١١٧٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم، وإذا سلمت فعجلت بك حاجة فانطلق قبل أن تقبل بوجهك.
أقول: الظاهر أن الخطاب في الأثر للإمام الذي يندب له بعد الصلاة أن يتوجه إلى المصلين، فله إذا انتهت الصلاة أن يخرج مباشرة لحاجته، وقد يراد بالإقبال الإقبال على أوراد الصلاة وأذكارها فيكون الخطاب موجهاً لكل مصل، وهذا يفيد أن الإمام والمأموم يقتصران على مجرد الصلاة، دون أذكارها إذا كان هناك وضع خاص يقتضي الإقبال على مهمة من دين أو دنيا، كأن يكون الناس في اجتماع يتدارسون فيه أمراً مهماً، والإقبال على الأذكار والدعوات يكون على حساب هذا المهم.
стр. 737
الفصل التاسع
في
الخشوع في الصلاة
قال الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) (١) قال مجاهد: السكون (فيها)، وقال مجاهد في قوله تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) (٢) قال: هو الخشوع والتواضع، والخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في البدن والبصر والصوت، قال تعالى: (وخشعت الأصوات للرحمن) (٣)، أي انخفضت.
١١٨٠ - * روى أحمد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، قال "رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء".
وفي رواية (٥) النسائي "رأيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل- يعني يبكي".
١١٨١ - * روى ابن خزيمة عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا، وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح".
قال ابن خزيمة: قصة أبي بكر الصديق ﵁ لما أمره النبي ﷺ بالصلاة
стр. 738
بالناس، فقيل له: إنه رجل رقيق كثير البكاء حين يقرأ القرآن، من هذا الباب.
١١٨٢ - * روى أبو يعلى عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يبيت فيناديه بلال بالأذان فيقوم فيغتسل فإني لأرى الماء ينحدر على خده وشعره ثم يخرج فيصلي فأسمع بكاءه".
١١٨٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلى النبي ﷺ يوماً، ثم انصرف، فقال: "يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي".
أقول: هذه الحالة هي مما أكرم الله به رسوله ﷺ ، وهذا موضوع للروح دخل فيه، وظاهرة التلباثي التي يتحدث عنها مسلمون وكافرون تبين لنا أن للروح استشفافاتها وحال رسل الله ﷺ لا يشبهه حال وإنما ذكرنا هذا للتقريب.
١١٨٤ - * روى أحمد عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فلما سلم نادى رجلاً كان في آخر الصفوف، فقال: "يا فلان ألا تتقي الله، ألا تنظر كيف تصلي؟ إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه. إنكم ترون أني لا أراكم، إني والله لأرى من خلف ظهري كما أرى من بين يدي".
١١٨٥ - * روى مالك عن النعمان بن مرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما ترون في الشارب والزاني والسارق؟ " وذلك قبل أن تنزل فيهم الحدود، قالوا:
стр. 739
الله ورسوله أعلم، قال: "هن فواحش، وفيهن عقوبة وأسوأ السرقة: الذي يسرق صلاته"، قالوا: كيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها" قال النعمان: وكان عمر يقول: "إن وجه دينكم الصلاة، فزينوا وجه دينكم بالخشوع".
١١٨٦ - * روى أحمد عن أبي قتادة قال رسول الله ﷺ "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته" قالوا يا رسول الله كيف يسرق من صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها أو لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود".
١١٨٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : "أسرق الناس الذي يسرق صلاته"، قيل يا رسول الله كيف يسرق صلاته قال "لا يتم ركوعها ولا سجودها وأبخل الناس من بخل بالسلام".
١١٨٨ - * روى البزار عن بريدة أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من الجفاء أن يبول الرجل وهو قائم أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته أو ينفخ في سجوده".
وقد روي هذا الحديث موقوفاً عن ابن مسعود من طريق قتادة عن عبد الله بن بريدة عن ابن مسعود موقوفاً ومن طريق الجريري عن ابن بريدة عن ابن مسعود موقوفاً، وهنا روي عن سعيد بن عبيد الله ثنا عبد الله بن بريدة عن بريدة مرفوعاً، فأعله لذلك بعضهم بالاضطراب، إذ أن سعيد بن عبيد الله فيه ضعف يسير قال عنه الحافظ (صدوق ربما وهم)، قال البخاري حديث منكر يضطربون فيه، وقال الترمذي: (حديث بريدة في هذا
стр. 740
غير محفوظ، (انظر سنن الترمذي ١/ ١٨)، (السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٢٨٥)، وقال في (النيل ٢/ ٢٦٨): (قال العراقي ورجاله رجال الصحيح، ورأيت بخط الحافظ على كلام زين الدين ما لفظه: وقوله رجاله رجال الصحيح ليس بصحيح)، قال العيني في (شرح البخاري ٣/ ١٣٥): في قول الترمذي هذا نظر، لأن البزار أخرجه بسند صحيح ... ، قال العلامة المباركفوري: (الترمذي من أئمة هذا الشأن فقوله حديث بريدة في هذا غير محفوظ: يعتمد عليه وأما إخراج البزار حديثه بسند ظاهره الصحة فلا ينافي كونه غير محفوظ) انظر (سنن الترمذي ١/ ١٨) تعليق العلامة أحمد شاكر.
١١٨٩ - * روى الطبراني عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: "أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعاً".
١١٩٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة"، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: "لينتهن عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم".
١١٩١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: "لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم".
١١٩٢ - * روى الطبراني عن عبد الله قال ما يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يعود رأسه رأس كلب ولينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم.
стр. 741
١١٩٣ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغفاري قال: قال النبي ﷺ : "لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه".
