وأقل الجهر عند المالكية أن يسمع من يليه، وأقل سره حركة اللسان، أما المرأة فجهرها إسماع نفسها، وقال الشافعية والحنابلة: أقل الجهر أن يسمع من يليه ولو واحداً وأقل السر أن يسمع نفسه، وقال الحنفية أقل الجهر إسماع غيره مما ليس بقربه كأهل الصف الأول فلو سمع واحد أو اثنان لا يجزئه، وأقل المخافتة إسماع نفسه أو من يقربه من رجل أو رجلين.
انظر (الدر المختار ١/ ٣٠٠)، (الشرح الصغير ١/ ٣٠٩)، (المغني ١/ ٤٧٦ و ١/ ٥٦٢)، (الفقه الإسلامي ١/ ٦٤٥ وبعدها) وإلى نصوص هذا الفصل:
- حكم الإسرار بالبسملة:
٩٦٢ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وفي رواية (١): أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
ولمسلم (٢): أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. قال: وقال الأوزاعي عن قتادة: أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه: أنه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها. وفي رواية للنسائي (٣)، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فلم يسمعنا: بسم الله الرحمن الرحيم".
стр. 632
أقول: عدم قراءة البسملة في النص يراد به عدم الجهر بها، وقد حمله المالكية على ظاهره، لذلك كرهوا أن يقرأ المصلي التعوذ والبسملة، والنصوص الأخرى لا تؤيدهم فيما ذهبوا إليه.
والسنة عند الحنفية والحنابلة الإسرار بالبسملة قبل الفاتحة، والسنة عند الشافعية الجهر بها في الجهرية والإسرار بها في السرية.
٩٦٣ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان يختمها بالتسليم.
٩٦٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية: استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت".
وذهب قوم إلى أنه يجهر بالتسمية للفاتحة والسورة جميعاً ومن قال بالجهر بالبسملة قال بذلك لكونها من القرآن واستدل بما يلي:
٩٦٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت علي آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: (إنا أعطيناك الكوثر) حتى ختمها. قال: هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة".
قال البغوي: ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم إلى ترك الجهر بالتسمية بل يسر بها.
٩٦٦ - * روى أحمد عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله
стр. 633
الرحمن الرحيم، فقال: أي بني إياك والحدث، قد صليت مع النبي؛ ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها إذا أنت صليت، فقل: الحمد لله رب العالمين.
وأول الشافعي حديث أنس: كانوا يستفتحون الصلاة بـ (الحمد لله رب العالمين) معناه: أنهم كانوا يبدؤون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، ليس معناه أنهم كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم. شرح السنة (٣/ ٥٥).
قال الإمام الزيلعي في (نصب الراية ١/ ٣٢٧): والمذاهب في كون البسملة من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط، فالطرف الأول قول من يقول: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، كما قاله مالك وطائفة من الحنفية، وقاله بعض أصحاب أحمد مدعياً أنه مذهبه أو ناقلاً لذلك رواية عنه، والطرف الثاني المقابل له قول من يقول: إنها آية من كل سورة، أو بعض آية، كما هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه، فقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة، وإنما يستفتح بها في السور تبركاً بها، والقول الوسط: أنها من القرآن حيث كتبت وأنها مع ذلك ليست من السور بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة، كما تلاها النبي ﷺ حين أنزلت عليه (إنا أعطيناك الكوثر) وهذا قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد، وبه قال جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة، وهذا قول المحققين من أهل العلم، فإن في هذا القول الجمع بين الأدلة، وكتابتها سطراً مفصلاً عن السورة يؤيد ذلك، وانظر (بداية المجتهد ١/ ١٢٤).
- قراءة الفاتحة في الصلاة:
٩٦٧ - * روى الجماعة عن عبادة بن الصامت ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 634
"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وزاد أبو داود: "فصاعداً" قال: وقال سفيان: "لمن يصلي وحده" وزاد النسائي أيضاً في رواية له: "فصاعداً".
أقول: حمل الحنفية هذا النص على أن المراد لا صلاة كاملة إلا بفاتحة الكتاب، بدليل النص الذي يذكر كلمة الخداج فيمن لم يقرأ سورة الفاتحة، ولذلك اعتبروا قراءتها واجبة على الإمام والمنفرد حيث أوجبوا قراءتها، أما المأموم فلا يقرأ عندهم شيئاً ما دام وراء الإمام، وأسقطوا قراءتها على من كان مقيماً وصلى وراء مسافر، فإذا أتم المقيم صلاته بعد انتهاء صلاة المسافر المقصورة، فإنه لا يقرأ الفاتحة.
٩٦٨ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، يقولها ثلاثاً"- وفي رواية (١): فهي خداج، ثلاثاً، غير تمام- فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل"- وفي رواية (٢):
стр. 635
"فنصفها لي، ونصفها لعبدي- فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين) قال: مجدني عبدي"- وقال مرة: "فوض إلي عبدي- وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل".
وفي رواية الترمذي (١) وأبي داود (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج"، غير تمام، قال أبو السائب- مولى هشام بن زهرة- قلت: يا أبا هريرة، إني أحياناً أكون وراء الإمام؟ قال: فغمز ذراعي، ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي ... وساق نحو ما تقدم، وقال في آخرها: "هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل".
وفي أخرى لأبي داود (٣)، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اخرج فناد في المدينة: إنه لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". وفي رواية للترمذي (٤) ولأبي داود (٥): "أمرني أن أنادي: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"
стр. 636
زاد أبو داود: "فما زاد".
أقول: سؤال السامع لأبي هريرة: (إنا نكون وراء الإمام) دليل على أنه كان مشهوراً عندهم أن الصلاة وراء الإمام لا قراءة فيها، ثم إن قول أبي هريرة: (اقرأ بها في نفسك) دليل عند الحنفية على عدم القراءة وراء الإمام لأن القراءة في النفس تعني القراءة في القلب ولا تعتبر هذه قراءة عندهم.
٩٦٩ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر".
أقول: قال الحنفية إن قراءة الفاتحة وسورة قصيرة أو ما يعادلها في الركعتين الأوليين من الفريضة واجبان وعلى هذا حملوا مثل هذا النص، قراءة الفاتحة وشيء معها واجب عندهم في كل ركعات النفل.
واستدل بهذا الحديث على أن البسملة ليست جزءاً من الفاتحة.
- القراءة خلف الإمام:
٩٧٠ - * روى أحمد عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم"! قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
أقول: استدل بهذا الحديث على وجوب القراءة على المأموم في السرية والجهرية ولم يأخذ به من قال بعدم القراءة في الجهرية للآية: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم
стр. 637
ترحمون) (١) وبآثار عديدة تنهى عن القراءة خلف الإمام فحملها المالكية والحنابلة فيما جهر به وجعلها الحنفية عامة، وقد ناقش صاحب إعلاء السنن في صحة هذا الحديث من الناحية الحديثية والفقهية ومما قاله:
الحديث مضطرب الإسناد رواه الأوزاعي عن مكحول عن عبد الله بن عمرو ... وفي التمهيد خولف فيه ابن إسحق فرواه الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبد الله بن عمرو.
