الفصل الأول
في نصوص جامعة تصف صلاة رسول الله ﷺ :
٩١٥ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته، وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك، وكبر".
٩١٦ - * روى الشيخان عن مطرف بن عبد الله قال: "صليت خلف علي بن أبي طالب ﵁ أنا وعمران بن حصين، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة اخذ عمران بيدي، فقال: ذكرني هذا صلاة محمد رسول الله ﷺ ، ولقد صلى بنا صلاة محمد".
وفي رواية (٣) النسائي، قال: "صلى علي، فكان يكبر في كل خفض ورفع، يتم الركوع، فقال عمران: لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله ﷺ ".
٩١٧ - * روى أبو داود عن سالم البراد قال: "أتينا عقبة بن عمرو الأنصاري- أبا مسعود- فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقام بين أيدينا في المسجد، فكبر، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر وسجد، ووضع كفيه على الأرض، ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه، فجلس حتى استقر كل شيء منه، ففعل مثل ذلك أيضاً، ثم صلى أربع ركعات مثل
стр. 597
هذه الركعة، فصلى صلاته، ثم قال: هكذا رأينا رسول الله ﷺ يصلي".
٩١٨ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجداً، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس". زاد في رواية (٢): ثم يقول أبو هريرة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ، وزاد هو وغيره: الواو، في قوله: (ولك الحمد).
وفي رواية (٣) للبخاري قال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ حين يرفع رأسه يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، يدعو لرجال، فيسميهم بأسمائهم، فيقول: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له".
٩١٩ - * روى ابن خزيمة عن سعيد بن سمعان، قال: دخل علينا أبو هريرة مسجد بني زريق، قال: ثلاث كان رسول الله ﷺ يفعل بهن، تركهن الناس، كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا- وأشار أبو عامر بيده ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمها وقال: هكذا أرانا ابن أبي ذئب. قال ابن خزيمة: وأشار لنا يحيى بن حكيم ورفع يديه ففرج بين أصابعه تفريجاً ليس بالواسع ولم يضم بين أصابعه ولا باعد بينها، رفع يديه فوق رأسه مداً- وكان يقف قبل القراءة هنية يسأل الله تعالى من فضله وكان يكبر في الصلاة كلما سجد ورفع.
٩٢٠ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: "إني لا آلو أن أصلي
стр. 598
بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي". وفي رواية نحوه، إلا أنه قال: "وإذا رفع رأسه بين السجدتين" وللبخاري (١) قال: "كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ ، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي".
وفي رواية أبي داود (٢)، قال: "ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يكبر ويسجد، وكان يقعد بين السجدتين، حتى نقول: قد أوهم".
٩٢١ - * روى البخاري عن مالك بن الحويرث ﵁ قال لأصحابه: "ألا أنبئكم بصلاة النبي ﷺ ؟ - قال: وذاك في غير حين صلاة- فقام ثم ركع فكبر، ثم رفع رأسه، فقام هنيهة ثم سجد ثم رفع رأسه هنيهة، وصلى صلاة عمرو بن سلمة- شيخنا هذا- قال أيوب: كان يفعل شيئاً لم أركم تفعلونه، كان يقعد في الثالثة أو الرابعة". وفي رواية (٣)، قال: "قلت لأبي قلابة: كيف كانت صلاتهم؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا- يعني: عمرو بن سلمة- وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام". وفي رواية (٤) نحوه، وفيه: "قام فأمكن القيام، ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فانتصب قائماً هنيهة، قال أبو قلابة: صلى بنا صلاة شيخنا هذا- أبي بريد- وكان أبو بريد إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة من الركعة الأولى والثانية، استوى قاعداً، ثم نهض".
стр. 599
في النص إشارة إلى ما يسميه الفقهاء جلسة الاستراحة، وهي عند الشافعية وآخرين سنة ولا يرى آخرون سنيتها مستدلين لذلك بما ورد:
٩٢٢ - * روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبادروني بركوع ولا بسجود فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت إني قد بدنت".
٩٢٣ - * روى ابن أبي شيبة عن ابن أبي عياش أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس".
وقال الإمام الترمذي بعد أن أورد حديث أبي هريرة في القيام من الركعة الثانية على صدور القدمين (١/ ٣٩) قال: عليه العمل عند أهل العلم يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه (إعلاء السنن (٣/ ٣٨) ومن هنا قال الحنفية، والمالكية، والحنابلة في إحدى الروايتين بالقيام من السجدة الثانية في الركعة الأولى، والثالثة دون جلسة، وإن جلسة استراحة رسول الله ﷺ كان لما كبرت سنه، والله أعلم.
٩٢٤ - * روى أبو داود عن وائل بن حجر ﵁ قال: "قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ ، كيف يصلي؟ قال: فقام رسول الله ﷺ ، فاستقبل القبلة، فكبر فرفع يديه حتى حاذى أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلق حلقة، ورأيته يقول هكذا- وحلق بشر الإبهام والوسطى، وأشار بالسبابة". وفي رواية (٤) بمعناه، قال فيه: "ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد- قال فيه: ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه
стр. 600
برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب". وفي أخرى (١) للنسائي قال: "صليت خلف النبي ﷺ ، فلما افتتح الصلاة كبر، ورفع يديه، حتى حاذى أذنيه، ثم قرأ بفاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين، يرفع بها صوته".
٩٢٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا بحذو منكبيه ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود". وفي رواية (٢): "إذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، وفي أخرى (٣) نحوه، وقال: "ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع من السجود".
وللبخاري (٤) عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام إلى الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ ".
وأخرج الموطأ (٥) الرواية الأولى وله (٦) في أخرى: "أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة
стр. 601
رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع من الركوع رفعهما دون ذلك".
ولأبي داود (١): قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر وهما كذلك، فيركع، ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما، حتى تكونا حذو منكبيه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ولا يرفع يديه في السجود، ويرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع، حتى تنقضي صلاته".
