← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال الراوي: والروحاء من المدينة: على ستة وثلاثين ميلاً. ٧٩١ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فقام بلال ينادي، فلما سكت، قال رسول الله ﷺ : "من قال مثل هذا يقيناً دخل الجنة". ٧٩٢ - * روى أحمد عن عبد الله بن ربيعة السلمي قال: كان النبي ﷺ في سفر فسمع مؤذناً يقول أشهد أن لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله" قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال رسول الله ﷺ : "أشهد أن محمداً رسول الله". فقال النبي ﷺ : "تجدونه راعي غنم أو عازباً عن أهله". وزاد قال فهبط الوادي فإذا هو بشاة ميتة فقال: "أترون هذه هينة على أهلها" قالوا نعم قال: "الدنيا على الله أهون من هذه على أهلها". ٧٩٣ - * روى البزار عن أبي جحيفة أن رسول الله ﷺ كان في سفر فسمع مؤذناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ : "خلع الأنداد"، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله فقال: "خرج من النار" ثم قال رسول الله ﷺ : "تجدونه صاحب معزى معزبة أو صاحب كلاب". ٧٩٤ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال بينما نحن مع رسول الله ﷺ في بعض

стр. 527

أسفاره سمع منادياً ينادي الله أكبر الله أكبر فقال نبي الله ﷺ : "على الفطرة". فقال: أشهد أن لا إله إلا الله: فقال نبي الله ﷺ : "خرج من النار". فابتدرناه فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة فنادى بها. ٧٩٥ - * روى ابن خزيمة عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يغير عند صلاة الصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار. فاستمع ذات يوم فسمع رجلاً يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال: "على الفطرة". فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: "خرجت من النار". قال ابن خزيمة: فإن كان المرء يطمع بالشهادة بالتوحيد لله في الأذان وهو يرجو أن يخلصه الله من النار بالشهادة بالله بالتوحيد في أذانه، فينبغي لكل مؤمن أن يتسارع إلى هذه الفضيلة طمعاً في أن يخلصه الله من النار. خلا في منزله أو في بادية أو قرية أو مدينة، طلباً لهذه الفضيلة. أقول: الأذان والإقامة سنة مؤكدة للرجال جماعة في كل مسجد للصلوات الخمس والجمعة، والمعتمد عند كثير من العلماء: أنه يستحب الأذان، والإقامة للمنفرد، وقال الشافعية والمالكية تستحب الإقامة وحدها لا الأذان للمرأة أو جامعة النساء، وعند الحنفية لا أذان ولا إقامة على المرأة. - ما ينبغي على من سمع الأذان: ٧٩٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه سمع

стр. 528

رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علين فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة: حلت له الشفاعة". أقول: يجب في الراجح عند الحنفية لمن سمع الأذان أن يجيب مشياً بالأقدام إلى الصلاة وتسن الإجابة اللفظية عند الحنفية وغيرهم: بأن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن عقب كل جملة إلا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي التثويب في أذان الفجر يقول بعد (الصلاة خير على النوم) صدقت وبررت وكما تسن الإجابة في الأذان تسن أو تندب الإجابة للمقيم وتسن الصلاة على رسول الله ﷺ بعد الأذان، كما يسن الدعاء المأثور لرسول الله ﷺ ، ومن مظنة استجابة الدعاء الدعاء بين الأذان والإقامة، وقد اعتاد المؤذنون منذ عهد صلاح الدين الأيوبي أن يجهروا بالصلاة على رسول الله ﷺ ، وإجابة المؤذن مقدمة في الفضل على قراءة القرآن وتسن الإجابة لكل سامع ولو كان جنباً أو حائضاً أو نفساء ويجيب من شغل عن الأذان أو كان في وضع لا يسمح له بالإجابة بعد فراغ المؤذن ما لم يطل الفصل بينه وبين الأذان. ٧٩٧ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة". ٧٩٨ - * روى البخاري عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من قال

стр. 529

حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً كما وعدته"- وفي رواية: "الذي وعدته"- "حلت له شفاعتي يوم القيامة". ٧٩٩ - * روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه، دخل الجنة". ٨٠٠ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً- وفي رواية (١): نبياً- وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه". ٨٠١ - * روى البخاري عن أبي أمامة أسعد بن سهل ﵁ قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر حين أذن المؤذن، فقال: الله أكبر، الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر، الله أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال معاوية: وأنا، قال:

стр. 530

أشهد أن لا إله الله، قال معاوية: وأنا، قال: أشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، قال معاوية: وأنا، قال: أشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، قال معاوية: وأنا، فلما أن قضى التأذين، قال: يا أيها الناس، سمعت رسول الله ﷺ على المنبر حين أذن المؤذن، يقول مثل ما سمعتم من مقالتي. وفي رواية (١): "أنه سمع معاوية يوماً وسمع المؤذن فقال مثله .. إلى قوله: وأشهد أن محمداً رسول الله". وفي أخرى (٢): "أنه لما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: هكذا سمعنا نبيكم يقول". ٨٠٢ - * روى الجماعة عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن". ٨٠٣ - * روى البزار عن أبي هريرة أنه كان إذا سمع المؤذن يؤذن قال: أشهد بها مع كل شاهد وأتحمل بها على كل جاحد. أقول: كلمة أبي هريرة تدل على أن أمر الذكر والدعاء واسع فمن ذكر أو دعا بشيء داخل في عمومات الشريعة لا يعتبر مبتدعاً إذا لم ينقض سنة أو يفعل منهياً عنه.

стр. 531

- أجر المؤذن: ٨٠٤ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة في الجماعة: يكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما". وفي رواية (٢) النسائي قال: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس وله مثل أجر من صلى". ٨٠٥ - * روى أحمد عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له بمد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه". ٨٠٦ - * روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "يغفر للمؤذن منتهى أذانه ويستغفر له كل رطب ويابس سمع صوته". ٨٠٧ - * روى مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد رضي الله

стр. 532

عنه قال له: أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة" قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ . ٨٠٨ - * روى مسلم عن [عيسى بن طلحة] قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة". وفي رواية (١) قال راويه: كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة، فقال معاوية: سمعت رسول الله ﷺ ... ٨٠٩ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤذنون أمناء، والأئمة ضمناء، اللهم اغفر للمؤذنين، وسدد الأئمة" (ثلاث مرات). هذا لفظ حديث علي بن حجر. وقال الحسين بن الحسن: "أرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذنين". [ورواه محمد بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة]. ٨١٠ - * روى الطبراني عن أبي محذورة قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤذنون أمناء الله على فطرهم وسحورهم". - الدعاء بين الأذان والإقامة: ٨١١ - * روى أحمد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعوة بين

стр. 533

الأذان والإقامة لا ترد فادعوا". قال ابن خزيمة: يريد الدعوة المجابة. ٨١٢ - * روى ابن خزيمة عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان لا تردان أو قل ما تردان، الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلتحم بعضهم بعضاً". وإسناده حسن وصححه (١) ابن حبان ٢٩٧ ولفظه (ساعتان لا ترد على داع دعوته حين تقام الصلاة وفي الصف في سبيل الله). ٨١٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : "قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط". - متى تقام الصلاة ومتى يقوم القوم: ٨١٤ - * روى أبو داود عن سماك بن حرب: أنه سمع جابر بن سمرة ﵁ يقول: "كان مؤذن رسول الله ﷺ يمهل فلا يقيم، حتى إذا رأى رسول الله قد خرج أقام الصلاة حين يراه". وفي رواية (٢) مسلم قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه.

