← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أقول: عند الحنفية والمالكية التأمين سراً وعند الشافعية والحنابلة سراً في الصلاة السرية وجهراً فيما يجهر فيه بالقراءة. ١٠٣٧ - روى مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". قال البغوي: و (آمين) مخففة الميم، ويجوز ممدوداً ومقصوراً على وزن فعيل، ومعناه: اللهم اسمع واستجب، وقيل: معناه: كذلك فليكن، وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وجاء في الآثار: آمين خاتم رب العالمين، وقيل: معناه: أنه طابع الله على عباده يدفع الله به الآفات والبلايا عنهم، كخاتم الكتاب الذي يصونه، ويمنع من إفساده، وإظهار ما فيه انظر شرح السنة (٣/ ٦٣).

стр. 667

- القراءة المنكوسة والترتيب: ١٠٣٨ - * روى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوساً قال (ذاك منكوس القلب). استدل به الحنفية على كراهة النكس مطلقاً سواء كان في السور أو في الآيات وسوءا كان خارج الصلاة أو داخلها. ١٠٣٩ - * روى أحمد عن حذيفة قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها ركعة فمضى فقلت يركع بها فمضى ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلاً). وقرأ الأحنف بالكهف في الأولى وفي الثانية بيوسف أو بيونس وذكر أنه صلى مع عمر ﵁ الصبح بها، علقه البخاري ووصله جعفر الفريابي في كتاب الصلاة له من طريق عبد الله بن شفيق (انظر الفتح ٢/ ٢١٢). فيعارض قول ابن مسعود هذا على تقدير عمومه لنكس السورة حديث حذيفة وأثر عمر. لذا قال صاحب الإعلاء (٤/ ١٢٨) الراجح عندي القول باستحباب رعاية الترتيب العثماني

стр. 668

في السور مقيداً بالفرائض دون القول بوجوبها وبإطلاقه. وعلى هذا فنكس الترتيب بين السور إنما يكره تنزيهاً لكونه خلاف الأفضل، هذا وقد اتفق الفقهاء على منع النكس في ترتيب الآيات لإخلاله بالإعجاز والحكم. ثم قال صاحب الإعلاء بذلك تجتمع الآثار كلها ولا يشكل ما ثبت عن رسول الله ﷺ وما ثبت عن عمر من النكس في السور فإن الأول ورد في النفل والثاني لبيان الجواز اهـ ملخصاً.

стр. 669

الفصل السادس في الركوع والسجود وما يتعلق بهما عرض إجمالي قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) (١). والركوع هو الانحناء بالظهر والرأس معاً حتى تبلغ كفا المصلي ركبتيه، وأكمله تسوية ظهره وعنقه بانحناء خالص بحيث يصيران كالصحيفة الواحدة، وينصب ساقيه وفخذيه ويساوي رأسه بعجزه فلا يرفع رأسه ولا يخفضه، ويأخذ ركبتيه بيديه مفرقاً أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه، والمرأة تضم بعضها إلى بعض. والاطمئنان في الركوع واجب عند الحنفية وفرض عند الجمهور، والاطمئنان أن تستقر أعضاؤه قدر تسبيحة، وقال أبو يوسف من الحنفية: الاطمئنان فريضة. ويكبر من يريد الركوع، وفي رفع اليدين إلى محاذاة الأذنين خلاف كما رأينا، وقال أبو يوسف من الحنفية والجمهور: الرفع من الركوع والاعتدال قائماً مطمئناً فرض في الصلاة وهو أن يعود إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع سواء أكان قائماً أو قاعداً، وقال أبو حنيفة محمد الرفع واجب، فإذا رفع رأسه من الركوع قال: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، أو: ربنا ولك الحمد، أو: اللهم ربنا ولك الحمد). ويجمع بينهما المنفرد والإمام ويكتفي المقتدي بالتحميد عند الحنابلة وعلى المعتمد عند الحنفية، وعند المالكية يكتفي الإمام بالتسميع ويسن عند الشافعية الجمع بين التسميع والتحميد في حق كل مصل سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً، ويزيد عند الشافعية والحنابلة على التحميد بما ورد في المأثور، وحمل الحنفية سنية الزيادة على حال الانفراد. ورفع اليدين إلى حذو المنكبين في الرفع من الركوع فيه خلاف كما رأينا، ومما يسن في الركوع تمكين اليدين من الركبتين وتفريج الأصابع للرجل أما المرأة فلا تفرجها، وأن

стр. 670

يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) مرة على الأقل، وأدنى الكمال ثلاث عند الجمهور، ولا حد له عند المالكية ويضيف المالكية والشافعية والحنابلة (وبحمده)، ولا يزيد الإمام على التسبيحات الثلاث تخفيفاً على المأمومين إلا إذا كان إمام قوم راضين بالتطويل ولا يطيل الإمام الركوع والقراءة لإدراك الجائي بنية ذلك، فذلك مكروه تحريماً عند الحنفية، فإذا اعتدل الراكع قائماً فإنه يكبر ويهوي إلى السجود، وهل يرفع يديه حذو منكبيه؟ في ذلك خلاف. والسجود كالركوع ركنان بالإجماع، والأصل في السجود أن يكون على اليدين والركبتين وأطراف القدمين وعلى الجبهة والأنف معاً، فذلك كماله، ويفترض لكل ركعة سجدتان، ويجلس بين السجدتين مطمئناً يفترش الرجل رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويوجه أصابعه نحو القبلة، ويضع يديه على فخذيه مبسوطتين بحيث تتساوى رؤوس الأصابع مع الركبة متجهاً بأصابع اليدين إلى القبلة، أما المرأة فتتورك عند الحنفية بأن تجلس على إليتها وتضع الفخذ على الفخذ وتخرج رجلها اليسرى من تحت وركها، ويقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى) مرة في الحد الأدنى وثلاثاً وهو أدنى الكمال، ويضيف المالكية والشافعية والحنابلة (بحمده). قال الحنفية: ولا يزيد الإمام على الثلاث تخفيفاً على المأمومين، ولا حد للتسبيح عند المالكية ويزيد عند الشافعية إمام قوم راضين بالتطويل بعض ما أثر عن رسول الله ﷺ في سجوده، ولا يدعو المفترض في ركوعه وسجوده عند الحنفية، وما ورد في ذلك فهو محمول على النفل، ويندب الدعاء في السجود عند المالكية بأمور الدين أو الدنيا أو الآخرة له أو لغيره، ولا بأس عند الحنابلة بالدعاء المأثور أو الأذكار، ويتأكد طلب الدعاء في السجود عند الشافعية، وليس عند الحنفية بين السجدتين دعاء مسنون وما ورد فمحمول عندهم على النفل أو التهجد، والدعاء بين السجدتين مشروع عند الشافعية، وقال الحنابلة إنه واجب، وأدناه أن يقول مرة (ربي اغفر لي) وأدنى الكمال عند الحنابلة أن يقول ذلك ثلاث مرات ولا يجوز عند الحنابلة الدعاء في الصلاة بغير الوارد في السنة ولا يجوز بما ليس من أمر الآخرة كحوائج الدنيا وملاذها، وتبطل الصلاة به. والصيغة الأكمل للدعاء بين السجدتين