١١٩٤ - * روى أحمد عن الحارث الأشعري أن النبي ﷺ حدثه أن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يفعل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يفعلوا بهن، يعظ الناس ثم قال: إن الله أمركم بالصلاة، فإذا نصبتم وجوهكم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده حين يصلي له، فلا يصرف عنه وجهه حتى يكون العبد هو ينصرف.
١١٩٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: سألت النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو الاختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
١١٩٦ - * روى أبو داود عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها".
١١٩٧ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: قاروا الصلاة يقول: اسكنوا اطمئنوا.
стр. 742
١١٩٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يوماً لأصحابه وأنا حاضر: "لو كان لأحدكم هذه السارية لكره أن يخدع. كيف يعمل أحدكم فيخدع صلاته التي هي لله، فأتموا صلاتكم فإن الله لا يقبل إلا تاماً".
١١٩٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث ونهاني عن ثلاث، فنهاني عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب".
١٢٠٠ - * روى الشيخان عن عائشة: "صلى رسول الله ﷺ في خميصة لها أعلام فقال: "شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية".
قال البغوي (٣/ ٢٥٦): فيه دليل على كراهية تنقيش مواضع الصلاة، والصلاة على المصلى المنقوش وفيه أن من استثبت خطاً مكتوباً وهو في الصلاة لم تفسد صلاته، وفيه أن التفكر في الشيء لا يبطل الصلاة.
قال عمر إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة.
قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال إني لأضطجع على فراشي فما يأتيني النوم وأقوم إلى الصلاة فما تتوجه إلي القراءة من اهتمامي بأمر الناس، قال مالك: يريد أن يطاع الله ولا يعصى الله.
١٢٠١ - * روى مسلم عن ابن عمر: عن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم على طعام فلا يعجلن حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة".
стр. 743
١٢٠٢ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء". وفي رواية (١) "إذا وضع العشاء".
١٢٠٣ - * روى مسلم عن عائشة: ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان".
١٢٠٤ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا لمن يدافعه الأخبثان".
١٢٠٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم".
١٢٠٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فأتوها، وعليكم السكينة والوقار، فصلوا ما أدركتم، وأتموا ما فاتكم".
١٢٠٧ - * روى الشيخان عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ائتوها وأنتم تمشون، عليكم السكينة فما أدركتم
стр. 744
فصلوا، وما فاتكم فاقضوا".
١٢٠٨ - * روى مسلم عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله".
- حقيقة الخشوع وطرق تحصيله .
مما قلته في كتابنا المستخلص في تزكية الأنفس:
إن الخشوع هو المظهر الأرقى لصحة القلب فإذ يرتفع علم الخشوع فهذا يعني أن القلب المسلم قد خرب، فما ذهب الخشوع إلا وقد غُلب القلب بأمراض خطيرة وأحوال شريرة كحب الدنيا والتنافس عليها، ومتى غلب القلب بالأمراض فقد التطلع إلى الآخرة، ومتى وصل إلى ذلك فلا صلاح للمسلمين، فحب الدنيا يعقبه التنافس عليها، والتنافس عليها لا يقوم به أمر دنيا ودين.
إن فقدان الخشوع علامة على فقدان القلب حياته وحيويته فالموعظة فيه لا تؤثر، والأهواء فيه غلابة، وتصوره بعد ذلك كيف يكون الحال؟ عندما تتغلب الأهواء ولا ينفع وعظ ولا تذكير فعندئذ تتغلب الشهوات ويقوم سوق التنافس على الجاه والغلبة والسيطرة والمال والشهوات. وهذه إذا سيطرت لا يصلح معها دنيا أو دين؟.
والخشوع علم بنص الحديث النبوي، وهذا العلم قل العارفون به، فإذا ظفرت أيها المسلم بالخاشع الذي يستطيع أن يوصلك إلى الخشوع فتمسك به فإنه العالم حقاً إذ هذه علامة علماء الآخرة.
стр. 745
(إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً) (١).
إن علم الخشوع مرتبط بعلم تصفية القلوب من أمراضها وتحققها بصحتها وذلك باب واسع، ولذلك فعلماء الآخرة يبدؤون بتلقين السالك إلى الله الذكر والحكمة حتى يحيا قلبه، فإذا حيي قلبه نقوه من الأوصاف الذميمة ودلوه على الأوصاف الحميدة، وههنا يأتي تعويد قلبه على الخشوع من خلال الحضور مع الله والتأمل في المعاني ولكل ذلك طريقه المشروع عندهم.
وخشوع الجوارح في الصلاة هو ميزان خشوع القلب فبقدر ما تخشع في صلاتك فذلك علامة الخشوع في قلبك، (انظر المستخلص ٣٦ - ٣٧).
قال في مختصر منهاج القاصدين.
"- واعلم أن للصلاة أركاناً وواجبات وسنناً، وروحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فإن الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، ومع عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة، لأن النطق إذا لم يعرب عما في الضمير كان بمنزلة الهذيان، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال، لأنه إذا كان المقصود من القيام الخدمة، ومن الركوع والسجود الذل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضراً، لم يحصل المقصود، فإن الفعل متى خرج عن مقصوده بقي صورة لا اعتبار بها، قال الله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) (٢) والمقصود أن الواصل إلى الله هو الوصف الذي استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة، فلابد من حضور القلب في الصلاة، ولكن سامح الشارع في غفلة تطرأ، لأن حضور القلب في أولها ينسحب حكمه على باقيها.