٩٢٦ - * روى البخاري عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال محمد بن عمرو بن عطاء: "سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة- قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع، ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الآخر مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله، وقعد متوركاً على شقه الأيسر. قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي رسول الله ﷺ .
стр. 602
وفي رواية (١) قال: "كنت في مجلس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكروا صلاته، فقال أبو حميد- فذكر بعض هذا الحديث- وقال: فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه، وفرج بين أصابعه، وهصر ظهره، غير مقنع رأسه، ولا صافح بخده، وقال: فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة".
وفي أخرى (٢) نحو هذا، قال: "إذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة".
وفي رواية (٣) في هذا الحديث، قال: "فإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه".
٩٢٧ - * روى الترمذي عن علقمة قال: "قال لنا ابن مسعود ﵁ يوماً: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلي ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة، مع تكبيرة الافتتاح". وفي رواية (٤)، قال: "كان رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر".
стр. 603
وللنسائي (١) أيضاً في أخرى زيادة: "ويسلم عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده- قال: ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك" وأخرج أبو داود الرواية (٢) الأولى.
وفي حديث ابن مسعود هذا نفي رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام، وقال الترمذي: وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وفي حديث ابن عمر الذي قبله إثبات الرفع عند الركوع والرفع عنه، قال الترمذي عقب حديث ابن عمر: وبهذا يقول بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، ومن التابعين: الحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير وغيرهم، وبه يقول مالك، ومعمر، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
أقول: قدم الحنفية الأخذ بقول ابن مسعود لأنه أكثر فقهاً، وأكبر سناً وأعرف بحال رسول الله ﷺ ، والأمر واسع.
٩٢٨ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود". وفي رواية (٣) مثله، ولم يذكره: ثم لا يعود". وفي أخرى (٤)، قال: "رأيت رسول الله ﷺ رفع يديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف".
٩٢٩ - * روى الشيخان عن جابر بن سمرة: أن أهل الكوفة شكوا سعداً إلى عمر
стр. 604
فذكروا من صلاته، فأرسل إليه عمر، فقدم عليه فذكر له ما عابوه من أمر الصلاة، فقال: إني لصلي بهم صلاة رسول الله فما أخرم عنها، إني لأركد بهم في الأوليين وأحذف بهم في الأخريين. فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق".
هذا حديث الدورقي. وقال المخزومي: وأخفف الأخريين.
٩٣٠ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ (الحمد لله رب العالمين) وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع، لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً، وكان يقول في كل ركعتين: التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم". وفي رواية (١): "عن عقب الشيطان".
стр. 605
مسائل وفوائد
الصلوات الخمس مفروضة على المسلمين بإجماع وهي صلاة الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب والعشاء.
وصلاة الفجر ركعتان، والظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع بإجماع.
والركعة الأولى من كل صلاة تبدأ بقيام للقادر عليه، وتفتتح الصلاة بتكبيرة الإحرام من رفع الأيدي، ثم بثناء وتعوذ وبسملة وقراءة فاتحة وشيء من القرآن معها، وهذا يشترك فيه الإمام والمنفرد، أما المأموم فهناك خلاف، هل يقرأ القرآن وراء الإمام أو لا؟ ثم يكبر الإنسان ويركع واضعاً كفيه على ركبتيه قائلاً: (سبحان ربي العظيم) ثلاثاً في ركوعه، ثم يرفع من ركوعه قائلاً: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد أو ربنا ولك الحمد)، ثم يكبر مع هويه بالسجود، فيسجد على أعضائه السبعة (الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين)، وينصب القدمين موجهاً أصابعها إلى القبلة ويجافي الرجل فخذيه وعضديه عن جسمه، ويجافي مرفقيه عن الأرض ويقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى) ثلاثاً، ثم يكبر جالساً مفترشاً رجله اليسرى ناصباً قدمه اليمنى، أما المرأة فتفعل ما هو الأستر في حقها فلا تجافي عضديها عن جسمها ولا فخذيها عن بطنها، ثم يكبر ويسجد السجدة الثانية مسبحاً في السجود، ثم يقوم إلى الركعة الثانية مكبراً رافعاً وجهه فيديه فركبتيه على عكس خروره للسجود فإنه يبدأ بركبتيه ثم بيديه ثم بوجهه، فإذا قام إلى الركعة الثانية قرأ الفاتحة وشيئاً من القرآن معها إن كان منفرداً أو إماماً أما المأموم ففي قراءته وراء الإمام خلاف كما ذكرنا، ثم يركع فيرفع فيسجد سجدتين يجلس بينهما، فإن كانت صلاته ثنائية قعد القعود الأخير على خلاف بين الفقهاء هل يقعد متوركاً أو يقعد مفترشاً رجله اليسرى ناصباً رجله اليمنى كالقعدة بين السجدتين، ويقرأ التشهد ويصلي على رسول الله ﷺ ويدعو ثم يسلم عن يمينه وشماله، فإذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، اكتفى بقراءة التشهد واختلف في الصلاة على رسول الله ﷺ بعده، ثم يكبر قائماً إلى الركعة الثالثة فيقرأ فيها فاتحة الكتاب إن كان منفرداً أو إماماً، ثم يفعل كما فعل في
стр. 606
الركعة الثانية فإن كانت الصلاة ثلاثية قعد القعود الأخير وسلم كما ذكرنا وإن كانت رباعية قام بعد السجدة الثانية إلى الركعة الرابعة ففعل بها كما فعل بالركعة الثالثة ثم قعد القعود الأخير وسلم، ويستحب له بعد السلام أن يقرأ الأدعية والأذكار المأثورة.
هذه صورة إجمالية لصلاة الفرائض وستمر معنا تفصيلات واجتهادات في حكم كل فعل، أو قول، من أفعال الصلاة وأقوالها.
стр. 607
الفصل الثاني
في تعليم المسيء صلاته
٩٣١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي ﷺ ، فرد، وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فرده وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"- فرجع ثلاثاً- فقال: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غيره، فعلمني، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها". وفي رواية (٢) بنحوه، وفيه: "وعليك السلام، ارجع"- وفيه: "فإذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن .. " وذكر نحوه- وزاد في آخره- بعد قوله: "حتى تطمئن جالساً- ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
وزاد أبو داود (٣) في رواية: له: "فإذا فعلت هذا تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك".
