٥٩٦ - * روى الترمذي عن صفوان بن عسالٍ المُرادي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهُن، إلا من جنابةٍ، ولكن من بولٍ وغائطٍ ونومٍ".
وفي أخرى (١) للنسائي قال: رخص لنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهُنَّ".
стр. 387
مسائل وفوائد
- يسن في مسح الخفين أن يمسح الرجل خفه الأيمن بيده اليمنى والأيسر بيده اليسرى.
- ورد أثناء الكلام عن المسح على الخفين ذكر المسح على العمامة وعلقنا هنالك بما يقتضيه المقام، وههنا نذكر وجهات النظر في ذلك.
قال الحنفية: لا يصح المسح على عمامة وقلنسوة وبرقع وقفازين، وقال الحنابلة: من توضأ من الذكور ثم لبس عمامة ثم أحدث وتوضأ جاز له المسح على العمامة، والواجب عندهم مسح أكثر العمامة، وتمسح دوائرها دون وسطها ولا يجوز المسح عندهم على القلنسوة ويشترط لصحة المسح على العمامة ألا تكون محرمة كمغصوبة أو حرير، وأن تكون محنكة وهي التي يدار فيا تحت الحنك كور أو كوران أو تكون ذات ذؤابة وهي طرف العمامة المرخي من الخلف، فلا يجوز المسح على العمامة الصماء لأنه لا يشق نزعها فهي كالقلنسوة، ولا يجوز لأنثى أن تمسح على عمامة لأنها لا تجوز لها كي لا تتشبه بالرجال، ومن الشروط لجواز لمسح على العمامة أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس، وقال الشافعية: لا يجوز الاقتصار على المسح على العمامة فلابد من إشراك شيء من الرأس بالمسح وقال المالكية: يجوز المسح على عمامة خيف ينزعها ضرر، ولم يقدر على مسح ما تحتها مما هي ملفوفة عليه كالقلنسوة فإن قدر على مسح بعض الرأس أتى به وكمل على العمامة.
(انظر اللباب ١/ ٤١ والشرح الصغير ١/ ٢٠٣، والمغني ١/ ٣٠٠ فما بعدها).
стр. 388
الفقرة السابعة: في الغسل وموجباته وأنواعه
عرض إجمال
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١) وقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
بالغسل والوضوء وما يستتبع ذلك وما يلحقه وما يسبقه كان المسلم أطهر وأنظف إنسان في العالم.
والغسل في الإسلام على أنواع: فمنه المفروض ومنه المسنون فالأغسال المفروضة: الغسل من الجنابة: ويكون بخروج المني أو التقاء الختانين ولو من غير إنزال، والغسل من الحيض والنفاس في حق المرأة وتغسيل المسلم الميت غير الشهيد، وإسلام الكافر، سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً، والأخير واجب عند المالكية والحنابلة وقال الحنفية والشافعية يستحب استحباباً إذا لم يكن جنباً ويجزئه الوضوء.
والأغسال المسنونة والمندوبة: لغسل لصلاة الجمعة، والغسل لصلاة العيدين، والغسل للإحرام بالحج أو بالعمرة لصلاة، وللوقوف بعرفة بعد الزوال، ولدخول مكة وللمبيت بمزدلفة ولطواف الإفاضة وطواف الوداع، وعند المالكية للسعي، ومن الأغسال المندوبة عند الحنفية الغسل لصلاة الكسوف والخسوف وهي سنة عند الجمهور، ويسن الغسل لمن غسل ميتاً، وبعضهم جعله مستحباً، ويسن الغسل عند الشافعية والحنابلة للمستحاضة عند كل صلاة وقال المالكية إنه مستحب وقال الحنفية يندب لها إذا انقطع دمها.
ويندب الغسل للإفاقة من جنون أو إغماء أو سكر، ويندب عند حجامة ونحوها بعد
стр. 389
الشفاء من عملية جراحية مثلاً، ويندب الغسل للتائب من ذنب وللقادم من سفر ولمن أصابته نجاسة وخفي مكانها.
وكل غسل ترتبت عليه منفعة أو مصلحة واغتسل صاحبه بنية صالحة فهو مأجور عله، بل الغسل المباح إذا كان بنية صالحة فإن الإنسان يؤجر عليه.
وبسبب الغسل كان للحمامات دور كبير في حياة المسلم سواء حمامات البيوت أو الحمامات العامة، وللدخول إليها آداب وأحكام.
وفريضة الغسل تعميم الجسد بالماء الطهور ويدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق عند الحنفية والحنابلة فقد قالوا: إنهما فريضتان في الغسل وقال المالكية والشافعية: إنهما سنتان وافترض الجمهور غير الحنفية النية عند غسل أول جزء من البدن أي نية فرض الغسل من الجنابة أو من الحدث الأكبر أو استباحة ممنوع لا يصح بدون الغسل كالصلاة والطواف، والنية عند الحنفية سنة والتسمية في ابتداء الغسل سنة عند الجمهور وفرض عند الحنابلة وأوجب المالكية دون غيرهم الدلك ولو بخرقة، ويتعاهد المغتسل بالغسل داخل القلفة إذا لم يكن مختوناً ولا عسر عليه في إيصال الماء إليها، وسُرَّة وبشْرَة الرأس من المرأة وبشرة اللحية والحاجب ولكمال الغسل يبدا المغتسل بالنية والتسمية وغسل ما به من أذى والاستنجاء والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده ويبدأ بشقه الأيمن ويدلك بدنه بيده وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه ويتعاهد في هذا كله الأمكنة التي يخشى ألا يصل إليها الماء.
والمرأة لا يجب عليها أن تنقض ضفائرها، ولكن لابد من إيصال الماء إلى بشرة الرأس أما ضفائر الرجال فيجب نقضها عند الحنفية ومن وافقهم وقال الإمام أحمد تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض والنفاس لكن قال في المغني وقال بعض أصحابنا هذا مستحب غير واجب وهو قول أكثر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله ا. هـ (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) وليس عليها نقضه من الجنابة إذا أروت أصوله.
ويكره الإسراف في صب الماء، ومهما استطاع الإنسان أن يقلل من استعمال الماء
стр. 390
ليصيب السنة فذلك أبعد عن الإسراف، ويسن عند الشافعية والحنابلة أن لا ينقص ماء الغسل عن صاع تقريباً ويساوي عندهم حوالي (٢٧٠٠) غراماً، وكما يكره الإسراف في الماء يكره التقتير فيه، وضرب الوجه به، والتكلم بكلام الناس، ويكره الاغتسال في الخلاء إذا أمكن غيره ولا يكره عند الحنابلة للجنب أو الحائض والنفساء أن يأخذ شيئاً من شعره وأظفاره قبل الاغتسال وكرهه بعضهم، ويحرم على الجنب والحائض والنفساء الصلاة ومنها سجود التلاوة، والطواف حول الكعبة، ومس القرآن وتلاوة القرآن بلسانه ولو لحرف أو دون آية على المختار عند الحنفية والشافعية بقصد القراءة فلو قصد الدعاء أو الثناء أو افتتاح أمر أو التعليم أو الاستعاذة أو الأذكار فلا يحرم، وأجاز الحنابلة للجنب قراءة بعض آية ولو كرره ما لم تكن طويلة، كما أجازوا له مع الحنفية تهجئة القرآن، واتفق الفقهاء على أن لا يحرم النظر في القرآن لحائض ونفساء وجنب، كما أن لهم أن يستعرضوا القرآن بقلوبهم لا على ألسنتهم وأن يستمعوا إلى القرآن، وعند المالكية يصح للجنب التعوذ بآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وأن يرقي نفسه أو غيره ويستدل على حكمٍ، وأن للمرأة قراءة قليل من القرآن إذا كانت حائضاً أو نفساء حال استرسال الدم عليها، أما بعد انقطاعه وقبل غسلها فلا تقرأ منه شيئاً، ويحرم الاعتكاف في المسجد على الجنب والحائض والنفساء إجماعاً، وقال الحنفية والمالكية ويحرم عليهم دخول المسجد مطلقاً ولو عبوراً أو اجتيازاً وحملوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ على المسافر الذي حكمه التيمم، وأباح الشافعية والحنابلة عبور المسجد دون المكث فيه، أو التردد فيه لغير عذر، إلا أن إباحة عبور المسجد للحائض والنفساء مقيد بما إذا أمنت تلويثه فإن خافت تلويثه حرم عليها الدخول فيه.