ورواه الطحاوي في أحكام القرآن من حديث رجاء عن محمود فأوقفه على عبادة.
وقال: ورواه مكحول مرة عن عبادة بن الصامت مرسلاً وأخرى عن نافع بن محمود عن عبادة، وتارة عن محمود عن أبي نعيم أنه سمع عبادة ... ولا يدري أبو نعيم، وقال مكحول مرة عن نافع عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت.
ثم قال: والصحيح من حديث محمود هو طريق الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت مرفوعاً (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) بدون هذه القصة. أخرجه البخاري.
إلى آخر هذه المناقشة (انظرها ٤/ ١٠١ - ١٠٧).
ثم أجاب عن حديث عبادة على طريقة الفقهاء فكان مما قاله:
إنه لا يدل على الوجوب بل على الإباحة فحسب، لأن الاستثناء من الحظر يفيد الإباحة والإطلاق، ثم أورد آثاراً تؤيد هذا.
وقال بعد ذلك: لو سلم دلالته على الوجوب فإنه يدل على وجوب القراءة على المأمومين وإن جهر بها الإمام، وكذلك يدل على أنه لا بأس بقراءتهم مع قراءة الإمام ولا بمنازعة القرآن إياه فيعارض قول الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) وما أخرجه مسلم وغيره من حديث (إذا قرأ فأنصتوا) وما رواه أبو هريرة من حديث النبي عن
стр. 638
المنازعة فعند التعارض يرجح النص وما هو أصح في الباب من الأخبار اهـ. ملخصاً.
أقول: وقوله النص: هو اللفظ الواضح الدلالة على المعنى الذي سيق الكلام من أجله ويحتمل التخصيص والتأويل والنسخ في عهد الرسالة وهو يرجح على الظاهر، والظاهر: هو كل لفظ أو كلام ظهر المعنى المراد به للسامع بصيغته من غير توقف على قرينة خارجية أو تأمل سواء أكان مسوقاً للمعنى المراد منه أم لا.
واستدل أيضاً من قال: لا يقرأ في الجهرية ويقرأ في السرية بما.
٩٧١ - * روى مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي أحد منكم آنفاً"؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "إني أقول: ما لي أنازع القرآن"؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
قال البغوي (٢/ ٨٥): وذهب إلى أنه لا يقرأ أحد خلف الإمام سواء أسر الإمام أو جهر، يروى ذلك عن زيد بن ثابت وجابر. ويروى عن ابن عمر: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام وبه قال سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، واحتجوا بحديث أبي هريرة (ما لي أنازع القرآن) اهـ. (شرح السنة ٣/ ٨٢) وتحقيقات الشيخ شعيب عليه.
(١) أخرجه الطحاوي في (معاني الآثار ١/ ١٢٩) من حديث عبيد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، فقالوا: (لا تقرؤوا خلف الإمام في شيء من الصلوات) وإسناده صحيح.
стр. 639
(٢) رواه مالك في (الموطأ) ١/ ٨٦ في الصلاة: باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به، وإسناده صحيح، وروى ابن أبي شيبة، وأحمد ٣/ ٣٣٩، والدارقطني ص ١٢٣، والطحاوي ١/ ١٢٨ من عدة طرق عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ ، قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". وهو حديث حسن بطرقه وشواهده، انظر (نصب الراية) ٢/ ٧، ١٢، و (إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام) للكنوي. اهـ شعيب.
ولما كان بعض الناس يحملون على الحنفية ويرمونهم بما ليس فيهم أنقل لك مجملاً موجزاً لأدلتهم في عدم القراءة وراء الإمام:
استدل الحنفية بالكتاب والسنة والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) أخرج البيهقي عن الإمام أحمد قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة. وأخرج عن مجاهد كان ﷺ يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الأنصار فنزل: (وإذا قرئ القرآن الآية).
وعلى فرض أن الآية لم تنزل في الصلاة فالعبرة كما قرر الأصوليون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والآية تطلب من المكلفين استماعاً هو خاص بالجهرية وإنصاتاً وهو يعم السرية والجهرية فيجب على المخاطبين أن يستمعوا فيما يجهر به وأن ينصتوا فيما يسر به وكان مقتضى ذلك أن يكون الاستماع فرضاً تركه حرام. لكن العمومات القاضية بطلب القراءة من كل مصلٍ جعلت دلالة الآية ظنية مقيدة للوجوب الذي يوجب مخالفته كراهة التحريم.
أما السنة، فمنها، ما رواه أبو حنيفة عن عبد الله بن شداد عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال. من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة. وهذا عام كما ترى فيشمل الجهرية والسرية. ويؤيده ما جاء في إحدى رواياته أن رجلاً قرأ خلف رسول الله ﷺ وكان ذلك في الظهر أو العصر. فجعل رجل من أصحاب النبي ﷺ ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل وقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله ﷺ ، فتنازعا حتى ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ﷺ : "من صلى خلف إمام الحديث"، فهذه
стр. 640
القصة تدل على منع القراءة لأن جواب النبي ﷺ فيها خرج تقرير النهي للصحابي عن القراءة في الصلاة وقد كانت الصلاة سرية، وإذا تقرر النهي في السرية فمن باب أولى يتقرر في الجهرية وهذا الحديث قد رفعه عدد من المحدثين بطرق صحيحة ورواه أحمد عن جابر بإسناد قال فيه: إسناد صحيح متصل رجاله كلهم ثقات، ومنها ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا". صححه مسلم.
ومنها ما روي عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه سبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال: "أيكم قرأ أو أيكم القارئ" فقال الرجل: أنا، فقال: "لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها"، متفق عليه، ومعنى خالجنيها نازعنيها، وهذا الكلام يدل على إنكار القراءة وإذا أنكرت في الظهر وهي صلاة سرية ففي الجهرية أولى.
هذا، وقد وردت آثار عن كثير من الصحابة وكلها صريحة في المنع عن القراءة فعن علي: ليس على الفطرة من قرأ خلف الإمام، وعن ابن مسعود- وقد سئل عن القراءة خلف الإمام- أنه قال: أنصت فإن في الصلاة شغلاً ويكفيك الإمام، وعنه: أن من قرأ خلف الإمام ملئ فوه تراباً وعن سعد بن أبي وقاص: وددت الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة.
وأما القياس فقالوا: لو وجبت على المأموم لما سقطت عن المسبوق كسائر الأركان فقاسوا قراءة المؤتم. على قراءة المسبوق في حكم السقوط فتكون غير مشروعة والاشتغال بغير المشروع مكروه.