٩٣٢ - * روى الترمذي عن رفاعة بن رافع ﵁: "أن النبي ﷺ بينما هو
стр. 608
جالس في المسجد يوماً- قال رفاعة: ونحن معه- إذ جاءه رجل كالبدوي، فصلى فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "وعليك، فارجع فصل، فإنك لم تصل"، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال: "وعليك، فارجع فصل فإنك لم تصل"، ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يأتي النبي ﷺ ، فيسلم على النبي، فيقول النبي ﷺ : "وعليك، فارجع فصل، فإنك لم تصل"، فخاف الناس وكبر عليهم: أن يكون من أخف صلاته لم يصل، فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال: "أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد فأقم، فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع فاطمئن جالساً، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً فقد انتقصت من صلاتك"، قال: وكان هذا أهون عليهم من الأولى: أنه من انتقص من ذلك شيئاً انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها".
أقول: لهذه الرواية ولأسباب أخرى قال الحنفية: إن الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال من الركوع واجبة وليست ركناً، والواجب عندهم إذا تركه الإنسان عمداً أثم وتجب عليه إعادة صلاته ما دام في الوقت، ولا تبطل الصلاة بترك الواجب.
٩٣٣ - * روى أبو داود مثل حديث قبله، وهو حديث أبي هريرة، قال: فذكر نحوه، وقال فيه: فقال النبي ﷺ : "إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء- يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله ، ويثني عليه، ثم يقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائماً، ويقول: الله أكبر، ثم يسجد، حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ويرفعه ثانية فيكبر، فإذا فعل ذلك تمت صلاته".
стр. 609
وفي أخرى (١) له قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ويغسل رجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده، ثم يقرأ من القرآن ما أذن له فيه وتيسر. قال: ثم يكبر، فيسجد ويمكن وجهه- وفي رواية: "جبهته- من الأرض، حتى تطمئن مفاصله فتسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعداً على مقعده، ويقيم صلبه-" فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات، حتى فرغ- "لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك".
وفي أخرى (٢) بهذه القصة، فقال: "إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك"، وقال: "إذا سجدت فمكن بسجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى".
وفي أخرى (٣) بهذه القصة، وقال فيه: "فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد، ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك" وفي أخرى (٤) نحوه، فقال فيه: "فتوضأ كما أمرك الله ، ثم تشهد فأقم، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله، وكبره وهلله". وقال فيه: "وإن انتقصت فيه شيئاً: انتقصت من صلاتك".
لقوله: "بما تيسر من القرآن": قال الحنفية بأن الفرض مطلق القراءة والواجب الفاتحة لكن قال الشافعية وغيرهم: الفرض الفاتحة لقوله في إحدى الروايات: "ثم اقرأ بأم
стр. 610
القرآن" وقالوا فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعين الفاتحة هو الأصل لمن معه قرآن فإن عجز عن تعلمها وكان معه شيء من القرآن قرأ ما تيسر وإلا انتقل إلى الذكر.
وفي الحديث دليل على وجوب الطمأنينة في الأركان، وقال الشافعية: الاطمئنان فرض، وقال الحنفية: واجب لما ورد في الحديث وإن انتقصت من صلاتك.
وقوله: "ثم افعل ذلك في الركعات كلها": دليل على وجوب القراءة في الركعات كلها كما يجب الركوع والسجود وجوز بعض الحنفية التسبيح في الركعتين الأخريين بدلاً عن القراءة ويروى كذلك عن علي من طريق الحارث الأعور (شرح السنة ٣/ ١١)، والحارث هذا ابن عبد الله صاحب علي كذبه الشعبي في رأيه ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف (التقريب). وللإمام أبي حنيفة رواية تنص على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة نقلها عنه الحسن بن زياد وصححها العيني وابن الهمام ومشى عليها في المنية (شعيب).
٩٣٤ - * روى النسائي عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة ﵁ رجلاً يصلي، فطفف، فقال له حذيفة: مذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين سنة، قال: ما صليت منذ أربعين سنة، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة، مت على غير فطرة محمد ﷺ ، ثم قال: إن الرجل ليخفف ويتم ويحسن. وفي رواية (٢) البخاري، قال شقيق: إن حذيفة رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته، دعاه، فقال له حذيفة: ما صليت- قال- وأحسبه قال: ولو مت مت على غير سنة محمد ﷺ . وفي رواية (٣): ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً ﷺ .
قال الحافظ في الفتح: واستدل به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى أن الإخلال بها مبطل للصلاة.
стр. 611
٩٣٥ - * روى أحمد عن عطاء بن يسار عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رجل يصلي وهو مسبل إزاره، قال له رسول الله ﷺ : "اذهب فتوضأ" قال: فذهب فتوضأ ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ : "اذهب فتوضأ" ثم جاء، فقال: يا رسول الله مالك أمرته يتوضأ ثم سكت عنه، فقال: "إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله ﵎ لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره".
أقول: إن إسبال الإزار مكروه تحريماً للخيلاء، ومن أمر الرسول ﷺ لمسبل إزاره أن يعيد وضوءه دليل لمن ذهب من العلماء أن الوضوء يسن لمن ارتكب ذنباً.
стр. 612
مسائل وفوائد
- نلاحظ مما ورد في أحاديث الفصل أن سنة رسول الله ﷺ وأصحابه تعليم الجاهل حيثما رأوا تصرفاً من تصرفاته يدل على جهل، وعلى المسلمين عموماً وعلى العلماء خصوصاً أن يلحظوا هذه السنة وأن يحيوها، وكثيراً ما نجد عدم مبالاة عند بعض الناس إذا رأوا جهلاً أو خطأ، فلا يعلمون ولا يفقهون.