ومن كلام النووي: لو احتلم في المسجد وجب عليه الخروج منه إلا أن يعجز عن الخروج لإغلاق المسجد ونحوه، أو خاف على نفسه أو ماله، فإن عجز أو خاف جاز أن يقيم للضرورة.
(انظر حاشية ابن عابدين ١/ ١٠٢ وما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ١٦٠ فما بعدها)، (المهذب ١/ ٢٩ وما بعدها)، المغني ١/ ١٩٩ وما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٣٥٩ وما بعدها).
стр. 391
وسنعرض عروضاً إجمالية بمناسباتها في هذه الفقرة، فإلى ذكر بعض النصوص التي وردت في الجنابة:
الجنابة والغسل منها:
٥٩٧ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ يوم الإثنين إلى قُباء، حتى إذا كنا في بني سالمٍ، وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان [بن مالك] فصرخ به، فخرج يجرُّ إزاره، فقال رسول الله ﷺ : "أعجلْنَا الرجل"، فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يُعْجَلُ عن امرأته، ولم يُمْنِ، ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : "إنما الماء من الماء".
وفي رواية مختصراً (١) عن النبي ﷺ قال: "إنما الماءُ من الماء".
٥٩٨ - * روى الترمذي عن أُبي بن كعبٍ ﵁ قال: إنما كان الماء من الماء رُخصةً في أول الإسلام، ثم نُهي عنه.
وفي رواية (٢): أبي داود: أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رُخصةً للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل، ونهى عن ذلك، قال أبو داود: يعني: الماء من الماء.
وفي أخرى (٣) له قال: إن الفُتيا التي كانوا يفتون: الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعدُ".
أقول: قوله إنما الماء من الماء: أي الاغتسال من المني وكان هذا وحده يوجب الغسل ثم استقر التشريع على أن التقاء الختانين ولو لم يكن مني يوجب الغسل كذلك.
стр. 392
٥٩٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "إنما الماء من الماء: في الاحتلام".
٦٠٠ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ "أنهم كانوا جُلوساً، فذكروا ما يوجب الغُسل، فاختلف في ذلك رهطٌ من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجبُ الغُسل إلا من الدفقِ، أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، قال: فقمت فاستأذنت على عائشة، فأُذن لي، فقلت لها: يا أماه - أو يا أم المؤمنين - إني أريد أن أسألك عن شيءٍ، وإني أستحييك؟ فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أُمُّك قلت: فما يُوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : "إذا جلس بين شُعبها الأربع، ومسَّ الختانُ الختان، فقد وجب الغسل".
وفي رواية الموطأ (١): أن أبا موسى أتى عائشة زوج النبي ﷺ ، فقال لها: لقد شق عليَّ اختلافُ أصحاب النبي ﷺ في أمرٍ، إني لأُعْظِمُ أن أستقبلك به، فقالت: ما هو؟ ما كنت سائلاً عنه أمك فاسألني عنه، فقال: الرجلُ يصيب أهله، ثم يكسلُ ولا يُنزلُ؟ فقالت: إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغُسلُ، فقال أبو موسى الأشعري: لا أسأل عن هذا أحداً بعدك أبداً.
في رواية لمسلم (٢): أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يُجامع أهله ثم يُكْسِلُ، هل عليهما الغسل؟ - وعائشة جالسةٌ - فقال النبي ﷺ : "إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسلُ".
стр. 393
٦٠١ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب ﵀ "أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعائشة زوج النبي ﷺ كانوا يقولون: إذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل".
٦٠٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جلس بين شُعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغُسْلُ" زاد في وراية (١): "وإن لم يُنزل".
٦٠٣ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ سُئل عن الرجل يجدُ البلل، ولا يذكر احتلاماً؟ قال: "يغتسلُ" وعن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولا يجد بللاً؟ قال: "لا غُسل عليه"، قالت أم سلمة: والمرأة ترى ذلك: أعليها غسلٌ؟ قال: "نعم، النساء شقائق الرجال".
٦٠٤ - * روى الشيخان عن أم سلمة ﵂ أن أمَّ سُلمٍ- وهي امرأة أبي طلحة - قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة الغُسْل إذا احتلمتْ؟ قال: "نعم، إذا رأت الماء"، فقالت أم سلمة: أو تحتلمُ المرأة؟ فقال: "تربتُ يداكِ، فبم يثشبهها ولدُها؟ ".
стр. 394
وزاد في رواية (١): قالت: فضحْتِ النساء.
٦٠٥ - * روى مسلم عن عائشة ﵂: "إن امرأةً قالت لرسول الله ﷺ : هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: "نعم"، فقالت لها عائشة: تربت يداك، فقالت: قال رسول الله ﷺ : "دعيها، وهل يكون الشبهُ إلا من قِبَلِ ذلك؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولدُ أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه.
أقول: علو ماء الرجل على ماء المرأة والعكس، علو قوة في بويضة المرأة أو الحيوان المنوي، والله أعلم.
- تعميم الجسد بالماء:
٦٠٦ - *روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك مُوضع شعرةٍ من جنابةٍ لم يغسلها، فُعِلَ به كذا وكذا من النار"، قال عليٌّ: فمن ثم عاديتُ رأسي، فمن ثم عاديتُ رأسي، فمن ثم عاديتُ رأسي ثلاثاً، وكان يجزُّ شعرهُ.
هذا الحديث رجاله ثقات إلا أن فيه رجلاً اختلط، والراوي عنه روى عنه قبل الاختلاط وبعده فلذا ضعفه من ضعفه وقال ابن حجر: إسناده صحيح.
٦٠٧ - * روى أبو داود عن ثوبان ﵁ قال: "إنهم استفتوُا النبي صلى الله ليه وسلم عن ذلك - يعني الغُسل من الجنابة- فقال: "أما الرجل، فلينشر رأسه فليغسله، حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة، فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرفْ على رأسها ثلاث غرفات بكفيها".
стр. 395
٦٠٨ - * روى الطبراني عن ابن عمر كان إذا اغتسل فتح عينيه وأدخل أصبعه في سرته.