(انظر مقارنة المذاهب في الفقه ص ٢٥ - ٢٦ للسارس) هذا، وقد أطال وأجاد وأفاد الإمام ظفر التهانوي في إعلاء السنن في بيان أدلة الحنفية في هذه المسألة فبلغ عشرات الصفحات، ثم قال (٤/ ٨٩ - ٩٣):
وبعد ذلك كله فاعلم أن قول أصحابنا بكفاية قراءة الإمام، وعدم افتراض القراءة،
стр. 641
ووجوبها على المأموم خلفه في غاية القوة. وكذا قولهم بكراهة القراءة أو حرمتها مع قراءة الإمام في الجهرية بحيث يخل بالاستماع، ووجوب السكوت عنه ذلك في غاية الوثاقة. ولذا تراهم لم يختلفوا في ذلك بل اتفقوا على ذلك بأسرهم، وأما قولهم بكراهة مطلق القراءة أو حرمتها في الجهرية ولو في حالة السكتات، وكذا بكراهة القراءة في السرية، فإنه وإن كان عندهم عليه دليل كما عرضنا عليك فيما سبق بالتفصيل ولكن لا يخلو الاحتجاج به عن قال وقيل، ولذلك اختلف أقوال أصحابنا في القراءة خلف الإمام في السكتات في الجهرية وفي السرية مطلقاً. قال في إمام الكلام (ص: ٣٠) وفي المفيد والمزيد: لو قرأ خلف الإمام للاحتياط فإن كان في صلاة الجهر يكره إجماعاً، وفي المخافة قيل: لا يكره، والأصح أنه يكره، وكذا في الذخيرة، لكن نقل عن جدي شيخ الإسلام إمام أئمة الأعلام في العالم محي مراسم الدين بين الأمم الماحي بسطوته سياط البدع وآثار الظلم السعيد الشهيد نظام الملة والدين عبد الرحيم المشهور بين الأنام بشيخ التسليم وهو مجتهد في مذهب أبي حنيفة باتفاق علماء ما وراء النهر، وخراسان أنه كان يقول: يستحب للاحتياط فيما يروى عن محمد ويقول: لو كان في فمي جمرة يوم القيامة أحب إلي من أن يقال: (لا صلاة لك) انتهى ملخصاً اهـ. وفيه (ص: ٣١) وفي شرح النقاية للبرجندي عن الإمام أبي حفص الكبير أنه لا يكره قراءة المؤتم في صلاة لا يجهر فيها، وقيل: على قول محمد لا يكره، وعلى قولهما يكره، وهو الأصح اهـ. وفيه (ص: ٣٢) ناقلاً عن الهداية: ويستحسن على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد، ويكره عندهما لما فيه الوعيد انتهى.
وقال في غيث الغمام: وذكر الشعراني أن هذه الرواية (أي استحسان القراءة في السرية) هي التي رجع إليه محمد وأبو حنيفة حيث قال: لأبي حنيفة ومحمد قولان، أحدهما عدم وجوبها على المأموم، بل ولا تسن، وهذا قولهما القديم، وأدخله محمد في تصانيفه القديمة، وانتشرت النسخ إلى الأطراف.
وثانيها استحسانها على سبيل الاحتياط وعدم كراهتها عند المخالفة للحديث المرفوع (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) إلى أن قال: فرجعا من قولهما الأول إلى الثاني احتياطاً. انتهى. لكن كتب الحنفية أكثرها خالية عن ذكر الرجوع ولو ثبت ذلك كان قاطعاً للنزاع اهـ
стр. 642
مخلصاً (ص: ١٥٦).
ثم قال صاحب الإعلاء: ولم أظفر بهذا الكلام في كتب العلامة الشعراني من الميزان، وكشف الغمة ورحمة الأمة، فلعله في كتب غيرها والله أعلم. وظني أن أقوى المسالك في المسئلة هو ما روي عن محمد، واختاره بعض المشائخ الأعلام وهو وإن كان ضعيفاً رواية، فهو قوي دراية، وبه تجتمع الآثار المروية كلها في هذا الباب، ولما جوز محمد القراءة في السرية، فأرجو، أن تجوز عنده في الجهرية أيضاً في حالة السكتات إذا وجدها المأموم، لعدم الفرق بينهما. اهـ.
- ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة:
٩٧٢ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي، فقال: "اقرؤوا فكل حسن، وسيجئ أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه".
٩٧٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزئني، قال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله" قال: يا رسول الله هذا لله، فما لي؟ قال: "قل: اللهم الرحمني، وعافني، واهدني، وارزقني" فلما قام قال هكذا بيده، قال رسول الله ﷺ : "أما هذا فقد ملأ يديه من الخير".
стр. 643
قال البغوي: الواجب في الصلاة قراءة الفاتحة، فإن لم يحسنها ويحسن غيرها من القرآن فعليه أن يقرأ سبع آيات من غيرها، فإن لم يحسن من القرآن شيئاً، فعليه أن يأتي ببدلها من التسبيح والتحميد كما أمر به صاحب الشرع ﷺ . (شرح السنة ٣/ ٨٩).
стр. 644
- كما يقرأ في الصلوات وماذا يقرأ؟:
القراءة في صلاة الفجر:
٩٧٤ - * روى الشيخان عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الغداة ما بين الستين إلى المائة".
٩٧٥ - * روى مسلم عن عمرو بن حريث ﵁ قال: "كأني الآن أسمع رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الغداة: (فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس) (١). وفي رواية (٢) النسائي قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقرأ في الفجر: (إذا الشمس كورت).
أقول: ما زاد على الفاتحة والثلاث آيات قصيرة بعدها يتحقق به شيء من السنة عند الحنفية والإمام يراعي حال المأمومين كما ذكرنا، وهذا النص ونصوص أخرى حول ما كان يقرأ رسول الله ﷺ في صلاة الفجر من أواسط المفصل أو قصاره يدل على ذلك وقراءة ما سوى الفاتحة عند الجمهور تعتبر سنة.
стр. 645
٩٧٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: "صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة (المؤمنين) حتى جاء ذكر موسى وهارون- أو ذكر عيسى- شك الراوي، أو اختلفوا عليه- أخذت النبي ﷺ سعلة، فركع، وعبد الله بن السائب حاضر ذلك- وفي رواية (١): فحذف، فركع".
٩٧٧ - * روى النسائي عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت: "ما أخذت (ق. والقرآن المجيد) إلا من فم رسول الله ﷺ ، كان يصلي بها في الصبح".
٩٧٨ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ (ق. والقرآن المجيد) ونحوها، وكانت صلاته إلى تخفيف".
٩٧٩ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (ألم تنزيل السجدة)، و (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة: سورة الجمعة والمنافقين".