- يفرق الحنفية بين الركن والواجب، فالركن عندهم فرض يثبت بالقطعيات من نصوص الشريعة ويكفر منكره، أما الواجب: ففرض عملي يجب القيام به ويأثم تاركه ويفسق منكر النصوص الصحيحة الواردة فيه، وتركه لا يبطل الصلاة بينما ترك الركن يبطل الصلاة.
نقول هذا بمناسبة ما مر معنا في بعض روايات الفصل عن أن الطمأنينة عند الحنفية واجبة وليست ركناً.
- عرف الحنابلة الطمأنينة بأنها السكون وإن قل، وعرفها الشافعية بأنها استقرار الأعضاء في الركوع والسجود، وفي القيام بعد الركوع وفي الجلوس بين السجدتين بحيث ينفصل الرفع عن الهوي، وعرفها الحنفية بأنها تسكين الجوارح قدر تسبيحة في الركوع والسجود والرفع منهما، وعرفها المالكية بأنها استقرار الأعضاء زمناً ما، في جميع أركان الصلاة، وهي ركن عند المالكية والحنابلة وبعض الشافعية، وشرط في الركن عند بعض الشافعية، وواجب عند الحنفية في الركوع والاعتدال منه والسجود والجلوس بين السجدتين.
стр. 613
الفصل الثالث
في روايات في التكبير في الصلاة ووضع اليمين على الشمال
٩٣٦ - * روى الترمذي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم".
٩٣٧ - * روى مسلم عن وائل بن حجر ﵁: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر- وصف همام- أحد الرواة- حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد، سجد بين كفيه.
وفي رواية (٣) أبي داود قال: رأيت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه. قال: ثم أتيت المدينة بعد فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة، وعليهم برانس وأكسية. وفي أخرى (٤)، قال: أتيت رسول الله ﷺ في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة. وفي أخرى (٥)، قال: صليت مع رسول الله ﷺ : فكان إذا كبر رفع يديه، ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه، وأدخل يديه في ثوبه، فإذا أراد أن يركع، أخرج يديه، ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه، ثم سجد، ووضع وجهه بين كفيه، حتى فرغ من صلاته. قال محمد- وهو ابن جحادة- فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن فقال: هي صلاة رسول الله ﷺ ، فعله من فعله، وتركه من تركه. وفي أخرى (٦): أنه أبصر النبي ﷺ ، حين قام إلى الصلاة: رفع يديه، حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبر.
стр. 614
وفي أخرى (١) رأيت رسول الله ﷺ يرفع إبهاميه في الصلاة إلى شحمة أذنيه.
وفي أخرى (٢) أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير.
٩٣٨ - * روى النسائي عن عبد الرحمن بن الأصم قال: "سئل أنس بن مالك ﵁ عن التكبير في الصلاة؟ فقال: يكبر إذا ركع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام من الركعتين. فقال له حطيم عمن تحفظ هذا؟ قال: عن النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، ثم سكت، فقال له حطيم: وعثمان؟ قال له: وعثمان".
٩٣٩ - * روى أحمد عن سعيد بن الحارث قال: اشتكى أبو هريرة- أو غاب- فصلى لنا أبو سعيد الخدري فجهر بالتكبير حين افتتح الصلاة وحين ركع وحين قال سمع الله لمن حمده وحين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين قام من الركعتين حتى قضى صلاته على ذلك فلما صلى قيل له اختلف الناس على صلاتك فخرج فقام على المنبر فقال يا أيها الناس والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أو لم تختلف هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي".
٩٤٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: سمعت نبي الله ﷺ يقول: "إنا- معشر الأنبياء- أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة".
٩٤١ - * روى الطبراني عن عقبة بن أبي عائشة قال: رأيت عبد الله بن جابر البياضي صاحب رسول الله ﷺ يضع إحدى يديه على ذراعه في الصلاة.
стр. 615
أقول: الرسغ مفصل ما بين الكف والساعد، فتحليق الإبهام والخنصر على الرسغ يجعل بقية الأصابع على الذراع، وقد استحب بعض الحنفية أن توضع الأصابع الثلاثة ممدودة على ظاهر الذراع.
٩٤٢ - * روى مالك عن أبي حازم بن دينار قال: قال سهل بن سعد: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه غلا ينمي ذلك إلى رسول الله ﷺ ". وفي رواية [قال إسماعيل]: إلا وينمي ذلك، ولم يقل: ينمي".
٩٤٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁: "كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى".
وفي رواية (٣) النسائي، قال: "رآني رسول الله ﷺ قد وضعت شمالي على يميني في الصلاة، فأخذ بيميني، فوضعها على شمالي".
٩٤٤ - * روى النسائي عن وائل بن حجر ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ ، إذا كان قائماً في الصلاة، قبض بيمينه على شماله.
٩٤٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "صف القدمين، ووضع اليد على اليد، من السنة".
стр. 616
أقول: يدخل في صف القدمين أن يكون العقبان على سوية واحدة، بحيث يكون الكعبان الداخليان متقابلين، واستحب بعضهم أن يوجه الإنسان قدميه إلى جهة القبلة فلا يكونان منحرفين، ولم ير بعضهم بأساً بأن لا يتكلف في ذلك، ويسن التفريج بين القدمين في القيام قدر أربع أصابع عند الحنفية وقدر شبر عند الشافعية، وقال المالكية والحنابلة: ويندب تفريج القدمين بأن يكونا بحالة متوسطة فلا يوسعهما كثيراً حتى يتفاحش عرفاً.
стр. 617
مسائل وفوائد
- تكبيرة الإحرام فريضة، وهي أن يقول المصلي مسمعاً نفسه (الله أكبر) وينبغي أن تكون بالعربية إلا لعاجز عليها، ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير ليسمعه من خلفه، ولا تنعقد الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، وإن عجز عن التكبير كأن كان أخرس سقطت عنه.
وليحذر المصلي أن يمد الهمزة الأولى فيقول (آلله) أو يمد (أكبر) أو يزيد ألفاً بعد باء (أكبر)، لأن المعنى يتغير به فلا تصح الصلاة.