أقول: لا يلزم فتح العين بل يكره لما فيه من الضرر وإنما يلزم تعاهد المآقي وكذلك المواضع التي تحتاج إلى تعاهد كالأذنين والسرة.
كيفية الغسل:
٦٠٩ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة: بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يُدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبُّ الماء على رأسه ثلاث غرفٍ بيديه، ثم يُفيضُ الماء على جلده كله".
وفي رواية (١): ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرتهُ، أفاض الماء عليه ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، وقالت: كنتُ أغتسلُ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ، نغترفُ منه جميعاً.
ولمسلم (٢): كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسِلُ يديه ثم يُفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخلُ أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه.
وفي أخرى (٣) أنه كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يُدخل يديه في الإناء، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة.
стр. 396
٦١٠ - * روى أبو داود عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة، بدأ بكفيه فغسلهما، ثم غسل مرافغهُ، وأفاض عليه الماء، فإذا أنقاهما أهوى بهما إلى حائط، ثم يستقبل الوضوء ويُفيض الماء على رأسه".
وفي أخرى (١) عن جُميع بن عُمير - أحد بني تيم الله بن ثعلبة - قال: دخلتُ مع أمي وخالتي على عائشة، فسألتها إحدهما: " كيف كنتم تصنعون عند الغُسْلِ؟ فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يُفيض الماء على رأٍه ثلاث مرات، ونحن نفيضُ على رؤوسنا خمساً من أجل الضُّفُر.
٦١١ - * روى البخاري عن عائشة رض الله عنها قالت: "كنا إذا أصابت إحدانا جنابةٌ، أخذتْ بيدها ثلاثاً فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر".
وأخرجه أبو داود (٢) قالت: كانت إحدانا إذا أصابتها جنابةٌ، أخذت ثلاث حفنات هكذا - تعني: بكفيها جميعاً - فتصبُّ على رأسها، وأخذت بيدٍ واحدةٍ، فصبتها عل هذا الشق، والأخرى على الشق الآخر.
٦١٢ - * روى الشيخان عن ميمونة ﵂ قالت: "توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة، غير رجليه، وغسل فرجَهُ وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء،
стр. 397
ثم نحى رجليه فغسلهما، هذا غُسله من الجنابة".
وفي رواية (١) قالت: "سترتُ النبي ﷺ وهو يغتسلُ من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيديه على الحائط، أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه".
وفي رواية (٢): فغسل فرجه بيده، ثمدلك بها لاحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه.
وفي أخرى (٣) نحوه قالت: "فأتيتُه بخرقةٍ فلم يُردها، وجعل ينفُضُ بيديه".
وفي أخرى (٤) "فناولته ثوباً فلم يأخذه وانطلق وهو ينقض يديه".
وفي أخرى (٥): "أن النبي ﷺ أُتي بمنديل، فلم يمسه، وجعل يقول هكذا - تعني ينفضه".
أقول: تنحية الرجلين عن مكان الغسل وغسلهما في مكان آخر إنما يكون إذا كان في المكان الذي يتجمع فيه الماء أما إذا كان الماء المستعمل يذهب كما في حماماتنا اليوم فلا تطلب التنحية، وأما عدم التنشيف فهو من المباحات لأن للزمان والمكان والمناخ ونوع اللباس دخلاً في استعمال المنشفة أو عدم استعمالها.
ورد في المستدرك رواية سكت عنها الحاكم والهبي تفيد استعمال رسول الله ﷺ للتنشيف بعد الوضوء.
٦١٣ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان له خرقةٌ يُنشفُ بها
стр. 398
بعد الوضوء".
عدم نقض الضفائر للنساء:
٦١٤ - * روى مسلم عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء - إذا اغتسلن- أن ينقُضن رؤوسهن، قالت: يا عجبا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ، ولا أزيدُ على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغاتٍ.
وقد ذكرت أم سلمة في رواية لأبي (١) داود: أن المرأة تحثي على رأسها ثلاث حثيات وتغمر قرونها عند كل حفنة.
فائدة: الجمهور لم يفرق بين الحيضة والجنابة بالنسبة لنقض الضفائر أخذاً من الحديث السابق عن أم سلمة، إذ ورد في رواية (٢) (أفأنقضه للحيضة والجنابة).
وقال الإمام أحمد في رواية: عنه يجب النقض في الحيض دون الجنابة.
وقد اعتبر البعض أن لفظة (للحيضة) الواردة في الرواية الأخرى (أفأنقضه للحيضة وللجنابة) اعتبرها البعض شاذة لانفراد عبد الرزاق بها عن سفيان الثوري دون يزيد بن هارون الي وافقت روايته رواية ابن عيينة وغيره ولم يرد فيها ذكر الحيضة، والذي اعتبرها شاذة وقال بانه يجب النقض في الحيض واستدل بحديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها في الحيض "انقضي رأسك وامتشطي ... ".
قال ابن حجر:
وظاهر الحديث الوجوب، وبه قال الحسن وطاووس في الحائض دون الجنب، وبه قال
стр. 399
أحمد، ورجح جماعة من أصحابه أنه للاستحباب فيهما، قال ابن قدامة: ولا أعلم أحداً قال بوجوبه فيهما إلا ما روي عن عبد الله بن عمرو. قلت: وهو في مسلم عنه، وفيه إنكار عائشة عليه الأمر بذلك، لكن ليس فيه تصريح بأنه كان يوجبه. وقال النووي: حكاه أصحابنا عن النخعي، واستدل الجمهور على عدم الوجوب بحديث أم سلمة "قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: طلا". رواه مسلم وفي رواية له للحيضة والجنابة. وحملوا الأمر في حديث الباب على الاستحباب جمعاً بين الروايتين، أو يجمع بالتفصيل بين ما لا يصل الماء إليها إلا بالنقض فيلزم وإلا فلا. ا. هـ.
قال صاحب إعلاء السنن وحمله الشيخ (أي صاحب المنتقي) على الاستحباب وعندي أن الأمر بالنقض والامتشاط كان لرفض إحرام العمرة والتحلل منه. ا. هـ.
وقد تقرر في لم الأصول أن زيادة الثقة تُبل إذا كانت من ثقة حافظ يُعتمد على حفظه وكانت غير منافية للأصل قال الحافظ ابن حجر في (نزهة النظر ص ٣٤٥):
(وزيادة رويهما) أي الصحيح والحسن (مقبولة ما لم تقع منافية لـ) رواية (من هو أوثق) ممن لم يذكر تلك الزيادة، لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها فهذه تقبل مطلقاً، لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره، وإما ان تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، فهذه الي يقع الترجيح بينها وبين معارضها، فيقبل الراجح ويرد المرجوح. ا. هـ.
فورود كلمة الحيضة في الرواية الثانية لا تنافي الحديث الأول الذي ورد فيه ذكر الجنابة فقط وتكون الرواية الثانية بمثابة حديث مستقل يُثبت حكما لم يثبته غيره، والله أعلم.
وعلى هذا كان رأي المذاهب الثلاثة المساواة بين الجنابة والحيض في حكم الضفائر.
اغتسال المرأة وزوجها:
٦١٥ - * روى ابن خزيمة عن معاذة - وهي العدويةُ - قالت (١): سألتُ عائشة أتغْتَسِلُ
стр. 400
المرأة مع زوجها من الجنابة من الإناء الواحد جميعاً؟ قالت: الماء طهور، ولا يُجنبُ الماء شيء، لقد كنتُ أغتسلُ أنا ورسول الله ﷺ في الإناء الواحد. قالت: أبدأه فأفرغُ على يديه من قبل أن يغمسهما في الماء.