стр. 746
والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة:
المعنى الأول: حضور القلب كما ذكرنا، ومعناه أن يفرغ القلب من غير ما هو ملابس له، وسبب ذلك الهمة، فإنه متى أهمك أمر حضر قلبك ضرورة، فلا علاج لإحضاره إلا صرف الهمة إلى الصلاة، وانصراف الهمة يقوى ويضعف بحسب قوة الإيمان بالآخرة واحتقار الدنيا، فمتى رأيت قلبك لا يحضر في الصلاة، فاعلم أن سببه ضعف الإيمان، فاجتهد في تقويته.
والمعنى الثاني: التفهم لمعنى الكلام فإنه أمر وراء حضور القلب، لأنه ربما كان القلب حاضراً مع اللفظ دون المعنى، فينبغي صرف الذهن إلى إدراك المعنى بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها، فإن المواد إذا لم تنقطع لم تنصرف الخواطر عنها.
والمواد، إما ظاهرة، وهي ما يشغل السمع والبصر، وإما باطنة وهي أشد كمن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا، فإنه لا ينحصر فكره في فن واحد، ولم يغنه غض البصر، لأن ما وقع في القلب كاف في الاشتغال به.
وعلاج ذلك إن كان من المواد الظاهرة، بقطع ما يشغل السمع والبصر، وهو القرب من القبلة، والنظر إلى موضع سجوده، والاحتراز في الصلاة من المواضع المنقوشة، وأن لا يترك عنده ما يشغل حسه، فإن النبي ﵌ لما صلى في أنبجانية لها أعلام نزعها وقال: "إنها ألهتني آنفاً عن صلاتي".
وإن كان من المواد الباطنة، فطريق علاجه أن يرد النفس قهراً إلى ما يقرأ في الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويستعد لذلك قبل الدخول في الصلاة، بأن يقضي أشغاله، ويجتهد في تفريغ قلبه، ويجدد عل نفسه ذكر الآخرة وخطر القيام بين يدي الله وهول المطلع، فإن لم تسكن الأفكار بذلك، فليعلم أنه إنما يتفكر فيما أهمه واشتهاه، فليترك تلك الشهوات وليقطع تلك العلائق.
واعلم: أن العلة متى تمكنت لا ينفعها إلا الدواء القوي، والعلة إذا قويت جاذبت المصلي وجاذبها إلى أن تنقضي الصلاة في المجاذبة، ومثل ذلك كمثل رجل تحت شجرة أراد أن
стр. 747
يصفو له فكره، وكانت أصوات العصافير تشوش عليه وفي يده خشبة يطيرها بها، فما يستقر فكره حتى تعود العصافير فيشتغل بها، فقيل له. هذا شيء لا ينقطع، فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة، فكذلك شجرة الشهوة إذا علت وتفرقت أغصانها انجذبت إليها الأفكار كانجذاب العصافير إلى الأشجار والذباب إلى الأقذار، فذهب العمر النفيس في دفع ما لا يندفع، وسبب هذه الشهوة التي توجب هذه الأفكار حب الدنيا.
قيل لعامر بن عبد قيس ﵀: هل تحدثك نفسك بشيء من أمور الدنيا في الصلاة؟ فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أن أجد هذا.
واعلم: أن قطع حب الدنيا من القلب أمر صعب، وزواله بالكلية عزيز، فليقع الاجتهاد في الممكن منه، والله الموفق المعين.
المعنى الثالث: التعظيم لله والهيبة، وذلك يتولد من شيئين: معرفة جلال الله تعالى وعظمته، ومعرفة حقارة النفس وأنها مستعبدة، فيتولد من المعرفتين: الاستكانة، والخشوع.
ومن ذلك الرجاء: فإنه زائد على الخوف، فكم من معظم ملكاً يهابه لخوف سطوته كما يرجو بره.
والمصلي ينبغي أن يكون راجياً بصلاته الثواب، كما يخاف من تقصيره العقاب.
وينبغي للمصلي أن يحضر قلبه عند كل شيء من الصلاة، فإذا سمع نداء المؤذن فليمثل النداء للقيامة ويشمر للإجابة، ولينظر ماذا يجيب، وبأي بدن يحضر. وإذا ستر عورته فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق، فليذكر عورات باطنه وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق، وليس لها عنه ساتر، وأنها يكفرها الندم، والحياء، والخوف.
وإذا استقبل القبلة فقد صرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، فصرف قلبه إلى الله تعالى أولى من ذلك، فكما أنه لا يتوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، كذلك القلب لا ينصرف إلى الله تعالى إلا بالانصراف عما سواه.
стр. 748
إذا كبرت أيها المصلي، فلا يكذبن قلبك لسانك، لأنه إذا كان في قلبك شيء أكبر من الله تعالى فقد كذبت، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر بدليل إيثارك موافقته على طاعة الله تعالى.
فإذا استعذت، فاعلم أن الاستعاذة هي لجأ إلى الله سبحانه، فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغواً، وتفهم معنى ما تتلو، وأحضر التفهم بقلبك عند قولك: (الحمد لله رب العالمين)، واستحضر لطفه عند قولك: (الرحمن الرحيم)، وعظمته عند قولك: (مالك يوم الدين)، وكذلك في جميع ما تتلو.
وقد روينا عن زرارة بن أبي أوفى ﵁ أنه قرأ في صلاته: (فإذا نقر في الناقور) [المدثر: ٨] فخر ميتاً، وما ذاك إلا لأنه صور تلك الحال فأثرت عنده التلف.
واستشعر في ركوعك التواضع، وفي سجودك زيادة الذل، لأنك وضعت النفس موضعها، ورددت الفرع إلى أصله بالسجود على التراب الذي خلقت منه وتفهم معنى الأذكار بالذوق.
