تكبيرة، وثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، هو على كل شيء قدير".
١٢٥٤ - * روى أحمد عن علي أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة بعث بها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحيين وسقاء وجرتين فقال علي لفاطمة ذات يوم والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه فقالت وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي فأتت رسول الله ﷺ فقال: "ما جاء بك أي بنية" قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيا جميعاً النبي ﷺ فقال علي: يا رسول الله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخذ منا فقال: "لا والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم" فرجعا. فأتاهما النبي ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما وإذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما فثارا فقال "مكانكما". ثم قال: "ألا أخبركما بخير مما سألتماني"، قالا: بلى، قال: "كلمات علمنيهن جبريل ﷺ فقال: تسبحان دبر كل صلاة عشراً وتحمدان عشراً وتكبران عشراً فإذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين" قال: فو الله ما تركتهن منذ سمعت ذلك من رسول الله ﷺ قال: فقال له ابن الكوا: ولا ليلة صفين فقال قاتلكم الله يا أهل العراق ولا ليلة صفين.
١٢٥٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إن الأغنياء يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم،
стр. 772
ولهم أموال يعتقون ويتصدقون، قال: "فإذا صليتم، فقولوا: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة، والله أكبر أربعاً وثلاثين مرة، ولا إله إلا الله عشر مرات، فإنكم تدركون به من سبقكم، ولا يسبقكم من بعدكم".
وقال الترمذي (١): وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خصلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة: يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً وثلاثين، ويسبح الله عند منامه عشراً، ويحمده عشراً، ويكبره عشراً".
وقال الترمذي: وفي الباب عن زيد بن ثابت وأنس وابن عباس أقول: ورواه أيضاً أحمد (٢) والبخاري (٣) في الأدب المفرد، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦) وصححه (٧) ابن حبان، وهو حديث صحيح. [م].
١٢٥٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "خصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله في دبر كل صلاة عشراً، ويحمده عشراً، ويكبره عشراً، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويسبح ثلاثاً وثلاثين، فتلك مائة باللسان،
стр. 773
وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة".
١٢٥٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من سبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين فذلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".
١٢٥٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم ثم جلس مجلسه الذي صلى فيه لم تزل الملائكة تصلي عليه، اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث".
هذا حديث ابن فضيل، وفي خبر ابن وهب أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى المسلم ثم جلس في مصلاه، لم تزل الملائكة تدعو له، اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما لم يحدث أو يقوم".
١٢٥٩ - * روى أحمد عن أبي موسى قال أتيت النبي ﷺ بوضوء فتوضأ وصلى وقال: "اللهم أصلح لي ديني ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي".
١٢٦٠ - * روى أبو داود عن حنظلة بن علي أن محجن بن الأدرع حدثه: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته وهو يتشهد ويقول: "اللهم
стр. 774
إني أسألك بالله الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، قال النبي ﷺ : "قد غفر له، غفر له"، ثلاث مرات.
١٢٦١ - * روى أبو داود عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة".
قال النووي فينبغي أن يقرأ (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس). الأذكار ٦٩.
١٢٦٢ - * روى مسلم عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "معقبات لا يخيب قائلهن- أو فاعلهن- دبر كل صلاة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة".
١٢٦٣ - * روى النسائي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمدوا ثلاثاً وثلاثين، ويكبروا أربعاً وثلاثين، فأري رجل من الأنصار في منامه، قيل: أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا ثلاثاً وثلاثين، وتكبروا أربعاً وثلاثين؟ قال: نعم، قال: فاجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، قال: "فاجعلوها كذلك".
стр. 775
١٢٦٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة"، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
وفي أخرى (٢) له قال: قال رسول الله ﷺ : "من سبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون"، ثم قال: "تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".
١٢٦٥ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ قال "كان رسول الله ﷺ إذا سلم يستغفر الله ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". قيل للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: "أستغفر الله، أستغفر الله". إلا أن النسائي قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته ... وذكر الحديث.
стр. 776
وفي رواية (١) أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينصرف من صلاته استغفر الله ثلاث مرات، ثم قال: "اللهم ... " وذكر معنى حديث عائشة. هكذا قال أبو داود.
١٢٦٦ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا سلم قال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
أقول: قال الحنفية يفصل بين الفريضة والنافلة بقوله ﵇: "اللهم أنت السلام .. " وبعد الإتيان بالنافلة يقول أذكار الصلاة من الاستغفار إلى غيره، أما إذا لم يكن وراء الفريضة نافلة فإنه يباشر الأذكار المأثورة.
١٢٦٧ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من الصلاة قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت".
١٢٦٨ - * روى أحمد عن مسلم بن أبي بكرة ﵀ قال: كان أبي يقول في دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر، فكنت أقولهن، فقال: أي بني، عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك، قال: إن رسول الله ﷺ كان يقولهن في دبر الصلاة. وفي أخرى قال: فالزمهن يا بني.
стр. 777
١٢٦٩ - * روى أبو داود عن الحارث بن مسلم بن الحارث ﵀ عن أبيه أن رسول الله ﷺ أسر إليه فقال: "إذا انصرفت من صلاة المغرب فقل: اللهم أجرني من النار سبع مرات"- زاد في رواية (٢): "قبل أن تكلم أحداً- فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك كتب لك جوار منها، وإذا صليت الصبح فقل كذلك، فإنك إذا مت من يومك كتب لك جوار منها"، قال الحارث: أسرها إلينا رسول الله ﷺ ، ونحن نخص بها إخواننا.
١٢٧٠ - * روى النسائي عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل أعذني من حر النار وعذاب القبر".
١٢٧١ - * روى أحمد عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر الفجر إذا صلى: "اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وعملاً متقبلاً، ورزقاً طيباً".
١٢٧٢ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: ما صليت وراء نبيكم ﷺ إلا سمعته يقول حين انصرف: "اللهم اغفر لي خطأي وعمدي اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت".
стр. 778
١٢٧٣ - * روى الطبراني عن أبي أيوب قال ما صليت خلف نبيكم ﷺ إلا سمعته يقول حين ينصرف: "اللهم اغفر خطاياي وذنوبي كلها اللهم وأنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت".