وأجاز الشافعية أن يقول (الله الأكبر) أو (الله الجليل أكبر)، وأجاز أبو حنيفة ومحمد افتتاح الصلاة بكل ما يفيد التكبير والتعظيم كقول المصلي (الله أجل) (الله أعظم) (الله كبير) (الرحمن أعظم) والجواز شيء وإقامة الفرض كما ورد شيء آخر.
قال في إعلاء السنن (٢/ ١٥٩) فترك لفظة (الله أكبر) لا يبطل الصلاة، نعم يكره. اهـ.
قال محقق شرح السنة (٣/ ١٨) ولكنهم قالوا يجب تعيين لفظ (الله أكبر) ويكره تحريماً الافتتاح بغيره لمن يحسنه. اهـ.
أما تكبيرات الانتقال عند الركوع والسجود والرفع منه للجلوس أو للقيام فهي ثابتة بإجماع الأمة إلا في الرفع من الركوع فإنه يقول (سمع الله لمن حمده)، وقد قال الحنابلة بوجوب التكبير، كوجوب (سمع الله لمن حمده)، وقول (ربي اغفر لي) بين السجدتين.
وتكبيرات الانتقال عند جماهير العلماء أنها سنة وليست بواجب.
- لا خلاف في استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لافتتاح الصلاة، بحيث تكون رسغاه تحاذي أعلى كتفيه، وإبهامه تحاذي أذنيه، وترفع المرأة يديها حذاء منكبيها فقط فلا تتجاوز أطراف أصابعها ذلك الموضع، لما أخرج البخاري في جزء رفع اليدين بسند رجاله ثقات عن عبد ربه بن سلمان بن عمير قال: (رأيت أم الدرداء ﵂ ترفع يديها في الصلاة حذو منكبها) والقياس الجلي أن تكون المرأة كالرجل فإن كفيها ليستا
стр. 618
بعورة ولكن القياس الخفي يوافق الحديث فهذا أستر لها (انظر الإعلاء ٢/ ١٥٧).
وتسن إمالة أطراف الأصابع نحو القبلة لشرفها، والأصح عند الحنفية أنه يرفع يديه أولاً ثم يكبر وقال الحنفية والمالكية والشافعية: يسن نشر الأصابع نشراً خفيفاً فلا تضم كل الضم ولا تفرج كل التفريج، وقال الحنابلة: يستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع ويضم بعضها إلى بعض، ولا يسن عند الحنفية والمالكية رفع اليدين إلا عند تكبيرة الإحرام، وقال الشافعية والحنابلة: يسن رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع، وقال النووي: يستحب الرفع أيضاً عند القيام من التشهد الأول، وما دام في السنية أو عدمها فالأمر واسع.
- قال الحنابلة والشافعية والحنفية: يسن بعد تكبيرة الإحرام أن يضع المصلي يده اليمنى على ظهر كف ورسغ اليسرى، وصفة الوضع عند الحنابلة والشافعية أن يضع يده اليمنى على رسغ اليسرى أو ما يقاربه وعند الحنفية يجعل الرجل باطن كف اليمنى محلقاً بالخنصر والإبهام على الرسغ، أما المرأة فتضع يديها على صدرها من غير تحليق لأنه أستر لها، ويضعهما الرجل عند الحنابلة والحنفية تحت السرة واستدل الحنفية بعدد من الآثار في ذلك فقد سئل أبو مجلز كيف يضع قال: يضع كف يمينه على ظاهر كف شماله ويجعلها أسفل عن السرة، قال العلامة ابن التركماني: ومذهب أبي مجلز الوضع أسفل السرة حكاه أبو عمرو في التمهيد وجاء ذلك عنه بسند جيد، ويؤيده قول إبراهيم النخعي، وقول التابعي الكبير حجة عند الجمهور، وما ورد عن علي قوله: السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة، وقد حسن هذا الحديث بعض العلماء، كما روي وضع اليدين تحت السرة عن أبي هريرة.
стр. 619
والمستحب عند الشافعية أن يجعلهما تحت الصدر فوق السرة مائلاً إلى جهة اليسار واحتج الشافعية ومن وافقهم بحديث وائل بن حجر صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره وهذا الحديث جاء من طريق مؤمل بن إسماعيل وهو ضعيف والرواية الصحيحة لم تذكر عبارة على صدره (انظر الإعلاء ٢/ ١٦٥ - ١٦٩).
والمعمول به عند المالكية إرسال اليدين في الصلاة بوقار، وإنما اعتمدوا ذلك كي لا يظن العامي وجوب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة.
والخلاف في المذاهب الثلاثة حول سنية الهيئة في الوضع فالأمر واسع.
- قال الحنفية: يوضع الوجه في السجود بين الكفين، وعند غير الحنفية توضع اليدان حذو المنكبين والجميع متفقون على أن الأصابع توجه مضمومة ومكشوفة نحو القبلة، ويعتمد الساجد على بطون الكفين أثناء السجود.
يستحب عند بعض العلماء للمصلي حال قيامه أن ينظر إلى موضع سجوده، وإلى قدميه عند ركوعه، وإلى حجره في التشهد.
стр. 620
الفصل الرابع
في
الاستفتاح
٩٤٦ - * روى مسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك، لا غله إلا أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك"، وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي"، وإذا رفع رأسه قال: "اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين، ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت".
стр. 621
وإذاً معناه ليس ذلك مما يتقرب به إليك كقولهم: أنا منك وإليك أي معدود من جندك ومنتم إليك. (ابن الأثير) أو لا يضاف إليك على انفراده أو أن الشر لا يصعد إليك وإنما الكلم الطيب أو معناه أن الشر ليس شراً بالنسبة إليك فإنك خلقته بحكمة بالغة (شرح السنة).
٩٤٧ - * روى النسائي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت".
٩٤٨ - * روى النسائي عن محمد بن مسلمة ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: "الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين ... وذكر الحديث مثل جابر، إلا أنه قال. وأنا من المسلمين- ثم قال: اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك ثم يقرأ".