стр. 671

عند الشافعية والمالكية والحنابلة: (ربي اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني وارزقني واهدني وعافني). فإذا أراد الساجد أن يقوم إلى الركعة الثانية أو الرابعة، تسن له جلسة خفيفة تسمى جلسة الاستراحة عند الشافعية، ولا تستحب جلسة الاستراحة عند الجمهور فإذا أنهى المصلي ركعتيه في الفجر جلس القعود الأخير، وإذا أنهى ركعتين في الصلوات الأربع الأخرى جلس للقعود الأول، ويجلس للقعود الأخير بعد الثالثة في المغرب (وبعد الرابعة في الصلوات الرباعية). (انظر حاشية ابن عابدين ١/ ٣٠٠ والشرح الصغير وحاشية الصاوي ١/ ٣١٣ والمهذب ١/ ٧٤ و ٧٥ والمغني ١/ ٤٩٩ و ٥١٤ والفقه الإسلامي ١/ ٦٥٥ وما بعدها). وفيما ذكرناه من هيئات الركوع والسجود وما يتعلق بها تفصيلات للفقهاء حول ما هو فريضة منها أو مسنون أو مندوب ستمر معنا أثناء عرض النصوص أو في المسائل والفوائد. وإلى نصوص هذا الفصل: - كيفية الركوع والسجود: ١٠٤٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علمنا رسول الله ﷺ الصلاة، فكبر، ورفع يديه، فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه. قال: فبلغ ذلك سعداً، فقال: صدق أخي، كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا، يعني الإمساك على الركبتين". ١٠٤١ - * روى الترمذي عن عمر بن الخطاب: إن الركب سنة نبيكم ﷺ فخذوا بالركب. ١٠٤٢ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ إذا ركع استوى فلو

стр. 672

صب على ظهره الماء لاستقر. ١٠٤٣ - * روى الحاكم عن علقمة بن وائل عن أبيه: "أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرج أصابعه". ١٠٤٤ - * روى أبو داود عن أبي إسحاق السبيعي قال: وصف لنا البراء بن عازب ﵁ السجود، فوضع يديه واعتمد على ركبتيه، ورفع عجيزته، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يسجد، وفي رواية (١) قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى جنح. ١٠٤٥ - * روى الشيخان عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان ركوع النبي ﷺ ، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع- ما خلا القيام والقعود- قريباً من السواء. وفي رواية (٢)، قال: رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته وجلسته ما بين التسليم والانصراف: قريباً من السواء. وفي أخرى (٣) قال: غلب على الكوفة رجل قد سماه: زمن

стр. 673

بن الأشعث، وسماه غندر في روايته: مطر بن ناجية- فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس، وكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع: قام قدر ما أقول: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، قال الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: سمعت البراء بن عازب يقول: كانت صلاة رسول الله ﷺ : قيامه وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين: قريباً من السواء. قال شعبة: فذكرته لعمرو بن مرة، فقال: قد رأيت ابن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا. وفي رواية أبي داود (١) مثل الرواية الثانية. وله في أخرى (٢)، قال" رمقت رسول الله ﷺ في الصلاة، فوجدت قيامه كركعته وسجدته، واعتداله في الركعة كسجدته، وجلسته بين السجدتين، وجلسته ما بين التسليم والانصراف: قريباً من السواء. وله في أخرى (٣)، قال: كان ركوعه وسجوده وما بين السجدتين: قريباً من السواء. وفي رواية الترمذي (٤) والنسائي (٥)، قال: كانت صلاة رسول الله ﷺ إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود: قريباً من السواء. الاطمئنان في الركوع والسجود: ١٠٤٦ - * روى أحمد عن رفاعة بن رافع: أن رجلاً دخل المسجد فصلى، فذكر الحديث بطوله، وقال: فقال النبي ﷺ : "ثم إذا أنت ركعت فأثبت يديك على

стр. 674

ركبتيك حتى يطمئن كل عظم منك". ١٠٤٧ - * روى أبي داود عن أبي مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجزئ صلاة أحدكم حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود". ١٠٤٨ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أقيموا الركوع والسجود، فو الله، إني لأراكم من بعدي- وربما قال: من بعد ظهري- إذا ركعتم وسجدتم"، وللبخاري: أنه سمع [أي أنس] النبي ﷺ يقول: "أتموا الركوع والسجود، فو الذي نفسي بيده، إني لأراكم من بعد ظهري، إذا ما ركعتم وإذا سجدتم". ١٠٤٩ - * روى البخاري عن سليمان قال: سمعت زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود قال: (ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً ﷺ . ١٠٥٠ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته" قال: وكيف يسرق صلاته قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها". استدل بهذه الأحاديث على فرضية إقامة الصلب في الركوع والسجود وأخذ بذلك الجمهور أما أبو حنيفة ومحمد فقالوا بالوجوب.