٩٨٠ - * روى الشيخان عن أبي هريرة مثله في صلاة الفجر ولم يذكر صلاة الجمعة.
أقول: قراءة ألم السجدة، وسورة الدهر في فجر الجمعة سنة إلا أن الحنفية خشوا على العامة أن يظنوا المثابرة على ذلك علامة وجوب فاستحبوا للإمام ألا يقرأ بهما بين الفينة والفينة لأن اعتقاد ما ليس واجباً أنه واجب نوع ابتداع إذ لم يقل بوجوبه أحد من الأئمة.
стр. 646
٩٨١ - * روى مالك عن عروة بن الزبير ﵄: "أن أبا بكر الصديق صلى الصبح، فقرأ فيها بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما".
٩٨٢ - * روى البزار عن أبي هريرة قال قدمت المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر ورجل من بني غفار يؤم الناس فقرأ في الركعة الأولى بسورة مريم وفي الثانية (ويل للمطففين) أحسبه قال في صلاة الفجر.
٩٨٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁: "قرأ في الأولى من الصبح بأربعين آية من (الأنفال)، وفي الثانية بسورة من المفصل".
٩٨٤ - * روى مالك عن عامر بن ربيعة قال: "صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح، فقرأ فيها بسورة (يوسف)، وسورة (الحج)، قراءة بطيئة، قيل له: إذاً لقد كان يقوم حين يطلع الفجر؟ قال: أجل".
٩٨٥ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄: "كان يقرأ في الصبح في السفر بالعشر السور الأول من المفصل: في كل ركعة بأم القرآن وسورة".
٩٨٦ - * روى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁: "قرأ في الركعة الأولى من الصبح مائة وعشرين آية من (البقرة)، وفي الثانية بسورة من المثاني".
стр. 647
أقول: المثاني في اجتهادي كما ذكرت ذلك في التفسير تبدأ بسورة العنكبوت وتنتهي بسورة (ق).
٩٨٧ - * روى البخاري عن الأحنف بن قبس: قرأ في الأولى بـ (الكهف)، وفي الثانية بـ (يوسف) - أو يونس- وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما".
٩٨٨ - * روى أبو داود عن معاذ بن عبد الله الجهني: "أن رجلاً من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ : قرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي، أم قرأ ذلك عمداً".
- القراءة في الظهر والعصر:
٩٨٩ - * روى الشيخان عن أبي قتادة ﵁: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين: بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحياناً، ويطيل في الركعة الأولى ما لا يطيل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح- وفي رواية (١) كذلك-. وفي رواية أبي داود (٢) والنسائي (٣)، قال: "كان النبي ﷺ يصلي بنا. فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح".
стр. 648
وفي أخرى (١) لأبي داود ببعض هذا، وزاد في الأخريين بفاتحة الكتاب، قال: وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الغداة". زاد في رواية (٢): "فظننا أنه يريد بذلك: أن يدرك الناس الركعة الأولى". وفي أخرى للنسائي (٣) قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي بنا الظهر، فيقرأ في الركعتين الأوليين، يسمعنا الآية كذلك، وكان يطيل الركعة الأولى في صلاة الظهر، والركعة- الأولى يعني: في الصبح".
٩٩٠ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحياناً ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. وقال: كنت أحسب زماناً أن هذا الخبر في ذكر قراءة فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر لم يروه غير أبان بن يزيد وهمام بن يحيى على ما كنت أسمع أصحابنا من أهل الآثار يقولون، فإذا الأوزاعي مع جلالته قد ذكر في خبره هذه الزيادة.
قال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٧٥): قوله وكان يسمعنا الآية أحياناً: هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة بل هو سنة ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر والله أعلم.
وقال في إعلاء السنن (٤/ ٣) بوجوب الجهر في الجهرية والسر في السرية (انظره).
٩٩١ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نحرز قيام النبي ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر: قدر (الم تنزيل السجدة)، وحزرنا قيامه من الأخريين: قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في
стр. 649
الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر: على النصف من ذلك. وفي رواية (١): "قدر ثلاثين آية". بدل قوله: (آلم تنزيل). وفي أخرى (٢): "أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين، في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين: قدر خمس عشرة آية- أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين، في كل ركعة: قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين: قدر نصف ذلك".
وفي رواية (٣) أبي داود، قال: "حزرنا قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر: على قدر الأخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخريين من العصر: على النصف من ذلك".
٩٩٢ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، فكان يطول الأوليين من الظهر، ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بـ (الشمس وضحاها) وبأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين".
قال البغوي (٤/ ١٧٤): فالسنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل وتكون الصبح أطول وفي العشاء والعصر بأوساطه وفي المغرب بقصاره، قالوا والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنها في وقت غفلة، بالنوم آخر الليل وفي القائلة فيطولهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر ليس كذلك بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخففت عن ذلك والمغرب ضيقة الوقت، ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم والعشاء في وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر والله أعلم .. اهـ.
٩٩٣ - * روى أبو داود عن جابر بن سمرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان
стр. 650
يقرأ في الظهر والعصر بـ (السماء ذات البروج) (والسماء والطارق) ونحوهما من السور".
٩٩٤ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بـ (الليل إذا يغشى) وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك. وفي أخرى (١): "كان يقرأ في الظهر بـ (سبح اسم ربك الأعلى) وفي الصبح بأطول من ذلك".
٩٩٥ - * روى النسائي عن البراء بن عازب ﵁ قال: "كنا نصلي خلف رسول الله ﷺ الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من (لقمان) و (الذاريات).
٩٩٦ - * روى مالك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: "ما من المفصل- سورة صغيرة ولا كبيرة- إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة".
أقول: من أدب المسلم أن يحفظ المفصل وأن يبدأ بتحفيظه للأولاد، وعندي كما رجحت ذلك في التفسير أن المفصل يبدأ بالذاريات وينتهي بنهاية القرآن.
٩٩٧ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: قلت لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ يجمع بين السور في الركعة؟ قالت: المفصل. هذا حديث وكيع.
стр. 651
وقال الدورقي في حديثه، قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: إذا جاء من مغيبة. قلت: أكان يقرن السور؟ قالت: المفصل. قلت: أكان يصلي جالساً؟ قالت: بعد ما حطمه الناس.
أقول: صلاته جالساً ﵊ كانت في صلاة النافلة أو إذا كان مريضاً.
٩٩٨ - * روى الطبراني عن الأغر من أصحاب النبي ﷺ قال صليت خلف النبي ﷺ فقرأ سورة الروم.
٩٩٩ - * روى مسلم عن أبي سعيد: لقد كانت صلوة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي رسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها.
١٠٠٠ - * روى أحمد عن ابن جبير قال: فحزرنا ركوعه عشر تسبيحات، وسجوده عشر تسبيحات.
