← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

عرض إجمالي تشمل الأفعال الممتنعة في الصلاة: مبطلات الصلاة مكروهاتها التحريمية والتنزيهية وما هو خلاف الأولى. فمن مبطلات الصلاة ترك شرط من شروطها الصحيحة على ضوء الفتوى وتفصيلات الأئمة في ذلك كترك الطهارة أو ستر العورة أو استقبال القبلة أو الصلاة قبل دخول وقتها أو ترك النية، ومن مبطلات الصلاة: الكلام وهو النطق بحرفين فأكثر ولو لم تفهم معنى، والنطق بحرف مفهم واحد خارج عن الصلاة يبطلها عمداً أو سهواً، ومن الكلام المبطل: التنحنح بلا عذر إذا صحبه حرفان فأكثر ومنه: التأوه والأنين والتأفف والبكاء إذا اشتمل على حروف مسموعة إلا إذا نشأ من مرض أو من خشية الله. قال الحنفية: ومن ارتفع بكاؤه لمصيبة بلغته فسدت صلاته، وإذا تنحنح لعذر كأن نشأ من طبعه أو كان لغرضه صحيح كتحسين الصوت أو ليهتدي إمامه إلى الصواب أو للإعلام أنه في الصلاة فلا فساد على الصحيح. والنفخ بصوت مسموع يفسد الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، وتفسد بكل ما قصد به الجواب أو النداء ولو كان بذكر أو قراءة قرآن. وعند المالكية لا تبطل الصلاة إن كان الكلام لإصلاح الصلاة وبقدر الحاجة، كأن سلم الإمام قبل تمام صلاته، وتبطل عندهم بتقليد صوت حيوان. وقال الشافعية: ويعذر في يسير الكلام إن سبق لسانه إليه، ولا تبطل عند الحنابلة إن تكلم من سلم قبل إتمام صلاته سهواً بكلام يسير عرفاً لمصلحة الصلاة. وأجاز الحنابلة القراءة في أثناء الصلاة في المصحف لمن لا يحفظه، ويجوز للمأموم أن يفتح على إمامه، وينبغي للمقتدي ألا يبادر بالفتح على إمامه، ويكره للإمام أن يلجئ المأموم إليه، وتبطل الصلاة عند الحنفية إن فتح المأموم على غير إمامه كما تبطل بامتثال أمر الغير، فإن أمره غيره بأمر فيه مصلحة للصلاة يتريث ثم يفعل بنية مبتدأة لا بنية تنفيذ الأمر.

стр. 807

ويكره عند الحنابلة للمصلي الفتح على من هو في صلاة أخرى ولا تبطل صلاته به. ومن مبطلات الصلاة الأكل والشرب، واستثنى الحنفية ما إذا دخل الصلاة وكان بين أسنانه مأكول دون الحمصة فابتلعه. ومن كلام الشافعية والحنابلة أن الصلاة تبطل بكثير المضغ وإن لم يصل إلى الجوف شيء من الممضوغ. ومن مبطلات الصلاة العمل الكثير المتوالي، والعمل الكثير عند أبي حنيفة هو الذي لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة فإن اشتبه فهو قليل على الأصح، والحركات الثلاث المتواليات عند الشافعية كثير، فمن أراد أن يحك رأسه لضرورة فإذا أسند راحته إلى رأسه وحكه بأصبع واحدة لا تبطل صلاته لأن القاعدة عندهم أن العمل الكثير إن كان بعضو ثقيل أبطل الصلاة فإن كان بعضو خفيف فلا بطلان، كما لو حرك أصابعه من غير تحريك كفه، أما إذا حرك يده بحركة أصبعه ثلاث مرات بطلت صلاته ولا يضر عند الشافعية والحنابلة العمل المتفرق وإن كثر ولا الحاصل بعذر كمرض يستدعي حركة لا يستطيع الصبر عنها. وقال الحنابلة: ويكره العمل الكثير غير المتوالي بلا حاجة، ولا يقدر عندهم بثلاث ولا بعدد. ولا تبطل الصلاة إن مشى مستقبلاً القبلة بخطى متقطعة، كأن يفصل بين تقديم كل رجل وأخرى بقدر أداء ركن فيقف ثم يمشي وهكذا، وأدنى الركن عند الحنفية هو مقدار أن يقول: سبحان الله في الركوع. ومن مبطلات الصلاة: القهقهة، وقد رأينا أنها تبطل الوضوء كذلك عند الحنفية. ومن مبطلات الصلاة: الغلط في القراءة بما يغير المعنى تغييراً يكون اعتقاده كفراً، وبكل ما لم يكن مثله في القرآن أو ليس له معنى، والخطأ في الإعراب عند متأخري الحنفية لا يفسد الصلاة مطلقاً ولا تفسد بإظهار لام شمسية ولا تفسد لو زاد كلمة موجودة في القرآن أو أنقص كلمة أو كرر كلمة ولو تغير المعنى.