стр. 675

النهي عن الافتراش في السجود وعن الإقعاء: ١٠٥١ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: "إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب". ١٠٥٢ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسطن أحدكم ذراعيه انبساط الكلب". وزاد البخاري في رواية أخرى (٣): "وإذا بزق فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، فإنه يناجي ربه". ١٠٥٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا سجد أحدكم فلا يفترش يديه افتراش الكلب، وليضم فخذيه". ١٠٥٤ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبسط ذراعيك كبسط السبع وأدغم على راحتيك، وتجاف عن ضبعيك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك". ١٠٥٥ - * روى مسلم عن طاوس بن كيسان اليماني قال: "قلنا لابن عباس في الإقعاء

стр. 676

على القدمين؟ فقال: هي السنة، فقلنا له: أما تراه جفاء بالرجل؟ فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيكم ﷺ ، وزاد أبو داود بعد (القدمين): (في السجود). أقول: نصب القدمين والجلوس على العقبين بين الركعتين يسمى إقعاء المحدثين ولم يقل باستحبابه من الفقهاء إلا النووي وهو رواية عن الشافعي والظاهر أن السنة الأغلبية لرسول الله ﷺ في الجلوس بين الركعتين كانت افتراش القدم اليسرى ونصب القدم اليمنى كما سنرى ذلك في أحاديث لاحقة، وأما الإقعاء المتفق على كراهته فهو أن يجلس على أليتيه وأن يستند على يديه وأن يرفع ركبتيه ضاماً إياهما إلى الصدر فهذا لا خلاف في كراهته. - كيف يهوي إلى السجود: ١٠٥٦ - * روى أبو داود عن وائل بن حجر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه". وفي رواية (١) لأبي داود، قال: "فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقعا كفاه، فلما سجد وضع جبهته بين كفيه، وجافى عن إبطيه". قال أبو داود: وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه بمثل هذا، وفي حديث أحد رواته: "وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه". قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. اهـ وفي سنده شريك بن عبد الله النخعي القاضي وهو صدوق يخطئ وللحديث شواهد يتقوى بها (انظر شرح السنة ٣/ ١٣٣ وجامع الأصول ٥/ ٣٧٨).

стр. 677

قال أبو سليمان الخطابي: حديث وائل أثبت من هذا- يقصد حديث أبي هريرة الآتي- وزعم بعض العلماء أنه منسوخ وروى في ذلك خبراً ضعيفاً اهـ ملخصاً. قال البغوي واختلف العلماء في هذا- أي تقديم الركبتين أو اليدين- فذهب أكثرهم إلى أنه يضع الركبتين قبل اليدين اهـ ملخصاً. واستدل من قال إنه يقدم يديه بحديث أبي هريرة. أقول: وضع الإنسان ركبتيه ثم يديه ثم وجهه إذا سجد، ورفع وجهه ثم يديه ثم ركبتيه إذا قام، السنة عند الشافعية والحنابلة والحنفية، أما المالكية فيضعون أيديهم قبل ركبهم إذا سجدوا ويعتمدون على أيديهم في القيام، والنص الذي مر معنا حجة للمذاهب الثلاثة، والهيئة الأولى أدل على النشاط والهيئة الثانية تناسب بعض الناس لعارض، والأمر واسع لأن الخلاف حول السنية. ١٠٥٧ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" وفي رواية، قال: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته كما يبرك الجمل". قوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) بلفظ الأمر مشكل لأن البعير يضع يديه قبل رجليه فكيف ينهى عن بروك البعير ثم يأمر بتقديم اليد. ولذا أورده- والله أعلم- صاحب جامع الأصول بلفظ (يضع ..) ولا يرفع هذا الإشكال قول بعضهم ركبتا البعير في يديه لأنه لو كان كما قالوا لقال فليبرك كما يبرك البعير فإن أول ما يمس الأرض من البعير يده. وفي حاشية الترمذي ما نصه: (ولا يخفى أن أول هذا الحديث يخالف آخره لأنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك بروك البعير وما قيل في توقيفه: إن الركبة من الإنسان في الرجلين ومن ذوات الأربع في اليدين فرده

стр. 678

صاحب القاموس في سفر السعادة وقال هذا وهم وغلط ومخالف لأئمة اللغة، وقال ابن القيم: وأما حديث أبي هريرة فقد علله البخاري والترمذي والدارقطني. (انظر الإعلاء ٣/ ٢٦ - ٢٧ وشرح السنة ٣/ ١٣٤ - ١٣٥ وجامع الأصول ٥/ ٣٧٨). ويحتج لمن قال بتقديم اليدين بما: ١٠٥٨ - * روى الدارقطني عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه". وقال: كان النبي ﷺ يفعل ذلك. أخرجه الطحاوي في (شرح المعاني). - صفة السجود: ١٠٥٩ - * روى مسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك". وفي رواية الترمذي (٣)، قال: "قلت للبراء: أين كان النبي ﷺ يضع وجهه إذا سجد؟ فقال: بين كفيه". ١٠٦٠ - * روى مسلم عن ميمونة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد لو أن بهمة أرادت أن تمر بين يديه مرت". وزاد أبو داود (٥) والنسائي (٦) بعد قوله: "سجد":

стр. 679

"جافى بين جنبيه حتى- وفي أخرى (١) للنسائي- كان إذا سجد خوى يده حتى يرى وضح إبطيه من ورائه، وإذا رفع اطمأن على فخذه اليسرى". ١٠٦١ - * روى الشيخان عن عبد الله بن مالك بن بحينة ﵁: كان النبي ﷺ إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه". وفي رواية (٢): كان إذا سجد يجنح في سجوده، حتى يرى وضح إبطيه. (بحينة): أم عبد الله، وأبوه مالك. ١٠٦٢ - * روى أبو داود عن أحمر بن جزء ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، حتى نأوي له". ١٠٦٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده". وفي رواية (٣): "نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة". وفي أخرى (٤): "نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده. وفي أخرى (٥): أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض من الصلاة". ١٠٦٤ - * روى الطبراني عن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا في الصلاة