стр. 534

٨١٥ - * روى الشيخان عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت". قال البغوي: يدل على جواز تقديم الإقامة على خروج الإمام ثم ينتظر خروجه وقد كره قوم من أهل العلم أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام، وقال ابن المبارك يقومون عند قوله (قد قامت الصلاة) وقيل عند قوله (حي على الصلاة) وقيل على قدر طاقتهم وقيل يقومون عند قوله (حي على الصلاة) ويكبر الإمام إذا قال (قد قامت الصلاة). - اتخاذ أكثر من مؤذن: ٨١٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم الأعمى. قال مسلم في عقب هذا الحديث: وعن عائشة (١) مثله، وفي أخرى (٢) له عنها قالت: "كان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله ﷺ وهو أعمى". وأخرج أبو داود (٣) الرواية الثانية. أقول: يستحب عند جمهور العلماء أن يكون للجماعة مؤذنان ويصح الاقتصار على واحد وإذا كانت مصلحة الجماعة تقتضي أكثر من اثنين جاز. - حكم أخذ الأجر على الأذان: ٨١٧ - * روى أبو داود عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "إن من آخر ما

стр. 535

عهد إلي رسول الله ﷺ : "أن أتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً". ٨١٨ - * روى ابن خزيمة عن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت: يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي. قال: فقال: "اقتد بأضعفهم واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً". عن يزيد أبي العلاء بهذا الإسناد: نحوه ولم يقل: علمني القرآن. وقال، قال: "أنت إمامهم واقتد بأضعفهم". قوله: (اقتد بأضعفهم): يعني رعاية الضعيف من المصلين فلا يطيل في صلاته رحمة به. ولهذا النص اتفق العلماء أنه يستحب أن يكون المؤذن محتسباً لا يأخذ على الأذان والإقامة أجراً واستقرت الفتوى على جواز الاستئجار للأذان وغيره من القربات الدينية التي تحتاج إلى ارتباط بها للمصلحة الدينية. قال في عارضة الأحوذي (٢/ ١٢ - ١٣) وأكثر علمائنا على جواز الإجارة على الأذان وكرهها الشافعي وأبو حنيفة وقال الأوزاعي يجاعل عليه ولا يؤاجر. قال في حاشية ابن عابدين (١/ ٢٦٣) (... نعم قد يقال إن كان قصده من وجد الله، ولكنه بمراعاته للأوقات والاشتغال به يقل اكتسابه عما يكفيه لنفسه وعياله فيأخذ الأجرة لئلا يمنعه الاكتساب عن إقامة هذه الوظيفة الشريفة ولولا ذلك لم يأخذ أجراً فله الثواب المذكور بل يكون جمع بين عبادتين وهما الأذان والسعي على العيال، وإنما الأعمال بالنيات). - الأذان في السفر: ٨١٩ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر ﵃: "أن ابن عمر كان لا يزيد

стр. 536

على الإقامة في السفر إلا في الصبح، فإنه كان ينادي فيها، ويقيم، وكان يقول: إنما الأذان للإمام الذي يجتمع الناس إليه". أقول: هذا اجتهاد من ابن عمر وقد مر معنا ما يدل على أن الأذان للمنفرد في غير العمران مستحب. ٨٢٠ - * روى أبو داود عن عقبة بن عامر مرفوعاً: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية جبل يؤذن بالصلاة ويصلي فيقول الله : أنظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة". ٨٢١ - * روى البخاري قال ﷺ لمالك بن الحويرث ولابن عم له: "إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما". - من آداب الأذان: ٨٢٢ - * روى الشيخان عن أبي جحيفة ﵁: "أنه رأى بلالاً يؤذن، قال: فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا بالأذان". وفي رواية (١)، قال: "أتيت النبي ﷺ وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فمن ناضح ونائل، فخرج رسول الله ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، فتوضأ، وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يميناً وشمالاً، يقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم فصلى

стр. 537

الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة". أقول: يستحب للمؤذن أن يؤذن على طهارة كاملة، وأن يتوجه بوجهه يميناً عند قوله حي على الصلاة، وشمالاً عند قوله حي على الفلاح. ٨٢٣ - * روى أبو داود عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن، قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة، تعني هذه الكلمات. أن يكون المؤذن يقظاً قائماً على مرتفع حسب الحاجة كمئذنة وسطح مسجد وكان المؤذنون يؤذنون قياماً، قال ابن المنذر: الإجماع على أن القيام في الأذان من السنة.

стр. 538

الفصل الثالث في الشرط الثالث من شروط الصلاة وهو: ستر العورة وما له علاقة بلباس المصلي عرض إجمالي قال تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما) (١). فستر العورة مطلوب إلا في حالات حددها الشارع، وإذا كان ستر العورة مطلوباً في الأحوال العادية، فإنه مطلوب في الصلاة على وجه آكد قال تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) (٢) قال ابن عباس المراد به الثياب في الصلاة. وأجمع العلماء على وجوب ستر العورة في الصلاة وغيرها، إلا في حالات استثنائية. والعورة شرعاً ما يجب ستره وما يحرم النظر إليه، وإذا قيل العورة في الصلاة، فالمراد بها: ما يجب ستره ولو كان يصلي خالياً في ظلمة عند القدرة، وأما العورة خارج الصلاة فقد تتفق مع العورة الواجب سترها في الصلاة وقد لا تتفق، لأن العورة الواجب سترها خارج الصلاة، تختلف باختلاف الناظر فلا عورة مثلاً بين الرجل وزوجته، وعورة المرأة بالنسبة لمحارمها تختلف عن عورتها لغير محارمها، ثم العورة خارج الصلاة تختلف باختلاف حال المكلفين، فعورة الأمة غير عورة الحرة، وأجاز أبو يوسف للنساء العاملات أن يكشفن عن شيء من أذرعهن إذا كانت الحاجة والعمل يقتضيان ذلك، والعورة الواجبة الستر بالنسبة للصبي تختلف باختلاف سنه. وحيثما وجب ستر العورة، فيجب أن يكون الساتر صفيقاً كثيفاً، يستر لون البشرة ولا يصف العورة، فإذا كان الثوب يصف ما تحته أو يتبين معه لون الجلد من ورائه فيعلم