стр. 808

وقال الحنابلة: إن أحال اللحان المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ولا الائتمام به إلا أن يتعمد فتبطل صلاتها. ومن مبطلات الصلاة ترك ركن بلا قضاء أو شرط بلا عذر، وأن يسبق المقتدي إمامه عمداً بركن لم يشاركه فيه عند الحنفية. وقال الشافعية: لا تبطل إلا بتقدمه على الإمام بركنين فعليين وتبطل الصلاة عند الحنفية بمحاذاة المرأة الرجل في صلاة مشتركة من غير فرجة على تفصيلات عندهم. وأوصل الحنفية مبطلات الصلاة إلى ثمانية وستين سبباً، وأوصلها المالكية إلى حوالي الثلاثين وأوصلها الشافعية إلى سبعة وعشرين وأوصلها الحنابلة إلى ستة وثلاثين سبباً. وهذا يفيد أن على المسلم أن يتفقه في مذهب من المذاهب الأربعة ليؤدي صلاته مطمئناً أنها جائزة على مذهب من مذاهب الأئمة المجتهدين. ومن مكروهات الصلاة التحريمية عند الحنفية ترك واجب من واجبات الصلاة عمداً، ومن المكروهات التنزيهية ترك سنة من سنن الصلاة عمداً، وتطويل القراءة في الركعة الثانية على الأولى بأكثر من ثلاث آيات، والقراءة بعكس ترتيب القرآن. ويكره تحريماً عند الحنفية قراءة قرآن في ركوع أو سجود أو إتمام قراءة السورة في الركوع ويكره الجهر بالتشهد، ويكره العبث القليل بيده بالثياب أو بالبدن أو باللحية، ويكره التلثم بأن يغطي أنفه بدون حاجة، ويكره رفع أو جمع الثوب باليدين في الركوع والسجود، وجمع الشعر وضمه وتشبيك الأصابع والتخصر بأن يضع يديه أو إحداهما على خاصرتيه، ويكره تغميض العينين إلا لطلب خشوع، ويكره الالتفات في الصلاة بالوجه، أما إذا نظر بمؤخر عينه فلا يكره، ويكره رفع البصر إلى السماء والقيام على رجل واحدة إلا لضرورة، وتكره الصلاة حاقناً بالبول أو حاقباً بالغائط أو حازقاً بالريح إن وسع الوقت.

стр. 809

وتكره الصلاة مع اشتهاء الطعام الحاضر أو القريب الحضور، ويكره التثاؤب والتمطي، والكراهة هنا تنزيهية عند الحنفية إلا إن تعمده، ويكره تنزيهاً عند الحنفية رد السلام بالإشارة أو بالرأس، فإن صافح بنية التسليم فسدت صلاته، وتكره كل إشارة بالعين أو باليد ونحوها، ويجوز عند المالكية الإشارة الخفيفة لأي حاجة كما يجوز عند الحنفية تكليم المصلي وإجابته برأسه، ويكره عقص الشعر وتشمير الكم، وقيد المالكية كراهة تشمير الكم بأن يكون لأجل الصلاة، ويكره للمصلي أن يفترش ذراعيه، وأن يصلي في ثياب البذلة التي يلبسها في بيته، وثياب المهنة إن كان له غيرها والكراهة هنا تنزيهية وتكره الصلاة بثياب فيها تصاوير، كما تكره إلى صورة منصوبة أو تمثال فوق رأسه أو بين يديه أو بحذائه يمنة أو يسرة ولو في وسادة منصوبة لا مفروشة، وتكره الصلاة إلى نار موقدة ويكره سدل الثوب على الكتفين بلا لبس معتاد ودون أن يرد أحد الطرفين على الآخر، ويكره اشتمال الصماء وهو أن يجلل جسده بثوب يحيط بيديه وجسمه بحيث لا تخرج منه يده، ويكره لباس يحدد العورة لضيقه ولو خارج الصلاة، ويكره الإتيان بأذكار الصلاة في غير محلها، كأن يكبر للركوع بعد أن يتم ركوعه أو يقول سمع الله لمن حمده بعد تمام القيام، وينبغي لمن يريد التفقه في الصلاة أن يرجع إلى كتب المذاهب الأربعة ليتفقه حق الفقه. ويجب على المصلي قطع صلاته لإغاثة شخص ملهوف أو لإنقاذ حياة إنسان أو لخوف اندلاع نار أو مهاجمة ذئب لغنم، ويجوز قطع الصلاة ولو فرضاً إذا سرق له أو لغيره ما يساوي درهماً أو أكثر أو خافت المرأة على ولدها أو خيف من فوران القدر أو احتراق الطعام ولقتل الحيوان المؤذي ورد الدابة إذا شردت وإذا دافعه البول أو الغائط، أما إذا خافت القابلة على الولد أو على أمه أثناء الولادة فإنها يجب عليها تأخير الصلاة عن وقتها أو قطعها إن كانت فيها، وإذا نادى أحد الأبوين فإن كان نداء استغاثة يفترض عليه قطع الصلاة فرضاً أو نفلاً، أما إذا لم يكن نداء استغاثة فلا يقطع صلاته في الفريضة، أما إذا كان في صلاة نافلة وناداه أحد الأبوين وهو لا يعلم أنه في صلاة يجوز له أن يقطع صلاته. ومن الأفعال الجائزة في الصلاة أن يصلي الإنسان إلى ظاهر قائم أو قاعد ولو كان

стр. 810

يتحدث ما لم يكن منه تشويش للصلاة. ولا بأس عند الحنفية أن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق، ولا يكره عندهم السجود على بساط فيه تصاوير لذي روح على ألا يسجد على الصورة، وإذا قتل حية أو عقرباً بعمل قليل فلا تقطع الصلاة ولا يكره أن يقطع صلاته من أجل ذلك. وإذا قام من ركوع أو سجود فلا مانع من نفض ثوبه كي لا يلتصق بجسده فتتشكل العورة، ولا مانع من المراوحة بين الرجلين بأن يعتمد مرة على هذه ومرة على هذه، وتكره إذا كثرت. انظر (حاشية ابن عابدين ١/ ٤١٢ و ١/ ٤٢٩ فما بعدها)، (الشرح الصغير ١/ ٣٣٧ فما بعدها)، (المهذب ١/ ٨٨)، (المغني ٢/ ٥)، (الفقه الإسلامي ١/ ٧٧١ و ٢/ ٥ فما بعدها). وإلى نصوص هذا الباب.

стр. 811

- النهي عن الكلام والسلام في الصلاة: ١٣١٤ - * روى الشيخان عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه، حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) (٢) فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. ١٣١٥ - * روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ فقال: "إن في الصلاة لشغلاً". وفي رواية (٤) لأبي داود قال: كنا نسلم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا فقدمت على رسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام". وفي رواية للنسائي (٥) قال: كنت آتي النبي ﷺ وهو يصلي، فأسلم عليه، فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي، فلم يرد علي، فلما سلم أشار إلى القوم: "إن الله ﵎ أحدث في الصلاة: أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين".