١٢٧٤ - * روى مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه، قال: كنا نغدو إلى رسول الله ﷺ فيجيء الرجل وتجيء المرأة، فيقول يا رسول الله كيف أقول إذا صليت؟ قال: قل "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني. فقد جمع لك دنياك وآخرتك".
١٢٧٥ - * روى أحمد عن عمرو بن ميمون الأزدي، قال:
كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المكتب الغلمان، يقول إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة، "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر".
١٢٧٦ - * روى أبو داود عن معاذ بن جبل أنه قال: أخذ رسول الله ﷺ يوماً بيدي فقال لي: "يا معاذ والله إني لأحبك" فقلت: بأبي أنت وأمي والله إني لأحبك. قال: "يا معاذ إني أوصيك لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
стр. 779
١٢٧٧ - * روى الشيخان عن ابن عباس قال: "كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير".
١٢٧٨ - * روى أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قلنا لأبي سعيد: هل حفظت عن رسول الله ﷺ شيئاً كان يقوله بعد ما سلم، قال: نعم، كان يقول "سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين".
стр. 780
مسائل وفوائد
- الذكر هو عبادة الوجود كله، قال تعالى عن الملائكة: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) (١) وقال تعالى عن الكون بما فيه: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (٢)، وقال تعالى: (سبح لله ما في السموات والأرض) (٣) وقال: (ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) (٤) وقال: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير) (٥).
وإنما ينسجم الإنسان مع كل شيء في إقامة العبودية بقدر ما يذكر الله ، ولذلك شرع في الإسلام للإنسان أن يذكر الله على كل أحواله، وتلك كانت سنة رسول ﷺ كما وصفته عائشة ﵂.
والصلاة بالنسبة للذكر هي مرتكزه الأعلى ومنظمه الأول، قال تعالى: (وأقم الصلاة لذكري) (٦) فمن أقامها فقد أقام ركن الذكر الأول، ولكن المشروع في موضوع الذكر أوسع، ولذلك نجد أنواعاً من الذكر أو الدعاء الذي هو ذكر وزيادة تمر معنا بمناسبات كثيرة، وسنخصص جزءاً من هذا الكتاب للأذكار والدعوات، هو لا يستوعب كل ما ورد في الذكر والدعاء، لأن الاستيعاب يقتضي دراسة الكتاب والسنة جميعاً.
- قلنا إن الصلاة ركن الذكر ومرتكزه ومنظمه فنقول كذلك: إنها أرقى صيغ الأداء للذكر لأنه يجتمع فيها مع إقامة الذكر هيئات القيام والركوع والسجود وغير ذلك من الهيئات، ويشترط أن تتم ضمن شروط معينة، فهي العبادة الأرقى والأعلى والتي اجتمعت فيها أرقى عبادات الملائكة والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
стр. 781
- رأينا أن الصيغ التي وردت في أذكار الصلاة أو أذكار ما بعد الصلاة كثيرة، والمسلم يعطي الأولوية لما تتحقق به الركنية، ثم الوجوب، ثم السنية، ثم المستحب والمندوب، وفي دائرة المستحب والمندوب يتخير ويرتب على نفسه شيئاً يداوم عليه بقدر استطاعته، ويحاول ألا يبقي صيغة من المأثور إلا ويؤديها ولو مرة في حياته.
والأصل أن أوراد ما بعد الصلاة أن يؤديها كل فرد على حدة، والأصل أن تكون سراً بين العبد وربه، ورأينا روايات تذكر الجهر وهي محمولة على إعلام أو على تعليم.
- جرى علماء المسلمين في العصور المتأخرة لغلبة الجهل والتفلت والإدبار عن الصلاة وعن الجماعة وعن حلقات العلم، وبسبب ضعف حماس المتعلم للتعليم، وقلة حرص الجاهل على التعلم، لضعف الإقبال على الذكر ولاحتمال مجيء جديد إلى المسجد كالذي تاب بعد غفلة، نتيجة لهذا كله فقد أجاز العلماء ترتيب أوراد ما بعد الصلوات وتخيروا لذلك ما اعتبروه أكثر أجراً، وجرت العادة أن يدير ذلك الإمام والمؤذن وأن تختتم الأوراد بدعاء الإمام، ولم ير العلماء في ذلك حرجاً لأن كل جزء من ذلك له دليله المنفرد، وبعض الناس يحاربون مثل هذا على أنه بدعة، وهي حرب في غير محلها، وفي ترتيب الأوراد وإقامتها وتنظيمها بعد الصلاة خير كثير، ولا يدخل ذلك في باب البدع، بل يدخل ذلك في باب العمل الذي يدخل تحت أصل عام في الشريعة.
- والسنة في المذاهب الأربعة أن تكون أوراد ما بعد الصلاة بعد فريضتي الصبح والعصر، أما الفرائض الثلاث الأخر التي بعدها سنة راتبة فهي عند الحنفية تكون بعد أداء السنة الراتبة.
١٢٧٩ - * روى مسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا سلم لم يقعد إلا بمقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". وعند المذاهب الثلاثة الأخرى تكون قبل الراتبة وبعد الفريضة مباشرة.
- يستحب للإمام أن يقبل على المأمومين جاعلاً يساره إلى جهة المحراب، وأما غير الإمام فيبقى في مجلسه إذا أراد إقامة أوراده متجهاً نحو القبلة.
стр. 782
- جرت العادة في كثير من مساجد المسلمين إذا أرادوا إقامة الأوراد أن يبدؤوا بالاستغفار ثلاثاً ثم بقولهم (اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام) ثم بقولهم (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وإذا كانوا في صلاة الصبح والمغرب، فإنهم يقولون وهم على هيئتهم في الصلاة عشر مرات (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)، وسبع مرات (اللهم أجرني من النار) ثم بعد ذلك في صلاتي المغرب والعشاء وبعد (اللهم أعني على ذكرك وشكرك) في بقية الصلوات يقرؤون آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين ثم يسبحون ويحمدون ويكبرون ثلاثاً وثلاثين، ويختمون بقولهم: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)، ثم يدعو لهم إمامهم ويؤمنون أو يدعو كل منهم لنفسه وللمسلمين بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.
ومن كان له ورد خاص بعد ذلك فإنه يفعله منفرداً، ولكن جرت أكثر مساجد المسلمين على فعل ما ذكرناه، ويلاحظ الداعي آداب الدعاء من رفع اليدين والبدء بالصلاة على رسول الله ﷺ والثناء على الله، وتكرار الصلاة على رسول الله ﷺ في أوسط الدعاء وآخره، ويختم الجلسة بما ورد في البخاري في الحض على أن يكون آخر الكلام: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) وستمر معنا آداب الدعاء في جزء الأذكار والأدعية.
