، ولعدم بلوغه من الشهرة إلى حد يترك له الغسل الوارد في الكتاب [القرآن]. (إعلاء السنن ١/ ٢٤٥) (وهبي).
стр. 384
٥٩١ - * روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "توضأ رسول الله ﷺ ، ومسح على الجوْربين والنعلين". قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يُحدِّثُ بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة: "أن النبي ﷺ مسح على الخفين" قال: وروى هذا [أيضاً] عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ : "نه مسح على الجوربين". وليس بالمتصل، ولا بالقوي، قال أبو داود: ومسح على الجوربين عليُّ بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، ﵃.
فائدة: قال النسائي في سننه الكبرى: لا نعلم أحداً تابع أبا قيس -راوي حديث المسح على الجوربين- على هذه الرواية والصحيح عن المغيرة أن النبي ﷺ (مسح على الخفين) (إعلاء السنن).
قال الشيخ محمد يوسف البنوري رحمه الله تعالى: اتفق الأئمة على جواز المسح على الجوربين المجلدين والمنعلين وكذلك اتفقوا على عدم جوازه على الرقيقين يشفان واختلفوا في الثخينين فالجمهور جوزوه ومنعه أبو حنيفة، وروي عنه الرجوع إلى قول صاحبيه قبل وفاته بأيام وذلك. أنه مسح على جوربيه في مرضه ثم قال لعواده فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه، قال صاحب الهداية: وعليه الفتوى، ملتقطة بخبر الواحد وغسل الرجلين قطعي فلا يكون المسح على الجوربين بدلاً عنه إلا إذا كان الجورب كالخف الثابت مسحه بالتواتر). (إعلاء السنن ١/ ٢٤٥) (وهبي).
٥٩٢ - * روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب والحسن أنهما قالا: (يمسح على الجوربين إذا كانا صفيقين).
стр. 385
٥٩٣ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يمسح أعلاه" وفي رواية (١): يمسح على ظاهر خُفيه".
قال أبو داود: رواه الأعمش بإسناده قال: "كنتُ أرى باطن القدمَيْنِ أحقَّ بالغسل من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهرهما" وقال وكيع: يعني الخفين.
ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه".
والمراد بالمرويات كلها المسح على ظاهر الخفين فعبر عن ذلك بغسل ظاهر القدمين وعبر عما يخالفه بغسل باطن القدمين، والمراد أنه إذا ورد نص فلا محل للاجتهاد ولا للنظر.
مدة المسح:
٥٩٤ - * روى مسلم عن شُريح بن هانئ قال: "أتيتُ عائشة أسألُها عن المسح على الخفين؟ فقالت: عليك بابن أبي طالب فسلهُ، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناهُ، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام وليالهُنَّ للمسافر، ويماً وليلةً للمُقيم".
٥٩٥ - * روى الترمذي عن خُزيمة بن ثابت ﵁ "أن النبي ﷺ سُئل عن المسح على الخفين؟ فقال: "للمسافر ثلاثاً، وللمقيم يوماً".
وفي رواية: أبي داود (٢): أن النبي ﷺ قال: "المسحُ على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوماً وليلة".
стр. 386
٥٩٦ - * روى الترمذي عن صفوان بن عسالٍ المُرادي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهُن، إلا من جنابةٍ، ولكن من بولٍ وغائطٍ ونومٍ".
وفي أخرى (١) للنسائي قال: رخص لنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهُنَّ".
стр. 387
مسائل وفوائد
- يسن في مسح الخفين أن يمسح الرجل خفه الأيمن بيده اليمنى والأيسر بيده اليسرى.
- ورد أثناء الكلام عن المسح على الخفين ذكر المسح على العمامة وعلقنا هنالك بما يقتضيه المقام، وههنا نذكر وجهات النظر في ذلك.