١٠٠١ - * روى أحمد عن أبي العالية قال أخبرني من سمع رسول الله ﷺ يقول: "لكل سورة حظها من الركوع والسجود" قال: ثم لقيته بعد فقلت إن ابن عمر كان يقرأ في الركعة بالسور فهل تعرف من حدثك بهذا الحديث قال إني لأعرفه وأعرف منذ كم حدثنيه، حدثني منذ خمسين سنة.
معنى (لكل سورة حظها) هو: أن يركع ويسجد لكل سورة ويتأتى ذلك إذا قرأ في
стр. 652
كل ركعة سورة تامة ويؤيده رواية الطحاوي لكل سورة ركعة، فالأفضل أن يقرأ بعد الفاتحة بسورة تامة.
والجمع بين السورتين في ركعة من الفرض يجوز عندنا (أي الحنفية) ولكن ينبغي أن لا يفعل ذلك (إعلاء السنن).
- القراءة في المغرب:
١٠٠٢ - * روى الشيخان عن أم الفضل ﵂ قالت: "سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب: (المرسلات عرفاً) ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله". وفي أخرى (١): "ثم ما صلى بعد، حتى قبضه الله ". وفي أخرى (٢)، قال ابن عباس: "إن أم الفضل سمعته يقرأ (والمرسلات عرفاً) فقالت: يا بني، لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب".
١٠٠٣ - * روى البخاري عن مروان بن الحكم قال: "قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولي الطوليين؟ " وزاد أبو داود (٣) قال: قلت: وما طولى الطوليين؟ قال: (الأعراف). قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة؟ فقال لي من قبل نفسه (المائدة) و (الأعراف).
وفي رواية (٤) النسائي، قال: "ما لي أراك تقرأ في المغرب بقصار السور، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ فيها بأطول الطوليين؟ قلت: يا أبا عبد الله، ما أطول الطوليين؟
стр. 653
قال: الأعراف) ".
وفي أخرى (١) له: أنه قال لمروان: يا أبا عبد الملك، أتقرأ في المغرب بـ (قل هو الله أحد) و (إنا أعطيناك الكوثر)؟ قال: نعم، قال: فمحلوفه لقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ فيها بأطول الطوليين: (المص) ".
١٠٠٤ - * روى النسائي عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ "صلى المغرب بسورة (الأعراف)، فرقها في ركعتين".
أقول: إن قراءة رسول الله ﷺ بالأعراف لم تكن سنة دائمة له ﵊، فلعلها لتبيان جواز الإطالة في المغرب إذا كان المأمومون يتحملون ذلك، وفعل مروان في الاقتصار على قصار المفصل في المغرب ليس فيه ما يعاب عليه.
١٠٠٥ - * روى الشيخان عن جبير بن مطعم ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بـ (الطور) ". زاد في رواية (٢): "فلما بلغ هذه الآية (أم خلقوا من غير شيء، أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السموات والأرض؟ بل لا يوقنون، أم عندهم خزائن ربك، أم هم المسيطرون؟) (٣) كاد قلبي أن يطير".
وفي رواية (٤): "أن جبير ابن مطعم- وكان جاء في أسارى بدر- ... وذكر الحديث".
١٠٠٦ - * روى النسائي عن عبد الله بن عتبة بن مسعود: "أن رسول الله ﷺ قرأ في
стр. 654
صلاة المغرب بـ (حم الدخان) ".
١٠٠٧ - * روى مالك عن عبد الله الصنابجي قال: "قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه، حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن، وبهذه الآية (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب) (١).
أقول: هذا دليل لما ذهب إليه الحنفية أن قراءة شيء من القرآن زائد على الفاتحة فيما سوى الركعتين الأوليين من الفريضة لا حرج فيه.
وقال النووي: ٤/ ١٧٤: وأما اختلاف الرواية في السورة في الأخريين فلعل سببه ما ذكرناه من اختلاف إطالة الصلاة وتخفيفها بحسب الأحوال وقد اختلف العلماء في استحباب قراءة السورة في الأخريين من الرباعية والثالثة من المغرب فقيل بالاستحباب وبعدمه وهما قولان للشافعي اهـ.
- القراءة في صلاة العشاء:
١٠٠٨ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء بـ (الشمس وضحاها) ونحوها من السور". وعند النسائي: وأشباهها من السور.
١٠٠٩ - * روى الشيخان عن البراء عن عازب ﵁: "أن النبي صلى الله عليه وسل كان في سفر، فصلى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بـ (التين والزيتون) فما سمعت
стр. 655
أحداً أحسن صوتاً، أو قراءة، منه ﷺ ".
- من سنن الرسول ﷺ في القراءة:
١٠١٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح بـ (قل هو الله أحد) حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، فكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك لتفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى؟ فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، فكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: "يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة كل ركعة؟ " قال: إني أحبها، قال: "حبك إياها أدخلك الجنة".
١٠١١ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ (قل: هو الله أحد) فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه؟ فقال:
стр. 656
لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ : أخبروه أن الله يحبه".
١٠١٢ - * روى الشيخان عن شقيق بن سلمة قال: "جاء رجل يقال له: نهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف: ألفاً تجده، أم ياء (من ماء غير آسن) (١) أو (من ماء غير ياسن)؟ فقال له عبد الله: أو كل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في كل ركعة، فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر، إن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، سورتين في كل ركعة، ثم قام عبد الله، فدخل علقمة في إثره، فقلنا له: سلة عن النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها في كل ركعة، فدخل عليه، فسأله؟ ثم خرج علينا، فقال: عشرون سورة من أول المفصل، على تأليف عبد الله، آخرهن من الحواميم (حم الدخان)، و (عم يتساءلون؟).
وفي رواية أبي داود (٢) عن علقمة، والأسود، قالا: "أتى ابن مسعود رجل، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: هذا كهذ الشعر، ونثراً كنثر الدقل؟ لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر، السورتين في ركعة (الرحمن) و (النجم) في ركعة، و (اقتربت) و (الحاقة) في ركعة، و (الطور) و (الذاريات) في ركعة، و (إذا وقعت) و (ن) في ركعة، و (سأل سائل) و (النازعات) في ركعة، و (ويل للمطففين) و (عبس) في
стр. 657
ركعة، و (المدثر) و (المزمل) في ركعة، و (هل أتى) و (لا أقسم بيوم القيامة) في ركعة، و (عم يتساءلون) و (المرسلات) في ركعة، و (الدخان) و (إذا الشمس كورت) في ركعة. وقال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود.
وفي رواية أخرى (١) لمسلم عن شقيق: (قال عبد الله: إن لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله ﷺ ، عشرين سورة في عشر ركعات، ثم أخذ بيد علقمة، فدخل، ثم خرج إلينا علقمة، فسألناه؟ فأخبرنا بهن).