- إن من تأمل صلاة المسلمين وأذكارهم ودعواتهم عرف أنه ما من أحد في هذا العالم يعرف الله حق المعرفة ويعظمه حق التعظيم إلا المسلمون، هذا وحده كاف ليجعل المنصف يعرف أن هذا الإسلام حق، فكيف إذا كانت أدلة حقية الإسلام لا تعد ولا تحصى.
قال تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً) (١).
стр. 783
الفصل الثاني عشر: في لواحق الباب الثالث
وفيه الفقرات التالية:
الفقرة الأولى: في الصلاة في النعال.
الفقرة الثانية: في الصلاة على الحصير وغيرها.
الفقرة الثالثة: في مكان الصلاة.
الفقرة الرابعة: في الصلاة في البيوت.
стр. 784
الفقرة الأولى: في الصلاة في النعال
١٢٨٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن فيروز الديلمي أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا رأيناه يصلي في نعلين متقابلتين.
١٢٨١ - * روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافياً ومتنعلاً.
أقول: تنطع قوم وغلوا في عصرنا وأصبحوا يدخلون المساجد في النعال وكأن ذلك فريضة مع أنه طرأت مستجدات منها مد أرض المسجد بالسجاد وغيره بعد أن وسع الله، وندر في أوضاعنا الحالية من يحافظ على طهارة نعليه، هذا النص يجعل في الأمر سعة ويرد على الغلاة في هذا الشأن.
١٢٨٢ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه، ولا عن يساره، فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه"، وفي رواية (٤): "إذا صلى أحدكم فخلع نعليه، فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما".
أقول: مر معنا في فصل الطهارة اشتراط بعض الفقهاء لجواز الصلاة في النعلين أن تكونا طاهرتين، والخلاف فيما يطهر النعلين، والأحوط لمن أراد أن يصلي بالنعلين لضرورة ما أن يحافظ على طهارتهما، وإذا اشتدت الضرورة كحال الجندي الذي يصعب عليه خلع خفيه، فإنه يستطيع أن يترخص فيصلي بالنعلين، بناءً على المشهور في مذهب المالكية، أن طهارة
стр. 785
الثياب والبدن من النجاسة الحسية. ليسا شرطين في صحة الصلاة.
١٢٨٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الفتح يصلي، ووضع نعليه عن يساره.
١٢٨٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً وقاعداً ويصلي منتعلاً وحافياً ويتفل عن يمينه وعن شماله.
١٢٨٥ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه في نعليه، إذ خلعهما فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك أصحابه ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: "ما حملكم على خلع نعالكم؟ " قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن جبريل أتاني، فأخبرني: أن فيهما قذراً"، وقال: "إذا جاء أحدكم المسجد، فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً، أو أذى، فليمسحه، وليُصَلِّ فيهما" وفي رواية (٤): "خبثاً" في الموضعين.
أقول: هذا دليل لمن اشترط طهارة النعلين لجواز الصلاة بهما، كما أنه دليل لمن ذهب أن دلك الخف من النجاسة ذات الجرم كاف لطهارته.
١٢٨٦ - * روى الشيخان عن سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم.
قال ابن دقيق العيد: إنه لا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب لأن ذلك لا مدخل له
стр. 786
في الصلاة.
١٢٨٧ - * روى أبو داود عن شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم".
وقد استدل من قال باستحباب الصلاة في النعال بمثل هذا الحديث.
إلا أن من نفى الاستحباب وقصره على الجواز استدل بمثل حديث عمرو بن شعيب الذي أخرجه أبو داود السابق ذكره وحديث أبي هريرة الذي يليه.
стр. 787
الفقرة الثانية في الصلاة على الحصير وغيرها
١٢٨٨ - * روى أبو يعلى عن ابن عباس قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي يسجد على ثوبه.
أقول: كره العلماء السجود على الثوب الذي يلبسه المصلي ويتحرك بحركته إلا إذا كان لدفع الضرر من الحر وغيره، والنص يمكن أن يحمل ههنا على أنه ﷺ صلى على ثوبه بعد أن خلعه كمن يصلي على جبته أو عباءته بعد أن يخلعهما.
١٢٨٩ - * روى أبو يعلى عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يصلي على الخُمرة.
أقول: تنطع بعضهم فمنع الصلاة إلا على الأرض، وذلك من الغلو، فالصلاة على الأرض أو على الثوب أو على الحصير أو على السجاد كل ذلك جائز، فالأفضل الصلاة على الأرض لأنها أقرب إلى التواضع ولكن أن يجعل الفاضل وكأنه فريضة ويجعل المفضول وكأنه حرام فذلك من الغلو، وصاحبه لا يراعي اختلاف الزمان والمكان والأحوال، ومراعاة هذه الأمور مهمة في باب الفتوى.
١٢٩٠ - * روى الطبراني عن إبراهيم أنه كان يقوم على البردي ويسجد على الأرض، قلنا وما البردي قال الحصير.
стр. 788
أقول: هذا يدل على أن التابعين بإحسان كانوا يتوسعون في هذا الشأن.
١٢٩١ - * روى أحمد عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يصلي على الخمرة.
١٢٩٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على الخمرة.
١٢٩٣ - * روى أحمد عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يصلي على خمرة فقال: "يا عائشة ارفعي حصيرك فقد خشيت أن يكون يفتن الناس".
أقول: هذه الرواية تدل على أن الرسول ﷺ خشي أن يظن الناس أنه لا تجوز الصلاة إلا على خمرة فأراد أن يبين أن الأمر واسع ونحن لا ننكر على من خصص شيئاً طاهراً لسجوده، ولكن ننكر على من غلا في ذلك، فلم يجز الصلاة إلا على مثله.
١٢٩٤ - * روى النسائي عن ميمونة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كان يصلي على الخمرة. وفي رواية: أبي داود (٥) والبخاري (٦) قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخمرة. ولمسلم (٧) نحوه.