стр. 680

ورفعنا رؤوسنا من السجود أن نطمئن على الأرض جلوساً ولا نستوفز على أطراف الأقدام". أقول: السنة في الجلوس بين السجدتين أن يفترش الإنسان رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى موجهاً أصابعها نحو القبلة ويجلس عليهما وهما كذلك، أما المرأة فتتورك عند الحنفية كما ذكرنا. ١٠٦٥ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة فرأيته ينهض ولا يجلس قال ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة". أقول: في النص دلالة على أن ابن مسعود لم يكن يرى أن جلسة الاستراحة من السنة وهي سنة عند الشافعية. ١٠٦٦ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر، قال: "نهى النبي ﷺ إذا جلس الرجل في الصلاة أن يعتمد على يده اليسرى". أقول: المنهي عنه هو أن يجلس الإنسان بين السجدتين ويميل على يساره معتمداً على يده اليسرى وهي على الأرض وهذا منهي عنه في القعودين الأول والأخير. - أعضاء السجود: ١٠٦٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه، قال: إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضعهما، وإذا رفعه فليرفعهما.

стр. 681

١٠٦٨ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر: أن ابن عمر كان يقول: "من وضع جبهته بالأرض فليضع كفيه على الذي وضع عليه جبهته، ثم إذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه". مسألة: لو سجد على كوري عمامته إذا كان على جبهته أو على طرف ثوبه أو جزء منه جاز عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ويكره عندهم إلا من عذر. وقال الشافعية: إن سجد على متصل يتحرك بحركته لم يجز وإن كان متعمداً عالماً بطلت صلاته، وإن كان ناسياً أو جاهلاً لم تبطل وأعاد السجود. ١٠٦٩ - * روى الترمذي عن أبي حميد ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه". أقول: يستحب وضع الأنف مع الجبهة عند الشافعية والمالكية في السجود ويجب عند الحنابلة وضع جزء من الأنف، وقال الحنفية: إن اقتصر على الجبهة في السجود دون الأنف جاز مع الكراهة. ١٠٧٠ - * روى أحمد عن أبي إسحاق، قال، سمعت البراء، قال: كان النبي ﷺ يسجد على إليتي الكف. أقول: المراد هنا: أن السجود يكون بباطن الكفين وليس على طرفيهما، وكلما قدر الإنسان أن يمس من باطن كفه الأرض فذلك أفضل. ١٠٧١ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: إني لا آلو أن أصلي

стр. 682

بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي. وفي رواية نحوه (١)، إلا أنه قال: وإذا رفع رأسه بين السجدتين، وللبخاري (٢) قال: كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ ، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي. وفي رواية (٣) أبي داود، قال: "ما صليت خلف رجل أوجر صلاة من رسول الله ﷺ في تمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يكبر ويسجد، وكان يقعد بين السجدتين، حتى نقول: قد أوهم". ١٠٧٢ - * روى الترمذي عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين، ونصب القدمين. وقال: وقد روي عن عامر (٤) مرسلاً. أقول: تنصب القدمان في السجود ويتجه بالأصابع نحو القبلة، فيكون السجود على باطن الأصابع ولا يجزئ أن يسجد على ظاهر قدميه ولا على حرفهما. ١٠٧٣ - * روى النسائي عن يوسف بن ماهك قال: قال حكيم بن حزام: بايعت النبي ﷺ : أن لا أخر إلا قائماً. ١٠٧٤ - * روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: إنه سمع

стр. 683

رسول الله ﷺ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه". فائدة: المنع من كف الشعر لما فيه من حرمانه من السجود، قال ابن حجر الحكمة في ذلك أنه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر (فتح الباري ٢/ ٢٣٥). - المنهي عنه في السجود: ١٠٧٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أمرنا النبي ﷺ أن نسجد على سبعة أعضاء، ولا نكف شعراً ولا ثوباً-: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين. وفي أخرى (٢): أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة- وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر". وفي أخرى (٣)، قال: "أمر النبي ﷺ أن يسجد منه على سبعة: ونهي أن يكفت الشعر والثياب".

стр. 684

١٠٧٦ - * روى الشيخان عن أبي سلمة حدثني معيقيب أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال: "إن كان فاعلاً فواحدة". كره أهل العلم مسح الحصاة في الصلاة ورخص بمرة واحدة تسوية لمكان سجوده ورخص فيه مالك أكثر من مرة. ١٠٧٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود أنه مر على رجل ساجد ورأسه معقوص فحله فلما انصرف قال له عبد الله لا تعقص فإن الشعر يسجد وإن لك بكل شعرة أجراً قال إنما عقصته لكي لا يتترب قال: أن يتترب خير لك. ١٠٧٨ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال إذا سجد أحدكم فلا يسجد مضطجعاً ولا متوركاً فإنه إذا أحسن السجود سجد كل عضو فيه. ١٠٧٩ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر: (أن ابن عمر ﵄ كان إذا سجد وضع كفيه على الذي وضع عليه وجهه، قال نافع: ولقد رأيته في يوم شديد البرد، وإنه ليخرج كفيه من تحت برنس له، حتى يضعهما على الحصباء). ١٠٨٠ - * روى البخاري عن مجزأة بن زاهر: عن رجل من أصحاب الشجرة اسمه أهبان بن أوس، وكان يشتكي ركبتيه، فكان إذا سجد: جعل تحت ركبتيه وسادة.