قال الحنفية: لا يصح المسح على عمامة وقلنسوة وبرقع وقفازين، وقال الحنابلة: من توضأ من الذكور ثم لبس عمامة ثم أحدث وتوضأ جاز له المسح على العمامة، والواجب عندهم مسح أكثر العمامة، وتمسح دوائرها دون وسطها ولا يجوز المسح عندهم على القلنسوة ويشترط لصحة المسح على العمامة ألا تكون محرمة كمغصوبة أو حرير، وأن تكون محنكة وهي التي يدار فيا تحت الحنك كور أو كوران أو تكون ذات ذؤابة وهي طرف العمامة المرخي من الخلف، فلا يجوز المسح على العمامة الصماء لأنه لا يشق نزعها فهي كالقلنسوة، ولا يجوز لأنثى أن تمسح على عمامة لأنها لا تجوز لها كي لا تتشبه بالرجال، ومن الشروط لجواز لمسح على العمامة أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس، وقال الشافعية: لا يجوز الاقتصار على المسح على العمامة فلابد من إشراك شيء من الرأس بالمسح وقال المالكية: يجوز المسح على عمامة خيف ينزعها ضرر، ولم يقدر على مسح ما تحتها مما هي ملفوفة عليه كالقلنسوة فإن قدر على مسح بعض الرأس أتى به وكمل على العمامة.
(انظر اللباب ١/ ٤١ والشرح الصغير ١/ ٢٠٣، والمغني ١/ ٣٠٠ فما بعدها).
стр. 388
الفقرة السابعة: في الغسل وموجباته وأنواعه
عرض إجمال
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١) وقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
بالغسل والوضوء وما يستتبع ذلك وما يلحقه وما يسبقه كان المسلم أطهر وأنظف إنسان في العالم.
والغسل في الإسلام على أنواع: فمنه المفروض ومنه المسنون فالأغسال المفروضة: الغسل من الجنابة: ويكون بخروج المني أو التقاء الختانين ولو من غير إنزال، والغسل من الحيض والنفاس في حق المرأة وتغسيل المسلم الميت غير الشهيد، وإسلام الكافر، سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً، والأخير واجب عند المالكية والحنابلة وقال الحنفية والشافعية يستحب استحباباً إذا لم يكن جنباً ويجزئه الوضوء.
والأغسال المسنونة والمندوبة: لغسل لصلاة الجمعة، والغسل لصلاة العيدين، والغسل للإحرام بالحج أو بالعمرة لصلاة، وللوقوف بعرفة بعد الزوال، ولدخول مكة وللمبيت بمزدلفة ولطواف الإفاضة وطواف الوداع، وعند المالكية للسعي، ومن الأغسال المندوبة عند الحنفية الغسل لصلاة الكسوف والخسوف وهي سنة عند الجمهور، ويسن الغسل لمن غسل ميتاً، وبعضهم جعله مستحباً، ويسن الغسل عند الشافعية والحنابلة للمستحاضة عند كل صلاة وقال المالكية إنه مستحب وقال الحنفية يندب لها إذا انقطع دمها.
ويندب الغسل للإفاقة من جنون أو إغماء أو سكر، ويندب عند حجامة ونحوها بعد
стр. 389
الشفاء من عملية جراحية مثلاً، ويندب الغسل للتائب من ذنب وللقادم من سفر ولمن أصابته نجاسة وخفي مكانها.
وكل غسل ترتبت عليه منفعة أو مصلحة واغتسل صاحبه بنية صالحة فهو مأجور عله، بل الغسل المباح إذا كان بنية صالحة فإن الإنسان يؤجر عليه.
وبسبب الغسل كان للحمامات دور كبير في حياة المسلم سواء حمامات البيوت أو الحمامات العامة، وللدخول إليها آداب وأحكام.