стр. 789
قال في (النيل ٢/ ١٣٠): والحديث يدل على أنه لا بأس بالصلاة على السجاد سواء كانت من الخرق أو الخوص أو غير ذلك وسواء كانت صغيرة كالخمرة على القول بأنها لا تسمى خمرة إلا إذا كانت صغيرة أو كانت كبيرة كالحصير والبساط لما تقدم من صلاته ﷺ على الحصير والبساط والفروة.
١٢٩٥ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ "أنه دخل على النبي ﷺ ، قال فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه، قال: ورأيته يصلي في ثوب واحد متوشحاً به".
١٢٩٦ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
١٢٩٧ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: "قوموا فأصلي لكم"، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف. ولمسلم (٤) "أن النبي ﷺ صلى به وبأمه- أو خالته- قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا. وفي أخرى (٥) قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، قال: فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله ﷺ ، ونقوم خلفه، فيصلي بنا، قال: وكان بساطهم من جريد النخل".
стр. 790
في رواية: للنسائي (١) أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها فيصلي في بيتها، فتتخذه مصلى، فأتاها، فعمدت إلى حصير، فنضحته بماء، فصلى عليه، وصلوا معه.
١٢٩٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل من الأنصار- وكان ضخماً- للنبي ﷺ : إني لا أستطيع الصلاة معك، فصنع للنبي ﷺ طعاماً، فدعاه إلى بيته، ونضح له طرف حصير بماء، فصلى عليه ركعتين، فقال فلان بن فلان بن الجارود لأنس: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قال: ما رأيته صلى غير ذلك اليوم. وفي رواية (٢): أن رسول الله ﷺ زار أهل بيت من الأنصار، فطعم عندهم طعاماً، فلما أراد أن يخرج أمر بمكان من البيت فنضح له على بساط، فصلى عليه، ودعا لهم. وأخرج أبو داود الرواية الأولى، إلا أنه قال فيه: فلان ابن الجارود.
وفي الباب روى أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى على بساط. وثمة شواهد تؤيد صلاة رسول الله ﷺ على البساط ذكرنا بعضها، قال في "النيل" (والحديث يدل على جواز الصلاة على البسط وقد حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم ...) ا. هـ.
وفي الباب روى أحمد عن المغيرة بن شعبة قال (كان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير والفروة المدبوغة)، قال في "النيل": وقد ذهب إلى استحباب الصلاة على الحصير أكثر أهل
стр. 791
العلم إلا أن قوماً من أهل العلم اختاروا الصلاة على الأرض استحباباً، وفي الباب.
روى البخاري عن أبي الدرداء قال: ما أبالي لو صليت على خمس طنافس. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه صلى على طنفسة: وعن أبي وائل أنه صلى على طنفسة وعن الحسن قال لا بأس بالصلاة على الطنفسة: وعنه أنه كان يصلي على طنفسة قدماه وركبتاه عليها ويداه ووجهه على الأرض ...
وإلى جواز الصلاة على الطنافس ذهب جمهور العلماء والفقهاء كما تقدم في الصلاة على البسط وخالف في ذلك من خالف في الصلاة على البسط لأن الطنافس البسط التي تحتها حمل كما تقدم.
انظر (نيل الأوطار ٢/ ١٢٧ - ١٣١).
وأورد البغوي حديث المغيرة بن شعبة: كان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير والفروة المدبوغة، ثم قال: وكان بعض السلف يكره الصلاة على ما يتخذ من صوف الحيوان وشعرها، ولا يكره على ما يعمل من نبات الأرض، وكان بعضهم يكره أن يصلي إلا على جديد الأرض، وعامة أهل الحديث على أن لا كراهية فيه، والحديث أولى بالاتباع. (شرح السنة ٢/ ٤٤١).
стр. 792
الفقرة الثالثة: في مكان الصلاة
١٢٩٩ - * روى أحمد عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا في مرابض الغنم، فإنها مباركة، ولا تصلوا في عطن الإبل، فإنها من الشيطان" وفي رواية (٢) قال: سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "صلوا في مرابض الغنم فإنها بركة".
أقول: الصلاة في معاطن الإبل أي مباركها، مكروهة عند القائلين بنجاسة أبوالها وأرواثها وهم الحنفية، أو لما فيها من النفور إن كانت الأرض طاهرة، والكراهة في معاطن الإبل متفق عليها بين الفقهاء، وإنما اختلفوا في التعليل، هل هو النجاسة والنفور، أو النفور فقط، فإذا كانت العلة هي النجاسة كما يرى الحنفية، فالصلاة مكروهة تحريماً حيثما كانت النجاسة سواء في مرابض الإبل أو الغنم أو المزارع التي تسمد بالنجاسات، وقد مر معنا من قبل الخلاف في نجاسة بول وروث ما يؤكل لحمه.
قال في (النيل ٢/ ١٤١): (والحديث) يدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم وعلى تحريمها في مطاعن الإبل وإليه ذهب أحمد بن حنبل فقال: لا تصح بحال وقال: من صلى في عطن إبل أعاد أبداً وسئل مالك عمن لا يجد إلا عطن إبل قال: لا يصلي فيه، قيل فإن بسط عليه ثوباً قال لا. وقال ابن حزم: لا تحل في عطن إبل ذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة وعلى التحريم مع وجودها وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها ولو سطت النجاسة فيه لم يصح
стр. 793
جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها كما قال العراقي وأيضاً قد قيل إن حكمة النهي ما فيها من النفور فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها أو تشوش الخاطر الملهى عن الخشوع في الصلاة وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك.
وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر بإباحة ليس للوجوب قال العراقي اتفاقاً وإنما نبه ﵌ على ذلك لئلا يظن أن حكمها حكم الإبل أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين فأجاب في الإبل بالمنع وفي الغنم بالإذن وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ "فإنها بركة" فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن حكم الإبل، كما وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة ووصف أصحاب الغنم بالسكينة. ا. هـ.
١٣٠٠ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يصلي في مرابض الغنم. وزاد البخاري ومسلم: ثم قال بعد ذلك: قبل أن يبنى المسجد.
أقول: ظاهر النص يدل على أن الصلاة في مرابض الغنم كانت في أول مجيء الرسول ﷺ إلى المدينة، وكان ذلك من باب تخير المكان الواسع للصلاة فمرابض الغنم تكون واسعة ومنتقاة ومنقاة من الحجارة وما يشبهها.