стр. 685

١٠٨١ - * روى البخاري عن أنس، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا أراد أحدنا أن يسجد بسط ثوبه من شدة الحر وسجد عليه. وقال الصنعاني: فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. ١٠٨٢ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر: أن ابن عمر ﵄ كان يقول: إذا لم يستطع المريض السجود: أومأ برأسه إيماءً، ولم يرفع إلى جبهته شيئاً. - أذكار الركوع والسجود: ١٠٨٣ - * روى أبو داود عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) [الواقعة: ٧٤، ٩٦] قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزلت: (سبح اسم ربك الأعلى) [الأعلى: ١] قال: "اجعلوها في سجودكم". زاد في رواية (٤) قال: وكان رسول الله ﷺ إذا ركع قال: "سبحان ربي العظيم وبحمده- ثلاثاً- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثاً". ١٠٨٤ - * روى الطبراني عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ كان يسبح في ركوعه

стр. 686

سبحان ربي العظيم ثلاثاً وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثاً. ١٠٨٥ - * روى أبو داود عن حذيفة بن اليمان ﵁: أنه صلى مع النبي ﷺ ، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ. ١٠٨٦ - * روى الجماعة إلا الموطأ والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن. ١٠٨٧ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبوح قدوس، رب الملائكة الروح".

стр. 687

أقول: هذان النصان محمولان عند الحنفية على صلاة النافلة أو قيام الليل، وله أن يقول مثل ذلك في الفريضة والنفل عند آخرين. ١٠٨٨ - * روى مسلم عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد". زاد في رواية (٢): "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس". وفي رواية (٣) الترمذي قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم برد قلبي بالثلج والبرد .. الحديث" ولم يذكر أول حديث مسلم. ١٠٨٩ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". ١٠٩٠ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد- وكلنا لك عبد- اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".

стр. 688

١٠٩١ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد". ١٠٩٢ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك لحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد". ١٠٩٣ - * روى مالك عن رفاعة بن رافع ﵁ قال: "كنا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده"، وقال رجل وراءه: ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف قال: "من المتكلم آنفاً؟ " قال: أنا، قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول" هذه رواية البخاري والموطأ. وفي رواية (١) الترمذي قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ ، فعطست فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ : انصرف فقال: "من المتكلم في الصلاة؟ " فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية: "من المتكلم في الصلاة؟ " فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: "من المتكلم في الصلاة؟ " فقال رفاعة: أنا يا رسول الله. فقال: "كيف قلت؟ " قال: قلت: الحمد

стр. 689

لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً أيهم يصعد بها؟ " وأخرج أبو داود (١) والنسائي (٢) نفس الروايتين معاً. قال الحافظ في الفتح: (٢/ ٢٣٨): واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه، وعلى أن العاطس في الصلاة يحمد الله بغير كراهة، وأن المتلبس بالصلاة لا يتعين عليه تشميت العاطس، وعلى تطويل الاعتدال بالذكر. أقول: الزيادة على: اللهم ربنا ولك الحمد، حين الاعتدال من الركوع تسن عند الشافعية والحنابلة وعند الحنفية للمنفرد، أما الإمام فيلحظ استعداد المصلين للتطويل، فلا يطيل ولو ظن أن هنا واحداً على عجل. ١٠٩٤ - * روى مسلم عن ابن عباس، قال: "كشف النبي ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: "أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً. فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم". هذا حديث عبد الجبار. أقول: يندب الدعاء في السجود عند المالكية في الفريضة والنافلة، والحنفية يحملون ما ورد في الندب إلى الدعاء في السجود على النافلة. ١٠٩٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن زياد الأسدي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول وهو راكع لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 690

١٠٩٦ - * روى النسائي عن محمد بن مسلمة ﵁: أن رسول الله ﷺ : "كان إذا قام يصلي تطوعاً يقول إذا ركع: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري ولحمي ودمي ومخي وعصبي لله رب العالمين". ١٠٩٧ - * روى النسائي عن عوف بن مالك ﵁ قال: "قمت مع رسول الله ﷺ ، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة ويقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة". أقول: هذا محمول عند الحنفية على أنه كان يصلي نافلة. ١٠٩٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلانيته". ١٠٩٩ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يقول في سجوده إذا سجد: "سجد لك سوادي وخيالي وآمن بك فؤادي أبوء بنعمتك علي، هذه يدي وما جنيت على نفسي". ١١٠٠ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله بن مسعود

стр. 691

يسوي الحصى بيده مرة واحدة إذا أراد أن يسجد وهو يقول في سجوده لبيك وسعديك. ١١٠١ - * روى الطبراني عن أبي الأسود وشداد بن الأزمع عن ابن مسعود قال: اختلفا فقال أبو الأسود كان عبد الله يقول في سجوده: سبحانك اللهم لا رب غيرك، وقال شداد كان يقول: سبحانك لا إله غيرك. ١١٠٢ - * روى مالك عن عائشة ﵂ قالت: "فقدت رسول الله ﷺ من الفراشن فالتمسته، فوقعت يدي في بطن قدميه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم إني أعوذ بك برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". وفي رواية (٣) قالت: افتقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست، ثم رجعت، فإذا هو راكع- أو ساجد- يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن، وإنك لفي آخر". ١١٠٣ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين".

стр. 692

١١٠٤ - * روى النسائي عن محمد بن مسلمة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يصلي تطوعاً قال إذا سجد: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، اللهم أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين". ١١٠٥ - * روى مسلم عن علي: أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، فذكر الحديث. وقال: ثم إذا سجد قال في سجوده: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين". أقول: هذا الحديث يشهد لمذهب المالكية في الندب إلى الدعاء في السجود ولو كان الإنسان في فريضة. ١١٠٦ - * روى الترمذي عن ابن عباس: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فرأيت كأني قرأت سجدة، فسجدت فرأيت الشجرة كأنها تسجد بسجودي، فسمعتها- وهي ساجدة- وهي تقول: اللهم اكتب لي عندك بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود. قال ابن عباس: فرأيت رسول الله ﷺ قرأ السجدة ثم سجد، فسمعته- وهو ساجد- يقول مثل ما قال الرجل عن كلام الشجرة. ١١٠٧ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ كان