стр. 812

قال (البغوي ٣/ ٢٣٥). قوله: فأخذني ما قرب وما بعد ويروى: "ما قدم وما حدث". تقول العرب هذه اللفظة للرجل إذا أقلقه الشيء وأزعجه وغمه، تقول أيضاً: أخذه المقيم والمقعد، كأنه يهتم لما نأى من أمره ولما دنا، قال الخطابي: معناه: الحزن، والكآبة، يريد: أنه قد عاوده قليم الأحزان، واتصل بحديثها. ما قدم وما حدث: ما كان قديماً وما هو حديث جديد. أقول: قوله ﵊ إن في الصلاة لشغلاً، اعتبره الحنفية ناسخاً لكثير من التوسعات ومن جملتها كثرة الحركة في الصلاة. يشكل على حديث زيد بن أرقم وهو أنصاري مدني أن حديث ابن مسعود فيه أنه لما رجع من عند النجاشي كان تحريم الكلام وكان رجوعه من الحبشة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقبل قدوم الأنصار للبيعة فيكون تحريم الكلام بمكة، وحديث زيد يشير إلى أن تحريم الكلام كان بالمدينة وأجيب عن ذلك بإجابات فيها نظر. ومن الأجوبة أن الكلام نسخ بمكة ثم أبيح ثم نسخت الإباحة بالمدينة، ومنها حمل حديث ابن مسعود على تحريم الكلام لغير مصلحة الصلاة وحديث زيد على تحريم سائر الكلام، ومنها أن زيد بن أرقم أراد بقوله: كنا نتكلم في الصلاة، الحكاية عمن كان يفعل ذلك في مكة وهو بعيد، والله أعلم. ١٣١٦ - * روى أبو داود عن صهيب ﵁ قال: "مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إلي إشارة- وقال: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بأصبعه". قال في "عون المعبود": اعلم أنه ورد الإشارة لرد السلام في هذا الحديث بجميع الكف، وفي حديث جابر باليد، وفي حديث ابن عمر عن صهيب بالأصبع، وفي حديث

стр. 813

ابن مسعود عند البيهقي بلفظ: فأومأ برأسه، وفي رواية له: فقال برأسه، يعني الرد، ويجمع بين هذه الروايات بأنه ﷺ فعل هذا مرة، وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزاً. أقول: يكره تنزيهاً عند الحنفية رد السلام بالإشارة باليد أو الرأس ويستحب عند الشافعية رد السلام بالإشارة ولا يكره عند المالكية رد السلام بالإشارة ودليل الحنفية حديث عبد الله بن مسعود: إن في الصلاة لشغلاً، ودليل الآخرين ما رأيناه. ١٣١٧ - * روى أبو داود عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى مسجد قباء يصلي فيه، فجاءته الأنصار، فسلموا عليه وهو يصلي، قال ابن عمر: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: هكذا- وبسط كفه، وجعل بطنه أسفل، وظهره إلى فوق. ١٣١٨ - * روى مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون غلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فو الله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنام هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"- أو كما قال رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله إني

стр. 814

حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان؟ قال: "فلا تأتهم". قال: ومنا رجال يتطيرون؟ قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم"- قال ابن الصباح: "فلا يصدنكم"- قال: قلت: ومنا رجال يخطون؟ قال: "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه: فذاك"، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها، فقال لها: أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله ﷺ ، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". قال (النووي ٥/ ٢٣): اختلف العلماء في معناه فالصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح والمقصود أنه حرام لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة وليس لنا يقين بها وإنما قال النبي ﷺ فمن وافق خطه فذاك ولم يقل هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط فحافظ النبي ﷺ على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا فالمعنى أن ذلك النبي لا منع

стр. 815

في حقه وكذا لو علمتم موافقته ولكن لا علم لكم بها وقال الخطابي هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط إذ كان علماً لنبوة ذاك النبي ﷺ وقد انقطعت فنهينا عن تعاطي ذلك. أ. هـ. أقول: كانت معرفة الغيب من خلال الخط في حق النبي ﷺ المشار إليه معجزة لذلك النبي وهو المفهوم من كلام الخطابي فلذلك لا يقاس عليه وما يفعله بعض الناس في هذا الشأن خرص وظنون والإيمان بها باطل بل ادعاؤه واستحلاله كفر. أقول: قال الشافعية: يجوز لمن عطس أن يحمد الله ويسمع نفسه وليس لأحد أن يشمته وإذا شمته إنسان مخطئاً فرد برأس أو يد فإنه مكروه عند المالكية، وقال الحنفية: من شمت عاطساً بلسانه بطلت صلاته وإنما لم يأمر رسول الله ﷺ صاحب القصة بإعادة الصلاة لأنه كان حديث عهد بالإسلام. وقوله لكني سكت: قال المنذري: يريد لم أتكلم لكني سكت وورود (لكن) هنا مشكل لأنه لابد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها ويحتمل أن يكون التقدير فلما رأيتهم يسكتوني لم أكلمهم لكني سكت. (نيل ٢/ ٣٦٤). قال النووي في (شرح مسلم ٥/ ٢١): فيه تحريم الكلام في الصلاة سواء كان لحاجة أو غيرها وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها فإن احتاج إلى تنبيه أو إذن لداخل ونحوه سبح إن كان رجلاً وصفقت إن كانت امرأة هذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة ﵃ الجمهور من السلف والخلف وقال طائفة منهم الأوزاعي يجوز الكلام لمصلحة الصلاة لحديث ذي اليدين. هذا في كلام العامد العالم أما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا وبه قال مالك وأحمد والجمهور وقال أبو حنيفة ﵁ والكوفيون تبطل، دليلنا حديث ذي اليدين فإن كثر كلام الناسي ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا أصحهما تبطل صلاته لأنه نادر وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام الناسي فلا تبطل الصلاة بقليله لحديث معاوية بن الحكم هذا الذي نحن فيه لأن النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة

стр. 816

لكن علمه تحريم الكلام فيما يستقبل. وأما قوله ﷺ إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن فمعناه هذا ونحوه فإن التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها .. وفيه دليل على أن من حلف أن لا يتكلم فسبح أو كبر أو قرأ القرآن لا يحنث ... وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتى به عالماً عامداً قال أصحابنا إن قال يرحمك الله بكاف الخطاب بطلت صلاته وإن قال يرحمه الله أو اللهم ارحمه أو رحم الله فلاناً لم تبطل صلاته لأنه ليس بخطاب وأما العاطس في الصلاة فيستحب له أن يحمد الله تعالى سراً. وقال النووي في (شرح مسلم ٥/ ٢٤). قوله ﷺ "أين الله" قالت في السماء "قال من أنا" قالت أنت: رسول الله قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنزيهه عن سمات المخلوقات والثاني: تأويله بما يليق به فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان قال القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء أي على السماء والذي أجمع عليه أهل السنة وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا وسكتوا لحيرة العقل واتفقوا على ترك التكييف والتشكيل. ا. هـ. أقول: سقنا هذا النقل مع حرصنا على عدم الخوض في الصفات للإشعار بأن كثيراً من

стр. 817

أهل السنة والجماعة أصحاب الرسوخ في العلم والذين تثق بهم الأمة خاضوا في التأويل فليس كل مؤول ضالاً ولا كافراً بل يجب الاحتياط إذا تحدث عن تأويل هؤلاء *. ١٣١٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فلا يقل: هاه، فإن الشيطان يضحك في جوفه". ١٣٢٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع". يكره لمن تثاءب خارج الصلاة أن يخرج صوتاً ويسن له أن يستر فمه أما إذا أخرج صوتاً داخل الصلاة يتألف من حرفين فإن صلاته تبطل أما إذا تثاءب بلا صوت فلا تبطل صلاته وعليه أن يكظم ما استطاع فإن لم يكظم فقد وقع في كراهته التنزيهية، وإذا تعمد التثاؤب في الصلاة فذلك مكروه تحريماً. ١٣٢١ - * روى البخاري عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: عطس شاب من الأنصار خلف رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فقال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً حتى يرضى ربنا، وبعد ما يرضى من أمر الدنيا والآخرة، فلما انصرف رسول الله ﷺ

стр. 818

قال: "من القائل الكلمة؟ " قال: فسكت الشاب، ثم قال: "من القائل الكلمة؟ فإنه لم يقل بأساً" فقال: يا رسول الله أنا قلتها، ولم أرد بها إلا خيراً، قال: "ما تناهت دون عرش الرحمن ". أقول: وأجاز الشافعية لمن عطس أن يحمد الله في نفسه. قال في (النيل ٢/ ٣٧١): استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور. ١٣٢٢ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "لا غرار في صلاة ولا تسليم". وفي رواية (٢) قال: أراه رفعه، قال: "لا غرار في تسليم ولا صلاة" قال أبو داود: وقد روي غير مرفوع، قال أبو داود: قال أحمد: يعني- فيما أرى- أن لا تسلم ولا يسلم عليك، ويغرر الرجل بصلاته، فينصرف وهو فيها شاك. أقول: إذا سلم الإنسان على إنسان بلسانه أثناء الصلاة أو رد السلام أثناء الصلاة بلسانه فإن الصلاة تبطل بذلك. ١٣٢٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فلما سلم النبي

стр. 819

صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي "لقد تحجرت واسعاً يريد رحمة الله". استدل بهذا الحديث على أنها لا تبطل صلاة من دعا بما لا يجوز جاهلاً لعدم أمر هذا الداعي بالإعادة.

стр. 820

- البكاء من خشية الله . قال الله تعالى: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً) (١). ١٣٢٤ - * روى أحمد عن عبد الله بن الشخير قال: رأيت رسول الله ﵌ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. قال في (النيل ٢/ ٣٦٩): فيه دليل أن البكاء لا يبطل الصلاة سواء ظهر منه حرفان أم لا وقد قيل إن كان البكاء من خشية الله لم يبطل وهذا الحديث يدل عليه. ١٣٢٥ - * روى البخاري عن ابن عمر قال: لما اشتد برسول الله ﵌ وجعه قيل له الصلاة قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء فقال: "مروه فليصل فعاودته فقال مروه فليصل إنكن صواحب يوسف". وقد استدل به على جواز البكاء في الصلاة. ووجه الاستدلال أن النبي ﵌ لما صمم على استخلاف أبي بكر بعد أن أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء دل ذلك على الجواز. فامرأة العزيز أظهرت الإكرام للنساء في دعوتها إياهن ومرادها أن يعذرنها في محبة يوسف. وعائشة أظهرت أن سبب إراداتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين لبكائه

стр. 821

ومرادها أن لا يتشاءم الناس به. ا. هـ نيل بتصرف (٢/ ٣٦٩). قال البغوي (٣/ ٢٤٦): ولو نفخ في صلاته، فظهر حرفان، أو قال: أف فسدت صلاته، وإن لم يظهر حرفان، فلا تفسد، هذا قول الأكثرين، وسئل سفيان الثوري عن الرجل يقول في الصلاة: آه؟ قال: يعيد، ومثله عن الشعبي، واتفقوا على الكراهة. وذهب قوم إلى أنه لو نفخ لا تبطل صلاته، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال أبو يوسف: إذا قال: أف لا تبطل، ولو ضحك فظهر حرفان بطلت صلاته، قال جابر: إذا ضحك في الصلاة، أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء، وهو قول عامة أهل العلم وذهب أصحاب الرأي إلى أن القهقهة في الصلاة تبطل الوضوء والصلاة جميعاً ا. هـ وانظر بسط القول فيه في (نصب الراية) ١/ ٤٧، ٥٣ وسيرد معنا حكم القهقة بعد قليل.