١٣٠١ - * روى مالك عن عروة بن الزبير عن رجل من المهاجرين لم نر به بأساً أنه سأل عبد الله بن عمرو بن العاص قال، أصلي في عطن الإبل؟ فقال عبد الله: لا، ولكن صل في مراح الغنم".
стр. 794
أقول: في النص دليل على أن الإنسان يتخير لصلاته من الأمكنة والمحيط ما لا يفسد عليه الخشوع، فوجود الإبل وأمثالها مما يخشى منه الأذى تجعل قلب الإنسان مشغولاً قلقاً فلا يتفرغ للمناجاة.
١٣٠٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله".
أقول: كره الحنفية والشافعية الصلاة في الطريق لأن الطريق ممر الناس وقد لا تخلو من النجاسة، فالصلاة فيها تؤثر على الخشوع، أو تؤثر على حركة المرور وأضاف الشافعية أن الصلاة تكره في الأسواق لنفس السبب، وقال الحنابلة: لا تصح الصلاة في قارعة الطريق والمزبلة والمقبرة والمجزرة والحمام ومعاطن الإبل، والمالكية أجازوا الصلاة حيث أمنت النجاسة وأمن المرور من بين يديه، واستثنى الحنابلة فأجازوا صلاة الجنازة في المقبرة وطريق البيوت القليلة، وما علا عن جادة الطريق يمنة ويسرة، والضرورة تجيز الصلاة في الأماكن التي ورد النهي عنها في النص وأما العلة في النهي عن الصلاة فوق بيت الله ما يوهم الاستخفاف عند الحنفية.
قال في (النيل ٢/ ١٤٣) وأما في ظهر الكعبة فلأنه إذا لم يكن بين يديه سترة ثابتة تستره لم تصح صلاته لأنه مصل على البيت لا إلى البيت: وذهب الشافعي إلى الصحة بشرط أن يستقبل من بنائها قدر ثلثي ذراع وعند أبي حنيفة لا يشترط ذلك وكذا قال ابن سريج
стр. 795
قال لأنه كمستقبل العرصة لو هدم البيت والعيال بالله. ا. هـ. وهذا عدل عن أن في الحديث مقالاً.
والحنابلة عللوا تحريم الصلاة في المقبرة أن يتوصل بذلك إلى ما هو شرك كأن يلحظ صاحب القبر في الصلاة.
فائدة: قال القاضي أبو بكر بن العربي والمواضع التي لا يصلى فيها ثلاثة عشر فذكر السبعة المذكورة في حديث الباب وزاد الصلاة إلى المقبرة وإلى جدار مرحاض عليه نجاسة والكنيسة والبيعة وإلى التماثيل وفي دار العذاب وزاد العراقي الصلاة في الدار المغصوبة والصلاة إلى النائم والمتحدث والصلاة في بطن الوادي والصلاة في الأرض المغصوبة والصلاة في مسجد الضرار والصلاة إلى التنور فصارت تسعة عشر موضعاً.
أقول: وبعض ما هو مذكور هنا كراهته تنزيهية عند بعض العلماء كما سنرى في الفوائد.
١٣٠٣ - * روى الشيخان عن إبراهيم بن يزيد التيمي قال: "كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت له: يا أبت أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون عاماً، ثم الأرض لك مسجد، فأينما أدركتك الصلاة فصل" زاد في رواية (٢) البخاري "فإن الفضل فيه" وأول حديثه قلنا: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ .. ".
стр. 796
١٣٠٤ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الأرض كلها مسجد، إلا الحمام، والمقبرة".
أقول: رأينا أن الصلاة في المقبرة محرمة عند الحنابلة خشية الشرك، إلا أنهم قالوا: إن المقبرة ما احتوت على ثلاثة قبور فأكثر في أرض موقوفة للدفن، فإذا لم تحتو على ثلاثة قبور فأكثر فالصلاة فيها صحيحة إن لم يستقبل القبر وإلا كرهت، وعلل الشافعية للنهي عن الصلاة في المقبرة إذا احتملت فيها النجاسة أو قصد التعظيم، فإذا انتفى الأمران فالنهي محمول على كراهة التنزيه. وعلل الحنفية للنهي عن الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي بحيث لو صلى خاشعاً وقع بصره عليه، فإذا كان المكان طاهراً ولم يرد الإنسان التعظيم، وكان بعيداً شيئاً ما عن القبر فلا كراهة.
وأما النهي عن الصلاة داخل الحمام لأنها مظنة انكشاف العورات ومصب الغسالات والنجاسات لذلك كرهت عند الحنفية والشافعية والحنابلة، وجازت عند المالكية إذا كان المكان طاهراً.
قال في (نيل الأوطار): والحديث يدل على المنع من الصلاة في المقبرة والحمام وقد اختلف الناس في ذلك.
أما المقبرة فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها ولا بين أن يفرش عليها شيئاً يقيه من النجاسة أم لا ولا بين أن يكون في القبور أو في مكان منفرد عنها كالبيت وإلى ذلك ذهبت الظاهرية ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار.
وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة فإن صلى رجل في مكان طاهر منها
стр. 797
أجزأته، وإلى مثل ذلك ذهب أبو طالب وأبو العباس والإمام يحيى من أهل البيت وقال الرافعي أما المقبرة فالصلاة مكروهة فيها بكل حال. وذهب الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة ولم يفرقوا كما فرق الشافعي ومن معه بين المنبوشة وغيرها. وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة.
وأما الحمام فذهب أحمد إلى عدم صحة الصلاة فيه ومن صلى فيه أعاد أبداً: وقال أبو ثور لا يصلي في الحمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث.
وذهب الجمهور إلى صحة الصلاة في الحمام مع الطهارة وتكون مكروهة وتمسكوا بعمومات نحو حديث "أينما أدركت الصلاة فصل" وحملوا النهي على حمام متنجس وحكمة المنع من الصلاة في المقبرة قيل هو ما تحت المصلي من النجاسة وقيل لحرمة الموتى وحكمة المنع من الصلاة في الحمام أنه يكثر فيه النجاسات وقيل إنه مأوى الشيطان.
١٣٠٥ - * روى أبو داود عن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" الحديث يدل على منع الصلاة إلى القبور وقد تقدم الكلام في ذلك وعلى منع الجلوس عليها وظاهر النهي التحريم وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر أخيه" وروي عن مالك أنه لا يكره القعود عليها ونحوه قال وإنما النهي عن القعود لقضاء الحاجة.