أقول: إن تقييد الاستفتاح بصيغة التوجه في هذه الرواية لأنها في التطوع جعل الحنفية والحنابلة يأخذون بصيغة (سبحانك اللهم وبحمدك) في استفتاح الفريضة، ويرى الحنفية أن باب التطوع أوسع فيما تستفتح به الصلاة.
٩٤٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 622
افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا غله غيرك".
٩٥٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي ﷺ أنه كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي أذنيه يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
٩٥١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
٩٥٢ - * روى مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵀ قال: "سألت عائشة أم المؤمنين. بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
أقول: الملاحظ أن هذا كان في صلاة الليل وهي تطوع في حق غيره ﵊.
стр. 623
٩٥٣ - * روى أبو داود عن جبير بن مطعم ﵁ "أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة، قال عمرو [بن مرة]: لا أدري أي صلاة هي؟ قال: "الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، ثلاثاً، وسبحان الله بكرة وأصيلا- ثلاثاً- أعوذ بالله من الشيطان: من نفخه، ونفثه وهمزه، قال: نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة".
٩٥٤ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل إلى الصلاة كبر ثلاثاً، ثم قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاث مرات، ثم يقول: الله أكبر ثلاثاً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ".
أقول: إن حديث ابن خزيمة فسر الحديث السابق بأن ذلك من استفتاحه ﵊ في قيام الليل.
٩٥٥ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل واستفتح صلاته وكبر قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه".
стр. 624
٩٥٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، فقال رسول الله ﷺ : "من القائل كلمة كذا وكذا؟ " قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك"، إلا أن النسائي قال في رواية أخرى (١) له: "لقد رأيت ابتدرها اثنا عشر ملكاً".
٩٥٧ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي، إذ جاء رجل وقد حفزه النفس فقال: الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "أيكم المتكلم بالكلمات؟ " فأرم القوم، فقال: "إنه لم يقل بأساً"، فقال رجل: أنا يا رسول الله قلتها، فقال النبي ﷺ : "لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها، أيهم يرفعها".
وزاد أبو داود في بعض رواياته: "وإذا جاء أحدكم فليمش نحوه ما كان يمشي فليصل ما أدرك، وليقض ما سبقه".
أقول: قوله ﵊: "وليقض ما سبقه" بنى عليه الحنفية أن المسبوق يقضي ما فاته ويترتب على ذلك مثلاً: لو أنه فاتته الركعة الأولى، فإنه يقرأ دعاء الاستفتاح ويتعوذ ويبسمل ويقرأ الفاتحة وشيئاً من القرآن معها، وإذاً فهو يقضي ما فاته بإقامة كل ما يطلب في الفائتة.
стр. 625
٩٥٨ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنية قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم نقني من خطاياي، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي، بالثلج والماء والبرد".
وزاد أبو داود (١) والنسائي (٢) في أول الدعاء قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب" .. والباقي مثله".
قال الحافظ في الفتح: واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافاً للحنفية، ثم هذا الدعاء صدر منه ﷺ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحوال النبي ﷺ في حركاته وسكناته وإسراره وإعلامه حتى حفظ الله بهم الدين.
٩٥٩ - * روى الترمذي عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ، فأنكر ذلك عمران بن حصين، قال: حفظنا سكتة، فكتبنا إلى أبي بن كعب بالمدينة، فكتب أبي: أن حفظ سمرة، فقلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ (ولا الضالين) قال: فكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أني سكت حتى يتراد إليه نفسه".
٩٦٠ - * روى أبو داود، قال سمرة: "حفظت سكتتين في الصلاة، سكتة إذا كبر الإمام حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع، قال: فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين، فكتبوا في ذلك على المدينة إلى أبي، فصدق سمرة". وفي
стр. 626
رواية (١) "وسكتة إذا فرغ من القراءة" وفي أخرى (٢) عنه عن النبي ﷺ "أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة ... ثم ذكر معناه".
قال محقق شرح السنة (٢/ ٤٢) وفيه عنعنة الحسن ومع ذلك حسنه الترمذي وقال الشيخ شاكر (٢/ ٣١) وهو حديث صحيح رواته ثقات وإنما حسنه الترمذي للخلاف في سماع الحسن من سمرة وقد سبق أن تكلمنا في ذلك وأثبتنا سماعه منه في شرح الحديث (١٨٢) والترمذي صحح أحاديث الحسن عن سمرة في كثير من المواضع. ا. هـ أقول: لا يكفي ثبوت السماع لكن ينبغي انتفاء التدليس.
أقول: قوله في النص (حتى يتراد إليه نفسه) دليل على أن السكتة كانت خفيفة عادية، وأما السكتة الأولى فهي لقراءة دعاء الثناء والاستفتاح.
قال في إعلاء السنن (٤/ ١٠٨): وأما وجوب القراءة عند سكتات الإمام فلم يثبت بدليل صحيح مرفوع ... وقال في (حجة الله البالغة): الحديث الذي رواه أصحاب السنن ليس بصريح في الإسكاتة التي يفعلها الإمام لقراءة المأموم فإما أنها للتلفظ بآمين أو للتمييز بين الفاتحة وآمين أو سكتة لطيفة ليرد إلى القارئ نفسه واستغراب القرن الأول إياها يدل على أنها ليست سنة مستقرة ولا مما عمل به الجمهور ا. هـ ملخصاً.
٩٦١ - * روى ابن خزيمة عن فضالة بن عبيد الأنصاري أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي لم يحمد الله ولم يمجده، ولم يصل على النبي ﷺ وانصرف، فقال رسول الله ﷺ : "عجل هذا". فدعاه وقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه وليصل على النبي ﷺ ثم يدعو بما شاء".
стр. 627
أقول: الملاحظ أن الرسول ﷺ لم يأمر بإعادة الصلاة مما يدل على سنية ما تركه وهذا يوافق مذهب القائلين بسنية هذه الأمور، ومن خالف في ذلك وجه النص توجيهات أخرى.