واعلم: أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدأ، وحصول الأنوار فيه التي بها تتلمح عظمة المعبود، وتطلع على أسراره وما يعقلها إلا العالمون.
فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها، فإنه لا يطلع على شيء من ذلك بل ينكر وجوده. (مختصر منهاج القاصدين ٢٩ - ٣١) وانظر (إحياء علوم الدين ١/ ١٣٤ و ١٤٢) وقال في (شرح السنة ٣/ ٢٦١):
وقال عكرمة عن ابن عباس قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه.
قال سلمان: الصلاة مكيال، فمن أوفى أوفي له، ومن طفف، فقد علمتم ما قال الله للمطففين.
стр. 749
ورأى سعيد بن المسيب رجلاً يعبث في صلاته، فقال: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه.
وقال مجاهد في قوله (فإذا فرغت فانصب) قال إذا فرغت من دنياك، فانصب في صلاتك، (وإلى ربك فارغب) اجعل نيتك ورغبتك إلى ربك.
وقال مجاهد في قوله (وقوموا لله قانتين) (البقرة: ٢٣٨] قال: من القنوت. الركود، والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله. ا. هـ.
стр. 750
مسائل وفوائد
- في عملية التفصيل الفقهي في الصلاة يتحدث عما هو ركن وواجب وسنة وأدب لتبيان قوة الإلزام في النصوص، وللفتوى فيما يبطل الصلاة أو لا يبطلها، ولتراعى بعض الحالات الاستثنائية التي لا يكون فيها أمام المسلم الخيار إلا أن يراعي الأهم فالمهم.
والأصل في الصلاة أن تؤدى تامة الأركان والواجبات والسنن والآداب، والعلم ينبغي أن يزيد من حرص العالم على الكمال ولكن بعض الناس يعكسون الأمر، فيتساهلون في واجبات أو سنن أو آداب، فهؤلاء لم يكن العلم في حقهم هو العلم النافع، والنصوص التي مرت معنا في هذا الفصل تحذر أمثال هؤلاء كما تحذر الجاهلين من أن ينتقص الإنسان من صلاته.
- الخشوع من مقاصد الإسلام العظيمة في الصلاة وتلاوة القرآن وفي الحياة العامة، فالأصل في المسلم أن يكون خاشعاً في الصلاة وخارجها قال تعالى: (وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم، والمقيمي الصلاة) (١)، وقال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون) (٢). وفي شأن تعظيم الخشوع في الصلاة قال تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) (٣) وقال تعالى: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرجوا سجداً وبكياً) (٤) وفي شأن الخشوع لسماع القرآن قال تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل على الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) (٥) (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً) (٦).
стр. 751
- ولأهمية الخشوع في الصلاة نهى الشارع أن يصلي الإنسان وهناك صارف طبيعي يصرفه عن الخشوع كوجود الطعام، ونهى عن إتيان الصلاة إلا بهيئة خشوع فلا يركض الإنسان من أجلها وأمر بإتمام هيئاتها الظاهرة من طمأنينة وعدم التفات وأمر بالإقلال من الحركة، ونهى عما يصرف عن الخشوع من نظر إلى السماء أو انشغال فيها عما ليس منها.
ومن هنا نعرف أن للخشوع سمتاً ظاهراً وهو أن تؤدى الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها وآدابها، وكما أن للخشوع مظهراً خارجياً فإن له حقيقة باطنة وهي التدبر والتأثر. وذروة التأثر أن تفيض العينان بالبكاء من خشية الله .
- والخشوع علم بنص الحديث الذي رواه أبو الدرداء، وهذا العلم قل العارفون به ولذلك قل الخشوع، ومبنى علم الخشوع معرفة علم ما يصلح القلب وما يفسده ومعالجة فساد القلوب للوصول بها إلى القلب السليم، (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) (١).
- ولا شيء أصلح للقلب من كثرة ذكر الله ، قال تعالى: (ويهدي إليه من أناب، الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (٢).
وأول ما يقبل الإنسان على الله بالذكر، يذكر مع الغفلة، فإذا استمر مع الذكر نقله الله إلى الحضور معه، فإذا استمر على الذكر وصل إلى مقام المراقبة والمشاهدة، فإذا أديت الصلاة في هذين المقامين فذلك من كمال الخشوع.
- من مظاهر الخشوع عند الحنفية نظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً، وإلى ظاهر قدميه راكعاً وإلى أرنبة أنفه ساجداً وإلى حجره جالساً وإلى منكبيه مسلماً، وأن يمسك فمه عند التثاؤب فإن لم يقدر غطاه بظهر يده اليسرى أو بكمه بأقل ما يمكن من الحركة، وأن يدفع السعال ما استطاع، والسعال عندهم بلا عذر يفسد الصلاة إذا خرج حرفان أو أكثر بسببه، ومما ينبغي أن يلاحظه الإنسان بأن يقوم إلى الصلاة بنشاط، قال تعالى في وصف
стр. 752
المنافقين: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) (١) وقال الشافعية ويسن للمصلي أن يفرغ قلبه من الشواغل الدنيوية لأنه أعون على الخضوع والخشوع.
ونحن إذ اقتصرنا في فضل الخشوع على ما ذكرناه من نصوص فلأن النصوص المرتبطة بالخشوع كثيرة جداً، تمر بمناسبات متعددة، فاقتصرنا ها هنا لأن النصوص الأخرى لا تغيب عن القارئ إذا جاءت في مناسباتها.
стр. 753
الفصل العاشر
في بعض أدعية الصلاة وأذكارها المأثورة
من خلال الفصول السابقة ورد معنا كثير من الأذكار في فضل القنوت وفضل القراءة والاستفتاح والسجود والركوع، وهنا نؤكد على بعض المعاني ونستكمل ما لم يذكر.