أقول: قراءة: (ياسن) قراءة شاذة لأنها تخالف رسم المصحف، وقراءة: (آسن) هي القراءة المتواترة، فهذا الجواب الصحيح على سؤال الرجل، وابن مسعود كان يرتب مصحفه ترتيباً فيه انفرادات، وقد أجمعت الأمة على الترتيب العثماني للمصحف، وجمهور العلماء على أن هذا الترتيب توقيفي من الشارع، ومن علم حجة على من لا يعلم، وعلى جلالة قدر ابن مسعود في العلم، فإنه قد يفوته ما عند غيره.
قال النووي في شرح مسلم (٦/ ١٠٤): عند قوله (كل القرآن قد أحصيت غير هذا الحرف):
هذا محمول على أنه فهم منه أنه غير مسترشد في سؤاله إذ لو كان مسترشداً لوجب جوابه وهذا ليس بجواب ..
فقال الرجل: إني لأقرأ المفصل في كل ركعة فقال ابن مسعود: هذاً كهذ الشعر معناه أن الرجل أخبر بكثرة حفظه وإتقانه فقال ابن مسعود: تهذه هذاً وهو شدة الإسراع والإفراط في العجلة وهذا حث على الترتيل والتدبر.
وقوله إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم: معناه أن قوماً ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم وليس ذلك المطلوب.
وقوله عشرون سورة في عشر ركعات: قال القاضي هذا صحيح موافق لرواية عائشة
стр. 658
وابن عباس أن قيام النبي ﷺ كان إحدى عشرة ركعة بالوتر وأن هذا كان قدر قراءته غالباً وأن تطويله الوارد إنما كان في التدبر والترتيل وما ورد من غير ذلك في قراءته البقرة والنساء وآل عمران كان في نادر الأوقات. اهـ ملخصاً.
١٠١٣ - * روى مالك عن حفصة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقرأ بالسورة في الصلاة، فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها".
١٠١٤ - * روى مسلم عن (جابر) رفعه: أفضل الصلاة طول القنوت.
١٠١٥ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة يقول: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان لأمير كان بالمدينة. قال سليمان: فصليت أنا وراءه، فكان يطيل في الأوليين ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، وكان يقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، وفي الأوليين من العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطول المفصل.
قال ابن خزيمة: هذا الاختلاف في القراءة من جهة المباح، جائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها التي يزاد على فاتحة الكتاب فيها بما أحب وشيئاً من سور القرآن، ليس بمحظور عليه أن يقرأ بما شاء من سور القرآن غير أنه إذا كان إماماً، فالاختيار له أن يخفف في القراءة ولا يطول بالناس في القراءة فيفتنهم كما قال المصطفى ﷺ لمعاذ بن جبل: أتريد أن تكون فتاناً، وكما أمر النبي ﷺ الأئمة أن يخففوا الصلاة، فقال: من أم منكم الناس فليخفف اهـ.
قال النووي (٤/ ١٧٤): قال العلماء كانت صلاة رسول الله ﷺ تختلف في الإطالة
стр. 659
والتخفيف باختلاف الأحوال فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل ولا شغل هناك له ولا لهم طول وإذا لم يكن كذلك خفف وقد يريد الإطالة ثم يعرض ما يقتضي التخفيف كبكاء الصبي ونحوه وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف وقيل إنما طول في بعض الأوقات وهو الأقل وخفف في معظمها فالإطالة لبيان جوازها والتخفيف لأنه الأفضل وقد أمر ﷺ بالتخفيف وقال إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة وقيل طول في وقت وخفف في وقت ليبين أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط بل يجوز قليلها وكثيرها وإنما المشترط الفاتحة ولهذا اتفقت الروايات عليها واختلف فيما زاد وعلى الجملة السنة التخفيف كما أمر به النبي ﷺ للعلة التي بينها وإنما طول في بعض الأوقات لتحققه انتفاء العلة فإن تحقق أحد انتفاء العلة طول اهـ. ولكن كما قيل تطويلنا في هذه الأيام كتخفيفهم.
وسيرد معنا أن صلاة الصحابة كانت ثلاثة أضعاف من بعدهم.
١٠١٦ - * روى ابن خزيمة عن حذيفة، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ما مر بآية رحمة إلا وقف عندها- فسأل- ولا مر بآية عذاب إلا وقف عندها فتعوذ. هذا لفظ حديث أبي موسى.
أقول: كان هذا في صلاة الليل ويتوسع فيها ما لم يتوسع في غيره، ويسن لمن يقرأ القرآن في قيام الليل أو يقرأه خارج الصلاة أن يفعل ما فعل رسول الله ﷺ .
١٠١٧ - * روى ابن خزيمة عن إبراهيم التيمي، قال: كان أبي قد ترك الصلاة معنا قلت: ما لك لا تصلي معنا؟ قال: إنكم تخففون الصلاة، قلت، فأين قول النبي ﷺ : "إن فيكم الضعيف والكبير وذا الحاجة؟ " قال: قد سمعت عبد الله بن مسعود يقول
стр. 660
ذلك، ثم صلى بنا ثلاثة أضعاف ما تصلون.
أقول: هذا مذهب لصاحبه وإلا فمهما خفف الإمام فالصلاة معه أفضل.
١٠١٨ - * روى مسلم عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة في تمام.
١٠١٩ - * روى النسائي عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس ﵁ فقال: صليتم؟ قلنا: نعم، قال: يا جارية، هلمي وضوئي، ما صليت وراء إمام أشبه صلاة برسول الله ﷺ من إمامكم هذا- يعني: مر بن عبد العزيز- قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود".
فائدة: في إطالة القراءة وتخفيفها:
الأصل إطالة القراءة في صلاة الفجر من أربعين إلى ستين آية، والأصل في صلاة الظهر والعصر القراءة بمثل سورة الأعلى، والأصل في صلاة المغرب القراءة مثل سورة الزلزلة والأصل في صلاة العشاء القراءة بمثل الظهر والعصر إلا في حالات فقد صلى رسول الله ﷺ المغرب فقرأ في ركعتين سورة الطور، وصلى الفجر فقرأ بالمعوذتين لأسباب والله أعلم (وهبي).
١٠٢٠ - * روى الطبراني عن مصعب بن سعد قال: كان أبي إذا صلى في المسجد تجوز وأتم الركوع والسجود وإذا صلى في البيت أطال الركوع والسجود والصلاة، قلت يا أبتاه إذا صليت في المسجد جوزت وإذا صليت في البيت أطلت. قال: يا بني إنا أئمة يقتدى بنا.