стр. 822

- العمل القليل لا يبطل الصلاة: ١٣٢٦ - * روى مسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يصلي، فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" ثلاثاً- وبسط يده، كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهين فقلت: أعوذ بالله منك- ثلاث مرات- ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر- ثلاث مرات- ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة". ١٣٢٧ - * روى الطبراني عن عقبة بن عامر يقول: صلينا مع النبي ﷺ يوماً فأطال القيام، ثم رأيته هوى بيده ليتناول شيئاً، فلما سلم، قال: "ما من شيء وعدتموه إلا قد عرض علي في مقامي هذا. حتى لقد عرضت علي النار وأقبل إلي منها شرر حتى حاذاني مكاني هذا، فخشيت أن يغشاكم". أقول: هذا النص وأمثاله مما ذكر فيه رسول الله ﷺ أنه رأى الجنة وقد أدنيت منه مما لم يره غيره مع أن الجنة فوق السماء السابعة من جملة الأدلة التي جعلتني أقول إن السموات السبع والكرسي والعرش من عالم الغيب فهي موجودة ولكنها مغيبة عن الإنسان. ١٣٢٨ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه،

стр. 823

فذعته، فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: (رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) (١) فرده الله خاسئاً". وفي رواية (٢) "فأخذته بدل فذعته". ١٣٢٩ - * روى ابن خزيمة عن أنس بن مالك، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، قال: فبينما هو في الصلاة مد يده ثم أخرها، فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول الله صنعت في صلاتك هذه ما لم تصنع في صلاة قبلها. قال: "إني رأيت الجنة قد عرضت علي ورأيت فيها ... قطوفها دانية حبها كالدباء، فأردت أن أتناول منها، فأوحي إليها أن استأخري، فاستأخرت. ثم عرضت علي النار، بيني وبينكم حتى رأيت ظلي وظلكم فأومأت إليكم أن استأخروا، فأوحي إلي أن أقرهم فإنك أسلمت وأسلموا، وهاجرت وهاجروا، وجاهدت وجاهدوا، فلم أر لي عليكم فضلاً إلا بالنبوة". ١٣٣٠ - * روى الشيخان عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ ذلك النبي ﷺ فصلى الظهر، ثم أتاهم ليصلح بينهم، ثم قال لبلال: "يا بلال إذا

стр. 824

حضرت صلاة العصر ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس". فلما حضرت العصر أذن بلال، ثم أقام، ثم قال لأبي بكر: تقدم فتقدم أبو بكر فدخل في الصلاة، ثم جاء رسول الله ﷺ فجعل يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر، قال، وصفح القوم، وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لا يلتفت. فلما رأى أبو بكر التصفيح لا يمسك عنه، التفت، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أي امضه، فلما قال: لبث أبو بكر هنيهة يحمد لله على قول رسول الله ﷺ : "امضه"، ثم مشى أبو بكر القهقرى على عقبيه فتأخر، فلما رأى ذلك النبي ﷺ تقدم فصلى بالناس. فلما قضى صلاته، قال: "يا أبا بكر: ما منعك إذ أومأت إليك ألا تكون مضيت"؟ قال: لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله ﷺ . وقال النبي ﷺ للناس: "إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفح النساء". وقال ابن أبي حازم في حديثه: فأشار إليه رسول الله ﷺ هكذا، يأمره أن يصلي، فرفع أبو بكر يده، فحمد الله ثم رجع القهقرى وراءه. وقال عبد الأعلى في حديثه: فأومأ إليه رسول الله ﷺ أي كما أنت، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله وأثنى عليه لقول رسول الله ﷺ ، ثم رجع القهقرى. هذا دليل أن الخطو المتقطع القليل لا يفسد الصلاة ما دام صاحبه متجهاً نحو القبلة وأن الحركة القليلة لا تفسد الصلاة وأن للإمام أن يستخلف غيره وهو في الصلاة في حالات خاصة وهو موضوع سيأتي. ١٣٣١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك الأنصاري إن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسم فضحك. فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فأشار إليهم رسول الله ﷺ

стр. 825

بيده: أن أتموا صلاتكم. ١٣٣٢ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: جئت يوماً من خارج ورسول الله ﷺ يصلي في البيت والباب عليه مغلق، فاستفتحت فتقدم وفتح لي، ثم رجع القهقرى إلى مصلاه، فأتم صلاته. وقال الترمذي: ووصفت: أن الباب كان في القبلة. وفي رواية النسائي (٢) قالت: استفتحت الباب ورسول الله ﷺ يصلي تطوعاً، والباب على القبلة، فمشى عن يمينه- أو عن يساره- ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه. أقول: المشي في الصلاة يحتاج إلى فقه، فقد ذكر الفقهاء أن من اضطر للمشي يخطو وهو متوجه نحو القبلة ويقف وقفة قليلة عند كل خطوة مقدار سبحان ربي العظيم ثم ينتقل إلى خطوة أخرى وهكذا فإن صلاته لا تبطل وإن كثرت الخطا ذهاباً وإياباً ما لم يختلف المكان بأن خرج من المسجد مثلاً كما أن الحركة لفتح باب أو غيره تحتاج إلى فقه فتكون بأقل ما يمكن من العمل الذي لا يعتبر كثيراً عرفاً في الصلاة. قال في النيل: الحديث يدل على إباحة المشي في صلاة التطوع للحاجة. ١٣٣٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب". أقول: قال الفقهاء لا تبطل الصلاة بقتل الحية والعقرب إذا تم ذلك بعمل قليل عرفاً أما إذا كثر فإنه يقطع الصلاة ويستأنفها من الابتداء، قال الفقهاء: لا يكره عند بعض