نصوص جامعة عامة:
١٢٠٩ - * روى مسلم عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال:
"وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك، وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك".
وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي".
وإذا رفع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد".
وإذا سجد قال: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد
стр. 754
وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين.
ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت".
١٢١٠ - * روى الشيخان عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم".
١٢١١ - * روى أحمد عن أبي صالح ﵀ عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ "أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "كيف تقول في الصلاة؟ " قال: أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ودندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ : "حول ذلك ندندن أنا ومعاذ".
١٢١٢ - * روى النسائي عن عطاء بن السائب ﵀ عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة، فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت وأوجزت الصلاة، فقال: أما علي ذلك، لقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ ، فلما قام تبعه رجل
стр. 755
من القوم- هو أبي، غير أنه كنى عن نفسه- فسأله عن الدعاء؟ ثم جاء، فأخبر به القوم: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين".
وفي رواية عن قيس بن عباد قال: صلى عمار بن ياسر بالقوم صلاة أخفها، فكأنهم أنكروها، فقال: ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلى، قال: أما إني دعوت فيها بدعاء كان النبي ﷺ يدعو به: اللهم ... وذكر الحديث، وفيه كلمة: الإخلاص، بدل: الحق".
١٢١٣ - * روى النسائي عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: "كنت أبيت عند حجرة النبي ﷺ ، فكنت أسمعه إذا قام من الليل يقول "سبحان رب العالمين، الهوي، ثم يقول: سبحان الله وبحمده، الهوي".
وفي رواية (٢) الترمذي: "كنت أبيت عند باب النبي ﷺ ، فأعطيه وضوءه فأسمعه يقول الهوي من الليل: "سمع الله لمن حمده، وأسمعه الهوي من الليل يقول: الحمد لله رب العالمين".
هذا النص يدل على أن للتسبيح والتحميد في تهجد رسول الله ﷺ محلاً كبيراً.
١٢١٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس أن النبي ﷺ مر بأعرابي وهو يدعو في
стр. 756
صلاته وهو يقول: يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، ولا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك فيه، فوكل النبي ﷺ بالأعرابي رجلاً فقال: "إذا صلى فائتني به"، فلما صلى أتاه وقد كان أهدي له ذهب من بعض المعادن، فلما أتاه الأعرابي وهب له الذهب وقال: "ممن أنت يا أعرابي؟ " قال من بني عامر بن صعصعة، قال: "هل تدري لم وهبت لك الذهب؟ " قال للرحم بيننا وبينك، قال: "إن للرحم حقاً، ولكن وهبت لك الذهب بحسن ثنائك على الله تعالى".
أقول: من دعاء هذا الأعرابي نعرف كم ارتقت المعرفة بالله عند أي إنسان صحب رسول الله ﷺ ، وهذا شيء يجب أن يلحظه المربون فأول ما يعمقونه في قلوب أصحابهم معرفة الله وتنزيهه من خلال العلم والذكر وتلاوة القرآن الكريم.
١٢١٥ - * روى أحمد عن زادان عن رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنه سمع النبي ﷺ في صلاته وهو يقول: "اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة".
١٢١٦ - * روى أبو داود والترمذي عن ابن عمر بإسناد حسن صحيح أنه كان يعد للرسول ﷺ : "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" والظاهر من هذا النص أن الرسول ﷺ كان يفعل ذلك في بعض مجالسه خارج الصلاة، وحديث زادان يدل على أنه فعل ذلك في صلاة نافلة.
١٢١٧ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن أم سليم غدت على رسول
стр. 757
الله ﷺ ، فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي، فقال: "كبري الله عشراً، وسبحي الله عشراً، واحمديه عشراً، ثم سلي ما شئت"، يقول: "نعم، نعم".
الضمير في قوله يقول نعم: يعود على الله .
١٢١٨ - * روى أحمد عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهم حاسبني حساباً يسيراً". فلما انصرف، قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: "ينظر في كتبه ويتجاوز له عنه. إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك. وكل ما يصيب المؤمن يكفر الله به عنه حتى الشوكة تشوكه".
١٢١٩ - * روى أحمد عن يحيى بن حسان يعني الفلسطيني عن رجل من بني كنانة قال صليت خلف النبي ﷺ عام الفتح فسمعته يقول: "اللهم لا تخزني يوم القيامة".
- أدعية الاستفتاح:
سبق معنا الحديث عن ذلك ونؤكد هنا بعض المعاني لمناسبة الباب:
١٢٢٠ - * روى الشيخان عن أبي هريرة قال: سكت رسول الله ﷺ بين التكبير والقراءة إسكاتة قال: حسبته قال: هنيهة، قال: قلت بأبي وأمي يا رسول الله أرأيت إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد".
١٢٢١ - * روى أحمد عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة قال:
стр. 758
"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
بعد أن ذكر الإمام النووي- وهو شافعي- هذه الأذكار وما ورد في حديث علي ﵁ في الفقرة السابقة قال: (فصل) هذا ما ورد من الأذكار في دعاء التوجه، فيستحب الجمع بينها كلها لمن صلى منفرداً وللإمام إذا أذن له المأمومون.
واعلم أن هذا الذكر مستحب في الفريضة والنافلة، فلو تركه في الركعة الأولى عامداً أو ساهياً لم يفعله بعدها لفوات محله، ولو فعله كان مكروهاً ولا تبطل صلاته، ولو تركه عقيب التكبيرة حتى شرع في القراءة أو التعوذ فقد فات محله فلا يأتي به، فلو أتى به لم تبطل صلاته، ولو كان مسبوقاً أدرك الإمام في إحدى الركعات أتى به إلا أن يخاف من اشتغاله به فوات الفاتحة، فيشتغل بالفاتحة فإنها آكد لأنها واجبة، وهذا سنة.