إذا أراد الرجل العود ماذا يفعل ؟
٦١٦ - * روى البخاري عن قتادة "أن أنس بن مالك حدثهم: أن رسول الله ﷺ كان يطوف على نسائه بغسلٍ واحدٍ".
في رواية (١): أن رسول الله صل الله عليه وسلم طاف على نسائه في غسل واحد.
٦١٧ - * روى أبو داود عن أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسلْ عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله ألا تجعله غسلاً واحدا؟ قال: "هذا أزكى وأطيبُ وأطهرُ".
أقول: دل هذان النصان على أن كلا من الفعلين جائز.
٦١٨* روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم بدا له أن يُعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً".
أقول: إن الوضوء قبل المعاودة مندوب وليس واجباً.
стр. 401
- حكم الوضوء بعد الغسل:
٦١٩ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ كان لا يتوضأ بعد الغُسل".
وعند أبي داود (١) كان رسول الله ﷺ يغتسلُ ويُصلي الركعتين، وصلاة الغداة، ولا أراه يُحدث وضوءاً بعد الغُسْلِ.
أقول: دل ذلك على أن الوضوء يدخل في الغسل فإذا اغتسل الإنسان فقد أصبح طاهراً من الحدث الأكبر والأصغر.
مقدار الماء الكافي في الغسل:
٦٢٠ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ "أن رسول الله صلى الله عيه وسلم كان يغتسل من إناء - هو الفرْق- من الجنابة".
وفي رواية: أخرى (٢): "كنتُ أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناءٍ واحدٍ، من قدحٍ، يقال له: الفرْق. قال سفيان: والفرْق: ثلاثة آصُعٍ".
وفي رواية (٣): عن أُمِّ سلمة قالت: وكان أزواج النبي ﷺ يأخُذْن من رؤوسهن، حتى تكون كالوفرة. وفي رواية (٤): نحواً من صاع.
стр. 402
أقول: أخذ المرأة من شعرها حتى يكون كالوفرة ثابت في هذا النص فلا حرج على من فعلته وقد تشدد بعض الفقهاء فمنعوا ذلك احتراساً من تشبه النساء بالرجال.
والحرج منفي بهذا النص، والتشبه ممنوع بنصوص أخرى.
الاستتار عند الاغتسال:
٦٢١ - * روى أبو داود عن يعلي [بن شداد بن أوس] ﵁ "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يغتسل بالبراز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله حيي ستيرٌ يُحبُ الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليسترْ".
وللنسائي (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ستير، فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوار بشيءٍ".
٦٢٢ - * روى النسائي عن أبي السمح ﵁ قال: "كنتُ أخدُم النبي صلىلله عليه وسلم، فكان إذا أراد ان يغتسل قال: "ولِّني"، فأوليه قفاي، فأسترُه به".
٦٢٣ - * روى مسلم عن أم هانيءٍ ﵂ قالت: "ذهبتُ إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدتُه يغتسلُ، وفاطمةُ ابنته تسترُه بثوبٍ". وعند النسائي (٢) قالت: "ثم أتيتُه بخرقةٍ فلم يُرِدْها".
أقول: يحرم على الإنسان أن يغتسل عرياناً بين الناس لأن كشف العورة للناس محرّم، وإن ستره إنسان بثوب فلا بأس ويستحب التستر وإن كان خالياً، ولا يسبح في ماء صاف
стр. 403
إلا مستتراً إذ كان بحضرة من يحرم أن ينظر إليه أما إذا كان الماء كدراً لا يرى فيه الجزء الذي يغطس من الإنسان فعلى الإنسان أن يتستر أثناء الدخول والخروج.
٦٢٤ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "كنا نغتسِلُ وعلينا الضمادُ، ونحن مع رسول الله ﷺ مُحلات ومحرماتٌ".
أقول: للمرأة أن تغتسل وهي حائض أو نفساء للتنظيف لا للطهارة.
٦٢٥ - * روى أحمد عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ "أنه أمر علياً فوضع له غُسلاً ثم أعطاه ثوباً فقال: "استرني وولي ظهرك".
٦٢٦ - * روى الطبراني عن زينب بنت أبي سلمة أنها دخلتْ على رسول الله ﷺ وهو يغتسل فأخذ حفنة من ماءٍ فضرب بها وجهي وقال: "وراءك" أي لكاعِ.
للتدليل والتأنيب الرفيق وهي كلمة تستعملها العرب ولا تريد معناها.
حرمة قراءة القرآن للجنب:
٦٢٧ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ قال عبد الله بن سلمة - وهو المرادي الكوفي: دخلتُ على عليٍّ أنا ورجلان رجلٌ منا، ورجلٌ من بني أسدٍ، أحسب بعثهما عليٌّ وجهاً، وقال: إنكما علجان، فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج، فدعا بماءٍ، فأخذ منه حفنةً فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلا، فيُقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه- أو قال: يحجزُه- عن القرآن شيء، ليس الجنابة.
стр. 404
في رواية: الترمذي (١) والنسائي (٢) عن عليّ قال: كان رسول الله ﷺ يُقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جُنباً.
ولفظ النسائي (٣): كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل حال إلا الجنابة.
٦٢٨ - * روى الطبراني في الكبير والصغير عن ابن عمر (رفعه): "لا يمسُّ القرآن إلا طاهرٌ".
أقول: لا يجوز لمس القرآن للمحدث حدثاً أكبر أو أصغر ويجوز للمحدث حدثاً أصغر أن يقرأ القرآن ويقرئه دون لم سالمصحف ولا يجوز لمحدث حدثاً أكبر أن يقرأ أو يقرئ إلا بالنظر وبالقلب دون تحريك اللسان.
حكم النوم والأكل للجنب:
٦٢٩ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قال أبو سلمة: "سألت عائشة: هل كان رسول الله ﷺ يرقُد وهو جنبٌ؟ قالت: نعم ويتوضأُ".
في رواية (٤): عروة قالت: "كان إذا أراد ان ينام وهو جنب غسل فرجهُ وتوضأ للصلاة".
стр. 405
في رواية مسلم (١): "كان إذا أراد أن ينام وهو جُنبٌ توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام".
وفي أخرى (٢): "كان ذا كان جُنباً، وأراد أن يأكل، أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة".
وفي أخرى (٣): عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة ﵂: "قلت كيف كان يصنعُ في الجنابة؟ أكان يغتسلُ قبل أن ينام، أو ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، فربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً".
وللنسائي (٤): "كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه".
أقول: وضوء المجنب قبل النوم مستحب وليس مفروضاً. ومن كلام الحنابلة: ويكره للجنب ومنقطعة دم الحيض والنفاس ترك الوضوء للنوم فقط والكراهة هنا تنزيهية، ومن كلامهم: يستحب الوضوء لمعاودة الوطء. ويستحب للجنب أن يغسل يديه وفمه قبل الأكل أو يتوضأ، ومن أدب المسلم في كل حال إذا أراد الطعام أن يغسل يديه.