١٠٢١ - * روى أحمد عن أبي جابر الوالدي قال: قلت لأبي هريرة هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي بكم؟ قال: وما أنكرتم من صلاتي؟ قلت أردت أن أسأل عن ذلك، قال: نعم وأوجز قال: وكان قيامه قدر ما ينزل المؤذن من المنارة ويصل إلى الصف، وله
стр. 661
في رواية (١) رأيت أبا هريرة صلى صلاة تجوز فيها.
١٠٢٢ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس في قوله : (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) (٣).
قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه جهر بالقرآن، وقال الدورقي: رفع صوته بالقرآن، وقالا (أي الدورقي والراوي الآخر): فكان المشركون إذا سمعوا. سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله لنبيه ﷺ : (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها).
١٠٢٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قرأ رسول الله ﷺ فيما أمر، وسكت فيما أمر (وما كان ربك نسياً) (٥) و (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (٦).
أقول: من المعلوم أن محل قراءة القرآن في الصلاة هو القيام، وما عدا ذلك فلا يقرأ في الصلاة قرآن على نية القراءة، فالنص يشير إلى ذلك والله أعلم.
١٠٢٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن سخبرة ﵁ قال: "سألنا خباباً:
стр. 662
أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلت: بأي شيء كنتم تعرفون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته".
فائدة: عدم العلم بالشيء لا يعني عدم ذلك الشيء، والمقصود هنا التعليم بالثابت المنقول (وهي) وذكرنا قبل قليل رأي النووي وصاحب (الإعلاء) في الإسرار والجهر بالصلاة.
- القراءة في الليل:
١٠٢٥ - * روى أبو داود عن أبي قتادة رضي الله عن: "أن رسول الله ﷺ خرج ليلة، فإذا هو بأبي بكر يصلي، يخفض من صوته، ومر بعمر يصلي، يرفع من صوته، فسأل أبا بكر؟ فقال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله، وسأل عمر؟ فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان". قال: وزاد الحسن في حديثه: "فقال النبي ﷺ : يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئاً، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئاً".
وأخرجه الترمذي مختصراً: "أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: مررت بك وأنت تقرأ، وأنت تخفض من صوتك؟ " فقال: إني أسمعت من ناجيت، قال: "ارفع قليلاً"، وقال لعمر: "مررت بك وأنت تقرأ، وأنت ترفع من صوتك؟ " قال: [إني] أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان، قال: "اخفض قليلاً".
١٠٢٦ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ بهذه القصة، ولم يذكر، "فقال لأبي بكر: ارفع شيئاً، ولعمر: اخفض شيئاً وزاد: "وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة؟ " قال: كلام طيب يجمع الله بعضه
стр. 663
إلى بعض، قال النبي ﷺ : "كلكم قد أصاب".
أقول: يجوز للمنفرد في قيام الليل عند الحنفية الجهر والإسرار فهو مخير بينهما، وجهره مقيد بأن لا يشوش على غيره، وعليه أن يراعي ما هو الأصلح لقلبه، وفي أمر رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر بفعل ما هو الأحسن في حقهما تأديب للمربين أن يدلوا الإنسان على ما هو الأكمل في حقه.
١٠٢٧ - * روى أحمد عن البياضي ﵁: "أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن".
أقول: كان شيخنا محمد الحامد ﵀ ينهى عن كل ما يشوش على الناس ولو بأن يضع الناس مسجلات أو مكبرات أو ينشدون في المآذن خوفاً من أن يشوش ذلك على طالب أو دارس أخذاً من قوله ﵊: "ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" فإذا كان في حق ما هو خير، فكيف بمن يشوش على الناس بما فيه فساد وشر.
١٠٢٨ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري، قال: اعتكف النبي ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة- زاد عبد الرحمن، وهو في قبة له- وقالا: فكشف الستور وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفعن بعضكم على بعض القراءة".
١٠٢٩ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: "كانت قراءة النبي ﷺ
стр. 664
بالليل: يرفع طوراً، ويخفض طوراً".
١٠٣٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كانت قراءة رسول الله ﷺ على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت".
١٠٣١ - * روى مالك عن أبي سهيل بن مالك عن أبيه، قال: "كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب عند دار أبي جهم بالبلاط".
١٠٣٢ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن عبد الله بن حذافة قام يصلي فجهر بصلاته فقال النبي ﷺ : "يا ابن حذافة لا تسمعني وسمع ربك".
١٠٣٣ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄: "كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة: أنه إذا سلم الإمام قام عبد الله، فقرأ لنفسه فيما يقضي، وجهر".
أقول: يجوز عند الحنفية في هذه الحالة الجهر والإسرار لأنه كالمنفرد في هذه الحالة.
١٠٣٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن شداد قال: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) (١). إذا افتتح الصلاة" قال الحافظ في (الفتح): وصله سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد بهذا، وزاد: في صلاة الصبح، قال الحافظ: وفي الباب حديث عبد الله بن
стр. 665
الشخير: رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، رواه أبو داود والنسائي والترمذي في (الشمائل) وإسناده قوي، وصححه ابن حبان وابن خزيمة.
أقول: هذه الحال من الخشوع والتأثر بالقرآن هي الأصل الأصيل بالنسبة للمسلم، قال تعالى: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً) (١) وقد يتأثر الإنسان بالقرآن ويخشع كأثر عن التدبر، ولا يكون بكاء إلا في بعض الأحوال وذلك طيب، وهو الحال الغالب على رسول الله ﷺ وأصحابه ولقد افتقدنا هذا الحال في عصرنا إلا قليلاً، بل أصبح كثيرون ينطبق عليهم.
١٠٣٥ - * روى الشيخان عن رسول الله ﷺ في الخوارج: (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) وهذه الحال تجب معالجتها وعلى المربين أن يفطنوا لها، فيبدؤون بأنفسهم ويعالجون غيرهم.
- هل يجهر بالتأمين؟ وفضل التأمين:
١٠٣٦ - * روى أبو داود عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال: آمين مد بها صوته.
قال البغوي (٣/ ٥٩): هذا حديث حسن قال محمد بن إسماعيل. حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وأراد به أنه روى شعبة عن سلمة: وخفض بها صوته.
وذهب جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الجهر بالتأمين، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، قال عطاء: كنت أسمع الأئمة- وذكر ابن الزبير ومن بعده- يقولون: آمين، ويقول من خلفه: آمين، حتى إن للمسجد للجة اهـ. ولكن سنده ضعيف.
стр. 666
أقول: عند الحنفية والمالكية التأمين سراً وعند الشافعية والحنابلة سراً في الصلاة السرية وجهراً فيما يجهر فيه بالقراءة.