ولو أدرك المسبوق الإمام في غير القيام إما في الركوع وإما في السجود وإما في التشهد أحرم معه وأتى بالذكر الذي يأتي به الإمام، ولا يأتي بدعاء الاستفتاح في الحال ولا فيما بعد.
واختلف أصحابنا في استحباب دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة، والأصح أنه لا يستحب لأنها مبنية على التخفيف. واعلم أن دعاء الاستفتاح سنة ليس بواجب، ولو تركه لم يسجد للسهو، والسنة فيه الإسرار، فلو جهر به كان مكروهاً ولا تبطل صلاته. ا. هـ.
- التعوذ بعد الاستفتاح:
١٢٢٢ - * روى أبو داود أن النبي ﷺ قال قبل القراءة في الصلاة "أعوذ بالله من
стр. 759
الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه" في رواية (١): "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" وجاء في تفسيره في الحديث، أن همزه: الموتة وهي الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر، والله أعلم.
قال النووي- وهو شافعي:
(فصل) اعلم أن التعوذ مستحب ليس بواجب، لو تركه لم يأثم ولا تبطل صلاته سواء تركه عمداً أو سهواً ولا يسجد للسهو، وهو مستحب في جميع الصلوات الفرائض والنوافل كلها، ويستحب في صلاة الجنازة على الأصح، ويستحب للقارئ خارج الصلاة بإجماع أيضاً.
(فصل) واعلم أن التعوذ مستحب في الركعة الأولى بالاتفاق، فإن لم يتعوذ في الأولى أتى به في الثانية، فإن لم يفعل ففيما بعدها، فلو تعوذ في الأولى هل يستحب في الثانية؟ فيه وجهان لأصحابنا، وإذا تعوذ في الصلاة التي يسر فيها بالقراءة أسر بالتعوذ، فإن تعوذ في التي يجهر فيها بالقراءة فهل يجهر؟ فيه خلاف.
وكان ابن عمر ﵄ يسر، وهو الأصح عند جمهور أصحابنا، وهو المختار، والله أعلم.
(انظر الأذكار ٤٥).
- أذكار الركوع والرفع منه واعتداله:
١٢٢٣ - * روى مسلم من حديث حذيفة أن رسول الله ﷺ قال في ركوعه الطويل
стр. 760
الذي كان قريباً من قراءة البقرة والنساء وآل عمران "سبحان ربي العظيم" ومعناه: كرر سبحان ربي العظيم فيه، كما جاء مبيناً في سنن أبي داود وغيره. وجاء في كتب (١) السنن أنه ﷺ قال: "إذا قال أحدكم سبحان ربي العظيم ثلاثاً فقد تم ركوعه".
١٢٢٤ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده. "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي".
١٢٢٥ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده "سبوح قدوس رب الملائكة والروح".
١٢٢٦ - * عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "فأما الركوع فعظموا فيه الرب".
واعلم أن الذكر في الركوع سنة عندنا وعند جماهير العلماء، فلو تركه عمداً أو سهواً لا تبطل صلاته ولا يأثم ولا يسجد للسهو. وذهب الإمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب، فينبغي للمصلي المحافظة عليه للأحاديث الصريحة الصحيحة في الأمر به كحديث: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" وغيره مما سبق، وليخرج عن خلاف العلماء ﵏، والله أعلم.
(فصل) يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود، فإن قرأ غير الفاتحة لم تبطل صلاته، وكذا لو قرأ الفاتحة لا تبطل صلاته على الأصح، وقال بعض أصحابنا: تبطل.
١٢٢٧ - * روى مسلم عن علي ﵁ قال: "نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعاً
стр. 761
أو ساجداً". (انظر الأذكار ٥١).
١٢٢٨ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: "ربنا لك الحمد" وفي روايات "ولك الحمد" بالواو، وكلاهما حسن وروينا مثله في الصحيحين عن جماعة من الصحابة.
١٢٢٩ - * روى مسلم عن علي وابن أبي أوفى ﵃ أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه قال: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد".
١٢٣٠ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
(فصل) اعلم أنه يستحب أن يجمع بين هذه الأذكار كلها على ما قدمناه في أذكار الركوع، فإن اقتصر على بعضها فليقتصر على سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، فإن بالغ في الاقتصار اقتصر على سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، فلا أقل من ذلك.
واعلم أن هذه الأذكار كلها مستحبة للإمام والمأموم والمنفرد، إلا أن الإمام لا يأتي بجميعها إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل.
واعلم أن هذا الذكر سنة ليس بواجب، فلو تركه كره له كراهة تنزيه ولا يسجد
стр. 762
للسهو، ويكره قراءة القرآن في هذا الاعتدال كما يكره في الركوع والسجود، والله أعلم. (انظر الأذكار ٥٣).
- أذكار السجود:
١٢٣١ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي".
١٢٣٢ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ ما قدمناه في الركوع أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبوح قدوس، رب الملائكة والروح".
١٢٣٣ - * روى مسلم أيضاً عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد قال: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين".
١٢٣٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره".
١٢٣٥ - * روى مسلم عن حذيفة أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفي سجوده "سبحان ربي الأعلى"، وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ.
فائدة: إذا سجد للتلاوة استحب أن يقول في سجوده ما ذكرناه في سجود الصلاة
стр. 763
ويستحب أن يقول معه.