стр. 539

بياضه أو حمرته لم تجز الصلاة به، وإن كان يستر اللون ويصف الخلقة أو الحجم جازت الصلاة به لكنه عند الشافعية للمرأة مكروه، وللرجل خلاف الأولى. والمطلوب هو ستر العورة من جوانبها على الصحيح عند الحنفية فلا يجب الستر من أسفل أو من فتحة قميصه إلا أن يسن له عند الحنفية أن يزر قميصه أو يشد وسطه إن كانت عورته تظهر منه في الركوع أو غيره لنفسه، أما إن كانت تظهر لغيره فيجب أن يفعل ذلك. ومن لم يجد ساتراً لعورته صلى عرياناً عند المالكية وغيرهم، ويصلي في هذه الحالة عند الشافعية متماً الأركان، ويصلي قاعداً يومئ إيماءً بالركوع والسجود عند الحنفية والحنابلة، وإن لم يجد إلا ساتراً نجساً أو حريراً يصلي به فإن صلى عرياناً مع وجود أحدهما بطلت والحرير الطاهر مقدم على النجس عند اجتماعهما وجوباً. وإذا انكشفت العورة فجأة أثناء الصلاة بالريح مثلاً عن غير عمد فسترها في الحال لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة وقال المالكية: تبطل الصلاة مطلقاً بانكشاف العورة المغلظة، وقال الحنفية: إذا انكشف ربع العضو من أعضاء العورة فسدت الصلاة إن استمر بمقدار أداء أدنى ركن كركوع مقدار تسبيحة، هذا إذا كان بلا صنعه، فإن كان بصنعه فسد في الحال، ولا تبطل عندهم بما دون ذلك إذا لم يتعمد الكشف. وعورة الرجل عند الحنفية التي يفترض سترها في الصلاة: هي ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته وعورة الأمة في الصلاة كعورة الرجل، وعورة المرأة الحرة ومثلها الخنثى: جميع بدنها حتى شعرها النازل في الأصح ما عدا الوجه والكفين والقدمين ظاهرهما وباطنهما على المعتمد. والمفترض عند المالكية الذي لا تجوز بدون ستره الصلاة لهما: السوأتان من الرجل، فهذه هي العورة المغلظة التي يفترض سترها في الصلاة وما زاد على ذلك إلى الركبة فعورة مخففة يكره كشفها في الصلاة عند الرجل وتجب إعادتها في الوقت، والوقت وقت الظهرين معاً إذا كانت الصلاة فيهما، والليل كله إذا كانت الصلاة المغرب أو العشاء، وإلى طلوع الشمس في الصبح، أما عورة الحرة المغلظة فجميع البدن ما عدا الصدر والأطراف

стр. 540

من رأس ويدين ورجلين وما قابل الصدر من الظهر كالصدر، وأما ما سوى ذلك من الوجه والكفين وباطن القدمين فعورة مخففة تجب إعادة الصلاة إذا انكشف شيء منها، ووقت الإعادة في الظهر أو العصر إلى اصفرار الشمس، وإذا كان الانكشاف في العشاءين فوقت إعادة الصلاة الليل كله، وتجب إعادة الفجر ما لم تطلع الشمس. وتكون قد ارتكبت بصلاتها مع كشف العورة المخففة إثماً وكذلك الرجل. وعورة الرجل عند الشافعية في الصلاة ما بين سرته وركبته والركبة عندهم ليست عورة، وكذلك السرة، وعورة الأمة كالرجل في الأصح، وعورة الحرة ومثلها الخنثى ما سوى الوجه والكفين ظاهرهما وباطنهما إلى الرسغين، ومذهب الحنابلة كمذهب الشافعية. ومن كلام المالكية أن الصغير الذي بلغ السابعة يندب له إذا أراد الصلاة أن يستر العورتين المغلظة والمخففة كالرجل وهي ما بين السرة والركبة، وأما الصغيرة فيندب لها ستر العورتين المخففة والمغلظة ولو سترت ما بين السرة والركبة كفاها ولم يأثم بذلك أهلها. وإذا انصب كلامنا فيما مر على أدنى ثوب تسقط به الفريضة، فالمطلوب من المسلم والمسلمة بالنسبة للصلاة أوسع من ذلك لأن ما ذكرنا تجوز به الصلاة مع الكراهة فالله قال: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) (١) فالمطلوب من المسلم والمسلمة أن يصليا في أكمل هيئة ويعرف ذلك من خلال مكروهات الصلاة كما سيمر معنا. فإذا كانت الصلاة مع رفع الكم مكروهة، فكيف بما هو أوسع من ذلك؟ وإذا كانت الصلاة بثياب المهنة أو مع وجود رائحة غير مستساغة في المسجد فإن ذلك يدلنا على أن المسلم يصلي على أكمل حال من الطهارة والنظافة والطيب والثياب، فكمال الصلاة أن يصلي الرجل في ثوبين أو أكثر كما سنرى ذلك، وكمال الصلاة بالنسبة للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: خمار تغطي به الرأس والعنق ودرع تغطي به البدن والرجلين وملحفة صفيقة تستر بها الثياب، والمستحب أن تكثف المرأة جلبابها حتى لا يصف أعضاءها، وتجافي الملحفة عنها في الركوع والسجود حتى لا توصف ثيابها ولقد تفننت المسلمات في استحضار ثياب

стр. 541

لصلواتهن، ففي كل قطر تجد جديداً حميداً، وسيمر معنا موضوع اللباس في أكثر من مكان في هذا الكتاب. انظر: (رد المحتار ١/ ٢٧٠ - ٢٧٧)، (الشرح الصغير ١/ ٢٨٣ - ٢٩١)، (المهذب ١/ ٦٤ وما بعدها)، (المغني ١/ ٥٧٧ وما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٥٧٩ وما بعدها). وإلى نصوص هذا الفصل: ٨٢٤ - * روى أبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده- وكانت له صحبة- قال: "قلت: يا رسول الله، عوراتنا: ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك"، قلت: يا رسول الله، فالرجل يكون مع الرجل؟ قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل، قلت: فالرجل يكون خالياً؟ قال: "الله أحق أن يستحيي منه الناس". وفي رواية (١): قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: "الله أحق أن يستحي منه الناس". ٨٢٥ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 542

"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا المرأة إلى المرأة في ثوب واحد". وفي رواية (١) مكان "عورة" "عُرية". ٨٢٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع". زاد في رواية (٢): وإذا زوج أحدكم خادمه- عبده أو أجيره- فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة". أقول: التفريق بين الأولاد في المضاجع إذا بلغوا عشراً أعم من أن يكون تفريقاً بين الذكور والإناث فقط. ٨٢٧ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: "يا علي، لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت"، وفي أخرى (٣) قال: نهاني رسول الله ﷺ عن كشف الفخذ وقال: "لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت". ٨٢٨ - * روى أبو داود عن زرعة بن مسلم بن جوهر عن أبيه عن جده: "أنه كان من أهل الصفة، وأنه قال: جلس عندي رسول الله ﷺ يوماً، فرأى فخذي منكشفة، فقال:

стр. 543

"أما علمت أن الفخذ عورة؟ " وفي رواية (١): "أن رسول الله ﷺ مر به في المسجد وقد كشف فخذه، فقال له: "غط فخذك فإنها من العورة" إلا أن أبا داود قال: زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه قال: كان جرهد. قدم أكثر العلماء الأخذ بما ورد في حديث جرهد وأمثاله على غيره لأنه قول والقول أرجح من الفعل، ولأن النصوص الأخرى قد تفيد الخصوصية وبعضها فيه تردد في الرواية، فالتمسك بأن الفخذ عورة هو الأولى ولذلك وجه العلماء ما ورد مخالفاً لذلك فقد ضبط بعضهم رواية أنس (ثم حسر الإزار). رواها بضم أوله وكسر ثانية بدليل رواية مسلم (فانحسر)، وقد وافق مسلماً على روايته بلفظ (فانحسر) أحمد بن حنبل عن ابن علية وكذا رواه الطبراني عن يعقوب شيخ البخاري ورواه الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن يعقوب وقال القرطبي حديث أنس وما معه إنما ورد في قضايا معينة في أوقات مخصوصة يتطرق إليها من احتمال الخصوصية أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى حديث جرهد وما معه لأنه يتضمن إعطاء حكم كلي. ٨٢٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "الفخذ عورة". ٨٣٠ - * روى أحمد عن محمد بن عبد الله بن جحش ختن النبي ﷺ : أن النبي ﷺ مر على معمر بفناء المسجد محتبياً كاشفاً عن طرف فخذه، فقال له النبي ﷺ : "خمر فخذك يا معمر فإن الفخذ عورة". وفي رواية له (٢) عند أحمد أيضاً قال: مر النبي ﷺ وأنا معه على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال: يا معمر "غط فخذيك فإن الفخذين عورة". إلا أنه قال في الأولى: "فإن الفخذ من العورة".

стр. 544

٨٣١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى في ثوب فليخالف بين طرفيه". هذه رواية البخاري، وفي رواية (١) أبي داود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه". أقول: ومن ههنا كره السدل في الصلاة وهو أن يلقي طرف الرداء من الجانبين ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى أو لا يضم الطرفين بيديه، ومن ههنا نعرف أن الأصل ستر الجسم في الصلاة، ولقد قال العلماء: ليس من المروءة أن يري الإنسان جسمه، فإذا كان هذا مع الخلق، فالأدب مع الخالق في الصلاة أولى. ٨٣٢ - * روى الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁: أن سائلاً سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال: "أو لكلكم ثوبان؟ "، وفي رواية (٢) للبخاري ومسلم قال: "نادى رجل رسول الله ﷺ : أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال: "أفكلكم يجد ثوبين؟ " زاد في رواية (٣): "قال: ثم سأل رجل عمر؟ فقال: إذا وسع الله فوسعوا: جمع رجل عليه ثيابه: صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص- قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء، وفي رواية (٤) للموطأ عن ابن المسيب قال: سئل أبو هريرة: هل يصلي الرجل في ثوب واحد؟ قال: نعم. فقيل له:

стр. 545

هل تفعل ذلك أنت؟ فقال: نعم، إني لأصلي في ثوب واحد، وإن ثيابي لعلى المشجب". أقول: الصلاة في الثوب الواحد جائزة، وفيما هو أكثر من ذلك كما ورد في رواية عمر أكمل، والأصل أن يتجنب المسلم والمسلمة الثياب التي تصف العورة أو تشف، فمهما استطاع المسلم أن تكون ثيابه غير واصفة للعورة، فذلك أكمل. ٨٣٣ - * روى النسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "آخر صلاة صلاها النبي ﷺ مع القوم: صلى في ثوب واحد متوشحاً به، خلف أبي بكر"، وفي (١) رواية الترمذي: "صلى في مرضه خلف أبي بكر، قاعداً في ثوب متوشحاً به". ٨٣٤ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء"، وقال: "على عاتقيه". أقول: كره العلماء لمن يجد شيئاً زائداً على الإزار يستر به جسمه ثم يصلي بدونه. ٨٣٥ - * روى أبو داود عن بريدة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أني صلى في لحاف لا يتوشح به، والآخر: أني صلى في سراويل ليس عليه رداء". ٨٣٦ - * روى الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كان رجال يصلون مع

стр. 546

النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً". وعند أبي داود نحوه، وفيه: من ضيق الأزر، وفيه: "فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن ... وذكره". ٨٣٧ - * روى ابن خزيمة عن سهل بن سعد، قال: "كن النساء يؤمرن في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ أن لا يرفعن رؤوسهن حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من قباحة الثياب". أقول: لا يفيد ذلك أن الرجال كانوا يصلون مكشوفي العورات وإنما هو أمر للاحتياط. ٨٣٨ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار". أقول: الخمار في الأصل هو ما تغطي به المرأة رأسها وعنقها، والظاهر أن المراد به هنا أن تلبس ما يكمل ستر بدنها في الصلاة، وقد مر معنا أن المرأة في الصلاة كلها عورة ما عدا وجهها وكفيها وهناك خلاف حول وجوب ستر قدميها. ٨٣٩ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ صلى في خميصة

стр. 547

لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي" وفي رواية (١): "أن النبي ﷺ كانت له خميصة لها أعلام، فكان يتشاغل بها في الصلاة، فأعطاها أبا جهم، وأخذ كساء له أنبجانيا. قال البخاري وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن يفتنني" وأخرجه الموطأ (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤)، وأخرج الموطأ (٥) أيضاً عن عروة عن النبي ﷺ نحوه، فجعله مرسلاً من هذا الطريق، وفي رواية أخرى لأبي (٦) داود: "وأخذ كردياً كان لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيراً من الكردي". ٨٤٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن سرجس: "أن النبي ﷺ صلى يوماً وعليه نمرة فقال لرجل من أصحابه: "أعطني نمرتك، وخذ نمرتي"، فقال: يا رسول الله نمرتك أجود من نمرتي فقال: "أجل ولكن فيها خيط أحمر، فخشيت أن أنظر إليها فتفتني عن صلواتي". وفي رواية: فأخاف أن يفتني. أقول: من هذا النص والذي قبله ندرك أن المسلم عليه أن يراعي في ثياب صلاته معاني