стр. 826

العلماء قتل حية وعقرب ونحوهما من كل حيوان مؤذ ولو بضربتين ولم يقتض عملاً كثيراً ولو أدى إلى انحراف عن القبلة. ١٣٣٤ - * روى البخاري عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينا أنا على جرف نهر، إذ جاء رجل، فقام يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه، وجعل يتبعها- قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي- فجعل الرجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال: إني سمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول الله ﷺ ست عزوات/ أو سبع غزوات، أو ثمان- وشهدت تيسيره، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلي مألفها فيشق علي. وفي أخرى (٢) قال: كنا على شاطئ النهر بالأهواز، وقد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة على فرس، فصلى، وخلى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها، حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ؟ ترك صلاته من أجل فرس، فأقبل فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله ﷺ ، قال: وقال: إن منزلي متراخ فلو صليت وتركته لم آت أهلي إلى الليل. وذكر أنه قد صحب النبي ﷺ ، فرأى من تيسيره. أقول: مما أجازه الفقهاء قطع الصلاة من أجل رد الدابة إذا شردت، وفعل أبي برزة دليل على ذلك.

стр. 827

- عمل القلب لا يبطل الصلاة وإن طال: ١٣٣٥ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: "إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الأذان فإذا قضي الأذان أقبل فإذا ثوب بها أدبر فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل إن يدري كم صلى فإذا لم يدر أحدكم ثلاثاً صلى أو أربعاً فليسجد سجدتين وهو جالس" وقال البخاري قال عمر: "إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة". يدل على أن الوسوسة في الصلاة غير مبطلة لها وكذا سائر الأعمال القلبية لعدم الفارق ومعنى قول عمر: أنه يدبر تجهيزه ويفكر فيه.

стр. 828

- حمل الأطفال في الصلاة: ١٣٣٦ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره، فقال: "من أحبني فليحب هذين". ١٣٣٧ - * روى الشيخان عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ لأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس- فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. وفي رواية (٣): "رأيت رسول الله ﷺ يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها". وفي أخرى (٤) لأبي داود: قال: "بينا نحن جلوس في المسجد، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي صبية، فحملها على عاتقه، فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته، يفعل ذلك بها". وفي أخرى (٥) له قال: "بينا نحن ننظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت بنته على عنقه، فقام رسول الله ﷺ في مصلاه، وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه، قال: فكبر فكبرنا، حتى إذا أراد رسول الله ﷺ أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده وقام، أخذها فردها في مكانها، فما زال رسول الله ﷺ يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته. أقول: ما فعله رسول الله ﷺ في هذه الروايات، هو الفاصل بين العمل الكثير

стр. 829

والقليل عند الحنابلة، فما كان في هذا الحد فهو قليل لا تبطل به الصلاة، واعتبر كثير من العلماء أن هذا الحديث منسوخ بمثل قوله ﵊: "إن في الصلاة لشغلاً" وبالتالي فحد العمل الكثير عندهم الذي تبطل به الصلاة يختلف عن حده عند الحنابلة، وقد مر معنا، وبعض الناس أصبحوا في عصرنا يعتبرون الاستثناء أصلاً، فهذه الحادثة وما أشبهها كانت نادرة في حياة رسول الله ﷺ فعلى فرض النسخ، فالأصل أن لا يفعل مثلها المسلم إلا لحاجة أو ضرورة، أما أن تصبح الحركات في الصلاة وكأنها الأصل فذلك بعيد عن السنة.

стр. 830

- من نابه شيء في صلاته فإنه يسبح والمرأة تصفق: ١٣٣٨ - * روى الشيخان عن سهل بن سعد عن النبي ﵌: "من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنما التصفيق للنساء". ١٣٣٩ - * روى الجماعة عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة". قال في (النيل ٢/ ٣٧٢): وأحاديث الباب تدل على جواز التسبيح للرجال والتصفيق للنساء إذا ناب أمر من الأمور وهي ترد على ما ذهب إليه مالك في المشهور عنه من أن المشروع في حق الجميع التسبيح دون التصفيق وقد اختلف في حكم التسبيح والتصفيح هل الوجوب أو الندب أو الإباحة فذهب جماعة من الشافعية إلى أنه سنة، منهم الخطابي وتقي الدين السبكي والرافعي وحكاه عن أصحاب الشافعي.

стр. 831

- كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة: ١٣٤٠ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم"، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: "لينتهن عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم". قال ابن بطال: أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة، واختلفوا في خارج الصلاة في الدعاء، فكرهه شريح وطائفة، وأجازه الأكثرون، لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. - النهي عن القراءة في الركوع والسجود: ١٣٤١ - * روى مسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن وأنا راكع أو ساجد، ولا أقول: نهاكم". أقول: ما ظنه الإمام علي خاصاً به هو عام في حق كل مسلم، فقراءة القرآن في الركوع والسجود مكروهة لأنها في غير محلها، والكراهة عند الحنفية تحريمية.

стр. 832

- النهي عن نقر الصلاة: ١٣٤٢ - * روى الطبراني عن أبي عبد الله الأشعري قال: صلى رسول الله ﷺ بأصحابه ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل فقام يصلي، فجعل يركع وينقر في سجوده، فقال النبي ﷺ : "أترون هذا، من مات على هذا، مات على غير ملة محمد، ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم، إنما مثل الذي يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا التمرة والتمرتين فماذا تغنيان عنه، فأسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار، أتموا الركوع والسجود". قال أبو صالح، فقلت لأبي عبد الله الأشعري: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أمراء الأجناد عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة كل هؤلاء سمعوه من النبي ﷺ . أقول: مر معنا أن الطمأنينة في السجود والركوع وبعض أفعال الصلاة فريضة عند الجمهور وواجب عند الحنفية، فتركها عند الحنفية حيث وجبت مكروه تحريماً يأثم به صاحبه ويجب عليه إعادة الصلاة ما دام في الوقت. - النهي عن الافتراض في الصلاة، ونحوه: ١٣٤٣ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل بالمكان في المسجد كما يوطن البعير".