٦٣٠ - * روى أحمد عنعمار "أن النبي ﷺ رخص للجُنب إذا أراد أن يأكل أو
стр. 406
يشرب وينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة".
٦٣١ - * روى أحمد عن أم سلمة قالت "كان رسول الله ﷺ يُجنِبُ ثم ينام ثم ينتبه ثم ينام".
٦٣٢ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل؟ فقال رسول الله ﷺ : "توضأ، واغسلْ ذكرك، ثم نمْ".
وللبخاري (١) قال: استفتي عمر النبي ﷺ : أينامُ أحدُنا وهو جُنُبٌ؟ قال: "نعم، إذا توضأ".
وفي أخرى (٢): "أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقُدْ" ولمسلم بنحو ذلك (٣).
٦٣٣ - * روى مالك عن نافع - مولى ابن عمر "أن ابن عمر ﵄ كان إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنب غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه، ثم طعم أو نام".
مصافحة الجنب ومخالطته:
٦٣٤ - * روى الستة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيهُ في بعض طريق
стр. 407
المدينة وهو جُنُب، فانخنسْتُ منه، فذهب فاغتسل، ثم جاء فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: كنت جُنباً، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، قال: "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجُس".
أقول: دل هذ النص على أن سؤر الجنب طاهر وأن للجنب مجالسة الناس ومحادثتهم ومصافحتهم.
٦٣٥ - * روى الترمذي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يُجنِبُ فيغتسلُ ثم يستدفيء بي قبل أن أغتسل".
٦٣٦ - * روى مالك "كان ابن عمر يعرقُ في الثوب وهو جنب، ثم يصلي فيه" وكذلك عرق الحائض طاهر عند أهل العلم قال ابن عباس (١): أربعٌ لا يجنبن: الإنسان والثوب والماء والأرض يريد: الإنسان لا يُجنبُ بمماسة الجنب، ولا الثوب إذا لبسه الجنب، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب، ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب فيه يده.
وقال عطاء (٢): يحتجمُ الجنبُ، ويقلم أظفاره، ويحلق رأسه، وإن لم يتوضأ.
стр. 408
إذا ذكر أنه جنب وهو في الصلاة ماذا يفعل:
٦٣٧ - * روى الأربعة عن أبي هريرة ﵁ قال: "أُقيمت الصلاةُ، وعُدلت الصفوف قياماً، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مُصلاه ذكر أنه جنبٌ، فقال لنا: "مكانكم"، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلأينا ورأسه يقطر، فكبر، فصلينا معه".
٦٣٨ - * روى أبو داود عن أبي بكرة ﵁: "أن رسول الله صلى الهل عليه وسلم دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده: أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطُر، فصلى بهم".
وفي رواية: بمعناه (١)، قال في أوله: (فكبر) وقال في آخره: "فلما قضى الصلاة قال: "إنما أنا بشر، وإني كنت جُنباً".
٦٣٩ - * روى مالك عن سليمان بن يسار "أن عمر رضي الله عن صلى بالناس الصبح، ثم غدا إلى أرضه بالجُرْف، فوجد في ثوبه احتلاماص، فقال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق، فاغتسل، وغسل الاحتلام من ثوبه، وعاد لصلاته".
في رواية (٢): بعد قوله: (احتلاماً) - فقال: "لقد ابتُليتُ بالاحتلام منذ وليتُ أمر الناس، واغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلامِ، ثم صلى بعد أن طلعت الشمسُ".
وفي رواية (٣): زُيَيْدِ بن الصلت قال: "خرجتُ مع عمر بن الخطاب إلى الجُرْفِ،
стр. 409
فنظر فإذا هو قد احتلم وصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أُراني إلا قد احتلمتُ وما شعرت، وصليت وما اغتسلتُ، قال: فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، ونضح ما لم ير، وأذن، أو أقام، ثم صلى بعد ارتفاع الضحى متمكناً".
أقول: قال فقهاء الحنفية منصلى إماماً ثم تبين له بعد الصلاة أنه كان محدثاً، فعليه أن يبلغ من صلى وراءه بالقدر المستطاع أن يعيدوا صلاتهم، ومذهب الشافعية أنه ليس عليهم إعادة.
- الاغتسال بالماء والخطْمِي ونحوه:
٦٤٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: "إذا اغتسل أحدُكم وهو جُنُبٌ بالخطمي ثم اغتسل بعد ذلك فليغسلْ رأسه إن شاء بالماء".
أقول: الغتسال بماء الخطمي أو السدر أو بماء خالطه ما يزيد التطهير كالصابون جائز، نص على ذلك فقهاء الحنفية وغيرهم.
- في الحمام وغُسل الإسلام:
اتفقت المذاهب الأربعة على أن من أسلم وهو جنب عليه الاغتسال، قال الحنفية والشافعية يستحب له الاغتسال إذا لم يكن جنباً ويزئه الوضوء وأوجب المالكية والحنابلة الغسل على الكافر إذا أسلم.
وأما الحمامات العامة وقد كانت منتشرة كثيراً في الأرض الإسلامية وهي معلم من معالم المدنية الإسلامية، فإن الدخول إليها مباح للرجال ويجب عليهم غض البصر عمال ايحل لهم وصون عوراتهم عن التكشف عند من لا يحل له النظر إليها ويكره له الدخول إذا خشي من المحظور إلا بضوررة وأما النساء فيكره لهن دخول الحمامات العامة بلا عذر من حيض أو نفاس أو مرض أو حاجة للغُسل وعندما لا يمكن أن تغتسل في بيتها لسبب ما.
стр. 410
ويعتبر الماء الذي يجري في حوض الحمام ويخرج منه في حكم الجار من حيث الطهارة، ولا بأس للمستتر من ذكر الله في الحمام، ولا تكره قراءة القرآن في الحمام عند مالك والنخعي وكره أحمد ذلك لأنه محل للتكشف.
٦٤١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ نهى الرجال والنساء عن دخول الحمام، قالت: ثم رخص للرجال أن يدخلوه في المآزر".
ولهما في رواية (١) أبي المليح الهُذلي قال: "دخل على عائشة نسوةٌ من نساء أهل الشام، فقالت: لعلكنَّ من الكورةِ التي تدخلُ نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم، قالت أما إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأةٍ تخلعُ ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكتْ ما بينها وبين الله من حجاب".
٦٤٢ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزارٍ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخِلْ حليلتَه الحمام إلا من عذرٍ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدارُ عليها الخمر".
في رواية (٢): النسائي: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمَّام إلا بمئزرٍ".
стр. 411
٦٤٣ - * روى الطبراني عن ابن عمر "أنه كان يدخل الحمام، فينورُهُ صاحب الحمام، فإذا بلغ حقوهُ قال لصاحب الحمام: أخرجْ".
أقول: المراد بالنص أن ما تحت السرة لم يكن ابن عمر يسمح للحماميَّ أن ينظر إليها أو يمسها.
٦٤٤ - * روى أبو داود عن قيس بن عاصم ﵁ قال: "أتيت رسول الله ﷺ أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماءٍ وسدرٍ".
إلا أن الترمذي والنسائي قالا: "إنه أسلم، فأمره النبي ﷺ .
أقول: ذكر السدر استدل به الفقهاء على أن مايخالط الماء من طاهر يزيد في تنظيفه لا يؤثر على طهوريته وليس وجود السدر شرطاً لصحة اغتسال من أسلم.