١٢٣٦ - * روى الترمذي عن ابن عباس "اللهم اجعلها لي عندك ذخراً وأعظم لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من داود ﵇". ويستحب أن يقول أيضاً "سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً" نص الشافعي على هذا الأخير أيضاً. (انظر الأذكار ٥٥).
- ما يقول بعد التشهد:
١٢٣٧ - * رو أبو داود عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ فقال: "عجل هذا" ثم دعاه فقال له: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بعد بما شاء".
١٢٣٨ - * روى النسائي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول في صلاته بعد التشهد: "أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد".
أقول: هذا محمول على أن ذلك في صلاة نافلة أو أن المراد بالتشهد القعود الأخير، وأن هذا كان يقوله بعد السلام، ويمكن أن يحمل هذا الكلام على أن المراد به الإقرار كالإقرار بالشهادتين، وعندئذ فمحله بعد التشهد مباشرة وقبل الصلاة على النبي ﷺ .
стр. 764
١٢٣٩ - * روى أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ كان من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت".
أقول: محل هذا الدعاء بعد الصلوات الإبراهيمية وقبل السلام، ومثله كل دعاء ورد قبل السلام فإن محله بعد الصلوات الإبراهيمية كما استقر عليه العمل.
١٢٤٠ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال".
هذا لفظ مسلم، ووافقه البخاري على الاستعاذة، ولم يذكر التشهد.
وفي رواية (٣) أبي داود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربع ... " وذكرها.
وزاد (٤) النسائي: "ثم ليدع لنفسه بما بدا له".
أقول: مما يدل على أن هذه الدعوات محلها بعد الصلاة على رسول الله ﷺ الجمع بين روايتي أبي داود والبخاري ثم القياس العام وهو أن يقدم الإنسان بين يدي دعائه الصلاة على
стр. 765
رسول الله ﷺ .
١٢٤١ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف".
في رواية (٢) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال.
١٢٤٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم من الدعاء بعد التشهد: "ألف اللهم على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابليها، وأتمها علينا".
стр. 766
مسائل وفوائد
- إنه من خلال الأذكار والدعوات الواردة في نصوص الكتاب والسنة يتعرف الإنسان حق المعرفة على الله ويأخذ تصوراً عاماً عما هو خير وعما هو شر وتأثير ذلك على صحة القلوب واستقامة السلوك كبير جداً، ولذلك كان من المهم الاعتناء بالأذكار المأثورة وهي مبثوثة في آيات كثيرة ونصوص كثيرة من السنة النبوية، ويكاد الإنسان أن يجد شيئاً منها في أكثر الموضوعات التي تمر عليه وهو يدرس السنة.
- يطلب من الإمام أن يدعو لنفسه ولمن يصلي معه فذلك جزء من مهمات الإمام، وبشكل عام إذا دعا المسلم معمماً في دعائه فذلك أكثر أجراً وأقرب إلى الاستجابة، ولكن له أن يخص نفسه.
- يندب الدعاء بالمأثور في الصلاة مراعاة لمذهب الحنفية الذين لا يرون جواز الدعاء في الصلاة بما يشبه كلام الناس، وأما خارج الصلاة فيطلب الإنسان من الله كل شيء مباح أو مطلوب.
- على غير العربي أن يتعلم الدعاء بالعربية في صلاته، قال الحنفية: الدعاء في الصلاة بغير العربية حرام، وأجاز الشافعية ترجمة الدعاء للعاجز عن العربية.
стр. 767
الفصل الحادي عشر
في بعض الأدعية والأذكار المأثورة بعد الصلاة
١٢٤٣ - * روى مسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك"- أو "تجمع عبادك".
١٢٤٤ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام فصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة".
مر معنا أن الصلاة عند طلوع الشمس مباشرة منهي عنها إلا بعد أن ترتفع قدر رمح أو رمحين أي حوالي ثلث ساعة على الأقل، فالمراد بالحديث أن يصلي الإنسان بعد طلوع الشمس الذي تجوز عنده الصلاة.
١٢٤٥ - * روى الطبراني في الصغير عن جبار بن سمرة أن النبي ﷺ كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس".
١٢٤٦ - * روى الطبراني عن مدرك قال مررت ببلال وهو جالس حين صلى الغداة فقلت ما يجلسك يا أبا عبد الله قال أنتظر طلوع الشمس.
١٢٤٧ - * روى أحمد عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "لأن أقعد أذكر الله
стр. 768
وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق رقبتين من ولد إسماعيل ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقبات من ولد إسماعيل"، وفي رواية "لأن أذكر الله إلى طلوع الشمس أكبر وأهلل وأسبح أحب إلى من أن أعتق أربعاً من ولد إسماعيل ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحب إلى من أن أعتق كذا وكذا من ولد إسماعيل".
١٢٤٨ - * روى البخاري عن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال: أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية: أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". زاد في رواية (٢): "وكتب إليه: أنه كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وكان ينهى عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات".
وفي رواية (٣) قال وراد: "ثم وفدت بعد على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك".
стр. 769
ولم يخرج مسلم إلا ذكر ما يقال في دبر الصلوات، وأخرج في موضع آخر الزيادة التي ذكرها البخاري (١) وقال في آخر إحدى رواياته:
(كم مرة يقول ذلك؟). وله في أخرى إلى قوله: (على كل شيء قدير) ثم زاد: (ثلاث مرات). وفي رواية لابن حبان (٢). "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من نقمتك وأعوذ بك منك، اللهم لا مانع لما أعطيت" وساق الحديث بنحوه.
١٢٤٩ - * روى الطبراني عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ كان يقول في دبر الصلاة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير".
١٢٥٠ - * روى مسلم عن عروة بن الزبير ﵄ كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون" وقال: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة.