١٣٠٦ - * روى مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال "سمعت رسول الله ﵌ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون
стр. 798
قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك".
والحديث يدل على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء والصلحاء مساجد قال العلماء إنما نهى النبي ﵌ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به وربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية انظر (النيل ٢/ ١٣٦ - ١٣٩).
١٣٠٧ - * روى النسائي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أينما أدرك رجل من أمتي الصلاة صلى".
стр. 799
مسائل وفوائد
- كره بعض العلماء الصلاة في بيت بني فوق المراحيض، لأنهم اعتبروا أن ما فوق المرحاض له نوع حكم المرحاض، وهو تعليل بعيد، وفيه حرج، فالورع ألا يصلي الإنسان فيه ولو فعل جاز.
- والصلاة في الكنيسة ومعابد غير المسلمين مكروهة عند جماهير العلماء، وقال الحنابلة لا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة، وقد رخص فيها كثيرون.
- كره العلماء الصلاة في كل موضع فيه معصية إلا لضرورة.
- تحرم الصلاة في الأرض المغصوبة بالإجماع ولكن اعتبر الجمهور أن الصلاة فيها صحيحة مع الحرمة والأرجح عند الحنابلة أن الصلاة باطلة في الأرض المغصوبة.
- من صلى في أرض مغصوبة جاهلاً أو ناسياً أو حبس في مكان مغصوب صحت صلاته بلا إثم.
- تصح الصلاة في أرض قد عذب أهلها كأرض ثمود مثلاً ولكن مع الكراهة التنزيهية إذا كان بإمكانه أن يصلي خارجاً عنها دون مشقة أو تأخير وقت.
стр. 800
الفقرة الرابعة: في الصلاة في البيوت
١٣٠٨ - * روى الجماعة عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبوراً".
قوله "من صلاتكم" قال القرطبي من للتبعيض والمراد النوافل بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعاً "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته" وقد حكى القاضي عياض عن بعضهم أن معناه اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهن: قال الحافظ وهذا وإن كان محتملاً لكن الأول هو الراجح واستنبط البخاري من هذا الحديث كراهية الصلاة في المقابر.
١٣٠٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال "لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".
١٣١٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً".
стр. 801
١٣١١ - * روى مالك عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم".
١٣١٢ - * روى الشيخان عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول الله ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها قال فتتبع إليه رجال وجاؤا يصلون بصلاته قال ثم جاؤا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم قال فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضباً فقال لهم رسول الله ﷺ "ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم. فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".
١٣١٣ - * روى الشيخان عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال "مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت".
أقول: الأصل في صلاة النافلة أن تكون في البيوت إلا إذا عرف الإنسان من نفسه أنه إذا
стр. 802
أخر صلاة النافلة إلى البيت لم يصلها، أو كان يجد نشاطاً في صلاته في المسجد من غير مراءاة وعلى كل الأحوال فأدب المسلم أن تكون له صلاة في بيته، والأصل أن تصلى الفرائض في المسجد، ومن كلام الحنابلة أن صلاة الجماعة واجبة، والذهاب إلى المسجد سنة، وتتحقق الجماعة عند الحنفية ولو أن يصلي الإنسان بزوجة أو طفل عمره سبع سنين.
стр. 803
مسائل وفوائد
حول الباب الثالث
- من فروض الصلاة ترتيب أركان الصلاة على النحو المشروع في صفة الصلاة في السنة وموالاة أفعالها، بأن يقدم: النية على تكبيرة الإحرام، والتكبير على الفاتحة، والفاتحة على الركوع، والركوع على الرفع منه، والاعتدال على السجود، والسجود على التشهد الأخير، والتشهد الأخير على الصلاة على النبي ﷺ ، والصلاة على النبي ﷺ على السلام.
ويترتب على كون الترتيب والموالاة فريضتين أن من تركهما عمداً بطلت صلاته إلا أن هناك حالات استثنائية تبيح ترك الموالاة بشروط كثيرة، كأن سبقه حدث سماوي كأن أصابه رعاف غير متعمد فيه فإنه يحق له أن يذهب ويتوضأ ويكمل صلاته، والأفضل بالإجماع أن يقطع صلاته، وأن يستأنفها بعد الوضوء.
ويترتب على كون الترتيب فريضة التزامات فصلت فيها المذاهب، فمثلاً قال الشافعية: إن سها عن الترتيب فما فعله بعد المتروك يعتبر لغواً، فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى فعله بعد تذكره فوراً، فإن تأخر بطلت صلاته، وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله تمت به ركعته المتروك آخرها ولغا ما بين ذلك وتدارك ما بقي من صلاته، ولو تيقن في آخر صلاته ترك سجدة من الركعة الأخيرة، سجدها وأعاد تشهده وسجد للسهو، وإن كانت السجدة من ركعة أخرى غير الأخيرة أو شك هل ترك السجدة من الأخيرة أو من غيرها، لزمه ركعة ويسجد للسهو، وهناك تفصيلات كثيرة في المذاهب تترتب على السهو في الترتيب، ومن كلام الحنفية أنه لو سجد ثم ركع لم يعتبر سجوده ويلزمه سجود آخر، فإن سجد صحت صلاته ويلزمه سجود السهو، ولو قعد القعود الأخير وتذكر سجدة نسيها من صلب الصلاة فإنه يسجدها ويعيد القعود ويسجد للسهو، ولو ترك ركوعاً وتذكره في آخر الصلاة فإنه يقضيه مع ما بعده من السجود ويعيد القعود والتشهد.
ولو تذكر أنه نسي قياماً أو قراءة صلى ركعة ويعيد التشهد ويسجد للسهو، ولو نسي
стр. 804
سجدة في الركعة الأولى قضاها ولو بعد السلام قبل الكلام ثم يتشهد ثم يسجد السهو، ثم يتشهد من جديد ويسلم.
- اتفق الفقهاء على أن الإمام يجهر بقدر الحاجة بالتكبير والتسميع والسلام، فإذا كان صوته لا يبلغ المأمومين جاز التبليغ من غيره، ويجب أن يقصد المبلغ سواء أكان إماماً أو غيره الإحرام للصلاة بتكبيرة الإحرام، فلو قصد التبليغ فقط فلم تنعقد صلاته، وكذا لا تنعقد عند الشافعية إذا أطلق فلم يقصد شيئاً، وإذا قصد مع الإحرام الإعلان صحت الصلاة عند الشافعية والحنفية، أما غير تكبيرة الإحرام فإن قصد بها التبليغ فقط لا تبطل صلاته عند الجمهور وقال الشافعية إذا قصد بذلك مجرد التبليغ أو لم يقصد شيئاً بطلت صلاته إن كان عالماً، أما العامي فلا تبطل صلاته.