٦٤٥ - * روى الطبراني عن قتادة أبي هشام قال أتيتُ رسول الله ﷺ فقال لي: "يا قتادة اغتسلْ بماءٍ وسدرٍ واحلقْ عنك شعر الكفر" وكان رسول الله ﷺ يأمر من أسلم أن يختتن وإن كان ابن ثمانين سنةً".
أقول: إن من عادة الكافرين ألا يستحدوا فيحلقوا شعر عاناتهم أو ينظفوا آباطهم من الشعر الذي هو فيها، وذلك يخالف سنن الفطرة، فالنص محمول على إزالة هذا النو من الشعر، هذا إذا كان موجوداً.
стр. 412
الحيض والنفاس والاستحاضة
عرض إجمالي
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١).
الدماء التي تخرج من فرج المرأة ثلاثة: دم حيض ودم نفاس وهما يوجبان الغسل بعد الهر منهما ودم الاستحاضة وهو ما ليس دم حيض ولا دم نفاس.
والحيض دم خارج في حال الصحة من رحم المرأة من يغر ولادة ولا مرض في أمد معين، وبه تصبح الأنثى بالغة مكلفة وقد يأتي الأنثى في سن مبكرة كتسع سنين قمرية وفي العادة فإنه يأتي المرأة شهرياً ما لم تكن حاملاً حتى تصل إلى سن الإياس وهو خمس وخمسون سنة عند الحنفية وسبعون عند المالكية لكنهم يقولون: إن ما بعد الخمسين يحكم عليه النساء صاحبات الخبرة وكذلك يسألن في المراهقة عن دمها، وهي ما كانت بنت تسع إلى ثلاث عشرة، وقال الشافعية ما دامت المرأة حية فالحيض ممكن في حقها، وقال الحنابلة: سن اليأس خمسون. وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الحامل لا تحيض، فما خرج من دم منها قبل الولادة فهو استحاضة، وذهب المالكية والشافعية إلى أن الحامل قد تحيض.
والعادة أن أقل طهر بين الحيضتين هو خمسة عشر يوماً عند جمهور الفقهاء فإذا وجد دم قبل ذلك فهو دم استحاضة، وأقل مدة الحيض عند الحنفية ثلاثة أيام بلياليها وأكثره عشرة أيام بلياليها، فما نقص عن ذلك أو زاد فهو استحاضة ومن الاستحاضة عندهم أن لو كان للمرأة عادة أقل من عشرة أيام واستمر الدم معها حتى جاوز العشرة فما زاد على عادتها فهو استحاضة أما إذا لم يتجاوز العشرة فهو حيض فإذا تجاوز فإنها تقضي صلاة الأيام التي زادت عن عادتها ويرى الشافعيةوالحنابلة أن أقل زمن الحيض يوم وليلة: أربع وعشرون ساعة
стр. 413
على الاتصال المعتاد في الحيض بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت فإذا رأت الدم أقل من يوم وليلة فهو استحاضة وأثره خمسة عشر يوماً بلياليها فإن زاد فهو استحاضة.
وعند المالكية تفصيلات كثيرة تراجع في محلها، وأقل الطهر بين النفاس والحيض أو بين الحيضتين خمسة عشر يوماً عند الجمهور وقال الحنابلة أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً ولاحد لأكثر الطهر باتفاق الفقهاء وللطهر في حق الحائض والنفساء علامتان، جفاف الدم حتى إذ وضعت قطنة لم يظهر عليها شيء والقصة البيضاء وهي ماء أبيض رقيق يأتي في آخر الحيض وكل لون في مدة الحيض أو النفاس يعتبر حيضاً أو نفاساً والنقاء المؤقت في مدة الحيض حيض عند الحنفية والشافعية، وعند المالكية والحنابلة تفصيل يراجع في محله، والنفاس عند الحنفية هو الدم الذي يخرج عند خروج أكثر الولد أما ما قبل ذلك فهو دم استحاضة، فتتوضأ إن قدرت وتصلي أو تتيمم ولا تؤخر الصلاة أما المالكية: الدم الي يخرج قبل الولادة هو دم يحض وعلى هذا فلا صلاة عليها عندئذ وقال الحنابلة: الدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق، والدم الخارج مع الولادة هو دم نفاس عندهم كالدم الخارج عقب الولادة وعلى هذا فلا صلاة على مثل هذه وقد تلد بعض النساء بلا دم، والفقهاء في هذه الحالة مختلفون هل عليها غسل أول يس عليها، فبعضهم ومنهم بعض الحنفية لا يوجبون عليها غسلاً ولا تعتبر نفساء.
ولا حد لأقل النفاس فقد يكون مجة أو دفعة ثم تطهر فعليها الغسل والصلاة والصوم وأكثره عند المالكية والشافعية ستون يوماً، وعند الحنابلة والحنفية: أربعون يوماً وما زاد عن الحد الأعلى فهو استحاضة.
ويحرم بالحيض والنفاس: الصلوات كلها، والصوم، ومس المصحف ودخول المسجد. والطواف، والاعتكاف وقراءة القرآن، والجماع، والطلاق إلا أن الطلاق يقع على الراجح عند الأئمة الأربعة وإن كان محرماً.
ويتعلق بالحيض والولادة أحكام لها صلة بالعدة سيأتي تفصيل لها، وليس على من وطيء الحائض والنفساء إلا التوبة والاستغفار عند المالكية والشافعية والحنفية ويرى بعض الحنابلة أن على الواطيء والموطوءة إن طاوعت الرجل كفارة، والكفارة نصف دينار،
стр. 414
وقال الشافعية يسن لمن وطيء في إقبال الدم التصدق بدينار ولمن وطيء في إدباره التصدق بنصف دينار، ويجوز للرجل أن يستمتع بما دون الفرج عند الحنابلة وعند بعض الحنفية والجمهور على أن الاستمتاع بما بين السرة والركبة محرم إلا بحائل، ويجوز الاستمتاع في ما سوى ذلك.
وإذا انقطع دم الحائض دون عادتها فوق الأيام الثلاثة قال الحنفية: لم يقربها زوجها حتى تمض عادتها وإن اغتسلت اما إذا انقطع لعادتها فلا يجوز لزوجها عند الحنفية أن يقربها إلا إذا اغتسلت أو مضى عليها وقت صلاة بأن تجد من الوقت زمناً يسع الغسل وتحريمه الصلاة ولم تصل فيحل وطؤها قبل الغسل كما يحل وطؤها قبل الغسل إذا انقطع دمها لعشرة أيام وهو أكثر الحيض عندهم.
أما المستحاضة فهي التي يخرج منها الدم لا يعتبر دم حيض أو نفاس فهذه لها أحكامها: فالاستحاضة تعتبر حدثاً أصغر، فلا تمنع شيئاً مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلاً وطواف وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد واعتكاف ووطء، وحكم المستحاضة كحكم أصحاب الأعذار الذي سيأتي معنا، إذا كان دمها لا ينقطع فهي كالمصاب برعاف دائم أو سلس بول أو خروج ريح لا يتحكم فيه صاحبه، ولذلك تفصيلاته، فإذا كانت المستحاضة كذلك، فقد أوجب الشافعية والحنفية والحنابلة أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وقال المالكية يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة كما يستحب لها بعد انقطاع الدم الغسل من الاستحاضة وتصلي المستحاضة بوضوئها بعد دخول الوقت ما شاءت من الفرائض والنوافل ويبطل وضوؤها بخروج الوقت.