стр. 548

متعددة ومن ثم كره العلماء إرسال الثياب على وجه الخيلاء وكره الحنابلة لبس الثوب الأحمر والصلاة فيه. وفي هاتين الروايتين أن المسلم يحتاط فلا يلبس من الثياب ما يشغله التأمل فيه عن صلاته، وهو أمر مستحب ويختلف من إنسان لإنسان، ومن صاحب مقام إلى صاحب مقام، فمقام رسول الله ﷺ جعله يستبدل ثوبه لأنه شغله قليلاً عن صلاته وذلك أصل في معاقبة الإنسان نفسه بالمباح من أجل ما هو أكمل قال ابن حجر (١/ ٤٨٣) في قوله: (فألهتني آنفاً عن صلاتي): (قوله: "عن صلاتي" أي عن كمال الحضور فيها، والطريق المعلقة دل على أنه لم يقع له شيء من ذلك وإنما خشي أن يقع لقوله "فأخاف"، وكذا في رواية مالك "فكاد") اهـ. ٨٤١ - * روى الشيخان عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أهدي إلى النبي ﷺ فروج حرير، فلبسه فصلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، وقال: "لا ينبغي هذا للمتقين". أقول: لعل ذلك كان قبل تحريم الحرير، أو كان الثوب فيه سجف حرير بالقدر المباح، فما يحرم في الصلاة وغيرها لبس الحرير على الرجال بالإجماع إلا لعارض أو عذر كما سيمر. قال ابن حجر في (الفتح ١/ ٤٨٥): (وظاهر هذا الحديث أن صلاته ﷺ فيه كانت قبل تحريم لبس الحرير، ويدل على ذلك حديث جابر عند مسلم بلفظ: صلى في قباء ديباج ثم نزعه وقال: "نهاني جبريل" ويدل عليه أيضاً مفهوم قوله: "لا ينبغي هذا للمتقين" لأن المتقي وغيره في التحريم سواء، ويحتمل أن يراد بالمتقي المسلم أي المتقي

стр. 549

للكفر، ويكون النهي سبب النزع، ويكون ذلك ابتداء التحريم، وإذا تقرر هذا فلا حجة فيه لمن أجاز الصلاة في ثياب الحرير لكونه ﷺ لم يعد تلك الصلاة، لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده فعند الجمهور تجزئ لكن مع التحريم، وعن مالك يعيد في الوقت. والله أعلم) اهـ. وانظر (شرح مسلم للنووي ١٤/ ٥١). ٨٤٢ - * روى الستة عن أبي هريرة: نهى النبي ﷺ عن لبستين: اشتمال الصماء وهو أن يجعل ثوبه على عاتقه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، أو أن يشتمل على يديه في الصلوة، واللبسة الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء". ٨٤٣ - * روى أحمد عن ابن عباس: أنه ﷺ صلى في ثوب واحد متوشحاً ينقي بفضوله حر الأرض وبردها. ٨٤٤ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال محمد بن المنكدر: "رأيت جابراً يصلي في ثوب واحد، وقال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب". وفي رواية (٤) قال: دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب، ملتحفاً به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف، قلنا: يا أبا عبد الله، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببت أن يراني الجهال مثلكم، رأيت النبي ﷺ يصلي كذلك". وفي أخرى (٥) قال: صلى بنا جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب، فقال له

стр. 550

قائل: تصلي في إزار واحد؟ فقال: إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله ﷺ ؟. وفي أخرى (١) قال سعيد بن الحارث المعلى: "سألت جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فجئت مرة لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعلي ثوب واحد، فاشتملته، وصليت إلى جانبه، فلما انصرف، قال: "ما السرى يا جابر"؟ فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت، قال: "ما هذا الاشتمال الذي رأيت"؟ قلت: كانت ثوب واحد. قال: "فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به". هذه رواية البخاري، وفي رواية (٢) مسلم قال محمد بن المنكدر عن جابر: "كنت مع النبي ﷺ في سفر، فانتهينا إلى مشرعة، فقال: ألا تشرع يا جابر؟ قلت: بلى. قال: فنزل رسول الله ﷺ ، وأشرعت قال: ثم ذهب لحاجته، ووضعت له وضوءاً. قال: فجاء فتوضأ، ثم قام فصلى في ثوب واحد، خالف بين طرفيه، فقمت خلفه، فأخذ بأذني، فجعلني عن يمينه. وفي رواية (٣) أبي الزبير عنه قال: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحاً به، وفي أخرى (٤): أنه رأى جابر بن عبد الله يصلي في ثوب واحد، متوشحاً به، وعنده ثيابه، وقال جابر: إنه رأى النبي ﷺ يصنع ذلك. وفي رواية الموطأ (٥) قال مالك: بلغه أن جابر بن عبد الله كان يصلي في الثوب الواحد. وفي أخرى (٦) بلغه عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يجد ثوبين فليصل في ثوب واحد، ملتحفاً به، فإن كان الثوب قصيراً فليتزر به". وفي رواية أبي داود (٧) عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: أتينا جابر بن عبد الله، فقال: سرت مع النبي ﷺ في غزوة، فقام يصلي، وكانت علي بردة ذهبت أخالف بين طرفيها، فلم تبلغ لي، وكانت لها ذباذب فنكستها، ثم خالفت بين

стр. 551

طرفيها، ثم تواقصت عليها لا تسقط، ثم جئت حتى قمت عن يسار النبي ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء ابن صخر حتى قام عن يساره، فأخذنا بيديه جميعاً حتى أقامنا خلفه، قال: وجعل النبي ﷺ يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فأشار إلي: أن اتزر بها، فلما فرغ النبي ﷺ قال: "يا جابر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقاً فاشدده على حقوك" هذا الذي أخرجه أبو داود طرف من حديث طويل قد أخرجه مسلم بطوله وله في أخرى (١) عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: "أمنا جابر في قميص ليس عليه رداء، فلما انصرف قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصلي في قميص". ٨٤٥ - * روى مسلم عن المسور بن مخرمة ﵁ قال: حملت حجراً ثقيلاً، فبينا أنا أمشي سقط عني ثوبي، فلم أستطع أخذه، فرآني النبي ﷺ ، فقال لي: "خذ عليك ثوبك، ولا تمشوا عراة". ٨٤٦ - * روى الشيخان عن عمر بن أبي سلمة ﵁: "أن النبي ﷺ صلى في

стр. 552

ثوب واحد، وقد خالف بين طرفيه. وفي رواية (١): انه رأى النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقيه. وفي أخرى (٢) قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد مشتملاً به في بيت أم سلمة، واضعاً طرفيه على عاتقيه. وفي أخرى (٣): متوشحاً. وفي أخرى (٤): ملتحفاً- وزاد قال- على منكبيه". ٨٤٧ - * روى أبو داود عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "قلت لرسول الله ﷺ : إني رجل أصيد، فأصلي في القميص الواحد؟ قال: "نعم وازرره عليك، ولو بشوكة". وعند النسائي قال: قلت: يا رسول الله، إني لأكون في الصف وليس علي إلا القميص، أفأصلي فيه؟ قال: "زره عليك ولو بشوكة". وفي نسخة أخرى: إني أكون في الصيف. والأول: هو السماع. ٨٤٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ أو قال: قال عمر: "إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر، ولا يشتمل اشتمال اليهود. ٨٤٩ - * روى مالك عن عبد الله الخولاني وكان في حجر ميمونة زوج النبي: أن ميمونة

стр. 553

كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار". ٨٥٠ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ في ثوب بعضه علي". ٨٥١ - * روى أبو داود عن ميمونة ﵂: "أن النبي ﷺ صلى وعليه مرط علي بعضه". ٨٥٢ - * روى ابن خزيمة عن ميمونة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي وعلي مرط، علي بعضه وعليه بعض وأنا حائض. ٨٥٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة، قال: كنت في سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما بردة أو كساء قد ربطوها في أعناقهم، فمنها ما يبلغ الساق ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. ٨٥٤ - * روى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه. قال في (شرح السنة ٢/ ٤٢٧).