стр. 693

يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني". وفي رواية (١) أبي داود قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". ١١٠٨ - * روى أحمد عن عائشة ﵂: أنها فقدت النبي ﷺ من مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول: "رب أعط نفسي تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها". - ما ورد في جلسة الاستراحة: ١١٠٩ - * روى أبو داود عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيه أبوه وكان من أصحاب النبي ﷺ ، وفي المجلس أبو هريرة وأبو حميد الساعدي وأبو أسيد فذكر الحديث، وفيه: ثم كبر فسجد، ثم كبر فقام، ولم يتورك. (آثار السنن ١ - ١٢٠). ١١١٠ - * روى ابن أبي شيبة عن النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة، قام كما هو، ولم يجلس. (آثار السنن ١/ ١٢١). ١١١١ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمقت عبد الله بن مسعود في

стр. 694

الصلاة فرأيته ينهض ولا يجلس، قال: ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة. (آثار السنن ١ - ١٢١). ١١١٢ - * روى ابن أبي شيبة عن وهب بن كيسان قال: رأيت ابن الزبير ﵁ إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه. (آثار السنن ١ - ١٢١). ١١١٣ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ ينهض على صدور قدميه. قال صاحب الإعلاء (٣/ ٣٩): وقد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به، وإن لم يكن له إسناد يعتمد على مثله اهـ (ص- ١٢). وبعد ذلك فاندفع ما قاله الشوكاني ونصه: وما روى ابن المنذر عن النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو، ولم يجلس، وذلك لا ينافي القول بأنها سنة، لأن الترك لها من النبي ﷺ في بعض الحالات إنما ينافي وجوبها فقط، وكذلك ترك بعض الصحابة لا يقدح في سنيتها لأن ترك ما ليس بواجب جائز اهـ (٢/ ١٦٤) ووجه الاندفاع ما ورد في حديث الترمذي من لفظة كان الدالة على المواظبة، وكذا ورد عند سعيد بن منصور عن ابن مسعود بسند صحيح، وما في [الآثار الأخرى]. بلفظة كان الدالة على المواظبة يدل على أن أكابر الصحابة ﵃. كانوا مواظبين على ترك هذه الجلسة، وذلك ينافي القول بسنيتها قطعاً. وأما ما رواه الجماعة إلا

стр. 695

مسلماً وابن ماجه كما في النيل (١ - ١٦٣) عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً اهـ، فالجواب عنه ما ذكره في الهداية (١ - ٩٢) ونصه: محمول على حالة الكبر، ولأن هذه قعدة استراحة، والصلاة ما وضعت لها اهـ. قلت: [صاحب الإعلاء] ويؤيده ما رواه أبو داود وسكت عنه عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبادروني بركوع ولا بسجود فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت، إني قد بدنت" اهـ. وأما ما رواه البخاري في الاستيذان بعد ما ترجم من رد فقال: عليك السلام (٢ - ٩٢٣) في حديث المسيء صلاته: ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها اهـ فهذا لا يصح الاحتجاج به أصلاً، فإن البخاري أشار إلى أن هذه اللفظة أي قوله: حتى تطمئن جالساً في المرة الثانية وهم، فإنه عقبه بقوله: قال أبو أسامة في الأخير: حتى يستوي قائماً اهـ. صرح به الحافظ في الفتح (٢ - ٢٣١). أو يمكن أن يحمل إن كان محفوظاً على الجلوس للتشهد. ا. هـ فمذهب الحنفية ترك جلسة الاستراحة. وقال الشافعية بجلسة الاستراحة واستدلوا بما روي عن مالك بن الحويرث السابق ذكره. قال البغوي: والجلسة سنة عقيب السجدتين في الركعة الأولى والثالثة عند بعض أهل العلم، ثم يقوم، وبه قال الشافعي. وذهب مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي إلى أنه لا يقعدها. ولا يكبر بعد ما رفع من السجود إلى أن يقوم إلا تكبيرة واحدة بالاتفاق. ا. هـ شرح السنة (٣/ ١٦٥). - فضل السجود: ١١١٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم

стр. 696

السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، فيقول: يا ويله أمر هذا بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود، فعصيت، فلي النار". ١١١٥ - * روى مسلم عن معدان قال: سألت ثوبان مولى رسول الله ﷺ قلت: حدثني حديثاً ينفعني الله سبحانه به، فسكت، ثم قلت: حدثني حديثاً ينفعني الله سبحانه به، فسكت، ثم قلت: حدثني حديثاً ينفعني الله سبحانه به، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد يسجد لله سجدة، إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة". ١١١٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء".

стр. 697

مسائل وفوائد - يحدث أحياناً أن يكتظ المسجد بالناس بسبب مطر أو شدة حر، فيصعب على الناس أن يصلوا إلا حيث يوجد ما يقيهم المطر أو الشمس، وفي بعض الأحوال يضيق على الناس أن يركعوا أو يسجدوا ركوعهم وسجودهم المعتادين، وعندئذ يجوز للإنسان أن يسجد على ظهر من أمامه، وكذلك لو وضع صدره على ظهر من أمامه في الركوع فإن الركوع يصح. قال الشافعية والحنفية والحنابلة: من منعه الزحام من السجود على أرض أو نحوها مع الإمام فله السجود على ظهر المصلي أمامه. ١١١٧ - * روى البيهقي عن عمر: (إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه). - تتحقق عند الحنفية إقامة الركنية في الركوع بمجرد الانحناء بالظهر والرأس حتى تبلغ رؤوس أصابعه ركبتيه، وما زاد على ذلك من اطمئنان فإنه واجب وبقية هيئات الركوع سنة عندهم، وتتحقق عندهم فرضية الاعتدال من الركوع بأدنى قيام. - وتتحقق عند الحنفية ركنية السجود بوضع بعض الجبهة مكشوفة على الأرض أو غيرها من المصلي والقدمين وما زاد على ذلك من هيئات السجود، فهو عندهم إما واجب كالطمأنينة أو سنة. والواجب عند المالكية السجود على أيسر جزء من الجبهة، وهي ما فوق الحاجبين وبين الجبينين ويندب إلصاق جميع الجبهة بالأرض وتمكينها عندهم. - ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده، أما لو سجد على الجبهة دون الأنف جاز مع الكراهة. ويتحقق الفرض عند الحنفية والمالكية بوضع جزء من الجبهة ولو كان قليلاً، والواجب عند الحنفية وضع أكثرها.