وإذا كان الدم مستمراً عند المرأة فمن الضروري أن تعرف كيف تقدر مدة حيضها والمبادئ الأساسية في هذا التقدير العمل بالتمييز لصفة الدم وبناء المعتادة على عدتها السابقة، ورجوع المستحاضة إلى الغالب من عادة النساء، وعند الحنفية أن المبتدأة بظهور الدم واستمراره تقدر حيضها بعشرة أيام وطهرها بعشرين يوماً من كل شهر، وإذا حملت فالدم كله دم استحاضة، وأما من لها عادة من قبل فترد إلى عادتها، وأما التي نسيت عادتها فإنها تأخذ بالأحوط.
стр. 415
(حاشية ابن عابدين ١/ ١٨٨ وبعدها)، (الشرح الصغير ١/ ٢٠٧ وبعدها)، (المغني ١/ ٣٠٦ وبعدها)، (المهذب ١/ ٣٨ وبعدها)، (الفقه الإسلامي ٤٦٧ وبعدها).
وإلى نصوص هذه الموضوعات:
- كيف تتطهر الحائض:
٦٤٦ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ "أن امرأةً من الأنصار سألت النبي ﷺ عن غُسلها من المحيض؟ فأمرها كيف تغتسل، ثم قال: "خُذي فرصةً من مسكٍ، فتطهري بها"، قالت: كيف أتطهرُبها؟ قال: "تطهري بها"، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: "سبحان الله! تطهري بها"، فاجتذبتها إليَّ فقلتُ: تتبعي بها أثر الدم".
ومن الرواة (١) من قال فيه: خذي فرصة ممسكةً، فتوضئي بها ثلاثاً، ثم إن النبي ﷺ استحيي، وأعرض بوجهه، وقال: "توضئي بها"، فأخذتُها فاجتذبتها، فأخبرتها بما يريد النبي ﷺ .
ولمسلم (٢) عن عائشة: أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكُن ماءها وسدرتها، فتطهرُ فتُحسن الطهور، ثم تصُب على رأسها، فتدلكه دلكاً شديداً، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصبُّ عليه الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة، فتطهرُ بها"، فقالت أسماء: فكيف تطهر بها؟ قال: "سبحان الله! تطهري بها"، قالت عائشة - كأنها تُخفي ذلك - تتبعين بها أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: "تأخذُ ماءً، فتطهَّر، فتحسنُ الطهور، أو تبلغُ الطهور، ثم
стр. 416
تصبُّ على رأسها، فتدلكه حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تُفيض عليها الماء"، فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين".
وفي أخرى (١): "دخلت أسماء بنتُ شكلٍ على رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسلُ إحدانا إذا طهرتْ من الحيض ... وساق الحيدث". ولم يذكر فيه غُسل الجنابة.
أقول: يغلط بعض النساء فيظنن أنه متى انقطع الدم فلم يظهر على الخرقة الخارجية، فقد طهرن من الحيض والنفاس وهذا خطأ، فالعبرة لإدخال قطن أو ما يشبهه إلى الفرج الداخلي فإذا خرج وليس عليها شيء أو عليها الطهر الأبيض الخالص، فعندئذ تطهر، فإذا طهرت عندئذ تغتسل وفي هذا النص ندب إلى أن تضع بعد الطهر قبل الاغتسال أو بعده شيء من الطيب في الفرج للمصلحة التي ذكرت في شرح المفردات.
حكم قراءة الحائض القرآن:
٦٤٧ - *روى الترمذي عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 417
"لا يقرأ الجنب والحائض شيئاً من القرآن".
ما يحلُّ من الحائض:
٦٤٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن اليهود كانت إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلُوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي؟ فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يُريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيدُ بن حُضيرٍ، وعبادُ بن بشر، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نُجامعهنَّ؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هديةٌ من لبنٍ إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا: أن لم يجد عليهما.
أقول: رأينا أن للفقهاء اتجاهين فيما يصنع الرجل أثناء الحيض، اتجاه يقول: إنه يجتنب الفرج فقط واجاه يقول: إن المرأة تأتزر ما بين سرتها إلى ركبتها ثم يصنع الرجل بعد ذلك ما شاء، وكل أصحاب الاتجاهين وجه النصوص بما يتفق مع مذهبه، فحمل الائتزار على الكمال أو على حين الخشية من قال باجتناب الفرج فقط.
стр. 418
٦٤٩ - * روى الشخيان عن عائشة ﵂ قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، وأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها، أمرها أن تأتزر بإزارٍ في فوْرِ حيضتها، ثم يباشرها، وأيُّكم كان يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إرْبَه؟ ".
في رواية (١): قالت: كنت أغتسلُ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ وكلانا جنبٌ، وكان يأمرني فأتزرُ، فيُباشرني وأنا حائضٌ، وكان يُخرجُ رأسه إليَّ وهو معتكفٌ، فأغسله وأنا حائضٌ".
وأخرج أبو داود (٢) الرواية الأولى قوال: "في فوح حيضتها".
وفي أخرى لأبي داود والنسائي (٣) قالت: كان يأمر إحدانا إذا كانت حائضاً: أن تأتزر، ثم يُضاجعها زوجها، وقالت مرة: يباشرها.
وفي رواية (٤): الموطأ أن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة يسألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائضٌ؟ فقالت: لتشُدَّ إزارها على أسفلها، ثم يباشرها إن شاء.
وفي أخرى للنسائي (٥) عن جُميع بن عمير قال: دخلتُ على عائشة مع أمي وخالتي،
стр. 419
فسألناها كيف كان النبي ﷺ يصنع إذا حاضت إحداكهن؟ قالت: كان يأمرنا إذا حاضت إحدانا أن تأتزر بإزارٍ واسعٍ، ثم يلتزم صدرها وثدييها.
٦٥٠ - * روى البخاري عن ميمونة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يُباشر امرأة من نسائه: أمرها فاتزرتْ وهي حائضٌ".
وفي رواية (١): كان يباشر نساءه فوق الإزار وهن حُيَّضٌ".
وفي رواية (٢): "كان رسول الله ﷺ يضطجعُ معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوبٌ".
في رواية: أبي داود (٣) والنسائي (٤): "أن رسول الله ﷺ كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزارٌ إلى أنصاف الفخدين والركبتين محتجزة".
٦٥١ - * روى أبو داود عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائضٌ؟ قال: "ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل".
٦٥٢ - * روى أبو داود عن عكرمة بن عبد الله عن بعض أزواج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ ان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقي على فرجها ثوباً".
стр. 420
مخالطة الحائض ومؤاكلتها ونحو ذلك:
٦٥٣ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ "كانت تُرجِّلُ النبي ﷺ وهي حائض، وهو معتكفٌ في المسجد، وهي في حجرتها يُناولها رأسه".
٦٥٤ - * روى الستة عن عائشة: "كنتُ أغسلُ رأس النبي ﷺ وأنا حائضٌ".
٦٥٥ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "إن النبي ﷺ كان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأُ القرآن".
وفي أخرى (١): "كان يقرأ القرآن ورأسهُ في حجري وأنا حائض".