стр. 554

واختلف العلماء فيه، فذهب بعضهم إلى كراهية السدل في الصلاة، وقالوا: هكذا تصنع اليهود، وكرهه الشافعي في الصلاة كما في غير الصلاة، ورخص بعض العلماء في السدل في الصلاة، وقوله: وأن يغطي الرجل فاه. قال أبو سليمان الخطابي: إن من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض للمصلي الثوباء، فيغطي فمه عند ذلك للحديث الذي جاء فيه. اهـ. ٨٥٥ - * روى أبو يعلى عن معاوية قال: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ فرأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد فقلت: يا أم حبيبة أيصلي النبي ﷺ في ثوب واحد: قالت: نعم وهو الذي كان فيه ما كان، تعني الجماع. معاوية هو أخو أم حبيبة فكلاهما ولد أبي سفيان. ٨٥٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو متوشح بثوب قطن وفي يده عنزة وهو متوكئ على أسامة بن زيد فركزها بين يديه ثم صلى إليها. ٨٥٧ - * روى أبو يعلى عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي فوجد القر فقال: "يا عائشة أرخي علي مرطك"، قالت: إني حائض، قال: "إن حيضتك ليست في يدك". ولمسلم (١): كان يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط لي بعضه عليه. أقول: مما يفترض على المصلي أن تكون ثيابه طاهرة، وإنما ذكرنا هذا النص وأمثاله

стр. 555

للإشارة إلى أن الثوب الذي يصلي فيه المصلي إذا كان جزء منه على امرأة حائض فذلك يضر. ٨٥٨ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال قال النبي ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من يزين له".

стр. 556

مسائل وفوائد - قال في الظهيرية: إن حكم العورة في الركبة أخف منه في الفخذ فلو رأى غيره مكشوف الركبة ينكر عليه برفق ولا ينازعه إن لج وفي الفخذ يعنف ولا يضربه إن لج وفي السوءة يؤدبه على ذلك إن لج. وفي العناية (١/ ٢٢٥) لو صلى والركبتان مكشوفتان والفخذ مغطى جازت صلاته لأن نفس الركبة من الفخذ أقل من الربع وقد قيل: إنها بانفرادها عضو واحد، ولكن الأول أصح لأنها ليست بعضو على حدة في الحقيقة بل هي ملتقى عظم الفخذ والساق وإنما حرم النظر إليها من الرجال لتعذر التمييز. وقال في رد المحتار (١/ ٢٧١) فالركبة من العورة لرواية الدارقطني: (ما تحت السرة إلى الركبة من العورة) ولكنه محتمل والاحتياط في دخول الركبة اهـ. - اختلفت الرواية عن أبي حنيفة والمشايخ في القدم بالنسبة للمرأة الحرة، وقد رجح في الكفاية (١/ ٢٢٦) عدم كون القدم عورة مطلقاً حيث قال: لأن المرأة تحتاج إلى كشف قدميها عند مشيها كما تحتاج إلى إظهار وجهها ويدها عند المعاملة فإذا خرج الوجه والكف عن أن يكونا عورة للحاجة مع أن الكف والوجه في كونهما مشتهيين فوق القدم فلأن يخرج القدم أولى ..

стр. 557

الفصل الرابع في الشرط الرابع من شروط صحة الصلاة وهو استقبال القبلة، وما له علاقة بموضوع القبلة عرض إجمالي: قال تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (١). ولأن هناك حالات خاصة قد يعذر فيها الإنسان قال تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) (٢). لقد اتفق الفقهاء على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في شدة الخوف، وصلاة النافلة للمسافر، وقيد المالكية والحنفية شرط الاستقبال بحالة الأمن من عدو وسبع، وبحالة القدرة، واتفق العلماء على أن من كان مشاهداً معايناً للكعبة، ففرضه التوجه إلى عينها يقيناً، ومثله عند الحنابلة: أهل مكة أو الناشئون بها وإن كان هناك حائل بينهم وبين الكعبة، وأما غير المعاين للكعبة ففرضه عند الحنفية والمالكية والحنابلة في غير الصورة التي ذكرناها إصابة جهة الكعبة، وقال الشافعي: فرضه إصابة عينها، وبعض الذين قالوا إن فرضه إصابة جهة الكعبة كالحنفية أرادوا بذلك أن يبقى شيء من الوجه حاذياً للكعبة أو لهوائها، والكعبة من الأرض السابعة إلى العرش، فمن صلى في الجبال العالية والآبار العميقة والمناطق الواطئة جازت صلاته كما تجوز على سطحها وفي جوفها، ولو افترض زوال بنائها صحت الصلاة إلى موضعها. وهؤلاء يفسرون إصابة الجهة بأنه لو امتد خط من وجه المصلي في منتصف زاوية قائمة لكان ماراً على الكعبة أو هوائها. ومن عجز عن معرفة جهة القبلة واشتبهت عليه ولم يجد ثقة يخبره بها عن علم اجتهد وتحرى معتمداً على الدلائل الكونية ما أمكن وصلى إلى حيث أدى إليه اجتهاده، فإذا تبين له