стр. 698

- يتحقق فرض وضع الرجلين في السجود ولو بوضع أصبع واحدة من القدمين، والواجب أن يضعهما جميعاً والشافعية والحنابلة متفقون على وجوب السجود على جميع الأعضاء السبعة، ويجب عند الحنابلة وضع جزء من الأنف ويستحب عند الشافعية وضع الأنف مع الجبهة. - تتحقق الفرضية بأدنى رفع من السجدة الأولى إلى السجدة الثانية عند أبي حنيفة ومحمد، والطمأنينة والاعتدال الكامل واجب عندهما، وقال أبو يوسف والأئمة الآخرون إذا لم يعتدل بطلت صلاته. - قال الحنابلة والحنفية: تصح الصلاة على الثلج بحائل أو لا، إذا وجد حجمه لاستقرار أعضاء السجود كما تصح على قطن منتفش وأمثاله إذا وجد حجمه، وإذا كانت الجبهة لا تجد استقراراً لم تصح الصلاة. - وضع الوجه بين الكفين عند الحنفية سنة، ووضعهما حذو المنكبين أثناء السجود هو السنة عند غير الحنفية، ويفرق الساجد بين القدمين والركبتين والفخذين بمقدار شبر عند الشافعية.

стр. 699

الفصل السابع في القنوت في الصلاة عرض إجمالي قال الحنفية والحنابلة: يقنت المصلي في الوتر قبل الركوع عند الحنفية وبعد الركوع عند الحنابلة، ومحل القنوت دائماً في الركعة الأخيرة وقال المالكية والشافعية: يقنت في صلاة الصبح، والأفضل عند المالكية أن يكون قبل الركوع في الركعة الثانية ويكره القنوت في غير الصبح عندهم أم الشافعية فقالوا: يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع من الركعة الثانية، ويستحب عند الحنفية والشافعية والحنابلة القنوت في الصلوات المفروضة إذا نزلت بالمسلمين نازلة على تفصيل في ذلك. والقنوت في النوازل يتناسب مع النازلة وما عدا ذلك يكون بالمأثور كما ثبت عند القائلين به. وصيغة الدعاء في قنوت الوتر عند الحنفية وعند المالكية واحدة وهي المأثورة عن ابن عمر وستأتي معنا. وقنوت الصبح عند المالكية يكون سراً وهو نفس قنوت الوتر عند الحنفية ولا بأس عند المالكية برفع اليدين فيه ويسن عند الشافعية القنوت في اعتدال ثانية الصبح أي بعد الرفع من ركوعها وستأتي صيغته معنا، ويصح الدعاء في القنوت بكل ذكر مشتمل على دعاء وثناء وتكره عندهم إطالة القنوت ويستحب عندهم الجمع بين الدعاء المأثور المبدوء بـ (اللهم اهدني) وبين الدعاء المأثور عند الحنفية والمالكية عن ابن عمر والمبدوء بقوله: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك). والقنوت عند الشافعية في صلاة الصبح من أبعاض الصلاة فإن ترك بعض المأثور أو ترك شيئاً من دعاء القنوت عند الحنفية والمالكية إذا بدء به في حال الجمع بينهما أو ترك الصلاة على النبي ﷺ بعده سجد للسهو كما يسجد للسهو إن ترك القنوت تبعاً لإمامه، أو تركه إمامه وأتى به هو.

стр. 700

وقنوت الوتر ستمر معنا أحكامه أثناء الكلام عن الوتر، أما قنوت الصبح والنوازل فسنتعرض لحكامهما في هذا الفصل. والنازلة التي يشرع القنوت بسببها أن ينزل بالمسلمين خوف أو قحط أو وباء أو اعتداء على بعض المسلمين أو عامة المسلمين، ويجهر في دعائه في قنوت النوازل، ويشرع عند بعض الحنفية في الجهرية فقط، وفي سائر الصلوات المكتوبة عند الشافعية والحنابلة، وهو المعمول به عند الحنفية واستثنى الحنابلة منه صلاة الجمعة اكتفاء بالدعاء في خطبتها. ١١١٨ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سبعين رجلاً لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي ﷺ ، فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ شهراً في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت. قال عبد العزيز بن صهيب: فسأل رجل أنساً عن القنوت، أبعد الركوع، أو بعد فراغ القراءة؟ قال لا، بل عند فراغ القراءة. وفي أخرى (٢)، قال أنس: قنت النبي ﷺ شهراً بعد الركوع، يدعو على أحياء من العرب. وفي رواية (٣)، قال محمد بن سيرين: قلت لأنس: هل قنت رسول الله ﷺ في صلاة؟ قال: نعم بعد الركوع يسيراً. وفي أخرى (٤)، قال: "قنت رسول الله ﷺ شهراً بعد الركوع في صلاة الصبح، يدعو على رعل وذكوان، ويقول: عصية عصت الله ورسوله. وفي أخرى (٥) قال سليمان الأحول: سألت أنساً عن القنوت: قبل الركوع، أو بعد الركوع؟ قال: قبل الركوع. قلت: فإن ناساً

стр. 701

يزعمون أن رسول الله ﷺ قنت بعد الركوع، فقال: إنما قنت رسول الله ﷺ شهراً، يدعو على ناس قتلوا ناساً من أصحابه يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلاً". زاد في رواية (١): "وكان بينهم وبين النبي ﷺ عهد". وفي أخرى (٢): أصيبوا يوم بئر معونة. وفي أخرى (٣): قال: بعث النبي ﷺ سرية يقال لهم: القراء، فأصيبوا، فما رأيت النبي ﷺ وجد على شيء ما وجد عليهم، فقنت شهراً في صلاة الفجر، ويقول: "إن عصية عصت الله". ولمسلم (٤): "أن رسول الله ﷺ قنت شهراً بعد الركوع في صلاة الفجر، يدعو على بني عصية". وللبخاري (٥)، قال: "كان القنوت في المغرب والفجر". أقول: الملاحظ أن الروايات عن أنس متعددة، بعضها يذكر القنوت قبل الركوع في الركعة الثانية من صلاة الفجر وبه أخذ المالكية، وبعضها يذكر القنوت بعد الركوع وبه أخذ الشافعية، وبعضها ذكر التوقيت وبذلك وجه بعضهم الروايات بأن ما فعله الرسول ﷺ كان قنوتاً بسبب النازلة، فلم يروا القنوت لصلاة الفجر، وبعضهم ذكر الفجر مع المغرب ولذلك قال الحنفية بسنية القنوت للنوازل في الصلوات الجهرية. ١١١٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً: في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، من الركعة الآخرة: يدعو على أحياء من سليم، على رعل، وذكوان، وعصية، ويؤمن من خلفه".