- ذكر الشافعية أربعة أمور تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة:
أولاً: الرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه في الركوع والسجود، والمرأة تضم بعضها إلى بعضن فتلصق بطنها بفخذيها وتضم ركبتيها وقدميها في ركوعها وسجودها.
ثانياً: تخفض المرأة صوتها في الصلاة الجهرية إن صلت بحضرة الرجال الأجانب بحيث لا يسمعها من صلت بحضرته من الأجانب.
ثالثاً: إذا كانت المرأة وراء الإمام وسها الإمام تذكره بضرب بطن كفها اليمين على ظهر كفها الشمال.
رابعاً: جميع بدن المرأة الحرة في الصلاة عورة إلا وجهها وكفيها، وهناك خلاف رأيناه حول قدميها، أما خارج الصلاة فعورتها عند الجمهور جميع البدن.
стр. 805
الباب الرابع
في أفعال ممتنعة في الصلاة وأفعال جائزة
وفيه عرض إجمالي ونصوص
стр. 806
عرض إجمالي
تشمل الأفعال الممتنعة في الصلاة: مبطلات الصلاة مكروهاتها التحريمية والتنزيهية وما هو خلاف الأولى.
فمن مبطلات الصلاة ترك شرط من شروطها الصحيحة على ضوء الفتوى وتفصيلات الأئمة في ذلك كترك الطهارة أو ستر العورة أو استقبال القبلة أو الصلاة قبل دخول وقتها أو ترك النية، ومن مبطلات الصلاة: الكلام وهو النطق بحرفين فأكثر ولو لم تفهم معنى، والنطق بحرف مفهم واحد خارج عن الصلاة يبطلها عمداً أو سهواً، ومن الكلام المبطل: التنحنح بلا عذر إذا صحبه حرفان فأكثر ومنه: التأوه والأنين والتأفف والبكاء إذا اشتمل على حروف مسموعة إلا إذا نشأ من مرض أو من خشية الله.
قال الحنفية: ومن ارتفع بكاؤه لمصيبة بلغته فسدت صلاته، وإذا تنحنح لعذر كأن نشأ من طبعه أو كان لغرضه صحيح كتحسين الصوت أو ليهتدي إمامه إلى الصواب أو للإعلام أنه في الصلاة فلا فساد على الصحيح.
والنفخ بصوت مسموع يفسد الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، وتفسد بكل ما قصد به الجواب أو النداء ولو كان بذكر أو قراءة قرآن.
وعند المالكية لا تبطل الصلاة إن كان الكلام لإصلاح الصلاة وبقدر الحاجة، كأن سلم الإمام قبل تمام صلاته، وتبطل عندهم بتقليد صوت حيوان.
وقال الشافعية: ويعذر في يسير الكلام إن سبق لسانه إليه، ولا تبطل عند الحنابلة إن تكلم من سلم قبل إتمام صلاته سهواً بكلام يسير عرفاً لمصلحة الصلاة.
وأجاز الحنابلة القراءة في أثناء الصلاة في المصحف لمن لا يحفظه، ويجوز للمأموم أن يفتح على إمامه، وينبغي للمقتدي ألا يبادر بالفتح على إمامه، ويكره للإمام أن يلجئ المأموم إليه، وتبطل الصلاة عند الحنفية إن فتح المأموم على غير إمامه كما تبطل بامتثال أمر الغير، فإن أمره غيره بأمر فيه مصلحة للصلاة يتريث ثم يفعل بنية مبتدأة لا بنية تنفيذ الأمر.
стр. 807
ويكره عند الحنابلة للمصلي الفتح على من هو في صلاة أخرى ولا تبطل صلاته به.
ومن مبطلات الصلاة الأكل والشرب، واستثنى الحنفية ما إذا دخل الصلاة وكان بين أسنانه مأكول دون الحمصة فابتلعه.
ومن كلام الشافعية والحنابلة أن الصلاة تبطل بكثير المضغ وإن لم يصل إلى الجوف شيء من الممضوغ.
ومن مبطلات الصلاة العمل الكثير المتوالي، والعمل الكثير عند أبي حنيفة هو الذي لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة فإن اشتبه فهو قليل على الأصح، والحركات الثلاث المتواليات عند الشافعية كثير، فمن أراد أن يحك رأسه لضرورة فإذا أسند راحته إلى رأسه وحكه بأصبع واحدة لا تبطل صلاته لأن القاعدة عندهم أن العمل الكثير إن كان بعضو ثقيل أبطل الصلاة فإن كان بعضو خفيف فلا بطلان، كما لو حرك أصابعه من غير تحريك كفه، أما إذا حرك يده بحركة أصبعه ثلاث مرات بطلت صلاته ولا يضر عند الشافعية والحنابلة العمل المتفرق وإن كثر ولا الحاصل بعذر كمرض يستدعي حركة لا يستطيع الصبر عنها.
وقال الحنابلة: ويكره العمل الكثير غير المتوالي بلا حاجة، ولا يقدر عندهم بثلاث ولا بعدد.
ولا تبطل الصلاة إن مشى مستقبلاً القبلة بخطى متقطعة، كأن يفصل بين تقديم كل رجل وأخرى بقدر أداء ركن فيقف ثم يمشي وهكذا، وأدنى الركن عند الحنفية هو مقدار أن يقول: سبحان الله في الركوع.
ومن مبطلات الصلاة: القهقهة، وقد رأينا أنها تبطل الوضوء كذلك عند الحنفية.
ومن مبطلات الصلاة: الغلط في القراءة بما يغير المعنى تغييراً يكون اعتقاده كفراً، وبكل ما لم يكن مثله في القرآن أو ليس له معنى، والخطأ في الإعراب عند متأخري الحنفية لا يفسد الصلاة مطلقاً ولا تفسد بإظهار لام شمسية ولا تفسد لو زاد كلمة موجودة في القرآن أو أنقص كلمة أو كرر كلمة ولو تغير المعنى.