стр. 558

بعد الصلاة خطأ اجتهاده جازت الصلاة ولا إعادة عليه عند الحنفية والحنابلة، لكن الحنابلة قيدوا ذلك بألا يكون الإنسان في الحضر، وإن تيقن الخطأ في اجتهاده وهو في الصلاة استدار وأكمل صلاته، ولو تعدد اجتهاده لكل صلاة فإنه يصلي إلى حيث الاجتهاد الجديد، وحيثما توجه في الصلاة داخل الكعبة أو فوقها جازت صلاته فرضاً أو نفلاً عند الشافعية والحنفية، ويجوز التطوع على الراحلة وماله حكمها كالسيارة والطائرة للمسافر قبل جهة مقصده ويومئ بالركوع والسجود، قال الحنابلة: يجوز للمسافر الراكب لا الماشي سواء كان سفره طويلاً أو قصيراً أن يتطوع في السفر على الراحلة حيث كانت وجهته، فإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة كراكب راحلة منفرد تطيعه ففي إلزامه التوجه إلى القبلة في افتتاح الصلاة روايتان: رواية بالإلزام، ورواية بعدمه، وهناك من شارك الحنابلة بأن التوجه نحو القبلة في الاستفتاح غير مطلوب حال العجز أو المشقة. وفي عصرنا وجدت أنواع من البوصلات يستطيع الإنسان أن يعرف جهة القبلة من خلالها ما دام على الأرض أو في جوها، ومن المناسب أن يحوي المسلم بوصلة من هذا النوع ويحملها معه إذا سافر. ومن كلام الحنفية أن قبلة العاجز أو راكب الدابة جهة قدرته ولو مضطجعاً، ويصلي بإيماء إلى أي جهة قدر سواء أكان مسافراً أو خائفاً من عدو أو سبع لكن يشترط في الصلاة على الدابة إيقافها إن قدر، وإلا بأن خاف الضرر كأن تذهب القافلة وينقطع فلا يلزمه إيقافها ولا استقبال القبلة حتى في ابتداء الصلاة بتكبيرة الإحرام، وقال المالكية: لا تصح صلاة فرض على ظهر الدابة، وإن كان المصلي مستقبلاً القبلة، إلا في أحوال أربعة: أولاً: حالة التحام القتال في قتال جائز لا يمكن النزول فيه عن الدابة فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، ثانياً: حالة الخوف من عدو كسبع أو لص إن نزل عن دابته، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، وإن لم يمكن صلى لغير القبلة، فإن أمن الخائف بعد صلاته أعاد في الوقت، ولا يعيد إذا مضى الوقت، ثالثاً: الراكب على دابته في ماء لا يطيق النزول فيه أو خشي تلطخ ثيابه. رابعاً: حالة المرض الذي لا يطيق النزول معه فيوقف الدابة إذا أمكن ويتوجه للقبلة ويصلي إيماء.

стр. 559

ومن كلام الحنابلة: ولا يلزم الملاح في سفينة الاتجاه إلى القبلة ولو في الفرض، ومن صلى في سفينة عليه أن يستقبل القبلة متى قدر على ذلك وعليه إذا غيرت جهتها أن يدور لو دارت السفينة وهو يصلي. قال في (الدين الخالص ٢/ ١٢٢) ودلت الأحاديث أيضاً على أن المكتوبة لا تصح إلى غير القبلة ولا على الدابة وهو مجمع عليه إلا حال العذر اهـ. وعدَّد الأعذار. وحكى النووي الإجماع على عدم جواز صلاة الفريضة على الدابة من غير ضرورة. يفهم من هذا أن للضرورة أحكامها في هذا المجال أيضاً. انظر: (الدر المختار ١/ ٣٩٧ فما بعدها)، (المغني ١/ ٤٣١ وما بعدها)، (المهذب ١/ ٦٧ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٥٩٧ فما بعدها). ومن أقوال الفقهاء السابقة نستطيع أن نقول: إن المسافر في سيارة أو طائرة أو سفينة أو مركبة فضائية يستطيع أن يتنفل وهو في مقعده وحيثما توجهت به الأداة المسافر بها، وأما الفريضة فإن له أن يستعمل رخصة الجمع بين الصلاتين إذا أمكنه ذلك، أما إذا كانت الصلاة ستفوته حتماً فإنه يصلي وقته بالقدر الممكن له، فإن أمكنه أداء الأركان كلها وإقامة الشروط لزمه ذلك، وإلا صلى بالقدر الممكن والمتاح له، والاحتياط بالنسبة للسيارة والطائرة والمركبة الفضائية أن يعيد إلا إذا زادت الصلوات على خمس. وبالنسبة للمركبات الفضائية إذا لم يكن بالإمكان ملاحظة القبلة صلى إلى أي جهة كان. وإذا لم يعرف راكب الطائرة القبلة وخشي إذا صلى واقفاً من خطر يصيبه أو لم يجد محلاً يصلي فيه واقفاً، صلى في مقعده إيماءاً، قال في (الدين الخالص ٢/ ١٢٥): وإذا دارت السفينة ونحوها في أثناء الصلاة استدار إلى القبلة حيث دارت إن أمكنه، لأنه قادر على تحصيل هذا الشرط بغير مشقة. فيلزمه تحصيله اتفاقاً. فإن عجز عن الاستقبال صلى إلى جهة قدرته ولا إعادة عليه عند الأئمة الثلاثة [غير الشافعية]، وما تقدم من التفصيل

стр. 560

والبيان يجري في الصلاة في القاطرة والطائرة اهـ. وإذا لم يكن متوضئاً ولم يستطع الوضوء ولم يجد شيئاً يتيمم عليه، فحكمه حكم فاقد الطهورين فالحنفية والشافعية: أوجبوا الصلاة عليه مع الإعادة، والحنابلة قالوا: لا تجب عليه الإعادة، والمالكية قالوا: تسقط عنه الصلاة أداء وقضاءً. والكلام عن القبلة يقتضي الكلام عن حفظ المصلي لقبلته وبعض آدابه أثناء استقبال القبلة وما يكره أن يكون أمام المصلي وبعض ما يؤثر على كمال صلاة المصلي بسبب يعرض لقبلته. فمن السنة للمصلي أن يجعل أمامه سترة لمنع المرور بين يديه، وهذه السترة يمكن أن تكون سهماً مغروزاً في الأرض أو عصاً مغروزة في الأرض أو دابة أو جداراً أو سارية. ويجزئ عند الشافعية والحنابلة الخط ومن ذلك أن يكون أمام المصلي خيط أو عصاً معترضة، وحد سجادة الصلاة يعتبر سترة ويقترب المصلي من سترته ما أمكن ولا يزيد على ثلاثة أذرع، والسنة إذا صلى إلى عمود أو شجرة أو سهم أن يجعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر بحيث لا يستقبله، وإنما يضع المصلي السترة احتراماً لقبلته، وكما يسن له أن يضع السترة من أجل قبلته، فإن على الغير أن يراعي ذلك فلا يمر بين المصلي وسترته، وإذا لم يكن أمام المصلي سترة فالمالكية اعتبروا المار بين المصلي فيما يستحقه من محل صلاته آثماً، ويكره أن يصلي الإنسان في موضع يحتاج للمرور فيه، واتفق الفقهاء على أنه يجوز المرور بين يدي المصلي للطائف بالبيت بل قال الحنابلة: إنه لا يحرم المرور بين يدي المصلي في مكة كلها وحرمها، ودفع المار بين يدي المصلي رخصة عند الحنفية والأولى تركه، وما ورد من مقاتلة المار يعتبرونه منسوخاً، واتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة ولا يبطلها. وما ورد من نصوص تذكر قطع الصلاة فهي محمولة على أنها تقطع عن الخشوع والذكر لا أنها تفسد الصلاة. ومما يلاحظه المسلم في صلاته ألا يستقبل وجه إنسان أو يصلي إلى نار من تنور وسراج وقنديل وشمع ومصباح ونحوها، وتكره الصلاة إلى صورة منصوبة في وجه المصلي. وقال الإمام أحمد: يكره أن يكون في القبلة شيء معلق مصحف أو غيره، ولا بأس بذلك عند