стр. 628
مسائل وفوائد
- رأينا أن هناك صيغاً كثيرة في دعاء الاستفتاح والثناء، واستحب بعضهم الجمع بين جميع ذلك للمنفرد ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل، والأصل عند المالكية أن يبدأ المصلي بقراءة القرآن بعد التكبير مباشرة، وقال الجمهور بسنية دعاء الاستفتاح بعد التحريمة في الركعة الأولى، والمختار منها عند الحنفية والحنابلة صيغة (سبحانك اللهم وبحمدك ...) والمختار عند الشافعية صيغة (وجهت وجهي ... وأنا من المسلمين) وأجاز الإمام أحمد الاستفتاح بغير سبحانك اللهم مما فيه تمجيد، وأجاز الحنفية في النافلة الجمع بين الثناء والتوجه، لكن في صلاة الجنازة يقتصر على الثناء فقط، والشافعية توسعوا في سنية الجمع بين ما ورد.
وإذا شرع الإمام في القراءة الجهرية أو غيرها، لم يكن للمقتدي عند الحنابلة والحنفية على المعتمد أن يقرأ الثناء.
- قال المالكية: يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، وقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط الإمام والمأموم والمنفرد، والمنفرد والإمام يتعوذان ويبسملان سراً في الركعة الأولى ويبسملان سراً في بقية الركعات، وقال الشافعية والحنابلة: يسن التعوذ سراً في أول كل ركعة قبل القراءة، ويجهر في الصلاة الجهرية عند الشافعية بالبسملة ولا يجهر بها عند غيرهم.
والأمر بالنسبة للتعوذ واسع لأن الخلاف في السنية، وأما الخلاف في البسملة فالأمر فيه أضيق، لأن الذين يرون أن البسملة جزء من الفاتحة كالشافعية يبطلون الصلاة بتركها لفرضية قراءة الفاتحة عندهم على الإمام والمأموم والمنفرد.
стр. 629
الفصل الخامس
في: القراءة
عرض إجمالي
أصل القراءة ركن عند جميع الفقهاء لكنهم يختلفون في بعض التفصيلات فالركن عند الحنفية: هو قراءة آية من القرآن بمقدار ستة أحرف عند أبي حنيفة وثلاث آيات قصار أو آية طويلة بمقدار ثلاث آيات قصار عند الصاحبين للإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يقرأ شيئاً من القرآن، وقراءة الفاتحة وثلاث آيات قصار أو ما يعادلها في الركعتين الأوليين من الفرض، وفي كل ركعات الوتر والنفل واجب.
وتكره القراءة للمأموم وراء الإمام، وقراءة الفاتحة فيما سوى الركعتين الأوليين من الفرض سنة لغير المأموم، فالإمام والمنفرد إن شاء قرأ بها وإلا سبحا بمقدارها على قول، ولو قرأ زيادة على الفاتحة لا حرج، وليست البسملة آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، لكن يقرأ المنفرد والإمام البسملة مع الفاتحة في كل ركعة سراً، ويسر الإمام والمأموم والمنفرد بالتأمين عندهم. وقال الشافعية: تتعين قراءة الفاتحة في كل ركعة للإمام والمأموم والمنفرد سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، فرضاً أو نفلاً، والبسملة عندهم آية من الفاتحة، وتشديدات الفاتحة الأربع عشرة شدة، لو خفف واحدة منها ولم يستدركها بطلت صلاته، وعند المالكية والحنابلة: لا يقرأ المأموم شيئاً وراء الإمام فيما يجهر به الإمام.
وأما قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، فعند الجمهور أنها سنة وعند الحنفية واجب كما ذكرنا.
وإن جهل إنسان الفاتحة أو عجز عنها أتى بقدرها من ذكر ودعاء، فإن لم يحسن شيئاً قرآناً وذكراً وقف بقدر قراءة الفاتحة، ويسن عند الحنابلة والشافعية أن يجهر الإمام والمأموم بالتأمين فيما يجهر فيه بالقراءة، ويخفيا فيما يخفي فيه القراءة.
وقد أجمع الفقهاء على أنه لا تجزيء القراءة بغير العربية، لكن أجاز أبو حنيفة لعاجز
стр. 630
عن القراءة بالعربية أن يقرأ الفاتحة بغير العربية.
قال الحنابلة: إن ترك المصلي التأمين نسياناً أو عمداً حين شرع في قراءة السورة، لم يأت به لأنه سنة فات محلها، وقال العلماء يؤمن المأموم مع تأمين إمامه.
يرى الشافعية: أن يسكت الإمام في الصلاة الجهرية بعد التأمين بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة ويسن للإمام أن يشتغل أثناء السكتة بدعاء أو قراءة سراً، والقراءة أولى، فالمراد بالسكوت عدم الجهر.
ويطول الإمام بالركعة الأولى أكثر من الثانية ليدرك الصلاة من أولها أكبر قدر من الناس.
قال الحنفية: ولا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية، ومن أي مكان من القرآن قرأ أجزأه، ويجب أن يقرأ على ترتيب القرآن، وإذا قرأ سورة، فالمستحب أن يقرأ التي بعدها أو يفصل بينها وبين ما يقرأ في الثانية بأكثر من سورة، ولا يكره عدم الترتيب، ولا عدم الفصل في النفل. وقد اتفق الفقهاء على أنه يجهر في الصبح وأوليي المغرب والعشاء والجمعة والعيدين، ووتر رمضان ويسر الإمام والمنفرد عند الحنفية في صلاة الكسوف والاستسقاء، وأما النوافل الليلية فهو مخير فيها وكذلك يخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية أداءً أو قضاءً، وفي وقتها أو غير وقتها، إلا أن الجهر أفضل في الجهرية ليلاً، أما الصلاة السرية كالظهر والعصر فيجب على المنفرد والإمام أن يسرا بها، وحيث ما سن الجهر عند الشافعية فإن المرأة تجهر دون جهر الرجل إن لم تكن بحضرة أجانب.