стр. 808
وقال الحنابلة: إن أحال اللحان المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ولا الائتمام به إلا أن يتعمد فتبطل صلاتها.
ومن مبطلات الصلاة ترك ركن بلا قضاء أو شرط بلا عذر، وأن يسبق المقتدي إمامه عمداً بركن لم يشاركه فيه عند الحنفية.
وقال الشافعية: لا تبطل إلا بتقدمه على الإمام بركنين فعليين وتبطل الصلاة عند الحنفية بمحاذاة المرأة الرجل في صلاة مشتركة من غير فرجة على تفصيلات عندهم.
وأوصل الحنفية مبطلات الصلاة إلى ثمانية وستين سبباً، وأوصلها المالكية إلى حوالي الثلاثين وأوصلها الشافعية إلى سبعة وعشرين وأوصلها الحنابلة إلى ستة وثلاثين سبباً.
وهذا يفيد أن على المسلم أن يتفقه في مذهب من المذاهب الأربعة ليؤدي صلاته مطمئناً أنها جائزة على مذهب من مذاهب الأئمة المجتهدين.
ومن مكروهات الصلاة التحريمية عند الحنفية ترك واجب من واجبات الصلاة عمداً، ومن المكروهات التنزيهية ترك سنة من سنن الصلاة عمداً، وتطويل القراءة في الركعة الثانية على الأولى بأكثر من ثلاث آيات، والقراءة بعكس ترتيب القرآن.
ويكره تحريماً عند الحنفية قراءة قرآن في ركوع أو سجود أو إتمام قراءة السورة في الركوع ويكره الجهر بالتشهد، ويكره العبث القليل بيده بالثياب أو بالبدن أو باللحية، ويكره التلثم بأن يغطي أنفه بدون حاجة، ويكره رفع أو جمع الثوب باليدين في الركوع والسجود، وجمع الشعر وضمه وتشبيك الأصابع والتخصر بأن يضع يديه أو إحداهما على خاصرتيه، ويكره تغميض العينين إلا لطلب خشوع، ويكره الالتفات في الصلاة بالوجه، أما إذا نظر بمؤخر عينه فلا يكره، ويكره رفع البصر إلى السماء والقيام على رجل واحدة إلا لضرورة، وتكره الصلاة حاقناً بالبول أو حاقباً بالغائط أو حازقاً بالريح إن وسع الوقت.
стр. 809
وتكره الصلاة مع اشتهاء الطعام الحاضر أو القريب الحضور، ويكره التثاؤب والتمطي، والكراهة هنا تنزيهية عند الحنفية إلا إن تعمده، ويكره تنزيهاً عند الحنفية رد السلام بالإشارة أو بالرأس، فإن صافح بنية التسليم فسدت صلاته، وتكره كل إشارة بالعين أو باليد ونحوها، ويجوز عند المالكية الإشارة الخفيفة لأي حاجة كما يجوز عند الحنفية تكليم المصلي وإجابته برأسه، ويكره عقص الشعر وتشمير الكم، وقيد المالكية كراهة تشمير الكم بأن يكون لأجل الصلاة، ويكره للمصلي أن يفترش ذراعيه، وأن يصلي في ثياب البذلة التي يلبسها في بيته، وثياب المهنة إن كان له غيرها والكراهة هنا تنزيهية وتكره الصلاة بثياب فيها تصاوير، كما تكره إلى صورة منصوبة أو تمثال فوق رأسه أو بين يديه أو بحذائه يمنة أو يسرة ولو في وسادة منصوبة لا مفروشة، وتكره الصلاة إلى نار موقدة ويكره سدل الثوب على الكتفين بلا لبس معتاد ودون أن يرد أحد الطرفين على الآخر، ويكره اشتمال الصماء وهو أن يجلل جسده بثوب يحيط بيديه وجسمه بحيث لا تخرج منه يده، ويكره لباس يحدد العورة لضيقه ولو خارج الصلاة، ويكره الإتيان بأذكار الصلاة في غير محلها، كأن يكبر للركوع بعد أن يتم ركوعه أو يقول سمع الله لمن حمده بعد تمام القيام، وينبغي لمن يريد التفقه في الصلاة أن يرجع إلى كتب المذاهب الأربعة ليتفقه حق الفقه.
ويجب على المصلي قطع صلاته لإغاثة شخص ملهوف أو لإنقاذ حياة إنسان أو لخوف اندلاع نار أو مهاجمة ذئب لغنم، ويجوز قطع الصلاة ولو فرضاً إذا سرق له أو لغيره ما يساوي درهماً أو أكثر أو خافت المرأة على ولدها أو خيف من فوران القدر أو احتراق الطعام ولقتل الحيوان المؤذي ورد الدابة إذا شردت وإذا دافعه البول أو الغائط، أما إذا خافت القابلة على الولد أو على أمه أثناء الولادة فإنها يجب عليها تأخير الصلاة عن وقتها أو قطعها إن كانت فيها، وإذا نادى أحد الأبوين فإن كان نداء استغاثة يفترض عليه قطع الصلاة فرضاً أو نفلاً، أما إذا لم يكن نداء استغاثة فلا يقطع صلاته في الفريضة، أما إذا كان في صلاة نافلة وناداه أحد الأبوين وهو لا يعلم أنه في صلاة يجوز له أن يقطع صلاته.
ومن الأفعال الجائزة في الصلاة أن يصلي الإنسان إلى ظاهر قائم أو قاعد ولو كان
стр. 810
يتحدث ما لم يكن منه تشويش للصلاة.
ولا بأس عند الحنفية أن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق، ولا يكره عندهم السجود على بساط فيه تصاوير لذي روح على ألا يسجد على الصورة، وإذا قتل حية أو عقرباً بعمل قليل فلا تقطع الصلاة ولا يكره أن يقطع صلاته من أجل ذلك.
وإذا قام من ركوع أو سجود فلا مانع من نفض ثوبه كي لا يلتصق بجسده فتتشكل العورة، ولا مانع من المراوحة بين الرجلين بأن يعتمد مرة على هذه ومرة على هذه، وتكره إذا كثرت.
انظر (حاشية ابن عابدين ١/ ٤١٢ و ١/ ٤٢٩ فما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ٣٣٧ فما بعدها)، (المهذب ١/ ٨٨)، (المغني ٢/ ٥)، (الفقه الإسلامي ١/ ٧٧١ و ٢/ ٥ فما بعدها).
وإلى نصوص هذا الباب.