وفريضة الغسل تعميم الجسد بالماء الطهور ويدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق عند الحنفية والحنابلة فقد قالوا: إنهما فريضتان في الغسل وقال المالكية والشافعية: إنهما سنتان وافترض الجمهور غير الحنفية النية عند غسل أول جزء من البدن أي نية فرض الغسل من الجنابة أو من الحدث الأكبر أو استباحة ممنوع لا يصح بدون الغسل كالصلاة والطواف، والنية عند الحنفية سنة والتسمية في ابتداء الغسل سنة عند الجمهور وفرض عند الحنابلة وأوجب المالكية دون غيرهم الدلك ولو بخرقة، ويتعاهد المغتسل بالغسل داخل القلفة إذا لم يكن مختوناً ولا عسر عليه في إيصال الماء إليها، وسُرَّة وبشْرَة الرأس من المرأة وبشرة اللحية والحاجب ولكمال الغسل يبدا المغتسل بالنية والتسمية وغسل ما به من أذى والاستنجاء والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده ويبدأ بشقه الأيمن ويدلك بدنه بيده وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه ويتعاهد في هذا كله الأمكنة التي يخشى ألا يصل إليها الماء.
والمرأة لا يجب عليها أن تنقض ضفائرها، ولكن لابد من إيصال الماء إلى بشرة الرأس أما ضفائر الرجال فيجب نقضها عند الحنفية ومن وافقهم وقال الإمام أحمد تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض والنفاس لكن قال في المغني وقال بعض أصحابنا هذا مستحب غير واجب وهو قول أكثر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله ا. هـ (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) وليس عليها نقضه من الجنابة إذا أروت أصوله.
ويكره الإسراف في صب الماء، ومهما استطاع الإنسان أن يقلل من استعمال الماء
стр. 390
ليصيب السنة فذلك أبعد عن الإسراف، ويسن عند الشافعية والحنابلة أن لا ينقص ماء الغسل عن صاع تقريباً ويساوي عندهم حوالي (٢٧٠٠) غراماً، وكما يكره الإسراف في الماء يكره التقتير فيه، وضرب الوجه به، والتكلم بكلام الناس، ويكره الاغتسال في الخلاء إذا أمكن غيره ولا يكره عند الحنابلة للجنب أو الحائض والنفساء أن يأخذ شيئاً من شعره وأظفاره قبل الاغتسال وكرهه بعضهم، ويحرم على الجنب والحائض والنفساء الصلاة ومنها سجود التلاوة، والطواف حول الكعبة، ومس القرآن وتلاوة القرآن بلسانه ولو لحرف أو دون آية على المختار عند الحنفية والشافعية بقصد القراءة فلو قصد الدعاء أو الثناء أو افتتاح أمر أو التعليم أو الاستعاذة أو الأذكار فلا يحرم، وأجاز الحنابلة للجنب قراءة بعض آية ولو كرره ما لم تكن طويلة، كما أجازوا له مع الحنفية تهجئة القرآن، واتفق الفقهاء على أن لا يحرم النظر في القرآن لحائض ونفساء وجنب، كما أن لهم أن يستعرضوا القرآن بقلوبهم لا على ألسنتهم وأن يستمعوا إلى القرآن، وعند المالكية يصح للجنب التعوذ بآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وأن يرقي نفسه أو غيره ويستدل على حكمٍ، وأن للمرأة قراءة قليل من القرآن إذا كانت حائضاً أو نفساء حال استرسال الدم عليها، أما بعد انقطاعه وقبل غسلها فلا تقرأ منه شيئاً، ويحرم الاعتكاف في المسجد على الجنب والحائض والنفساء إجماعاً، وقال الحنفية والمالكية ويحرم عليهم دخول المسجد مطلقاً ولو عبوراً أو اجتيازاً وحملوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ على المسافر الذي حكمه التيمم، وأباح الشافعية والحنابلة عبور المسجد دون المكث فيه، أو التردد فيه لغير عذر، إلا أن إباحة عبور المسجد للحائض والنفساء مقيد بما إذا أمنت تلويثه فإن خافت تلويثه حرم عليها الدخول فيه.
ومن كلام النووي: لو احتلم في المسجد وجب عليه الخروج منه إلا أن يعجز عن الخروج لإغلاق المسجد ونحوه، أو خاف على نفسه أو ماله، فإن عجز أو خاف جاز أن يقيم للضرورة.
(انظر حاشية ابن عابدين ١/ ١٠٢ وما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ١٦٠ فما بعدها)، (المهذب ١/ ٢٩ وما بعدها)، المغني ١/ ١٩٩ وما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٣٥٩ وما بعدها).