стр. 833

١٣٤٤ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : "إذا صليت فلا تبسط ذراعيك بسط السبع وادعم على راحتيك وجاف مرفقيك عن ضبعيك". أقول: إن افتراش المصلي ذراعيه، أي مدهما كما يفعل السبع، مكروه تحريماً عند الحنفية والملاحظ أنه في كثير من أعمال الصلاة وغيرها نهي الإنسان عن التشبه بالحيوان، وذلك مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية أن تتحقق إنسانية الإنسان وأن يتعمق تميزه عن الحيوان ومن عرف بعض توجهات الكافرين في عصرنا في تقليد الحيوان عرف حكمة الشارع في هذه الشؤون.

стр. 834

- حكم القهقهة: ١٣٤٥ - * روى الطبراني في الصغير عن جابر (رفعه): لا يقطع الصلاة الكشر ولكن يقطعها القهقهة. أقول: القهقهة في الصلاة تبطلها باتفاق الفقهاء وهي تبطل الوضوء كذلك عند الحنفية، وأما التبسم بلا صوت فلا يفسد الصلاة عند أحد وهو المراد هنا بالكشر، وأما الضحك الذي يسمع به الإنسان نفسه دون أن يسمع غيره فإنه يفسد الصلاة فقط دون الوضوء. ١٣٤٦ - * روى أبو يعلى عن جابر قال: سئل عن الرجل يضحك في الصلاة قال يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء. ١٣٤٧ - * روى الطبراني في الكبير عن أبي موسى قال بينما رسول الله ﷺ يصلي إذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد وكان في بصره ضرر فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة فأمر رسول الله ﷺ من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة. أقول: من حكمة الأمر بالوضوء لمن قهقه في الصلاة أن يجري تغييراً بذلك على حاله النفسي فقد جرت العادة أن من غلبه شيء على الضحك الكثير، فإنه يعاوده إذا ذكره مرة بعد مرة.

стр. 835

- النهي عن تزيين الصلاة: ١٣٤٨ - * روى ابن خزيمة عن محمود بن لبيد، قال: خرج النبي ﷺ ، فقال: "أيها الناس إياكم وشرك السرائر". قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: "يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته، جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر". أقول: على المسلم أن يجاهد نفسه في تحقيق الإخلاص ولا ينبغي أن يترك العمل الصالح خشية الرياء بل عليه أن يفعله وأن يجاهد نفسه لتحقيق الإخلاص فيه. - النهي عن السدل والإسبال: ١٣٤٩ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه. أقول: السدل هو أن يضع الإنسان شيئاً على عاتقه ويرخي طرفيه على جسمه، وهو عند الجمهور مكروه، الكراهة عند الحنفية تحريمية، وأما التلثم بأن يغطي الإنسان أنفه فهو مكروه تحريماً وتغطية فمه مكروه تنزيهاً. ١٣٥٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أسبل إزاره في صلاته خيلاء، فليس من الله في حل ولا حرام"، قال: ورواه جماعة [عن عاصم] موقوفاً على ابن مسعود.

стр. 836

أقول: إسبال الإزار بما يجاوز الكعبين خيلاء مكروه تحريماً، فمن صلى وحاله كذلك لا تقبل صلاته، ويسن عند الحنفية أن يتوب عن الخيلاء وأن يرفع ثوبه وأن يتوضأ لذنبه، وقد مر معنا أن رسول الله ﷺ أمر صاحب ذلك بالوضوء.

стр. 837

- كراهة الصلاة مع المدافعة: ١٣٥١ - * روى مالك عن عبد الله بن الأرقم ﵁ كان يؤم أصحابه. فحضرت الصلاة يوماً، فذهب لحاجته، ثم رجع فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة"، وعند الترمذي قال: أقيمت الصلاة، فأخذ بيد رجل فقدمه- وكان إمام القوم- وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء" وعند أبي داود: أنه خرج حاجاً أو معتمراً، ومعه الناس، وكان يؤمهم، فلما كان ذات يوم أقام الصلاة: صلاة الصبح، ثم قال: ليتقدم أحدكم- وذهب إلى الخلاء- فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء، وقامت الصلاة، فليبدأ بالخلاء". أقول: تكره تحريماً الصلاة لمن كان يدافع البول أو الغائط أو الريح إلا إذا ضاق وقت الصلاة. ١٣٥٢ - * روى الطبراني في الصغير عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا وجد أحدكم وهو في صلاته رزاً فلينصرف فليتوضأ". ١٣٥٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف ... " ثم ساق

стр. 838

نحوه على هذا اللفظ قال: "ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم". ١٣٥٤ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان".

стр. 839

- النهي عن الالتفات: ١٣٥٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: سألت النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: "هو الاختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد". أقول: يكره تنزيهاً عند الحنفية الالتفات بالوجه، وقال الشافعية يكره تنزيهاً الالتفات بالوجه إلا لحاجة، وقال الحنابلة: يكره في الصلاة التفات يسير بلا حاجة. ١٣٥٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. أقول: هذا يدل على جواز اللحظ في الصلاة بلا حرج إذا كان لضرورة. ١٣٥٧ - * روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية ﵁ قال: ثوب بالصلاة- يعني: صلاة الصبح- فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب. وقال: وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس. أقول: الالتفات في الصلاة في حاجة مهمة جائز عند المالكية والشافعية والحنابلة ولغير حاجة يكره تنزيهاً. قال في (النيل: ٢/ ٣٧٩):

стр. 840

وأحاديث الباب تدل على كراهة الالتفات في الصلاة وهو قول الأكثر والجمهور على أنها كراهة تنزيهية ما لم يبلغ إلى حد استدبار القبلة والحكمة في التنفير عنه ما فيه من نقص الخشوع والإعراض عن الله تعالى وعدم التصميم على مخالفة وسوسة الشيطان.