стр. 702

أقول: هذا دليل لمن ذهب أن القنوت في النوازل يكون في الصلوات كلها، ومن النص نعرف أن القنوت بعد الرفع من الركوع في الركعة الأخيرة، وأن الإمام يدعو ومن خلفه يؤمنون على دعائه. ١١٢٠ - * روى مسلم عن خفاف بن إيماء ﵁ قال: "ركع رسول الله ﷺ ، ثم رفع رأسه، فقال: "غفار: غفر الله لها، وأسلم: سالمها الله، وعصية: عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان، والعن رعلاً وذكوان"، ثم وقع ساجداً- قال خفاف بن إيماء: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك". قوله: (فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك): هي ما ورد في بعض أدعية القنوت: عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك. ١١٢١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: "أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر- يقول: اللهم العن فلاناً وفلاناً- بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد- فأنزل الله عليه: (ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) (٣). ١١٢٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الثانية، قال: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف"- قال في رواية (٥) - وكان يقول في بعض صلاته: في صلاة الفجر- قال يونس: حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر، ويرفع

стр. 703

رأسه: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" ثم يقول وهو قائم: "اللهم أنج الوليد ... - وذكره ... إلى قوله: كسني يوسف"-. وفي رواية (١) قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد، فقلت: أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء؟ قال: "وما تراهم قد قدموا؟ ". قال البخاري: قال ابن أبي الزناد: "هذا كله في الصبح". وفي أخرى (٢) لهما: أنه قال: لأقربن بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار. وهؤلاء الثلاثة كانوا ممن حبسهم مشركو مكة، فدعا رسول الله ﷺ لهم الله تعالى. أقول: في هذه الروايات دليل على أنه قد تكون النازلة خاصة بأفراد من الأمة الإسلامية، ومع ذلك يقنت من أجلهم المسلمون، وفي الرواية التي جاءت قبل الأخيرتين دليل لمن ذهب إلى أن لا قنوت دائم في الفجر، وهذه الأحاديث كلها في القنوت في المكتوبة في النازلة وقد استدل بها بعضهم على أن القنوت في الوتر بعد الركوع وسبب ذلك قياس الوتر على الفريضة وفي صحة هذا القياس نظر، والصحيح الثابت عن الصحابة هو القنوت قبل الركوع في الوتر (انظر إرواء الغليل ٢/ ١٦٣ - ١٦٦). هذا وقد قال من قال باستمرار القنوت في الفجر أخذاً بروايات ضعفها بعضهم من مثل ما رواه أنس أن رسول الله ﷺ قنت حتى مات- قال في المجمع (٢/ ١٣٩) رجاله موثقون اهـ. لكن فيه الربيع وكانوا يتقون حديثه الذي يرويه أبو جعفر الرازي عنه لأن فيه اضطراباً. كما استدلوا بما. ١١٢٣ - * روى أحمد عن أنس: (صليت خلف رسول الله ﷺ فقنت حتى مات).

стр. 704

١١٢٤ - * روى الطبراني عن عبد الملك بن أبي بكر قال فر عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد بن المغيرة من المشركين إلى رسول الله ﷺ وعياش وسلمة متكفلان مرتدفان على بعير والوليد يسوق بهما فكلمت أصبع الوليد فقال: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت فعلم النبي ﷺ بمخرجهم إليه وشأنهم قبل أن نعلم فصلى الصبح فركع أول ركعة منها فلما رفع رأسه دعا لهم فقال: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف". ١١٢٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "إنما أقنت لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم". أقول: في قوله ﵊: "إنما أقنت لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم" دليل للمالكية فيما ذهبوا إليه أن الدعاء في الصلاة جائز في أمور الدنيا والآخرة، ولكن الأحوط أن لا يدعو الإنسان في أمور الدنيا في صلاة الفريضة مراعاة لمن قال ببطلان الصلاة بسبب ذلك وهم يحملون ما ورد من مثل هذه النصوص على الدعاء الذي فيه مصلحة عامة للمسلمين. ١١٢٦ - * روى ابن خزيمة عن أبي بن كعب في عهد عمر بن الخطاب موقوفاً أنهم كانوا يقنتون بعد النصف، يعني من رمضان.

стр. 705

أقول: والقنوت في آخر ركعة من الوتر في النصف الثاني من رمضان هو الذي عليه عمل الناس اليوم، والحنفية يقنتون على الدوام في الوتر قبل الركوع والشافعية بعد الركوع في النصف الأخير من رمضان. ١١٢٧ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". ١١٢٨ - * روى أبو داود عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: "علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت"، وفي أخرى (٣) لأبي داود، وقال في آخره: قال: "هذا تقول في الوتر في القنوت" ولم يذكر: "أقولهن في الوتر". وله في أخرى (٤) بدل قوله: "أقولهن في الوتر": "أقولهن في قنوت الوتر". أقول: باب الدعاء في قيام الليل والوتر واسع، وصيغه متعددة وقد أخذ الحنفية في قنوت الوتر بصيغة مأثورة عن ابن عمر كما سنرى، والأمر واسع، وهذه الصيغة التي رواها
следующие страницы →