١٠٣٧ - روى مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
قال البغوي: و (آمين) مخففة الميم، ويجوز ممدوداً ومقصوراً على وزن فعيل، ومعناه: اللهم اسمع واستجب، وقيل: معناه: كذلك فليكن، وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وجاء في الآثار: آمين خاتم رب العالمين، وقيل: معناه: أنه طابع الله على عباده يدفع الله به الآفات والبلايا عنهم، كخاتم الكتاب الذي يصونه، ويمنع من إفساده، وإظهار ما فيه انظر شرح السنة (٣/ ٦٣).
стр. 667
- القراءة المنكوسة والترتيب:
١٠٣٨ - * روى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوساً قال (ذاك منكوس القلب).
استدل به الحنفية على كراهة النكس مطلقاً سواء كان في السور أو في الآيات وسوءا كان خارج الصلاة أو داخلها.
١٠٣٩ - * روى أحمد عن حذيفة قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها ركعة فمضى فقلت يركع بها فمضى ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلاً).
وقرأ الأحنف بالكهف في الأولى وفي الثانية بيوسف أو بيونس وذكر أنه صلى مع عمر ﵁ الصبح بها، علقه البخاري ووصله جعفر الفريابي في كتاب الصلاة له من طريق عبد الله بن شفيق (انظر الفتح ٢/ ٢١٢).
فيعارض قول ابن مسعود هذا على تقدير عمومه لنكس السورة حديث حذيفة وأثر عمر.
لذا قال صاحب الإعلاء (٤/ ١٢٨) الراجح عندي القول باستحباب رعاية الترتيب العثماني
стр. 668
في السور مقيداً بالفرائض دون القول بوجوبها وبإطلاقه.
وعلى هذا فنكس الترتيب بين السور إنما يكره تنزيهاً لكونه خلاف الأفضل، هذا وقد اتفق الفقهاء على منع النكس في ترتيب الآيات لإخلاله بالإعجاز والحكم.
ثم قال صاحب الإعلاء بذلك تجتمع الآثار كلها ولا يشكل ما ثبت عن رسول الله ﷺ وما ثبت عن عمر من النكس في السور فإن الأول ورد في النفل والثاني لبيان الجواز اهـ ملخصاً.
стр. 669
الفصل السادس
في
الركوع والسجود وما يتعلق بهما
عرض إجمالي
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) (١).
والركوع هو الانحناء بالظهر والرأس معاً حتى تبلغ كفا المصلي ركبتيه، وأكمله تسوية ظهره وعنقه بانحناء خالص بحيث يصيران كالصحيفة الواحدة، وينصب ساقيه وفخذيه ويساوي رأسه بعجزه فلا يرفع رأسه ولا يخفضه، ويأخذ ركبتيه بيديه مفرقاً أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه، والمرأة تضم بعضها إلى بعض.
والاطمئنان في الركوع واجب عند الحنفية وفرض عند الجمهور، والاطمئنان أن تستقر أعضاؤه قدر تسبيحة، وقال أبو يوسف من الحنفية: الاطمئنان فريضة.
ويكبر من يريد الركوع، وفي رفع اليدين إلى محاذاة الأذنين خلاف كما رأينا، وقال أبو يوسف من الحنفية والجمهور: الرفع من الركوع والاعتدال قائماً مطمئناً فرض في الصلاة وهو أن يعود إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع سواء أكان قائماً أو قاعداً، وقال أبو حنيفة محمد الرفع واجب، فإذا رفع رأسه من الركوع قال: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، أو: ربنا ولك الحمد، أو: اللهم ربنا ولك الحمد).
ويجمع بينهما المنفرد والإمام ويكتفي المقتدي بالتحميد عند الحنابلة وعلى المعتمد عند الحنفية، وعند المالكية يكتفي الإمام بالتسميع ويسن عند الشافعية الجمع بين التسميع والتحميد في حق كل مصل سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً، ويزيد عند الشافعية والحنابلة على التحميد بما ورد في المأثور، وحمل الحنفية سنية الزيادة على حال الانفراد.
ورفع اليدين إلى حذو المنكبين في الرفع من الركوع فيه خلاف كما رأينا، ومما يسن في الركوع تمكين اليدين من الركبتين وتفريج الأصابع للرجل أما المرأة فلا تفرجها، وأن
стр. 670
يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) مرة على الأقل، وأدنى الكمال ثلاث عند الجمهور، ولا حد له عند المالكية ويضيف المالكية والشافعية والحنابلة (وبحمده)، ولا يزيد الإمام على التسبيحات الثلاث تخفيفاً على المأمومين إلا إذا كان إمام قوم راضين بالتطويل ولا يطيل الإمام الركوع والقراءة لإدراك الجائي بنية ذلك، فذلك مكروه تحريماً عند الحنفية، فإذا اعتدل الراكع قائماً فإنه يكبر ويهوي إلى السجود، وهل يرفع يديه حذو منكبيه؟ في ذلك خلاف.
والسجود كالركوع ركنان بالإجماع، والأصل في السجود أن يكون على اليدين والركبتين وأطراف القدمين وعلى الجبهة والأنف معاً، فذلك كماله، ويفترض لكل ركعة سجدتان، ويجلس بين السجدتين مطمئناً يفترش الرجل رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويوجه أصابعه نحو القبلة، ويضع يديه على فخذيه مبسوطتين بحيث تتساوى رؤوس الأصابع مع الركبة متجهاً بأصابع اليدين إلى القبلة، أما المرأة فتتورك عند الحنفية بأن تجلس على إليتها وتضع الفخذ على الفخذ وتخرج رجلها اليسرى من تحت وركها، ويقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى) مرة في الحد الأدنى وثلاثاً وهو أدنى الكمال، ويضيف المالكية والشافعية والحنابلة (بحمده).
قال الحنفية: ولا يزيد الإمام على الثلاث تخفيفاً على المأمومين، ولا حد للتسبيح عند المالكية ويزيد عند الشافعية إمام قوم راضين بالتطويل بعض ما أثر عن رسول الله ﷺ في سجوده، ولا يدعو المفترض في ركوعه وسجوده عند الحنفية، وما ورد في ذلك فهو محمول على النفل، ويندب الدعاء في السجود عند المالكية بأمور الدين أو الدنيا أو الآخرة له أو لغيره، ولا بأس عند الحنابلة بالدعاء المأثور أو الأذكار، ويتأكد طلب الدعاء في السجود عند الشافعية، وليس عند الحنفية بين السجدتين دعاء مسنون وما ورد فمحمول عندهم على النفل أو التهجد، والدعاء بين السجدتين مشروع عند الشافعية، وقال الحنابلة إنه واجب، وأدناه أن يقول مرة (ربي اغفر لي) وأدنى الكمال عند الحنابلة أن يقول ذلك ثلاث مرات ولا يجوز عند الحنابلة الدعاء في الصلاة بغير الوارد في السنة ولا يجوز بما ليس من أمر الآخرة كحوائج الدنيا وملاذها، وتبطل الصلاة به. والصيغة الأكمل للدعاء بين السجدتين