стр. 770
وفي رواية (١) قال أبو الزبير: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب على هذا المنبر، وهو يقول: كان رسول الله ﷺ يقول إذا سلم في دبر الصلاة، أو قال: الصلوات ... ثم ذكر مثله".
١٢٥١ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال دبر كل صلاة الغداة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير مائة مرة قبل أن يثني رجليه كان يومئذ من أفضل أهل الأرض عملاً إلا من قال مثل ما قال أو زاد على ما قال".
١٢٥٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عتبة قال بينما ابن مسعود في المسجد وهو يدعو مر رسول الله ﷺ وأبو بكر فلما حاذاه رسول الله ﷺ سمع دعاءه ورسول الله ﷺ لا يعرفه فقال "من هذا سل تعطه" فرجع أبو بكر إلى عبد الله بن مسعود فقال: الدعاء الذي كنت تدعو به فقال حمدت الله ومجدته ثم قلت اللهم لا إله إلا أنت وعدك حق ولقاؤك حق وكتابك حق والنبيون حق ومحمد ﷺ حق والجنة حق والنار حق ورسلك حق.
١٢٥٣ - * روى أبو داود عن الفضل بن حسن الضمري ﵀ أن ابن أم الحكم أو ضباعة بنتي الزبير- حدثه عن إحداهما- قالت: أصاب رسول الله ﷺ سبياً، فذهبت أنا وأختي فاطمة بنت رسول الله، فشكونا إليه ما نحن فيه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السبي؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : "سبقكن يتامى بدر، ولكن سأدلكن على ما هو خير لكن من ذلك: تكبرن الله على أثر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين
стр. 771
تكبيرة، وثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، هو على كل شيء قدير".
١٢٥٤ - * روى أحمد عن علي أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة بعث بها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحيين وسقاء وجرتين فقال علي لفاطمة ذات يوم والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه فقالت وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي فأتت رسول الله ﷺ فقال: "ما جاء بك أي بنية" قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيا جميعاً النبي ﷺ فقال علي: يا رسول الله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخذ منا فقال: "لا والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم" فرجعا. فأتاهما النبي ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما وإذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما فثارا فقال "مكانكما". ثم قال: "ألا أخبركما بخير مما سألتماني"، قالا: بلى، قال: "كلمات علمنيهن جبريل ﷺ فقال: تسبحان دبر كل صلاة عشراً وتحمدان عشراً وتكبران عشراً فإذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين" قال: فو الله ما تركتهن منذ سمعت ذلك من رسول الله ﷺ قال: فقال له ابن الكوا: ولا ليلة صفين فقال قاتلكم الله يا أهل العراق ولا ليلة صفين.
١٢٥٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إن الأغنياء يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم،
стр. 772
ولهم أموال يعتقون ويتصدقون، قال: "فإذا صليتم، فقولوا: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة، والله أكبر أربعاً وثلاثين مرة، ولا إله إلا الله عشر مرات، فإنكم تدركون به من سبقكم، ولا يسبقكم من بعدكم".
وقال الترمذي (١): وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خصلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة: يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً وثلاثين، ويسبح الله عند منامه عشراً، ويحمده عشراً، ويكبره عشراً".
وقال الترمذي: وفي الباب عن زيد بن ثابت وأنس وابن عباس أقول: ورواه أيضاً أحمد (٢) والبخاري (٣) في الأدب المفرد، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦) وصححه (٧) ابن حبان، وهو حديث صحيح. [م].
١٢٥٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "خصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله في دبر كل صلاة عشراً، ويحمده عشراً، ويكبره عشراً، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويسبح ثلاثاً وثلاثين، فتلك مائة باللسان،
стр. 773
وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة".
١٢٥٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من سبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين فذلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".
١٢٥٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم ثم جلس مجلسه الذي صلى فيه لم تزل الملائكة تصلي عليه، اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث".
هذا حديث ابن فضيل، وفي خبر ابن وهب أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى المسلم ثم جلس في مصلاه، لم تزل الملائكة تدعو له، اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما لم يحدث أو يقوم".
١٢٥٩ - * روى أحمد عن أبي موسى قال أتيت النبي ﷺ بوضوء فتوضأ وصلى وقال: "اللهم أصلح لي ديني ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي".
١٢٦٠ - * روى أبو داود عن حنظلة بن علي أن محجن بن الأدرع حدثه: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته وهو يتشهد ويقول: "اللهم
стр. 774
إني أسألك بالله الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، قال النبي ﷺ : "قد غفر له، غفر له"، ثلاث مرات.
١٢٦١ - * روى أبو داود عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة".
قال النووي فينبغي أن يقرأ (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس). الأذكار ٦٩.
١٢٦٢ - * روى مسلم عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "معقبات لا يخيب قائلهن- أو فاعلهن- دبر كل صلاة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة".
١٢٦٣ - * روى النسائي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمدوا ثلاثاً وثلاثين، ويكبروا أربعاً وثلاثين، فأري رجل من الأنصار في منامه، قيل: أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا ثلاثاً وثلاثين، وتكبروا أربعاً وثلاثين؟ قال: نعم، قال: فاجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، قال: "فاجعلوها كذلك".
стр. 775
١٢٦٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة"، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
وفي أخرى (٢) له قال: قال رسول الله ﷺ : "من سبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون"، ثم قال: "تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".
١٢٦٥ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ قال "كان رسول الله ﷺ إذا سلم يستغفر الله ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". قيل للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: "أستغفر الله، أستغفر الله". إلا أن النسائي قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته ... وذكر الحديث.