ويراعي الإمام حال المأمومين فإذا كان الإمام يصلي بجماعة معروفين يرضون بالتطويل، صلى في الفجر بطوال المفصل أو ما يعادلها، وصلى عند الحنابلة في الظهر بأوساط المفصل، وعند الجمهور يصلي في العصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل، وقال المالكية يصلي بالعصر بقصار المفصل كذلك.
وطوال المفصل عند الحنفية من سورة الحجرات إلى آخر البروج.
وأوساط المفصل من الطارق إلى أول البينة، وقصار المفصل من البينة إلى آخر القرآن الكريم.
стр. 631
وأقل الجهر عند المالكية أن يسمع من يليه، وأقل سره حركة اللسان، أما المرأة فجهرها إسماع نفسها، وقال الشافعية والحنابلة: أقل الجهر أن يسمع من يليه ولو واحداً وأقل السر أن يسمع نفسه، وقال الحنفية أقل الجهر إسماع غيره مما ليس بقربه كأهل الصف الأول فلو سمع واحد أو اثنان لا يجزئه، وأقل المخافتة إسماع نفسه أو من يقربه من رجل أو رجلين.
انظر (الدر المختار ١/ ٣٠٠)، (الشرح الصغير ١/ ٣٠٩)، (المغني ١/ ٤٧٦ و ١/ ٥٦٢)، (الفقه الإسلامي ١/ ٦٤٥ وبعدها) وإلى نصوص هذا الفصل:
- حكم الإسرار بالبسملة:
٩٦٢ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وفي رواية (١): أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
ولمسلم (٢): أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. قال: وقال الأوزاعي عن قتادة: أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه: أنه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها. وفي رواية للنسائي (٣)، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فلم يسمعنا: بسم الله الرحمن الرحيم".
стр. 632
أقول: عدم قراءة البسملة في النص يراد به عدم الجهر بها، وقد حمله المالكية على ظاهره، لذلك كرهوا أن يقرأ المصلي التعوذ والبسملة، والنصوص الأخرى لا تؤيدهم فيما ذهبوا إليه.
والسنة عند الحنفية والحنابلة الإسرار بالبسملة قبل الفاتحة، والسنة عند الشافعية الجهر بها في الجهرية والإسرار بها في السرية.
٩٦٣ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان يختمها بالتسليم.
٩٦٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية: استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت".
وذهب قوم إلى أنه يجهر بالتسمية للفاتحة والسورة جميعاً ومن قال بالجهر بالبسملة قال بذلك لكونها من القرآن واستدل بما يلي:
٩٦٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت علي آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: (إنا أعطيناك الكوثر) حتى ختمها. قال: هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة".
قال البغوي: ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم إلى ترك الجهر بالتسمية بل يسر بها.
٩٦٦ - * روى أحمد عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله
стр. 633
الرحمن الرحيم، فقال: أي بني إياك والحدث، قد صليت مع النبي؛ ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها إذا أنت صليت، فقل: الحمد لله رب العالمين.
وأول الشافعي حديث أنس: كانوا يستفتحون الصلاة بـ (الحمد لله رب العالمين) معناه: أنهم كانوا يبدؤون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، ليس معناه أنهم كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم. شرح السنة (٣/ ٥٥).
قال الإمام الزيلعي في (نصب الراية ١/ ٣٢٧): والمذاهب في كون البسملة من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط، فالطرف الأول قول من يقول: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، كما قاله مالك وطائفة من الحنفية، وقاله بعض أصحاب أحمد مدعياً أنه مذهبه أو ناقلاً لذلك رواية عنه، والطرف الثاني المقابل له قول من يقول: إنها آية من كل سورة، أو بعض آية، كما هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه، فقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة، وإنما يستفتح بها في السور تبركاً بها، والقول الوسط: أنها من القرآن حيث كتبت وأنها مع ذلك ليست من السور بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة، كما تلاها النبي ﷺ حين أنزلت عليه (إنا أعطيناك الكوثر) وهذا قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد، وبه قال جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة، وهذا قول المحققين من أهل العلم، فإن في هذا القول الجمع بين الأدلة، وكتابتها سطراً مفصلاً عن السورة يؤيد ذلك، وانظر (بداية المجتهد ١/ ١٢٤).
- قراءة الفاتحة في الصلاة:
٩٦٧ - * روى الجماعة عن عبادة بن الصامت ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 634
"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وزاد أبو داود: "فصاعداً" قال: وقال سفيان: "لمن يصلي وحده" وزاد النسائي أيضاً في رواية له: "فصاعداً".
أقول: حمل الحنفية هذا النص على أن المراد لا صلاة كاملة إلا بفاتحة الكتاب، بدليل النص الذي يذكر كلمة الخداج فيمن لم يقرأ سورة الفاتحة، ولذلك اعتبروا قراءتها واجبة على الإمام والمنفرد حيث أوجبوا قراءتها، أما المأموم فلا يقرأ عندهم شيئاً ما دام وراء الإمام، وأسقطوا قراءتها على من كان مقيماً وصلى وراء مسافر، فإذا أتم المقيم صلاته بعد انتهاء صلاة المسافر المقصورة، فإنه لا يقرأ الفاتحة.
٩٦٨ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، يقولها ثلاثاً"- وفي رواية (١): فهي خداج، ثلاثاً، غير تمام- فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل"- وفي رواية (٢):
стр. 635
"فنصفها لي، ونصفها لعبدي- فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين) قال: مجدني عبدي"- وقال مرة: "فوض إلي عبدي- وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل".
وفي رواية الترمذي (١) وأبي داود (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج"، غير تمام، قال أبو السائب- مولى هشام بن زهرة- قلت: يا أبا هريرة، إني أحياناً أكون وراء الإمام؟ قال: فغمز ذراعي، ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي ... وساق نحو ما تقدم، وقال في آخرها: "هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل".
وفي أخرى لأبي داود (٣)، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اخرج فناد في المدينة: إنه لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". وفي رواية للترمذي (٤) ولأبي داود (٥): "أمرني أن أنادي: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"