стр. 841

- الرخصة في مسح الحصى لضرورة: ١٣٥٨ - * روى مالك عن أبي جعفر القارئ قال كنت أرى عبد الله بن عمر إذا أهوى ليسجد مسح الحصى لموضع جبهته مسحاً خفيفاً. ١٣٥٩ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ ، فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي أضعها لجبهتي، أسجد عليها لشدة الحر. في رواية النسائي (٣) قال: كنا نصلي معر سول الله ﷺ الظهر، فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده، ثم أحوله في كفي الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتي. ١٣٦٠ - * روى الشيخان عن معيقيب ﵁ عن النبي ﷺ في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: "إن كنت فاعلاً فواحدة". ولمسلم (٥) قال: ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد- يعني الحصباء- قال: "إن كنت لابد فاعلاًُ فواحدة". أقول: مر معنا أن الحركة القليلة لا تفسد الصلاة فإذا كانت لضرورة فإنها مباحة. وفي (النيل ٢/ ٣٨٧): الأحاديث المذكورة في الباب تدل على كراهة المسح على الحصى ... وحكى النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على كراهته وفي حكاية الاتفاق نظر فإن مالكاً لم ير به بأساً وكان ابن عمر وابن مسعود يفعلانه، وعن ابن مسعود أنه كان يفعله مرة واحدة وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرة ا. هـ باختصار.

стр. 842

- النهي عن الاختصار والتشبيك وفرقعة الأصابع في الصلاة: ١٣٦١ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن أبي هريرة ﵁ يرفعه، قال: نهى الرجل أن يصلي مختصراً. وفي رواية (٢) نهى النبي ﷺ . وفي أخرى (٣): نهى عن الخصر في الصلاة. وفي أخرى (٤) نهى النبي ﷺ عن الاختصار في الصلاة. ١٣٦٢ - * روى البخاري عن عائشة ﵂: أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله. في رواية (٦) ذكرها رزين، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة وغيرها. ١٣٦٣ - * روى أبو داود عن زياد بن صبيح الحنفي قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه، وفي رواية النسائي (٨)، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على

стр. 843

خصري، فقال لي: هكذا- ضربه بيده- فلما صليت، قلت لرجل: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر، قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما رابك مني؟ قال: إن هذا الصلب، وإن رسول الله ﷺ نهانا عنه. أقول اشتهرت هذه الوقفة عن بعض كبار العسكريين وأصبح الناس يقلدونهم فيها، وفيها معنى الاعتداد بالنفس وعدم المبالاة بالآخرين، فهي لغير المصلي مكروهة، وللمصلي أشد كراهة قال الحنفية: التخصر في الصلاة مكروه تحريماً ويكره تنزيهاً خارج الصلاة وكل شيء فيه تصليب، فسنة الإسلام الابتعاد عنه. ١٣٦٤ - * روى الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه"، لذلك كره الصليب في ثوب وكرهت الصلاة في ثوب فيه صليب. ١٣٦٥ - * عن إسماعيل بن أمية قال: سألت نافعاً عن الرجل يصلي وهو مشبك يديه؟ فقال: سمعت ابن عمر يقول: تلك صلاة المغضوب عليهم. وزاد رزين (١): قال: ورأى ابن عمر رجلاً يتكئ على ألية يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة، فقال له: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون. أقول تكره فرقعة الأصابع وتشبيكها ولو كان الإنسان ينتظر الصلاة أو يمشي إليها وكذلك ما دام في المسجد، فمن باب أولى أن تكون مكروهة في الصلاة. ١٣٦٦ - * روى أحمد عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا كان أحدكم في المسجد

стр. 844

فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه". وقد اختلف في الحكمة في النهي عن التشبيك في المسجد كما في حديث أبي سعيد وغيره فقيل لما فيه من العبث وقيل لما فيه من التشبه بالشيطان. وظاهر النهي عن التشبيك التحريم لولا ما ورد عن ذي اليدين أنه ﵊ شبك أصابعه في المسجد وذلك يفيد عدم التحريم ولا يمنع الكراهة لكون فعله نادراً، قال العراقي: وفي معنى التشبيك بين الأصابع تفقيعها فيكره في الصلاة ولقاصد الصلاة. ١٣٦٧ - * روى ابن ماجه عن علي أن النبي ﷺ قال: "لا تفقع أصابعك في الصلاة". قال في "النيل": ويؤيده حديث أنس بن معاذ مرفوعاً (إن الضاحك في الصلاة والملتفت والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة) وفي إسناده ابن لهيعة انظر (النيل ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢) بتصرف.

стр. 845

- النهي عن المرور بين يدي المصلي: ١٣٦٨ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته: الحمار، ولامرأة، والكلب الأسود"، قلت: يا أبا ذر: ما الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان" وزاد الترمذي بعد قوله: كآخرة الرحل. أو كواسطة الرحل. وجعل عوض الأصفر الأبيض، وأول روايته قال: يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كقدر آخرة الرحل ... الحديث. أقول: حمل بعضهم قطع الصلاة هنا على نقص أجرها أما إذا أريد بالقطع البطلان فالعلماء يرون أن الحديث على هذا الفهم منسوخ إلا أن الحنابلة ذكروا من مبطلات الصلاة مرور الكلب الأسود الذي ليس في بدنه شيء سوى السواد بين يدي المصلي، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع في بحث استقبال القبلة. ١٣٦٩ - * روى مالك عن عبد الله بن عباس قال: أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام والنبي ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد. زاد في
следующие страницы →