وفي رواية النسائي (٢) قالت: "كان رأسُ رسول الله ﷺ في حجر إحدانا وهي حائض، وهو يقرأ القرآن".
٦٥٦ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ :
стр. 421
"ناوليني الخمرة من المسجد"، قالت: قلتُ: إني حائض، قال: "إن حيضتك ليست في يدك".
وللنسائي (١) قالت: بينما رسول الله ﷺ في المسجد قال: "يا عائشة، ناوليني الثوب"، فقالت: إني لا أصلي، فقال: "ليس في يدك"، فناولتُهُ.
أقول: وهي مقدار ما يضع عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خوص ونحوه من النبات وقوله من المسجد أي من موضع سجودي في بيتك فهي كانت في بيتها ﵂، ويغلط من يفهم أنه يطلب منها أن تدخل المسجد لتناوله ما أراد فليس للحائض أن تدخل المسجدز
٦٥٧ - * روى الدارمي أن إبراهيم كان لا يرى بأساً أن تتناول الحائض من المسجد شيئاً دون أن تدخله.
٦٥٨ - * روى الشيخان عن أم سلمة ﵂ قالت: "بينما أنا مَضطجعةٌ مع رسول الله صلىلله عليه وسلم في الخميلة، إذ حِضْت، فانسلَلْتُ، فأخذت ثياب حيضتي فلبستها، فقال لي رسول الله ﷺ : "أنفستِ؟ " قلت: نعم، فدعاني فاضطجعتُ معه في الخميلة. قالت: وكانت هي ورسول الله يغتسلان في الإناء الواحد من الجنابة".
стр. 422
٦٥٩ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أشربُ من الإناء وأنا حائضٌ، ثم أناوله النبي ﷺ فيضعُ فاهُ على موضع فيِّ".
وفي رواية أبي داود (١) والنسائي (٢) قالت: كنت أتعرَّق العرق وأنا حائض، فأعطيه رسول الله ﷺ ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وكنت أشرب من القدح فأناوله إياه، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب".
وفي رواية (٣): للنسائي عن شُريح بن هانئ "سألها: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: نعم، كان رسول الله ﷺ يدعوني، فآكل معه وأنا عاركٌ، وكان يأخذ العرق فيُقسم عليَّ فيه، فآخذه فأتعرقُ منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من العِرْق، ويدعو بالشراب، فيُقسم عليَّ فيه، قبل أن يشرب منه، فآخذه فأشرب منه، ثم أضعه، فيأخذه فيشرب منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح".
٦٦٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن سعد الأنصاري ﵁ قال: سألتُ النبي ﷺ عن مُواكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها".
- حكم من واقع الحائض:
٦٦١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الجل بأهله وهي حائض فليتصدق بنصف دينار".
وفي رواية (٤): أنه قال: "إذا أصابها أول الدم - والدمُ أحمر- فدينار وإذا
стр. 423
أصابها في انقطاع الدم - والدمُ أصفر- فنصف دينار".
وفي رواية (١): أبي داود أن النبي قال في الذي يأتي أهله وهي حائض، قال "يتصدق بدينارٍ، أو نصف دينارٍ".
قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة "دينار، أو نصف دينار" وربما لم يرفعه شعبة.
وفي رواية (٢): عنه قال: "إذا أصابها في الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار".
وأخرج الرواية (٣) الأولى من روايتي الترمذي، وقال: وروى الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك عن عبد الحميد بن عبد الرحمن-[وهو ابن زيد بن الخطاب القرشي العدوي]- عن النبي ﷺ قال: "أمره أن يتصدق بخمسي دينار". وأخرج النسائي (٤) رواية أبي داود الأولى.
(الدينار) = مثقال من الذهب والمثقال العجمي = ٤.٨٠ غرامات والمثقال العراقي = ٥ غرامات.
أقول: قد اعتبر بعضهم أن الصدقة في هذا المقام من باب ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٥) (واتبع السيئة الحسنة تمحها) وليست من باب الكفارات، وقد نقل.
٦٦٢ - * روى الدارمي عن الشعبي وسعيد بن جبير وابن سيرين وابن أبي مليكة وعطاء
стр. 424
والقاسم وغيرهم أنه ليس على من أتى امرأته وهي حائض إلا التوبة والاستغفار، كما نقل عن إبراهيم جواز إتيان الحائض في مراقها وبين أفخاذها وفي سرتها وفي إليتها ونقل عن مجاهد أن المحرم هو الدبر والفرج فقط ونقل عن قتادة ومجاهد تفسير الأذى في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (١) أنه القذر، وإنما ذكرنا هذا للإشارة إلى أن في أقوال الفقهاء من الرخص ما يتسع بحيث لا يحتاج الرجل إلى إتيان المرأة في القبل أثناء الحيض والنفاس، أما الدبر فمحرم في كل الأحوال.
ترك الحائض الصلاة والصوم وقضاؤها الصوم:
٦٦٣ - * روى البخاري عن عائشةرضي الله عنها "أن امرأة قالت لها: أتُجزيءُ إحدانا صلاتها إذا طهرتْ؟ فقالت: أحرُوريَّةٌ أنت؟ كنا نحيضُ مع رسول الله ﷺ ، فلا يأمرنا به- أو قالت: فلا نفعله".
وفي رواية (٢): قالت مُعاذة: "سألت عائشة، فقلتُ: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ قلتُ: لستُ بحروريةٍ، ولكني أسألُ، قالت: كان يُصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
وفي أخرى (٣): "أن امرأة سألت عائشة فقالت: أتقضي إحدانا الصلاة أيام محيضها، فقالت: أحرورية أنت؟ قد كانت إحدانا تحيضُ على عهد رسول الله ﷺ ، ثم لا تؤمرُ بقضاءٍ".
стр. 425
فائدة: والحكمة في عدم التكليف بقضاء الصلاة لأن في قضاء الصلوات إحراجاً لتضاعف الصلوات لأنها خمس في كل يوم وليلة ولا حرج في قضاء الصوم لأنه في السنة مرة واحدة مع إفصاح النص وهو الأمر بقضاء الصوم فوجب. (الهداية مع البناية ١/ ٦٣٦) (وهبي).
٦٦٤ - * روى أبو داود ع أم بُسة - واسمها مُسَّة الأدية قالت: "حججتُ فدخلت على أم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين، إن سمُرة بن جُندب يأمر النساء أن يقضين صلاة المحيض؟ فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعدُ في النفاس أربعين ليلة لا تصلي، ولا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة لانفاس".
قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل، فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قال: ويروي عن الحسن البصري أنه قال: إنها تدع الصلاة خمسين يوماً إذا لم تر الطهر، ويروي عن عطاء بن أبي رباح والشعبي ستين يوماً.
أقول: قولها من نساء النبي ﷺ كانت تريد به زواته وسراريه، فلم يلد له بعد الهجرة إلا مارية، فإن لم تكن تريد مارية فالراجح أنها تريد أهل بيته كفاطمة ابنته ﵂ وإنما ذكرنا هذا التأويل لأن المشهور أن السيدة خديجة ﵂ توفيت قبل ليلة الإسراء وهي الليلة التي فرضت فيها الصلوات الخمس ولم يكن لرسول الله ﷺ ولد من غير خديجة إلا مارية سريته ﵂.