стр. 561

الحنفية ما دام مما لا يعبد، ولا بأس عند الحنفية أن يصلي على بساط فيه تصاوير لاستهانته بها. انظر (حاشية ابن عابدين ١/ ٢٨٦)، (المهذب ١/ ٦٧)، (المغني ١/ ٤٣١)، (الشرح الصغير ١/ ٢٩٢). وإلى نصوص هذا الفصل: - تحويل القبلة: ٨٥٩ - * روى الشيخان عن البراء بن عازب ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر- شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: (قد نرى تقلب وجهك في السماء) (١) فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس- وهم اليهود- (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قل لله المشرق والمغرب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (٢) فصلى مع النبي ﷺ رجل، ثم خرج بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه توجه نحو الكعبة. فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة". قال النووي في (شرح مسلم ٥/ ٩): وهو دليل على جواز النسخ ووقوعه وفيه قبول خبر الواحد وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين وهذا هو الصحيح عند أصحابنا من صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده في أثناءها فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت صلاته على الأصح لأن أهل هذا المسجد المذكور في الحديث استداروا في صلاتهم واستقبلوا الكعبة ولم يستأنفوها وفيه دليل على أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه فإن قيل هذا نسخ للمقطوع

стр. 562

به بخبر الواحد وذلك ممتنع عند أهل الأصول فالجواب أنه احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم وخرج عن كونه خبراً واحداً مجرداً واختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى في أن استقبال بيت المقدس هل كان ثابتاً بالقرآن أم باجتهاد النبي ﷺ فحكى الماوردي في الحاوي وجهين في ذلك لأصحابنا، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الذي ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال: إن القرآن ينسخ السنة وهو قول أكثر الأصوليين المتأخرين وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى والقول الثاني له، وبه قال طائفة لا يجوز لأن السنة مبينة للكتاب فكيف ينسخها وهؤلاء يقولون: لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة بل كان بوحي قال الله تعالى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) (١) الآية واختلفوا أيضاً في عكسه وهو نسخ السنة للقرآن فجوزه الأكثرون ومنعه الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة اهـ. ٨٦٠ - * روى الجماعة إلا أبا داود عن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بقباء، في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة". قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٠٦): قوله: (في صلاة الصبح) ولمسلم: في صلاة الغداة. وهو أحد أسمائها، وقد نقل بعضهم كراهية تسميتها بذلك. وهذا فيه مغايرة لحديث البراء المتقدم فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر، والجواب أن لا منافاة بين الخبرين. لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة وذلك في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك عباد بن بشر أو ابن نهيك كما تقدم، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء وذلك في حديث ابن عمر. ومما يدل على تعددهما أن مسلماً روى من حديث أنس: أن رجلاً من بني سلمة مر وهم ركوع في

стр. 563

صلاة الفجر. فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سلمة غير بني حارثة، ووقع بيان كيفية التحول في حديث ثويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم، وقالت فيه: فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام. قلت: وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد، لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصلاة فيحتمل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو لم تتوال الخطا عند التحويل بل وقعت مفرقة. والله أعلم. اهـ فائدة: أخرج البخاري (١/ ٥٠٥) تعليقاً في باب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة: وقد سلم النبي ﷺ في ركعتي الظهر وأقبل على الناس بوجهه ثم أتى ما بقي. قال الحافظ في (الفتح): قوله: ومن لم ير الإعادة: وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة إذا تبين خطؤه، فروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وغيرهم أنهم قالوا: لا تجب الإعادة، وهو قول الكوفيين، وعن الزهري، ومالك وغيرهما: تجب في الوقت، لا بعده، وعن الشافعي: يعيد إذا تيقن الخطأ مطلقاً. وقال الحافظ: قوله: وقد سلم النبي ﷺ من ركعتي الظهر: ومناسبة هذا التعليق للترجمة أن بناءه على الصلاة دال على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلي، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهياً لا تبطل صلاته. قال في رد المحتار على الدر المختار (١/ ٢٩١): فإن ظهر خطؤه لم يعد وإن علم به في صلاته أو تحول رأيه استدار وبنى. قال ابن عابدين: قوله استدار وبنى أي على ما بقي من صلاته لما روي أن أهل قباء كانوا متوجهين إلى بيت المقدس في صلاة الفجر فأخبروا بتحويل القبلة فاستداروا إلى القبلة وأقرهم النبي ﷺ على ذلك.

стр. 564

٨٦١ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهراً ثم صرف إلى الكعبة. ٨٦٢ - * روى ابن خزيمة خبر كعب بن مالك في خروج الأنصار من المدينة إلى مكة في بيعة العقبة وذكر في الخبر أن البراء بن معرور قال للنبي ﷺ : إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للإسلام فرأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى؟ قال: "قد كنت على قبلة لو صبرت عليها". قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ وصلى معنا إلى الشام. ٨٦٣ - * روى مسلم عن أنس: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) (١)، مر رجل من بني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فمالوا ركوعاً". ٨٦٤ - * روى البخاري عن ابن عمر: أن أهل قباء كانوا يصلون قبل بيت المقدس، فأتاهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ نزل عليه القرآن، وتوجه إلى الكعبة، فاستقبلوها، فاستداروا كما هم". وفي خبر عكرمة عن ابن عباس: لما وجه النبي ﷺ إلى الكعبة.

стр. 565

التوجه إلى جهة الكعبة: ٨٦٥ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين المشرق والمغرب قبلة". وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن شمالك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة. قال محقق الجامع: وهو حديث صحيح، وهذا الحديث يختص بأهل المدينة والشام ومن على سمت تلك البلاد شمالاً وجنوباً فقط، لأنه يلزم من حمله على العموم إبطال التوجه إلى الكعبة في بعض الأقطار، والناس في توجههم إلى الكعبة كالدائرة حولها، فمن كان في الجهة الشمالية من الكعبة فإنه يتوجه في صلاته إلى جهة الجنوب، ومن كان في الجهة الجنوبية من الكعبة، كانت صلاته إلى جهة الشمال، ومن كان في الجهة الغربية من الكعبة، فإن قبلة صلاته إلى المشرق، ومن كان في الجهة الشرقية من الكعبة، فإنه يستقبل في صلاته جهة المغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين الشمال والمغرب، فقبلته فيما بين الجنوب والمشرق، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والشمال، فقبلته فيما بين الجنوب والمغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين الجنوب والمغرب، فإن قبلته فيما بين الشمال والمشرق، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والجنوب، فإن قبلته فيما بين الشمال والمغرب. أقول: هذا الحديث دليل لمن قال بأن فريضة المصلي إصابة جهة القبلة بلا عينها. - المتطوع على الراحلة هل يستقبل القبلة: ٨٦٦ - * روى أحمد عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا
следующие страницы →